قال محمد بن إسحاق بن يَسَار في السيرة (^٢٤): ثم دعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، ليبلّغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشًا علي نفسي، وليس بمكة من بني عَديّ بن كعب من يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغِلَظي عليها، ولكني أدلك علي رجل أعَزّ بها مني، عثمان بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه إنما جاء زائرًا لهذا البيت، ومعظّمًا لحرمته.
فخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بَلّغ رسالة رسول الله ﷺ فانطلق عثمان حتى أتى [¬١] أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله ﷺ إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطُفْ. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به [¬٢] رسول الله، ﷺ. واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسولَ الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قُتل.
قال ابن إسحاق (^٢٥): فحدثني عبد الله بن أبي بكر؛ أن رسول الله ﷺ، قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: "لا نبرح حتى نناجز القوم". ودعا رسول الله ﷺ الناسَ إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم [¬٣] رسول الله، ﷺ، على الموت. وكان جابر بن عبد الله، يقول: إن رسول الله ﷺ لم يبايعهم على الموت، ولكن بايعنا على أن لا نفرّ.
فبايع الناس ولم يتخلف أحد من المسلمين حضرها إلا الجَدّ بن قيس أخو بني سلمة [¬٤]، فكان جابر يقول: والله لكأني [¬٥] أنظر إليه لاصقًا بإبط ناقته، قد ضبَأ إليها [¬٦] يستتر [¬٧]
_________________
(١) = وأصل الحديث في صحيح البخاري في الحج، باب من أشعر وقلد بذي الحليفة ثم أحرم، حديث (١٦٩٤، ١٦٩٥) وانظر أطرافه هناك.
(٢) - سيرة ابن هشام (٣/ ٢٧١).
(٣) - المصدر السابق (٣/ ٢٧٢). [¬١]- في ز، خ: بلغ. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- في ز: بايعتم. [¬٤]- في ز، خ: مسلم. [¬٥]- في ز: فكأني. [¬٦]- سقط من خ. [¬٧]- في ز: يستر.
[ ١٣ / ٩٤ ]
بها من الناس ثم أتى رسول الله، ﷺ، أن الذي كان من أمر عثمان باطل.
وذكر ابن لَهِيعة (^٢٦)، عن الأسود، عن عروة بن الزبير قريبًا من هذا السياق، وزاد في سياقه: أن قريشًا بعثوا وعندهم عثمان [] [¬١] سهيلَ بن عمرو، وحُويطب بن عبد العُزَّى، ومكرز بن حفص إلى رسول الله ﷺ، فبينما هم عندهم [¬٢] إذ وقع كلام بين بعض المسلمين وبعض المشركين، وتراموا بالنَّبْل والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل من الفريقين مَنْ عنده من الرسل، ونادى منادي رسول الله ﷺ: ألا إن [¬٣] روح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ، فأمر [¬٤] بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله فبايعوا. فسار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا أبدًا، فأرعب ذلك المشركين، وأرسلوا من كان عندهم من المسلمين، ودعوا إلى الموادعة والصلح.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد [¬٥] الصفار، حدثنا تمتام [¬٦]، حدثنا الحسن بن بشر، حدثنا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس بن مالك؛ قال: لما أمر رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رسولَ رسولِ الله ﷺ إلى أهل مكة فبايع الناس، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم؛ إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله". فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرًا من أيديهم لأنفسهم.
قال ابن هشام (^٢٧): وحدثني من أثق به عمن حدثه بإسناد له، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عمر؛ قال [¬٧]: بايع [رسول الله ﷺ] [¬٨] لعثمان، فضرب بإحدى يديه على الأخرى.
وقال عبد الملك بن هشام النحْوي (^٢٨): فذكر وكيع، عن إسماعيل بن [¬٩] أبي خالد،
_________________
(١) - أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ١١٢) بسنده إلى ابن لهيعة به.
(٢) - سيرة ابن هشام (٣/ ٢٧٢)، ونقله المصنف في تاريخه (٦/ ٢١٥، ٢١٢٦، هجر).
(٣) - سيرة ابن هشام (٣/ ٢٧٢). [¬١]- في ز، خ: بن. [¬٢]- في خ: عنده. [¬٣]- في ز: وإن. [¬٤]- في ت: وأمر. [¬٥]- في ز، خ: عبد. [¬٦]- في ز، خ: تمام. [¬٧]- سقط من ز، خ. [¬٨]- ما بين المعكوفين سقط من ز. [¬٩]- في ز: عن.
[ ١٣ / ٩٥ ]
عن الشعبي أن أول من بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان أبو سنَان الأسدي. وقال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي (^٢٩): حدثنا سفيان، حدثنا ابن أبي خالد، عن الشعبي؛ قال: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، كان أول من انتهى إليه أبو سنان، فقال: ابسط يدك أبايعك. فقال النبي ﷺ: "علام تبايعني؟ ". فقال أبو سنان: على ما في نفسك. هذا أبو سنان وَهبُ الأسدي، ﵁.
وقال البخاري (^٣٠): حدثنا. شجاع بن الوليد، سمع النضر [¬١] بن محمد، حدثنا صخر [¬٢]، عن نافع؛ قال: أن الناس يتحدثون أن ابن عُمَر أسلم قبل عُمَر، وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار أن يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله ﷺ يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر، وعمر يستلئم [¬٣] للقتال، فأخبره أن رسول الله ﷺ يُبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسولَ الله ﷺ، وهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر.
