﷽
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾
ذكر غيرُ واحدٍ من المفسرين أن رسول الله ﷺ كان يومًا يخاطبُ بعض عظماء قريش، وقد طَمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابنُ أم مكتوم -وكان ممن أسلم قديمًا- فجعل يسأل رسول الله ﷺ عن شيء ويلح عليه، ووَدّ النبي ﷺ أن لو كف ساعته تلك؛ ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل؛ طمعًا ورغبة في هدايته؛ وعَبَس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه، وأقبل على الآخر، فأنزل الله ﷿: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (ض ٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ أي: يحصل له زكاة [¬١] وطهارة في نفسه، ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾، أي: يحصل له اتعاظ وانزجار عن المحارم، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾، أي: أما الغنيّ فأنت تتعرض له لعله يهتدي ﴿وَمَا عَلَيكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ أي: ما أنت بمطالب به إذا لم يحصل له زكاة [¬٢]. ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يقصدك ويؤمك ليهتدي بما تقول له ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾، أي: تتشاغل. ومن ها هنا أمر الله ﷿ رسوله ﷺ أن لا يخص بالإنذار أحدًا، بل يساوي فيه بين الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصغار والكبار. ثم الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وله الحكمة البالغة [¬٣]، والحجة الدامغة [¬٤].
قال الحافظ أبو يعلى في مسنده (^١): حدثنا محمد -هو ابن مهدي- حدثنا عبد الرزاق،
_________________
(١) مسند أبي يعلى (٥/ ٤٣١ - ٤٣٢) (٣١٢٣). [¬١]- في ز: زكاء. [¬٢]- في ز: زكاء. [¬٣]- سقط من ز، خ [¬٤]- سقط من ز، خ.
[ ١٤ / ٢٤٦ ]
أخبرنا معمر، عن قتادة عن أنس في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾، جاء ابن أم مكتوم إلى النبي ﷺ وهو يكلم أبي بن خلف، فأعرض عنه، فأنزل الله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، فكان النبيّ ﷺ بعد ذلك يكرمه.
وقال قتادة: وأخبرني أنس بن مالك؛ قال: رأيته يوم القادسية وعليه درع، ومعه راية سوداء، يعني ابن أم مكتوم.
وقال أبو يعلى (^٢) وابن جرير (^٣): حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثني أبي، عن هشام بن عروة [مما عرضه [¬١] عليه عن عروة، عن عائشة؛ قالت: أنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى إلى رسول الله ﷺ فجعل يقول: أرشدني -قالت: وعند رسول الله ﷺ من عظماء المشركين- قالت: فجعل النبي ﷺ يُعرض عنه ويقبل على الآخر، ويقول: "أترى بما أقول بأسًا؟ ". فيقول: لا. ففي هذا أنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.
وقد روى الترمذي (^٤) هذا الحديثَ، عن سعيد بن يحيى الأموي، بإسناده مثله، ثم قال: "وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة، عن أبيه؛ قال: أنزلَت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أم مكتوم، ولم يذكر فيه عن عائشة". قلت: كذلك هو في الموطأ.
ثم روى ابن جرير (^٥) وابن أبي حاتم أيضًا من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، قال: بينا رسول الله ﷺ يناجي عتبَة بن ربيعة، وأبا جهل بنَ هشام، والعباس بن عبد المطلب -وكان يتصدى لهم كثيرًا، ويحرص عليهم أن يؤمنوا -فأقبل إليه رجل أعمى- يقال له عبد الله بن أم مكتوم- يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ النبي ﷺ آية من القرآن، وقال: يا رسول الله؛ علّمني مما علمك الله، فأعرض عنه رسول الله ﷺ، وعبس في وجهه، وتولى وكره كَلامَه، وأقبل على الآخرين، فلما قضى رسولُ الله ﷺ نجواه، وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره، ثم خَفَقَ برأسه، ثم أنزل الله. ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾. فلما نزل فيه ما
_________________
(١) مسند يعلى (٨/ ٢٦١) (٤٨٤٨).
