﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾
أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول "سورة البقرة". بما أغنى عن إعادته هاهنا.
وقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد ونفع لهم في المعاش والمعاد. قال الضحاك في قوله: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾، كقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾، أي: تذكيركم. وكذا قال قتادة، واختاره ابن جرير.
وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وإسماعيل بن أبي خالد، وابن عيينة، وأبو حصين، وأبو صالح، والسدي: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾: ذي الشرف، أي: ذي الشأن والمكانة.
ولا منافاة بين القولين فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار، واختلفوا في جواب هذا القسم، فقال بعضهم: هو قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾. وقيل: قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾، حكاهما ابن جرير، [وهذا الثاني فيه بُعد كبير، وَضَعّفَه ابن جرير] [¬١].
وقال قتادة: جوابه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾، [واختاره ابن جرير] [¬٢].
وقيل: جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها، والله أعلم.
ثم حكى ابن جرير عن بعض أهل العربية [¬٣] أنه قال: جوابه: "ص" بمعنى [¬٤]: صدق حق والقرآن ذي الذكر.
وقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ أي: إن في هذا القرآن لذكرًا [¬٥] لمن يتذكر، وعبرة لمن يعتبر. وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ أي: استكبار عنه وحمية، ﴿وَشِقَاقٍ﴾ أي: مخالفة له ومعاندة ومفارقة.
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٣]- في ت: "العلم". [¬٤]- سقط من: خ، ز. [¬٥]- في ز: "لذكر".
[ ١٢ / ٧١ ]
ثم خوفهم ما أهلك به الأمم المكذبة قبلهم بسبب مخالفتهم للرسل وتكذيبهم الكتب المنزلة من السماء، فقال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: من أمة مكذبة، ﴿فَنَادَوْا﴾ أي: حين جاءهم العذاب استغاثوا وجَأرُوا إلى الله، وليس ذلك بمُجدٍ عنهم شيئًا، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ أي: يهربون، ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾.
قال أبو داود الطيالسي (^١): حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، قال: سألت ابن عباس عن قول الله: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، قال: ليس بحين نداء [¬١]، ولا نَزْو [¬٢]. ولا فرار وقال عليَّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: ليس بحين مغاث.
وقال شبيب بن بشر عن عكرمة، عن ابن عباس: نادوا النداء حين لا ينفعهم، وأنشد:
تَذَكَّرَ [¬٣] لَيْلَى لَاتَ حَين تَذَكُّرِ.
وقال محمد بن كعب في قوله: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، يقول: نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم، واستباصوا [¬٤] للتوبة [¬٥] حين تولت الدنيا عنهم.
وقال قتادة: لما رأوا العذاب أرادوا التوبة في غير حين [¬٦] النداء.
وقال مجاهد: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، ليس بحين فرار ولا إجابة.
وقد روي نحو هذا عن عكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي [¬٧] مالك، والضحاك، وزيد بن أسلم، والحسن، وقتادة.
وعن مالك، عن زيد بن اسم: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، ولا نداء في غير حين النداء.
وهذه الكلمة وهي ﴿وَلَاتَ﴾، هي"لا" التي للنفي، زيدت معها "التاء"، [كما تزاد] [¬٨] في "ثُمّ"، فيقولون: "ثُمّت"، و"رب" فيقولون [¬٩]: "رُبَّت". وهي
_________________
(١) - أخرجه أيضًا الطبري في تفسيره (٢٣/ ١٢١)، والحاكم (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣) من طرق عن أبي إسحاق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٥٦) أيضًا إلى عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد وابن المنذر. [¬١]- سقط من: خ، ز. [¬٢]- في ز: "تروٍ". [¬٣]- في ز: "يذكر". [¬٤]- في خ: "واستناصوا". [¬٥]- بياض في خ، ز. [¬٦]- بعده في ز: "لا". [¬٧]- في خ: "أبو". [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٩]- في ز: "ويقولون".
[ ١٢ / ٧٢ ]
مفصولة، والوقف عليها. ومنهم من حكى عن المصحف الإمام فيما ذكره [بن جرير] [¬١] أنها متصلة بحين: (ولا تحين مناص). والمشهور الأول. ثم قرأ لجمهور بنصب ﴿حِينَ﴾، تقديره: وليس الحين حينَ مناص. ومنهم من جوز النصب بها، وأنشد:
تَذَكُرَ حَبَّ لَيلَى لَاتَ حِينا … وَأَضْحَى الشَّيبَ قَدْ قَطَعَ الْقَرِينا
ومنهم من جَوَّز الجر بها، وأنشد:
طَلَبُوا صُلْحَنَا وَلَاتَ أوَانٍ … فَأَجَبنَا أَنْ لَيسَ حَين بَقَاءِ
وأنشد بعضهم أيضًا:
ولاتَ ساعةِ مَنْدَمِ [¬٢].
بخفض الساعة، وأهل اللغة يقولون: "النوص: التأخر، والبوص: التقدم"؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي: ليس الحين حين فرار ولا ذهاب.
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَال الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إلا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيهِ الذِّكْرُ مِنْ بَينِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن المشركين في تعجبهم من بعثه الرسول بشرًا، كما قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَينَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَال الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾، وقال هاهنا: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ أي: بشر مثلهم، ﴿وَقَال الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: أزعم أن المعبود [¬٣] واحد لا إله إلا هو؟! أنكر المشركون ذلك -قَبَّحهم الله تعالى- وتعجبوا من ترك الشرك بالله، فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان وَأشربته
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين بياض في خ، ز. [¬٢]- في ز: "مسند". [¬٣]- بعده في ز، خ: إلهًا.
[ ١٢ / ٧٣ ]
قلوبهم، فلما دعاهم الرسول ﷺ إلي خلع ذلك من قلوبهم، وإفراد الله بالوحدانية، أعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ﴾، وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين: ﴿امْشُوا﴾ أي: استمروا على دينكم ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾، ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد.
وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ يُرَاد﴾ قال ابن جرير: إن هذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم، والاستعلاء، وأن يكون له منكم أتباع [¬١]، ولسنا [¬٢] مُجِيبيه إليه.
ذكر سبب نزول هذه الآيات
قال السدي: إن ناسًا [¬٣] من قريش اجتمعوا، فيهم: أبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبي طالب فَلْنُكَلّمه فيه، فَلْينصفنا منه، فَلْيكف عن شَتْم آلهتنا، ونَدَعه وإلهه الذي يعبده؛ فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ، فيكونَ منا إليه شيء، فتعيرنا العرب، يقولون: تركوه حتى إذا مات عنه تناولوه. فبعثوا رجلًا منهم يقال له: المطلب، فاستأذن لهم علي أبي طالب، فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسَرَاتهم يستأذنون عليك؟ قال: أدخلهم. فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه. قال: فبعث إليه أبو طالب، فلما دخل عليه رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي، هؤلاء مشيخة قومك وسَرَاتهم، وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدَعُوك وإلهك. قال: "ياعم، أفلا أدعوهم إلي ما هو خير لهم؟ " قال: وإلام تدعوهم؟ قال: "أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها [¬٤] العرب، ويملكون بها العجم". فقال أبو جهل من بين القوم: ما هي وأبيك؟ لنعطينكها [¬٥] وعشرة أمثالها. قال: "تقولون: لا إله إلا الله". فنفر وقال: سلْنا غير هذا. قال: "لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي، ما سألتكم غيرها". فقاموا من عنده غضَابًا، وقالوا: والله لنشتمنك وإلهك الذي أمرك بهذا. ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ يُرَادُ﴾.
رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير (^٢)، وزاد: فلما خرجوا دعا رسول الله صلي الله عليه
_________________
(١) - تفسير الطبري (٢٣/ ١٢٧ - ١٢٨). [¬١]- في خ: "الباع". [¬٢]- في ز: "لنا". [¬٣]- في خ: "أناسًا". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في ت: "لنعطينها".
[ ١٢ / ٧٤ ]
وسلم عمه [¬١] إلي قول "لا إله إلا الله"، فأبى وقال: بل على دين الأشياخ. ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾.
وقال أبو جعفر بن جرير (^٣): حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا: حدثنا أبو أسامة، حدثنا الأعمش، حدثنا عباد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما مرض أبو طالب، دخل عليه رهط من قريش، فيهم [¬٢] أبو جهل، فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا. ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته؟ فبعث إليه، فجاء النبي ﷺ فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، قال: فخشي أبو جهل إن جلس إلي جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه. فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد رسول الله ﷺ مجلسًا قرب عمه، فجلس عند الباب. فقال له أبو طالب: أي ابنَ أخي، ما بال قومك يشكونك، يزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول؟ قال: وأكثروا عليه من القول. وتكلم رسول الله ﷺ فنقال: "يا عم، إني أريدهم علي كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية". ففزعوا لكلمته ولقوله، وقالوا: كلمة واحدة! نعم وأبيك عشرًا، فقالوا: وما [¬٣] هي؟ وقال أبو طالب: و[¬٤] أي كلمة هي يا بن أخي؟ فقال: "لا إله إلا الله". فقامرا فزعين ينفضون ثيابهم، وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عُجَابٌ﴾. قال: ونزلت من [¬٥] هذا الموضع إلى قوله: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾. لفظ أبي كريب.
وهكذا رواه الإمام أحمد، والنسائي من حديث محمد بن عبد الله بن [¬٦] نمير، كلاهما عن أبي أسامة، عن الأعمش، عن عباد، غير منسوب، به نحوه. ورواه الترمذي، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن جرير أيضًا، كلهم في تفاسيرهم (^٤) من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش، عن يحيى بن عُمَارة الكوفي، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، فذكر نحوه. وقال الترمذي: حسن.
وقولهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ أي: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد في الملة الآخرة.
_________________
(١) - تفسير الطبري (٢٣/ ١٢٥)، وأخرجه أحمد (١/ ٢٢٨، ٣٦٢) والنسائي في التفسير (٤٥٧) من طريق أبي أسامة عن الأعمش به.
(٢) - أخرجه أحمد (١/ ٢٢٧)، والترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة (ص)، حديث (٢٣٢٣)، والنسائي في التفسير (٤٥٦) وأبو يعلى (٢٥٨٣) والطبري (٢٣/ ١٢٥)، وابن حبان (١٧٥٧ - موارد)، والحاكم (٢/ ٤٣٢)، والبيهقي (٩/ ١٨٨) من طرق عن سفيان به. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز: "منهم". [¬٣]- في ز: "فما". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في ز: "في". [¬٦]- في ز، خ: "وابن".
[ ١٢ / ٧٥ ]
و[¬١] قال مجاهد وقتادة وابن [¬٢] زيد: يعنون دين قريش.
وقال غيرهم: يعنون النصرانية. قاله محمد بن كعب، والسدي.
وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ يعني النصرانية، قالوا: لو كان هذا القرآن حقًّا أخبرتنا به النصارى ﴿إِنْ هَذَا إلا اخْتِلَاقٌ﴾ قال مجاهد وقتادة: كذب. وقال ابن عباس: تخرص.
وقولهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيهِ الذِّكْرُ مِنْ بَينِنَا﴾: أنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه [¬٣] من بينهم كلهم، كما قالوا في الآية الأخرى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ﴾، قال الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾، ولهذا لما قالوا هذا الذي دل علي [¬٤] جهلهم وقلة عقلهم، في استبعادهم إنزال القرآن علي الرسول من بينهم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أي: إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا إلي حين قولهم ذلك عذابَ الله ونقمته، سيعلمون غِبّ ما قالوا وما كذبوا به يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ثم قال مبينًا أنه المنصرف في ملكه، الفعال لما يشاء، الذي يعطي من شاء لمن يشاء، [ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء] [¬٥]، وينزل الروح من أمره علي من يشاء من عباده، ويختم علي قلب من يشاء، فلا يهديه أحد من بعبد الله، وإن العباد لا يملكون شيئًا من الأمر، وليس إليهم من التصرف [في الملك] [¬٦] ولا مثقال ذرة، وما يملكون من قطمير؛ ولهذا قال تعالى منكرًا عليهم: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ أي: العزيز الذي لا يُرَام جَنَابه، الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد.
وهذه الآية شبيهة بقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَينَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَينَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ وقوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ وذلك بعد الحكاية عن الكفار أنهم أنكروا بعثة الرسول البَشَريّ، وكما أخبر تعالى عن قوم صالح حين قالوا: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيهِ مِنْ بَينِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾.
وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ أي: إن
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "وأبو". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "عليه". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.
[ ١٢ / ٧٦ ]
كان لهم ذلك فليصعدوا في الأسباب.
قال [¬١] ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم: يعني [¬٢]: طرق السماء.
وقال الضحاك: فليصعدوا إلى السماء السابعة.
ثم قال: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ أي: هؤلاء الجند المكذبون الذين هم في عزة وشقاق سيهزمون [¬٣] ويغلبون ويُكبَتُون، كما كبت الذين من قبلهم من الأحزاب المكذبين، وهذه كقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، [كان ذلك يوم بدر] [¬٤]، ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾.
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن هؤلاء القرون الماضية، وما حل بهم من العذاب والنكال والنقمات في مخالفة الرسل وتكذيب الأنبياء. وقد تَقَدمت قصَصُهم مبسوطة في أماكن متعددة.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ أي: كانوا أكثر منكم وأشد قوة، وأكثر أموالًا وأولادًا، فما [¬٥] دافع ذلك عنهم من عذاب الله من شيء، لما جاء أمر ربك؛ ولهذا قال: ﴿إِنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾، فجعل علة هلاكهم هو تكذيبهم بالرسل، فليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر.
وقوله: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ قال مالك، عن زيد بن أسلم: أي: ليس لها مثنوية. أي: ما ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها، أي: قد اقتربت ودنت وأزفت. وهذه الصيحة هي نفخة الفزع التي يأمر [¬٦] الله إسرافيل أن يُطَوّلها، فلا يبقى أحد من أهل السماوات والأرض إلا فزع، إلا من استثنى الله، ﷿.
_________________
(١) [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: ت. [¬٣]- في ز: "فسيهزمون". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- في ز: "لما". [¬٦]- في ز: "أمر".
[ ١٢ / ٧٧ ]
وقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾. هذا إنكار من الله على المشركين في دعائهم علي أنفسهم بتعجيل العذاب، فإن القط هو الكتابُ. وقيل: هو الحظ والنصيب.
قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وغير واحد: سألوا تعجيل العذاب. زاد قتادة: كما قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَينَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَو ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
وقيل: سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة، إن كانت موجودة أن يلقوا ذلك [¬١] في الدنيا. وإنما خَرَج هذا [¬٢] منهم مَخْرَج الاستبعاد والتكذيب.
وقال ابن جرير: سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير أو [¬٣] الشر في الدنيا. وهذا الذي قاله جيد، وعليه يدور كلام الضحاك، وإسماعيل بن أبي خالد، والله أعلم.
ولما كان هذا الكلام منهم علي وجه الاستهزاء والاستبعاد، قال الله تعالى لرسوله ﷺ آمرًا له بالصبر علي أذاهم، ومبشرًا له علي صبره بالعاقبة والنصمر [¬٤] والظفر.
﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَينَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)﴾
يذكر تعالى عن عبده ورسوله داود ﵊؛ أنه كان ذا أيد، والأيد: القوة في العلم والعمل، قال ابن زيد والسدي: الأيد القوة. وقرأ ابن زيد: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ وقال مجاهد: الأيد: القوة في الطاعة.
وقال قتادة: أعطي داود ﵇ قوة في العبادة، وفقهًا في الإِسلام، وقد ذُكر لنا أنه ﵇ كان يقوم ثلث الليل، ويصوم نصف الدهر، وهذا ثابت في الصحيحين (^٥) عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أحب الصلاة إلي الله صلاة داود، وأحب الصيام إلي الله صيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقي، وإنه كان أوابًا". وهو الرجاع إلى الله ﷿ في جميع أموره وشئونه.
_________________
(١) - صحيح البخاري في التهجد، باب: من نام عند السحر، حديث (١١٣١) ومسلم في الصيام، حديث (١١٥٩) من حديث عبد الله بن عمرو به. [¬١]- في خ: "هذا". [¬٢]- في خ: "ذلك". [¬٣]- في خ: "و". [¬٤]- في خ: "والصبر".
[ ١٢ / ٧٨ ]
وقوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ أي: إنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار، كما قال تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيرَ﴾، وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه، وترجّع بترجيعه، إذا مر به الطير وهو سابح [¬١] في الهواء فسمعه [¬٢] وهو يترنم بقراءة الزبور، لا تستطيع الذهاب، بل تقف في الهواء، تسبح [¬٣] معه وتجيبه الجبال الشامخات، ترجع معه، وتسبح تبعًا له.
قال ابن جرير (^٦): حدثنا أبو كريب، حدثنا محمد بن بشر، عن مسْعَر، عن عبد الكريم، عن موسى بن أبي كثير، عن ابن عباس أنه بلغه أن أم هانئ ذكرت أن رسول الله ﷺ يوم فتح مكة صلى الضحى ثمان ركعات. قال ابن عباس: [قد ظننت] [¬٤] أن لهذه الساعة صلاة، يقول الله تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾.
ثم رواه (^٧) من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن أبي المتوكل، عن أيوب بن صفوان، عن مولاه [¬٥] عبد الله بن الحارث بن نوفل، أن ابن عباس كان لا يصلي الضحى. قال: فأدخلته على أم هانئ فقلت: أخبري هذا ما أخبرتيني به [¬٦]، فقالت أم هانئ: دخل علي رسول الله ﷺ يوم الفتح في بيتي، ثم أمر بماء صُبّ في قصعة، ثم أمر بثوب، فأخذ بيني وبينه، فاغتسل ثم رَش ناحية البيت، فصلى ثماني ركعات، وذلك من الضحى، قيامهن وركوعهن وسجودهن وجلوسهن [¬٧] سواء، قريب بعضهن من بعض. فخرج ابن عباس وهو يقول: لقد قرأت ما بين اللوحين ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾، وكنت أقول: أين صلاة الإِشراق؟! وكان بَعدُ يقول: صلاة الإِشراق.
_________________
(١) - تفسير الطبري (٢٣/ ١٣٧)، وانظر التالي.
(٢) - تفسير الطبري (٢٣/ ١٣٧). وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٣) من طريق عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد بن أبي عروبة به. [¬١]- في ز: "سانح". [¬٢]- في ز: "فيسمعه". [¬٣]- في خ، ت: وتسبح. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: "فظننت". [¬٥]- في ز: "مولا". [¬٦]- سقط من: ز. [¬٧]- سقط من: خ، ز.
[ ١٢ / ٧٩ ]
ولهذا قال: ﴿وَالطَّيرَ مَحْشُورَةً﴾ أي: محبوسة في الهواء، ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّاب﴾ أي: مطيع يسبح تبعًا له.
قال سعيد بن جبير وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ أي: مطيع.
﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ أي: جعلنا له ملكًا كاملًا من جميع ما يحتاج إليه الملوك.
قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: كان أشد أهل الدنيا سلطانًا.
وقال السدي: كان يحرسه في كل يوم أربعة آلاف.
وقال بعض السلف: بلغني أنه كان حَرَسُه في كل ليلة ثلاثة وثلاثين ألفًا، لا تدور عليهم النوبة إلي مثلها من العام القابل.
وقال غيره: أربعون ألفًا [مشملون بالسلاح] [¬١].
وقد ذكر ابنُ جرير، وابن أبي حاتم (^٨)، من رواية علْباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن نَفَرين من بني إسرائيل استعدى أحدهما علي الآخر إلي داود ﵇ أنه اغتصبه بقرًا، فأنكر الآخر، ولم يكن للمدعي بيّنة، فأرجأ أمرهما. فلما كان الليل أمر داود ﵇ في المنام بقتل المدعي. فلما كان النهار طلبهما وأمر بقتل المدعي، فقال: يا نبي الله؛ علام تقتلني وقد اغتصبني هذا بقري؟ فقال: إن الله ﷿ قد [¬٢] أمرني بقتلك، فأنا قاتلك لا محالة. فقال: والله [¬٣] يا نبي الله؛ إن الله لم يأمرك بقتلي لأجل هذا الذي ادعيتُ عليه، وإني لصادق فيما ادعيت، ولكني كنت قد اغتلت أباه وقتلته، ولم يشعر بذلك أحد، فأمر [داود بقتله فقتل] [¬٤].
قال ابن عباس: فاشتدت هيبته في بني إسرائيل، وهو الذي يقول الله ﷿: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾.
وقوله: ﴿وَآتَينَاهُ الْحِكْمَةَ﴾، قال مجاهد: يعني الفهم والعقل والفطة. وقال مَرّة: الحكمة والعدل. وقال مَرّة: الصواب.
وقال قتادة: كتاب الله واتباع ما فيه.
_________________
(١) - تفسير الطبري (٢٣/ ١٣٨). [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "مشتكون السلاح". [¬٢]- سقط من خ، ت. [¬٣]- في ز: "يالله". [¬٤]- في ت: "به داود فقتل".
[ ١٢ / ٨٠ ]
وقال السدي: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ النبوة.
وقوله: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال شريح القاضي، والشعبي: فصل الخطاب الشهود والأيمان.
وقال قتادة: شاهدان على المدعي، أو يمين المدعى عليه، هو فصل الخطاب الذي فصل به الأنبياء والرسل -أو قال: المؤمنون والصالحون- وهو قضاء هذه الأمة إلى يوم القيامة. وكذا قال أبو عبد الرحمن السلمي.
وقال مجاهد والسدي: وإصابة القضاء وفهمه. وقال مجاهد أيضًا: هو الفصل في الكلام وفي الحكم، وهذا يشمل هذا كله، وهو المراد، واختاره ابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم (^٩): حدثنا عمر بن شَبَّة النميري، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثني عبد العزيز بن أبي ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن بلال بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى ﵁ قال: أول من قال: "أما بعد". داود ﵇ وهو فصل الخطاب.
وكذا قال الشعبي فصل الخطاب: "أما بعد".
﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَينَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَال أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَال لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾
قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ [¬١] من الإِسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم
_________________
(١) - عزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٦٤) إلى ابن أبي حاتم والديلمي. [¬١]- في ز: "مأخوذة".
[ ١٢ / ٨١ ]
حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم (^١٠) هنا حديثًا لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي، عن أنس، ويزيد وإن كان من الصالحين لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة، فالأولى أن يقتصر علي مجرد تلاوة هذه القصة وأن يُرَد علمها إلى الله ﷿ فإن القرآن حق، وما تضمن فهو حق أيضًا.
وقوله: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، إنما كان ذلك لأنه كان في محرابه، وهو أشرف مكان في داره، وكان قد أمرَ أن لا يدخل عليه أحد ذلك اليوم، فلم يشعر إلا بشخصين قد تَسَوّرا عليه المحراب، أي: احتاطا به يسألانه عن شأنهما.
وقوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أي: غلبني يقال: عزّ يعزُّ: إذا قهر وغلب.
وقوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي اختبرناه.
وقوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ أي: ساجدًا ﴿وَأَنَابَ﴾ ويحتمل أنه ركع أولًا، ثم سجد بعد ذلك. وقد ذكر أنه استمر ساجدًا أربعين صباحًا، ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أي: ما كان منه مما يقال فيه: "إن حسنات الأبرار سيئات المقربين".
وقد اختلف الأئمة ﵃ في سجدة "ص"، هل هي من عزائم السجود؟ على قولين؛ الجديد من مذهب الشافعي ﵀ أنها ليست من عزائم السجود، بل هي سجدة شكر. والدليل علي ذلك ما رواه الإِمام أحمد حيث قال (^١١):
حدثنا إسماعيل -وهو ابن عُلَيّة-، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال في السجود في "ص": ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها.
ورواه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي في تفسيره، من حديث أيوب به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال النسائي (^١٢) أيضًا عند تفسير هذه الآية: أخبرني إبراهيم بن [¬١] الحسن، هو المقْسَمي،
_________________
(١) - أخرجه الطبري في تفسيره (٢٣/ ١٥٠)، من طريق يزيد الرقاشي عن أنس به، وزاد السيوطي نسبته في الدر المنثور (٥/ ٥٦٥) إلى الحكيم الترمذي في نوادر الأصول.
(٢) - المسند (١/ ٣٦٠)، وأخرجه البخاري في كتاب سجود القرآن، باب: سجدة (ص)، حديث (١٠٦٩)، وطرفه في (٣٤٢٢)، وأبو داود في سجود القرآن، باب: السجود في (ص)، حديث (١٤٠٩)، والترمذي في الصلاة، باب: ما جاء في السجدة في (ص)، حديث (٥٧٧)، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٥٩٨٨) من طرق عن أيوب السختياني به.
(٣) - تفسير النسائي رقم (٤٥٨)، وهو في السنن الصغرى له أيضًا في كتاب الافتتاح، باب:= [¬١]- في ز: "عن".
[ ١٢ / ٨٢ ]
حدثنا حجاج بن محمد، عن عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ سجد في "ص"، وقال: "سجدها داود ﵇، توبة، ونسجدها شكرًا".
تفرد بروايته النسائي، [ورجال إسناده كلهم] [¬١] ثقات.
وقد أخبرني شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي قراءة عليه وأنا أسمع:
أخبرنا أبو إسحاق المدرجي، أخبرنا زاهر بن أبي طاهر الثقفي، أخبرنا زاهر بن طاهر الشحامي [¬٢]، أخبرنا أبو سعيد [¬٣] الكنجروذي [¬٤]، أخبرنا الحاكم أبو أحمد مححد [¬٥] بن محمد الحافظ، أخبرنا أبو العباس السراج، حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا محمد بن يزيد بن خُنَيس، عن الحسن بن محمد بن عبيد [¬٦] الله بن أبي يزيد، قال: قال لي ابن جريج: يا حسن، حدثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس؛ قال: جاء رجل إلي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيت فيما يرى النائم كأني أصلى خلف شجرة، فقرأت السجدة، فسجدتُ فسجدتِ الشجرةُ لسجودي، فسمعتها تقول وهي ساجدة: "اللهم، اكتب لي بها عندك أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وضع عني بها وزرًا، واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود".
قال ابن عباس: فرأيت النبي ﷺ قام فقرأ السجدة، ثم سجد، فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة (^١٣).
رواه الترمذي عن قتيبة، وابن ماجة عن أبي بكر بن خلاد، كلاهما عن محمد بن يزيد بن خنيس، نحوه، وقال الترمذي: غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
_________________
(١) = سجود القرآن (السجود في ص) (٢/ ١٥٩)، وفي الكبرى برقم (١٠٢٩) بسنده ومتنه. وأخرجه الدارقطني في سننه (١/ ٤٠٧) من طريق عبد الله بن بذيع عن عمرو بن ذر به.
(٢) - أخرجه الترمذي في أبواب الصلاة، باب: ما يقوله في سجود القرآن حديث (٥٧٩)، وفي الدعوات، باب ما يقول في سجود القرآن، حديث (٣٤٢٤)، وابن ماجه في إقامة الصلاة، والسنة، باب: سجود القرآن، حديث (١٠٥٣)، وابن خزيمة (٥٦٢، ٥٦٣) من طرق عن محمد بن يزيد بن خنيس به. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "وإسناده رجالهم كلهم". [¬٢]- في ز: "السحابي". [¬٣]- في ز، خ، ت: "أبو سعد" والتصويب من اللباب لابن الأثير (٣/ ١١٣). [¬٤]- في ز: "الكنجدروذي". [¬٥]- سقط من: خ، ز. [¬٦]- في خ: "عبد".
[ ١٢ / ٨٣ ]
وقال البخاري (^١٤) عند تفسيرها أيضًا: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي، عن العوام؛ قال: سألت مجاهدًا عن سجدة "ص"؟ فقال: سألت ابن عباس: من أين سَجَدْتَ؟ فقال: أو ما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ﴾، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، فكان داود ﵇ ممن [¬١] أمِرَ نَبيّكم ﷺ أن يقتدى به، فسجدها داود ﵇ فسجدها رسول الله ﷺ.
وقال الإمام أحمد (^١٥): حدثنا عفان، حدثنا يزيد بن زُرَيع، حدثنا حميد، حدثنا بكر -هو ابن عبد الله المزني- أنه أخبره: أن أبا سعيد الخدري رأى رؤيا أنه يكتب "ص"، فلما بلغ إلى التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدًا. قال [¬٢]: فقصها على النبي ﷺ، فلم يزل يسجد بها بعد. تفرد به أحمد.
وقال أبو داود (^١٦): حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، عن أبي سعيد الخُدْري ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ وهو علي المنبر ﴿ص﴾، فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تَشَزَّن (*) الناس للسجود فقال: "إنما هي توبه نبي، ولكني رأيتكم تشزَّنتم [¬٣] ". فنزل وسجد وسجدوا [¬٤]. تفرد به أبو داود، وإسناده على شرط الصحيح.
وقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي: وإن له يوم القيامة لقربة يُقَرِّبه الله، ﷿، بها، وحسن مرجع، وهو الدرجات العاليات في الجنة، لنبوته [¬٥] وعدله التام في ملكه، كما جاء في الصحيح: "المقسطون علي منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يقسطون في أهليهم وما وُلُّوا".
_________________
(١) - صحيح البخاري في التفسير، باب: سورة ص، حديث (٤٨٠٧)، وانظر أيضًا الحديث رقم (٤٨٠٦)، والحديث في مسند أحمد (١/ ٣٦٠) أيضًا من طريق يحيى بن أبي غنية عن العوام بن حوشب به.
(٢) - المسند (٣/ ٧٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٨٧): رجاله رجال الصحيح.
(٣) - سنن أبي داود في الصلاة، باب السجود في (ص) حديث (١٤١٠). وأخرجه الدارمي (١٤٧٤)، (١٥٦٢)، وابن خزيمة (١٤٥٥) (١٧٩٥) من طريق سعيد بن أبي هلال به. (*) التشزن: التأهب والتهيؤ للشيء، والاستعداد له. النهاية (٢/ ٤٧١). [¬١]- في ز: "فيمن". [¬٢]- في ز: "فقال". [¬٣]- في ز: "نشزتم". [¬٤]- سقط من: خ، ز. [¬٥]- في خ: "لتوبته".
[ ١٢ / ٨٤ ]
وقال الإِمام أحمد (^١٧): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسًا، إمام عادل. وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابًا، إمام جائر".
ورواه الترمذي من حديث فضيل -وهو ابن مرزوق الأغرَ عن عطية به. وقال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه.
وقال ابن أبي حاتم (^١٨): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار، حدثنا جعفر بن سليمان، سمعت مالك بن دينار في قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال: مقام [¬١] داود يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول: يا داود؛ مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به [¬٢] في الدنيا. فيقول: وكيف وقد سُلِبتُه؟ فيقول: إني أرده عليك اليوم. قال: فيرفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان.
﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾
هذه وصية من الله ﷿ لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده ﵎، ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيله. وقد توعد تعالى من ضل عن سبيله، وتناسى يوم الحساب، بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد، حدثنا مروان بن جناح، حدثني إبراهيم أبو زرعة -وكان قد قرأ الكتاب- أن الوليد بن عبد الملك؛ قال له: أيحاسب الخليفة، فإنك قد قرأت الكتاب الأول، وقرأت القرآن وفَقهتَ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين؛ أقول؟ قال: قل في أمان. قلت: يا أمير المؤمنين؛ أنت أكرم على الله أو داود؟ إن الله ﷿ جمع له النبوة والخلافة، ثم توعده [¬٣] في كتابه فقال: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا
_________________
(١) - المسند (٣/ ٢٢)، وأخرجه في (٣/ ٥٥)، والترمذي في الأحكام باب: ما جاء في الإمام العادل، حديث (١٣٢٩) من طريق فضيل بن مرزوق به.
(٢) - عزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور (٥/ ٥٧٣) إلى أحمد في الزهد والحكيم الترمذي وابن المنذر. [¬١]- في ز، خ، ت: يقم. والمثبت من الدر والمنثور. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز: "تواعده".
[ ١٢ / ٨٥ ]
جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ الآية.
[وقال عكرمة: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾، [¬١]، هذا من المقدم والمؤخر، لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا.
وقال السدي: لهم عذاب شديد بما تركوا أن يعملوا ليوم الحساب.
وهذا القول أمشى علي ظاهر الآية، فالله أعلم.
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾
يخبر تعالى أنه ما خلق الخلق عبثًا، وإنما خلقهم ليعبدوه ويوحدوه، ثم يجمعهم [¬٢] ليوم الجمع، فيثيب المطيع ويعذب الكافر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: الذين لا يرون بعثًا ولا معادًا، وإنما يعتقدون هذه الدار فقط، ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ أي: ويل لهم يوم معادهم ونشورهم من النار المعدة لهم.
