قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"، هذا مرسل حسن عن الحسن البصري ﵀ (^٦).
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم من طريق يحيى بن عبد الله به (الحلية ٣/ ٣٢٠)، وسنده ضعيف لضعف أيوب بن نهيك، ضعفه أبو حاتم، وقال الأزدي: متروك (لسان الميزان ١/ ٤٩٠).
(٢) أخرجه أبو داود الطيالسي بسنده ومتنه (منحة المعبود ح ٢٢٨٤)، وأخرجه الإمام أحمد (المسند ح ٦٩٢٠)، والطبري وابن أبي حاتم والبخاري (التاريخ الكبير ٢/ ٤٢٧)، كلهم من طريق رجل من بلحارث. ولم يصرح باسمه فالإسناد ضعيف وسكت عنه الحافظ ابن حجر (تعجيل المنفعة ص ٤٧ و٤٨).
(٣) كذا في (ح) و(حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: "السماني"، وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الإمام أحمد من طريق محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم به (المسند ٥/ ٣٦٢)، وفي سنده عبد الرحمن بن البيلماني ضعيف كما في التقريب؛ ويشهد له حديث ابن عمر السابق.
(٥) في سنده عمران بن عبد الرحيم بن أبي الورد: وضاع (لسان الميزان ٤/ ٣٤٧).
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو مرسل، ويشهد له حديث ابن عمر السابق.
[ ٣ / ٣٩ ]
(حديث آخر) قال ابن جرير أيضًا ﵀: حدثنا ابن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي عن قتادة، عن العلاء بن زياد، عن أبي أيوب بشير بن كعب أن نبي الله ﷺ قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"، وحدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال … فذكر مثله (^١).
(أثر آخر) قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو داود، حدثنا عمران، عن قتادة، قال: كنا عند أنس بن مالك وثمَّ أبو قلابة، فحدث أبو قلابة فقال: إن الله تعالى لما لعن إبليس سأله النظرة، فقال: وعزتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح، فقال الله ﷿: وعزتي لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح. وقد ورد هذا في حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في مسنده من طريق عمرو بن أبي عمرو وأبي الهيثم [العتواري] (^٢)، كلاهما عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ، قال: "قال إبليس: وعزتك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله ﷿: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني" (^٣).
فقد دلت هذه الأحاديث على أن من تاب إلى الله ﷿ وهو يرجو الحياة، فإن توبته مقبولة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وأما متى وقع الإياس من الحياة، وعاين الملك، وحشرجت الروح في الحلق وضاق بها الصدر، وبلغت الحلقوم، وغرغرت النفس صاعدة في الغلاصم، فلا توبة مقبولة حينئذٍ، ولات حين مناص، ولهذا قال: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾، وهذا كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآية [غافر: ٨٤، ٨٥]، وكما حكم تعالى بعدم توبة أهل الأرض إذا عاينوا الشمس طالعة من مغربها في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨]، وقوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ يعني: أن الكافر إذا مات على كفره وشركه لا ينفعه ندمه ولا توبته، ولا يقبل منه فدية ولو بملء الأرض.
قال ابن عباس وأبو العالية والربيع بن أنس: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ قالوا: نزلت في أهل الشرك (^٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، قال: حدثني أبي، عن مكحول أن عمر بن نعيم حدثه عن أسامة بن سلمان أن أبا ذر حدثهم أن رسول الله ﷺ، قال: "إن الله يقبل توبة عبده أو يغفر لعبده ما لم يقع الحجاب". [قيل: وما وقوع الحجاب؟] (^٥) قال:
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وقتادة لم يسمع من عباده ويشهد له حديث ابن عمر السابق.
(٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: "العراري" وهو تصحيف.
(٣) أخرجه الإمام أحمد من طريق يزيد بن الهاد عن عمرو بن أبي عمرو عن أبي سعيد الخدري به (المسند ١٧/ ٣٤٤ ح ١١٢٤٤)، وحسنه محققوه بتعدد طرقه.
(٤) قول أبي العالية والربيع بن أنس أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد عن أبي جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية.
(٥) سقط في الأصل واستدرك من (ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
[ ٣ / ٤٠ ]
"أن تخرج النفس وهي مشركة" (^١)، ولهذا قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: موجعًا شديدًا مقيمًا.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١) وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾.
قال البخاري: حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال الشيباني: وذكره أبو الحسن [السوائي] (^٢)، ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾، قال: كانوا إذا مات الرجل، كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك، هكذا رواه البخاري (^٣) وأبو داود والنسائي وابن مردويه وابن أبي حاتم من حديث أبي إسحاق الشيباني واسمه سليمان بن أبي سليمان، عن عكرمة، وعن أبي الحسن السوائي واسمه عطاء، كوفي أعمى، كلاهما عن ابن عباس بما تقدم (^٤). وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، حدثني علي بن حسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله تعالى عن ذلك، أي: نهى عن ذلك (^٥)، تفرد به أبو داود، وقد رواه غير واحد عن ابن عباس بنحو ذلك. فقال وكيع، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن مقسم، عن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي [عنها] (^٦) زوجها، فجاء رجل فألقى عليها ثوبًا كان أحق بها، فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (^٧).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥/ ٤١٠ - ٤١١ ح ٢١٥٢٢)، وسنده ضعيف لجهالة عمر بن نعيم (لسان الميزان ٤/ ٣٣٦).
(٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح) وصحيح البخاري، وفي الأصل: "السراري" وهو تصحيف.
(٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] ح ٤٥٧٩).
(٤) سنن أبي داود، النكاج، باب ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (ح ٢٠٨٩)، وتفسير النسائي من السنن الكبرى ص ٤٣، وتفسير ابن أبي حاتم، وسنده صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٣٩).
(٥) سنن أبي داود، النكاح، باب ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (ح ٢٠٩٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٤٠).
(٦) زياد من (ح) و(حم) و(مح).
(٧) أخرجه الطبري من طريق وكيع به بدون ذكر ابن عباس وسنده مرسل.
[ ٣ / ٤١ ]
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قال: كان الرجل إذا مات وترك جارية، ألقى عليها حميمه (^١) ثوبه فمنعها من الناس فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها (^٢).
وقال العوفي عنه: كان الرجل من أهل المدينة إذا مات حميم أحدهم، ألقى ثوبه على امرأته، فورث نكاحها، ولم ينكحها أحد غيره، وحبسها عنده حتى تفتدي منه بفدية، فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (^٣).
وقال [زيد] (^٤) بن أسلم في قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾: كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية، ورث امرأته من يرث ماله، فكان يعضلها حتى يرثها، أو يزوجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها، ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله المؤمنين عن ذلك، رواه ابن أبي حاتم (^٥).
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا علي بن المنذر، حدثنا محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت، أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (^٦). ورواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل به (^٧). ثم روى من طريق [ابن جريج] (^٨) قال: أخبرني عطاء أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل وترك امرأة، حبسها أهلها على الصبي يكون فيهم، فنزلت ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (^٩).
وقال ابن جريج: قال [مجاهد] (^١٠): كان الرجل إذا توفي، كان ابنه أحق بامرأته ينكحها إن شاء إذا لم يكن ابنها، أو ينكحها من شاء أخاه أو ابن أخيه (^١١).
وقال ابن جريج: قال عكرمة: نزلت في كُبيشة بنت معن بن عاصم من الأوس، توفي عنها أبو قيس بن الأسلت، فجنح عليها ابنه، فجاءت رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، لا أنا ورثت
_________________
(١) حميمة: أي خاصته ومن يقرب منه (النهاية ١/ ٤٤٦).
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي به.
(٤) في الأصل: "يزيد" وهو تصحيف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي سعيد الأشج عن محمد بن فضيل به.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه.
(٨) في الأصل: "ابن جرير" وهو تصحيف.
(٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سنيد عن حجاج عن ابن جريج به وهو مرسل كذلك.
(١٠) كذا في (حم) و(مح)، وفي تفسير الطبري، وفي الأصل: "عطاء" وهو خطأ وتكرار لسابقه.
(١١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
[ ٣ / ٤٢ ]
زوجي، ولا أنا تركت فأنكح، فأنزل الله هذه الآية (^١). وقال السدي عن أبي مالك: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها، جاء وليه فألقى عليها ثوبًا، فإن كان له ابن صغير، أو أخ، حبسها حتى يشب، أو تموت فيرثها، فإن هي انفلتت فأتت أهلها ولم [يلق] (^٢) عليها ثوبًا، نجت، فأنزل الله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (^٣).
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾: كان الرجل يكون في حجره اليتيمة هو يلي أمرها، فيحبسها رجاء أن تموت امرأته فيتزوجها أو يزوجها ابنه، رواه ابن أبي حاتم (^٤). ثم قال: وروي عن الشعبي وعطاء بن أبي رباح وأبي مجلز والضحاك والزهري وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان (^٥)، نحو ذلك [قلت] (^٦)، فالآية تعم ما كان يفعله أهل الجاهلية وما ذكره مجاهد، ومن وافقه، وكل ما كان فيه نوع من ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أي: لا تُضَارّوهن في العشرة، لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه أو حقًّا من حقوقها عليك، أو شيئًا من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾: يقول: ولا تقهروهن ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ يعني: الرجل، تكون له امرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي (^٧). وكذا قال الضحاك وقتادة (^٨)، واختاره ابن جرير.
وقال ابن المبارك وعبد الرزاق: أخبرنا معمر، قال: أخبرني سماك بن الفضل، عن ابن البَيْلماني، قال: نزلت هاتان الآيتان، إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام.
وقال عبد الله بن المبارك: يعني قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ في الجاهلية، ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ في الإسلام (^٩).
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي والحسن البصري ومحمد بن سيرين وسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني والضحاك وأبو قلابة وأبو صالح والسدي وزيد بن أسلم وسعيد بن أبي هلال: يعني: بذلك الزنا (^١٠).
_________________
(١) وسنده مرسل.
(٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح) وفي الأصل: "يكن".
(٣) أخرجه الطبري بالإسناد المتقدم قبل رواية مجاهد، وسنده ضعيف.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سالم عن مجاهد.
(٥) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٦) كذا في (حم) و(ح) و(مح)، وفي الأصل: "قال".
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة به.
(٨) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف لم يصرح باسم شيخه.
(٩) أخرجه عبد الرزاق عن معمر به، وأخرجه الطبري من طريق ابن المبارك به وهو مرسل، وعبد الرحمن ضعيف كما في التقريب.
(١٠) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند، وتقدم التخريج في الآية ١٥ من هذه السورة الكريمة.
