قال الإمام أحمد (^٣٤): حدَّثنا سُرَيج بن النُّعمان، حدَّثنا أبو عُبيدة عبد المؤمن بن عبيد الله
_________________
(١) = حديث أبي الصِّديق الناجي عن أبي سعيد الخدري به.
(٢) - المسند (٣/ ٢٨٣) وأخرجه البُخاريّ في التَّاريخ (٢/ ٦٥)، وأبو يعلى في مسنده (٤٢٢٦) من طريق عبد المؤمن به. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢١٨): رجاله ثقات. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "ومَن".
[ ١٢ / ١٤١ ]
السدوسي، حدثني حسن السدوسي؛ قال: دخلت على أنس بن مالك؛ فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ؛ يقول: "والذي نفسي بيده، لو أخطأتم حتَّى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله لغفر لكم، والذي نفس محمَّد بيده، لو لم تخطئوا لجاء الله بقوم يخطئون، ثم يستغفرون الله فيغفر لهم". تفرد به أحمد.
وقال الإمام أحمد (^٣٥): حدَّثنا إسحاق بن عيسى، حدثني ليث، حدثني محمَّد بن قيس -قاصّ [¬١] عمر بن عبد العزيز- عن أبي صِرْمة، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁، أنَّه قال حين حضرته الوفاة: قد كنت كتمت [¬٢] منكم شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ، قوله: "لولا أنكم تذنبون [¬٣]، لخلق الله قومًا يذنبون فيغفر لهم".
هكذا رواه الإِمام أحمد، وأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي جميعًا، عن قتيبة، عن اللَّيث بن سعد به.
ورواه مسلم من وجه آخر به (^٣٦)، عن محمَّد بن كعب القرظي، عن أبي صرمة -وهو الأنصاري، صحابي- عن أبي أيوب به.
وقال الإمام أحمد (^٣٧): حدَّثنا أحمد بن عبد الملك الحراني، حدَّثنا يَحْيَى بن عمرو بن مالك النُكري [¬٤]؛ قال [¬٥]: سمعت أبي يحدث عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: ["كفارة الذنب الندامة". وقال رسول الله ﷺ] [¬٦]: "لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون، فيغفر لهم". تفرد به أحمد.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد (^٣٨): حدثني عبد الأعلى بن حماد النَّرسيّ [¬٧]، حدَّثنا داود
_________________
(١) - المسند (٥/ ٤١٤)، وأخرجه عبد بن حميد (٢٣٠ - منتخب) ومسلم في التوبة، حديث (٢٧٤٨) (٩)، والترمذي في الدعوات، باب، في فضل التوبة والاستغفار حديث (٣٥٣٩) من طريق اللَّيث بن سعد به.
(٢) - صحيح مسلم كتاب التوبة حديث (٢٧٤٨) (١٠).
(٣) - المسند (١/ ٢٨٩) (٢٦٢٣)، وإسناده ضعيف، وأخرجه ابن عدي في الكامل (٩/ ٣٧ - ترجمة يَحْيَى بن عمرو) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢١٨) وعزاه لأحمد والطبراني باختصار، والأوسط، والبراز وقال: فيه يَحْيَى بن عمرو بن مالك النكري وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله ثقات). وانظر تعليق الشَّيخ أحمد شاكر على المسند.
(٤) - المسند (١/ ٨٠، ١٠٣) وأخرجه أبو يعلى (٤٨٣). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٣) وقال: رواه عبد الله وأبو يعلى، وفيه من لم أعرفه). وانظر تعليق العلامة أحمد شاكر على المسند (٦٠٥). [¬١]- في خ، ز: "قاضي". [¬٢]- في ز: "كتمته". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في ز: "البكري". [¬٥]- سقط من: خ، ز. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٧]- في خ، ز: "القرشي".
[ ١٢ / ١٤٢ ]
ابن عبد الرحمن، حدَّثنا أبو عبد الله مسلمة الرَّازي، عن أبي عمرو البَجَلي، عن عبد الملك بن سفيان الثَّقفيُّ، عن أبي جعفر محمَّد بن علي، عن محمَّد بن الحنفية، عن أبيه علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله يحب العبد المُفتَّن التواب". لم يخرجوه من هذا الوجه.
