قد تقدمت الرواية عن ابن عبَّاس أنَّه إسحاق، [وقال] [¬٢] سعيد بن جبير، وعامر الشعبي،
_________________
(١) - ضعيف جدًّا. تفسير ابن جرير (٢٣/ ٨١) ورواه البزار في مسنده (٤/ ١٣٠٧ / [البحر الزخار]) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢/ ٤٢٣ / مخطوط) من طريق أبي كريب به، غير أنَّه وقع في بعض روايات ابن عساكر عدم التصريح بذكر "الحسن بن دينار" فقال: "عن رجل أو شيخ هن أهل البصرة، عن علي بن زيد" وكناه البزار في روايته بـ "أَبو سعيد" ولذلك لم يعرفه الهيثمي فقال في "المجمع" (٨/ ٢٠٥): "رواه البزار من رواية أبي سعيد عن علي بن زيد، وأَبو سعيد لم أعرفه، وعلي بن زيد ضعيف، وقد وثق" غير أن ابن عدي اتهم به "أَبو سعيد الحسن بن دينار" فاستنكره له في "الكامل" (٢/ ٧١٣) وقال: "وهذا الحديث بهذا الإسناد لا أعرفه إلَّا من حديث الحسن بن دينار" وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن العباس عن النبي صلى الله عليه: سلم - إلَّا من حديث أبي سعيد عن علي بن زيد، وأَبو سعيد هذا هو الحسن بن دينار وهو ليس بالقوي في الحديث، وقد روى هذا الحديث حمَّاد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن النبي ﷺ. مرسلًا ولم يقل عن العباس، وإنَّما ذكرنا هذا الحديث وإن كان الحسن لين الحديث لنبين أنَّه رفعه، وأن الحديث له أصل من حديث حمَّاد بن سلمة" وقد رواه من طريقه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥٥٦) ثنا الحسن بن يعقوب العدل، ثنا يحيى بن أبي طالب، ثنا زيد بن الحباب، عن حمَّاد بن سلمة، عن علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب به. ورواه ابن أبي حاتم -كما ذكر المصنف أعلاه- من طريق مسلم بن إبراهيم، عن حمَّاد بن سلمة به. هكذا مرفوعًا ومن رواية حمَّاد بن سلمة وقال الحاكم: "حديث صحيح رواه الناس عن علي بن زيد بن جدعان تفرد به "ووافقه الذهبي!! وعلي بن زيد ضعيف وله مناكير وتابعه مبارك بن فضالة -وهو مثله في الضعف- فرواه البزار (١٣٠٨) من طريق مسلم بن إبراهيم نا مبارك عن الحسن عن الأحنف عن العباس مرفوعًا = [¬١]- سقط من: خ، ز. [¬٢]- في ت: "قال".
[ ١٢ / ٤٨ ]
ويوسف بن مهران، ومجاهد، وعطاء، وغير واحد، عن ابن عبَّاس (^٧٠): هو إسماعيل ﵇.
وقال ابن جرير (^٧١): حدثني يونس، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني عمر بن قيس، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عبَّاس أنَّه قال: المفدى إسماعيل ﵇، وزعمت اليهود أنَّه إسحاق، وكذبت اليهود.
وقال إسرائيل (^٧٢) عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر قال: الذبيح إسماعيل.
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: هو إسماعيل. وكذا قال يوسف بن مهران.
وقال الشعبي: هو إسماعيل ﵇ وقد رأيت قرني الكبش في الكعبة.
وقال محمد بن إسحاق (^٧٣) عن الحسن بن دينار وعمرو بن عبيد، عن الحسن البصري: أنَّه كان لا يشك [¬١] في ذلك: أن الذي أمِرَ بذبحه من ابني إبراهيم: إسماعيل.
قال ابن إسحاق (^٧٤): وسمعت محمد بن كعب القرظي وهو [¬٢] يقول: إن الذي أمر الله
_________________
(١) = بلفظ "الذبيح إسحاق" قال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٠٥): "فيه مبارك بن فضالة وقد ضعفه الجمهور" قال البزار: "وقد رواه جماعة عن المبارك بن فضالة عن الحسن عن الأحنف عن العباس موقوفًا" وهذا أشبه وأصح كما قال المصنف والله أعلم.
(٢) - انظر هذه الطرق في تفسير ابن جرير (٢٣/ ٨٣، ٨٤) وانظر "الدر المنثور" (٥/ ٥٢٩) وصححه الحاكم على شرط الشيخين من طريق الشعبي عنه ابن عبَّاس به "المستدرك" (٢/ ٥٥٥) ووافقه الذهبي.
(٣) - تفسير ابن جرير (٢٣/ ٨٤) ورواه الحاكم (٢/ ٥٥٤، ٥٥٥) من طريق بحر بن نصر الخولاني، ثنا عبد الله بن وَهْب به، وسكت عنه الحاكم، قال الذهبي: "سمعه ابن وَهْب منه - يعني من عمر بن قيس - وهو هالك" وعمر بن قيس هنا هو المكي المعروف بـ "سندل" كذبه ابن معين في رواية وتركه أحمد وعمرو بن علي والنسائي وأَبو داود وأَبو حاتم وقال البخاري: "منكر الحديث" وضعفه غير واحد. والخبر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٥٢٩) ولم يعزه لغير ابن جرير والحاكم.
(٤) - رواه ابن جرير (٨٣/ ٢٣) والحاكم (٢/ ٢٥٤) من طريقين عن إسرائيل به وسكت عنه الحاكم - ونقل السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٥٢٩) تصحيحه عنه، وقال الذهبي "ثوير بن أبي فاختة: واهٍ" ضعفه ابن معين وأَبو حاتم وغيرهما وتركه الدارقطني وقال النَّسائي: "ليس بثقة" وقال أَبو زرعة: "ليس بذاك القوي" وذكره السيوطي في "الدر المنثور" وزاد عزوه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٥) - ومن طريق ابن إسحاق رواه ابن جرير (٨٤/ ٢٣) وإسناده لا يصح إلى الحسن البصري. الحسن بن دينار تركه غير واحد وعمرو بن عبيد متهم بالكذب لا سيما في مروياته عن الحسن، والأول من رجال "لسان الميزان" والثاني من رجاله "التهذيب".
(٦) - ومن طريق ابن إسحاق رواه ابن جرير (٢٣/ ٨٤) والحاكم (٢/ ٥٥٥) وذكره السيوطي في = [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ.
[ ١٢ / ٤٩ ]
إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل. وإنا لنجد ذلك في كتاب الله، وذلك أن الله حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يقول الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا [¬١] بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾، يقول: بابن وابن ابن، فلم يكن ليأمره بذبح إسحاق وله فيه من الموعود ما وعده، وما الذي أمر بذبحه إلَّا إسماعيل.
وقال ابن إسحاق (^٧٥): عن بُرَيدة بن سفيان بن فَرْوَةَ الأسلمي، عن محمد بن كعب القرظى أنَّه حدثهم: أنَّه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشام، فقال له عمر: إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت. ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام، كان يهوديًّا فأسلم وحَسُن إسلامه، وكان يرى أنَّه من علمائهم، فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك - قال محمد بن كعب: وأنا عند عمر بن عبد العزيز - فقال له عمر: أيّ ابني إبراهيم أمِرَ بذبحه؟ فقال: إسماعيل والله. يا أمير المؤمنين، وإن يهود لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه والفضل الذي ذكره الله منه لصبره لمَا أمر به، فهم يجحدون ذلك، ويزعمون أنَّه إسحاق، بكون إسحاق أباهم [¬٢]، والله أعلم أيهما كان، وكلٌّ قد كان طاهرًا طيبًا مطيعًا لله ﷿.
وقال عبد الله ابن الإِمام أحمد بن حنبل ﵀: سألت أبي عن الذبيح، مَن هو؟ إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: إسماعيل. ذكره في "كتاب الزهد".