[ ٣ / ٤٣ ]
يعني: إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها، وتضاجرها حتى تتركه لك، وتخالعها، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ …﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩] وقال ابن عباس [وعكرمة] (^١) والضحاك: الفاحشة المبينة النشوز والعصيان (^٢)، واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله الزنا والعصيان، والنشوز، وبذاء اللسان وغير ذلك. يعني أن هذا كله يبيح مضاجرتها حتى [تبرئه] (^٣) من حقها أو بعضه ويفارقها، وهذا جيد، والله أعلم. وقد تقدم فيما رواه أبو داود منفردًا به من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال: وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت، أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك؛ أي: نهى عن ذلك (^٤). وهكذا قال عكرمة عن ابن عباس والحسن البصري، وهذا يقتضي أن يكون السياق كله كان في أمر الجاهلية، ولكن نهى المسلمون عن فعله في الإسلام.
وقال عبد الرحمن بن زيد: كان العضل في قريش بمكة ينكح الرجل المرأة الشريفة، فلعلها لا توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها ويشهد، فإذا خطبها الخاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها وإلا عضلها قال: فهذا قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [الآية (^٥). وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾] (^٦)، هو كالعضل في سورة البقرة (^٧).
وقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقال رسول الله ﷺ: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" (^٨) وكان من أخلاقه ﷺ أنه جميل العشرة دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين ﵂، يتودد إليها بذلك، قالت: سابقني رسول الله ﷺ فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعدما حملت اللحم فسبقني، فقال: "هذه بتلك" (^٩). ويجتمع نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله ﷺ فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان إذا صلى العشاء فدخل منزله يسمر مع
_________________
(١) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "الحسن".
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة به.
(٣) كذا في (ح) و(حم) وفي الأصل: "تترك" وفي (مح): تهبه.
(٤) تقدم في بداية تفسير هذه الآية الكريمة.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.
(٦) زيادة من (ح) و(حم) و(مح).
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٨) أخرجه الترمذي من حديث عائشة (السنن، المناقب، باب في فضل أزواج النبي ﷺ ح ٣٨٩٢)، وقال: حسن غريب صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٤٠٥٧).
(٩) أخرجه الإمام أحمد من حديث عائشة (المسند ٤٠/ ١٤٤ ح ٢٤١١٨)، وصححه محققوه.
[ ٣ / ٤٤ ]
أهله قليلًا قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار. وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وأحكام عشرة النساء وما يتعلق بتفصيل ذلك موضعه كتب الأحكام، ولله الحمد.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ أي: فعسى أن يكون صبركم مع إمساككم لهن وكراهتهن فيه، خير كثير لكم في الدنيا والآخرة، كما قال ابن عباس في هذه الآية: هو أن يعطف عليها فيرزق منها ولدًا، ويكون في ذلك الولد خير كثير (^١)، وفي الحديث الصحيح: " [لا يفرك] (^٢) مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقًا رضي منها آخر" (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ أي: إذا أراد أحدكم أن يفارق امرأة ويستبدل مكانها غيرها فلا يأخذ مما كان أصدق الأولى شيئًا ولو كان قنطارًا من المال، وقد قدمنا في سورة آل عمران الكلام على القنطار بما فيه كفاية عن إعادته ههنا (^٤). وفي هذه الآية دلالة على جواز الإصداق بالمال الجزيل، وقد كان عمر بن الخطاب [نهى عن كثرة الإصداق] (^٥) ثم رجع عن ذلك، كما قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، قال: نبئت عن أبي العجفاء السلمي، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ألا لا تَغلّوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله، كان أولاكم بها النبي ﷺ، ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن كان الرجل ليبتلى بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه وحتى يقول: كلفت إليك علق القربة (^٦) (^٧)، رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق عن محمد بن سيرين، عن أبي العجفاء واسمه: هرم بن مُسَيب البصري، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (^٨).
(طريق أخرى عن عمر) قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن عبد الرحمن، عن المجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق، قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله ﷺ، ثم قال: أيها الناس، ما إكثاركم في صُدُق (^٩) النساء، وقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه وإنما الصّدُقات (^١٠) فيما بينهم
_________________
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.
(٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: "لا يترك" وهو على المعنى.
(٣) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا (الصحيح، الرضاع، باب الوصية بالنساء ح ١٤٦٩).
(٤) سورة آل عمران آية ١٤.
(٥) سقط في الأصل، واستدرك من (ح) و(مح) و(حم).
(٦) أي تحملت لأجلك كل شيء حتى علق القربة، وهو حبلها الذي تعلق به (النهاية ٣/ ٢٩٠).
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وأطول (المسند ١/ ٢٨٣ ح ٢٨٥)، وصححه محققوه وأحمد شاكر.
(٨) سنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في مهور النساء (ح ١١١٤)، وتقدم تصحيحه، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٨٨٩).
(٩) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "صداق".
(١٠) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "صداق".
[ ٣ / ٤٥ ]
أربعمائة درهم، فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها، فلا أعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم. قال: ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين، نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم، قال: نعم، فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ فقالت: أما سمعت الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾؟ قال: فقال: اللهم غفرًا، كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر فقال: إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صداقهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب. قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل (^١). إسناده جيد قوي (^٢).
وقال ابن المنذر: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن قيس بن ربيع، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال عمر بن الخطاب: لا تغالوا في مهور النساء، فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر، إن الله يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ - من ذهب - قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود، (فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئًا)، فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته (^٣).
(طريق أخرى عن عمر فيها انقطاع) قال الزبير بن بكار: حدثني عمي مصعب بن عبد الله، عن جدي قال: قال عمر بن الخطاب: لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي القُصّة - يعني يزيد بن الحصين الحارثي - فمن زاد، ألقيت الزيادة في بيت المال. فقالت امرأة من صفة النساء طويلة، في أنفها فطس: ما ذاك لك. قال: ولم؟ قالت: لأن الله قال: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا …﴾ الآية، فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ (^٤)، ثم عمل عمر بن الخطاب بخلاف ما كان [نهى] (^٥) عنه فإنه أصدق أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب من فاطمة بنت رسول الله ﷺ أربعين ألفًا إكرامًا لها، وعلى ذلك كان عمل الناس فيما بعد لما فتح الله عليهم الأمصار وصارت إليهم تلك الأموال. قال الطبراني: حدثني الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا هشام بن حسان، عن ابن سيرين قال: تزوج الحسن بن علي امرأة أرسل إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم، وهذا إسناد صحيح. وكان الحسن بن علي يمتع المطلقة من نسائه بعشرة آلاف، فقالت إحداهن لما وضعت بين يديها وقد بانت منه: متاع قليل من حبيب مفارق. وأصدق مصعب بن الزبير
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى في مسنده كما في المقصد العلي للهيثمي ٢/ ٣٣٤ - ٣٣٥ (ح ٧٥٧)، وضعفه الدارقطني (في العلل ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩)، والألباني في إرواء الغليل ٦/ ٣٤٨.
(٢) وتبعه السخاوي في المقاصد الحسنة (ح ٨١٤)، والسيوطي في الدر المنثور ٢/ ٤٦٦، والصحيح هو الحديث السابق من طريق أبي العجفاء.
(٣) أخرجه ابن المنذر بسنده ومتنه (التفسير رقم ١٥١١)، وأخرجه عبد الرزاق عن قيس به (المصنف ٦/ ١٨٠)، وسنده ضعيف ضعفه الألباني بسبب الانقطاع بين أبي عبد الرحمن السلمي وعمر، وسوء حفظ قيس بن الربيع (الإرواء ٦/ ٣٤٨).
(٤) سنده ضعيف بسبب الانقطاع بين عمر وجد الزبير بن بكار.
(٥) كلمة "نهى" سقط من الأصل.
[ ٣ / ٤٦ ]
عائشة بنت طلحة شيئًا كثيرًا ذكرناه في التاريخ، وأُصدقت فاطمة بنت الحسين بن علي ألف ألف، ومثل هذه الأشياء كانت تشتهر في زمانها ولم يبلغنا عن أحد من أئمة تلك المدة إنكار ذلك والله أعلم، وأما مغالاة بني أمية وبني العباس وأهل دولتهم في الأصدقة فشيء عجيب وتكثير بعيد لما فيه من السرف، والله أعلم.
ولهذا قال [منكرًا] (^١): ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أي: وكيف تأخذون الصداق من المرأة وقد أفضيت إليها وأفضت إليك؟ قال ابن عباس ومجاهد والسدي وغير واحد: يعني بذلك الجماع (^٢)، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ، قال للمتلاعنين بعد فراغهما من تلاعنهما: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ " [ثلاثًا] (^٣)، فقال الرجل: يا رسول الله مالي؟ - يعني ما أصدقها - قال: "لا مال لك، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها" (^٤). في سنن أبي داود وغيره عن بصرة بن أبي بصرة (^٥) أنه تزوج امرأة بكرًا في خدرها، فإذا هي حبلى من الزنا، فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فقضى لها بالصداق، وفرق بينهما، وأمر بجلدها، وقال: "الولد عبد لك" (^٦)، فالصداق في مقابلة البضع. ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، أن المراد بذلك العقد (^٧). وقال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾] (^٨)، قال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان (^٩). قال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد وأبي العالية والحسن وقتادة ويحيى بن أبي كثير والضحاك والسدي، نحو ذلك (^١٠). وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: هو قوله: "أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله" فإن
_________________
(١) زيادة من (ح) و(مح) و(حم).
(٢) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق بكر بن عبد الله المزني عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح عن ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٣) زيادة من (ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٤) أخرجه البخاري من حديث ابن عمر (الصحيح، الطلاق، باب قول الإمام للمتلاعنين: إن أحدكما كاذب .. ح ٥٣١٢)، وأخرجه مسلم (الصحيح، اللعان، الحديث الرابع رقم ١٤٩٣).
(٥) كذا في الأصل وفي سنن أبي داود: "بصرة ابن أكثم"، وكلاهما صحابي.
(٦) أخرجه أبو داود من طريق ابن جريج عن صفوان بن سليم عن سعيد بن المسيب عن رجل من الأنصار … يقال له: بصرة بنحوه (السنن، النكاح، باب في الرجل يتزوج المرأة فيجدها حبلى ح ٢١٣١)، وذكر أبو حاتم أنه مرسل (العلل ١/ ٤١٨)، وفي سنده ابن جريج لم يصرح بالسماع.
(٧) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق حبيب بن أبي ثابت عنه، وقول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن، وقول سعيد بن جبير ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٨) زيادة من (ح) و(حم) و(مح).
(٩) سنده حسن.
(١٠) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف الإسناد.
[ ٣ / ٤٧ ]
كلمة الله هي التشهد في الخطبة، قال: وكان فيما أعطى النبي ﷺ ليلة أسري به، قال له: "جعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي" رواه ابن أبي حاتم (^١).
