قال الإمام أحمد (^٦٣): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق بن يسار، عن الزهري، عي عروة بن الزبير، عن المسور بن مَخْرَمة ومَروان بن الحكم؛ قالا: خرج رسول الله ﷺ [عام الحديبية] [¬٥] يريد زيارة البيت لا يريد قتالًا، وساق معه الهَدي سبعين بَدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بَدنة عن عشرة، وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعُسْفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله؛ هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل، قد لبست جلود النمور، يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عَنوة أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قَدّموه إلي كُرَاع الغميم، فقال رسول الله ﷺ: "يا ويح قريش! قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خَلَّوا بيني وبين سائر الناس؟ فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله دخلوا في الإِسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهدهم علي الذي بعثني الله به [¬٦] حتى يظهرني الله أو تنفرد هذه السالفة".
ثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين [¬٧] ظهري الحمض علي طريق تخرجه علي ثنية المرار [¬٨] والحديبية من أسفل مكة. قال: فسلك بالجيش تلك الطريق، فلما رأت خيل
_________________
(١) - أخرجه النسائي في تفسيره (٥٢٥)، وأخرجه الحاكم في مستدركه (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦) من طريق أبي زيد به، وصححه علي شرط الشيخين.
(٢) - المسند (٤/ ٣٢٣)، والحديث رواه الشيخان من غير طريق ابن إسحاق، وقد تقدم تخريجه. [¬١]- في ز، خ: شهيد. [¬٢]- سقط من خ. [¬٣]- في ز: "بشر بن عبد الله". [¬٤]- في ز، خ: عندي. [¬٥]- سقط من ز، خ. [¬٦]- في ز: له. [¬٧]- في ز، خ: من. [¬٨]- في ز: المدار.
[ ١٣ / ١١٤ ]
قريش قُتْرَة الجيش قد خالفوا عن طريقهم، ركضوا راجعين الي قريش، فخرج رسول ﷺ حتى إذا سلك ثنية المرار [¬١]، بركت نافته، فقال الناس: خلأت. فقال رسول الله ﷺ: "ما خلأت، وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، والله لا تدعوني [¬٢] قريش اليوم إلي خطة يسألوني [¬٣] فيها صلة الرحم، إلا أعطيتهم إياها".
ثم [¬٤] قال للناس: "انزلوا". قالوا: يا رسول الله؛ ما بالوادي من ماء ينزل عليه الناس. فأخرج رسول الله ﷺ سهمًا من كنانته، فأعطاه رجلًا من أصحابه، فنزل في قَليب من تلك القُلُب، فغرزه [¬٥] فيه فجاش بالماء حتى ضرب الناس عنه بعَطَن. فلما اطمأن رسول الله ﷺ إذا بُديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، فقال لهم كقوله لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش؛ إنكم تَعجَلون على محمد، وإن [¬٦] محمدًا لم يأت لقتال، إنما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحقه، فاتهموهم.
قال محمد بن إسحاق: قال الزهري: كانت [¬٧] خزاعة في عَيبة [¬٨] [] [¬٩] رسول الله ﷺ مشركها ومسلمها، لا يخفون على رسول الله ﷺ شيئًا كان [¬١٠] بمكة، فقالوا: وإن كان إنما جاء لذلك فوالله لا يدخلها أبدًا علينا عَنوة، ولا يتحدث بذلك العرب. ثم بعثوا إليه مكْرز بن حفص أحد بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "هذا رجل غادر". فلما انتهي إلي رسول الله ﷺ كلّمه رسول الله ﷺ بنحو مما كَلَّم به أصحابه، ثم رجع إلي قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله، فبعثوا إليه الحليس [¬١١]- بن علقمة الكناني، وهو يومئذ سيد الأحابيش، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "هذا من قوم تألهون [¬١٢]، فابعثوا الهَدْي [في وجهه"] [¬١٣]، فبعثوا الهدي] [¬١٤]، فلما رأي الهدي يسيل عليه من عُرْض الوادي في قلائده قد أكل أوتاره [¬١٥] من طول الحبس عن
_________________
(١) [¬١]- في ز: المدار. [¬٢]- في ز، خ: تعصوني. كذا. [¬٣]- في ز: فسألوني. [¬٤]- سقط من ت. [¬٥]- في ز: فغرسه. [¬٦]- في. ز: إن. [¬٧]- في ز: وكانت. [¬٨]- في ز، خ: غيبة. [¬٩]- في ت: في. [¬١٠]- سقط من خ. [¬١١]- في ز: الجليس. [¬١٢]- في ز، خ: يباهلون. [¬١٣]- سقط من ز. [¬١٤]- سقط من ز، خ. [¬١٥]- في ز، خ: أوباره.