(٢) تفسير الطبري (٣٠/ ٥٠).
(٣) سنن الترمذي، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة عبس، حديث (٣٣٢٨) (٩/ ٦٧ - ٦٨). وقال الترمذي: حسن غريب. وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢٦٥١، ٣٥٦٦).
(٤) تفسير الطبري (٣٠/ ٥١). [¬١]- بياض في ز، خ.
[ ١٤ / ٢٤٧ ]
نزل، أكرمه رسول الله ﷺ وكلمه، وقال له النبي ﷺ "ما حاجتك؟ هل تريد في شيء؟ " وإذا ذهب من عنده قال: "هل لك حاجة في شيء؟ ". وذلك لما أنزل الله تعالى ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ فيه غرابة ونكارة، وقد تكلم في إسناده.
وقال ابن أبي حاتم (^٦): حدثنا أحمد بن منصور الرّمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني يونس، عن ابن شهاب؛ قال: قال سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله ﷺ؛ يقول: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم". وهو الأعمى الذي أنزل الله فيه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، وكان يؤذن مع بلال. قال سالم: وكان رجلًا ضرير البصر، فلم يك يؤذن حتى يقول له الناس -حين ينظرون إلى بزوغ [¬١] الفجر-: أذن.
وهكذا ذكر عروة بن الزبير، ومجاهد، وأبو مالك، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، وغير واحد من السلف والخلف؛ أنها نزلت في ابن أم مكتوم. والمشهور أن اسمه عبد الله، ويقال: عمرو، والله أعلم.
وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، أي: هذه السورة، أو الوصية بالمساواة بين الناس في إبلاغ العلم من شريفهم ووضيعهم.
وقال قتادة والسدي: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾؛ يعني القرآن. ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾، أي: فمن شاء ذكر الله في جميع أموره. ويحتمل عود الضمير على الوحي؛ لدلالة الكلام عليه.
وقوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾، [أي: هذه السورة أو العظة، وكلاهما متلازم، بل جميع القرآن ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾] [¬٢]، أي: معظمة موقرة. ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾، أي: عالية القدر، ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ أي: من الدنس والزيادة والنقص.
وقوله: ﴿بِأَيدِي سَفَرَةٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد، والضحاك وابن [¬٣] زيد: هي الملائكة.
وقال وهب بن منبه: هم أصحاب محمد ﷺ. وقال قتادة: هم القراء.
_________________
(١) وأصله في الصحيحين دون ذكر أنه هو الذي أنزل الله فيه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾. أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: أذان الأعمى إذا كان له من خبره، حديث (٦١٧) (٢/ ٩٩). وأطرافه في [٦٢٠، ٦٢٣، ١٩١٨، ٢٦٥٦، ٧٢٤٨]. ومسلم في كتاب: الصيام، باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر. حديث (٣٦، ٣٧/ ١٠٩٢) (٧/ ٢٨٤ - ٢٨٥). كلاهما من طريق ابن شهاب بهذا الإسناد وقد ورد الحديث عن عدة من الصحابة، راجع الإرواء (٢١٩). [¬١]- في ز: فروع. [¬٢]- سقط من خ. [¬٣]- في ز: وأبو.
[ ١٤ / ٢٤٨ ]
وقال ابن جرير، عن ابن عباس: السفرة بالنبطية: القراء.
وقال ابن جرير: الصحيح أن السفرة الملائكة، [والسفرة] [¬١] يعني بين الله وبين خلقه، ومنه يقال: السفير: الذي يسعى بين الناس في الصلح والخير، كما قال الشاعر:
وما أدع السفارة بين قومي … وما أمشي بغش إن مشيت
وقال البخاري (^٧): " سَفَرَة: الملائكة. سفرت: أصلحت بينهم. وجعلت الملائكةُ إذا نَزَلت بوحي الله وتأديته [¬٢] كالسفير الذي يصلح بين القوم [¬٣] ".
وقوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾، أي: خُلقهم كريم حَسَن شريف، وأخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة كاملة. ومن ها هنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد.