وفي صحيح مسلم عن جابر في خطبة حجة الوداع أن النبي ﷺ قال فيها: "واستوصوا بالنساء خيرًا فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله" (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾، حرم الله تعالى زوجات الآباء تكرمة لهم، وإعظامًا واحترامًا أن توطأ من بعده، حتى إنها لتحرم عن الابن بمجرد العقد عليها، وهذا أمر مجمع عليه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا قيس بن الربيع، حدثنا أشعث بن سوار، عن عدي بن ثابت، عن رجل من الأنصار، قال: لما توفي [أبو قيس] (^٣) - يعني: ابن الأسلت - وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأته، فقالت: إنما أعدك ولدًا وأنت من صالحي قومك، ولكن آتي رسول الله ﷺ فأستأمره فأتت رسول الله ﷺ، فقالت: إن أبا قيس توفي، فقال: "خيرًا" ثم قالت: إن ابنه قيسًا خطبني، وهو من صالحي قومه، وإنما كنت أعده ولدًا فما ترى؟ فقال لها: "ارجعي إلى بيتك"، قال: فنزلت ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (^٤).
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا حسين، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قال: نزلت في أبي قيس بن الأسلت خلف على أُم عبيد الله بنت ضمرة، وكانت تحت الأسلت أبيه وفي الأسود بن خلف، وكان خلف على ابنة أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وكان عند [أبيه] (^٥) خلف، وفي فاختة ابنة الأسود بن المطلب بن أسد كانت عند أُمية بن خلف، فخلف عليها صفوان بن أمية (^٦). وقد زعم السهيلي أن نكاح نساء الآباء كان معمولًا به في الجاهلية، ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ كما قال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] قال: وقد فعل ذلك كنانة بن خزيمة، تزوج بامرأة أبيه، فأولدها ابنه النضر بن كنانة، قال: وقد قال ﷺ: "ولدت من نكاح لا من سفاح" (^٧)، قال: فدل على أنه كان سائغًا لهم ذلك، فإن أراد أنهم كانوا يعدونه نكاحًا فيما بينهم. فقد قال ابن جرير: [حدثنا محمد بن عبد الله المخرمي، حدثنا قُراد] (^٨)، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن سعيد بن سابق عن أبي جعفر به وسنده مرسل.
(٢) أخرجه مسلم مطولًا من حديث جابر (الصحيح، الحج، باب حجة النبي ﷺ ح ١٢١٨).
(٣) زيادة من (ح) و(حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب أشعث بن سوار، وهو ضعيف (التقريب ١/ ٧٩).
(٥) كذا في (ح) و(حم) و(مح) والطبري، وفي الأصل: "ابنه" وهو تصحيف.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وأطول، وسنده ضعيف بسبب حسين وهو سنيد وكذلك إرسال عكرمة.
(٧) أخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١٠/ ٣٩٩ ح ١٠٨١٢)، والبيهقي (السنن الكبرى ٧/ ١٩٠)، كلاهما من طريق أبي الحويرث عن ابن عباس. وسنده ضعيف لأن أبا الحويرث مجهول كما في التقريب.
(٨) كذا في (ح) و(حم) وفي الأصل محمد بن عبد الله المخزومي، ثنا بزاز وهو تصحيف.
[ ٣ / ٤٨ ]
أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] (^١). وهكذا قال عطاء وقتادة (^٢)، ولكن فيما نقله السهيلي من قصة كنانة نظر، والله أعلم، وعلى كل تقدير فهو حرام في هذه الآية، مبشع غاية التبشع، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، وقد قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] وقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ [الإسراء] فزاد ههنا ﴿وَمَقْتًا﴾ أي: بغضًا؛ أي: هو أمر كبير في نفسه، ويؤدي إلى مقت الابن أباه بعد أن يتزوج بامرأته، فإن الغالب أن من تزوج بامرأة يبغض من كان زوجها قبله، ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة لأنهن أمهات لكونهن زوجات النبي ﷺ وهو كالأب للأُمة بل حقه أعظم من حق الآباء بالإجماع، بل حبه مقدم على حب النفوس صلوات الله وسلامه عليه (^٣).
وقال عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿وَمَقْتًا﴾ أي: يمقت الله عليه، ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ أي: وبئس طريقًا لمن سلكه من الناس، فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه، فيقتل ويصير ماله فيئًا لبيت المال. كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق عن البراء بن عازب، عن خاله [أبي بردة] (^٤) - وفي رواية: ابن عمر، وفي رواية: عن عمه - أنه بعثه رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه [من بعده] (^٥) أن يقتله ويأخذ ماله (^٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا أشعث، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال: مرَّ بي عمي الحارث بن عمرو ومعه لواء قد عقده له النبي ﷺ فقلت له: أي عمّ أين بعثك النبي؟ قال: بعثني إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه (^٧).
(مسألة): وقد أجمع العلماء على تحريم من وطئها الأب بتزويج أو ملك أو شبهة، واختلفوا فيمن باشرها بشهوة دون الجماع، أو نظر إلى ما لا يحل له النظر إليه منها لو كانت أجنبية، ونصّ (^٨) الإمام أحمد ﵀ أنها تحرم أيضًا بذلك، وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة حُديج الحصني مولى معاوية قال: اشترى لمعاوية جارية بيضاء جميلة، فأدخلها عليه مجردة وبيده قضيب، فجعل يهوي به إلى متاعها، ويقول: نعم المتاع، لو كان له متاع اذهب بها إلى يزيد بن معاوية، ثم قال: لا، ادع لي ربيعة بن عمرو الجُرشي، وكان فقيهًا، فلما دخل عليه قال: إن هذه أتيت بها مجردة فرأيت منها ذاك وذاك، وإني أردت أن أبعث بها إلى يزيد، فقال: لا تفعل
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورجاله ثقات، وقراد هو عبد الرحمن بن غزوان الضبي، وسنده صحيح.
(٢) قول عطاء أخرجه الطبري بسند فيه سُنيد وهو ضعيف، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق زهير بن محمد عن عطاء بن أبي رباح.
(٤) (^٥) الزيادة من (ح) و(حم) و(مح).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بنحوه (المسند ٣٠/ ٥٧٢ ح ١٨٦١٠)، وضعفه محققوه.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠/ ٥٤٣ ح ١٨٥٧٩)، وضعفه محققوه، وفي سنده أشعث وهو ابن سوار: ضعيف كما في التقريب.
(٧) كذا في الأصل، وفي (حم) و(مح): "وعن".
[ ٣ / ٤٩ ]
يا أمير المؤمنين فإنها لا تصلح له، ثم قال: ما رأيت، ثم قال: ادع لي عبد الله بن مسعدة الفزاري، فدعوته وكان آدم شديد الأدمة، فقال: دونك هذه بيض بها ولدك، قال: وكان عبد الله بن مسعدة هذا وهبه رسول الله ﷺ لابنته فاطمة فربته، ثم أعتقته، ثم كان بعد ذلك مع معاوية من الناس على علي بن أبي طالب ﵁.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾.
هذه الآية الكريمة هي آية تحريم المحارم من النسب وما يتبعه من الرضاع ومن المحارم بالصهر، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان بن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: حرمت عليكم سبع نسبًا وسبع صهرًا، وقرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ …﴾ الآية (^١)، وحدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير، مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: يحرم من النسب سبع ومن الصهر سبع، ثم قرأ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ فهن النسب (^٢).
وقد استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزاني عليه بعموم قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ فإنها بنت، فتدخل في العموم كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل، وقد حكي عن الشافعي شيء في إباحتها لأنها ليست بنتًا شرعية، فكما لم تدخل في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] فإنها لا ترث بالإجماع، فكذلك لا تدخل في هذه الآية، والله أعلم، وقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ أي: كما يحرم عليك أمك التي ولدتك، كذلك يحرم عليك أمك التي أرضعتك، ولهذا روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث مالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أُم المؤمنين، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الرضاعة تحرّم ما تحرّم الولادة" (^٣)، وفي لفظ
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح أخرجه البخاري من طريق يحيى بن سعيد عن سفيان به (الصحيح، النكاح، باب "ما يحل من النساء وما يحرم" ح ٥١٠٥).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) صحيح البخاري، فرض الخمس، باب ما جاء في بيوت أزواج النبي ﷺ وما نسب من البيوت إليهن (ح ٣١٠٥)، وصحيح مسلم، الرضاع، باب ما يحرم من الرضاعة (ح ١٤٤٤).
[ ٣ / ٥٠ ]
لمسلم: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب" (^١).
[وقال بعض الفقهاء: كل ما يحرم بالنسب يحرم] (^٢) بالرضاعة إلا في أربع صور، وقال بعضهم: ست صور هي مذكورة في كتب الفروع والتحقيق أنه لا يستثنى شيء من ذلك، لأنه يوجد مثل بعضها من النسب، وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر فلا يرد على الحديث شيء أصلًا ألبتة، ولله الحمد وبه الثقة.
ثم اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرمة، فذهب ذاهبون إلى أنه يحرم مجرد الرضاع لعموم هذه الآية، وهذا قول مالك، ويحكى عن ابن عمر، وإليه ذهب سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والزهري. وقال آخرون: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات، لما ثبت في صحيح مسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ، قال: "لا تحرم المصة ولا المصتان" (^٣).
وقال قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم الفضل، قالت: قال رسول الله ﷺ: "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، والمصة ولا المصتان" (^٤)، وفي لفظ آخر: "لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان" رواه مسلم (^٥).
وممن ذهب إلى هذا القول: الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، وأبو ثور، وهو محكي عن علي وعائشة وأم الفضل وابن الزبير وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير ﵏. وقال آخرون: لا يحرم أقل من خمس رضعات، لما ثبت في صحيح مسلم من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر، عن عَمْرة، عن عائشة ﵂، قالت: كان فيما أنزل من القرآن (عشر رضعات معلومات يحرمن) ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي النبي ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن (^٦). وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، نحو ذلك (^٧). وفي حديث سهلة بنت سهيل، أن رسول الله ﷺ أمرها أن ترضع سالمًا مولى أبي حذيفة خمس رضعات (^٨)، وكانت عائشة تأمر من تريد أن يدخل عليها أن يرضع خمس رضعات، وبهذا قال الشافعي وأصحابه، ثم ليعلم أنه لا بدّ أن تكون الرضاعة في سن الصغر دون الحولين على قول الجمهور. وكما قدمنا الكلام على هذه المسألة في سورة البقرة عند قوله: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
_________________
(١) أخرجه مسلم من حديث عائشة (الصحيح، الرضاع، باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل، الحديث التاسع ٢/ ١٠٧٠).
(٢) ما بين معقوفين سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و(مح).
(٣) أخرجه مسلم من طريق ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير عن عائشة، صحيح مسلم، الرضاع، باب في المصة والمصتان (ح ١٤٥٠).
(٤) المصدر السابق (ح ٢٠).
(٥) المصدر السابق (ح ٢٢).
(٦) صحيح مسلم، الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات (ح ١٤٥٢).
(٧) المصنف ٧/ ٤٦٦ رقم (١٣٩١٢).
(٨) أخرجه البخاري، النكاح، باب الأكفاء في الدين (ح ٥٠٨٨)، وصحيح مسلم الرضاع، باب رضاعة الكبير (ح ١٤٥٣).