[ ١٣ / ١١٥ ]
محله، رجع ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظامًا لما رأي، فقال: يا معشر قريش، قد رأيت ما لا يحل صَده، الهدي في قلائده قد أكل أوتاره [¬١] من طول الحبس عن محله. قالوا: اجلس، إنما أنت أعرابي لا علم لك. فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي، فقال: يا معشر قريش، إني قد رأيت ما يلقي منكم من تبعثون إلي محمد إذا جاءكم، من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد، وقد سمعت بالذي نابكم، فجمعت من أطاعني [¬٢] من قومي، [ثم جئت] [¬٣] حتى آسيتكم [¬٤] بنفسي. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم. فخرج حتى أتي رسول الله ﷺ فجلس بين يديه، فقال: يا محمد، جمعت أوباش الناس، ثم جئت بهم لبيضتك لتفضّها، إنها قريش قد خرجت معها العُود المطافيل، قد لبسوا جلُود النمور، يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدًا. وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدًا. قال: وأبو بكر قاعد خلف رسول الله ﷺ، فقال: امصص بَظر اللات! أنحن ننكشف عنه؟! قال: من هذا يا محمد؟ قال: "هذا ابن أبي قُحافة". قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بها. ثم تناول لحية رسول الله ﷺ والمغيرة بن شعبة واقف علي رأس رسول الله ﷺ [في الحديد] [¬٥]، قال: فقَرع يده. ثم قال: أمسك يدك عن لحية رسول الله ﷺ [قبل -والله- لا تصل إليك [¬٦]. قال: ويحك! ما أفظك [¬٧] وأغلظك! فتبسم رسول الله، ﷺ،] [¬٨] قال: من هذا يا محمد؟ قال ﷺ: "هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة" قال: أغُدَرُ، وهل غسلت [¬٩] سوأتك إلا بالأمس؟! قال: فكلمه رسول الله ﷺ بمثل ما كلم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حربًا. قال [¬١٠]: فقام من عند رسول الله وقد رأي ما يصنع به أصحابه، لا يتوضأ وضوءًا إلا ابتدروه، ولا يبصق بصاقًا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه. فرجع إلي قريش فقال: يا معشر قريش، إني جئتُ كسري في ملكه، وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما، والله ما رأيت مَلكًا قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدًا، فَرَوا رأيكم. قال: وقد كان رسول الله ﷺ قبل ذلك قد بعث خراش بن أمية الخزاعي إلي مكة، وحمله علي جمل له يقال له:
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: أوباره. [¬٢]- في ز: طاعني. [¬٣]- في ز: فجئت. [¬٤]- في ز: آسيكم. [¬٥]- في ز: بالحديد. [¬٦]- في ز: إليه. [¬٧]- في ت: أفظعك. [¬٨]- ما بين المعكوفين سقط من خ. [¬٩]- في خ: علمت. [¬١٠]- في ز: فقال:
[ ١٣ / ١١٦ ]
"الثعلب"، فلما دخل مكة عقرت به قريش، وأرادوا قتل خراش، فمنعتهم الأحابيش حتى أتى رسول الله ﷺ فدعا عمر ليبعثه، إلي مكة، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بها من بني عَدي أحد يمنعني. وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلطتي [¬١] عليها، ولكن أدلّك على رجل هو أعز مني: عثمان بن عفان. قال: فدعاه رسول الله ﷺ [فبعثه إلى قريش] [¬٢] يخبرهم أنه لم يأت لحرب أحد، وإنما [¬٣] جاء زائرًا لهذا البيت، معظمًا لحرمته. فخرج عثمان حتى أتي مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنزل عن دابته وحمله [¬٤] بين يديه ورَدِف خلفه، وأجاره حتى بَلّغَ رسالة رسول الله ﷺ فانطلق عثمان حتى أتي أبا سفيان وعظماء قريش، فبلّغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطُفْ به. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به [¬٥] رسول الله قال: واحتبسته قريش عندها، قال: وبلغ رسول الله أن عثمان قد قُتل.
قال محمد: فحدثني الزهري: أن قريشًا بعثوا سهيل بن عمرو وقالوا: ائت محمدًا فصالحه ولا تكن [¬٦] في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تَحدّثُ العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدًا. فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله ﷺ؛ قال: "قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل". فلما انتهي إلي رسول الله ﷺ تكلما وأطالا الكلام، وتراجعا حتى جري بينهما الصلح، فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب فأتي أبا بكر فقال: يا أَبا بكر؛ أو ليس برسول الله؟ أوَ لسنا بالمسلمين؟ أوَ ليسوا بالمشركين؟ قال: بلي. قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال أبو بكر: [يا عمر] [¬٧]، الزم غَرْزَه حيث كان فإني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد. ثم أتي رسول الله فقال: يا رسول الله، أوَ لسنا بالمسلمين؟ أوَ ليسوا بالمشركين؟ قال: "بلى". قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال: "أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني". ثم قال عمر: ما زلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتى رجوت أن يكون خيرًا. قال: ثم دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فقال: "اكتب بسم الله الرحمن الرحيم". [فقال سهيل بن عمرو] [¬٨]: ولا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللَّهم. فقال رسول الله: "اكتب باسمك اللَّهم. هذا ما صالح [¬٩] عليه محمد
_________________
(١) [¬١]- في ز: غلظي. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- في ز: وإنه. [¬٤]- في ز: وحمل. [¬٥]- سقط من خ. [¬٦]- في ت: يكون. [¬٧]- سقط من خ. [¬٨]- سقط من ز، خ. [¬٩]- في ت: صلح.
[ ١٣ / ١١٧ ]
رسول الله [سهيل بن عمرو"،] [¬١] فقال سهيل بن عمرو: ولو [¬٢] شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب هذا ما صالح [¬٣] عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، على وضع الحرب عشر سنين، يأمن من فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول الله من أصحابه بغير إذن وليه، رده عليهم، ومن أتى قريشًا ممن مع رسول الله لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة [¬٤]، وأنه لا أسلال ولا أغلال، وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب: أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد رسول الله وعهده. وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم. وأنك ترجع عنا عامنا هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها لأصحابك، وأقمت بها ثلاثًا معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير [¬٥] السيوف في القرب، فبينا رسول الله ﷺ يكتب الكتاب إذ جاءه أبو جندل بل سهيل بن عمرو في الحديد قد انفلت إلى رسول الله، قال: وقد كان أصحاب رسول الله خرجوا وهم لا يشكون في الفتح، لرؤيا رآها رسول الله ﷺ فلما رأورا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل رسول الله على نفسه، دخل الناس من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا أن يهلكوا. فلما رأي سهيل أبا جندل قام إليه [فضرب وجهه] [¬٦] وقال: يا محمد، قد لجّت [¬٧] القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: "صدقت". فقام إليه فأخذ بتلابيبه [¬٨]. قال: وصرخ أبو جندل بأعلى صوته: يا معاشر المسلمين، أتردونني إلي أهل الشرك فيفتنوني في ديني؟ قال: فزاد الناس شرًّا إلي ما بهم، فقال رسول الله ﷺ: "يا أبا جندل [اصبر و] [¬٩] احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا فأعطيناهم [علي ذلك وأعطونا عليه] [¬١٠] عهدًا، وإنا لن نغدر بهم". قال: فوثب إليه عمر بن الخطاب فجعل يمشي مع أبي جندل إلي جنبه وهو [¬١١] يقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب. قال: ويدني [¬١٢] قائم السيف منه، قال: يقول: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه.
_________________
(١) [¬١]- سقط من ز، خ. [¬٢]- في ز: إن. [¬٣]- في ت: اصطلح. [¬٤]- في ز، خ: مكتوبة. [¬٥]- في. ز، خ: معي. [¬٦]- في خ: "فضربه". [¬٧]- في ز: تمت. [¬٨]- في ز: بتلبيبه. [¬٩]- سقط من ز، خ. [¬١٠]- ما بين المعكوفين في ز: "وأعطونا علي ذلك". [¬١١]- سقط من ز. [¬١٢]- في ز، خ: وبدا.
[ ١٣ / ١١٨ ]
قال: فضنّ الرجل بأبيه. قال [¬١]: ونفذت القضية، فلما فرغا من الكتاب، وكان رسول الله ﷺ يصلي في الحرم، وهو مضطرب في الحل، قال: فقام رسول الله ﷺ فقال: "يا أيا الناس، انحروا واحلقوا". قال: فما قام أحد. قال: ثم عاد بمثلها، فما قام رجل [حتى عاد ﷺ بمثلها، فما قام رجل] [¬٢].