ثم قال البخاري (^٣١): وقال هشام بن عمار: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عُمَر بن محمد العُمَري، أخبرني نافع، عن ابن عمر؛ أن الناس كانوا مع رسول الله ﷺ [يوم الحديبية] [¬٤] قد تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس مُحدقونَ [¬٥] بالنبي ﷺ فقال -يعني عمر-: يا عبد الله؛ انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ. فوجدهم يبايعون، فبايع ثم رجع إلى عمر فخرج فبايع.
وقد أسنده البيهقي عن أبي [¬٦] عمرو الأديب، عن أبي بكر الإِسماعيلي، عن الحسن بن سفيان، عن دحيم: حدثني الوليد بن مسلم، فذكره.
_________________
(١) - أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ١٣٧) بسنده إلى الحميدي به.
(٢) - صحيح البخاري في المغازي، كتاب: غزوة الحديبية (٤١٨٦).
(٣) - صحيح البخاري في المغازي، باب: غروة الحديبية حديث (٤١٨٧) قال الحافظ في الفتح: كذا وقع بصيغة التعليق، وفي بعض النسخ "قال لي" وقد وصله الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن دحيم وهو ابن عبد الرحمن بن إبراهيم عن الوليد بن مسلم بالإسناد المذكور. [¬١]- في ز، خ: المنصور. [¬٢]- في خ: صخر بن الربيع. [¬٣]- في خ: مسلم. [¬٤]- سقط من خ. [¬٥]- في خ: سحدثون. [¬٦]- في ز، خ: ابن.
[ ١٣ / ٩٦ ]
وقال الليث، عن أبي الزبير، عن جابر؛ قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سَمُرة، وقال: بايعناه على أن لا نفرَّ، ولم نبايعه على الموت. رواه مسلم (^٣٢)، عن قتيبة، عنه.
وروى مسلم (^٣٣) عن يحيى بن يحيى، عن يزيد بن زُرَيع، عن خالد، عن الحكم بن عبد الله بن [¬١] الأعرج، عن معقل بن يَسَار، قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: ولم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفرَّ.
وقال البخاري (^٣٤): حدثنا المكي بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع؛ قال: بايعت رسول الله ﷺ تحت الشجرة. قال يزيد: قلت: يا أبا مسلم، على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت.
وقال البخاري أيضًا (^٣٥): حدثنا أبو عاصم، حدثنا يزيد بن أبي عُبَيد، عن سَلَمة؛ قال: بايعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية ثم تنحيت، فقال: "يا سلمة؛ ألا تبايع؟ " قلت: قد بايعت. قال: "أقبل فبايع". فدنوت فبايعته، قلت: علام بايعته يا سلمة؛ قال: على الموت.
وأخرجه مسلم من وجه أخر عن يزيد بن أبي عبيد. وكذا روى البخاري (^٣٦) عن عباد بن تميم: أنهم بايعوه على الموت.
وقال البيهقي (^٣٧): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الفضل بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو عامر العَقَدي عبد الملك بن عمرو، حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن إياس بن سلمة، عن أبيه سلمة بن الأكوع؛ قال: قَدمنا
_________________
(١) - صحيح مسلم في كتاب الإمارة، حديث (١٨٥٦).
(٢) - تقدم تخريجه برقم (٢٢).
(٣) - صحيح البخاري في الجهاد والسير، باب: البيعة في الحرب، حديث (٢٩٦٠).
(٤) - صحيح البخاري في الأحكام، باب: من بايع مرتين، حديث (٧٢٠٨) وأخرجه مسلم في الإمارة، حديث (١٨٦٠) من طريق يزيد بن أبي عبيد به.
(٥) - أخرجه البخاري في المغازي، باب: غزوة الحديبية، حديث (٤١٦٧) من حديث عياد بن تميم، عن ابن زيد به.
(٦) - دلائل النبوة (٤/ ١٣٩، ١٤٠)، وأخرجه مسلم في الجهاد والسير، حديث (١٨٠٧) عن إسحاق بن إبراهيم به. [¬١]- سقط من خ.
[ ١٣ / ٩٧ ]
الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا تُرْويها [¬١]، فقعد رسول الله ﷺ علي جَبَاها -يعني الرّكي- فإما دعا وإما بَصَق [¬٢] فيها، فجاشت فسقينا واستقينا. قال: ثم إن رسول الله ﷺ دعا إلي البيعة في أصل الشجرة، فبايعتُه أول الناس، ثم بايع وبايع، حتى إذا كان في وسط الناس قال [ﷺ: "بايعني يا سلمة". قال: قلت: يا رسول الله، قد بايعتك في أول الناس] [¬٣]. قال: "وأيضًا". قال [¬٤]: ورآني رسول الله، ﷺ، عَزِلًا فأعطاني حجفة -أو دَرَقَة- ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال ﷺ: "ألا تبايع يا سلمة؟ ". قال: قلت: يا رسول الله؛ قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم. قال: "وأيضًا". فبايعته الثالثة، فقال: "يا سلمة؛ أين حَجَفَتك أو دَرَقَتك التي أعطيتك؟ ". قال: قلت: يا رسول الله؛ لقيني عامر عزلًا فأعطيتها أياه، فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: "إنك كالذي قال الأول: اللهم؛ أبغني حبيبًا هو أحب إليّ من نفسي"، قال: ثم إن المشركين من أهل مكة راسلونا في الصلح حتى مشي بعضنا في بعض فاصطلحنا. قال: وكنت خادمًا لطلحة بن عُبَيد الله ﵁ أسقي فرسه وأحُسّهُ [¬٥] وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مُهَاجرًا إلى الله ورسوله. فلما اصطلحنا نحن وأهلُ مكة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فَكَسَحْتُ [¬٦] شوكها [¬٧]، ثم اضطجعت في أصلها في ظلها، فأتاني أربعة من مشركي أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم، وتحولت إلي [¬٨] شجرة أخرى فَعلّقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادي مناد من أسفل الوادي: [يا للمهاجرين] [¬٩]، قُتل ابن زُنَيم. فاخترطت سيفي فشددت علي أولئك الأربعة وهم رقود فأخذت سلاحهم وجعلته ضغثًا في يدي، ثم قلت: والذي كَرّم وجهَ محمد ﷺ لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه. قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلي رسول الله ﷺ. قال: وجاء عمي عامر برجُل من العَبَلات يقال له: "مكرَز [¬١٠] " من المشركين يقوده، حتى وقفنا بهم علي رسول الله ﷺ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله ﷺ وقال: "دعوهم يكن لهم بَدْءُ الفجور وثنَاه". فعفا عنهم رسول الله صلي
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: يرونها. [¬٢]- في ز: بسق. [¬٣]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ. [¬٤]- سقط من ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: وأجنبه. [¬٦]- في ز، خ: فكشحت. [¬٧]- في خ: بشوكها. [¬٨]- سقط من خ. [¬٩]- في خ: "يا آل المهاجرين". [¬١٠]- في ز، خ: مشكور.