[ ٣ / ٥١ ]
واختلفوا هل يحرم لبن الفحول، كما هو قول الجمهور الأئمة الأربعة وغيرهم، أو إنما يختص الرضاع بالأم فقط، ولا ينتشر إلى ناحية الأب، كما هو قول لبعض السلف؟ على قولين، تحرير هذا كله في كتاب الأحكام الكبير.
وقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، أما أم المرأة فإنها تحرم بمجرد العقد على ابنتها، سواء دخل بها أو لم يدخل، وأما الربيبة وهي بنت المرأة فلا تحرم بمجرد العقد على أمها حتى يدخل، فإن طلّق الأم قبل الدخول بها جاز له أن يتزوج بنتها، ولهذا قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: في تزويجهن، فهذا خاص بالربائب [وحدهنّ. وقد توهم (^١) بعضهم عود الضمير إلى الأمهات والربائب] (^٢)، فقال: لا تحرم واحدة من الأم ولا البنت بمجرد العقد على الأخرى حتى يدخل بها، لقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي وعبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي رضي الله تعالى عنه، في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، أيتزوج أمها؟ قال: هي بمنزلة الربيبة (^٣). وحدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى عن (^٤) سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن ثابت، قال: إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوج أمها (^٥). وفي رواية عن قتادة، عن سعيد، عن زيد بن ثابت، أنه كان يقول: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها، فإذا طلقها قبل أن يدخل بها فإن شاء فعل (^٦).
وقال ابن المنذر: حدثنا إسحاق عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو بكر بن حفص، عن مسلم بن عويمر الأجدع، أن بكر بن كنانة أخبره أن أباه أنكحه امرأة بالطائف، قال: فلم أجامعها حتى توفى عمي عن أمها، وأمها ذات مال كثير، فقال أبي: هل لك في أمها؟ قال: فسألت ابن عباس وأخبرته الخبر، فقال: انكح أمها؟ قال: وسألت ابن عمر، فقال: لا تنكحها، فأخبرت أبي ما قال ابن عباس، وما قال ابن عمر، فكتب إلى معاوية فأخبره في كتابه ما قال ابن عمر وابن عباس، فكتب معاوية: إني لا أحل ما حرم الله، ولا أحرم ما أحل الله، وأنت وذاك والنساء سواها كثير. فلم ينه ولم يأذن لي، فانصرف أبي عن أمها فلم ينكحها (^٧).
_________________
(١) قوله: "وقد توهم" كذا في (ح) و(حم)، وفي (مح): "فهم".
(٢) ما بين معقوفين سقط في الأصل، واستدرك من (ح) و(حم) و(مح).
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق سعيد بن أبي عروبة به (المصنف ١٤/ ١٧١)، وسنده صحيح.
(٤) في الأصل: "بن سعيد"، وكذا في الطبري، وفي بعض النسخ كما أثبت.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٦) أخرجه الطبري من طريق حميد بن مسعدة عن يزيد بن زريع عن قتادة به، وسنده حسن.
(٧) أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج به (المصنف ٦/ ٢٧٥ رقم ١٠٨١٩)، ومسلم بن عويمر لم أجد له ترجمة.
[ ٣ / ٥٢ ]
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن سماك بن الفضل، عن رجل، عن عبد الله بن الزبير، قال: الربيبة والأُم سواء لا بأس بها إذا لم يدخل بالمرأة (^١). وفي إسناده رجل مبهم لم يسم.
وقال ابن جريج: أخبرني عكرمة بن خالد أن مجاهدًا قال له: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ أراد بهما الدخول جميعًا (^٢). فهذا القول كما ترى مروي عن علي وزيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير ومجاهد وسعيد بن جبير وابن عباس، وقد توقف فيه معاوية. وذهب إليه من الشافعية أبو الحسن أحمد بن محمد بن الصابوني فيما نقله الرافعي عن [العبادي] (^٣). وقد روي عن ابن مسعود مثله، ثم رجع عنه، قال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي فروة، عن أبي عمرو الشيباني، عن ابن مسعود: أن رجلًا من بني شمِخ من فزارة تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته. فاستفتى ابن مسعود، فأمره أن يفارقها ثم يتزوج أمها، فتزوجها وولدت له أولادًا، ثم أتى ابن مسعود المدينة، فسئل عن ذلك، فأخبر أنها لا تحل له، فلما رجع إلى الكوفة قال للرجل: إنها عليك حرام ففارقها (^٤). وقد خالفه جمهور العلماء من السلف والخلف فرأوا أن الربيبة لا تحرم بمجرد العقد على الأم وأنها لا تحرم إلا بالدخول بالأُم بخلاف الأم، فإنها تحرم بمجرد العقد على الربيبة.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن محمد بن هارون [بن عَزْرة] (^٥)، حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه كان يقول: إذا طلق الرجل المرأة قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحل له أمها، روي أنه قال: إنها مبهمة، فكرهها (^٦). ثم قال: وروي عن ابن مسعود وعمران بن حصين ومسروق وطاوس وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وابن سيرين وقتادة والزهري نحو ذلك (^٧). وهذا مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، وجمهور الفقهاء قديمًا وحديثًا، ولله الحمد والمنة.
قال ابن جرير: والصواب قول من قال: الأُم من المبهمات، لأن الله لم يشترط معهن الدخول كما شرط ذلك مع أمهات الربائب، مع أن ذلك أيضًا إجماع [من الحجة] (^٨) التي لا يجوز خلافها فيما جاءت به متفقة عليه. وقد روي بذلك أيضًا عن النبي ﷺ خبر غير أن في إسناده
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق عن معمر به (المصنف ٦/ ٢٧٨ رقم ١٠٨٣٣)، وسنده ضعيف بسبب إبهام الرجل الذي أشار إليه الحافظ ابن كثير.
(٢) أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج به (المصنف ٦/ ٢٧٥ رقم ١٠٨١٧).
(٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي (مح): "العباري"، وهو تصحيف وفي الأصل: "البيضاوي".
(٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٩/ ١١٧ ح ٨٥٧٩)، قال الهيثمي: رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح (المجمع ٤/ ٢٧٠)، وأخرجه عبد الرزاق عن الثوري به (المصنف ٦/ ٢٧٣ رقم ١٠٨١١) وسنده صحيح، وأبو فروة هو: عروة بن الحارث الهمداني، وأبو عمرو الشيباني هو: سعد بن إياس.
(٥) كذا في تفسير ابن أبي حاتم وترجمة شيخه جعفر، وفي الأصل و(ح) و(حم) و(مح): "بن عروة".
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه البيهقي من طريق محمد بن إسحاق عن عبد الله بن بكر عن سعيد به (السنن الكبرى ٧/ ١٦٠)، وسنده حسن.
(٧) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.
(٨) سقط في الأصل واستدرك من (ح) و(حم) و(مح).
[ ٣ / ٥٣ ]
نظرًا، وهو ما حدثني به المثنى، حدثنا حبان بن موسى، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها، دخل بالبنت أو لم يدخل، وإذا تزوج بالأم فلم يدخل بها ثم طلقها، فإن شاء تزوج الابنة"، ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فإن في إجماع الحجة على صحة القول به مستغنى عن الاستشهاد على صحته بغيره (^١).
وأما قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فجمهور الأمة على أن الربيبة حرام سواء كانت في حجر الرجل، أولم تكن في حجره، قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]. وفي الصحيحين أن أم حبيبة قالت: يا رسول الله انكح أختي بنت أبي سفيان، [وفي لفظ لمسلم عزة بنت أبي سفيان] (^٢)، قال: "أو تحبين ذلك"؟ قالت: نعم لست لك بِمُخْلِيَةٍ، وأحب من شاركني في خير أختي، قال: "فإن ذلك لا يحل لي". قالت: فإنا نحدث أنك تريد أن تكح بنت أبي سلمة، قال: "بنت أم سلمة" قالت: نعم. قال: "إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لبنت أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن" (^٣)، وفي رواية البخاري: "إني لو لم أتزوج أُم سلمة ما حلّت لي" (^٤)، فجعل المناط في التحريم [مجرد تزوجه أم سلمة، وحكم بالتحريم] (^٥) لذلك، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وجمهور الخلف والسلف، وقد قيل: بأنه لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجر الرجل، فإذا لم تكن كذلك فلا تحرم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا هشام - يعني: ابن يوسف - عن ابن جريج، حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، أخبرني مالك [بن أوس] (^٦) بن الحدثان، قال: كانت عندي امرأة فتوفيت، وقد ولدت لي فوجدت عليها، فلقيني علي بن أبي طالب فقال: ما لك؟ فقلت: توفيت المرأة. فقال علي: لها ابنة؟ قلت: نعم وهي بالطائف. [قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا، هي بالطائف] (^٧) قال: فانكحها، قلت: فأين قول الله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾؟ قال: إنها لم تكن في حجرك إنما ذلك إذا كانت في حجرك (^٨). هذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم، وهو قول غريب جدًّا، وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه. وحكاه أبو القاسم الرافعي عن مالك ﵀، واختاره ابن
_________________
(١) ذكره الطبري بالرواية نفسها وبتعليقه، وفي سنده المثنى بن الصباح: ضعيف (التقريب ص ٥١٩).
(٢) الزيادة من (ح) و(حم) و(مح).
(٣) صحيح البخاري، النكاح، باب ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (ح ٥١٠١) وصحيح مسلم، الرضاع، باب تحريم الربيبة (ح ١٤٤٩).
(٤) صحيح البخاري، النكاح، باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير (ح ٥١٢٣).
(٥) الزيادة من (ح) و(حم) و(مح).
(٦) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "بن رزين" وهو تصحيف.
(٧) زيادة من (ح) و(حم) و(مح).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وصححه أيضًا السيوطي (الدر ٢/ ١٣٦).
[ ٣ / ٥٤ ]
حزم، وحكى لي شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي أنه عرض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين بن تيمية ﵀، فاستشكله وتوقف في ذلك، والله أعلم.
وقال ابن المنذر: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا الأثرم، عن أبي عبيدة قوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾، قال: في بيوتكم (^١).
وأما الربيبة في ملك اليمين فقد قال الإمام مالك بن أنس، عن ابن شهاب: أن عمر بن الخطاب سئل عن المرأة وبنتها من ملك اليمين، توطأ إحداهما بعد الأخرى؟ فقال عمر: ما أحب أن أخبرهما جميعًا (^٢). يريد أن أطأهما جميعًا بملك يميني، وهذا منقطع.
وقال سنيد بن داود في تفسيره: حدثنا أبو الأحوص، عن طارق بن عبد الرحمن، عن قيس، قال: قلت لابن عباس: أيقع الرجل على امرأة وابنتها مملوكين له؟ فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله (^٣). وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر ﵀: لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وبنتها من ملك اليمين، لأن الله حرم ذلك في النكاح، قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ وملك اليمين عندهم تبع للنكاح إلا ما روي عن ابن عمر وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم. قال هشام عن قتادة: بنت الربيبة وبنت ابنتها لا تصلح وإن كانت أسفل ببطون كثيرة، وكذا قال قتادة عن أبي العالية.