فرجع رسول الله، ﷺ، فدخل علي أم سلمة فقال: "يا أم سلمة، ما شأن الناس؟ ". قالت: يا رسول الله قد دخلهم ما رأيت، فلا تُكلِّمنَّ منهم إنسانًا، واعمد إلي هديك حيث كان فانحره واحلق، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك، فخرج رسول الله ﷺ لا يكلم أحدًا حتى أتى هديه فنحره، ثم جلس فحلق، قال: فقام الناس ينحرون ويحلقون. قال: حتى إذا كان بين مكة والمدينة في وسط الطريق نزلت سورة الفتح.
هكذا ساقه أحمد من هذا الوجه، وهكذا رواه يونس بن بكير وزياد البكائي عن ابن إسحاق بنحوه وفيه إغراب. وقد رواه أيضًا عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، به نحوه، وخالفه في أشياء. وقد رواه البخاري ﵀ في صحيحه، فساقه سياقة حسنة مطولة بزيادات جيده، فقال في كتاب الشروط من صحيحه (^٦٤):
حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، عن المشور بن مخرمة ومَروان بن الحكم، يصدّق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله ﷺ زَمَن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما أتي ذا الحليفة قَلَّدَ الهدي وأشعره، وأحرم منها بعُمرة وبعث عينًا له من خزاعة [¬٣]، وسار حتى إذا كان بغدير الأشطاط [¬٤] أتاه عينه فقال: إن قريشًا قد جَمَعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك ومانعوك. فقال: "أشيروا -أيا الناس- عليّ، أترون أن نميل على عيالهم. وذراريّ هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت؟ " - وفي لفظ: "أترون أن نميل على ذراري هؤلاء الذين أعانوهم. [فإن يأتونا كان الله قد قطع عُنقًا من المشركين وإلا تركناهم محزونين". وفي
_________________
(١) - صحيح البخاري في الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكناية الشروط، حديث (٢٧٣١، ٢٧٣٢) وانظر التخريج السابق. [¬١]- سقط من خ. [¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ. [¬٣]- في خ: جماعة. [¬٤]- في ز: الأشظاظ.
[ ١٣ / ١١٩ ]
لفظ] [¬١]: "فإن قعدوا قعدوا موتورين مجهودين [¬٢] محرُوبين [¬٣] وإن نجوا [¬٤] يكن عُنقًا قطعها الله، أم تَرَون أن نَؤُمّ البيت فمن صَدّنا عنة قاتلناه [¬٥]؟ ". فقال أبو بكر: يا رسول الله؛ خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حربًا. فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه- وفي لفظ: فقال أبو بكر ﵁: الله ورسوله أعلم [¬٦] إنما جئتنا معتمرين، ولم نجئ لقتال أحد، ولكن مَن حال بيننا وبين البيت قاتلناه. فقال النبي ﷺ: "فروحوا إذن". وفي لفظ: "فامضوا على اسم الله".
حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ: "إن [¬٧] خالد بن الوليد في خيل لقريش طليعة، فخدوا ذات اليمين". فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقَتَرة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يُهبَطُ عليهم منها، بَرَكت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فَألحت، فقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء، فقال النبي ﷺ: "ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل". ثم قال: "والذي نفسي بيده، لا يسألوني خُطَّة يعظمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها". ثم زجرها فوثبت، فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحُديبية على ثَمَدٍ قليل الماء يتبرّضه الناس تَبَرّضًا، فلم يلبث [¬٨] الناس حتى نزحوه، وشُكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع من كنانته سهمًا ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالرّي حتى صدروا عنه. فبينما هم كذلك إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عَيْبَة [¬٩] نصح رسول الله من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي، نزلوا أعدادًا [¬١٠] مياه الحديبية معهم العُوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي ﷺ: "إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نَهَكَتْهُم الحرب فأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم [¬١١] مُدة ويخَلّوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن فاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمّوا [¬١٢]، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، و[¬١٣] لينفذن الله أمره". قال بُديل: سأبلغهم [¬١٤] ما تقول. فانطلق حتى أتى
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفين بياض في ز. وسقط من خ. [¬٢]- في ز: مجهورين. [¬٣]- سقط من خ. [¬٤]- في ز: بياض. وسقط من خ. [¬٥] في ز: قاتلنا. [¬٦]- في ت، خ: علم. [¬٧] في خ: أتى. [¬٨]- في ز: يلبثه. [¬٩]- في ز، خ: عبيد. [¬١٠]- في ت: أعداد. [¬١١]- في ز: مادوتهم. [¬١٢]- في ز: حموا. [¬١٣] في خ: أو. [¬١٤]- في ز: سأسمعهم.
[ ١٣ / ١٢٠ ]
قريشًا فقال: إنا قد جئنا من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول. قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال رسول الله ﷺ، فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أو لست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استَنْفَرْتُ أهل عكاظ، فلما بَلَّحوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عَرض عليكم خُطة رُشد فاقبلوها ودعوني آته. قالوا: ائته. فأتاه فجعل يكلم رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ له نحوًا من قوله لبُديل بن ورقاء. فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تك الأخري فإني والله لأري وجوهًا، وإني لأري أشوابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويَدَعوك. فقال له أبو بكر ﵁: امصص بَظْر اللات أنحن نفرّ وندعه؟! قال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لولا يَد كانت [¬١] لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي، ﷺ، فكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة ﵁ قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغْفَر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف، وقال له [¬٢]: أخِّرْ يدك عن لحية النبي ﷺ. فرفع عروة رأسه وقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غُدر، ألست أسعى في غَدْرتك؟! وكان المغيرة بن شعبة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم. فقال: النبي ﷺ: "أما الإِسلام فَأقبلُ، وأما المالُ فلست منه في شيء". ثم إن عروة جعل يَرمُق أصحاب [¬٣] النبي ﷺ بعينيه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله نُخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فَدلَك بها وجهه وجلْده، وإذا أمَرَهم ابتدَرُوا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضُوئه، وإذا تكلم خَفَّضوا أصواتهم عنده، وما يُحدون النظر إليه، تعظيمًا له ﷺ. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أيْ قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت [¬٤] على كسرى وقيصر والنجاشي، والله إنْ رأيت مَلِكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضُوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدون النظر إليه تعظيمًا له. وإنه قد عَرَض عليكم خُطة
_________________
(١) [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- سقط من خ. [¬٤]- في ز: وفدت.