قال الإمام أحمد (^٨): حدثنا إسماعيل، حدثنا [¬٤] هشام، عن قتادة، عن زُرَارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة؛ قالت: قال رسول الله ﷺ "الذي يقرأ القرآن -وهو ماهر به- مع السَفَرَة الكرام البررَة، والذي يقرؤه -وهو عليه شاق- له أجران".
أخرجه الجماعة من طريق قتادة به.
﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا
_________________
(١) في كتاب: التفسير، باب: سورة عبس (٨/ ٦٩١).
(٢) المسند (٦/ ٤٨) (٢٤٣٢٢). وأخرجه البخاري كتاب: التفسير، باب: سورة عبس، حديث (٤٩٣٧) (٨/ ٦٩١). ومسلم في كتاب: صلاة المسافرين، باب: فضل الماهر بالقرآن والذي يتتعتع فيه، حديث (٢٤٤/ ٧٩٨) (٦/ ١٢١). وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: في ثواب قراءة القرآن، حديث (١٤٥٤) (٢/ ٧٠ - ٧١). والترمذي في كتاب: ثواب القرآن، باب: ما جاء في فضل قارئ القرآن، حديث (٢٩٠٦) (٨/ ١١١ - ١١٢). والنسائي الكبرى في كتاب: فضائل القرآن، باب: الماهر بالقرآن، حديث (٨٠٤٥) (٥/ ٢٠) باب: المتتعتع في القرآن، حديث (٨٠٤٦، ٨٠٤٧) (٥/ ٢١). وابن ماجة في كتاب: الأدب، باب: ثواب القرآن، حديث (٣٧٧٩) (٢/ ١٢٤٢). قال الترمذي: حسن صحيح. [¬١]- سقط من ت. [¬٢]- في ز: تأديبه. [¬٣]- في ز: الناس. [¬٤]- في خ: أخبرنا.
[ ١٤ / ٢٤٩ ]
فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾
يقول تعالى ذامًّا لمن أنكر البعث والنشور من بني آدم: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾. قال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾: لعن الإنسان. وكَذا قال أبو مالك. وهذا لجنس الإنسان المكذب؛ لكثرة تكذيبه بلا مستند، بل بمجرد الاستبعاد وعدم العلم.
قال ابن جرير: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾: ما أشد كفره! وقال ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد أي شيء جعله كافرًا؟ أي: ما حمله على التكذيب بالمعاد.
وقال قتادة -وقد حكاه البغوي عن مقاتل والكلبي-: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ ما لعنه.
ثم بين تعالى له كيف خَلَقَه الله من الشيء الحقير، وأنه قادر على إعادته كما بدأه، فقال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾، أي: قدر أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: ثم كسر عليه خروجه من بطن أمه. وكذا قال عكرمة، والضحاك، وأبو صالح، وقتادة، والسدي، واختاره ابن جرير.
وقال مجاهد: هذه كقوله: ﴿إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. أي: بيّنا له ووضَّحناه وسَهلنا عليه علمه، وهكذا قال الحسن، وابن زيد. وهذا هو الأرجح، والله أعلم.
وقوله: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ أي: إنه بعد خلقه له ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله ذا قبر. والعرب تقول: "قبرتُ الرجل": إذا ولّى ذلك منه، وأقبره الله. "وعَضَبتُ [¬١] قرن الثور، وأعضبه [¬٢] الله، وبترت ذنب البعير وأبتره الله: وطردت عني فلانًا، وأطرده الله. أي: جعله طريدًا، قال الأعشى:
لو أسْنَدتَ مَيتًا إلى نحرها [¬٣] … عَاش ولَم يُنقَل إلى قابر
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾، أي: بعثه بعد موته، ومنه يقال: البعث والنشور، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾.
﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾.