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا حماد، أخبرنا ثابت، وحميد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير؛ قال: أن إبليس -عليه لعائن الله- قال: يارب؛ إنك أخرجتني من الجنَّة من أجل آدم، و[¬١] إني لا أستطيعه إلَّا بسلطانك. قال: فأنت [¬٢] مسلط. قال: يا رب؛ زدني. قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك مثله. قال: يارب؛ زدني. قال: أجعل [¬٣] صدورهم مساكن لكم، وتجرون منهم مجرى الدم. قال: يارب؛ زدني. قال: أجلب عليهم بخيلك ورجلك، وشاركهم في الأموال والأولاد، وعدْهم وما يعدهم الشَّيطان إلَّا غرورًا. فقال آدم: يارب؛ قد سلطته عليّ، وإني لا أمتنع به [¬٤] إلَّا بك. قال: لا يولد لك ولد إلَّا وَكلت به من يحفظه من قرناء السوء. قال: يارب؛ زدني. قال: الحسنة عشر أو أزيد، والسيئة واحدة أو أمحوها. قال: يارب؛ زدني. قال: باب التوبة مفتوح ما كان الروح في الجسد. قال: يارب، زدني. قال: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
وقال محمَّد بن إسحاق: قال نافع؛ عن عبد الله بن عمر، عن عمر ﵁ في حديثه؛ قال: وكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صَرفًا ولا عدلًا ولا توبة، عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم. قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم. قال: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة [¬٥]، أنزل الله فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. قال عمر ﵁: فكتبتها بيدي في صحيفة، [وبعثت بها] [¬٦] إلى هشام بن العاص؛ قال: فقال هشام: لما أتتني جعلت أقرؤها [¬٧] بذي طُوّي أصعِّد بها فيه وأصوت ولا أفهمها، حتَّى قلت: اللَّهم أفهمنيها. قال: فألقى الله في قلبي أنَّها إنما أنزلت فينا، وفيما كُنَّا نقول في أنفسنا، ويقال فينا. قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه، فلحقت برسول الله صلى الله
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "فإنك". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- سقط من: ت. [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- في ز: "وبعثها". [¬٧]- سقط من: خ، ز.
[ ١٢ / ١٤٣ ]
عليه وسلم بالمدينة.
ثم استحث تعالى عباده إلى المسارعة إلى التوبة، فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [أي: ارجعوا إلى الله واستسلموا له، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أي: بادروا] [¬١] بالتوبة والعمل الصالح قبل حلول النقمة، ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن العظيم، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: من حيث لا [تعلمون ولا تشعرون] [¬٢].
ثم قال: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أي: يوم القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة، ويود لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين لله ﷿.
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ أي: إنَّما كان عملي في الدُّنيا عمل ساخر مستهزئ غير موقن مصدق.
﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: تود أن لو أعيدت إلى الدار الدُّنيا فتحسن العمل.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أخبر الله -سبحانه- ما العباد قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه. وقال: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فأخبر الله [¬٣] تعالى أن لو رُدّوا لما قدروا على الهدى، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
وقد قال الإمام أحمد (^٣٩): حدَّثنا أسود، حدَّثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "كل أهل النار يرى مقعده من الجنَّة فيقول: لو أن الله هداني! فتكون عليه حسرة". قال: "وكل أهل الجنَّة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني! قال [¬٤]: فيكون له الشكر". ورواه
_________________
(١) - المسند (٢/ ٥١٢)، وأخرجه النَّسائيّ في تفسيره (٤٧٤)، والحاكم في مستدركه (٢/ ٤٣٥، ٤٣٦) وعنه البيهقي في البعث والنشور (٢٦٩) من طريق أبي بكر بن عياش به نحوه. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "تعلموا أو تشعروا". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- سقط من: ز.
[ ١٢ / ١٤٤ ]
النَّسائيّ من حديث أبي بكر بن عياش، به.
ولما تمنى أهل الجرائم العَودَ إلى الدُّنيا، وتحسروا [¬١] على تصديق آيات الله واتباع رسله، قال: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: قد جاءتك أيها العبد النادم على ما كان منه- آياتي [¬٢] في الدار الدُّنيا، وقامت حججي عليك، فكذبت بها واستكبرت عن اتباعها، وكنت من الكافرين بها، الجاحدين لها.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)﴾
يخبر تعالى عن يوم القيامة أنَّه تسود فيه وجوه، وتبيض فيه وجوه، تسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف، وتبيض وجوه أهل السنة والجماعة، قال تعالى ها هنا: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ أي: في دعواهم له شريكًا وولدًا ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ أي: بكذبهم وافترائهم.
وقوله: ﴿أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ [¬٣]﴾ أي: أليست جهنم كافية لهم [¬٤] سجنًا وموئلًا لهم فيها الخزي والهوان، بسبب تكبرهم وتجبرهم وإبائهم عن الانقياد للحق.
قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدَّثنا عمي، حدَّثنا عيسى بن أبي عيسى الخياط، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور النَّاس، يعلوهم كل شيء من الصغار، حتَّى يدخلوا سجنًا من النَّار في واد يقال له: بولس [¬٥]، من دار الأنيار [¬٦] ويسقون عصارة أهل النَّار، من طينة الخبال".
وقوله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ أي: بما سبق لهم من السعادة والفوز عند الله، ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: ولا يحزنهم الفزع الأكبر، بل هم آمنون من كل فَزَع، مزحزحون عن كل شر، مؤمّلون كل خير.
_________________
(١) [¬١]- في ز: "ويتحسروا". [¬٢]- في ز: "بلى قد جائك". [¬٣]- في ز: "للكافرين". [¬٤]- في خ: "لها". [¬٥]- في ز: "بلولس". [¬٦]- في ز: "الأيّار".
[ ١٢ / ١٤٥ ]
اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾
يخبر تعالى أنَّه خالق الأشياء كلها، وربها ومليكها والمتصرف فيها، وكلّ تحت تدبيره وقهره وكلاءته.
وقوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال مجاهد: المقاليد هي المفاتيح بالفارسية، وكذا قال قتادة وابن زيد وسفيان بن عيينة. وقال السدي: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خزائن السماوات والأرض.
والمعنى على كلا القولين أن أزِمَّة الأمور بيده، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: حججه وبراهينه، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
وقد روى ابن أبي حاتم ها هنا حديثًا غريبًا جدًّا، في صحته [¬١] نظر، ولكن نذكره كما ذكره فإنَّه قال: حدَّثنا يزيد بن سنان البصري بمصر، حدَّثنا يَحْيَى بن حماد، حدَّثنا الأغلب بن تميم، عن مخلد بن هذيل العبدي، عن عبد الرحمن المدني، عن عبد الله بن عمر، عن عثمان بن عفَّان، ﵁، أنَّه سأل رسول الله ﷺ عن تفسير: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فقال: "ما سألني عنها أحد قبلك يا عثمان"، قال: "تفسيرها: لا إله إلَّا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، أستغفر الله، ولا قوة إلَّا بالله الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير يَحْيَى ويميت، [وهو على كل شيء قدير] [¬٢]. من قالها يا عثمان [إذا أصبح] [¬٣] عشر مرات [¬٤] أعطى خصالًا ستًّا [¬٥]، أما أولهن: فيحرس من إبليس وجنوده، وأمَّا الثانية: فيعطى قنطارًا من الأجر، وأمَّا الثَّالثة: فترفع
_________________
(١) [¬١]- في ز: "جدته". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٤]- في ز: "مرار". [¬٥]- سقط من: خ، ز.
[ ١٢ / ١٤٦ ]
له درجة في الجنَّة، وأمَّا الرابعة: فيزوج [¬١] من الحور العين، وأمَّا الخامسة: فيحضره لنا عشر ملكًا، وأمَّا السادسة: فيعطى من الأجر كمن قرأ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور. وله مع هذا يا عثمان من الأجر كمن حج وتقبلت حجته، واعتمر فتقبلت عمرته، فإن مات من يومه طبع بطابع الشهداء".
ورواه أبو يعلى الموصلي (^٤٠) من حديث يَحْيَى بن حماد، به مثله. وهو غريب، وفيه نكارة شديدة، والله أعلم.
وقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾، ذكروا في سبب نزولها ما رواه ابن أبي حاتم وغيره، عن ابن عباس؛ أن المشركين بجهلهم دَعَوا رسول الله ﷺ إلى عبادة آلهتهم، ويعبدوا معه إليه، فنزلت: ﴿قُلْ أَفَغَيرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وهذه كقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: أخلص العبادة لله وحده، لا شريك له، أنت ومن معك، أنت ومن اتبعك وصدقك.
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾
يقول ﵎ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي [¬٢] ما قدر المشركون الله حق قدره حين عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته.
قال مجاهد: نزلت في قريش. وقال السدي: ما عظموه حق عظمته.
وقال محمَّد بن كعب: لو قدروه حق قدره ما كذبوه.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن [¬٣] الله على كل شيء قدير، فقد قَدَر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره.
_________________
(١) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٦٧) وعزاه إلى: أبي يعلى، ويوسف القاضي في سننه وأبي الحسن القطان في المطولات وابن السني في عمل اليوم والليلة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه. [¬١]- في خ: "فيتزوج". [¬٢]- في ز: "و". [¬٣]- سقط من: ز.
[ ١٢ / ١٤٧ ]
وقد وردت [¬١] أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة، والطريق فيها [¬٢] وفي أمثالها مذهبُ السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف.
قال البُخاريّ (^٤١): قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: حدَّثنا آدم، حدَّثنا شيبان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ، فقال [¬٣]: يا محمد؛ إنا نجد أن الله ﷿ يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع. فيقول: أنا الملك. فضحك رسول الله ﷺ حتَّى بدت نواجذه، تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ …﴾ الآية.
ورواه البُخاريّ أيضًا في غير هذا الموضع من صحيحه، والإمام أحمد، ومسلم، والترمذي والنَّسائيُّ في التفسير من سننيهما، كلهم من حديث سليمان بي مهران الأعمش، عن إبراهيم، عن عَبيدَةَ [¬٤]، [عن ابن مسعود ﵁ [بنحوه.
وقال الإمام أحمد (^٤٢): حدَّثنا أبو معاوية، حدَّثنا الأعمش، عن إبراهيم] [¬٥]، عن علقمة، عن عبد الله ﵁ قال] [¬٦]: جاء رجل إلى النَّبي ﷺ من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم، أبلغك أن الله يحمل الخلائق على إصبع، والسماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع؟ قال [¬٧]: فضحك رسول الله ﷺ حتَّى بدت نواجذه. قال: وأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى آخر الآية. وهكذا رواه البُخاريّ ومسلم والنَّسائيُّ من طرق عن الأعمش به.