[ ١٣ / ٩٨ ]
الله عليه وسلم وأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾ … الآية.
وهكذا رواه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم بن راهوية بسنده نحوه أو قريبًا منه.
وثبت في الصحيحين (^٣٨) من حديث أبي عوانة، عن طارق، عن سعيد بن المسيب؛ قال: كان أبي ممن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة. قال: فانطلقنا من قابل حاجين، فخفي علينا مكانها، فإن كان تَبَيّنتْ [¬١] لكم فأنتم أعلم.
وقال أبو بكر الحميدي (^٣٩): حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزبير، حدثنا جابر؛ قال: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلي البيعة، وجدنا رجلًا منا يقال له: "الجد بن قيس" مختبئًا تحت إبط بعيره [¬٢].
رواه مسلم من حديث ابن جُرَيج، عن ابن الزبير به.
وقال الحميدي أيضًا (^٤٠): حدثنا سفيان، عن عمرو، سمع جابرًا قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة، فقال لنا رسول الله ﷺ: "أنتم خير أهل [¬٣] الأرض اليوم". قال جابر: لو كنت أبصرُ لأريتكم موضع الشجرة. قال سفيان: إنهم اختلفوا في موضعها. أخرجاه من حديث سفيان.
وقال الإِمام أحمد (^٤١): حدثنا يونس، حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله ﷺ، أنه قال: "لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة".
وقال ابن أبي حاتم (^٤٢): حدثنا محمد بن هارون الفلاس المخرمي، حدثنا سَعيدُ [¬٤] بن
_________________
(١) - أخرجه البخاري في المغازي، باب: غزوة الحديبية، حديث (٤١٦٣، ٤١٦٥، ٤١٦٤)، ومسلم في الإمارة، حديث (١٨٥٩)، من طريق طارق بن عبد الرحمن به.
(٢) - مسند الحميدي (١٢٧٧)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإمارة، حديث (١٨٥٦) (٦٩) من طريق ابن جريج عن أبي الزبير به مطولًا بمعناه.
(٣) - مسند الحميدي (١٢٢٥)، وأخرجه البخاري في المغازي، باب: غزوة الحديبية، حديث (٤١٥٤)، ومسلم في الإمارة، حديث (١٨٥٦) (٧١) من طريق سفيان به.
(٤) - المسند (٣/ ٣٥٠)، وفيه قال أحمد: حدثنا حجين، ويونس عن الليث به. وأخرجه أبو داود في السنة، باب: في الخلفاء، حديث (٤٦٥٣) والترمذي في المناقب -باب: في فضل من بايع تحت الشجرة، حديث (٣٨٦٠)، والنسائي في تفسيره (٥٢٨) من طرق عن الليث به.
(٥) - أخرجه الترمذي في المناقب، حديث (٣٨٦٣) من طريق سليمان التيمي عن خداش به نحوه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. [¬١]- في ز: ثبت. [¬٢]- في ز: بعير. [¬٣]- سقط من خ. [¬٤]- في ز، خ: معتمر.
[ ١٣ / ٩٩ ]
عمرو الأشعثي، حدثنا محمد بن ثابت العبدي، عن خداش بن عياش، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "يدخل من بايع تحت الشجرة كلهم الجنة إلا صاحبُ الجمل الأحمر". قال: فانطلقنا نبتدره فإذا رجل قد أضل بعيره، فقلنا: تعال فبايع. فقال: أصيبُ بعيري أحبّ إليّ من أن أبايع.
وقال عبد الله بن أحمد (^٤٣): حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا قُرّة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ أنه قال: "من يصعد الثنية ثَنيَّة المُرَار [¬١] فإنه يُحَطّ عنه ما حُطّ [¬٢] عن بني إسرائيل". فكان أول من صَعد خيل [¬٣] بني [¬٤] الخزرج، ثم تبادر الناس بعد فقال رسول الله ﷺ: "كلكم مغفور له [¬٥] إلا صاحب الجمل الأحمر". فقلنا: تعال يستغفر لك رسول الله. فقال: والله لأن أجد ضالتي أحبّ إليّ من أن يستغفر لي صاحبكم. فإذا هو رجل يَنْشُدُ ضالة. رواه مسلم عن عُبَيد الله به.
وقال ابن جُرَيج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا؛ يقول: أخبرتني أم مبشر، أنها سمعت رسول الله ﷺ؛ يقول عند حفصة: "لا يدخل النار -إن شاء الله- من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد". قالت: بلي يا رسول الله. فانتهرها. فقالت لحفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، فقال النبي ﷺ: "قد قال الله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ". رواه مسلم (^٤٤).