وقال ابن أبي حاتم: وسمعت أبي يقول: الصحيع أن الذبيح إسماعيل ﵇. قال: ورُويَ عن علي، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي الطفيل، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، والشعبي، ومحمد بن كعب القرظي، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي صالح أنهم قالوا: الذبيح إسماعيل.
وقال البغوي في تفسيره: وإليه ذهب عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، والسدي، والحسن البصري، ومجاهد، والربيع بن أَنس، ومحمد بن كعب القرظي، والكلبي، وهو رواية عن ابن عبَّاس، وحكاه أيضًا عن أبي عمرو بن العلاء.
وقد روى ابنُ جرير في ذلك حديثًا غريبًا فقال (^٧٦): حدثني محمد بن عمار الرازي،
_________________
(١) = "الدر المنثور" (٥/ ٥٢٩) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.
(٢) - ومن طريق ابن إسحاق رواه ابن جرير (٢٣/ ٨٤، ٨٥) وبريدة بن سفيان الأسلمي "ليس بالقوي، وفيه رفض" كذا في "التقريب" وابن إسحاق مدلس وقد عنعنه غير أنَّه رواه عن محمد بن كعب مباشرة دون واسطة، وفيه تصريحه بالسماع لكن دون ذكر لعمر بن عبد العزيز في الخبر انظر السابق.
(٣) - إسناده واهٍ. = [¬١]- في ز، خ: "وبشرناها. [¬٢]- في ز، خ: "أَبوهم".
[ ١٢ / ٥٠ ]
حدَّثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، حدَّثنا عمر بن عبد الرحيم الخطابي، عن عُبيد الله بن محمد العُتْبي - من ولد عُتبة بن أبي سفيان - عن أبيه: حدثني عبد الله بن سعيد، عن الصُّنَابحي قال: كنا عند معاوية بن أَبي سفيان، فذكروا الذبيح: إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: على الخبير سَقَطتُم، كنا عند رسول الله ﷺ، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، عُدْ علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين. فضحك رسول الله ﷺ. فقيل له: يا أمير المؤمنين، وما الذبيحان؟ فقال: إن عبد المطلب لما أُمِر بحفر زمزم نذر لله إن سهل الله أمرها عليه [¬١] ليَذْبَحَن أحدَ ولده، قال: فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله وقالوا: افد ابنك بمائة من الإِبل. ففداه بمائة من الإِبل، وإسماعيل الثاني.
وهذا حديث غريب جدًّا، وقد رواه الأموي في مغازيه: حدَّثنا بعض أصحابنا، أخبرنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، حدَّثنا عمر بن عبد الرحمن القرشي، حدَّثنا عبيد [¬٢] الله بن محمد العتبي - من [¬٣] ولد عتبة بن أبي سفيان - حدَّثنا عبد الله بن سعيد [¬٤]، حدَّثنا الصنابحي قال: حضرنا مجلس معاوية، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق، وذكره. كذا كتبته من نسخة [] [¬٥] وإنما عَوَّل ابنُ جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ [¬٦] بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ بغلام حليم، فجعل هذه البشارة هي البشارة بإسحاق في قوله: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾، وأجاب عن البشارة بيعقوب بأنه قد كان بلغ معه السعي، أي العمل، ومن الممكن أنَّه قد كان ولد له أولاد مع يعقوب أيضًا، قال: وأما القرنان اللذان كانا مُعَلَّقين بالكعبة فمن الجائز أنهما نقلا من بلاد الشام. قال [¬٧]: وقد تقدم أن من الناس من ذهب إلى أنَّه ذبيح [¬٨] إسحاق هناك. هذا ما اعتمد عليه في تفسيره، وليس ما ذهب إليه بمذهب ولا لازم، بل هو [¬٩] بعيد جدًّا، والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنَّه إسماعيل أثبت
_________________
(١) = تفسير ابن جرير (٢٣/ ٨٥) وقد رواه الأموي -كما ذكره المصنف بعد هذا وعزاه له السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٥٢٩) - والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥٥٤) من طريق إسماعيل بن عبيد به، وعند الحاكم تحريف في الإسناد يصوب من هنا وسكت عنه الحاكم وقال الذهبي: "إسناده واه" وضعف إسناده السيوطي في "الدر المنثور" وزاد عزوه إلى الخلعي في فوائده - وبين علة ضعفه في "الفتاوى" (٢/ ٣٥) فقال: "هذا حديث غريب، وفي إسناده من لا يعرف حاله" قلت: عبد الله بن سعيد جهله الذهبي في "ديوان الضعفاء" (ت / ٢١٨١) وعمر بن عبد الرحيم والعتبي لم أهتد لترجمة لهما، وانظر لزامًا "الضعيفة" لأبي عبد الرحمن الألباني (١/ ٣٣١)، (١/ ٤٦٧٧) والله المستعان. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ، ز: "عبد". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في خ، ز: "سعد". [¬٥]- بياض في: خ، ز. [¬٦]- في ز، خ: "وبشرناه". [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- في خ، ز: "ذهب". [¬٩]- سقط من: ز، خ.
[ ١٢ / ٥١ ]
وأصح وأقوى، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، لما تقدمت البشارة بالذبيح - وهو إسماعيل - عطف بذكر البشارة بأخيه إسحاق، وقد ذكرت في سورتي "هود" و"الحجر". وقوله: ﴿نَبِيًّا﴾ حال مقدرة [¬١] أي سيصير منه نبي من الصالحين.
وقال ابن جرير (^٧٧): حدثني يعقوب، حدَّثنا ابن عُلَيّة، عن داود، عن عكرمة قال: قال ابن عبَّاس ﵄: الذبيح إسحاق. قال: وقوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، قال: بشر بنبوته، قال: وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾، قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد: وَهَب له نبوته.
وحدثنا ابن عبد الأعلى (^٧٨)، حدَّثنا المعتمر بن سليمان قال [¬٢]: سمعتُ داود يُحدّث، عن عكرمة، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، قال: إنما بُشّر به نبيًّا حين فداه الله من الذبح، ولم تكن البشارة بالنبوة عند مولده.
وقال ابن أبي حاتم (^٧٩): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو نُعَيم، حدَّثنا سفيان] [¬٣] الثوري، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، قال: بُشّر به حين ولد، وحين نُبّي.
وقال سعيد بن أبي عَرُوبَةَ (^٨٠): عن قَتَادة في قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، قال: بعد ما كان من أمره، لما جاد لله بنفسه وقال الله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾.
وقوله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾، كقوله تعالى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
_________________
(١) - (^٧٨) - تفسير ابن جرير (٨١، ٨٩) وإسناده صحيح وتقدم تخريجه برقم (٦١).
(٢) - وعزاه إلى ابن أبي حاتم السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٥٣٦) ورواه الحاكم (٢/ ٥٥٧) من طريق وكيع عن سفيان به. وقال: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي وهو كما قالا، وانظر السابق وقد زاد عزو هذا الخبر السيوطي إلى عبد حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر".
(٣) - تفسير ابن جرير (٢٣/ ٨٩) بإسناد صحيح إلى قَتَادة، ورواه عنه أيضًا عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. [¬١]- في خ، ز: "تقرره". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.
[ ١٢ / ٥٢ ]
﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّينَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَينَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَينَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾
يذكر تعالى ما أنعم به على موسى وهارون من النبوة والنجاة بمن آمن معهما، من قهر فرعون وقومه، وما كان يعتمده في حقهم من الإِساءة العظيمة، من قتل الأبناء واستحياء النساء، واستعمالهم في أخسِّ الأشياء. ثم بعد هذا كله نصرهم عليهم، وأقر أعينهم منهم، فغلبوهم وأخذوا أرضهم وأموالهم وما كانوا جمعوه طول حياتهم. ثم أنزل الله على موسى الكتاب العظيم الواضح الجلي المستبين، وهو التوراة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾، وقال هاهنا: ﴿وَآتَينَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَينَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: في الأقوال والأفعال، ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيهِمَا فِي الْآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا لهما من بعدهما ذكرًا جميلًا وثناءً حسنًا ثم فسره بقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿إِذْ قَال لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١)﴾
قال قَتَادة ومحمد بن إسحاق، يقال: إلياس هو إدريس.