وقال ابن أبي حاتم (^٩): حدثنا أبي، حدثنا أصبغُ بن الفَرج، أخبرنا ابن وهب، أخبرني
_________________
(١) في رواية دراج عن أبي السمح ضعف لكن يشهد لبعضه ما بعده. [¬١]- في ز: عصبت. [¬٢]- في ز: وأعصبه. [¬٣]- في ز: خدرها.
[ ١٤ / ٢٥٠ ]
عمرو بن الحارث: أن دراجًا أبا السمح أخبره، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ؛ قال: "يأكل الترابُ كل شيء من الإنسان إلا عَجبَ ذَنبِه [¬١] ". قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: "مثل حبة خردل منه ينشئون".
وهذا الحديث ثابت في الصحيح (^١٠) من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، بدون هذه الزيادة، ولفظه: "كل ابن آدم يبلى إلا عَجبُ الذنب، منه خلق وفيه يركب". وقوله: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ - قال ابن جرير: يقول: كلا، ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر؛ من أنه قد [¬٢] أدى حق الله عليه في نفسه وماله، ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، يقول: لم يؤدّ ما فرض عليه من الفرائض لربه ﷿.
ثم روى هو وابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، قال: لا يقضي أحد أبدًا كل ما افتُرض عليه. وحكاه البغوي، عن الحسن البصري، بنحو من هذا. ولم أجد للمتقدمين فيه كَلامًا سوى هذا. والذي يقع لي في معنى ذلك -والله أعلم- أن المعنى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾، أي: بعثه، ﴿كَلَّا [¬٣] لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾: لا يفعله الآن حتى تنقضي المدة، ويفرغ القدر من بني آدم ممن كتب تعالى له أن [¬٤] سيُوجَدُ منهم، ويخرج إلى الدنيا، وفد أمر [¬٥] به تعالى كونًا وقدرًا، فماذا تناهى ذلك عند الله أنشر الله الخلائق وأعادهم كما بدأهم.
وقد روى ابنُ أبي حاتم، عن وهب بن مُنبه؛ قال: قال عُزَير ﵇: قال الملك الذي جاءني: فإن القبور [¬٦] هي بطنُ الأرض، وإن الأرض هي أم الخلق، فإذا خلق الله ما أراد أن يخلق، وتمت هذه القبور التي مدّ الله لها، انقطعت الدنيا ومات من عليها، ولفظت الأرض ما في جوفها، وأخرجت القبورُ ما فيها. وهذا شبيه بما قلناه من معنى الآية، والله ﷾ أعلم بالصواب.
وقال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾: فيه [امتنان وفيه] [¬٧] استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام بعد ما كانت عظامًا بالية وترابًا ممزقًا [¬٨]: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ …﴾، حديث (٤٨١٤) (٨/ ٥٥١ - ٥٥٢) وطرفه في [٤٩٣٥]. ومسلم في كتاب: الفتن، باب: ما بين النفختين، حديث (١٤١/ ٢٩٥٥). كلاهما من رواية الأعمش بمعناه. [¬١]- في خ: الذنب. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- سقط من ز، خ. [¬٥]- في ز: أمره. [¬٦]- في ز: الصور. [¬٧]- سقط من ز. [¬٨]- في ز: متمزقًا.
[ ١٤ / ٢٥١ ]
صَبًّا﴾، أي: أنزلناه من السماء علي الأرض، ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾، أي: أسكناه فيها فدَخَلَ [¬١] في تُخُومها، وتخَلّل [¬٢] في أجزاء الحب المودَع فيها، فنبت [¬٣] وارتفع، وظهر على وجه الأرض، ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾، فالحب: كل ما يذكر من الحبوب، والعنب معروف، والقضب هو: الفصفصة التي تأكلها الدواب رطبة. ويقال لها: القت أيضًا. قال ذلك ابن عباس، وقتادة، والضحاك والسدي.
وقال الحسن البصري: القضب: العلف.