ومعنى قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أي: نكحتموهن، قاله ابن عباس وغير واحد (^٤). وقال ابن جريج عن عطاء: هو أن تهدى إليه فيكشف ويفتش ويجلس بين رجليها. وقلت: أرأيت إن فعل ذلك في بيت أهلها؟ قال: هو سواء، وحسبه قد حرم ذلك عليه ابنتها (^٥).
وقال ابن جرير: وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأته لا يحرّم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها أو قبل النظر إلى فرجها بشهوة ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع (^٦).
وقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ أي: وحرمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم، يحترز بذلك عن الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية. كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾. قال: كنا نحدث - والله أعلم - أن النبي ﷺ لما نكح امرأة زيد، قال المشركون
_________________
(١) أخرجه ابن المنذر في تفسيره برقم (١٥٤٧) بسنده ومتنه، وسنده ثابت فالرواية أوردها أبو عبيدة في مجاز القرآن ١/ ١٢١.
(٢) أخرجه الإمام مالك بسند متصل عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبيه أن عمر بن الخطاب به وفي آخره، ونهى عن ذلك (الموطأ، النكاح، باب ما جاء في كراهية إصابة الأختين بملك اليمين ٢/ ٥٣٨ ح ٣٣).
(٣) سنده حسن، وقيس هو: ابن أبي حازم البجلي ثقة (التقريب ص ٢٨١).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده الثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٥) أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج به (المصنف ٦/ ٢٧٦ رقم ١٠٨٢٢)، وسنده صحيح.
(٦) ذكره الطبري بلفظه في تفسيره (٦/ ٥٦٠).
[ ٣ / ٥٥ ]
بمكة في ذلك، فأنزل الله ﷿ ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ونزلت ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، ونزلت ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] (^١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا خالد بن الحارث، عن الأشعث، عن الحسن بن محمد: أن هؤلاء الآيات مبهمات ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ (^٢)، ثم قال: وروي عن طاوس وإبراهيم والزهري ومكحول، نحو ذلك (^٣).
(قلت): معنى مبهمات، أي: عامة في المدخول بها وغير المدخول، فتحرم بمجرد العقد عليها، وهذا متفق عليه، فإن قيل: فمن أين تحرم امرأة ابنه من الرضاعة كما هو قول الجمهور، ومن الناس من يجعله (^٤) إجماعًا وليس من صلبه، [فالجواب] (^٥) من قوله ﷺ: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (^٦)، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: وحرم عليكم الجمع بين الأختين معًا في التزويج، وكذا في ملك اليمين إلا ما كان منكم في جاهليتكم فقد عفونا عن ذلك وغفرناه. فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل ولا استثناء فيما سلف، كما قال: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] [فدل على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدًا] (^٧)، وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديمًا وحديثًا على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح، ومن أسلم وتحته أختان، خير فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة. قال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي وهب الجَيْشاني، عن الضحاك بن فيروز، عن أبيه، قال: أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي ﷺ أن أطلق أحداهما (^٨). ثم رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ابن لهيعة، وأخرجه أبو داود والترمذي أيضًا من حديث [يزيد بن أبي حبيب، كلاهما عن أبي وهب الجَيْشاني، قال الترمذي: واسمه ديلم بن] (^٩) الهوشع. عن الضحاك بن فيروز الديلمي، عن أبيه به، وفي لفظ للترمذي: فقال النبي ﷺ: "اختر أيتهما شئت"، ثم قال: [الترمذي: هذا حديث حسن (^١٠). وقد رواه ابن ماجه أيضًا] (^١١) بإسناد آخر فقال: حدثنا أبو
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج به (المصنف ٦/ ٢٨٠ رقم ١٠٨٣٧)، وسنده مرسل.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٣) ذكره كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٤) كذا في الأصل، وفي (ح) و(حم) و(مح): "يحكيه".
(٥) والزيادة من (ح) و(حم) و(مح).
(٦) حديث صحيح تقدم في بداية تفسير آية ٢٣ من هذه السورة.
(٧) والزيادة من (ح) و(حم) و(مح).
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٣٢)، وسنده حسن إذ توبع ابن لهيعة كما سيأتي في الرواية التالية.
(٩) والزيادة من (ح) و(حم) و(مح).
(١٠) سنن أبي داود، الطلاق، باب فيمن أسلم وعنده نساء أكثر من أربع أو أختان (ح ٢٢٤٣)، وسنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده أختان (ح ١١٢٩).
(١١) والزيادة من (ح) و(حم) و(مح).
[ ٣ / ٥٦ ]
بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبي وهب الجَيْشاني، عن أبي خراش الرعيني، عن الديلمي قال: قدمت على رسول الله ﷺ وعندي أختان تزوجتهما في الجاهلية، فقال: "إذا رجعت فطلق إحداهما" (^١) قلت: فيحتمل أن أبا خراش هذا هو الضحاك بن فيروز، ويحتمل أن يكون غيره، فيكون أبو وهب قد رواه عن اثنين عن فيروز الديلمي، والله أعلم. وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا أحمد بن يحيى الخولاني، حدثنا هيثم بن خارجة، حدثنا يحيى بن إسحاق، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن رُزَيق بن حكيم، عن كثير بن مرة، عن الديلمي قلت: يا رسول الله، إن تحتي أختين، قال: "طلّق أيهما شئت" (^٢)، فالديلمي المذكور أولًا هو الضحاك بن فيروز الديلمي قال أبو زرعة الدمشقي: كان يصحب عبد الملك بن مروان، والثاني هو أبو فيروز الديلمي ﵁، وكان من جملة الأمراء باليمن الذين وَلُوا قتل الأسود العنسي المتنبئ لعنه الله، وأما الجمع بين الأختين في ملك اليمين فحرام أيضًا لعموم الآية. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن [عبد الله بن أبي عتبة] (^٣)، عن ابن مسعود أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين، فكرهه فقال له - يعني السائل -: يقول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فقال له ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: وبعيرك مما ملكت يمينك (^٤). وهذا هو المشهور عن الجمهور والأئمة الأربعة وغيرهم، وإن كان بعض السلف قد توقف في ذلك. قال الإمام مالك ﵀ عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب: أن رجلًا سأل عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين، هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية وحرمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك، فخرج من عنده، فلقي رجلًا من أصحاب النبي ﷺ فسأله عن ذلك، فقال: لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت أحدًا فعل ذلك لجعلته نكالًا. قال مالك: قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب. قال: وبلغني عن الزبير بن العوام مثل ذلك (^٥).
قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري ﵀ في كتاب [الاستذكار] (^٦): إنما كنى قبيصة بن ذؤيب عن علي بن أبي طالب لصحبته عبد الملك بن مروان، وكانوا يستثقلون ذكر علي بن أبي طالب ﵁، ثم قال أبو عمر: حدثني خلف بن أحمد قراءة عليه: أن خلف بن مطرف حدثهم: حدثنا أيوب بن سليمان وسعيد بن سليمان ومحمد بن عمر بن لبابة، قالوا: حدثنا أبو زيد
_________________
(١) سنن ابن ماجه، النكاح، باب الرجل يسلم وعنده أختان (ح ١٩٥١)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٥٨٧).
(٢) تقدم تحسينه في الرواية السابقة.
(٣) كذا في تفسير ابن أبي حاتم والتقريب، وفي الأصل بلفظ: "عبد الله بن أبي نجيبة أو عتبة"، وفي (ح) و(حم) و(مح): "عبد الله بن أبي عنبة أو عتبة".
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٥) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه وتعليق (الموطأ، النكاح، باب ما جاء في كراهية إصابة الأختين ٢/ ٧٢)، وسنده إلى عثمان صحيح.
(٦) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "الاستدرك" وهو تصحيف.
[ ٣ / ٥٧ ]
عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري، عن موسى بن أيوب الغافقي، حدثني عمي إياس بن عامر، قال: سألت علي بن أبي طالب ﵁ فقلت: إن لي أختين مما ملكت يميني، اتخذت إحداهما سرية فولدت لي أولادًا ثم رغبت في الأخرى فما أصنع؟ فقال علي ﵁: تعتق التي كنت تطأ ثم تطأ الأخرى، قلت: فإن ناسًا يقولون: بل تزوجها ثم تطأ الأخرى، فقال علي: أرأيت إن طلقها زوجها أو مات عنها، أليس ترجع إليك؟ لأن تعتقها أسلم لك. ثم أخذ علي بيدي فقال لي: إنه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله ﷿ من الحرائر إلا العدد، أو قال: إلا الأربع، ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب، ثم قال أبو عمر: هذا الحديث رحلة، لو لم يصب الرجل من أقصى المغرب أو المشرق إلى مكة غيره لما خابت رحلته (^١). قلت: وقد روي عن علي نحو ما روي عن عثمان.
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن العباس، حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، حدثنا عبد الرحمن بن غزوان، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال لي علي بن أبي طالب: حرمتهما آية وأحلتهما آية - يعني: الأختين -[قال ابن عباس] (^٢): فحُرِمهنّ عليّ قرابتي منهن ولا يحرمهن عليّ قرابة بعضهن من بعض، يعني: الإماء وكانت الجاهلية يحرمون ما تحرمون إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين. فلما جاء الإسلام أنزل [اللّه ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]] (^٣). ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ يعني: في النكاح (^٤)، ثم قال أبو عمر: روى الإمام أحمد بن حنبل، حدثنا محمد بن سلمة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود قال: يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد، وعن ابن سيرين والشعبي نحو ذلك.
قال أبو عمر: وقد روي مثل قول عثمان عن طائفة من السلف منهم ابن عباس، ولكنهم اختلف عليهم، ولم يلتفت إلى ذلك أحد من فقهاء الأمصار والحجاز ولا العراق ولا ما وراءهما من المشرق ولا بالشام ولا المغرب، إلا من شذ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي القياس، وقد ترك من يعمل ذلك ما اجتمعنا عليه، وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء كما لا يحل ذلك في النكاح. وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ …﴾ إلى آخر الآية، أن النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء، فكذلك يجب أن يكون نظرًا وقياسًا الجمع بين الأختين وأمهات النساء والربائب. وكذلك هو عند جمهورهم، وهم الحجة المحجوج بها من خالفها وشذَّ عنها (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: وحرم عليكم من الأجنبيات
_________________
(١) الاستذكار ١٦/ ٢٥٢.
(٢) الزيادة من (ح) و(حم) و(مح).
(٣) الزيادة من (ح) و(حم) و(مح).
(٤) سنده حسن.
(٥) الاستذكار (١٦/ ٢٥٠ - ٢٥١).
