قال مالك وشعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب: كان النبي ﷺ يقرأ في سفر في إحدى الركعتين بالتين والزيتون، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا أو قراءة منه. أخرجه الجماعة في كتبهم (^١).
﷽
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾
اختلف المفسرون هاهنا على أقوال كثيرة، فقيل: المراد بالتين مسجد دمشق. وقيل: هي نفسها. وقيل: الجبل الذي عندها.
وقال القرطبي: هو مسجد أصحاب الكهف.
_________________
(١) أخرجه مالك في كتاب: الطهارة، باب: القراءة في المغرب والعشاء، حديث (٢٧) (١/ ٨٩) عن يحيى بن سعيد عن عدي بن ثابت. ومن طريقه النسائي (٢/ ١٧٣) كتاب الافتتاح باب: القراءة فيها بالتين والزيتون. وفي الكبرى في كتاب: التفسير، باب: سورة التين، حديث (١١٦٨٢) (٦/ ٥١٨). وأخرجه البخاري في كتاب: الأذان، في باب: الجهر في العشاء، حديث (٧٦٧) (٢/ ٢٥٠) وأطرافه في [٧٦٩، ٤٩٥٢، ٧٥٤٦]. ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: القراءة في العشاء، حديث (١٧٥/ ٤٦٤) (٤/ ٢٣٩ - ٢٤٠). وأبو داود في باب: الصلاة، باب: قصر قراءة الصلاة في السفر، حديث (١٢٢١) (٢/ ٨). كلهم من طريق شعبة. وأخرجه البخاري (٧٦٩)، ومسلم (١٧٧/ ٤٦٤). وابن ماجة في كتاب: الإقامة، باب: القراءة في صلاة العشاء، حديث (٨٣٥) (١/ ٢٧٣). كلهم من طريق مسعر عن عدي بن ثابت. وأخرجه الترمذي في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في القراءة في صلاة العشاء، حديث (٣١٠) (١/ ٤١٧) من طريق أبي معاوية عن يحيى بن سعيد عن عدي وقال: حسن صحيح. والروايات مختصرة ومطولة فمن طريق مالك وشعبة وأبي معاوية روى الحديث دون قوله: فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا، وروى بتمامه من طريق مسعر عن عدي.
[ ١٤ / ٣٩٤ ]
وروى العوفي، عن ابن عباس أنه مسجد نوح الذي على الجودي.
وقال مجاهد: هو تينكم هذا.
﴿وَالزَّيتُونِ﴾، قال كعب الأحبار، وقتادة، وابن زيد، وغيرهم: هو مسجد بيت المقدس.
قال مجاهد، وعكرمة: هو هذا [¬١] الزيتون الذي تعصرون.
﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾، قال كعب الأحبار وغير واحد: هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾: يعني مكة. قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وإبراهيم النخعي، وابن زيد، وكعب الأحبار. ولا خلاف في ذلك.
وقال بعض الأئمة: هذه محالٌّ ثلاثة بعث الله في كل واحد منها نبيًّا مرسلًا من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار، فالأول: محلة التين والزيتون، وهي بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى ابن مريم. والثاني: طور سنين، وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران. والثالث: مكة، وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنا، وهو الذي أرسل فيه محمدًا ﷺ. قالوا: وفي آخر التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة: جاء الله من طور سيناء - يعني الذي كلم الله عليه موسى - وأشرق من ساعير -يعني جبل بيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى - واستعلن من جبال فاران -يعني جبال مكة الذي [¬٢] أرسل الله فيها [¬٣] محمدًا ﷺ فذكرهم على الترتيب الوجودي بحسب ترتيبهم في الزمان؛ ولهذا أقسم بالأشرف، ثم الأشرف منه، ثم بالأشرف منهما.
وقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ﴾، هذا هو المقسم عليه، وهو أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة وشكل، منتصب القامة، سِوَيّ الأعضاء حَسَنَها.
﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ أي: إلى النار. قاله مجاهد، وأبو العالية، والحسن، وابن زيد، وغيرهم. ثم بعد هذا الحسن والنضارة مصيره إلى النار إن لم يطع الله ويتبع الرسل؛ ولهذا قال: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
وقال بعضهم: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾، أي: إلى أرذل العمر. روى هذا عن ابن عباس، وعكرمة، حتى قال عكرمة: من جمع القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. واختار ذلك ابن جرير. ولو كان هذا هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك؛ لأن الهرم قد يصيب بعضهم، وإنما المراد ما ذكرناه، كقوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
_________________
(١) [¬١]- سقط من ت. [¬٢]- في ت: التي. [¬٣]- في ت: منها.
[ ١٤ / ٣٩٥ ]
وقوله [¬١]: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير [¬٢] مقطوع كما تقدم.
ثم قال: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾، يعني: يا بن آدم ﴿بَعْدُ [¬٣] بِالدِّينِ﴾ أي: بالجزاء في المعاد وقد علمت البدأة، وعرفت أن من قدر على البدأة، فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى، فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد وقد عرفت هذا؟.
قال ابن أبي حاتم (^٢): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن منصور؛ قال: قلت لمجاهد: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾، عنى به النبي ﷺ؟ قال: معاذ الله! عنى به الإِنسان. وهكذا قال عكرمة وغيره.
وقوله: ﴿أَلَيسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾، أي: أما هو أحكم الحاكمين، الذي لا يجور ولا يظلم أحدًا، من عدله أن يقيم القيامة فينصف المظلوم في الدنيا ممن ظلمه. وقد قدمنا في حديث أبي هريرة (^٣) مرفوعًا فإذا قرأ أحدكم ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيتُونِ﴾ فأتى على آخرها:. ﴿أَلَيسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾، فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين".
آخر تفسير سورة "والتين والزيتون" ولله الحمد والمنة.
* * * *
_________________
(١) أخرجه الطبري (٣٠/ ٢٤٩) من طريق سفيان.
(٢) تقدم تخريجه في آخر تفسير سورة القيامة. [¬١]- سقط من ز، خ. [¬٢]- سقط من ت. [¬٣]- سقط من ز.
[ ١٤ / ٣٩٦ ]