وقال الإِمام أحمد (^٤٣): حدَّثنا حُسَين بن حسن الأشقر، حدَّثنا أبو كُدَينة، عن عطاء،
_________________
(١) - صحيح البُخاريّ -كتاب التفسير، باب: (وما قدروا الله حق قدره)، حديث (٤٨١١)، وأطرافه في (٧٤١٤، ٧٤١٥، ٧٤٥١، ٧٥١٣)، وأخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين، حديث (٢٧٨٦)، والترمذي في تفسير القرآن، باب: "ومن سورة الزمر" حديث (٣٢٣٨، ٣٢٣٩)، والنَّسائيُّ في التفسير (٤٧٠، ٤٧١).
(٢) - المسند (١/ ٣٧٨)، وانظر السابق.
(٣) - المسند (١/ ٢٥١)، وأخرجه الترمذي في تفسير القرآن، باب: (ومن سورة الزمر)، حديث = [¬١]- في ز: "ورد". [¬٢]- سقط من: خ، ز. [¬٣]- في ز: "قال". [¬٤]- في خ: "علقمة". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٧]- سقط من: خ.
[ ١٢ / ١٤٨ ]
عن أبي الضحى، عن ابن عباس؛ قال: مر يهودي برسول الله ﷺ وهو جالس فقال [¬١]: كيف تقول يا أبا القاسم، يوم يجعل الله السماء على ذِهْ -وأشار بالسبابة- والأرض على ذِهْ، والجبال على ذِهْ، وسائر الخلق على ذِهْ -كل ذلك يشير بإصبعه- قال: فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية.
وكذا رواه التِّرمذيُّ في التفسير عن عبد الله بن عبد الرحمن الدَّارميُّ، عن محمَّد بن الصلت أبي جعفر، عن أبي كُدَينة يَحْيَى بن المهلب، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى مسلم بن صُبَيح، به، وقال: حسن صحيح غريب [¬٢]، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه.
ثم قال البُخاريّ (^٤٤): حدَّثنا سعيد بن عفير، حدَّثنا اللَّيث، حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ " تفرد به من هذا الوجه، ورواه مسلم من وجه آخر.
وقال البُخاريّ في موضع آخر (^٤٥): حدَّثنا مُقَدّم بن محمَّد، حدَّثنا عمي القاسم بن يَحْيَى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ؛ قال: "إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين على إصبع وتكون السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك".
تفرد به أيضًا من هذا الوجه.
ورواه مسلم من وجه آخر.
وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى بلفظ آخر أبسط من هذا السياق وأطول، فقال (^٤٦):
_________________
(١) = (٣٢٤٠)، وقال الترمذي: "حديث حسن غريب صحيح لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وأبو كدينة اسمه يحيى بن المهلب".
(٢) - صحيح البُخاريّ في التفسير، باب: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ …﴾ حديث (٤٨١٢)، وأخرجه الدَّارميُّ رقم (٢٨٠٢).
(٣) - صحيح البُخاريّ في التَّوحيد، باب: قول الله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، حديث (٧٤١٢)، وأخرجه مسلم في صفات المنافقين، حديث (٢٧٨٨) من طريق سالم بن عبد الله عن أبيه بمعناه.
(٤) - المسند (٢/ ٧٢) (٥٤١٤)، وأخرجه مسلم في صفات المنافقين، حديث (٢٧٨٨) (٢٥)، (٢٦)، والنَّسائيُّ في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٧٣١٥)، وابن ماجة في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية حديث (١٩٨)، وفي الزهد، باب: ذكر البعث، حديث (٤٢٧٥) من حديث عبيد الله بن مقسم عن ابن عمر به. [¬١]- في ز: "قال". [¬٢]- سقط من: ز.
[ ١٢ / ١٤٩ ]
حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا حماد بن سلمة، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبيد الله بن مقسم، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده، يحركها يقبل بها ويدبر: "يمجد الرب نفسه: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم". فرجف برسول الله ﷺ المنبر حتَّى قلنا: ليخرّن به.
وقد رواه مسلم، والنَّسائيُّ، وابن ماجة من حديث عبد العزيز بن أبي حازم، زاد مسلم: ويعقوب بن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي حازم، عن عبيد الله بن مقسم، عن ابن عمر، به، نحوه. ولفظ مسلم عن عبيد الله بن مقسم في هذا الحديث: أنَّه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي النَّبيُّ ﷺ، قال: "يأخذ الله سماواته وأرضه" بيده ويقول: أنا الملك ويقبض أصابعه ويبسطها: أنا الملك" حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتَّى إنِّي لأقول: أساقط هو برسول الله ﷺ؟
وقال البزار: حدَّثنا سليمان بن سيف، حدَّثنا أبو علي الحنفي، حدَّثنا عَباد المِنْقَري، حدثني محمَّد بن المنكدر؛ قال: حدَّثنا عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ حتَّى بلغ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فقال المنبر هكذا، فجاء [¬١] وذهب ثلاث مرات.
ورواه الإمام الحافظ أبو القاسم الطّبرانيّ من حديث عبيد بن عمير عن عبد الله بن عمرو وقال: صحيح.