[ ٣ / ٥٨ ]
المحصنات، وهن المزوجات ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، يعني: إلا ما ملكتموهن بالسبي فإنه يحل لكم وطؤهن إذا [استبرأتموهن] (^١)، فإن الآية نزلت في ذلك. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان - هو الثوري -، عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري، قال: أصبنا نساء من سبي أوطاس، ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا النبي ﷺ، فنزلت هذه الآية ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فاستحللنا بها فروجهن (^٢). وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع، عن هشيم، ورواه النسائي من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، ثلاثتهم عن عثمان البتي، ورواه ابن جرير من حديث أشعث بن سوار - عن عثمان البتي -، ورواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة عن قتادة، كلاهما عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم، عن أبي سعيد الخدري … فذكره (^٣)، وهكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، [عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري به. وقد روي من وجه آخر] (^٤) عن أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد الخدري، قال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي علقمة، عن أبي سعيد الخدري أن أصحاب رسول الله ﷺ أصابوا سبايا يوم أوطاس، لهن أزواج من أهل الشرك، فكان أناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ كفوا وتأثموا من غشيانهن، قال: فنزلت هذه الآية في ذلك ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^٥). وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث سعيد بن أبي عروبة، زاد مسلم: وشعبة، ورواه الترمذي من حديث همام بن يحيى، ثلاثتهم عن قتادة بإسناده نحوه (^٦). وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ولا أعلم أن أحدًا ذكر أبا علقمة في هذا الحديث إلا ما ذكر همام عن قتادة - كذا قال - وقد تابعه سعيد وشعبة، والله أعلم.
وقد روى الطبراني من حديث الضحاك عن ابن عباس: أنها نزلت في سبايا خيبر، وذكر مثل حديث أبي سعيد (^٧)، وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن بيع الأمة يكون طلاقًا لها من زوجها أخذًا بعموم هذه الآية.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم أنه سئل عن الأمة تباع ولها زوج؟ قال: كان عبد الله يقول: بيعها طلاقها. ويتلو هذه الآية
_________________
(١) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "اشتريتموهن" وهو تصحيف.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٧٢)، وسنده صحيح على شرط مسلم.
(٣) صحيح مسلم، الرضاع، باب جواز وطء المسبية بعد الاستبراء (ح ١٤٥٦)، وسنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في الرجل يسبي الأمة. (ح ١١٣٢).
(٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (ح) و(حم) و(مح).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٨٤)، وهو على شرط مسلم.
(٦) صحيح مسلم، الرضاع، باب جواز وطء المسبية بعد الاستبراء، (ح ١٤٥٦)، وسنن أبي داود، النكاح، باب في وطء السبايا (ح ٢١٥٥)، وسنن النسائي، النكاح، باب تأويل قول الله ﷿: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] (٦/ ١١٠)، وسنن الترمذي، كتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل يسبي الأمة ولها زوج … (ح ١١٣٢).
(٧) المعجم الأوسط ٤/ ٢٩٧ (ح ٤٢٥١)، وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس.
[ ٣ / ٥٩ ]
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وكذا رواه سفيان، عن منصور ومغيرة والأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، قال: بيعها طلاقها (^١). وهو منقطع، ورواه سفيان الثوري، عن خالد، عن أبي قلابة، عن ابن مسعود، قال: إذا بيعت الأمة ولها زوج، فسيدها أحق ببضعها (^٢). ورواه سعيد عن قتادة، قال: إن أُبي بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس، قالوا: بيعها طلاقها (^٣). وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طلاق الأمة [ست] (^٤): بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، [وبراءتها طلاقها، وطلاق زوجها طلاقها] (^٥) (^٦). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قال: هُنّ ذوات الأزواج حرم الله نكاحهن إلا ما ملكت يمينك، فبيعها طلاقها. قال معمر: وقال الحسن مثل ذلك (^٧)، وهكذا رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قال: إذا كان لها زوج، فبيعها طلاقها (^٨). وروى عوف عن الحسن: بيع الأمة طلاقها، وبيعه طلاقها (^٩).
فهذا قول هؤلاء من السلف، وقد خالفهم الجمهور قديمًا وحديثًا، فرأوا أن بيع الأمة ليس طلاقًا لها لأن المشتري نائب عن البائع، والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة وباعها مسلوبة عنها، واعتمدوا في ذلك على حديث بريرة المخرج في الصحيحين وغيرهما، فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها ونجزّت عتقها، ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها رسول الله ﷺ، بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ وقصتها مشهورة (^١٠)، فلو كان بيع الأمة طلاقها كما قال هؤلاء ما خيرها النبي ﷺ، فلما خيّرها دل على بقاء النكاح، وأن المراد من الآية المسبيات فقط، والله أعلم. وقد قيل: المراد بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يعني: العفائف حرام عليكم حتى تملكوا عصمتهن بنكاح وشهود ومهور وولي، واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، حكاه ابن جرير عن أبي العالية (^١١) وطاوس وغيرهما. وقال عمر وعبيدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ما عدا الأربع حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم (^١٢).
_________________
(١) أخرجه الطبري بأسانيد ولفظه، والانقطاع هو بين إبراهيم النخعي وابن مسعود. ويتقوى بطريق الثوري التالي.
(٢) سنده صحيح، وخالد هو الحذاء.
(٣) أخرجه الطبري من طريق عبد الأعلى عن سعيد به، وسنده إلى أبي صحيح، وأما عن جابر وابن عباس فمنقطع لأن قتادة لم يسمع منهما.
(٤) في الأصل: "سبيت" وهو تصحيف.
(٥) الزيادة من (ح) و(حم) و(مح) وتفسير الطبري.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومنته، وسنده صحيح، ولم يذكر منها إلا خمسًا.
(٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره بالطريقين وكلاهما صحيح السند.
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة عن سعيد به (المصنف ٥/ ٨٤)، وسنده صحيح.
(٩) أخرجه ابن أبي شيبة عن عبد الأعلى عن عوف الأعرابي به (المصنف ٥/ ٨٤)، وسنده صحيح.
(١٠) صحيح البخاري، الشروط، باب الشروط في البيوع (ح ٢٧١٧)، وصحيح مسلم، العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق، الحديث بعد (ح ١٥٠٤).
(١١) بل أسنده الطبري عن أبي العالية فقط بنحوه، وفي سنده سنيد: ضعيف.
(١٢) قول عمر أخر الطبري، وفي سنده أشعث بن سوار ضعيف كما في التقريب، وقول عبيدة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عنه.
[ ٣ / ٦٠ ]
وقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: هذا التحريم كتاب كتبه الله عليكم، فالزموا كتابه، ولا تخرجوا عن حدوده، والزموا شرعه وما فرضه. وقال عبيدة وعطاء والسدي في قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: [يعني: الأربع (^١). وقال إبراهيم: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾] (^٢) يعني: ما حرم عليكم (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أي: ما عدا من ذكرن من المحارم، هن لكم حلال، قاله عطاء (^٤) وغيره: وقال عبيدة والسدي: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ما دون الأربع (^٥)، وهذا بعيد، والصحيح قول عطاء كما تقدم. وقال قتادة: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ يعني: ما ملكت أيمانكم (^٦). وهذه الآية هي التي احتج بها من احتج على تحليل الجمع بين الأختين، وقول من قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: تحصلوا بأموالكم من الزوجات إلى أربع، أو السراري ما شئتم بالطريق الشرعي، ولهذا قال: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي: كما تستمتعون بهن فآتوهن مهورهن في مقابلة ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] وكقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] وكقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه كان مشروعًا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك، وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى أنه أبيح ثم نسخ. ثم أبيح ثم نسخ مرتين، وقال آخرون أكثر من ذلك. وقال آخرون: إنما أبيح مرة ثم نسخ مرة، ولم يبح بعد ذلك. وقد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة، وهو رواية عن الإمام أحمد، وكان ابن عباس وأُبي بن كعب وسعيد بن جبير والسدي يقرؤون (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة) (^٧)، وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة، ولكن الجمهور على خلاف ذلك. والعمدة ما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر (^٨). ولهذا الحديث ألفاظ مقررة هي في كتاب الأحكام. وفي
_________________
(١) قول عبيدة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن سيرين عنه، وقول عطاء أخرجه الطبري بسند فيه سنيد: وهو ضعيف، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٢) ما بين معقوفين سقط، واستدرك من (ح) و(حم) و(مح).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق منصور عن إبراهيم النخعي.
(٤) أخرجه الطبري بسند فيه سنيد.
(٥) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول عَبيدة أخرجه الطبري بسند فيه سفيان بن وكيع: ضعيف.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٧) هذه القراءة شاذة تفسيرية ذكرها الطبري عن أُبي وابن عباس بحذف السند، ورواها عن سعيد بن جبير من طريق عمرو بن مرة عنه.
(٨) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة خيبر (ح ٤٢١٦)، وصحيح مسلم، النكاح، باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ … (ح ٣٠/ ١٤٠٦).
[ ٣ / ٦١ ]
صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني، عن أبيه، أنه غزا مع رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، فقال: "يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا" (^١)، وفي رواية لمسلم: في حجة الوداع، وله ألفاظ موضعها كتاب الأحكام.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ من حمل هذه الآية على نكاح المتعة إلى أجل مسمى، قال: فلا جناح عليكم إذا انقضى الأجل أن تراضوا على زيادة به، وزيادة للجعل، قال السدي: إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى، يعني: الأجر الذي أعطاها على تمتعه بها قبل انقضاء الأجل بينهما، فقال: أتمتع منك أيضًا بكذا وكذا، فإن زاد قبل أن يستبرئ رحمها يوم تنقضي المدة، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ (^٢). قال السدي: إذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة وعليها أن تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث، فلا يرث واحد منهما صاحبه، ومن قال بالقول الأول جعل معناه كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء] أي: إذا فرضت لها صداقًا فأبرأتك منه أو عن شيء منه، فلا جناح عليك ولا عليها في ذلك.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم الحضرمي أن رجالًا كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة، فقال: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم به من بعد الفريضة (^٣).
يعني: إن وضعت لك منه شيئًا فهو لك سائغ. واختار هذا القول ابن جرير.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ والتراضي أن يوفيها صداقها ثم يخيرها (^٤)، يعني: في المقام أو الفراق. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مناسب ذكر هذين الوصفين بعد شرع هذه المحرمات.
﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾.
يقول تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ أي: سعة وقدرة ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: الحرائر العفائف المؤمنات. وقال ابن وهب: أخبرني عبد الجبار عن ربيعة ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ
_________________
(١) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢١/ ١٤٠٦).
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وما ذكره منسوخ ولا يؤخذ من السدي ما يؤيد بدعته.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بالإسناد الثابت عن علي بن أبي طلحة به.