وفيه أيضًا عن قتيبة (^٤٥)، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، أن [عبدًا لحاطب] [¬٦] بن أبي بلتعة جاء يشكو حاطبًا، فقال: يا رسول الله؛ ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ: "كذبت: لا يدخلها؛ فإنه قد شهد بدرًا والحديبية".
_________________
(١) - لم أقف عليه في المسند، والحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث (٢٨٨٠) عن عبيد الله بن معاذ العنبري به.
(٢) - تقدم تخريجه في تفسير سورة مريم الآية (٧١).
(٣) - صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة حديث (٢١٩٥). [¬١]- في ز، خ: الدار. [¬٢]- في ز: يحط. [¬٣]- في خ: جبل. [¬٤]- في ز، خ: من. [¬٥]- سقط من خ. [¬٦]- في ز، خ: عبد حاطب.
[ ١٣ / ١٠٠ ]
ولهذا قال تعالى في الثناء عليهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَي نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَي بِمَا عَاهَدَ عَلَيهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾.
﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَي أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾.
يقول تعالى مخبرًا رسوله [¬١]-صلوات الله وسلامه عليه- بما يعتذر به المخلفون بن الأعراب الذين اختاروا المُقَام في أهليهم وشغلهم، وتركوا المسير مع رسول الله ﷺ فاعتذروا بشغلهم بذلك، وسألوا أن يستغفر لهم الرسول ﷺ، وذلك قول منهم لا على سبيل الاعتقاد، بل على وجه التقية والمصانعة، ولهذا قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ أي: لا يقدر أحد أن يرد ما أراده فيكم -تعالى وتقدس- وهو العليم بسرائركم وضمائركم، وإن صانعتمونا وتابعتمونا؛ ولهذا قال: ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ [¬٢] خَبِيرًا﴾.
ثم قال: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ أي: لم يكن تخلفكم تخلف معذور ولا عاص، بل تخلف نفاق، ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ أي: اعتقدتم أنهم يُقتلون وتُستأصل شأفتهم، وتستباد خَضراؤهم، ولا يرجع منهم مخبر، ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ أي:
_________________
(١) [¬١]- في ز: لرسوله. [¬٢]- في ز: يعملون.
[ ١٣ / ١٠١ ]
هلكى. قاله ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد. وقال قتادة: فاسدين. وقيل: هي بلغة عمَّان.
ثم قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: من لم يخلص العمل في الظاهر والباطن لله فإن الله تعالى سيعذبه في السعير، وإن أظهر للناس ما يعتقدون خلاف ما هو عليه في نفس الأمر.
ثم بين تعالى أنه الحاكم المالك المتصرف في أهل السماوات والأرض: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب، وخضع لديه.
﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَال اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إلا قَلِيلًا (١٥)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن الأعراب الذين تخلفوا عن النبي ﷺ في غزوة الحديبية، إذ ذهب النبي ﷺ وأصحابه إلى خيبر يفتتحونها: إنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم، وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم [¬١] ومصابرتهم، فأمر الله رسوله ﷺ أن لا يأذن لهم في ذلك، معاقبة لهم من جنس ذنبهم، فإن الله تعالى وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم لا يشركهم فيها [¬٢] غيرهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غير ذلك شرعًا وقدرًا؛ ولهذا قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾. قال مجاهد، وقتادة، وجويبر: وهو الوعد الذي وعد به أهل الحديبية. واختاره ابن جرير.
وقال ابن زيد: هو قوله: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾.
وهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظر؛ لأن هذه الآية التي في "براءة" نزلت في غزوة تبوك، وهي متأخرة عن غزوة الحديبية.
وقال ابن جريج: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ يعني: بتثبيطهم [¬٣] المسلمين عن
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: ومجادلتهم. [¬٢]- سقط من خ. [¬٣]- في ز: تثبطهم.
[ ١٣ / ١٠٢ ]
الجهاد.
﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَال اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: وعبد الله أهل الحديبية [قبل سؤالكم] [¬١] الخروج معهم، ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ قال أي: أن نشرككم في المغانم، ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إلا قَلِيلًا﴾ أي: ليس الأمر كما زعموا ولكن لا فهم لهم.
﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾
اختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين يدعون إليهم، الذين هم أولو بأس شديد علي أقوال:
أحدها: أنهم هَوَازن؛ رواه شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير -أو عكرمة، أو جميعًا- ورواه هشيم عن أبي بشر، عنهما. وبه يقول قتادة في رواية عنه.
الثاني: ثقيف. قاله الضحاك:
الثالث: بنو حنيفة، قاله جويبر، ورواه محمد بن إسحاق، عن الزهري، ورُوي مثله عن سعيد وعكرمة.
الرابع: هم أهل فارس. رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه يقول عطاء، ومجاهد، وعكرمة [¬٢]- في إحدي الروايات عنه.
وقال كعب الأحبار: هم الروم. وعن ابن أبي ليلي، وعطاء، والحسن، وقتادة: هم فارس والروم. وعن مجاهد: هم أهل الأوثان. وعنه أيضًا: هم رجال أولو بأس شديد، ولم يعين فرقة. وبه بقول ابن جريج، وهو اختيار ابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج، حدثنا عبد الرحمن بن الحسن القواريري، عن معمر، عن الزهري في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، قال: لم يأت أولئك بعد.
وحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي خالد، عن أبيه، عن
_________________
(١) [¬١]- بياض في ز، خ. [¬٢]- سقط من ز، خ.
[ ١٣ / ١٠٣ ]
أبي هريرة في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال: هم البارزون.