وقال الطّبرانيّ في "المعجم الكبير" (^٤٧): حدَّثنا عبد الرحمن بن معاوية العُتْبي، حدَّثنا حَيَّان بن نافع بن [¬٢] صخر بن جويرية، حدَّثنا سعيد بن سالم القداح، عن معمر بن الحسن، عن بكر بن خُنَيس [¬٣]، عن أبي شيبة، عن عبد الملك بن عمير، عن جرير؛ قال: قال رسول الله ﷺ لنفر من أصحابه: "إني قارئ عليكم آيات من آخر سورة الزمَر، فمن بكى [¬٤] منكم وجبت له الجنَّة". فقرأها من عند قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، إلى آخر السورة، فمنا من بكى، ومنا من لم يبك، فقال الذين لم يبكوا: يا رسول الله، لقد جهدنا أن نبكي، فلم نبك؟ فقال: "إنِّي سأقرؤها عليكم، فمن لم يبك فليتباك".
_________________
(١) - المعجم الكبير (٢/ ٢٩٨) (٢٤٥٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٠٤): فيه بكر بن خنيس وهو متروك. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "عن". [¬٣]- في ز: "حبيش". [¬٤]- في خ: "يكن".
[ ١٢ / ١٥٠ ]
هذا حديث غريب جدًّا.
وأغرب منه ما رواه في "المعجم الكبير" أيضًا: حدَّثنا هاشم بن زيد، حدَّثنا محمَّد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شُريح بن عُبَيد، عن أبي مالك الأشعري؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله تعالى يقول: ثلاث خلال غيَّبتُهُنَّ عن عبادي، لو رآهن رجل ما عمل سوءا أبدًا: لو كشفت غطائي فرآني حتى [¬١] يستيقن ويعلم كيف أفعل بخلْقي إذا أتيتهم، وقبضت السماوات بيدي، ثم قبضت الأرضين، ثم قلت: أنا الملك، من ذا الذي له الملك دوني؟ ثم أريتهم [¬٢] الجنَّة وما أعددت لهم فيها من كل خير، فيستيقنوها. وأريهم النَّار وما أعددت لهم فيها من كل شر فيستيقنوها، ولكن عمدًا غيبت ذلك عنهم لأعلم كيف يعملون [¬٣]، وقد بينته لهم". وهذا إسناد متقارب وهي نسخة تروى بها أحاديث جمة، والله أعلم.
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)
يقول تعالى مخبرًا عن هول يوم القيامة، وما يكون فيه من الآيات العظيمة والزلازل الهائلة، فقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، هذه النفخة هي الثَّانية، وهي نفخة الصعق، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض، إلَّا من شاء الله كما هو مُصَرَّح به مفسرًا في حديث الصور المشهور ثم يقبض أرواح الباقين حتَّى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أولًا، وهو الباقي آخرًا بالديمومة والبقاء، ويقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ثلاث مرات. ثم يجيب نفسه بنفسه فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أي: الذي هو واحد وقد قهر كل شيء، وحكم بالفناء على كل شيء. ثم يَحْيَى أول من يحيي إسرافيل، ويأمره أن ينفخ في الصور أخرى، وهي النفخة الثَّالثة نفخة البعث، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ أي: أحياء بعد ما كانوا عظامًا ورفاتًا، صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ
_________________
(١) [¬١]- في ز: "حيى". [¬٢]- في ز: "أريهم". [¬٣]- في خ: "يعلموني".
[ ١٢ / ١٥١ ]
فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾.
قال الإمام أحمد (^٤٨): حدَّثنا محمَّد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن النُّعمان بن سالم؛ قال: سمعت يعقوب بن عاصم بن عُروة بن مسعود؛ قال: سمعت رجلًا قال لعبد الله بن عمرو: إنك تقول: الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ قال: لقد هممت أن لا أحدثكم شيئًا، إنَّما قلت: سترون بعد قليل أمرًا عظيمًا. ثم قال عبد الله بن عمرو: قال رسول الله ﷺ: "يخرج الدجال في أمتي، فيمكث فيهم أربعين -لا أدري أربعين يومًا أو أربعين عامًا أو أربعين شهرًا أو أربعين ليلة- فيبعث الله عيسى ابن مريم، كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيظهر فيهلكه الله، ثم يلبث النَّاس بعده سنين سبعًا ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقي أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلَّا قبضته، حتى [لو أن أحدهم كان] [¬١] في كبد جَبَل لدخلت عليه". قال: سمعتها من رسول الله ﷺ، "ويبقى شرار النَّاس في خفة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا. قال: فيتمثل لهم الشَّيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيأمرهم بالأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دَارَّة أرزاقهم، حسن عيشهم. ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلَّا أصغى له [¬٢]، وأول من يسمعه رجل يَلُوط حوضه، فيصعق. ثم لا يبقى أحد إلَّا صُعق. ثم يرسل الله -أو: ينزل الله- مطرًا كأنه الطل -أو: الظل، شك نعمان- فتنبت منه أجساد النَّاس ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، ثم يقال: يا أيها الناس؛ هلموا إلى ربكم: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، قال: ثم يقال: أخرجوا بَعْثَ النَّار. قال: فيقال: كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين [¬٣]. فيومئذ تبعث الولدان شيبًا، ويومئذ يكشف عن ساق".
تفرد بإخراجه مسلم في صحيحه.