وقال ابن أبي حاتم (^٨١): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو نُعَيم، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق،
_________________
(١) - وعزاه إلى ابن أبي حاتم السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٥٣٧) ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣/ ٨٣ / مخطوط) وابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر وابن ماجة في "التفسير" -كما في "التهذيب" لابن حجر ﵀ ترجمة (عبيدة بن ربيعة) وكذا في "الدر المنثور" - من طريق إسرائيل به وعلقه البخاري في صحيحه، كتاب: الأنبياء، باب (رقم ٤) فقال: "ويذكر عن ابن مسعود وابن عبَّاس أن إلياس هو =
[ ١٢ / ٥٣ ]
عن عَبيدة بن ربيعة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إلياس هو إدريس. وكذا قال الضحاك.
وقال وَهْب بن منبه: هو إلياس بن ياسين [¬١] بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران، بعثه الله في بني إسرائيل بعد حزقيل ﵉ وكانوا قد عبدوا صنمًا يقال له: "بعل"، فدعاهم إلى الله، ونهاهم عن عبادة ما سواه، وكان قد آمن به ملكهم ثم ارتد، واستمروا على ضلالتهم، ولم يؤمن به منهم أحد. فدعا الله عليهم، فحَبَس عنهم القَطْر ثلاث سنين، ثم سألوه أن يكشف ذلك عنهم، ووعدوه [¬٢] الإيمان به إن هم أصابهم المطر. فدعا الله لهم، فجاءهم الغيث فاستمروا على أخبث ما كانوا عليه من الكفر، فسأل الله أن يقبضه إليه. وكان قد نشأ على يديه اليسع بن أخطوب ﵇ فأمر الياس أن يذهب إلى مكان [¬٣] كذا وكذا، فمهما جاءه فليركبه [ولا يهبه] [¬٤]، فجاءته فرس من نار فركب، وألبسه الله النور وكساه الريش، وكان يطير مع الملائكة ملكًا إنسيًّا سماويًّا أرضيًّا. هكذا حكاه وَهْب عن أهل الكتاب، والله أعلم بصحته.
﴿إِذْ قَال لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾؟ أي: ألا تخافون الله في عبادتكم غيره؟ ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾، قال ابن عبَّاس، ومجاهد، وعكرمة، وقَتَادة، والسدي: بعلًا يعني: ربًّا.
قال قَتَادة وعكرمة: وهي لغة أهل اليمن. وفي رواية عن قَتَادة قال: هي لغة أزْد شَنُوءة.
وقال ابن إسحاق: أخبرني بعض أهل العلم أنهم كانوا يعبدون امرأة اسمها "بعل".
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه: هو اسم صنم كان يعبده أهل مدينة يقال لها: "بعلبك"، غربي دمشق.
وقال الضحاك: هو صنم كانوا يعبدونه.
وقوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾، أي: أتعبدون صنمًا؟ ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له.
_________________
(١) = إدريس" قال ابن حجر ﵀ في "الفتح" (٦/ ٣٧٣): "قول ابن مسعود وصله عبد بن حميد وابن أبي حاتم بإسناد حسن عنه وقول ابن عبَّاس وصله جويبر في تفسيره عن الضحاك عنه، وإسناده ضعيف، ولهذا لم يجزم به البخاري وكذا لم يجزم بخبر ابن مسعود حيث أن عبيدة بن ربيعة لم يوثقه غير العجلي وابن حبان وقال ابن حجر ﵀ نفسه "التقريب". "مقبول"!!. [¬١]- في خ: "نسبي"، وفي ز: "تسبي". [¬٢]- في ز، خ: "فوعدوه". [¬٣]- سقط من: خ، ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ١٢ / ٥٤ ]
قال اللَّه تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: للعذاب يوم الحساب، ﴿إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الموحدين منهم، وهذا استثناء منقطع من مثبت.
وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي: ثناءً جميلًا، ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾، كما يقال [¬١] في إسماعيل: إسماعين، وهي لغة بني أسد. وأنشد بعض بني نمير [¬٢] في ضبٍّ صاده:
يقول رب السوق لما جينا … هذا ورب [البيت إسرائينا] [¬٣]
ويقال: ميكال وميكائيل وميكائين، وإبراهيم وإبراهام، واسرائيل وإسرائين، وطور سيناء، وطور سينين، وهو موضع واحد، وكل هذا سائغ.
وقرأ آخرون: "سَلَامٌ عَلَى إِدريس" [¬٤] ". وهي قراءة عبد اللَّه بن مسعود. وآخرون: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾، يعني: آل محمد ﷺ.
وقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ قد تقدم تفسيره.
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾
يخبر تعالى عن عبده ورسوله لوط ﵇ أنَّه بعثه إلى قومه فكذبوه، فنجاه الله من بين أظهرهم هو وأهله، إلا امرأته فإنها هلكت مع من هلك من قومها، فإن الله تعالى أهلكهم بأنواع من العقوبات، وجعل محلتهم من الأرض بحيرة منتنة قبيحة المنظر والطعم والريح، وجعلها بسبيل مقيم يمر بها المسافرون ليلًا ونهارًا؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون بهم، كيف دمر الله عليهم، وتعلمون أن للكافرين أمثالها؟!
﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "قال". [¬٢]- في خ، ز: "تميم". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "أَنس أبينا". [¬٤]- في ز، خ: "إل ياسين".
[ ١٢ / ٥٥ ]
الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾
وقد تقدمت قصة يونس ﵇ في "سورة الأنبياء" وفي الصحيحين (^٨٢) عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: "ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى". ونَسَبَه إلى أمه وفي رواية قيل: "إلى أبيه".
وقوله: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾، قال ابن عباس: هو المُوقر. أي: المملوء بالأمتعة.
﴿فَسَاهَمَ﴾ أي: قارع، ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي: المغلويين، وذلك أن السفينة تَلَغَّبَتْ بها الأمواج من كل جانب، وأشرفوا على الغرق، فتساهموا [¬١] على من تقع عليه القرعة يُلقى في البحر، لتخف بهم السفينة، فوقعت القرعة على نبي اللَّه يونس ﵊ ثلاث مرات، وهم يضنون به أن يلقى من بينهم، فتجرد من ثيابه ليلقي نفسه وهم يأبون عليه ذلك. وأمر اللَّه تعالى حوتًا من البحر الأخضر أن يشق البحار، وأن يلتقم يونس ﵇ فلا يَهْشِمُ له لحمًا، ولا يكسر له عظمًا. فجاء ذلك الحوت وألقى يونس ﵇ نفسه، فالتقمه الحوت، وذهب به فطاف به البحار كلها. ولما استقر يونس في بطن الحوت، حسب أنه قد مات، ثم حرك رأسه ورجليه وأطرافه فإذا هو حي، فقام يصلى في بطن الحوت، وكان من جملة دعائه: "يا رب، اتخذتُ لك مسجدًا في موضع لم يبلغه أحد من الناس". واختلفوا في مقدار ما لبث في بطن الحوت، فقيل: ثلاثة أيام. قاله قتادة. وقيل: جُمْعَة. قاله جعفر الصادق. وقيل: أربعين يومًا. قاله أبو مالك.
وقال مُجَالد، عن الشعبي: التقمه ضحًى، وقذفه عشية.
والله أعلم بمقدار ذلك وفي شعر أمية بن أبي الصلت:
وَأنْتَ بفضل منْكَ نجَّيتَ يُونُسا … وَقَدْ بَاتَ فيِ أضْعَاف حُوتٍ لَياليًا
وقوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، قيل: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء. قاله الضحاك بن قيس، وأبو العالية، ووهب بن منبه، وقتادة،
_________________
(١) - صحيح البخاري: كتاب: الأنبياء (٤٣١٣) - وانظره بأطرافه عند رقم (٣٣٩٥) - ورواه أحمد (١/ ٢٤٢) ومسلم كتاب: الفضائل (١٦٧) (٢٣٧٧)، وأبو داود، كتاب: السنة (٤٦٦٩) من طريق شعبة عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس مرفوعًا به. [¬١]- في ت: "فساهموا".