قال (^٤٦): وحدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ؛ قال: "لا قوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا صغار الأعين ذْلْفَ [¬١] الأنف، كأن وجوههم المجان المطرقة". قال سفيان: هم الترك.
قال ابن أبي عمر [¬٢]: وجدت في مكان آخر: ابن أبي خالد عن أبيه قال: نزل علينا أبو هريرة ففسر قول رسول الله ﷺ: "تقاتلون قومًا نعالهم [¬٣] الشعر". قال: هم البارزون؛ يعني: الأكراد.
وقوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾، يعني يشرع لكم جهادهم وقتالهم، فلا يزال ذلك مستمرًّا عليهم، ولكم النصرة عليهم، أو يسلمون فيدخلون في دينكم بلا قتال بل باختيار.
ثم قال: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾ أي: تستجيبوا وتنفروا [¬٤] في الجهاد وتؤدوا الذي عليكم فيه، ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾، يعني زمن الحديبية حيث دعيتم فتخلفتم، ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
ثم ذكر تعالى الأعذار في ترك الجهاد، فمنها لازم كالعمي والعَرَج المستمر، وعارض كالمرض الذي يطرأ أيامًا ثم يزول، فهو في حال مرضه مُلحَقٌ بذوي الأعذار اللازمة حتى يبرأ.
ثم قال تعالى مرغبًا في الجهاد وطاعة الله ورسوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي: ينكلُ [¬٥] عن الجهاد، ويُقبل على المعاش ﴿يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، في الدنيا بالمذلة، وفي الآخرة بالنار.
﴿لَيسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾
_________________
(١) - أخرجه الحميدي (١١٠٠)، وأحمد (٢/ ٢٣٩)، والبخاري في الجهاد والسير، باب: قتال اللذين ينتعلون الشعر، حديث (٢٩٢٩) ومسلم في الفتن وأشراط الساعة، حديث (٢٩١٢)، من طريق سفيان به. [¬١]- في ز: دلف. [¬٢]- في ز: عمرو. [¬٣]- في ز، خ: يقال لهم. [¬٤]- في خ: وتستقروا. [¬٥]- في ز: نكل.
[ ١٣ / ١٠٤ ]
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾
يخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وقد تقدم ذكر عدتهم وأنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، وأن الشجرة كانت سَمُرة بأرض الحديبية.
قال البخاري (^٤٧): حدثنا محمود، حدثنا عبيد [¬١] الله، عن إسرائيل، عن طارق بن [¬٢] عبد الرحمن؛ قال: انطلقت حاجًّا فمررت بقوم يصلون، فقلت [¬٣]: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة، حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان. فأتيتُ سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة. قال: فلما خرجنا من العام المقبل نَسيناها فلم نَقدِر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم، سلموها وعُلّمتموها [¬٤] أنتم، فأنتم أعلم.
وقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: من الصدق والوفاء، والسمع والطاعة، ﴿فأنزل [] [¬٥] السكينة﴾، وهي الطمأنينة، ﴿عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾، وهو ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدئهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾.
قال ابن أبي حاتم (^٤٨): حدثنا [أحمد بن محمد] [¬٦] بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا موسى -يعني إلي عبيدة- حدثني إياس بن سلمة، عن
_________________
(١) - صحيح البخاري في المغازي، باب: غزوة الحديبية، حديث (٤١٦٣) وقد تقدم قريبًا.
(٢) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٦/ ٨٦) عن محمد بن عمارة الأسدي عن عبيد الله بن موسى به وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور (٦/ ٨١) إلي ابن مردويه. [¬١]- في خ: عبد. [¬٢]- في ز، خ: أبي. [¬٣]- في ز: قلت. [¬٤]- في ز: علمتوها. [¬٥]- في ز: الله. [¬٦]- في خ: "محمد بن أحمد".
[ ١٣ / ١٠٥ ]
أبيه؛ قال: بينما نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله ﷺ: [أيها الناس؛ البيعةَ البيعةَ، نزل روح القدس. قال: فَثُرنا إلى رسول الله ﷺ] [¬١] وهو تحت شجرة سَمُرة فبايعناه [¬٢]، فذلك قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، فبايع لعثمان بإحدى [¬٣] يديه على الأخرى، فقال الناس: هنيئًا لابن عفان، يطوف بالبيت ونحن هاهنا. فقال رسول الله ﷺ: "لو مكث كذا كذا سنةً ما طاف حتى أطوف".
﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا (٢١) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾
قال مجاهد في قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾، هي جميع المغانم إلي اليوم، ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾، يعني فتح خيبر.
وروي العوفي، عن ابن عباس: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾، يعنيِ صلح الحديبية.
﴿وَكَفَّ أَيدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ أي: لم ينلكم سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال. وكذلك كف أيدي الناس الذين خلفتموهم وراء أظهركم عن عيالكم وحريمكم، ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: يعتبرون بذلك، فإن الله حافظهم وناصرهم علي سائر الأعداء، مع قلة عددهم، وليعلموا بصنيع الله هذا بهم أنه العليم بعواقب الأمور، وأن الخِيرَة فيما يختاره لعباده المؤمنين وإن كرهوه في الظاهر، كما قال: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾.
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفين سقط من خ. [¬٢]- في ز: فبايعنا. [¬٣]- في ز: إحدى.
[ ١٣ / ١٠٦ ]
﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: بسبب انقيادكم لأمره واتباعكم طاعته، وموافقتكم رسوله.
وقوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا﴾ أي: وغنيمة أخرى وفتحًا آخر معينًا لم تكونوا تقدرون عليها، قد يَسَّرها الله عليكم، وأحاط بها لكم؛ فإنه تعالى يرزق عباده المتقين له من حيث لا يحتسبون.