وقال البُخاريّ (^٤٩): حدَّثنا عمر بن حفص بن غياث، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمش؛ قال: سمعت أبا صالح؛ قال [¬٤]: سمعت أبا هريرة عن النَّبيِّ ﷺ؛ قال: "بين
_________________
(١) - المسند (٢/ ١٦٦) (٦٥٥٥) - وأخرجه مسلم في الفتن وأشراط الساعة حديث (٢٩٤٠)، والنَّسائيُّ في الكبرى (٦/ ٥٠١) (١١٦٢٩) من طريق شعبة به.
(٢) - صحيح البُخاريّ في التفسير، باب (ونفخ في الصور …) الحديث (٤٨١٤)، وطرفه في (٤٩٣٥)، وأخرجه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٩٥٥) والنَّسائيُّ في الكبرى (١١٤٥٩)، وفي التفسير (٤٧٩) من حديث الأعمش به. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "أن لو كان أحدهم كان". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في ز: "وتسعون". [¬٤]- سقط من: ز.
[ ١٢ / ١٥٢ ]
النفختين أربعون". قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يومًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. "ويبلى كلّ شيء من الإنسان إلَّا عَجْبُ ذَنبِه فيه يركب الخلق".
و[¬١] قال أبو يعلى: حدَّثنا يَحْيَى بن معين [¬٢]، حدَّثنا أبو اليمان، حدَّثنا إسماعيل بن عياش، عن عمر بن محمَّد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ؛ قال: "سألت [¬٣] جبريل ﵇ عن هذه الآية: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: مَن الذين لم يشأ الله أن يصعقهم؟ قال: هم الشهداء، [] [¬٤] مُقَلَّدون أسيافهم حول عرشه، تتلقاهم ملائكة يوم القيامة إلى المحشر بنجائب من ياقوت نمارها ألين من الحرير، مَدُّ خطاها [¬٥] مد أبصار الرجال، يسيرون في الجنَّة يقولون عند طول النزهة: انطلقوا بنا إلى ربنا ﷿ لننظر كيف يقضي بين خلقه، يضحك إليهم إلهي، وإذا ضحك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه [¬٦] ".
رجاله كلهم ثقات إلَّا شيخ إسماعيل بن عياش، فإنَّه غير معروف، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أي: أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق ﵎ للخلائق لفصل القضاء، ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ قال قتادة: كتاب الأعمال، ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾، قال ابن عباس: يشهدون على الأمم بأنهم بلغوهم رسالات [¬٧] الله إليهم ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ أي: الشهداء من الملائكة الحفظة على أعمال العباد من خير وشر، ﴿وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. قال الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ولهذا قال: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ أي: من خير أو شر ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَال لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "معن". [¬٣]- في ز: "سأل". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: "متقلدون". [¬٥]- في ز: "خطامها". [¬٦]- سقط من: خ. [¬٧]- في خ: "رسالة".
[ ١٢ / ١٥٣ ]
لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)
يخبر تعالى عن حال الأشقياء الكفار كيف يساقون إلى النَّار؟ وإنَّما يساقون سوقًا عنيفًا بِزَجْر وتهديد ووعيد، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أي: يدفعون إليها دفعًا. هذا وهم عطاش ظماء، كما قال في الآية [¬١] الأخرى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا﴾، وهم في تلك الحال صُمّ وبكم وعمي، منهم من يمشي على وجهه، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا و[بُكْمًا وَصُمًّا] [¬٢] مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ أي: بمجرد وصولهم إليها فتحت لهم أبوابها سريعًا، لتعجل لهم العقوبة، ثم يقول لهم خزنتها من الزبانية -الذين هم غلاظ الأخلاق، شداد القُوَى، على وجه التقريع والتوبيخ والتنكيل-: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ أي: من جنسكم تتمكنون من مخاطبتهم والأخذ عنهم، ﴿يَتْلُونَ عَلَيكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ أي: يقيمون عليكم الحجج والبراهين [¬٣] على صحة ما دعوكم إليه، ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: ويحذرونكم من شر هذا اليوم؟ فيقول الكفار لهم: ﴿بَلَى﴾ أي: قد جاءونا وانذرونا، وأقاموا علينا الحجج والبراهين، ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: ولكن كذبناهم وخالفناهم، لما سبق إلينا من الشقوة التي كُنَّا نستحقها، حيث عَدَلْنا عن الحق إلى الباطل، كما قال تعالى مخبرًا عنهم في الآية الأخرى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [أي: رجعوا على أنفسهم بالملامة والندامة. ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾] [¬٤] أي: بُعدًا لهم وخسارًا.
وقوله ها هنا: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: كل من رآهم وعَلِم حالهم يشهد عليهم بأنهم مستحقون للعذاب، ولهذا لم يسند هذا القول إلى قائل معين، بل أطلقه ليدل على أن الكون [¬٥] شاهد عليهم بأنهم مستحقون ما هم فيه بما حكم العدل الخبير عليهم به؛ ولهذا قال جل وعلا: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها لا
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "صمًّا وبكمًا". [¬٣]- في ز: "والبراهان". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٥]- في ز: "القول".