ثم بين تعالى أنه من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمن والكافر، فقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ أي: لا نفعل ذلك، ولا يستوون عند الله، وإذا كان الأمر كذلك فلا بُدّ من دار أخرى، يثاب فيها هذا المطيع، ويعاقب فيها هذا الفاجر. وهذا الإِرشاد يدل العقول السليمة والفطَرَ المستقيمة على أنه لا بد من معاد وجزاء، فإنا نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه ويموت كذلك، ونرى المطيع المظلوم يموت بكَمَده، فلا بد في حِكمَة الحكيم العليم العادل، الذي لا يظلم مثقال ذرة، من إنصاف هذا من هذا. وإذا لم يقع هذا في هذه الدار، فتعين [أن هناك دارًا] [¬٣] أخرى لهذا الجزاء والمواساة. ولما كان القرآن يرشد إلي المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية الصريحة، قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: ذوو العقول، وهي الألباب، جمع لب، وهو العقل.
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في ز: "جمعهم". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، وفي ز "دار".
[ ١٢ / ٨٦ ]
قال الحسن البصري: والله ما تَدَبُّرُه بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن، ما يُرَى له القرآن في خلق ولا عمل. رواه ابن أبي حاتم.
﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَال إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾
يقول تعالى مخبرًا [¬١]- أنه وهب لداود سليمان أي: نبيًّا؛ كما قال: ﴿وورث سليمان داود﴾ أي: في النبوة، وإلا فقد كان له بنون غيره، فإنه قد كان عنده مائة امرأة حرائر.
وقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، ثناء على سليمان ﵇ بأنه كثير الطاعة والعبادة والإِنابة إلي الله ﷿.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمود بن خالد، حدثنا الوليد، حدثنا ابن جابر، حدثنا مكحول؛ قال: لما وهب الله لداود سليمان ﵇ قال له: يا بني؛ ما أحْسَنُ؟ قال: سكينة الله وإيمان. قال: فما أقبح؟ قال: كفر بعد إيمان. قال: فما أحلى؟ قال: روح الله بين [¬٢] عباده. قال: فما أبردُ؟ قال: عفو الله عن الناس، وعفو الناس بعضهم عن بعض. قال داود ﵇: فأنت نبي.
وقوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ أي: إذ عرض على سليمان في حال مملكته وسلطانه الخيل الصافنات.
قال مجاهد: وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة. والجياد: السراع. وكذا قال غير واحد من السلف.
و[¬٣] قال ابن جرير (^١٩): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مُؤمَّل، حدثنا سفيان، عن أبيه سعيد بن مسروق، عن إبراهيم التيمي في قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قال: كانت عشرين فرسًا ذات أجنحة، كذا رواه ابن جرير.
_________________
(١) - تفسير الطبري (٢٣/ ١٥٤) لكن نقله السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٨٠) عن إبراهيم بلفظ "قال: عشرين ألف فرس ذات أجنحة، فعقرها". وعزاه إلي الفريابي وكبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم. [¬١]- في خ: "مختبرًا". [¬٢]- في خ، ز: "من". [¬٣]- سقط من: ز.
[ ١٢ / ٨٧ ]
وقال ابن أبي حاتم (^٢٠): حدثنا أبو زرعة، حدثنا [¬١]- إبراهيم بن موسى، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرني إسرائيل، عن سعيد بن مسروق، عن إبراهيم التيمي؛ قال: كانت الخيل التي شغلت سليمان ﵊ عشرين ألف فرس، فعقرها. وهذا أشبه، والله أعلم.
وقال أبو داود (^٢١): حدثنا محمد بن عوف، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثني عُمَارة بن غَزيّة؛ أن محمد بن إبراهيم حدثه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ قالت: قَدِمَ رسولُ الله ﷺ من غزوة تبوك -أو: خيبر- وفي سهوتها ستر، فهبت الريح، فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة -لُعَب- فقال: "ما هذا يا عائشة؟ ". قالت: بناتي. ورأي بينهن فرسًا له جناحان من رقاع، فقال: "ما هذا الذي أرى وسطهن؟ ". قالت: فرس. قال: "وما هذا [¬٢] الذي عليه؟ ". قالت: جناحان. قال: "فرس له جناحان؟! ". [قالت: أما] [¬٣] سمعت أن لسليمان خيلًا لها أجنحة؟ قالت [¬٤]: فضحك حتى رأيت نواجذه ﷺ.
وقوله: ﴿فَقَال إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾، ذكر غير واحد من السلف والمفسرين أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت صلاة العصر، والذي يقطع به أنه لم يتركها عمدًا بل نسيانًا، كما شُغِل النبي ﷺ يوم الخندق عن صلاة العصر حتى صلاها بعد الغروب، وذلك ثابت في الصحيحين من غير وجه (^٢٢)؛ من ذلك: عن جابر؛ قال: جاء عمر ﵁ يوم الخندق بعد ما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، ويقول: يا رسول الله؛ والله ما كدْتُ أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب. فقال رسول الله ﷺ: "والله ما صليتها". فقال: فقمنا إلى بُطْحَان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب.
ويحتمل أنه كان سائغًا في ملتهم تأخير الصلاة لعذر الغزو والقتال، والخيل تراد للقتال، وقد ادعي [¬٥] طائفة من العلماء أن هذا كان مشروعًا فنسخ ذلك بصلاة الخوف، ومنهم من ذهب إلي ذلك في حال المسايفة والمضايقة، حيث لا يمكن صلاة ولا ركوع ولا سجود، كما فعل
_________________
(١) - انظر السابق.
(٢) - سنن أبي داود في الأدب، باب: في اللعب بالبنات، حديث (٤٩٣٢).
(٣) - أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة، باب: من صلي بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت، حديث (٥٩٦)، وأطرافه في (٥٩٨، ٢٦٤١، ٥٤٩، ٤١١٢)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٦٣١) من حديث جابر ﵁. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "ما". [¬٤]- سقط من خ، ت. [¬٥]- بعده في ز: هذا.
[ ١٢ / ٨٨ ]
الصحابة ﵃ في فتح تُستَر، وهو منقول عن مكحول، والأوزاعي، وغيرهما. والأول أقرب؛ لأنه قال بعدها: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾.
قال الحسن البصري: قال: لا، والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك. ثم أمر بها فعقرت. وكذا قال قتادة.
وقال السدي: ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها؛ حُبَّالِها.
وهذا القول اختاره ابن جرير، قال: لأنه لم يكن ليعذب حيوانًا بالعرقبة، ويهلك مالًا من ماله بلا سبب سوى أنه اشتغل عن صلاله بالنظر إليها ولا ذنب لها. وهذا الذي رَجّح به ابن جرير فيه نظر؛ لأنه قد يكون في شرعهم جواز مثل هذا، ولا سيما إذا كان غضبًا لله ﷿ بسبب أنه اشتغل بها حتى خرج [¬١] وقت الصلاة؛ ولهذا لما خرج عنها لله تعالى عوضه الله تعالى ما [¬٢] هو خير منها، وهي الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب، غدوها شهر ورواحها شهر، فهذا أسرع وخير من الخيل.
و[¬٣] قال الإمام أحمد (^٢٣): حدثنا إسماعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة وأبي الدهماء -وكانا يكثران السفر نحو البيت- قالا: أتينا علي رجل من أهل البادية، فقال البدوي: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فجعل يعلمني مما علمه الله تعالى، وقال: "إنك لا تدع شيئًا اتقاء الله ﷿ إلا أعطاك الله خيرًا منه".
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيمَانَ وَأَلْقَينَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَال رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾
_________________
(١) - المسند (٥/ ٧٨)، وأخرجه في (٥/ ٧٩) عن بهز، وعفان عن سليمان بن المغيرة به. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز: "بما". [¬٣]- سقط من: ز.
[ ١٢ / ٨٩ ]
يقول تعالى: ﴿ولقد فتنا سليمان﴾ أي: اختبرناه بأن سلبناه الملك مرة، ﴿وَأَلْقَينَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، وغيرهم: يعني شيطانًا. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أي: ثم [¬١] رجع إلى ملكه وسلطانه وأبهته.
قال ابن جرير: وكان اسم ذلك الشيطان صخرًا [¬٢]. قاله ابن عباس، وقتادة. وقيل: آصف. قاله مجاهد. وقيل: أصروا. قاله مجاهد أيضًا. وقيل: حبقيق. قاله السدي. وقد ذكروا هذه القصة مبسوطة ومختصرة.
وقد قال سعيد بن أبي عَرُوبة: عن قتادة، قال [¬٣]: أمر سليمان ﵇ ببناء بيت
المقدس، فقيل له: ابنِه ولا يُسمَعُ [¬٤] فيه صوت حديد. قال: فطلب ذلك فلم يقدر عليه.
فقيل له: إن شيطانًا في البحر يقال له: "صخر" شبه المارد. قال: فطلبه وكانت عين في البحر يَردُها في كل سبعة أيام مرة، فنُزح ماؤها وجعل فيها خَمْرًا، فجاء يوم ورْده فإذا هو بالخمر، فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك تصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلًا. قال: ثم رجع حتى عَطِشَ عَطَشًا شديدًا، ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك تصبين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلًا. ثم شربها حتى غلبت علي عقله، قال: فأري الخاتم، أو ختم به بين كتفيه فَذَلّ. قال [¬٥]: وكان ملكه في خاتمه، فأتي به سليمان فقال: إنه قد أمرنا ببناء هذا البيت، فقيل لنا: لا يسمعن [¬٦] فيه صوت حديد. قال: فأتي ببيض الهدهد فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يري بعضه ولا يقدر عليه، فذهب فجاء بالماس فوضعه عليه، فقطعها به، حتى أفضى إلى بيضه. فأخذ الماس، فجعلوا يقطعون به الحجارة. وكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء -أو: الحمام- لم يدخل بخاتمه، فانطلق يومًا إلي الحمام، وذلك الشيطان -صخر- معه، وذلك عند [مقارفة قارف] [¬٧] فيه بعض نسائه. قال: فدخل الحمام وأعطي الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة، ونُزع ملكُ سليمان منه، وألقيَ على الشيطان شَبَه سليمان. قال: فجاء فقعد علي كرسيه وسريره، وسُلّط علي ملك سليمان كله غير نسائه. قال: فجعل يقضي بينهم، وجعلوا ينكرون منه أشياء، [حتى قالوا: لقد فتن نبي الله] [¬٨]. وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطاب في القوة فقال: والله لأجربنه. قال: فقال: يا نبي الله -وهو لا يرى إلا أنه نبي الله- أحدنا تصيبه الجنابة في الليلة الباردة، فيدع الغسل عمدًا حتى تطلع الشمس، أتري عليه بأسًا؟ فقال: لا. قال: فبينا هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله خاتمه في بطن سمكة، فأقبل فجعل لا
_________________
(١) [¬١]- سقط من خ، ت. [¬٢]- في ز: "صخر". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "تسمع". [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- في ز: "تسمعن". [¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ: "مقارنة قارن". [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.
[ ١٢ / ٩٠ ]
يستقبله جني ولا طير إلا سجد له، حتى انتهي إليهم، ﴿وَأَلْقَينَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: هو الشيطان صخر.
