﷽
والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. ورضي الله عن الصحابة أجمعين. حسبنا الله ونعم الوكيل. وكان الفراغ منه في العاشر من جمادى الأولى [] (^١) سنة خمس وعشرين وثمانمائة. والحمد لله وحده.
الحمد لله الذي رفع السماء بغيرِ عمادٍ، وبسط الأرض وثبتها بالأطواد، ومنح معرفته ومحبته من شاء من العباد، وأقام لدينه أولياء ينصرونه ويقومون به، وجعل منهم النجباء والأقطاب والأوتاد، وأعلى منار الدين بالعلماء العاملين، وأوضح بهم طرق الرشاد، وقمع لهم أهل الزيغ والأهواء والبدع والفساد، وثبت لهم دينهم بالنقل عن نبيهم بصحيح الإسناد، ونفى عنهم التدليس والشذوذ والانفراد.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، المتعالى عن الشركاء والنظراء والأنداد، المنزه عن الحلول والاتحاد والإلحاد.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، سيدُ العباد، صلى الله عليه وعلى آله النجباء الأنجاد، وصحابته السادة الأبرار الأمجاد، صلاة تدوم وتقوم ما قامت السموات والأرض بأمره، وقابل البياض السواد.
وبعد، فقد أمرني السيد الجليل، من وصل الله له جناح الصنيع الجميل، وواصل عليه السول، وأوصل إليه المأمول، وعمَّر بحبه ربوع أنسي، وأمطر بفيضه ربيع نفسي، مولانا وسيدنا العبد الفقير إلى الله -سبحانه- الآمل الراجي عفوه الكريم وإحسانه، قاضي القضاة، حاكم الحكام، نجم الدين حجة الإسلام والمسلمين، سيد العلماء في العالمين، بهاء الملة، لسان الشريعة، عز السنة، حصن الأمة، خطب الخطباء، إمام البلغاء، غرة الزمان، ناصر الإيمان، شيخ الشيوخ العارفين -أبو حفص عمر- ابن سيدنا ومولانا العبد الفقير إلى الله -تعالى- الشيخ الإمام العلامة، والحبر الفهامة، قدوة العلماء العاملين، أبي محمد حجي السعدي الشافعي -أمر- أعلى الله أمره، وأسنى (^٢) قدره، من لا يتقلب إلا في طاعته، ولا يتصرف إلا في مرضاته- أن يُكتَبَ برسم خزانته (^٣) تفسير الشيخ (^٤) الإمام العالم الكبير، العلامة عماد الدين بن كثير ﵀ وأرضاه، وجعل بحبوحة الجنة مقره ومثواه. فامتثلت أمره بالسمع والطاعة، وعددت هذا الأمر من أنفس البضاعة، مع أني في الكتابة قليل الصناعة. فكتبت قدر ما قدرت عليه، ووصلت إليه، فإن صادفت قبولًا وبلغت مأمولًا، فيكون سعدي سعيدًا، ويقع سهمي سديدًا …
فَإن وقَفَتْ بي قُدْرَتي دُونَ همتي … فمبلغُ علمْي والمعاذيرُ تُقْبَلُ
قد جَمَعت هذه الخزانةُ الشريفةُ أشتات العلوم على الإطلاق، من رام مثلها فهو مُقَصر عن يوم أسباب اللحاق، خصوصًا إذ كان بها هذا التفسير الذي مادته سنن المصطفى المنبه على جوامع ما يزداد اللبيب بها بصيرة في علمه النافع؛ إذ كان ﷺ قد أوتي جوامع الكلام، وعلَّم فصل الخطاب. فلم يسمع الناس كلامًا أعم نفعًا، ولا أقصر لفظًا، ولا أعدل وزنًا (^٥)، ولا أجمل مذهبًا، ولا أكرم مطلبًا، ولا أحسن موقعًا، ولا
_________________
(١) - في ز: من.
(٢) - في ش: وأسد.
(٣) - في ش: خزانة.
(٤) - سقط من ش.
(٥) - في ش: وفرًا.
[ ١٤ / ٥٣٣ ]
أسهل مخرجًا، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين في فحواه ﷺ.
فلله در مولانا، إذ جمع أفراد (^٦) الفضائل، ونظم آحاد العقائل، وحاز من العلم الذرى والغوارب. فلا يخفى على ذي لب أنه أغرق في الفهم نُصولًا، وأعرق في العلم أصولًا فأقول مختصرًا، وعما يليق بمدحه معتذرًا، عسى يمر به من تضاعيف ثنائي عليه ما يبلغني به الزلفى في حبه، والقربى من قلبه، وتلك أمنيتي حتى (^٧) ألقى منيتي، لا أتعداها، ولا أتمنى سواها، ولله در القائل:
إذا ابنُ حجي جادت (^٨) لنا يده … لم يُحمد الأجودان: البحر والمطر
وإن أضاءت لنا أنوارُ غُرته … تضاءَل الأنوران: الشمس والقمرُ
وإن مضى رأيه أو جَد عزمته … تأخر الماضيان: السيف والقدر
من لم يبت حذرًا من خوف سطوته … لم يدر ما المزعجان: الخوف والحذر
كأنه الدهر في نعمى وفي نقم … إذا تعاقب منه: النفع والضرر
كأنه - وزمام الدهر في يدهِ … يدا عواقب: ما يأتي ومَا يذَرُ
فالحمد لله الذي جعل جمال منظرك موازيًا لكمال مخبرك، وشامخ فَرْعك مقارنًا لراسخ عنصرك.
والله حسبي فيك من كل … ما يعوَّذ العبد به المولى
واسلم وعش لا زلت في نعمة … أنت بها من غيرك الأولى
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
* * *
كتبه الفقير محمد بن علي الصوفي البواب، بالخانقاة (^٩) الثميصاتية (^١٠)، بدمشق المحروسة، حامدًا ومصليًا، ومحسبلًا ومحوقلًا، والحمد لله وحده.
_________________
(١) - سقط من ش.
(٢) - في ش: حين.
(٣) - في ش: حادت.
(٤) - في ش: لمنعاه.
(٥) - في ش: التصائية.
[ ١٤ / ٥٣٤ ]
اللوحة قبل الأخيرة من النسخة "ز"
[ ١٤ / ٥٣٥ ]
اللوحة الأخيرة من النسخة "ز"
[ ١٤ / ٥٣٦ ]