﴿وَزَيتُونًا﴾، وهو معروف، وهو أدْمٌ وعصيره أدم، ويستصبح به، ويدهن به [¬٤]، ﴿وَنَخْلًا﴾ يؤكل بلحًا بسرًا [¬٥] ورطبًا، وتمرًا، ونيئًا، ومطبوخًا، ويعتصر منه رُبّ وخل. ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾: أي بساتين. قال الحسن، وقتادة: ﴿غُلْبًا﴾: نخل غلاظ كرام. وقال ابن عباس، ومجاهد: الحدائق: كل ما التف [¬٦] واجتمع. وقال ابن عباس أيضًا: ﴿غُلْبًا﴾: الشجر الذي يستظل به. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾، أي: طوال. وقال عكرمة: ﴿غُلْبًا﴾ أي: غلاظ الأوساط. وفي رواية: غلاظ الرقاب، ألم تر إلى الرجل إذا كان غليظ الرقبة قيل: والله إنه لأغلب. رواه اين أبي حاتم، وأنشد ابن جرير للفرزدق:
عوى فأثار أغلب ضيغميًّا … فويل ابن المراغة [¬٧] ما استثارا
وقوله: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾، أما الفاكهة فهو كل [¬٨] ما يتفكه به من الثمار. قال ابن عباس: الفاكهة: كل ما أكل رطبًّا، والأب ما أنبتت الأرض، مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس -وفي رواية عنه: هو الحشيش للبهائم. وقال مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو مالك: الأب: الكلأ. وعن مجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد: الأب للبهائم كالفاكهة لبني آدم. وعن عطاء: كل شيء نبت على وجه الأرض فهو أب. وقال الضحاك: كل شيء أنبتته الأرض سوى الفاكهة فهو أبّ.
وقال ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس: الأب: نبت الأرض مما [] [¬٩] تأكله الدواب ولا يأكله الناس. ورواه ابن جرير (^١١) من ثلاث طرق، عن ابن
_________________
(١) أخرجه الطبري (٣٠/ ٦٠). [¬١]- في ز: فيدخل. [¬٢]- في ز: وتحلل. [¬٣]- في ز: فينبت. [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- سقط من خ. [¬٦]- في ز: ملتف. [¬٧]- في ز: المراعة. [¬٨]- سقط من ت. [¬٩]- في ز: لا.
[ ١٤ / ٢٥٢ ]
إدريس، ثم قال:
حدثنا [¬١] أبو كريب وأبو السائب؛ قالا: حدثنا ابن إدريس، حدثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير؛ قال: عدَّ [¬٢] ابن عباس وقال: الأب: ما أنبتت الأرض للأنعام. هذا لفظ أبي كريب وقال أبو السائب: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام.
وقال العوفي عن ابن عباس: الأب: الكلأ والمرعى. وكذا قال مجاهد والحسن، وقتادة وابن زيد وغير واحد.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (^١٢): حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا العوام بن حَوشب، عن إبراهيم التَّيمي؛ قال: سُئِل أبو بكر الصديق ﵁ عني قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلتُ في كتاب الله ما لا أعلم.
وهذا منقطع بين إبراهيم التيمي والصديق. فأمَّا ما رواه ابن جرير (^١٣) حيث قال:
حدثنا ابن بشار، حدثنا إلي أبي عَدي، حدثنا حُمَيد، عن أنس؛ قال: قرأ عمر بين الخطاب ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فلما أتى علي هذه الآية: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد [¬٣] عرفنا ما الفاكهة؛ فما الأب؟ فقال: لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف.
فهو إسناد صحيح، وقد رواه غير واحد عن أنس (^١٤)، به. وهو محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه، وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض، لقوله: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ وقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾، أي: عيشة لكم ولأنعامكم في هذه الدار إلي يوم القيامة.
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص ٣٧٥).
(٢) أخرجه الطبري (٣٠/ ٥٩).