وقال السدي: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيمَانَ﴾ أي: ابتلينا سليمان، ﴿وَأَلْقَينَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: [جلس الشيطان] [¬١] علي كرسيه أربعين يومًا. قال: وكان لسليمان ﵇ مائة امرأة، وكانت امرأة منهن يقال لها: "جرادة"، وهي آثَرُ نسائه وآمَنُهُنَّ عنده، وكان إذا أجنب أو أتي حاجة نزع خاتمه، ولم يَأَتَمِنْ عليه أحدًا من الناس غيرها، فأعطاها يومًا خاتمه ودخل الخلاء، فخرج الشيطان في صورته، فقال: هاتي الخاتم. فأعطته الخاتم، فجاء حتى جلس علي مجلس سليمان، وخرج سليمان بعد ذلك [¬٢] فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت: ألم تأخذه قبل؟ قال: لا. وخرج مكانه تائهًا. قال: ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يومًا، قال: فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم، فجاءوا حتى دخلوا علي نسائه، فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا، فإن كان سليمان فقد ذهب عقله وأنكرنا أحكامه. قال: فبكي النساء عند ذلك، قال: فأقبلوا يمشون حتى أتوا، فأحدقوا به ثم نشروا فقرءوا التوراة. قال: فطار من بين أيديهم حتى وقع علي شرفة، والخاتم معه. ثم طار حتى ذهب إلي البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوت من حيتان البحر. قال: وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها، حتى انتهي إلي صياد من صيادي [¬٣] البحر، وهو جائع، وقد اشتد جوعه، فاستطعمهم من صيدهم، وقال: إني أنا سليمان. فقام إليه بعضهم [فضربه بعصا] [¬٤] فشجَّه، فجعل يغسل دمه وهو علي شاطئ البحر، فلام الصيادون صاحبَهم الذي ضربه، وقالوا. بئس ما صنعت. حيث ضربته! قال: إنه زعم أنه سليمان. قال: فأعطوه سمكتين مما قد مَذر عندهم، فلم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلي شط البحر، فشق بطونهما، فجعل يغسل، فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فأخذه فلبسه، فرد الله عليه بهاءه وملكه، وجاءت الطير حتى حامت عليه، فعرف القوم أنه سليمان ﵇ فقام القوم يعتذرون مما صنعوا، فقال: ما أحدكم علي عذركم، ولا ألومكم علي ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بد منه. قال: فجاء حتى أتي [¬٥] ملكه، وأرسل إلي الشيطان، فجيء به فأمر به، فجعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه، وقفل عليه بقفل، وختم عليه بخاتمه، ثم أمر به فألقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة. وكان اسمه حبقيق. قال: وسخر له الريح، ولم تكن سخرت له قبل ذلك، وهو قوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "الشيطان جلس". [¬٢]- سقط من: خ، ز. [¬٣]- في ز: "صيادين. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: "بعصا فضربه". [¬٥]- سقط من: ز.
[ ١٢ / ٩١ ]
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله: ﴿وَأَلْقَينَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: شيطانًا يقال له: آصف. فقال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إيا [¬١] نبذه آصف في البحر، فساح سليمان وذهب ملكه، وقعد آصف علي كرسيه، ومنعه الله نساء سليمان، فلم يقربهن ولم يقربنه وأنكرْنَه. قال: فكان [¬٢] سليمان يستطعم، فيقول: أتعرفوني؟ أطعموني، أنا سليمان. فيكذبونه، حتى أعطته امرأة يومًا حوتًا فجعل يطيّبُ بطنه، فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه ملكه، وفر آصف، فدخل البحر فارًّا.
وهذه كلها من الإسرائيليات ومن أنكرِها ما قال ابن أبي حاتم (^٢٤): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، وعثمان بن أبي شيبة، وعلي بن محمد؛ قالوا: حدثنا أبو معاوية، أخبرنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَأَلْقَينَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قال: أراد سليمان أن يدخل الخلاء، فأعطي الجرادة خاتمه [¬٣]- وكانت الجرادة امرأته، وكانت أحب نسائه إليه- فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي. فأعطته إياه [¬٤]. فلما لبسه [¬٥] دانت له الإنس والجن والشياطين، فلما خرج سليمان من الخلاء قال لها: هاتي خاتمي. قالت: قد [¬٦] أعطيته سليمان! [قال: أنا سليمان. قالت] [¬٧]: كذبت، لست سليمان. فجعل لا يأتي أحدًا فيقول له: أنا سليمان، إلا كذبه، حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة. فلما رأي ذلك عرَف أنه من أمر الله ﷿. قال: وقام الشيطان يحكم بين الناس، فلما أراد الله أن يرد علي سليمان سلطانه، ألقي في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان، قال: فأرسلوا إلي نساء سليمان فقالوا لهن: أتنكرن [¬٨] من سليمان شيئًا؟ قلن: نعم، إنه يأتينا ونحن حُيَّض، وما كان يأتينا قبل ذلك. فلما رأي الشيطان أنْ قد فُطِن له، ظن أن أمره قد انقطع، فكتبوا كتبًا فيها سحر وكفر، فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أثاروها وقرءوها علي الناس. وقالوا: بهذا كان يظهر سليمان علي الناس. فأكفر الناسُ سليمانَ ﵇ فلم يزالوا يكفرونه، وبحث ذلك الشيطانُ بالخاتم فطرحه في البحر، فتلقته سمكة فأخذته. وكان سليمان بحمل علي شط البحر بالأجر، فجاء رجل فاشتري سمكًا فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فدعا سليمان فقال: تحمل لي [¬٩] هذا السمك؟ فقال: نعم. قال: فبكم [¬١٠]؟ قال: بسمكة من هذا السمك. قال: فحمل سليمان ﵇ السمك، ثم انطلق به إلي منزله، فلما انتهي الرجل إلي بابه أعطاه
_________________
(١) - عزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٨٠) أيضًا إلي النسائي وابن جرير. [¬١]- في ز: "سليمان". [¬٢]- في ز: "وكان". [¬٣]- في ز: "امرأته". [¬٤]- سقط من: خ، ز. [¬٥]- في ز: "لبس". [¬٦]- سقط من: خ، ز. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٨]- في ز: "تنكرن". [¬٩]- في خ: "منا". [¬١٠]- في خ: "بكم".
[ ١٢ / ٩٢ ]
تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فأخذها سليمان فشق بطنها، فإذا الخاتم في جوفها، فأخذه فلبسه. قال: فلما لبسه دانت له الجن والإِنس والشياطين، وعاد إلي حاله، وهَرَب الشيطان حتى دخل جزيرة من جزائر البحر، فأرسل سليمان في طلبه، وكان شيطانًا مريدًا، فجعلوا يطلبونه ولا يقدرون عليه، حتى وجدوه يومًا نائمًا، فجاءوا فبنوا عليه بنيانًا من رصاص، فاستيقظ فوثب فجعل لا يثب [¬١] في مكان من البيت إلا انماط معه الرصاص. قال: فأخذوه فأوثقوه، وجاءوا به إلي سليمان، فأمر به فنقر له تخت من، رخام، ثم أدخل في جوفه، ثم سد بالنحاس، ثم أمر به فطرح في البحر، فذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيمَانَ وَأَلْقَينَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾ قال: يعني الشيطان الذي كان سلط عليه.
إسناده إلي ابن عباس قوي، ولكن الظاهر أنه [مما تلقاه] [¬٢] ابن عباس -إن صح عنه- من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان ﵇، فالظاهر أنهم يكذبون عليه؛ ولهذا كان في هذا السياق منكرات من أشدها ذكر النساء، فإن المشهور أن ذلك الجني لم يسلط علي نساء سليمان، بل عصمهن الله منه، تشريفًا وتكريمًا لنبيه ﷺ وقد رُويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف، كسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم، وجماعة آخرين، وكلها مُتلقَّاة من قصص أهل الكتاب، والله أعلم بالصواب.
وقال يحيى بن أبي عمرو [¬٣] السيباني [¬٤]: وجد سليمان خاتمه في عسقلان، فمشي في خرقة [¬٥] إلي بيت المقدس، تواضعًا لله ﷿. رواه ابن أبي حاتم.
وقد روى ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار [في صفه كرسي سليمان ﵊ خبرًا عجيبًا، فقال: حدثنا أبي ﵀، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، أخبرني أبو إسحاق المصري، عن كعب الأحبار] [¬٦]: أنه لما فرغ من حديث "إرم ذات العماد" قال له معاوية: يا أبا إسحاق، أخبرني عن كرسي سليمان بن داود، وما كان عليه؟ ومن أي شيء هو؟ فقال: كان كرسي سليمان من أنياب الفيلة مُفَصّصّا بالدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ. وقد جُعل له [¬٧] درجة منها مُفَصّصة [¬٨] بالدر والياقوت والزبرجد، ثم أمر بالكرسي فحُفّ من جانبيه بالنخل، نخل من ذهب، شماريخها من ياقوت وزبرجد ولؤلؤ. وجعل علي رءوس النخل [التي عن يمين الكرسي طواويس من ذهب، ثم جُعِل علي رءوس النخل التي علي يسار الكرسي نسور من ذهب مقابلة الطواويس. وجعل علي يمين الدرجة الأولى شجرتا صنوبر من
_________________
(١) [¬١]- في خ: "يثيب". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: "مما تلقى"، وفي ت: "إنما تلقاه". [¬٣]- في خ، ز: "عروبة". [¬٤]- في ز: "الشيباني". [¬٥]- في خ: "جرته". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٧]- سقط من: خ، ز. [¬٨]- في ز: "مفصَّصًا".
[ ١٢ / ٩٣ ]
ذهب، وعن يسارها أسَدَان من ذهب، وعلى رءوس الأسدين عمودان من زبرجد] [¬١]، وجُعِل من جانبي الكرسي شجرتا [¬٢] كرم من ذهب، قد أظلتا الكرسي، وجعل عناقيدهما درًّا وياقوتًا أحمر. ثم جعل فوق دَرَج الكرسي أسدان عظيمان من ذهب مجوفان محشوان مسكًا وعنبرًا. فإذا أراد سليمان أن يصعد على كرسيه استدار الأسدان ساعة، ثم يقفان [¬٣] فينضحان ما في أجوافهما من المسك والعنبر حول كرسيّ سليمان ﵇ ثم يوضع منبران من ذهب، واحد لخليفته والآخر لرئيس أحبار بني إسرائيل ذلك الزمان. ثم يوضع أمام كرسيه سبعون منبرًا من ذهب، يقعد عليها سبعون قاضيًا من بني إسرائيل وعلمائهم، وأهل الشرف منهم والطول، ومن خلف تلك المنابر كلها خمسة وثلاثون منبرًا من ذهب، ليس عليها أحد، فإذا أراد أن يصعد على كرسيه وضع قدميه علي الدرجة السفلي، فاستدار الكرسي كله بما فيه وما عليه، ويبسط الأسد يده اليمنى وينشر النسر جناحه الأيسر، ثم يصعد علي الدرجة الثانية، فيبسط الأسد يده اليسري، وينشر النسر جناحه الأيمن، فإذا استوي سليمان علي الدرجة الثالثة وقعد علي الكرسي، أخذ نسر من تلك النسور عظيم تاج سليمان [¬٤] فوضعه علي رأسه، [فإذا وضعه علي رأسه] [¬٥] استدار الكرسي بما فيه كما تدور الرحي المسرعة. فقال معاوية [¬٦]﵁: وما الذي يديره يا أبا إسحاق؟ قال: تنين من ذهب، ذلك الكرسي عليه وهو عظيم مما عمله صخر الجني، فإذا أحست بدورانه تلك النسور والأسْدُ والطواويس التي في أسفل الكرسي دُرْنَ إلي أعلاه، فإذا وقف وقفن كلهن منكسات رءوسهن علي رأس سليمان ﵇ وهو جالس، ثم ينضحن جميعًا ما في أجوافهن من المسك والعنبر علي رأس سليمان ﵇ ثم تتناول حمامة من ذهب واقفة علي عمود من جوهر التوراة فتجعلها في يد [¬٧]، فيقرؤها سليمان علي الناس.