[ ١٣ / ١٢١ ]
رشْد فاقبلوها. فقال رجل منهم من بني كنانة: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال النبي ﷺ: "هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البُدْن، فابعثوها له"، فبُعثَتْ له، واستقبله الناس يُلَبّون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البُدْن قد قُلَّدت وأشْعرَت، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت. فقام [¬١] رجل منهم يقال له: "مكْرَز بن حفص"، فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ: "هذا مكرز، وهو رجل فاجر [¬٢] ". فجعل يكلم النبي ﷺ فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو.
وقال معمر: أخبرني أيوب، عن عكرمة أنه قال: لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي ﷺ: "قد سَهُل لكم من أمركم".
قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابًا. فدعا النبي ﷺ الكاتب فقال النبي ﷺ: "اكتب [¬٣] بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل: أما "الرحمن" فوالله ما أدري ما هو؟، ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا [¬٤] نكتبها إلا: "بسم الله الرحمن الرحيم". فقال النبي ﷺ: "اكتب: باسمك اللَّهم". ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله". فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله". فقال النبي ﷺ: "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني. اكتب محمد بن عبد الله". قال الزهري: وذلك لقوله: "والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها". فقال له النبي ﷺ: "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به". فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذْنَا ضُغْطَة، ولكن ذلك من العام المقبل. فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددتَه إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله! كيف يُرَد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟! فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسُفُ في قيوده، قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر [¬٥] المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن تَرُدّه إليّ. فقال النبي ﷺ "إنا لم نقْضِ الكتاب بعد". قال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدًا. فقال النبي ﷺ:
_________________
(١) [¬١]- في ت: فقال: [¬٢]- في خ: تاجر. [¬٣]- سقط من ت. [¬٤]- في ز: ما. [¬٥]- سقط من خ.
[ ١٣ / ١٢٢ ]
"فَأجزْه لي". فقال: ما أنا بمجيز ذلك لك. مَال: "بل [¬١] فافعل". قال: ما أنا بفاعل. قال مكْرَز: بلى قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أُرَدّ إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقيت؟! وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في الله ﷿. قال عمر ﵁: فأتيت نبي الله ﷺ فقلتُ: ألستَ نبي الله حقًّا؟ قال ﷺ: "بلى". قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: "بلى". قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: إني رسول الله؛ ولستُ أعصيه، وهو ناصري. قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: "بلى، أفأخبرتك [¬٢] أنا نأتيه العام؟ ". قلت: لا. قال: "فإِنك آتيه ومُطَّوِّف به". قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر؛ أليس هذا نبي الله حقًّا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت.: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل؛ إنه رسول الله، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغَرْزه، فوالله إنه على الحق. قلت: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى. قال: [أفأَخبرك أنك تأتيه] [¬٣] العام؟ قلت: لا. قال: فإنك تأتيه وتطوف به.
قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا. قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "قواموا فانحروا ثم احلقوا". قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات!! فلما لم يقم منهم أحد دخل علي أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، قالت له أم سلمة: يا نبي الله؛ أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر كدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غمًّا، ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. فطلّق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخري صفوان بن أمية. ثم رجع النبي ﷺ إلي المدينة فجاءه أبو بصير -رجل من قريش- وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهدَ الذي جعلت لنا؟. فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأري سيفك هذا يا فلان جيدًا. فاستلَّه الآخر. فقال: أجَل والله إنه لجيد، لقد جَرّبت منه ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر
_________________
(١) [¬١]- في ز: بلى. [¬٢]- في ز: فأخبرتك. [¬٣]- في ز: فأخبرك أنه يأتيه".
[ ١٣ / ١٢٣ ]
إليه. فأمكنه منه فضربه حتى بَرَد، وفرّ الآخر حتى أتي المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: "لقد رأي هذا ذُعْرًا". فلما انتهي إلي النبي ﷺ قال: قُتل والله صاحبي، وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا رسول الله؛ قد -والله -أو في الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم نجاني الله منهم. فقال النبي ﷺ: "ويل أمّه مِسْعَرُ حرب! لو كان له أحد". فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتي سيفَ البحر: قال: وتفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعِيرٍ خرجت لقريش إلي الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم، وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلي النبي ﷺ تناشده الله والرحم لمَّا أرسل إليهم: "فمن أتاه منهم فهو آمن". فأرسل النبي ﷺ إليهم وأنزل الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ حتى بلغ: ﴿حمية الجاهلية﴾، وكانت حميتهم أنهم لم يُقروا أنه رسول الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت.
هكذا ساقه البخاري هاهنا. وقد أخرجه في التفسير. وفي عُمرة الحديبية، وفي الحج، وغير ذلك من حديث معمر وسفيان بن عيينة، كليهما [¬١] عن الزهري به. ووقع في بعض الأماكن عن الزهري، عن عروة، عن [¬٢] مروان والمسور، عن رجال من أصحاب النبي ﷺ بذلك. وهذا أشبه والله أعلم. ولم يسقه أبسط من هاهنا، وبينه وبين سياق ابن إسحاق تباين في مواضع، وهناك فوائد ينبغي إضافتها إلي ما هاهنا، ولذلك سقنا تلك الرواية وهذه، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.
وقال البخاري في التفسير (^٦٥): حدثنا أحمد بن إسحاق السّلَمي، حدثنا يعلى، حدثنا عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت؛ قال: أتيت أبا وائل أسأله فقال: كنا بصفين فقال رجل: ألم تر إلى الذين يدعون إلي كتاب الله؟ فقال علي بن أبي طالب: نعم. فقال سهل بن حُنَيف: اتّهمُوا [¬٣] أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية -يعني الصلح الذي كان بين النبي ﷺ و[بين] [¬٤] المشركين- ولو نرى قتالًا لقاتلنا،
_________________
(١) - صحيح البخاري كتاب التفسير، باب: (إذ يبايعونك تحت الشجرة) حديث (٤٨٤٤)، وأخرجه البخاري أيضًا في الجزية والموادعة، حديث (٣١٨٢) ومسلم في الجهاد والسير، حديث (١٧٨٥) والنسائي في التفسير (٥٢٤) من طريق عبد العزيز بن سيارة به وأخرجه البخاري في (٤١٨٩ - ٧٣٠٨)، ومسلم في (١٧٨٥) من طرق عن أبي وائل به. [¬١]- في ز: كلاهما. [¬٢]- في ز: بن. [¬٣]- في ز: إنهم. [¬٤]- سقط من ت.