[ ١٢ / ٥٦ ]
وغير واحد، واختاره ابن جرير، وقد ورد في الحديث الذي سنورده ما يدل على ذلك إن صح الخبر. وفي حديث عن [¬١] ابن عباس (^٨٣): " تَعَرّف إلى اللَّه في الرخاء يعرفك في الشدة".
وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك، وعطاء بن السائب، والسدي، والحسن، وقتادة: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ يعني: المصلين. وصرح بعضهم بأنه كان من المصلين قبل ذلك، وقال بعضهم: كان من المسبحين في جوف أبويه.
وقيل المراد: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ هو قوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، قاله سعيد بن جبير وغيره.
وقال ابن أبي حاتم (^٨٤): حدثنا أبو عبيد اللَّه ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا أبو صخر: أن يزيد الرقاشي حَدّثه: أنه سمع أنس بن مالك- ولا أعلم إلا أنّ [¬٢] أنسًا يرفع الحديث إلى رسول اللَّه ﷺ: "أن يونس النبي ﷺ حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت، فقال: اللهم، لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين. فأقبلت الدعوة تحف [¬٣] بالعرش، قالت الملائكة: يا رب، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة [¬٤] غريبة؟ فقال: أما [¬٥] تعرفون ذلك. قالوا: يا رب، ومن هو؟ قال: عبدي يونس. قالوا: [عبدك يونس الذي] [¬٦] لم يزل يرفع له عمل متقبل [¬٧]، ودعوة مستجابة؟! قالرا: يارب، أو لا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجّيَه من البلاء؟ قال: بلى. فأمر الحوت فطرحه بالعراء".
_________________
(١) - رواه أحمد (١/ ٢٩٣، ٣٠٣) والترمذي، كتاب: صفة القيامة (٢٥١٦) وأبو يعلى في مسنده (٤/ ٢٥٥٦) وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٤٢٥) والطبراني في "الدعاء" (٢ / رقم ٤٢) والبيهقي في "الشعب" (١ / رقم ١٩٥) من طريق الليث بن سعد -مقرونًا به ابن لهيعة عند الترمذي- عن قيس بن الحجاج عن حنش عن ابن عباس مرفوعًا بالحديث المشهور- "يا غلام، إني أعلمك كلمات احفظ اللَّه يحفظك … " وليس فيه اللفظة التي هنا وهذه قد رواها أحمد (١/ ٣٠٧) والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١ / رقم ١٢٦) من طريق نافع بن يزيد وابن لهيعة وكهمس بن الحسن وهمام عن قيس بن الحجاج به ورواه الآجري في "الشريعة" (١ / رقم ٤٥٠) من طريق يزيد بن أبي حبيب عن حنش له باللفظ الأول، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"- قال الحافظ أبو عبدة بن منده: "لهذا الحديث طرق- انظرها في، المصدر الآتي، و"السنة" لا بن أبي عاصم (٣١٨:٣١٦) - عن ابن عباس وهذا أصحها وهذا إسناد مشهور رواته "ثقات" - نقلًا من كتاب "نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي ﷺ لابن عباس" لابن رجب الحنبلي (ص ٣٠، ٣١) وقال ابن رجب هنا أيضًا وفي "جامع العلوم والحكم" (١/ ٤٨٣): "وقد روى هذا الحديث عن ابن عباس من رواية جماعة … وفي أسانيدها جميعها مقال: وفي ألفاظها بعض الزيادة والنقص، … وأجود أسانيده من رواية حنش عن ابن عباس، وهو إسناد حسن لا بأس به" ومن هذا الوجه اختاره الضياء في "المختارة" (٨/ ١٢: ١٥) وصححه أبو عبد الرحمن الألباني كما في حاشية "السنة" (١ / رقم ٣١٦) واللَّه الموفق.
(٢) - وقد تقدم عند المصنف (سورة الأنبياء / آية ٨٧) كما هنا، وكذا نقله في "قصص الأنبياء" له وقد عزاه لابن أبي حاتم أيضًا السيوطي في "الدر المنثور" (٤/ ٥٩٩)، (٥/ ٥٤٠) وقد رواه ابن جرير (٢٣/ ١٠٠) حدثني يونس عن ابن وهب به، وإسناده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي، لكن قواه المصنف بحديث أبي هريرة الآتي تخريجه- فقال في "القصص" عقب هذا الحديث "غريب من هذا الوجه، ويزيد الرقاشي ضعيف"، لكن يتقوى بحديث أبي هريرة، كما يتقوى ذلك بهذا واللَّه أعلم" وقد تابع زيد الرقاشي هنا يحيى بن العلاء عن حميد أبي صخر به: وفيه زيادة خبر أبي هريرة رواه من هذا الوجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٥٦، ١٥٧) غير أن يحيى بن العلاء هذا مرمى بالوضع، وقد روى خبر أبي هريرة ابن جرير (٢٣/ ١٠٣) من طريق آخر بإسناد حسن. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "تجن". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في خ، ز: "ألا". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٧]- في ز: "متقبلًا".
[ ١٢ / ٥٧ ]
ورواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب به. زاد ابن أبي حاتم: قال أبو صخر حُمَيد بن زياد: فأخبرني ابن قُسَيط وأنا أحدثه [¬١] هذا الحديث: أنه سمع أبا هريرة يقول: طرح بالعراء، وأنبت اللَّه عليه اليقطينة. قلنا: يا أبا هريرة، وما اليقطينة؟ قال: شجرة الدُّباء. قال أبو هريرة: وَهَيَّأ اللَّه له أُرْويَّة [¬٢] وحشيةً تأكل من خشاش الأرض -أو قال: هشاش الأرض- قال: فتتفشح [¬٣] عليه فَتَرْويه من لبنها كل عَشية وبُكرةٍ حتى نَبَت.
وقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتًا من شعره:
فأنبت يقطينا عليه برحمةٍ … من اللَّه لولا اللَّه ألفى ضاحيًا
وقد تقدم حديث أبي هريرة (^٨٥) مسندًا مرفوعًا في تفسير "سورة الأنبياء" ولهذا قال تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ أي: ألقيناه ﴿بِالْعَرَاءِ﴾ قال ابن عباس، وغيره: وهي الأرض التي ليس فيها [¬٤] نبت ولا بناء. قيل: على جانب دجلة. وقيل: بأرض اليمن. فالله أعلم.
﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أي: ضعيف البدن. قال ابن مسعود ﵁: كهيئة الفرخ ليس عليه ريش. وقال السدي: كهيئة الصبي يعني [¬٥] حين يولد، وهو المنفوس. وقاله ابن
_________________
(١) - تقدم عند المصنف (سورة الأنبياء / آية ٨٧) من طريق محمد بن إسحاق عمن حدثه عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، قال: سمعت أبا هريرة يقول، قال رسول اللَّه ﷺ "لما أراد اللَّه حبس يونس في بطن الحوت " الحديث ومن طريق ابن إسحاق رواه ابن جرير (١٧/ ٨١) وهذا إسنادٌ ضعيف لجهالة شيخ ابن إسحاق. وقد رواه البزار في مسنده (٣/ ٢٢٥٤ / كشف) (٢/ ١٥٠٢ / زوائد ابن حجر = [¬١]- في ز: "أخدمه". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز: "فتتفسخ". [¬٤]- في ت: "بها". [¬٥]- سقط من: ت.
[ ١٢ / ٥٨ ]
عباس، وابن زيد أيضًا.
﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ قال ابن مسعود (^٨٦)، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ووهب بن منبه، وهلال بن يَسَاف، وعبد اللَّه بن طاوس، والسدي [¬١]، وقتادة، والضحاك، وعطاء الخراساني، وغير واحد -قالوا كلهم-: اليقطين هو القرع.