وقد اختلف المفسرون في هذه الغنيمة، ما المراد بها؟ فقال العوفي، عن ابن عباس: هي خيبر. وهذا على قوله في قوله تعالى: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾: إنها صلح الحديبية. وقاله الضحاك، وابن إسحاق، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال قتادة: هي مكة. واختاره ابن جرير.
وقال ابن أبي ليلي، والحسن البصري: هي فارس والروم.
وقال مجاهد: هي كل فتح وغنيمة إلي يوم القيامة.
وقال أبو داود الطيالسي (^٤٩): حدثنا شعبة، عن سماك الحَنَفي، عن ابن عباس: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾، قال: هذه الفتوح التي [¬١] تفتح إلى اليوم.
وقوله: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ يقول تعالى مبشرًا لعباده المؤمنين بأنه لو ناجزهم المشركون لنصر الله رسوله وعباده المؤمنين عليهم، ولانهزم جيش الكفار [¬٢] فارًّا مدبرًا لا يجدون وليًّا ولا نصيرًا، لأنهم محاربون لله ولرسوله ولحزبه المؤمنين.
ثم قال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [¬٣]﴾ أي: هذه سنة الله وعادته في خلقه، ما تقابل الكفر والإِيمان في موطن فيصل إلا نصر الله الإِيمان على الكفر، فرفع الحق ووضع الباطل، كما فعل تعالى يوم بدر بأوليائه [¬٤] المؤمنين نصرهم علي
_________________
(١) - أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ١٦٣) من طريق يحيى بن أبي زائدة عن شعبة به بلفظ هو ما أصبتم بعده. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٨٣) إلي عبد بن حميد وابن أبي حاتم، وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل باللفظ الذي ذكره المصنف. [¬١]- سقط من ز، خ. [¬٢]- في ز: الكفر. [¬٣]- في ز: تحويلًا. [¬٤]- في ز، خ: بأولئك.
[ ١٣ / ١٠٧ ]
أعدائه من المشركين، مع قلة عدد المسلمين وعُدَدهم، وكثرة المشركين وعُددهم.
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾: هذا امتنان من الله علي عباده المؤمنين حين كف أيدي المشركين عنهم، فلم يصل إليهم منهم سوء، وكفّ أيدي المؤمنين عن [¬١] المشركين فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كلًّا من الفريقين، وأوجد بينهم صلحًا فيه خِيَرَةٌ للمؤمنين، وعاقبة لهم في الدنيا والآخرة. وقد تقدم في حديث سلمة بن الأكوع حين جاءوا بأولئك السبعين الأساري فأوثقوهم بين يدي رسول الله ﷺ فنظر إليهم وقال: "أرسلوهم يكن لهم بدء الفجور وثِنَاه [¬٢] ". قال: وفي ذلك أنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ … الآية.
وقال الإِمام أحمد (^٥٠): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس بن مالك؛ قال: لما [¬٣] كان يوم الحديبية هبط علي رسول الله ﷺ وأصحابه ثمانون رجلًا من أهل مكة في السلاح من قبل جبل التنعيم يريدون غِرّة رسول الله ﷺ فدعا عليهم فأخذوا -قال عفان: فعفا عنهم- ونزلت هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾.
ورواه مسلم وأبو داود في سننه، والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما، من طرق، عن حماد بن سلمة به.
وقال أحمد أيضًا [¬٤] (^٥١): حدثنا زيد [¬٥] بن الحباب، حدثنا الحسين بن واقد، حدثنا ثابت البُناني، عن عبد الله بن [مغفل المزني] [¬٦]، قال: كنا مع رسول الله، ﷺ، في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك
_________________
(١) - المسند (٣/ ١٢٢، ١٢٤)، وأخرجه أيضًا في (٣/ ٢٩٠)، وعبد بن حميد (١٢٠٨) ومسلم في الجهاد والسير، حديث (١٨٠٨) وأبو داود في الجهاد، باب في المن علي الأسير بغير نداء حديث (٢٦٨٨)، والترمذي في تفسير القرآن، باب ومن سورة الفتح حديث (٣٢٦٤) والنسائي في التفسير (٥٣٠) من طرق عن حماد بن سلمة له.
(٢) - المسند (٤/ ٨٦)، وأخرجه النسائي في التفسير (٥٣١) عن محمد بن عقيل عن علي بن الحسين بن واقد عن أبيه به. وأخرجه أيضًا الطبري في تفسيره (٢٦/ ٩٣ - ٩٤)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٦٠ - ٤٦١)، والبيهقي (٦/ ٣١٩) من طريق الحسين بن واقد به. [¬١]- في ت: من. [¬٢]- في ز: وثناؤه. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- سقط من ز، خ. [¬٥]- في خ: يزيد. [¬٦]- في ز، خ: المغفل الذي.
[ ١٣ / ١٠٨ ]
الشجرة علي ظهر رسول الله ﷺ وعليٌّ بن أبي طالب، وسهيلُ بن عمرو بين يديه- فقال رسول الله ﷺ لعليّ: "اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم". فأخذ سهيل بيده وقال: ما نعرف الرحمن الرحيم. اكتب في قضيتنا ما نعرف. [قال: "اكتب باسمك اللهم". وكتب: "هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة". فأمسك سهيل بن عمرو بيده وقال: لقد ظلمناك إن كنت رسوله، اكتب في قضيتنا ما نعرف] [¬١]. فقال: "اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله". فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابًّا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله ﷺ، فأخذ الله بأسماعهم، فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال رسول الله ﷺ: "هل جئتم في عهد أحد؟ " أو: "هل جعل لكم أحد أمانا؟ ". فقالوا: لا. فخلي سبيلهم، فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾. رواه النسائي من حديث حسين بن واقد به.