[ ١٢ / ١٥٤ ]
خروج لكم منها، ولا زوال لكم عنها، ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي: فبئس المصير وبئس المقيل [¬١] لكم، بسبب تكبركم في الدُّنيا، وإبائكم عن أتباع الحق، فهو الذي صيركم إلى ما أنتم فيه، فبئس الحال وبئس المآل.
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَال لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)
وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب وفدًا إلى الجنَّة ﴿زُمَرًا﴾ أي: جماعة بعد جماعة: المقربون، ثم الأبرار، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كل طائفة مع من يناسبهم: الأنبياء مع الأنبياء، والصديقون مع أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم [¬٢]، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف، كل زمرة تناسب بعضها بعضًا.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ أي: وصلوا إلى أبواب الجنة بعد مجاوزة الصراط، حُبسوا على قنطرة بين الجنَّة والنَّار، فاقتص لهم مظالم كانت بينهم [¬٣] في الدُّنيا، حتَّى إذا هُذبوا ونُقّوا أذن لهم في دخول الجنَّة، وقد ورد في حديث الصور: أن المؤمنين إذا انتهوا إلى أبواب الجنَّة تشاوروا فيمن يستأذن لهم بالدخول [¬٤]، فيقصدون آدم، ثم نوحًا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم محمدًا -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- كما فعلوا في العرصات [¬٥] عند استشفاعهم إلى الله ﷿ أن يأتي لفصل القضاء، ليظهر شرف محمَّد ﷺ على سائر البشر في المواطن كلها.
وقد ثبت في صحيح مسلم (^٥٠) عن أنس ﵁ قال [¬٦]: قال رسول الله ﷺ: "أنا أول شفيع في الجنَّة". وفي لفظ لمسلم: "و[¬٧] أنا أول من يقرع باب الجنَّة".
_________________
(١) - صحيح مسلم في كتاب الإيمان، حديث (١٩٦). [¬١]- في خ، ز: "المعقل". [¬٢]- في خ، ز: "أقرانهم". [¬٣]- في ز: "لهم". [¬٤]- في ز: "في الدخول". [¬٥]- في خ، ز: "الصرخات". [¬٦]- سقط من: ز. [¬٧]- سقط من ز.
[ ١٢ / ١٥٥ ]
وقال الإِمام أحمد (^٥١): حدَّثنا هاشم، حدَّثنا سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "آتي باب الجنَّة يوم القيامة فأستتفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. قال: يقول: بك أمرتُ أن لا أفتح لأحد قبلك".
ورواه مسلم عن عَمرو الناقد وزهير بن حرب، كليهما [¬١] عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان -وهو ابن المغيرة القيسي- عن ثابت، عن أَنس به.
وقال الإِمام أحمد (^٥٢): حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمر، عن همام بن مُنبِّه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أول زُمْرة تلج الجنَّة صُورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا [¬٢] يبصقون فيها، ولا يمتخطون فيها، ولا يتغوطون فيها. آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم [] [¬٣]، الألُوّة، ورشْحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن. لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًّا". رواه البخاري عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك.
ورواه مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، كليهما [¬٤] عن معمر بإسناده نحوه. وكذا رواه أَبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ (^٥٣).
وقال الحافظ أَبو يعلى (^٥٤): حدَّثنا أبو خيثمة، حدَّثنا جَرير، عن عُمَارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أول زُمْرَة يدخلون الجنَّة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ضوء أشدّ كوكب دُرّيّ في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتْفلون ولا يمتخطون، أمشاطهُم الذهب ورشحهم المسك،
_________________
(١) - المسند (٣/ ١٣٦)، وأخرجه عبد بن حميد (١٢٧١)، ومسلم في كتاب الإيمان، حديث (١٩٧) من طريق هاشم بن القاسم به.
(٢) - المسند (٢/ ٣١٦)، وأخرجه مسلم في كتاب الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها، حديث (٢٨٣٤) (١٧) من طريق عبد الرزاق به، وأخرجه البخاري في بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة حديث (٣٢٤٥) عن محمد بن مقاتل عن عبد الله عن معمر به.
(٣) - أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب: "ما جاء في صفة الجنَّة، وأنها مخلوقة" حديث (٣٢٤٦) من طريق أبي الزناد عن الأعرج به.
(٤) - مسند أبي يعلى (٦٠٨٤). [¬١]- في ز: "كلاهما". [¬٢]- في خ: ولا. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "من". [¬٤]- في ز: "كلاهما".
[ ١٢ / ١٥٦ ]
ومجامرهم الألوّة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعًا في السماء".
وأخرجاه (^٥٥) أيضًا من حديث جرير.
وقال الزُّهْريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "يدخل الجنَّة من أمتي زُمْرَة، هم سبعون ألفًا، تضيء وجوهم إضاءة القمر ليلة البدر". فقام عُكَّاشة بن محْصَن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منه. فقال: "اللهم اجعله منهم". ثم قام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فقال ﷺ: "سبقك بها عُكاشة". أخرجاه.
وقد روى هذا الحدث - في السبعين ألفًا "يدخلون الجنَّة" [¬١] بغير حساب - البخاري ومسلم، عن ابن عبَّاس، وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين، وابن مسعود، ورفاعة بن عرابة الجهني، وأم قيس بنت محصن.