(٣) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (ص ٣٧٥) من طريق حميد. وأخرجه البخاري في كتاب: الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال …، حديث (٧٢٩٣) (١٣/ ٢٦٤ - ٢٦٥) من طريق حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، فأخرج منه قول عمر ﵁: "نهينا عن التكلف". قال الحافظ في الفتح (١٣/ ٢٧٠ - ٢٧١): هكذا أورده مختصرًا، وذكر الحميدي أنه جاء في رواية أخرى عن ثابت عن أنس أن عمر ﵁ قرأ ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ … الحديث -نحو حديث الطبري وأبي عبيد- ثم قال: وهذا أولى أن يكمل به الحديث الذي أخرجه البخاري. ا هـ. [¬١]- سقط من خ. [¬٢]- في ز: عدا. [¬٣]- سقط من ت.
[ ١٤ / ٢٥٣ ]
وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾
قال ابن عباس: ﴿الصَّاخَّةُ﴾ اسم من أسماء يوم القيامة، عظمه الله وحذره عباده.
قال ابن جرير: لعله اسم للنفخة [¬١] في الصور. وقال البغَويّ: ﴿الصَّاخَّةُ﴾. يعني صيحة القيامة، سميت بذلك لأنها تَصُخّ الأسماع، أي: تبالغ في إسماعها حتى تكاد تُصمّها.
﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾، أي: يراهم، ويفر منهم، ويبتعد [¬٢] عنهم؛ لأن الهول عظيم، والخطب جليل.
قال عكرمة: يلقى الرجل زوجته فيقول لها: يا هذه، أيّ بعل كنتُ لك؟ فتقول: نعم البعل كنتَ! وتثني بخير ما استطاعت، فيقول لها: فإني أطلب إليك اليومَ حسنةً واحدةً تهبينها [¬٣] لي لعلي أنجو مما ترين [¬٤]. فتقول له: ما أيسر ما طلبتَ، ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئًا أتخوف مثل الذي تخاف. قال: وإن الرجل ليلقى ابنه فيتعلق [¬٥] به يقول: يا بني، أيّ والد كنتُ لك؟ فيثني بخير. فيقول له: يا بني؛ إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى. فيقول ولده: يا أبت، ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مثل الذي تتخوف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئًا. يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾.
وفي الحديث الصحيح (^١٥) - في أمر الشفاعة- أنه إذا طلب إلى كل من أولي العزم أن يشفع عند الله في الخلائق، يقول: نفسي نفسي، لا أسأله اليوم إلا نفسي، حتى إن عيسى ابن مريم يقول: لا أسأله اليومَ إلا نفسي، لا أسأله مريم التي ولدتني؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾.
_________________
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية: ٧٩. [¬١]- في ز: النفخة. [¬٢]- في ز: يتبعد. [¬٣]- في ز: تهبيها. [¬٤]- في ز: ترى. [¬٥]- في ز: فيعلق.
[ ١٤ / ٢٥٤ ]
قال قتادة: الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب، من هول ذلك اليوم.
وقوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾، أي: هو في شُغُل شاغل عن غيره.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا الوليد بن صالح، حدثنا ثابت أبو زيد العباداني، عن هلال بن خَبَّاب [¬١]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "تحشرون حفاة عراة مشاة غُرلًا". قال: فقالت زوجته: يا رسول الله، أوَ يرى بعضنا عورة بعض؟ قال ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. أو قال: "ما أشغله عن النظر".
وقد رواه النسائي (^١٦) منفردًا به، عن أبي داود، عن [¬٢] عارم، عن ثابت بن يزيد -وهو أبو زيد الأحول البصري، أحد الثقات- عن هلال بن خَبَّاب [¬٣]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به. وقد رواه الترمذي عن عَبد [¬٤] بن حُميد، عن محمد بن الفضل، عن ثابت بن يزيد [¬٥]، عن هلال بن خَبَّاب [¬٦]، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ؛ قال: "تحشرون حفاة عراة غُرلًا". فقالت امرأة: أيبصر -أو: يرى- بعضنا عورة بعض؟ قال: "يا فلانة؛ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ". ثم قال الترمذي: "وهذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن ابن عباس ﵁.