وذكر تمام الخبر وهو غريب جدًّا.
﴿قَال رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ قال بعضهم: معناه لا ينبغي لأحد من بعدي، أي: لا يصلح لأحد أن يسلبنيه بعدي كما كان من قضية الجسد الذي ألقي علي كرسيه، لا أنه يحجر علي من بعده من الناس. والصحيح أنه سأل من الله ملكًا لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله، وهذا هو ظاهر السياق من الآية، وبه وردت الأحاديث الصحيحة من طرق عن رسول الله ﷺ:
قال البخاري (^٢٥)، عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح،
_________________
(١) - صحيح البخاري كتاب التفسير، باب: (هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٢]- في ز: "شجرتي". [¬٣]- في ت: "يقعان". [¬٤]- سقط من: خ، ز. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٦]- في خ، ز: "إسحاق". [¬٧]- في ز: "يدها".
[ ١٢ / ٩٤ ]
ومحمد بن جعفر، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن عفريتًا من الجن تَفَلَّت عليّ البارحة -أو كلمة نحوها- ليقطع عليّ الصلاة، فأمكنني الله منه، وأردت أن أربطه إلي سارية من سواري المسجد حتى تُصبحوا وتنظروا [¬١] إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾.
قال روح: فرده خاسئًا.
وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة به.
وقال مسلم في صحيحه (^٢٦): حدثنا محمد بن سلمة المُرَادي، حدثنا عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، حدثني ربيعة بن يَزيد [¬٢]، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله ﷺ يصلي، فسمعناه يقول: "أعوذ بالله منك". ثم قال: "ألعنك بلعنة الله" -ثلاثًا [¬٣]- وبسط يَدَه كأنه يتناول شيئًا، فلما فرغ من [¬٤] الصلاة قلنا: يا رسول الله، قد [¬٥] سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك؟ قال: "إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من دار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك -ثلاث مرات- ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة. فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أخْذَه، والله لولا دعوة أخينا [¬٦] سليمان، لأصبح موثقًا يلعب [¬٧] به صبيان أهل المدينة".
وقال الإمام أحمد (^٢٧): حدثنا أبو أحمد، حدثنا ميسرة [¬٨] بن معبد، حدثنا أبو عبيد حاجب سليمان قال: رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائمًا يصلي، فذهبت أمرّ بين يديه فردني، ثم قال: حدثني أبو سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قام يصلي صلاة
_________________
(١) = الوهاب). حديث (٤٨٠٨)، وأطرافه في (٤٦١، ١٢١٠، ٣٢٨٤، ٣٤٢٣)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٥٤١)، والنسائي في تفسيره (٤٦٠) من طريق شعبة به.
(٢) - صحيح مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٥٤٢). وأخرجه النسائي في كتاب السهو، باب لعن إبليس والتعوذ بالله منه في الصلاة (٣/ ١٣) وفي الكبرى (٥٤٩)، (١١٣٨)، وابن خزيمة (٨٩١) من طريق عبد الله بن وهب به.
(٣) - المسند (٣/ ٨٢). [¬١]- في ز: "فتنظروا". [¬٢]- في خ، ز: "زيد". [¬٣]- سقط من: خ، ز. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- خ، ز: "أخي". [¬٧]- في ز: "تلعب". [¬٨] في خ، ز: "مرة".
[ ١٢ / ٩٥ ]
الصبح وهو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال: "لو رأيتموني وإبليس، فأهويت بيدي، فما زلت أخنقه حتى وجدت بَردَ لعابه بين إصبعي هاتين -الإبهام والتي تليها- ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح [¬١]، مربوطًا بسارية من سواري المسجد، يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل".
[وقد روى أبو داود منه (^٢٨): " من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل"] [¬٢]، عن أحمد بن أبي سُرَيج، عن أبي أحمد الزبيري، به.
وقال الإمام أحمد (^٢٩): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري، حدثنا الأوزاعي، حدثني ربيعة بن يزيد [¬٣]، عن [¬٤] عبد الله الديلمي قال: دخلت علي عبد الله بن عمرو، وهو في حائط له بالطائف يقال له "الوهط"، وهو مُخَاصر فتى من قريش يُزَن بِشُرب الخمر، فقلت: بلغني عنك حديث أنه من شرب شربة خَمر لم يقبل الله ﷿ له توبَةً أربعين صباحًا، وإن الشقي من شقي في بطن أمه، وإنه من أتى بيت المقدس لا يَنْهَزه إلا الصلاة فيه، خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه، فلما سمع الفتى ذكر الخمر اجتذب يده من يده، ثم انطلق، فقال عبد الله بن عمرو: إني لا أحل لأحد أن يقول عَلَيّ ما لم أقل، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من شرب من الخمر شربة، لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا، [فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه. فإن عاد] [¬٥] قال: فلا أدري في الثالثة [¬٦] أو الرابعة- فإن عاد كان حقًّا على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة".
قال: وسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من دوره يومئذ اهتدى، ومن أخطأه ضل، فكذلك أقول: جف القلم علي علم الله ﷿".
وسمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن سليمان سأل الله تعالى ثلاثًا، فأعطاه اثنتين، ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة: سأله حكمًا يصادف حكمه، فأعطاه إياه، وسأله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه، وسأله: أيّما رجل خرج من بيته لا يريد
_________________
(١) - سنن أبي داود في الصلاة، باب: ما يؤمر المصلي أن يدرأ عن الممر بين يديه، حديث (٦٩٩).
(٢) - المسند (٢/ ١٧٦)، وانظر التالي. [¬١]- في ز: "أصبح". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٣]- في خ: "زيد". [¬٤]- في خ، ز: "بن". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٦]- في خ: "الثلاثة".
[ ١٢ / ٩٦ ]
إلا الصلاة في هذا المسجد، خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون الله تعالى قد أعطانا إياها".
وقد روى هذا الفصل الأخير من هذا الحديث النسائي وابن ماجة من طرق، عن عبد الله بن فيروز الديلمي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "إن سليمان لما بنى بيت [¬١]، المقدس سأل ربه ﷿ خلالًا ثلاثًا" … وذكره (^٣٠).
وقد روي من حديث رافع بن عمير ﵁ بإسناد وسياق غريبين، فقال الطبراني (^٣١):
حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني، حدثنا محمد بن أيوب بن سويد، حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبي الزاهرية، عن رافع بن عمير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قال الله ﷿ لداود ﵇: ابن لي بيتًا في الأرض. فبنى داود بيتًا لنفسه قبل البيت الذي أمر به، فأوحى الله إليه: يا داود، نصبت بيتك قبل بيتي. قال: يا رب، هكذا قضيت، من ملك استأثر. ثم أخذ في بناء المسجد، فلما تم السور سقط، ثلاثا، فشكا ذلك إلي الله ﷿ فقال: يا داود، إنك لا تصلح أن تبني لي بيتًا. قال: ولم يا رب؟ قال: لما جرى على يديك من الدماء. قال: يا رب، أو ما كان ذلك في هواك ومحبتك؟ قال: بلى، ولكنهم عبادي، وأنا أرحمهم. فشق ذلك عليه، فأوحى الله إليه: لا تحزن، فإن سأقضي بناءه علي يدي ابنك سليمان. فلما مات داود أخذ سليمان في بنيانه فلما تم قرّب القرابين، وذبح الذبائح، وجمع بني إسرائيل، فأوحى الله إليه: قد أرى سرورَك ببنيان بيتي، فسلني أعطك. قال: أسألك ثلاث خصال: حكمًا يصادف حكمك، وملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي، ومن أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". قال رسول الله ﷺ: "أما ثنتان [¬٢] فقد أعطيهما، وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة".
و[¬٣] قال الإِمام أحمد (^٣٢): حدثنا عبد الصمد، حدثنا عُمَر بن راشد اليمامي، حدثنا إياس
_________________
(١) - أخرجه النسائي في الأشربة، باب توبة شارب الخمر (٨/ ٣١٧)، وابن ماجة في الأشربة، باب: من شرب الخمر لم تقبل له صلاة، حديث (٣٣٧٧)، والدارمي (٢٠٩٧)، وأحمد (٢/ ٧٦) من طرق عن الأوزاعي به.
(٢) - المعجم الكبير (٥/ ٢٤) (٤٤٧٧).
(٣) - السند (٤/ ٥٤)، وأخرجه عبد بن حميد (٣٨٧ - منتخب) عن عثمان بن عمر بن راشد اليمامي به. [¬١]- في ز: "البيت". [¬٢]- في ز: "اثنتين". [¬٣]- سقط من: ز.
[ ١٢ / ٩٧ ]
ابن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: ما سمعت رسول الله ﷺ دعا إلا استفتحه: "سبحان الله [¬١]، ربي الأعلى العليّ الوهاب".
وقد قال أبو عبيد: حدثنا علي بن ثابت، عن جعفر بن بَرْقان، عن صالح بن مسمار قال: لما مات نبي الله داود أوحى الله إلي ابنه سليمان ﵉: "أن سلني حاجتك. قال: أسألك أن تجعل لي قلبًا يخشاك، كما كان قلب أبي، وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلب أبي. فقال الله: أرسلت إلي عبدي وسألته [¬٢] حاجته فكانت أن أجعل قلبه يخشاني وأن أجعل قلبه يحبني، لأهَبنّ له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده. قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيثُ أَصَابَ﴾ والتي بعدها، قال: فأعطاه ما أعطاه، وفي الآخرة لا حساب عليه".
كذا أورده أبو القاسم بن عساكر في ترجمة سليمان ﵇ في تاريخه.
وروي عن بعض السلف أنه قال: بلغني عن داود أنه قال: "إلهي، كن لسيمان كما كنت لي. فأوحى الله إليه أن قل لسليمان أن يكون لي كما كنتَ لي أكون له كما كنتُ لك".
وقوله: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيثُ أَصَابَ﴾ قال الحسن البصري ﵀: لما عقر سليمان الخيل غضبًا لله ﷿ عوضه الله ما هو خير منها وأسرع، الريح التي [¬٣] غدوها شهر ورواحها شهر.
وقوله: ﴿حَيثُ أَصَابَ﴾ أي: حيث أراد من البلاد.
وقوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ أي: منهم من هو مستعمل في الأبنية الهائلة من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور راسيات، إلي غير ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقدر عليها البشر، وطائفة غواصون في البحار يستخرجون مما فيها من اللآلئ والجواهر والأشياء النفيسة التي لا توجد إلا فيها، ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ أي: موثقون [¬٤] في الأغلال والأكبال، ممن قد تَمَرّد وعصى وامتنع من العمل وأبى، أو قد أساء في صنيعه واعتدى.
وقوله: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ أي: هذا الذي أعطيناك من الملك التام والسلطان الكامل كما سألتنا، فأعط من شئت واحرم من شئت، لا حساب عليك، أي: مهما فعلت فهو جائز لك، احكم بما شئت فهو صواب.
وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما خُير بين أن يكون عبدًا
_________________
(١) [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز: "أسأله". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في خ: "موثوقون".
[ ١٢ / ٩٨ ]
رسولًا -وهو الذي يفعل ما يؤمر به، وإنما هو قاسم يقسم بين الناس ما أمره الله به- وبين أن يكون ملكًا نبيًّا، يعطي من يشاء ويمنع من يشاء بلا حساب ولا جناح، اختار المنزلة الأولى بعد ما استشار جبريل، فقال له: تواضع. فاختار المنزلة الأولى؛ لأنها أرفع قدرًا عند الله وأعلي منزلة في المعاد. وإن كانت المنزلة الثانية وهي النبوة مع الملك عظيمة أيضًا في الدنيا وفي الآخرة. ولهذا لما ذكر تعالى ما أعطى سليمان في الدنيا نبه علي أنه ذو حظ عظيم عند الله يوم القيامة أيضًا، فقال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي: في الدار الآخرة.
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾
يذكر تعالى عبده ورسوله أيوب ﵇ وما كان ابتلاه تعالى به من الضر في جسده وماله وولده، حتى لم يبق من جسده مَغْرز إبرة سليمًا سوى قلبه، ولم يبق له من حال الدنيا شيء يستعين به علي مرضه وما هو فيه، غير أن زوجته حفظت وده لإِيمانها بالله ورسوله، فكانت تخدم الناس بالأجرة وتطعمه، وتخدمه نحو من ثماني عشرة سنة. وقد كان قبل ذلك في مال جزيل وأولاد وسعة طائلة من الدنيا، فَسُلبَ جميعَ ذلك. حتى آل به الحال إلي أن ألقي على مزبلة من مزابل البلدة هذه المدة بكمالها، ورفضه القريب والبعيد سوى زوجته ﵂ فإنها كانت لا تفارقه صباحًا ومساء إلا بسبب خدمة الناس، ثم تعود إليه قريبًا. فلما طال المطال، واشتد الحال، وانتهى القدر المقدور، وتم الأجل المقدّر، تضرع إلى رب العالمين وإله المرسلين، فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ وفي هذه الآية الكريمة قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ قيل: بنصب في بدني، وعذاب في مالى وولدي. فعند ذلك استجاب له أرحم الراحمين، وأمره أن يقوم من مقامه، وأن يركض الأرض برجله. ففعل، فأنبع الله عينًا وأمره أن يغتسل منها، فأذهبت جميع ما كان في بدنه من الأذى. ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر، فأنبع له عينا أخرى وأمره أن يشرب منها، فأذهبت جميع ما كان في باطنه من السوء، وتكاملت العافية ظاهرًا وباطنًا، ولهذا قال تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾.
قال ابن جرير، وابن أبي حاتم جميعًا (^٣٣): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني نافع بن يزيد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك - رضي الله
_________________
(١) - تفسير الطبري (٢٣/ ١٦٧).
[ ١٢ / ٩٩ ]
عنه-: أن رسول الله ﷺ قال: "إن نبي الله أيوب ﵇ لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين كانا من أخص إخوانه به، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم -والله- لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين. قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: من ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله، فيكشفَ ما به. فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقول، غير أن الله يعلم أني كنت أمرّ علي الرجلين يتنازعان، فيذكران الله ﷿ فأرجع إلي بيتي فأكفر عنهما، كراهية أن يذكرا الله إلا في حق. قال: وكان يخرج إلي حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها، وأوحى الله تعالى إلي أيوب ﵇ أن ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾، فاستبطأته، فتلقته [¬١] تنظر، فأقبل [¬٢] عليها، قد أذهب الله ما به من البلاء، وهو علي أحسن ما كان. فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلي. فوالله على ذلك، ما رأيت رجلًا أشبه به منك إذ كان صحيحًا، قال: فإني أنا هو. قال: وكان له أندران، أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغَت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير حتى فاض". هذا لفظ ابن جرير ﵀.
وقال الإمام أحمد (^٣٤): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن مُنبّه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "بينما [¬٣] أيوب يغتسل عريانًا، خَرّ عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثو [¬٤] في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب؛ ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى بي عن بركتك". انفرد بإخراجه البخاري من حديث عبد الرزاق به.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، قال الحسن، وقتادة: أحياهم الله تعالى له بأعيانهم وزادَه مثلهم معهم.
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ أي: به على صبره وثباته وإنابته وتواضعه واستكانته، ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: لذوي العقول، ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرجُ والمخرجُ والراحة.
وقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾، وذلك أن أيوب ﵇
_________________
(١) - المسند (٤/ ٣١٢)، وأخرجه البخاري في الغسل، باب: من اغتسل عريانا وحده في الخلوة …، حديث (٢٧٨)، وأطرافه في (٣٤٠٤، ٤٧٩٩). [¬١]- في خ: "فبلغته". [¬٢]- في ز: "وأقبل". [¬٣]- في ز: "فبينما". [¬٤]- في ز: "يحثي".
[ ١٢ / ١٠٠ ]
كان قد غضب على زوجته، ووَجَد عليها في أمر فعْلته. قيل: باعت ضفيرتها بخبز فأطعمته إياه [¬١]، فلامها على ذلك، وحلف إن شفاه الله ليضربنها مائة جلدة. وقيل: لغير ذلك من الأسباب. فلما شفاه الله وعافاه، ما كان جزاؤها مع هذه الخدمة التامة والرحمة والشفقة والإحسان أن تقابل بالضرب، فأفتاه الله ﷿ أن يأخذ ضغثًا -وهو: الشّمراخ- فيه مائة قضيب فيضربها به ضربة واحدة، وقد بَرّت يمينه، وخرج من حنثه ووفى [¬٢] بنذره، وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأناب إليه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أثنى الله تعالى عليه ومدحه بأنه ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي: رجاع منيب؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) يَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ وقد استدل كثير من الفقهاء [¬٣] بهذه الآية الكريمة علي مسائل في الإيمان وغيرها، وأخذوها بمقتضاها.
﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَينَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن فضائل عباده المرسلين وأنبيائه العابدين: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيدِي وَالْأَبْصَارِ﴾، يعني بذلك: العمل الصالح والعلم النافع والقوة في العبادة والبصيرة النافذة.
قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس: ﴿أُولِي الْأَيدِي وَالْأَبْصَارِ﴾، يقول: أولي القوة والعبادة ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾، يقول: الفقه في الدين.
وقال مجاهد: ﴿أُولِي الْأَيدِي﴾ يعني: القوة في طاعة الله، ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾ يعني: البصر في الحق.
وقال قتادة والسدي أعطوا قوة في العبادة وبصرًا في الدين.
وقوله: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قال مجاهد: أي جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم هَمّ غيرها. وكذا قال السدي: ذكرهم للآخرة وعملهم لها.
وقال مالك بن دينار: نزع الله من قلوبهم حب الدنيا وذكرها، وأخلصهم لحب الآخرة
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "العلماء".
[ ١٢ / ١٠١ ]
وذكرها. وكذا قال عطاء الخراساني.
وقال سعيد بن جُبَير: يعني بالدار الجنة، يقول: أخلصناها لهم بذكرهم لها. وقال في رواية أخرى: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾: عقبى الدار.
وقال قتادة: كانوا يذكرون الناس الدار الآخرة والعمل لها.
وقال ابن زيد: جعل لهم خاصَّة أفضل شيء في الدار الآخرة.
وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَينَ الْأَخْيَارِ﴾ أي: لمن المختارين المجتبين الأخيار، فهم أخيار مختارون.
وقوله: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾، قد تقدم الكلام على قصصهم وأخبارهم مستقصاة في "سورة الأنبياء" بما أغنى عن إعادته هاهنا.
وقوله: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ أي: هذا فضل فيه ذكر لمن يتذكر.
وقال السدي: يعني القرآن.
﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾
يخبر تعالى عن عباده المؤمنين السعداء، أن لهم في الآخرة ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وهو: المرجع والمنقلب. ثم فسره بقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: جنات إقامة ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾. والألف واللام هنا بمعنى الإضافة كأنه يقول: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ أي: إذا جاءوها فتحت لهم [¬١]، أبوابها.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن ثواب [¬٢] الهَبّاري، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبد الله بن مسلم -يعني ابن هرمز عن ابن سابط، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "إن في الجنة قصرًا يقال له [¬٣]: عدن، حوله البروج والمروج، له خمسة آلاف باب، عند كل باب خمسة آلاف [¬٤] حِبَرَة، لا يدخله -أو: لا يسكنه- إلا نبي أو
_________________
(١) [¬١]- في ت: "لها". [¬٢]- بياض في خ، ز. [¬٣]- سقط من: خ، ز. [¬٤]- في ز: "إلا".
[ ١٢ / ١٠٢ ]
صديق أو شهيد أو إمام عدل". وقد ورد في ذكر أبواب الجنة الثمانية أحاديث كثيرة من وجوه عديدة.
وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ قيل: متربعين فيها على سرر تحت الحجال، ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ أي: مهما طلبوا وجدوا، وحضر كما أرادوا. ﴿وَشَرَابٍ﴾ أي: من أيّ أنواعه شاءوا أتتهم به الخدام ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾.
﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي: عن غير أزواجهن، فلا يلتفتن إلى غير بعولتهن، ﴿أَتْرَابٌ﴾ أي: متساويات في السن والعمر. هذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب، والسّدّي.
﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أي: هذا الذي ذكرنا من صفة الجنة التي [] [¬١] وعدها لعباده المتقين، التي يصيرون إليها بعد نشورهم وقيامهم من قبورهم وسلامتهم من النار.
ثم أخبر عن الجنة أنه لا فراغ لها ولا انقضاء ولا زوال ولا انتهاء، فقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَاد﴾، كقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ وكقوله: ﴿عَطَاءً غَيرَ مَجْذُوذٍ﴾ وكقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير مقطوع، وكقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ والآيات في هذا كثيرة جدًّا.
﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾
لما ذكر تعالى مآل السعداء، ثَنّى بذكر حال الأشقياء ومرجعهم ومآبهم في دار معادهم وحسابهم، فقال: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ وهم: الخارجون عن طاعة الله، المخالفون لرسل الله، ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ أي: لسوء منقلب ومرجع. ثم فسره بقوله: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "هي".
[ ١٢ / ١٠٣ ]
أي: يدخلونها فتغمرهم من جميع جوانبهم، ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾، أما الحميم فهو: الحار الذي قد انتهى حره، وأما الغَسّاق فهو ضده، وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم. ولهذا قال: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أي: وأشياء من هذا القبيل، الشيء وضده يعاقبون بها.