ولهما (^٥٦) عن أبي حازم، عن سهل بن سعد: أن رسول الله ﷺ الله عليه وسلم قال: "ليدخلن الجنَّة من أمتي سبعون ألفًا -أو: سبعمائة ألف- آخذ بعضهم ببعض، حتَّى يدخل أولهم وآخرهم الجنَّة، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر".
وقال أبو بكر بن أبي شيبة (^٥٧): حدَّثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد قال [¬٢]: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول [¬٣]: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وعدني ربي ﷿ أن يَدخُلَ الجنَّة من أمتي سبعون [¬٤] ألفًا، مع كل ألف سبعون [¬٥] ألفًا، ولا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حَثَيات من حَثَيات ربي، ﷿".
وكذا رواه الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن سليم [¬٦] بن عامر، عن أبي اليمان
_________________
(١) - أخرجه البخاري في اللباس، باب البرود والحبر والشملة، حديث (٥٨١١)، وطرفه في (٦٥٤٢)، ومسلم في الإيمان حديث (٢١٦) من طريق ابن شهاب به.
(٢) - أخرجه البخاري في بدء الحلق، باب: ما جاء في صفة الجنَّة وأنها مخلوقة، حديث (٣٢٤٧)، وأطرافه في (٦٥٤٣، ٦٥٥٤)، ومسلم في الإيمان، حديث (٢١٩).
(٣) - مصنف ابن أبي شيبة (٧/ ٤٢٧)، وأخرجه أحمد (٥/ ٢٦٨)، والترمذي في صفة القيامة، حديث (٢٤٣٧)، وابن ماجة في الزهد، باب: صفة أمة محمد ﷺ حديث (٤٢٨٦) من طريق إسماعيل بن عياش به. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "سبعين". [¬٥]- في ز: "سبعين". [¬٦]- في خ، ز: "حكيم".
[ ١٢ / ١٥٧ ]
عامر بن عبد الله بن لُحَيّ، [¬١] عن أبي أمامة.
ورواه الطبراني، عن عُتبَة بن عَبْدٍ السُّلَميّ: "ثم يشفع كل ألف في سبعين ألفًا".
وروى مثله عن ثوبان وأبي سعيد الأنماري [¬٢]. وله شواهد من وجوه كثيرة.
وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَال لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾: لم يذكر الجواب هاهنا، وتقديره: حتَّى إذا جاءوها، وكانت هذه الأمور من فتح الأبواب لهم إكرامًا وتعظيمًا، وتلقتهم الملائكة الخَزَنة بالبشارة والسلام والثناء، لا كما تلقى الزبانيةُ الكفرة بالتثريب [¬٣] والتأنيب، فتقديره: إذا كان هذا، سَعدوا وطابوا، وسُرّوا وفرحوا، بقَدْر كل ما يكون لهم فيه نعيم. وإذا حذف الجواب هاهنا ذهب الذهن كلّ مذهب في الرجاء والأمل.
ومن زعم أن "الواو" في قوله: " ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ واو الثمانية واستدل به على أن أَبواب الجنَّة ثمانية، فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع. وإنَّما يستفاد كون أَبواب الجنَّة ثمانية من الأحاديث الصحيحة:
قال الإِمام أحمد (^٥٨): حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزُّهْريّ، عن حُمَيد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من أنفق زوجين [من ماله] [¬٤] في سبيل الله، دُعِي من أَبواب الجنَّة، وللجنة أَبواب، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دُعِي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الرَّيَّان". فقال أَبو بكر - رضي الله تعالى عنه -: يا رسول الله، ما عَلى أحد من ضرورة دُعي من أيها دُعي فهل يُدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: "نعم، وأرجو أن تكون منهم". رواه البخاري ومسلم من حديث الزهري بنحوه.
وفيهما (^٥٩) من حديث أبي حازم سلمة بن دينار، عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنَّة ثمانية أَبواب، باب منها يسمى الريان، لا يدخله إلَّا الصائمون".
_________________
(١) - المسند (٢/ ٤٤٩)، وأخرجه البخاري في الصوم، باب الريان للصائمين، حديث (١٨٩٧)، وأطرافه في (٢٨٤١، ٣٢١٦، ٣٦٦٦)، ومسلم في الزكاة، حديث (١٠٢٧).
(٢) - أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب صفة أَبواب الجنَّة حديث (٣٢٥٧) عن أبي حازم، عن سهل به، وأخرجه مسلم في الصيام حديث (١١٥٢) من حديث أبي حازم، عن سهل بن سعد به بنحوه. [¬١]- في خ، ز: "يحيى". [¬٢]- في ت: "الأنباري". [¬٣]- في ز: "بالريب". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ١٢ / ١٥٨ ]
وفي صحيح مسلم (^٦٠)، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ -أو: فيسبغ الوضوء- ثم يقول: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، إلَّا فتحت له أَبواب الجنَّة الثمانية، يدخل من أيها شاء".
وقال الحسن بن عرفة (^٦١): حدَّثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حُسَين، عن شهر بن حوشب، عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "مفتاح الجنَّة: لا إله إلَّا الله".