[ ١٣ / ١٢٤ ]
فجاء عمر فقال: ألسنا علي الحق وهم علي الباطل؟ أليس قتلانا فِي الجنة وقتلاهم في النار؟ فقال: "بلى". قال: ففيم نُعطي الدنية في ديننا ونرجع ولَمَّا يحكم الله بيننا؟ فقال: "يا بن الخطاب؛ إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبًدا". فرجع مُتَغَيّظًا فلم يصبر حتى جاء [¬١] أبا بكر فقال: يا أبا بكر؛ ألسنا علي الحق وهم علي الباطل؟ فقال: يا بن الخطاب؛ إنه رسول الله، ولن يضيعه الله [¬٢] أبدًا. فنزلت سورة الفتح.
وقد رواه البخاري أيضًا في مواضع أخر، ومسلم والنسائي من طرق أخر عن أبي وائل سفيان [¬٣] بن سلمة، عن سهيل [¬٤] بن حنيف به. وفي بعض ألفاظه: يا أيها الناس؛ اتهموا الرأي، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أقدر علي أن أرد علي رسول الله ﷺ أمره لرددته. وفي رواية: فنزلت سورة الفتح، فدعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب فقرأها عليه.
وقال الإِمام أحمد (^٦٦): حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس أن قريشا صالحوا النبي ﷺ فيهم سهيل [¬٥] بن عمرو، فقال النبي ﷺ لعليّ: "اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل: لا ندري، ما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللَّهم. فقال: "اكتب من محمد رسول الله". قال: لو نعلم [¬٦] أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال النبي ﷺ: "اكتب من محمد بن عبد الله". واشترطوا على النبي ﷺ أن من جاء منكم لا [¬٧] نرده عليكم، ومن جاءكم [¬٨] منا رددتموه علينا. فقال: يا رسول الله؛ أنكتب [¬٩] هذا؟ قال: "نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله". رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به [¬١٠].
وقال أحمد أيضًا (^٦٧): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا عكرمة بن عمار
_________________
(١) - المسند (٣/ ٢٦٨)، وأخرجه مسلم في الجهاد والسير، حديث (١٧٨٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفان به.
(٢) - المسند (١/ ٣٤٢)، وأخرجه النسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٥٦٨٠) عن عمرو بن علي الفلاس عن عبد الرحمن بن مهدي به. [¬١]- في ز: "أتي. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- كذا في كل الأصول سفيان، ولعل الصواب: شقيق. [¬٤]- في ز، خ: سهل. [¬٥]- في خ: سهل. [¬٦]- في ز: علمنا. [¬٧] في ز: لم. [¬٨]- في خ: جاء. [¬٩]- في ت: أتكتب. [¬١٠]- سقط من خ.
[ ١٣ / ١٢٥ ]
قال [¬١]: حدثني سماك، عن عبد الله بن عباس قال: لما خرجت الحرورية اعتزلوا [¬٢]، فقلت لهم: إن رسول الله ﷺ يوم الحديبية صالح المشركين، فقال لعليّ: "اكتب يا عليّ؛ هذا ما صالح عليه محمد رسول الله". قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله: "امح يا علي؛ اللهم؛ إنك تعلم أني رسولك، امح يا عليّ واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله". والله لرسول الله خير من علي، وقد محا نفسه، ولم يكن محوه ذلك يمحاه من النبوة، أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم.
ورواه أبو داود من حديث عكرمة بن عمار اليمامي، بنحوه.
وروي الإِمام أحمد (^٦٨)، عن يحيى بن آدم: [حدثنا زهير] [¬٣] عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقْسم، عن ابن عباس ﵄؛ قال: نحر رسول الله ﷺ يوم الحديبية سبعين بدنة فيها جمل لأبي جهل، فلما صُدّت عن البيت حَنَّت كما تَحِنّ إلي أولادها.
﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾
كان رسول الله ﷺ قد أُرِيَ في المنام أنه دخل مكة وطاف [] [¬٤] بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلما وقع ما وقع من قضية الصلح، ورجعوا عامهم ذلك علي أن يعودوابن قابل، وقع في نفوس بعض الصحابة من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك، فقال له فيما قال: أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: "بلى، [] [¬٥] أفأخبرتك أنك تأتيه [¬٦] عامك هذا؟ ". قال: لا، قال: "فإنك آتيه ومُطَّوِّف به". وبهذا أجاب الصديق، ﵁، أيضًا حَذْو [القُذَّة
_________________
(١) - المسند (١/ ٣١٤) وقد حسن إسناده العلامة أحمد شاكر في تعليقه علي المسند. [¬١]- سقط من خ. [¬٢]- في ز: اعزلوا. [¬٣]- في ز، خ: عن ابن نمير. [¬٤]- في ز: بها. [¬٥]- في ز: قال. [¬٦]- في ز: آتيه.
[ ١٣ / ١٢٦ ]
بالقُذّة] [¬١]. ولهذا قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: هذا لتحقيق الخبر وتوكيده، وليس هذا من الاستثناء في شيء، ﴿آمنين﴾ أي: في حال دخولكم. وقوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾، حال مقدرة، لأنهم في حال حرمهم لم يكونوا محلقين ومقصرين، وإنما كان هذا في ثاني الحال، كان منهم من حلق رأسه ومنهم من قصره.
وثبت في الصحيحين (^٦٩) أن رسول الله ﷺ قال: "رحم الله المحلقين". قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "رحم الله المحلقين". قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "رحم الله المحلقين". قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "والمقصرين في الثالثة أو الرابعة.