وقال ابن جرير (^٥٢): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القُمّي، حدثنا [¬٢] جعفر، عن ابن أبزي؛ قال: لما خرج النبي ﷺ بالهدي وانتهي إلي ذي الحليفة قال له عمر: يا نبي الله؛ تدخل [¬٣] على قوم لك حَرْب بغير سلاح ولا كُراع؟ قال: فبعث إلي المدينة، فلم يدع فيها كُراعًا ولا سلاحًا إلا حمله، فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل، فسار حتى أتي مني، فنزل بمنى [فأتاه عينه] [¬٤] أن عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمائة، فقال لخالد بن الوليد: "يا خالد؛ هذا [] [¬٥] ابن عمك أتاك في الخيل". فقال خالد: أنا سيف الله، وسيف رسوله -فيومئذ سُمي سيف الله- يا رسول الله؛ ارم بي أين شئت. فبعثه على خيل، فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثانية فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ إلى ﴿عذابًا أليمًا﴾. قال: فكف الله النبي عنهم من بعد أن أظفره عليهم لبقايا [¬٦] من المسلمين كانوا بقوا [¬٧] فيها كراهية أن تطأهم الخيل.
_________________
(١) - تفسير الطبري (٢٦، ٩٥)، وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور (٦/ ٨٧) إلي ابن أبي حاتم وابن المنذر. [¬١]- ما بين المعكوفين سقط من خ. [¬٢]- في ز، خ: عن. [¬٣]-في ز: ندخل. [¬٤]- بياض في ز، خ. [¬٥]- في ت: ابن. [¬٦]- بياض في ز، خ. [¬٧]- بياض في ز، خ.
[ ١٣ / ١٠٩ ]
ورواه ابن أبي حاتم (^٥٣) عن ابن أبزي [¬١] بنحوه. وهذا السياق فيه نظر، فإنه لا يجوز أن يكون عام الحديبية، لأن خالدًا لم يكن أسلم، بل قد كان طليعة المشركين يومئذ، كما ثبت في الصحيح. ولا يجوز أن يكون [في عمرة القضاء] [¬٢]؛ لأنهم قاضوه علي أن يأتي من العام المقبل [¬٣] فيعتمر ويقيم بمكة ثلاثة أيام، فلما قدم لم يمانعوه [¬٤] ولا حاربوه ولا قاتلوه. فإن قيل: فيكون يوم الفتح؟ فالجواب: ولا يجوز أن يكون يوم الفتح؛ لأنه لم يسق عام الفتح هَديًا [¬٥] وإنما جاء محاربًا مقلاتلًا في جيش عَرَمْرَم، فهذا السياق فيه خلل، وقد وقع فيه شيء فليتأمل، والله أعلم.
وقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم، عن عكرمة مولى ابن عباس؛ أن قريشًا بعثوا أربعين رجلًا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يُطفيُوا بعسكر رسول الله ﷺ ليصبيوا من أصحابه أحدًا، فأخِذُوا أخذًا، فَأتي بهم رسولَ الله ﷺ فعفا عنهم وخلَّى سبيلهم، وقد كانوا رَموا إلى عسكر رسول الله ﷺ بالحجارة والنبل. قال ابن إسحاق: وفي ذلك أنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ … الآية.
وقال قتادة (^٥٤): ذُكر لنا أن رجلًا يقال له: "ابن زُنيم" اطلع علي الثنية من الحديبية، فرماه المشركون بسهم فقتلوه، فبعث رسول الله ﷺ خيلًا فأتوه باثني عشر فارسًا من الكفار، فقال لهم: "هل لكم علي عهد؟ هل لكم علي ذمة؟ ". قالوا: لا. فأرسلهم، وأنزل الله في ذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ … الآية.
﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ
_________________
(١) - سيرة ابن هشام (٣/ ٢٧١)، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الطبري في تفسيره (٢٦/ ٩٤).
(٢) - أخرجه الطبري في تفسيره (٢٦/ ٨٣)، وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور (٦/ ٨٣). [¬١]- في ز: بزي. وفي خ: ندي. [¬٢]- بياض في ز، خ. وقبله: ابن. [¬٣]- في ز: القابل. [¬٤]- في ز، خ: يتابعوه. [¬٥]- في ز، خ: هذا.
[ ١٣ / ١١٠ ]
حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن الكفار من مشركي العرب من قريش ومَن مالأهم علي نصرتهم علي رسول الله ﷺ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: هم الكفار دون غيرهم، ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: وأنتم أحق به، وأنتم أهله في نفس الأمر، ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أي: وصدوا الهدي أن يصل إلي محله، وهذا [من بغيهم] [¬١] وعنادهم، وكان الهديُ سبعين بدنة كما سيأتي بيانه.
وقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ أي: بين أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم خيفة علي أنفسهم من قومهم، لكنا سَلَّطناكم عليهم فقتلتموهم وأبدتم خَضْراءهم، ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة القتل، ولهذا قال: ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ﴾ أي: إثم وغرامة ﴿بِغَيرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يؤخر عقوبتهم ليخلّص من بن أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلي الإِسلام.
ثم قال: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي: لو تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: لسلطناكم عليهم فلقتلتموهم قتلًا ذريعًا.