و[¬٢] قال هشيم (^٨٧) عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير: كل شجرة لا ساق لها فهي من اليقطين. وفي رواية عنه: كل شجرة تهلك [¬٣] من عامها [¬٤] فهي من اليقطين.
وذكر بعضهم في القرع فوائد، منها: سرعة نباته، وتظليلُ ورقه لكبره، ونعومته، وأنه لا يقربها الذباب، وجودة أغذية ثمره، وأنه يؤكل نيئًا ومطوخًا بلبه وقشره أيضًا. وقد ثبت أن رسول اللَّه ﷺ كان يُحبُّ الدباء، ويتتبعه من حَوَاشي الصَّحْفة (^٨٨).
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾، روى شهر بن حوشب، عن ابن عباس أنه قال: إنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت.
رواه ابن جرير (^٨٩) [حدثني الحارث قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا] [¬٥] أبو هلال عن شهر
_________________
(١) = ثنا بعض أصحابنا -عبيد الله بن سعيد وغيره- عن يعقوب بن إبراهيم حدثني أبي، عن ابن إسحاق عن عبد الله بن رافع به هكذا- بدون واسطة، وقال البزار: "لا نعلمه مرفوعًا بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد" وكأن عدم ذكر الواسطة من تدليس ابن إسحاق لا سيما وقد عنعنه، وفيه أيضًا جهالة شيخ البزار، وقد أعله الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٠١) بالعلتين فقال: "رواه البزار عن بعض أصحابه ولم يسمه!! وفيه ابن إسحاق وهو مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح"، وقال الحافظ ابن حجر: "هذا خبر منكر" وقد أورده السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٥٤١) ولم يعزه لغير المذكورين هنا، وانظر السابق.
(٢) - رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٧/ ٤٥٩) وابن أبي الدنيا في "كتاب العقوبات" (رقم ١٧١) في خير طويل عنه بإسناد صحيح إليه وقد رواه مختصرًا ابن جرير (٢٣/ ١٠٢، ١٠٣) وأورده مطولًا السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٥٤١) وزاد عزوه إلى أحمد في (الزهد) -ولم أجده في المطبوع منه- وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) - رواه ابن جرير (٢٣/ ١٠٢) والرواية الأخرى من طريق الأصبع بن زيد عن القاسم به، وإسنادهما صحيح.
(٤) - صحيح البخاري، كتاب: البيوع، كتاب: الخياط (٢٠٩٢) وصحيح مسلم، كتاب: الأشربة، باب: جواز أكل المرق واستحباب أكل اليقطين … (١٤٤، ١٤٥) (٢٠٤١) من حديث أنس بن مالك.
(٥) - تفسير ابن جرير (٢٣/ ١٠٥) وشهر بن حوشب، ضعيف والخبر أورده السيوطي في "الدر المنثور"= [¬١]- في ز، خ: "النسائي". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "يهلك". [¬٤]- في ز، خ: "عليها". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "حدثني".
[ ١٢ / ٥٩ ]
به.
وقال ابن أبي نَجِيح: عن مجاهد: أرسل إليهم قبل أن يلتقمه الحوت.
قلت: ولا مانع أن يكون الذين أرسل إليهم أولًا أُمر بالعود إليهم بعد خروجه من الحوت، فصدقوه كلهم وآمنوا به. وحكى البغوي أنه أرسل إلى أمة أخرى بعد خروجه من الحوت، كانوا مائة ألف أو يزيدون.
وقوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾، قال ابن عباس -في رواية عنه-: بل يزيدون، وكانوا مائة وثلاثين ألفًا. وعنه: مائة ألف وبضعة وثلانين ألفًا. وعنه: مائة ألف وبضعة وأربعين ألفًا.
وقال سعيد بن جبير: يزيدون سبعين ألفًا. وقال مكحول: كانوا مائة ألف وعشرة آلاف.
رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن جرير (^٩٠): حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال [¬١]: سمعت زُهَيرًا، عمن سمع أبا العالية قال [¬٢]: حدثني [] [¬٣] أبي بن كعب أنه سأل رسول اللَّه ﷺ عن قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال: "يزيدون عشرين ألفًا". ورواه الترمذي عن علي بن حُجْر، عن الوليد بن مسلم، عن زُهَير، عن رجل، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، به، وقال: غريب. ورواه ابن أبي حاتم من حديث زهير به.
قال ابن جرير: وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول في ذلك: معناه إلى المائة الألف [¬٤]، أو كانوا يزيدون عندكم، يقول: كذلك كانوا عندكم.
وهكذا [¬٥] سلك ابن جرير هاهنا ما سلكه عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ وقوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ وقوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى﴾ أن المراد ليس أنقص من ذلك بل أزيد.
_________________
(١) = (٥/ ٥٤٧) وزاد عزوه إلى أحمد في "الزهد" ولم أجده في المطبوع منه- وعبد بن حميد وابن مردويه.
(٢) - تفسير ابن جرير (٢٣/ ١٠٤) ورواه الترمذي، كتاب: التفسير (٣٢٢٩) من طريق الوليد بن مسلم عن زهير به، وفوق ما فيه من الجهالة، فإن رواية أهل الشام عن زهير -وهو ابن محمد التميمي- غير مستقيمة وهذه منها، والحديث ضعفه الترمذي فقال: "حديث غريب" وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٥٤٧) وزاد عزوه إلى ابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "محمد بن". [¬٤]- في ز، خ: "ألف". [¬٥]- في ز، خ: "هلا".
[ ١٢ / ٦٠ ]
وقوله: ﴿فَآمَنُوا﴾ أي: فآمن هؤلاء القوم الذين أرسل إليهم يونس ﵇ جميعهم، ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى وقت آجالهم، كقوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾.
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَينَهُ وَبَينَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾
يقول تعالى منكرًا على هؤلاء المشركين في جعلهم للَّه البنات -سبحانه- ولهم ما يشتهون، أي: من الذكور، أي: يَودون لأنفسهم الجيد. ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: يسوؤه ذلك، ولا يختار لنفسه إلا البنين. يقول تعالى: فكيف نسبوا إلى اللَّه القسم الذي لا يختارونه لأنفسهم؟ ولهذا قال: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سلهم على سبيل الإِنكار عليهم: ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾، كقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾.
وقوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ أي: كيف حكموا على الملائكة أنهم إناث وما شاهدوا خلقهم؟ كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ أي: يسألون عن ذلك يوم القيامة.
وقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ﴾ أي: من كذبهم ﴿لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ﴾ أي: صدر منه الولد، ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. فذكر اللَّه عنهم في الملائكة ثلاثة أقوال في غاية الكفر والكذب: فأولا جعلوهم بنات اللَّه، فجعلوا للَّه ولدًا، وجعلوا ذلك الولد أنثى، ثم عبدوهم من دون اللَّه. وكل [¬١] منها كاف في التخليد في نار جهنم.
ثم قال منكرًا عليهم: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾، أي: أيّ شيء يحمله على [¬٢] أن
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "فكل". [¬٢]- في ت: "عن".
[ ١٢ / ٦١ ]
يختار البنات دون [¬١] البنين؟! كقوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾؛ ولهذا قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ﴾، أي: ما لكم عقول [تتدبرون بها] [¬٢] ما تقولون ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ أي: حجة على ما تقولونه، ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: هاتوا برهانكم على ذلك يكون مستندًا إلى [كتاب مُنَزَّل] [¬٣] من السماء عن اللَّه أنه اتخذ ما تقولونه، فإن ما تقولونه لا يمكن استناده [¬٤] إلى عقل، بل لا يُجَوِّزُه العقل بالكلية.
وقوله: ﴿وَجَعَلُوا بَينَهُ وَبَينَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قال مجاهد (^٩١): قال المشركون: الملائكة بنات اللَّه فسأل [¬٥] أبو بكر ﵁: فمن أمهاتهن؟ قالوا: بنات سروات الجن. وكذا قال قتادة، وابن زيد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾ أي: الذين نسبوا إليهم ذلك: ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾، أي: إن الذين قالوا ذلك لمحضرون في العذاب يوم الحساب لكذبهم في ذلك وافترائهم، وقولهم الباطل بلا علم.