[ ٣ / ٦٢ ]
مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قال ربيعة: الطول الهوى، يعني: ينكح الأمة إذا كان هواه فيها، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^١)، ثم أخذ يشنع على هذا القول ويرده ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: فتزوجوا من الإيماء المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون، ولهذا قال: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، قال ابن عباس وغيره: فلينكح من إماء المؤمنين (^٢)، وكذا قال السدي ومقاتل بن حيان (^٣) ثم اعترض بقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: هو العالم. بحقائق الأمور وسرائرها، [وإنما لكم] (^٤) أيها الناس الظاهر من الأمور، ثم قال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ فدل على أن السيد هو ولي أمته لا تزوج إلا بإذنه، وكذلك هو ولي عبده ليس له أن يتزوج بغير إذنه، كما جاء في الحديث "أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر" (^٥) أي: زانٍ. فإن كان مالك الأمة امرأة زوجها من يزوج المرأة بإذنها لما جاء في الحديث "لا تزوج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها" (^٦).
وقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: وادفعوا مهورهن بالمعروف، أي: عن طيب نفس منكم، ولا تبخسوا منه شيئًا استهانة بهن لكونهن إماء مملوكات.
وقوله تعالى: ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي: عفائف عن الزنا لا يتعاطينه، ولهذا قال: ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ وهن الزواني اللاتي لا يمنعن من أرادهن بالفاحشة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾، قال ابن عباس: المسافحات هن الزواني المعلنات (^٧)، يعني: الزواني اللاتي لا يمنعن أحدًا أرادهن بالفاحشة. و﴿مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ يعني: أخلاء، وكذا روي عن أبي هريرة ومجاهد والشعبي والضحاك وعطاء الخراساني ويحيى بن أبي كثير ومقاتل بن حيان والسدي، قالوا: أخلاء (^٨). وقال الحسن البصري: يعني: الصديق (^٩). وقال الضحاك أيضًا: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ ذات الخليل الواحد المقرة به، نهى الله عن ذلك (^١٠). يعني تزويجها ما دامت كذلك.
_________________
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن وهب به، وفي سنده عبد الحبار وهو ابن عمر الأيلي: ضعيف (التقريب ص ٣٣٢).
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٣) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول مقاتل بن حيان أخرجه ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٤) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "وإيمانكم" وهو تصحيف.
(٥) أخرجه أبو داود (السنن، النكاح، باب في نكاح العبد بغير إذن سيده ح ٢٠٧٨)، والترمذي (السنن، النكاح، باب في نكاح العبد بغير إذن سيده ح ١١١١ - ١١١٢)، وقال: حسن صحيح، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٩٤)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٨٨٧).
(٦) أخرجه ابن ماجه (السنن، النكاح، باب لا نكاح إلا بولي ح ١٨٨٢)، وأخرجه الدارقطني بنحوه (السنن ٣/ ٢٢٧ ح ٢٦)، وصححه ابن الملقن (خلاصة البدر المنير ٢/ ١٨٧ ح ١٩٣٨)، والألباني (الإرواء ٦/ ٢٤٩).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٨) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٩) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.
[ ٣ / ٦٣ ]
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ اختلف القراءة في أحصن، فقرأه بعضهم بضم الهمزة وكسر الصاد مبني لما لم يسم فاعله، وقرئ بفتح الهمزة والصاد فعل لازم (^١)، ثم قيل: معنى القراءتين واحد، واختلفوا فيه على قولين:
(أحدهما): أن المراد بالإحصان ههنا الإسلام، وروي ذلك عن عبد الله بن مسعود وابن عمر وأنس والأسود بن يزيد وزر بن حبيش وسعيد بن جبير وعطاء وإبراهيم النخعي والشعبي والسدي (^٢)، وروى نحوه الزهري عن عمر بن الخطاب وهو منقطع، وهذا هو القول الذي نص عليه الشافعي في رواية الربيع، قال: وإنما قلنا ذلك، استدلالًا بالسنة، وإجماع أكثر أهل العلم. وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثًا مرفوعًا، قال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله، حدثنا أبي، عن أبيه، عن أبي حمزة، عن جابر، عن رجل، عن أبي عبد الرحمن، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ قال: "إحصانها إسلامها وعفافها" وقال: المراد به هاهنا التزويج. قال: وقال علي: اجلدوهن، ثم قال ابن أبي حاتم: وهو حديث منكر (^٣). (قلت): وفي إسناده ضعف، وفيه من لم يسم، ومثله لا تقوم به حجة. وقال القاسم وسالم: إحصانها إسلامها وعفافها (^٤).
وقيل: المراد به ههنا التزويج، وهو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة وطاوس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم (^٥). ونقله أبو علي الطبري في كتابه [الإفصاح] (^٦) عن الشافعي، فيما رواه أبو الحكم بن عبد الحكم عنه. وقد روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد أنه قال: إحصان الأمة أن ينكحها الحر، وإحصان العبد أن ينكح الحرة (^٧)، وكذا روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس (^٨)، رواهما ابن جرير في تفسيره. وذكره ابن أبي حاتم عن الشعبي والنخعي (^٩).
وقيل: بل معنى القراءتين متباين. فمن قرأ: (أحصن) بضم الهمزة فمراده التزويج، ومن قرأ بفتحها فمراده الإسلام. اختاره أبو جعفر بن جرير في تفسيره وقرره ونصره، والأظهر - والله أعلم - أن المراد بالإحصان ههنا التزويج، لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول ﷾: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ
_________________
(١) كلاهما قراءتان متواترتان.
(٢) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وحكمه، وفيه أيضًا رجل مبهم.
(٤) أخرجه الطبري عن سفيان بن وكيع بسنده إليهما، وسفيان ضعيف.
(٥) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عنه، وبقية التابعين ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٦) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "الإيضاح" وهو تصحيف.
(٧) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن إدريس عن ليث به، ورجاله ثقات إلا ليث بن أبي سليم وقد توبع كما في الرواية التالية فسنده حسن.
(٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.
(٩) ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند.
[ ٣ / ٦٤ ]
الْعَذَابِ …﴾ الآية، فالسياق كله في الفتيات المؤمنات فتعين أن المراد بقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ أي: تزوجن، كما فسره ابن عباس ومن تبعه، وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور، وذلك أنهم يقولون: إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة، سواء كانت مسلمة أو كافرة، مزوجة أو بكرًا، مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حد على غير المحصنة ممن زنى من الإماء. وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك.
(الجواب الأول): فأما الجمهور فقالوا: لا شك أن المنطوق مقدم على المفهوم.
وقد وردت أحاديث عامة في إقامة الحد على الإماء، فقدمناها على مفهوم الآية. فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن علي ﵁ أنه خطب فقال: يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك لنبي الله ﷺ فقال: "أحسنت أتركها حتى تماثل" (^١)، وعند عبد الله بن أحمد عن غير أبيه: "فإذا تعالت من نفاسها (^٢) فاجلدها خمسين" (^٣)، وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها؛ فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثانية، فليجلدها الحد، ولا يثرب (^٤) عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها؛ فليبعها ولو بحبل من شعر" أخرجاه (^٥)، ولمسلم: "إذا زنت ثلاثًا فليبعها في الرابعة" (^٦)، وروى مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال: أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش، فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا (^٧).
(الجواب الثاني): جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن فلا حدّ عليها، وإنما تضرب تأديبًا وهو المحكي عن ابن عباس ﵁. وإليه ذهب طاوس وسعيد بن جبير وأبو عبيد القاسم بن سلام وداود بن علي الظاهري في رواية عنه وعمدتهم مفهوم الآية، وهو من مفاهيم الشرط، وهو حجة عند أكثرهم فقدم على العموم عندهم، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ أن رسول الله ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: "إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير". قال ابن شهاب: لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة وأخرجاه في الصحيحين (^٨). وعند مسلم قال ابن شهاب: الضفير الحبل. قالوا: فلم يؤقت فيه عدد كما أقت في المحصنة، وكما وقت في القرآن بنصف ما على المحصنات من العذاب،
_________________
(١) صحيح مسلم، الحدود، باب تأخير الحد عن النفساء (ح ١٧٠٥)، والذي بعده.
(٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح) وفي الأصل: "عن نفاسها". ومعنى تعالت: أي: طهرت (النهاية ٣/ ٢٩٣).
(٣) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن علي (المسند ٢/ ٣٥٤ ح ١١٤٢)، وقال محققوه: صحيح لغيره.
(٤) أي لا يوبخ بعد الضرب (النهاية ١/ ٢٠٩).
(٥) صحيح البخاري، الحدود، باب لا يثرب على الأمة إذا زنت (ح ٦٨٣٩)، وصحيح مسلم، الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى (ح ١٧٠٣).
(٦) المصدر السابق بعد ١٧٠٣ بحديث.
(٧) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الحدود، باب ما جاء في حد الزنا ٢/ ٨٢٧)، وسنده صحيح.
(٨) تقدم تخريجه قبل حاشيتين.
[ ٣ / ٦٥ ]
فوجب الجمع بين الآية والحديث بذلك، - والله أعلم - وأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور، عن سفيان، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس على أمة حد حتى تحصن - أو حتى تزوج - فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات" (^١) وقد رواه ابن خزيمة عن عبد الله بن عمران العابدي، عن سفيان به مرفوعًا، وقال: رفعه خطأ إنما هو من قول ابن عباس. وكذا رواه البيهقي من حديث عبد الله بن عمران وقال مثل ما قاله ابن خزيمة. قالوا: وحديث علي وعمر قضايا أعيان، وحديث أبي هريرة عنه أجوبة:
(أحدها): أن ذلك محمول على الأمة المزوجة جمعًا بينه وبين هذا الحديث.
(الثاني): أن لفظة الحد في قوله: "فليجلدها الحد" مقحمة من بعض الرواة بدليل.
(الجواب الثالث): وهو أن هذا من حديث صحابيين وذلك من رواية أبي هريرة فقط، وما كان عن اثنين فهو أولى بالتقديم من رواية واحد، وأيضًا فقد رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم من حديث عباد بن تميم، عن عمه - وكان قد شهد بدرًا - أن رسول الله ﷺ قال: "إذا زنت الأمة فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فبيعوها ولو بضفير" (^٢).
(الرابع): أنه لا يبعد أن بعض الرواة أطلق [لفظة] (^٣) الحد في الحديث على الجلد، لأنه لما كان الجلد اعتقد أنه حد، أو أنه أطلق لفظة الحد على التأديب، كما أطلق الحد على ضرب [من زنى من المرضى بعثكال نخل فيه مائة شمراخ، وعلى جلد] (^٤) من زنى بأمة امرأته إذا أذنت له فيها مائة، وإنما ذلك تعزير وتأديب عند من يراه كأحمد وغيره من السلف. وإنما الحد الحقيقي هو جلد البكر مائة. ورجم الثيب أو اللائط، والله أعلم.