قال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٥٥): حدثنا أبو الزنباع [¬٢] روح بن الفرج، حدثنا عبد الرحمن بن أبي عباد المكي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله أبو [¬٣] سعيد - مولى بني هاشم - حدثنا حجر بن خلف: سمعت عبد الله بن عوف [¬٤]؛ يقول [¬٥]: سمعت جُنَيدَ بن سَبُع؛ قول: قاتلت رسول الله ﷺ أول النهار كافرًا وقاتلت معه آخر النهار مسلمًا، وفينا نزلت: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾. قال: كنا تسعة نفر: سبعة رجال وامرأتين.
_________________
(١) - ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١٠) وقال: (رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات). والحديث أخرجه أوبو يعلى في مسنده (١٥٦٠) من طريق أبي سعيد مولى بني هاشم به. [¬١]- بياض في خ. [¬٢]- في خ: الدباع. [¬٣]- في ز، خ: ابن. [¬٤]- في ز، خ: عمر. [¬٥]- سقط من ز، خ.
[ ١٣ / ١١١ ]
ثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن عباد المكي به، وقال فيه: عن أبي [¬١] جمعة جُنيد بن سبع … فذكره، والصواب أبو جعفر: حبيب بن سباع. ورواه ابن أبي حاتم من حديث حجر ابن خلف به. وقال: كنا ثلاثة رجال وتسع نسوة، وفينا نزلت: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (^٥٦): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا عبد الله بن عثمان [¬٢] بن جَبَلَة، عن أبي حمزة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، يقول: لو تزيل الكفار من المؤمنين، لعذبهم الله عذابًا أليما بقتلهم إياهم.
وقوله: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، وذلك حين أبوا أن يكتبوا "بسم الله الرحمن الرحيم"، وأبوا أن يكتبوا: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله"، ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، وهي قول "لا إله إلا الله"، كما قال ابن جرير، وعبد الله بن الإمام أحمد (^٥٧): حدثنا الحسن بن قَزَعة أبو علي البصري، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا شعبة، عن ثُوَير، عن أبيه، عن الطفيل [¬٣]-يعني إلي أبيّ بن كعب- عن أبيه: سمع رسول الله ﷺ يقول: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: "لا إله إلا الله".
وكذا رواه الترمذي عن الحسن بن قزعة، وقال: "غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وسألت أبا زرعة عنه فلم يعرفه إلا من هذا الوجه".
وقال ابن أبي حاتم (^٥٨): حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب؛ أن أبا هريرة أخبره؛ أن رسول الله ﷺ، قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه علي الله". وأنزل الله في كتابه، وذكر قومًا فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ
_________________
(١) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٨٧) وعزاه إلي إلي أبي حاتم، وابن المنذر.
(٢) - أخرجه الطبري في تفسيره (٢٦/ ١٠٤)، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٥/ ١٣٨)، والترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة الفتح حديث (٣٢٦٥) عن الحسن بن قزعة به.
(٣) - تقدم تخريجه، وانظر تفسير سورة الصافات الآية (٣٥). [¬١]- في ز، خ: ابن. [¬٢]- في ز: عيار. كذا بلا نقط. وفي خ: عباد. [¬٣]- في ز: الطفيلي.
[ ١٣ / ١١٢ ]
لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾. وقال الله جل ثناؤه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾، وهي: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، فاستكبروا عنها واستكبر عنها المشركون يوم الحديبية، وكاتبهم رسول الله ﷺ علي قضية المدة.
وكذا رواه بهذه الزيادات ابن جرير من حديث الزهري. والظاهر أنها مُدرجة [¬١] من كلام الزهري، والله أعلم.
وقال مجاهد: ﴿كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾: الإِخلاص. وقال عطاء بن أبي رباح: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو علي كل شيء قدير.
وقال يونس بن بكير (^٥٩)، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن المسور: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له.
وقال الثوري (^٦٠)، عن سلمة بن كهيل، عن عَبَاية بن ربعي، عن عليٍّ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: لا إله إلا الله، والله أكبر. وكذا [قال ابن عمر ﵄] [¬٢] وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: يقول: شهادة أن لا إله إلا الله، وهي رأس كل تقوى.
وقال سعيد بن جبير: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: لا إله إلا الله، والجهاد في سبيله.
وقال عطاء الخراساني: هي لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
وقال عبد الله بن المبارك (^٦١)، عن معمر، عن الزهري: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾،
قال: بسم الله الرحمن الرحيم.
وقال قتادة: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: لا إله إلا الله.
[﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾،] [¬٣] كان المسلمون أحق بها وكانوا [¬٤] أهلها.
_________________
(١) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٨٨) عن السور، ومروان وعزاه إلي ابن أبي حاتم والدارقطني في الأفراد.
(٢) - تفسير الطبري (٢٦/ ١٠٤) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٨٨) إلي ابن أبي الحسن بن مروان في فوائده.
(٣) - أخرجه الطبري في تفسيره (٢٦/ ١٠٦) عن محمد بن عيسى عن ابن المبارك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٨٩) إلي عبد الرزاق، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. [¬١]- في ز: مندرجة. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- سقط من خ. [¬٤]- سقط من ز، خ.
[ ١٣ / ١١٣ ]
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الخير ممن يستحق الشر.
وقد قال النسائي (^٦٢): حدثنا إبراهيم بن سعيد [¬١]، حدثنا شبابة بن سوار، عن أبي رزين، عن [¬٢] عبد الله بن العلاء بن زَبْر، عن [بُسْر بن عُبيد الله] [¬٣]، عن أبي إدريس، عن أبيّ بن كعب؛ أنه كان يقرأ: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام. فبلغ ذلك عمر فأغلظ له، فقال: إنك لتعلم أني كنت أدخل على رسول الله ﷺ فيعلمني مما علمه الله. فقال عمر: بل أنت رجل عندك [¬٤] علم وقرآن، فاقرأ وعلم مما علمك الله ورسوله.