وقال العوفي (^٩٢): عن ابن عباس في قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَينَهُ وَبَينَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قال: زعم أعداء اللَّه أنه ﵎ [] [¬٦] هو وإبليس أخوان. حكاه ابن جرير وقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزه عن أن يكون له ولد، وعما يصفه به الظالمون الملحدون علوًّا كبيرًا.
وقوله: ﴿إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناء منقطع، وهو من مثبت، إلا أن يكون الضمير في قوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ عائد إلى جميع الناس ثم استثنى منهم المخلصين، وهم المتبعون للحق المنزل على كل [¬٧] نبي ومرسل. وجعل ابن جرير هذا الاستثناء من قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. وفي هذا الذي قاله نظر.
﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٢٣/ ١٠٨) بإسناد صحيح إلى مجاهد غير أن مجاهدًا لم يسمع من أبي بكر والخبر عزاه السيوطي لغير واحدٍ فانظر "الدر المنثور" (٥/ ٥٤٨).
(٢) - رواه ابن جرير (٢٣/ ١٠٨) والعوفي. ضعيف. [¬١]- في خ: "على". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "تدبرون". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "من نزل". [¬٤]- في ز، خ: "إسناده". [¬٥]- في ز، خ: "قال". [¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "أنه". [¬٧]- سقط من: خ، ز.
[ ١٢ / ٦٢ ]
وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾
يقول تعالى مخاطبًا للمشركين: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ أي: ما ينقاد لمقالكم وما أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة إلا من هو أضل منكم ممن ذُرئ للنار. ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقاد لدين الشرك والكفر والضلالة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي [¬١]: إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل.
ثم قال تعالى مُنَزّهًا للملائكة مما نَسَبوا إليهم من الكفر بهم والكذب عليهم أنهم بنات اللَّه: ﴿وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ أي: [] [¬٢] موضع مخصوص في السماوات ومقامات العبادة لا [يتجاوزه ولا يتعداه] [¬٣].
قال [¬٤] إلى عساكر (^٩٣) في ترجمته لمحمد بن خالد، بسنده إلى عبد الرحمن بين العلاء بن سعد [¬٥]، [عن أبيه] [¬٦]-وكان ممن بايع يوم الفتح- أن رسول اللَّه ﷺ [] [¬٧] قال يومًا لجلسائه: "أطَّتِ السماء وحُق لها أن تَئِطّ، ليس فيها موضع قَدَم إلا عليه ملك راكع أو ساجد". ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾.
_________________
(١) - رواه أبو عبد الله بن منده في "الصحابة" -كما في "أسد الغابة" لا بن الأثير (٤/ ٧٦) و"الإصابة" لابن حجر (٧/ ٤٠) - ومن طريق ابن منده ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٥/ ٢٧٧٥ / مخطوط / ترجمة محمد بن خالد أبو جعفر الهاشمي"، ورواه محمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (١ / رقم ٢٥٥) وبإسناده نقله المصنف في تفسيره (سورة المدثر / آية ٣١) - وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٢ / ورقة ٧٢٢ / مخطوط)، ثلاثتهم (ابن منده وأبو نعيم وابن نصر) من طريق محمد بن خالد أبي جعفر، ثنا المغيرة بن عمر بن عطية، حدثني عمرو بن عوف، حدثني سليمان بن أيوب -من بني سالم بن عوف- حدثني عطاء بن زيد بن مسعود -من بني الحبلي- حدثني سليمان بن عمرو بن الربيع بن سالم، حدثني عبد الرحمن بن العلاء به. وذكره السيوطي "الدر المنثور" (٥/ ٥٤٩) ولم يعزه لغير ابن نصر وابن عساكر وقال المصنف -في الموضع المشار إليه سابقًا- "إسناده غريب جدًّا" قلت: وهو موضوع والمتهم به: "محمد بن خالد" هذا فقد كذبه أبو حاتم الرازي، وله عن مالك خير منكر، واستنكره له ابن عساكر والذهبي في "الميزان" وتبعه ابن حجر = [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: به. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: "يتجاوزه ولا يتعداه". [¬٤]- في ت: وقال: [¬٥]- في خ، ز: "سعيد". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "أنه".
[ ١٢ / ٦٣ ]
وقال الضحاك في تفسيره (^٩٤): ﴿وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ قال: كان مسروق يَرْوي عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ: "ما من السماء الدنيا موضع إلا عليه ملك ساجد أو قائم". فذلك قوله: ﴿وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾.
وقال الأعمش (^٩٥): عن [أبي إسحاق] (٥)، عن مسروق، عن ابن مسعود ﵁ قال [¬١]: إن في السماوات لسماءً ما فيها موضع شبر إلا عليه جبهة ملك أو قدماه. ثم قرأ
_________________
(١) = في "اللسان" ثم إن من فوقه لم أجد لهم تراجم في كتب الرجال، لكن للحديث طريق آخر وهو الآتي:
(٢) - رواه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ١١٢) وأبو الشيخ في "كتاب العظمة" (٣ / رقم ٥٠٨) وابن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (١ / رقم ٢٥٣) - ومن طريقه نقله المصنف في تفسيره سورة المدثر آية (٣١) - من طريقين عن أبي معاذ النحوي الفضل بن خالد، ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول. .. فذكره وقال المصنف -في الموضع المشار إليه -: "وهذا مرفوع غريب جدًّا ولا تضر غرابته فقد قال أبو عبد الرحمن الألباني في الصحيحة (٣/ ١٠٥٩) هذا إسناد حسن في الشواهد، رجاله ثقات غير الفضل بن خالد، فقد ترجمه ابن أبي حاتم (٣/ ٢ / ٦١) من رواية ثقتين عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا" وأشار له البخاري في "التاريخ الصغير" (٢/ ٢٩٥) ووثقه ابن حبان "الثقات" (٩/ ٧) وقد أكثر عنه أبو منصور الأزهري في كتابه اللغوي "التهذيب" كما في "بغية الوعاة" للسيوطي (٢/ ٢٤٥) وشيخه عبيد بن سليمان الذي وثقه أبو عبد الرحمن!! لم يوثقه غير ابن حبان (٨/ ٤٢٨)، وقال أبو حاتم الرازي: "لا بأس به" وبهذا وسمه ابن حجر في "التقريب" فالحديث بهذا الإسناد لا شك أنه محتمل للتحسين جدًّا، لا سيما وأن له شاهدين -دون ذكر الآية- من حديث أبي ذر عند أحمد (٥/ ١٧٣) والترمذي (٢٣١٢) وابن ماجه (٤١٩٠) وقال الترمذي: "حديث حسن غريب" وصححه الحاكم على شرط الشيخين (٤/ ٥٧٩) ووافقه الذهبي. والشاهد الثاني من حديث حكيم بن حزام عند ابن نصر (١ / رقم ٢٥٠) والطبراني في "المعجم الكبير" (٣/ ٣١٢٢) وأبي الشيخ في "العظمة" (٣/ ٥٠٩) والطحاوي في "مشكل الآثار" (٢/ ٤٣) وقصر في عزوه السيوطي جدًّا فلم يعزه في "الدر المنثور" (٥/ ٥٥٠) لغير ابن مردويه. وإسناده صحيح، وانظر ما بعده.
(٣) - رواه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٥٨) وابن جرير (٢٣/ ١١٢) من طريق سفيان الثوري، ورواه الفريابي -كما في "الدر المنثور" (٥/ ٥٥٠) - ومن طريقه الطبراني في "المعجم الكبير" (٩٠٤٢/ ٩) من طريق قيس بن الربيع، ورواه محمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (١ / رقم ٢٥٤) - ومن طريقه نقله المصنف في تفسيره (سورة المدثر / آية ٣١)، وابن جرير، والبيهقي في "الشعب" (١ / رقم ١٥٩) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، ثلاثتهم (الثوري وقيس وأبو معاوية) عن الأعمش له، وإسناده صحيح، ولا تضر عنعنة الأعمش هنا، إذ أن أبا معاوية من أثبت الناس فيه، والأغرب أن يُعله الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٠١) بشيخ الطبراني!! وهو متابع والخبر زاد نسبته السيوطي إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. (*) كذا وقع هنا، والصواب: "أبي الضحى مسلم بن صبيح". [¬١]- سقط من: ز، خ.