قال الإمام أحمد (^٣٥): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهِيعةَ، حدثنا دَرّاج، عن أبي [¬١] الهيثَم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لو أن دَلْوًا من غَسّاق يهراق في الدنيا، لأنتن أهل الدنيا".
ورواه الترمذي، عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن رشْدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دَرّاج، به. ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث رشدين. كذا قال: وقد تقدم من غير حديثه.
ورواه ابن جرير (^٣٦)، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث به.
وقال كعب الأحبار: غساق [¬٢]: عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية وعقرب وغير ذلك، فيستنقع، يؤتى [¬٣] بالآدمي فيغمس فيها غمسة واحدة، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام، ويتعلق جلده ولحمه في كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه كما يجر الرجل ثوبه. رواه ابن أبي حاتم.
وقال الحسن البصري في قوله: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ ألوان من العذاب.
وقال غيره: كالزمهرير، والسموم، وشرب الحميم، وأكل الزقوم، والصعود والهَويّ، إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة والمتضادة، والجميع مما يعذبون به، ويهانون بسببه.
وقوله: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾، هذا إخبار عن قيل أهل النار بعضهم لبعض [كما قال تعالى] [¬٤]: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾، يعني بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون، ويكفر بعضهم ببعض، فتقول الطائفة التي تدخل قبل
_________________
(١) - المسند (٣/ ٢٨، ٨٣)، وأخرجه الترمذي في صفة جهنم، باب ما جاء في صفة شراب أهل النار حديث (٢٥٨٤).
(٢) - تفسير الطبري (٢٣/ ١٧٨). [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ت: وغساق. [¬٣]- في ز: "يؤتى". [¬٤]- المعكوفتين سقط من: خ، ز.
[ ١٢ / ١٠٤ ]
الأخرى، إذا أقبلت التي بعدها مع الخزنة من الزبانية: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ﴾ أي: داخل معكم، ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾؛ لأنهم من أهل جهنم. ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ أي: فيقول لهم الداخلون: بل أنتم لا مرحبًا بكم ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ أي: أنتم دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير، ﴿فَبِئْسَ الْقَرَار﴾ أي: فبئس المنزل والمستقر والمصير. ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾، [كما قال ﷿: ﴿قَالتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ] [¬١] قَال لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: لكل منكم عذاب بحسبه [¬٢] ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾، هذا إخبار عن الكفار في النار أنهم يفقِدُون رجالًا كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة وهم المؤمنون في زعمهم قالوا: ما بينا لا نراهم معنا في النار؟
قال مجاهد: هذا قول أبي جهل، يقول: ما لي لا أرى بلالًا وعمارًا وصهيبًا وفلانًا وفلانًا.
وهنا مثل ضُرب، وإلا فكل الكفار هذا حالهم: يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار، فلما دخل الكفار النار [¬٣] افتقدوهم فلم يجدوهم، فقالوا: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ أي: في الدنيا، ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَار﴾، يُسَلون أنفسهم بالمحال، يقولون: أو لعلهم معنا في جهنم، ولكن لم يقع بصرنا عليهم. فعند ذلك يعرفون أنهم في الدرجات العاليات، وهو قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَينَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ أي: إن هذا الذي أخبرناك به يا محمد، من تخاصم أهل النار بعضهم في بعض، ولعن بعضهم لبعض، لحق لا مرية فيه ولا شَك.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾
_________________
(١) [¬١]- سقط من خ، ز. [¬٢]- في خ: "يحسبه". [¬٣]- سقط من: خ، ز.
[ ١٢ / ١٠٥ ]
يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يقول للكفار باللَّه المشركين به المكذبين لرسوله: إنما أنا منذر، لست كما تزعمون، ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أي: هو وحده قد قَهَرَ كل شيء وغلبه. ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا﴾ أي: هو مالك جميع ذلك ومتصرف فيه، ﴿الْعَزِيزُ الْغَفَّار﴾ أي: غفار مع عزته وعظمته.
﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ أي: خبر عظيم وشأن بليغ وهو إرسال اللَّه إياي إليكم ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أي غافلون.
قال مجاهد، وشُرَيح القاضي، والسُدّي في قوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: القرآن.
وقوله: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أي: لولا الوحي من أين كنت أدري باختلاف الملأ الأعلى؟ يعني في شان آدم وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه في تفضيله عليه. فأما الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^٣٧) حيث قال:
حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا جَهْضَم اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن أبي سلام، عن أبي سلام، عن عبد الرحمن بن عائش، عن مالك بن يَخَامر، عن معاذ ﵁ قال: احتبس علينا رسول اللَّه ﷺ ذات غداة عن صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى قَرن الشمس. فخرج [رسول اللَّه ﷺ] [¬١] سريعًا، فَثَوّب بالصلاة فصلى وتجوَّز في صلاته، فلما سلم قال: "كما أنتم أعلى مَصَافّكم"] [¬٢]. ثم أقبل إلينا فقال: " [إني سَأحدثكم ما حَبَسني عنكم الغداة،] [¬٣] إني قمت من الليل فصليت ما قُدِّر لي، فَنَعَست في صلاتي حتى استيقظت، فإذا أنا بربي في أحسن صورة، فقال: يا محمد، أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى قلت: لا أدري رَبّ - أعادها ثلاثًا - فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري، فتجلى لي كل شيء وعرفت، فقال [¬٤]: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى قلت: في الكفارات. قال: وما الكفارات. قلت: نقل الأقدام إلى الجُمُعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء عند الكريهات. قال: وما الدرجات. قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. قال: سل. قلت: اللَّهم، إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة بقوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حُبَّك، وحُبَّ من يُحبك، وحُبّ عمل يقربني إلى حبك". وقال رسول
_________________
(١) - المسند (٥/ ٢٤٣)، وأخرجه الترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة ص حديث (٣٢٣٥) عن محمد بن بشار عن معاذ بن هانئ عن جهضم به. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٤]- في ز: "فتلك".
[ ١٢ / ١٠٦ ]
اللَّه ﷺ: "إنها حق فادرسوها [¬١] وتعلموها".
فهو حديث المنام المشهور، ومن جعله يقظة فقد غَلِط، وهو في السنن من طرق. وهذا الحديث بعينه قد رواه الترمذي من حديث جهضم بن عبد اللَّه اليمامي، به. وقال: حسن صحيح. وليس هذا الاختصام هو الاختصام المذكور في القرآن؛ فإن هذا قد فُسّر، وأما الاختصام الذي في القرآن فقد فسر بعد هذا، وهو قوله تعالى:
﴿إِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَال أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَال فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَال رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَال فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَال فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قَال فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾
هذه القصة ذكرها اللَّه تعالى في "سورة البقرة"، وفي أول "الأعراف"، وفي "سورة الحجر، وسبحان، والكهف"، وهاهنا، وهي أن اللَّه سبحانه أعلمَ الملائكةَ قبل خلق آدم ﵇ بأنه سيخلق بشرًا من صلصال من حَمَأ مسنون، وتقدم إليهم بالأمر متى فرغ من خلقه وتسويته فَلْسْجُدوا له إكرامًا وإعظامًا واحترامًا وامتثالًا لأمر اللَّه ﷿. فامتثل الملائكةُ كلهم ذَلكَ سوى إبليس، ولم يكن منهم جنسًا، كان من الجن فخانه طبعه وجبلّته أحوجَ ما كان إليه، فاستنكف [¬٢] عن السجود لآدم، وخاصم ربه ﷿ فيه، وادعى أنه خير من آدم؛ فإنه مخلوق من نار وآدم خلق من طين، [والنار خير من الطين] [¬٣] في زعمه. وقد
_________________
(١) [¬١]- في ز: "فارسوها". [¬٢]- في ز: "فاستأنف". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.
[ ١٢ / ١٠٧ ]
أخطأ في ذلك، وخالف أمر اللَّه، وكفر بذلك، فأبعده اللَّه وأرغم أنفه، وطرده عن [¬١] باب رحمته ومحل أنسه، وحضرة قدسه، وسماه "إبليس"، إعلامًا له بأنه قد أبْلَس من الرحمة، وأنزله من السماء مذمومًا مَدْحورًا إلى الأرض، فسأل اللَّه النَّظِرَةَ إلى يوم البعث، فأنظره الحليم الذي لا يَعْجَل على من عصاه. فلما أمِنَ الهلاك إلى يوم القيامة تَمَرَّد وطغى، وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، كما قال: ﴿أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلًا﴾، وهؤلاء هم المستثنون في الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ وقوله: ﴿قَال فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، قرأ ذلك جماعة منهم مجاهد برفع "الحق" الأولى، وفسره مجاهد بأن معناه: أنا الحق، والحق أقول. وفي رواية عنه: الحقُّ مني، وأقول الحقَّ.
وقرأ آخرون بنصبهما قال السدي: هو قسم أقسم اللَّه به.
قلت: وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. وكقوله تعالى: ﴿قَال اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾.
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إلا ذِكْرٌ لِلْعَالمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٧٧)﴾
يقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: ما أسألكم على هذا البلاغ وهذا النصح أجرًا تعطونيه من عرض الحياة الدنيا، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أي: وما أزيد على ما أرسلني اللَّه به، ولا أبتغي زيادة عليه، بل ما أمرت به أدّيته لا أزيد عليه ولا أنقص منه، وإنما أبتغي بذلك وجه اللَّه ﷿ والدار الآخرة.
قال سفيان الثوري: عن الأعمش، ومنصور، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: أتينا عبد اللَّه بن مسعود قال: يا أيها الناس، من علم شيئًا فليقل به، ومن لا يعلم فليقل: اللَّه أعلم؛ فإن من العلم أن يقولَ الرجلُ لما لا يعلم: اللَّه أعلم، فإن اللَّه قال لنبيكم ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾. أخرجاه (^٣٨) من حديث الأعمش، به.
_________________
(١) - أخرجه البخاري في التفسير، باب (وما أنا من المتكلفين) حديث (٤٨٠٩)، ومسلم في كتاب صفات المنافقين، حديث (٢٧٩٨). [¬١]- في خ: "من".
[ ١٢ / ١٠٨ ]
وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إلا ذِكْرٌ لِلْعَالمِينَ﴾ يعني: القرآن ذكر لجميع المكلفين من الإِنس والجن. قاله ابن عباس. ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل حدثنا قيس، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿لِلْعَالمِينَ﴾ قال: الجن والإِنس.
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾.
وقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ أي: خبره وصدقه ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أي: عن قريب. قال قتادة: بعد الموت. وقال عكرمة: يعني يوم القيامة. ولا منافاة بين القولين، فإن من مات فقد [¬١] دخل في حكم القيامة.
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾، قال الحسن [¬٢]: يا ابن آدم، عند الموت يأتيك الخبر اليقين.
[آخر تفسير سورة "ص" وللَّه الحمد والمنة].
* * *
_________________
(١) [¬١]- في ز: "قد". [¬٢]- سقط من: خ، ز.
[ ١٢ / ١٠٩ ]