وقوله: ﴿لَا تَخَافُونَ﴾: حال مؤكدة في المعنى، فأثبت لهم الأمن حال الدخول، ونفى عنهم الخوف حال استقرارهم في البلد لا يخافون من أحد. وهذا كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، فإن النبي ﷺ لما رجع من الحديبية في ذي القعدة رجع إلي المدينة فأقام بها ذا الحجة والمحرم، وخرج في صفر إلي خيبر ففتحها الله عليه بعضها عَنوة وبعضها صلحًا، وهي إقليم عظيم كثير النخيل [¬٢] والزروع، فاستخدم من فيها من اليهود عليها علي الشطر، وقسمها بين أهل الحديبية وحدهم، ولم يشهدها أحد غيرهم إلا الذين قدموا من الحبشة، جعفر بن أبي طالب وأصحابه، وأبو موسى الأشعري وأصحابه، ولم يغب منهم أحد -قال ابن زيد: إلا ألا دجانة [سماك بن خرشة] [¬٣]، كما هو مقرر في موضعه- ثم رجع إلي المدينة. فلما كان في ذي القعدة سنة سبع خرج إلي مكة معتمرًا هو وأهل الحديبية، فأحرم من ذي الحُلَيفة، وساق معه الهَدْي، قيل: كان ستين بدنة. فَلَبَّي وسار وأصحابه يُلَبّون. فلما كان قريبا من مَرّ الظهران بعث محمد بن مسلمة بالخيل والسلاح أمامه. فلما رآه المشركون رُعبوا رعبًا شديدًا وظنوا [¬٤] أن رسول الله ﷺ يغزوهم، وأنه قد نكث العهد الذي بينه ولعنهم من وضع القتال عشر سنين، وذهبوا فأخبروا أهل مكة، فلما جاء رسول الله ﷺ فنزل بمر [¬٥] الظهران حيث ينظر إلي أنصاب الحرم بعث السلاح من [¬٦] القسي والنبل والرماح إلي بطن يَأجج، وسار إلي مكة بالسيوف مغمدة في قربها، كما شارطهم عليه. فلما كان في أثناء
_________________
(١) - تقدم في تفسير سورة البقرة عن الآية (١٩٦). [¬١]- في خ: بعده. [¬٢]- في ت: النخل. [¬٣]- بياض في ز، خ. [¬٤]- في ز: فظنوا. [¬٥]- في ز: مر. [¬٦]- في ز: مع.
[ ١٣ / ١٢٧ ]
الطريق بعثت قريش مكرز بن حفص فقال: يا مُحمد، ما عرفناك تنقض العهد. قال: "وما ذاك؟ " قال: دخلت علينا بالسلاح والقسي والرماح. فقال: "لم يكن [¬١] ذلك، وقد بعثنا به إلى يأجج". فقال: بهذا عرفناك، بالبر والوفاء. وخرجت رءوس الكفار من مكة لئلا ينظروا إلى رسول الله ﷺ وإلى أصحابه غيظًا وحنقًا. وأما بقية أهل مكة بن الرجال والنساء والولدان فجلسوا في الطرق وعلى البيوت ينظرون إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، فدخلها ﵊ وبين يديه أصحاله يُلبّون، والهدي قد بعثه إلى ذي طُوَى وهو راكب ناقته القصواء [¬٢] التي كان راكبها يوم الحديبية، وعبد الله بن رَوَاحة الأنصاري آخد بزمام ناقة رسول الله ﷺ يقودها، وهو يقول:
باسْم الذي لا دينَ إلا دينُهُ … باسْم الذي محمدٌ رَسُولُه
خَلّوا بَني الكُفَّار عَنْ سَبِيله … اليَوْمَ نَضْربكُم عَلَى تَأويله
كَمَا ضَرَبْنَاكُم عَلى تَنْزِيله … ضَرْبًا يُزِيلُ الهَام عَنْ مَقِيله
وَيُذْهِلُ الخَلِيلَ عَن خليله … قَدْ أنْزَل الرّحْمَنُ في تَنْزِيله
في صُحُف تُتْلَى عَلى رَسُوله … بِأَن خَير القَتْل في سَبِيله
يا رَب إني مُؤمنٌ بقِيله
فهذا مجموع من روايات متفرقة.
قال يونس بن بكير (^٧٠)، عن محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة في عُمرة القضاء، دخلها وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقته ﷺ، وهو يقول:
خَلّوا بَني الكُفّار عَنْ سَبِيله … إنّي شَهيدٌ أنه رَسُولُه
خَلّوا فَكلّ الخير في رَسُوله … يَارَبّ إنّي مُؤْمنٌ بقيله
نَحن قَتَلْنَاكُم عَلى تَأويله … كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيله
ضَربًا يُزِيل الهَام عَنْ مَقيله … وَيُذهلُ الخَليلَ عَن خَلِيله
وقال عبد الرزاق (^٧١): أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك؛ قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة في عمرة [¬٣] القضاء، مشى عبد الله بن رواحة بين
_________________
(١) - سيرة ابن هشام (٣/ ٣٢٠ - ٣٢١)، ومن طريقه أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٣٢٣).
(٢) - أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٣٢٢) بسنده إلى عبد الرزاق به. [¬١]- سقط من ز، خ [¬٢]- في ز: القصوى. [¬٣]- في ز، خ: غزوة.
[ ١٣ / ١٢٨ ]
يديه، وفي رواية: وابن رواحة آخذ بغَرْزه، وهو يقول:
خَلّوا بَنِي الكُفَّار عَن سَبيله … قَدْ نَزل الرّحْمَنُ في تنزِيله
بأَنّ خَير القَتْل في سَبيله … يارَبّ إنّي مُؤمنٌ بقيله
نَحن قَتَلنَاكمْ عَلى تَأويله … كَمَا قَتَلنَاكُم عَلى تَنزِيله
ضَربّا يُزِيل الهَام عَنْ مَقيله … ويُذْهِل الخَليل عَنْ خَليله
وقال الإمام أحمد (^٧٢): حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا إسماعيل -يعني ابن زكريا - عن عبد الله -يعني ابن عثمان- عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ لما نزل مَرّ الظهران في عمرته، بلغ أصحابَ رسول الله ﷺ أن قريشًا ما يتباعثون من العَجَف، فقال أصحابه: لو انتحرنا [¬١] من ظهرنا فأكلنا من لحمه، وحَسَونا من مَرَقه، أصبحنا غدًا حين ندخل على القوم وبنا جَمَامَة. قال: "لا تفعلوا ولكن اجمعوا لي من أزوادكم". فجمعوا له وبسطوا الأنطاع، فأكلوا حتى تركوا، وحثا [¬٢] كل واحد منهم في جرَابه. ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى دخل المسجد وقعدت قريش نحو الحجر، فاضطبع [¬٣] بردائه، ثم قال: "لا يرى القوم فيكم غمير". فاستلم الركن ثم رمل حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى الركن الأسود، فقالت قريش: ما ترضون بالمشي أما إنكم [لتنقُزُون نَقزَ] [¬٤] الظباء، [ففعل ذلك ثلاثة أشواط] [¬٥]، فكانتْ سُنَّة. قال أبو الطفيل: فأخبرني ابن عباس أن رسول الله ﷺ فعل ذلك في حجة الوداع.
وقال أحمد أيضًا (^٧٣): حدثنا يونس، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن سعيد [] [¬٦] بن جبير، عن ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة
_________________
(١) - المسند (١/ ٣٠٥)، وأخرجه أيضًا في (١/ ٢٤٧، ٣٠٦، ٢٩٥، ٣١٤)، وأبو داود في المناسك، باب في الرمل حديث (١٨٨٩، ١٨٩٠) - مختصرًا-، وابن ماجه في المناسك باب: الرمل حول البيت، حديث (٢٩٥٣) - مختصرًا- من طريق عبد الله بن عثمان بن خيثم به.