[ ١٢ / ٦٤ ]
عبد اللَّه: ﴿وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾. وكذا قال سعيد بن جبير.
وقال قتادة: كانوا يصلون الرجال والنساء جميعًا، حتى نزلت: ﴿وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾، فتقدم الرجال وتأخر النساء.
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ أي: نقف صفوفًا في الطاعة، كما تقدم عند قوله: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾، قال ابن جريج [¬١] (^٩٦): عن الوليد بن عبد اللَّه بن أبي مغيث قال: كانوا لا يصفون في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، فصفوا.
وقال أبو نضرة: كان عمر إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه، ثم قال: أقيموا صفوفكم، استروا قيامًا، يريد اللَّه بكم هَدْيَ الملائكة، ثم يقول: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، تأخر يا فلان، تقدم يافلان، ثم يتقدم فيكبر ﵁. رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير (^٩٧).
وفي صحيح مسلم (^٩٨) عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "فُضلنا على الناس بثلاث: جُعلَت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدًا، وتربتها طهورًا … ". الحديث.
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: نصطف فنسبح الرب ونمجده ونقدسه وننزهه عن النقائص، فنحن عبيد له، فقراء إليه، خاضعون لديه.
وقال ابن عباس، ومجاهد: ﴿وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾: الملائكة، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾: الملائكة، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾: الملائكة يسبحون اللَّه، ﷿.
وقال قتادة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ يعني: المصلون، يثبتون [¬٢] بمكانهم من العبادة، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٥/ ٥٥٠) - ورواه عبد الرزاق في "المصنف" (٢/ ٢٤٢٣) عن ابن جريج قال: حدثت أنهم كانوا لا يصفون حتى نزلت ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾.
(٢) - رواه ابن جرير (٢٣/ ١١٢) حدثني يعقوب بن إبراهيم، ثنا ابن علية، أخبرنا الجريري عن أبي نضرة به وهذا إسناد رجاله ثقات، رجال الشيخين غير أنهم لم يذكروا رواية لأبي نضرة -واسمه المنذر ابن مالك العبدي- عن عمر بن الخطاب، فالإسناد منقطع.
(٣) - تقدم تخريجه في فاتحة هذه السورة (رقم ٤). [¬١]- في خ، ز: "جرير". [¬٢]- في ز، خ: "ينبيون".
[ ١٢ / ٦٥ ]
الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قد كانوا يتمنون قبل أن تأتيهم يا محمد لو كان عندهم من يذكرهم بأمر الله، وما كان من أمر القرون الأولى، ويأتيهم بكتاب الله، كما قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إلا نُفُورًا﴾، وقال: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَينِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَينَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾، ولهذا قال هاهنا: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، وعيد أكيد وتهديد شديد، على كفرهم بربهم ﷾ وتكذبيهم رسوله ﷺ.
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)﴾
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: تقدم في الكتاب الأول أن العاقبة للرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة. كما تقدم بيان نصرتهم علي قومهم ممن كذبهم وخالفهم، و[¬١] كيف أهلك الله [¬٢] الكافرين، ونجي عباده المؤمنين، ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [أي: تكون لهم العاقبة. وقوله جل وعلا] [¬٣]: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ أي: اصبر علي أذاهم لك، وانتظر إلي وقت مؤجل، فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر، ولهذا قال [بعضهم: غيًّا ذلك إلى يوم بدر وما بعدها أيضًا في معناها.
وقوله، [¬٤]: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وارتقب ماذا يحل بهم من العذاب والنكال على مخالفتك وتكذيبك؛ ولهذا قال علي وجه التهديد والوعيد: ﴿فَسَوْفَ
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ١٢ / ٦٦ ]
يُبْصِرُونَ﴾. ثم قال ﷿: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي: هم إنما يستعجلون العذاب لتكذيبهم وكفرهم، فإن الله يغضب عليهم بذلك، ويعجل [¬١] لهم العقوبة، ومع هذا أيضًا كانوا من كفرهم وعنادهم يستعجلون العذاب والعقوبة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: فإذا نزل العذاب بمحلتهم، فبئس ذلك اليوم يومُهم، بإهلاكهم ودمارهم [¬٢].
قال السدي: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ يعني: بدارهم، ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: فبئس ما يصبحون، أي: بئس الصباح صباحهم؛ ولهذا ثبت في الصحيحين (^٩٩) من حديث إسماعيل بن عُلَية، عن عبد العزيز بن صُهَيب، عن أنس ﵁ قال: صَبَّح رسولُ الله ﷺ خيبر، فلما خرجوا بفئوسهم ومساحيهم و[¬٣] رأوا الجيش، رجعوا وهم [¬٤] يقولون: محمد والله، محمد والخميس. فقال النبي ﷺ: "الله أكبر خَربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين.
ورواه البخاري (^١٠٠) من حديث مالك عن حميد عن أنس.
وقال الإمام أحمد (^١٠١): حدثنا رَوح، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة قال: لما صَبّح رسول الله ﷺ خيبر، وقد أخذوا مساحيَهم وغَدَوا إلى حروثهم وأرضيهم، فلما رأوا النبي ﷺ ولوا مدبرين، فقال نبي الله ﷺ: ["الله أكبر، الله أكبر] [¬٥]، إنا إذا نزلنا بساحة قوم
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب: الصلاة: باب، ما يذكر في الفخذ. (٣٧١)، وصحيح مسلم، كتاب: النكاح، باب: فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها (٨٤) (١٣٦٥) وأبو داود، كتاب: الخراج والإمارة والفئ، باب: ما جاء في سهم الصيفي (٢٩٩٨) والنسائي، كتاب: النكاح، باب: البناء في السفر (٦/ ١٣١) وأحمد (٣/ ١٠١، ١٨٦) من طرق عن إسماعيل بن علية به.
(٢) - صحيح البخاري، كتاب: الجهاد، باب: دعاء النبي ﷺ الناس إلى الإسلام والنبوة … (٢٩٤٥) - وهو في "موطأ مالك" كتاب، الجهاد باب: ما جاء في الخيل والمسابقة بينها. (رقم ٤٨) (٢/ ٣٧٣) ومن طريق مالك أخرجه أيضًا الترمذي، كتاب: السير، باب في البيات والغادات: والنسائي في الكبرى، كتاب / السير باب: وقت الغارة (٨٥٩٨).
(٣) - " المسند" (٢٩، ٤/ ٢٨) ورواه أحمد أيضًا (٤/ ٢٨) من طريقين عن شيبان عن قتادة به، وإسناده صحيح على شرط الشيخين كما قال المصنف، وذكره الهيثمي في "المجمع" (٦/ ١٥٢) وقال: "رواه أحمد والطبراني بأسانيد ورجال أحمد رجال الصحيح" ورواه ابن أبي شيبة في "المصنف" كتاب: المغازي، = [¬١]- في ز، خ: "ويجعل". [¬٢]- في ز: "وبإدمارهم". [¬٣]- في ز، خ: "فلما". [¬٤]- سقط من: ت. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.
[ ١٢ / ٦٧ ]
فساء صباح المنذرين". لم يخرجوه من هذا الوجه، وهو صحيح على شرط الشيخين.