وقال النسائي (^١٧): أخبرني عمرو بن عثمان، حدثنا بقية، حدثنا الزبيدي، أخبرني الزهري، عن عروة، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ، قال: "يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غُرلًا". فقالت عائشة: يا رسول الله؛ فكيف بالعورات؟ فقال: " ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ". انفرد به النسائي من هذا الوجه.
ثم قال ابن أبي حاتم أيضًا [¬٧]: حدثنا أبي، حدثنا أزهر بن حاتم، حدثنا الفضل بن موسى، عن عائذ [¬٨] بن شرَيح، عن أنس بن مالك؛ قال: سألَتْ عائشة ﵂ رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله؛ بأبي أنتَ وأمي، إني سائلتك عن
_________________
(١) سنن النسائي الكبرى، كتاب: التفسير، باب: سورة عبس، حديث (١١٦٤٧) (٦/ ٥٠٦ - ٥٠٧). وأخرجه الترمذي في كتاب: التفسير، باب: ومن سورة عبس، حديث (٣٣٢٩) (٩/ ٦٨ - ٦٩).
(٢) سنن النسائي الكبرى، كتاب: التفسير، باب: سورة عبس، حديث (١١٦٤٨) (٦/ ٥٠٧). [¬١]- في ز: حباب. [¬٢]- في ز: وعن. [¬٣]- في ز: حباب. [¬٤]- في ز: عبد الله. [¬٥]- في ز، خ: زيد. [¬٦]- في ز: حباب. [¬٧]- سقط من ت. [¬٨]- في ز، ت: عائد. والمثبت من الجرح والتعديل.
[ ١٤ / ٢٥٥ ]
حديث فتخبرني أنتَ به. قال: "إن كان عندي منه علم". قالت: يا نبي الله؛ كيف يُحشر الرجال؟ قال: "حفاة عراة". ثم انتظرتْ ساعة فقالت: يا نبي الله؛ كيف يحشر النساء؟ قال: "كذلك حفاة عراة". قالت: وا سوأتاه من [¬١] يوم القيامة! قال: "وعن أبي ذلك تسألين، إنه قد نزل علي آية لا يضرك كان عليك ثياب أو لا يكون". قالت: أيةُ آية هي يا رسول الله؟ قال: " ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ [¬٢] شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
وقال البغوي في تفسيره: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشّريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني الحسين بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا ابن أبي أويس، حدثنا أبي، عن محمد بن أبي عياش، عن عطاء بن يسار، عن سودة زوج النبي ﷺ؛ قالت: قال رسول الله ﷺ: "يبعث الناس حفاة عراة غُرلًا قد ألجمهم العرق، وبلغ شحوم الآذان". فقلت: يا رسول الله، وا سوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: "قد شغل الناس ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ". هذا حديث غريب من هذا الوجه جدًّا، وهكذا رواه ابن جرير (^١٨) عن أبي عمار الحسين بن حريث المروزي، عن الفضل بن موسى، به. ولكن قال أبو حاتم الرازي: عائذ [¬٣] بن شريح ضعيف، في حديثه ضعف.
وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾، [أي: يكون الناس هنالك فريقين ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾، أي: مستنيرة ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾] [¬٤]، أي: مسرورة فرحة من سرور قلوبهم، قد ظهر البشر على وجوههم، وهؤلاء أهل الجنة. ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾، أي: يعلوها ويغشاها قترة، أي: سواد.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سهل بن عثمان العسكري، حدثنا أبو علي محمد مولى جعفر بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "يلجم الكافر العرق ثم تقع الغبرة على وجوههم". قال: "فهو قوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيهَا غَبَرَةٌ﴾.
وقال ابن عباس: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ أي: يغشاها سواد الوجوه.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾، أي: الكفرة قلوبهم، الفجرة في أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾.
[آخر تفسير سورة عبس، ولله الحمد والمنة].
_________________
(١) تفسير الطبري (٣٠/ ٦١ - ٦٢). [¬١]- في ز، خ: في. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ز: عائد. وفي خ: عابد. [¬٤]- سقط من ز، خ.
[ ١٤ / ٢٥٦ ]