(٢) - المسند (١/ ٢٩٤)، وأخرجه أحمد في (١/ ٢٩٠) والبخاري في كتاب الحج، باب: كيف كان بدء الرمل؟ حديث (١٦٠٢) ومسلم في كتاب الحج، حديث (١٢٦٦) وأبو داود في كتاب المناسك، باب: في الرمل، حديث (١٨٨٦) والنسائي في مناسك الحج، باب العلة التي من أجلها سعى النبي ﷺ بالبيت (٥/ ٢٣٠ - ٢٣١) من حديث حماد بن زيد به. [¬١]- في خ: استخرنا. [¬٢]- في ز: وحسا. [¬٣]- في ز: فاضطجع. [¬٤]- في ز، خ: لتنقرون نقر. [¬٥]- في ز، خ: "يفعل ذلك ثلاثة أطواف". [¬٦]- في ز: عن.
[ ١٣ / ١٢٩ ]
وقد وَهَنتهم حُمَّى يثرب، ولقوا منها سوءًا، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب ولقوا منها شرًّا. وجلس المشركون من الناحية التي تلي الحجر، فأطلع الله نبيه ﷺ على ما قالوا، فأمر رسول الله ﷺ أن يَرمُلوا الأشواط الثلاثة ليرى المشركون جَلَدهم، قال: فرملوا ثلاثة أشواط، وأمرهم أن يمشوا بين الركنين حيث لا يراهم المشركون، ولم يمنع النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم، فقال المشركون: أهؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد [¬١] وهنتهم؟ هؤلاء أجلد من كذا وكذا.
أخرجاه في الصحيحين من حديث حماد بن زيد، به. وفي لفظ: قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة، أي من ذي القعدة، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم و[قد] [¬٢] قد وهنتهم حمى يثرب. فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإِبقاء عليهم.
قال البخاري (^٧٤): وزاد ابن [¬٣] سلمة -يعني حماد بن سلمة- عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: لما قدم النبي ﷺ لعامه الذي استأمن قال: "ارملوا". ليُريَ المشركين [¬٤] قوتهم، والمشركون من قبل قُعَيقعَان [¬٥].
وحدثنا محمد (^٧٥)، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس؛ قال: إنما سعى النبي ﷺ كالبيت وبالصفا والمروة، ليرى المشركون [¬٦] قوته.
ورواه في مواضع أخر، ومسلم والنسائي، من طرق، عن سفيان بن عيينة به.
وقال أيضًا (^٧٦): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد سمع ابن أبي أوفى؛ يقول: لما اعتمر رسول الله ﷺ سترناه من غلمان المشركين. ومنهم؛ أن يؤذوا رسول الله ﷺ. انفرد به البخاري دون مسلم.
_________________
(١) - صحيح البخاري في المغازي، باب: عمرة القضاء حديث (٤٢٥٦)، وانظر السابق.
(٢) - صحيح البخاري في المغازي، باب: عمرة القضاء، حديث (٤٢٥٧)، انظر الحديث (٢٨).
(٣) - صحيح البخاري كتاب المغازي، باب: عمرة القضاء، حديث (٤٢٥٥) وأطراف الحديث عند البخاري في (١٦٠٠، ١٧٩١، ٤١٨٨). [¬١]- سقط من ز، خ. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ز: أبو. [¬٤]- في ز: المشركون. [¬٥]- في ز، خ: قيقعان. [¬٦]- في ز: المشركين.
[ ١٣ / ١٣٠ ]
وقال البخاري أيضًا (^٧٧): حدثنا محمد بن رافع، حدثنا سُرَيج بن النعمان، حدثنا فُلَيح (ح) [¬١] وحدثني محمد بن الحسين بن إبراهيم، حدثنا أبي، حدثنا فُليح بن سليمان، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحًا عليهم إلا سيوفًا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا. فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثًا [¬٢] أمروه أن يخرج، فخرج.
وهو في صحيح مسلم أيضًا.
وقال البخاري أيضًا (^٧٨): حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء؛ قال: اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يَدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم في أن يُقيم [¬٣] بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا: "هذا ما قاضانا عليه محمد رسول الله". قالوا: لا نقر بهذا، ولو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئًا، ولكن أنت محمد بن عبد الله. قال: "أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله". ثم قال لعلي بن أبي طالب: "امحُ رسول الله". قال: لا، والله لا أمحوك أبدًا؛ فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب، وليس يحسن يكتبُ، فكتب: "هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله: لا يُدْخِلُ مكة السلاحَ إلا السيف في القرَاب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع من أصحابه أحدًا إن أراد أن يقيم بها". فلما دخلها ومضى الأجل، أتوا عليًّا فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنا فقد مضى الأجل. فخرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عمّ يا عمّ. فتناولها عليّ فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: دونك ابنةَ عمك. فحملتها [¬٤]، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال عليّ: أنا أخذتها وهي ابنة عمي. وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي. وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها النبي ﷺ لخالتها، وقال: "الخالة بمنزلة الأم". وقال لعلي: "أنت مني وأنا منك". وقال لجعفر: "أشبهت خَلقي وخُلُقي". وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا". قال علي: ألا تتزوج ابنة حمزة؟
_________________
(١) - صحيح البخاري كتاب الصلح، باب: الصلح مع المشركين، حديث (٢٠٧١)، وفي المغازي، باب عمرة القضاء، حديث (٤٢٥٢) وأخرجه مسلم في الحج، حديث (١٢٢٧) من طريق سالم عن ابن عمر به.
(٢) - صحيح البخاري في المغازي، باب عمرة القضاء، حديث (٤٢٥١). [¬١]- سقط من خ. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: يقيموا. [¬٤]- في ز: فاحتملتها.
[ ١٣ / ١٣١ ]
قال: "إنها ابنة أخي من الرضاعة". انفرد به من هذا الوجه.
وقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ أي فعلم [¬١] الله تعالى من الخيرة والمصلحة في صَرْفكم عن مكة ودخولكم إليها عامكم ذلك ما لم تعلموه أنتم، ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ أي: قبل دخولكم الذي وعدتم به في رؤيا النبي ﷺ فتحًا قريبًا، وهو الصلح الذي كان بينكم وبين أعدائكم من المشركين.