وقوله: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾
ينزه تعالى نفسه الكريمة ويقدسها ويبرئها عما يقوله الظالمون المكذبون المعتدون [¬١]-تعالى وتقدس عن قولهم علوًّا كبيرًا- ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أي: ذي العزة التي لا تُرَام، ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: عن قول هؤلاء المعتدين المفترين، ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: سلام الله عليهم في الدنيا والآخرة، لسلامة ما قالوه في ربهم، وصحته وحَقّيّته [¬٢]، ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ أي: له الحمد في الأولى والآخرة في كل حال. ولما كان التسبيح يتضمن التنزيه والتبرئة من [¬٣] النقص بدلالة المطابقة، ويستلزم إثبات الكمال، كما أن الحمد يدل علي إثبات صفات الكمال مطابقة، ويستلزم التنزيه من النقص- قرن بينهما في هذا الموضع، وفي مواضع كثيرة من القرآن؛ ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.
وقال سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة قال: قال [¬٤] رسول الله ﷺ: "إذا سلمتم عليّ فسلموا علي المرسلين، فإنما أنا رسول من المرسلين".
هكذا [¬٥] رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سعيد عنه كذلك (^١٠٢)، وقد أسنده ابن أبي حاتم ﵀ فقال (^١٠٣): حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو بكر الأعين، ومحمد
_________________
(١) = باب: غزوة خيبر (٨/ ٥٢١) ثنا يزيد بن هارون نا ابن عوف عن عمرو بن سعيد عن أبي طلحة به وهذا إسناد صحيح أيضًا.
(٢) - رواه ابن جرير (٢٣/ ١١٦) ثنا بشر، ثنا يزيد، ثنا سعيد به، وهذا إسناد منقطع وقد ذكره من هذا الوجه السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٥٥٣) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق -وهو غير موجود في تفسيره المطبوع. وعبد بن حميد وابن المنذر وكذا ابن أبي حاتم. وانظر ما بعده.
(٣) - ورواه ابن سعد وابن مردويه -كما في الدر المنثور (٥/ ٥٥٣) - من طريق سعيد عن قتادة به، ورجاله ثقات رجال الصحيحين، غير أن قتادة مدلس ولم يصرح فيه بالسماع ورواه ابن مردويه أيضًا كما في الدر المنثور من طريق أبي العوام عن قتادة عن أنس مرفوعًا، وفيه نفس العلة المشار إليها. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في خ، ز: "وحقيقته". [¬٣]- في ز، خ: "و". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "هذا".
[ ١٢ / ٦٨ ]
بن عبد الرحيم -صاعقة- قالا: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا شيبان [¬١]، عن قتادة قال: حَدّث أنس بن مالك، عن أبي طلحة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين".
و[¬٢] قال الحافظ أبو يعلى (^١٠٤): حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا نوح [¬٣] وحدثنا أبو هارون، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا سَلَّم قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾. ثم يسلم. إسناده ضعيف.
وقال ابن أبي حاتم (^١٠٥): حدثنا عمار بن خالد الواسطي، حدثنا شبابة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ: "من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.
وروي من وجه آخر متصل موقوف على علي ﵁:
_________________
(١) - لم أجده في المسند لأبي يعلى بهذا الإسناد، وإنما رواه (٢ / رقم ١١١٨) ثنا إسحاق، ثنا حماد -وهو ابن سلمة- عن أبي هارون نحوه، ورواه الطيالسي في مسنده (رقم ٢١٩٨) ثنا حماد بن سلمة به وعنده: أنه كان يقول ذلك ثلاث مرات. ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٣٣٧) ثنا هشيم، وعبد بن حميد في المنتخب (٩٥٦) أخبرنا علي بن عاصم، ورواه أيضًا (٩٥٤) والطبراني في الدعاء (٢ / رقم ٦٥١) وأبو بكر بن السُّنيّ في عمل اليوم والليلة (رقم ١١٩) من طريق سفيان الثوري، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١٣/ ١٣٨) من طريق مُطَرّف بن طريف، أربعتهم (هشيم وعلي والثوري ومطرف عن أبي هارون به وذكره الهيثمي في المجمع (٢/ ١٥٠، ١٥١) ووقع عنده: عن أبي هريرة قال: قلنا لأبي سعيد وهذا محرف وصوابه: عن أبي هارون … وكأن هذا تحرف على الهيثمي ولذلك قال: رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات ونقل ذلك عنه أبو الأشبال في حاشيته على جامع الترمذي ولم ينبه على تصحيفه!! فجل من لا يسهو!!!! وأبو هارون العبدي -واسمه عمارة بن جوين البصري- متروك، وكذبه ابن معين وحماد بن زيد وغيرهما ولذلك علقه الترمذي في الجامع (٢/ ٩٧ / تحت حديث رقم ٢٩٩) بصيغة التحريض، وقد ذكر هذا الحديث ابن حجر في نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار (٢/ ٢٩٠) وقال: مدارُ هذا الحديث على أبي هارون، .. وهو ضعيف جدًّا، اتفقوا على تضعيفه، وكذبه بعضهم وأورده السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٥٣) وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن مردويه والدارقطني في الأفراد وانظر ما بعده:
(٢) - وعزاه إلى ابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٥٤) ورجاله ثقات رجال الصحيح غير أنه مرسل والرسل من أقسام الضعيف، وقد ورد من وجه آخر متصلًا موقوفًا على علي بن أبي طالب، فانظر الآتي: [¬١]- في خ، ز: "شيبة". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في خ، ز: "فرج".
[ ١٢ / ٦٩ ]
قال أبو محمد البغوي في تفسيره: أخبرنا أبو سعيد أحمد بن شريح، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن منجويه، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا إبراهيم بن سهلويه، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، عن ثابت بن أبي صفية، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي ﵁ قال: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه في [¬١] مجلسه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.
وروى الطبراني (^١٠٦) من طريق عبد الله بن صخر [بن أنس] [¬٢] عن عبد الله بن زيد بن أرقم، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من قال دُبُر كل صلاة: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾، ثلاث مرات، فقد اكتال بالجرَيب الأوفى من الأجر".
وقد وردت أحاديث (^١٠٧) في كفارة المجلس: "سبحالك اللَّهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
وقد أفردت لها جزءًا على حدة، فليكتب هاهنا إن شاء الله تعالى.
[آخر تفسير سورة الصافات]
_________________
(١) - المعجم الكبير للطبراني (٥/ ٥١٢٤) ثنا أحمد بن رشدين المصري، ثنا عبد المنعم بن بشير الأنصاري، ثنا عبد الله بن محمد الإنسي من ولد أنس -كذا- عن عبد الله بن زيد به، وعبد الله بن محمد -أو ابن صخر كما هنا- لم أجد له ترجمة هو وشيخه عبد الله بن زيد، ثم إن عبد المنعم بن بشير هذا جرحه يحيى بن معين واتهمه. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا، لا يجوز الاحتجاج به، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وقال الخليلي في الإرشاد: هو وضاع على الأئمّة. راجع ترجمته في الميزان واللسان- وبه أعله الهيثمي، فأورده في المجمع (١٠/ ١٠٥، ١٠٦) وقال: رواه الطبراني وفيه عبد المنعم بن بشير، وهو ضعيف جدًّا. والحديث أورده المنذري في الترغيب والتوهيب والسيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٥٤) ولم يعزياه لغير الطبراني.
(٢) - فمن ذلك حديث أبي هريرة عند الترمذي، كتاب الدعوات (٣٤٣٣) وقال: حديث حسن صحيح غريب. وصححه أيضًا الحاكم (١/ ٥٣٦) ووافقه الذهبي، وكذا صححه ابن حبان (٢/ ٥٩٤)، وهو عند أبي داود (٤٨٥٨، ٤٨٥٧) من وجه آخر بإسناد صحيح، وفي الباب عن جبير بن مطعم عند الطبراني في الكبير (٢/ ١٥٨٦) وصححه الحاكم (١/ ٥٣٧) ووافقه الذهبي، ومن حديث أبي برزة الأسلمي عند أبي داود (٤٨٥٩) والحاكم (١/ ٥٣٧) والدارمي (٢/ ٢٨٣) وإسناده صحيح: وآخر من حديث رافع بن خديج عند الطبراني (٤/ ٤٤٤٥) والحاكم وإسناده حسن. [¬١]- في ز، خ: "من". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: "الأنسي".
[ ١٢ / ٧٠ ]