ثم قال تعالى مبشرًا للمؤمنين بنصرة الرسول صلوات الله عليه على عدوه وعلى سائر أهل الأرض: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾، أي: بالعلم النافع والعمل الصالح، فإن الشريعة تشتمل على شيئين: علم وعمل، فالعلم الشرعي صحيح، والعمل الشرعي مقبول، فإخباراتها حق وإنشاءاتها عدل، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، أي: على أهل جميع الأديان من سائر أهل الأرض، من عرب وعجم، ومليين [¬٢] ومشركين، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، أي: أنه رسوله، وهو ناصره.
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾
يخبر تعالى عن محمد - صلوات الله وسلامه عليه - أنه رسوله حقًّا بلا شك ولا ريب، فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾، وهذا مبتدأ وخبر [¬٣]، وهو مشتمل على كل وصف جميل. ثم ثنى بالثناء على أصحابه فقال: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا عنيفًا على الكفار، رحيمًا برًّا بالأخيار، غضوبًا عبوسًا في وجه الكافر، ضحوكًا بشوشًا في وجه أخيه المؤمن، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾. وقال النبي ﷺ: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم
_________________
(١) [¬١]- في ز: يعلم. [¬٢]- في خ: مسلمين. [¬٣]- في خ. وخبره.
[ ١٣ / ١٣٢ ]
كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". وقال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا". وشبك بين أصابعه. كلا الحديثين في الصحيح.
وقوله: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾، وصفهم بكثرة العمل وكثرة الصلاة، وهي خير الأعمال، ووصفهم بالإِخلاص فيها لله ﷿ والاحتساب عند الله جزيل الثواب، وهو الجنة المشتملة على فضل الله، وهو سعة الرزق عليهم، ورضاه تعالى عنهم وهو أكبر من الأول [¬١]، كما قال: ﴿ورضوان من الله أكبر﴾.
وقوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾: قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: سيماهم في وجوههم يعني: السمت الحسن.
وقال مجاهد وغير واحد: يعني الخشوع والتواضع.
وقال ابن أبي حاتم (^٧٩): حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾، قال: الخشوع. قلت: ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه. فقال: ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبًا من فرعون.
وقال السدي: الصلاة تحسن وجوههم.
وقال بعض السلف: من كثرت صلاته بالليل حَسُن وجهه بالنهار.
وقد أسنده ابن ماجة في سننه (^٨٠)، عن إسماعيل بن محمد الطّلْحي [¬٢]، عن ثابت بن موسى، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار". والصحيح أنه [¬٣] موقوف.
وقال بعضهم: إن للحسنة نورًا [¬٤] في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الناس.
_________________
(١) - أخرجه أيضًا الطبري في تفسيره (٢٦/ ١١١)، وانظر الدر المنثور (٦/ ٩١).
(٢) - سنن ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في قيام الليل، حديث (١٣٣٣)، = [¬١]- في ز: الأولى. [¬٢]- في ز: الصالحي. [¬٣]- سقط من ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: لنورًا.
[ ١٣ / ١٣٣ ]
وقال أمير المؤمنين عثمان [¬١]: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه.
والغرض أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله أصلح الله ظاهره للناس، كما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته.
وقال [¬٢] أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمود بن محمد المروزي، حدثنا حامد بن آدم المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عبيد الله العَرْزَمي، عن سلمة بن كُهَيل، عن جندَب بن سفيان البجلي؛ قال: قال النبي ﷺ: "ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر". العرزمي متروك.
وقال الإِمام أحمد (^٨١): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة، لخرج عمله للناس كائنًا ما كان".
وقال الإِمام أحمد (^٨٢): حدثنا حسن، حدثنا زُهير، حدثنا قابوس بن أبي ظبيان؛ أن أباه حدثه عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: "إن الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة". ورواه أبو داود عن عبد الله بن محمد النفيلي، عن زهير به.
فالصحابة، ﵃، خلصت نياتهم وحسنت أعمالهم، فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم.
وقال [¬٣] مالك ﵀: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون: "والله لهؤلاء [¬٤] خير من الحواريين فيما بلغنا [¬٥] ". وصدقوا في ذلك،
_________________
(١) = وأخرجه العقليي في الضعفاء (١/ ١٧٦) وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٠٤)، (٣/ ٢٠١)، والخطيب في التاريخ (١/ ٣٤١) من طريق شريك به وهو حديث لا أصل له، انظر الفوائد البديعة (ص ٣٥).
(٢) - المسند (٣/ ٢٨).
(٣) - المسند (١/ ٢٩٦)، وأخرجه في (١/ ٢٩٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٤٦٨، ٧١٩)، وأبو داود في الأدب، باب: في الوقار حديث (٤٧٧٦) من طرق عن قابوس بن أبي ظبيان به. [¬١]- سقط من ز، خ. [¬٢]- في ز: قال. [¬٣]- في ز: قال. [¬٤]- في ز: هؤلاء. [¬٥]- في خ: بلغوا.
[ ١٣ / ١٣٤ ]
فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله ﷺ وقد نوه الله بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾، ثم قال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ أي: فراخه، ﴿فَآزَرَهُ﴾ أي: شده ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ أي: شب وطال ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ أي: فكذلك أصحاب محمد ﷺ آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الزرع، ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾.
ومن هذه الآية انتزع الإِمام مالك ﵀ في رواية عنه - بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة، قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة فهو كافر لهذه الآية. ووافقه طائفة من العلماء على ذلك. والأحاديث في فضائل الصحابة والنهي عن التعرض لهم [¬١] بمساءة كثيرة، ويكفيهم ثناء الله عليهم، ورضاه عنهم.
ثم قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾، "من" هذه لبيان الجنس ﴿مَغْفِرَةً﴾ أي: لذنوبهم، ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا جزيلًا ورزقًا كريمًا، ووعد الله حق وصدق، لا يُخْلَف ولا يبدل، وكل من اقتفى أثر الصحابة فهو في حكمهم [¬٢]، ولهم [¬٣] الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة، ﵃ وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل.
قال مسلم في صحيحه (^٨٣): حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا، ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نَصِيفه".
آخر تفسير سورة الفتح، ولله الحمد والمنة.
. * * *
_________________
(١) - صحيح مسلم في فضائل الصحابة، حديث (٢٥٤٠)، وأخرجه أيضًا النسائي في فضائل الصحابة (٢٠٤) وابن ماجه في المقدمة، فضل أهل بدر، حديث (١٦١) من طريق أبي صالح به. [¬١]- سقط من خ. [¬٢]- في ز، خ: جملتهم. [¬٣]- في ز: وله.
[ ١٣ / ١٣٥ ]