وقد روى ابن جرير في تفسيره: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة أنه سمع سعيد بن جبير يقول: لا تضرب الأمة إذا زنت ما لم تتزوج (^٥)، وهذا إسناد صحيح عنه، ومذهب غريب إن أراد أنها لا تضرب الأمة أصلًا لا حدًا، وكأنه أخذ بمفهوم الآية ولم يبلغه الحديث، وإن أراد أنها لا تضرب حدًا، ولا ينفي ضربها تأديبًا فهو كقول ابن عباس ﵁ ومن تبعه في ذلك، والله أعلم.
(الجواب الثالث): أن الآية دلّت على أن الأمة المحصنة تحد نصف حد الحرة، فأما قبل الإحصان فعمومات الكتاب والسنة شاملة لها في جلدها مائة، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وكحديث عبادة بن الصامت: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجمها بالحجارة" (^٦)، والحديث في صحيح مسلم وغير ذلك من الأحاديث. وهذا القول هو المشهور
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور بسنده ومتنه (السنن ح ٦١٦)، والصحيح وقفه على ابن عباس، وأخرجه البيهقي من طريقه به وقال: رفعه خطأ والوقف أصح (السنن الكبرى ٨/ ٢٤٣)، وكذا قال ابن خزيمة كما سيأتي في روايته.
(٢) السنن الكبرى، الرجم، باب حد الزاني البكر (ح ٧٢٣٨).
(٣) زيادة من (ح) و(حم) و(مح).
(٤) زيادة من (ح) و(حم) و(مح).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح كما قال الحافظ ابن كثير.
(٦) صحيح مسلم، الحدود، باب حد الزنى (ح ١٦٩٠).
[ ٣ / ٦٦ ]
عن داود بن علي الظاهري وهو في غاية الضعف، لأن الله تعالى إذا كان أمر بجلد المحصنة من الإماء بنصف ما على الحرة من العذاب، وهو خمسون جلدة، فكيف يكون حكمها قبل الإحصان أشد منه بعد الإحصان وقاعدة الشريعة في ذلك عكس ما قال؟ وهذا الشارع ﵇ سأله أصحابه عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فقال: "اجلدوها"، ولم يقل: مائة، فلو كان حكمها كما زعم داود لوجب بيان ذلك لهم، لأنهم إنما سألوا عن ذلك لعدم بيان حكم جلد المائة بعد الإحصان في الإماء بعد نزول بيان حكم جلد الأمة وإلا فما الفائدة في قولهم: ولم تحصن لعدم الفرق بينهما لو لم تكن الآية نزلت، لكن لما علموا حكم أحد الحكمين سألوا عن حكم الآخر فبينه لهم، كما في الصحيحين أنهم لما سألوه عن الصلاة عليه فذكرها لهم، ثم قال: "والسلام ما قد علمتم"، وفي لفظ: لما أنزل الله قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] قالوا: هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ .. وذكر الحديث (^١). وهكذا هذا (^٢) السؤال.
(الجواب الرابع): عن مفهوم الآية جواب أبي ثور فإن مذهبه ما هو أغرب من قول داود من وجوه، وذلك أنه يقول: فإذا أحصن فإن عليهن نصف ما على المحصنات، أي: المزوجات وهو الرجم، وهو لا ينصف فيجب أن ترجم الأمة المحصنة إذا زنت، وأما قبل الإحصان فيجب جلدها خمسين، فأخطأ في فهم الآية وخالف الجمهور في الحكم، بل قد قال أبو عبد الله الشافعي ﵀: ولم يختلف المسلمون في أن لا رجم على مملوك في الزنا، وذلك لأن الآية دلّت على أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، والألف واللام في المحصنات للعهد، وهن المحصنات المذكورات في أول الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ والمراد بهن الحرائر فقط من غير تعرض لتزويج غيره، وقوله: ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن تنصيفه وهو الجلد لا الرجم، والله أعلم. وقد روى أحمد نصًا في رد مذهب أبي ثور من رواية الحسن بن سعد عن أبيه: أن صفيّة كانت قد زنت برجل من الخمس، فولدت غلامًا، فادعاه الزاني، فاختصما إلى عثمان بن عفان فرفعهما إلى علي بن أبي طالب، فقال علي: أقضي فيهما بقضاء رسول الله ﷺ: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر"، وجلدهما خمسين خمسين (^٣)، وقيل: بل المراد من المفهوم التنبيه بالأعلى على الأدنى؛ أي: إن الإماء على النصف من الحرائر في الحد وإن كن محصنات وليس عليهن رجم أصلًا لا قبل النكاح ولا بعده، وإنما عليهن الجلد في الحالتين بالسنة، قال ذلك صاحب الإفصاح (^٤)، وذكر هذا عن الشافعي فيما رواه ابن عبد الحكم عنه، وقد ذكره البيهقي في كتاب السنن والآثار (^٥)، وهو بعيد من لفظ الآية، لأنا إنما استفدنا تنصيف الحد من الآية لا من سواها فكيف يفهم منها التنصيف
_________________
(١) صحيح مسلم، الصلاة، باب، الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد (ح ٤٠٥).
(٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "هو".
(٣) أخرجه الإمام أحمد من طريق الحجاج بن أرطأة عن الحسن بن سعد عن أبيه أن يُحنَّس وصفية كانا من سبي الخمس، فزنت صفية برجل … (المسند ٢/ ١٩١ ح ٨٢٠)، وضعفه محققوه.
(٤) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "الإيضاح". وهو تصحيف.
(٥) معرفة السنن والآثار ٦/ ٣٦٥.
[ ٣ / ٦٧ ]
فيما عداها وقال: بل أريد بأنها في حال الإحصان لا يقيم الحد عليها إلا الإمام ولا يجوز لسيدها إقامة الحد عليها والحالة هذه وهو قول في مذهب أحمد ﵀، فأما قبل الإحصان فله ذلك، والحد في كلا الموضعين نصف حد الحرة، وهذا أيضًا بعيد لأنه ليس في لفظ الآية ما يدل عليه، ولولا هذه لم ندر ما حكم الإماء في التنصيف، ولوجب دخولهن في عموم الآية في تكميل الحد مائة، أو رجمهن كما ثبت في الدليل عليه، وقد تقدم عن علي ﵁ أنه قال: أيها الناس أقيموا الحد على أرقائكم من أحصن منهم ومن لم يحصن، وعموم الأحاديث المتقدمة ليس فيها تفصيل بين المزوجة وغيرها لحديث أبي هريرة الذي احتج به الجمهور: "إذا زنت أمة أحدكم، فتبين زناها، فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها" (^١)، فتلخص في الأمة: أنها إذا زنت أقوال:
أحدها: تجلد خمسين قبل الإحصان وبعده. وهل تنفى؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: إنها تنفى (^٢) عنه.
والثاني: لا تنفى عنه مطلقًا.
والثالث: أنها تنفى نصف سنة وهو نصف نفي الحرة، وهذا الخلاف في مذهب الشافعي، وأما أبو حنيفة فعنده أن النفي تعزير ليس من تمام الحد، وإنما هو رأي الإمام إن شاء فعله وإن شاء تركه في حق الرجال والنساء، وعند مالك أن النفي إنما هو على الرجال وأما النساء فلا، لأن ذلك مضاد لصيانتهن وما ورد شيء من النفي في الرجال ولا النساء. نعم حديث عبادة وحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ، قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة الحد عليه (^٣)، رواه البخاري وذلك مخصوص بالمعنى وهو أن المقصود من النفي الصون، وذلك مفقود في نفي النساء، والله أعلم.
والثاني: أن الأمة إذا زنت تجلد خمسين بعد الإحصان وتضرب تأديبًا غير محدود بعدد محصور، وقد تقدم ما رواه ابن جرير عن سعيد بن جبير أنها لا تضرب قبل الإحصان، وإن أراد نفيه فيكون مذهبًا بالتأويل وإلا فهو كالقول الثاني.
القول الآخر: أنها تجلد قبل الإحصان مائة، وبعده خمسين، كما هو المشهور عن داود.
وهو أضعف الأقوال: أنها تجلد قبل الإحصان خمسين، وترجم بعده، وهو قول أبي ثور وهو ضعيف أيضًا، والله ﷾ أعلم بالصواب (^٤).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي: إنما يباح نكاح الإماء بالشروط المتقدمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا، وشق عليه الصبر عن الجماع، وعنت بسبب ذلك كله، فله حينئذٍ أن يتزوج بالأمة، وإن ترك تزوجها وجاهد نفسه في الكف عن الزنا فهو خير له لأنه إذا تزوجها جاء أولاده أرقاء لسيدها إلا أن يكون الزوج عربيًّا، فلا تكون أولاده منها أرقاء في قول قديم للشافعي، ولهذا قال: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ومن هذه الآية الكريمة
_________________
(١) تقدم تخريجه في بداية تفسير هذه الآية.
(٢) في الأصل: "لا تنفى" ولفظ لا مقحم.
(٣) صحيح البخاري، الحدود، باب البكران يجلدان وينفيان (ح ٦٨٣٣).
(٤) بعد هذا النص ورد في الأصل نص بورقه كاملة مقحم من سورة المائدة، وسيذكر هناك إن شاء الله تعالى.
[ ٣ / ٦٨ ]
استدل جمهور العلماء في جواز نكاح الإماء على أنه لا بدّ من عدم الطول لنكاح الحرائر ومن خوف العنت لما في نكاحهن من مفسدة رق الأولاد، ولما فيهن من الزنا (^١) في العدول عن الحرائر إليهن، وخالف الجمهور أبو حنيفة وأصحابه في اشتراط الأمرين، فقالوا: متى لم يكن الرجل مزوجًا بحرة، جاز له نكاح الأمة المؤمنة والكتابية أيضًا سواء كان واجدًا الطول حرة أُم لا، وسواء خاف العنت أم لا، وعمدتهم فيما ذهبوا إليه عموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] أي: العفائف وهو يعم الحرائر والإماء، وهذه الآية عامة وهذه أيضًا ظاهرة في الدلالة على ما قاله الجمهور.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾.
يخبر تعالى أنه يريد أن يبين لكم أيها المؤمنون ما أحل لكم وحرم عليكم مما تقدم ذكره في هذه السورة وغيرها، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني: طرائقهم الحميدة واتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها، ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: من الإثم والمحارم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله.
وقوله: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ أي: يريد أتباع الشياطين من اليهود والنصارى والزناة أن تميلوا عن الحق إلى الباطل ميلًا عظيمًا
﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ أي: في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم، ولهذا أباح الإماء بشروط، كما قال مجاهد وغيره ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ فناسبه التخفيف لضعفه في نفسه وضعف عزمه وهمته.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ أي: في أمر النساء (^٢). وقال وكيع: يذهب عقله عندهن. وقال موسى الكليم ﵇ لنبينا محمد ﷺ، [ليلة الإسراء] (^٣) حين مر عليه راجعًا من عند سدرة المنتهى، فقال له: "ماذا فرض عليكم، فقال: أمرني بخمسين صلاة في كل يوم وليلة، فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، [فإني قد بلوت] (^٤) الناس قبلك على ما هو أقل من ذلك فعجزوا، وإن أمتك أضعف أسماعًا وأبصارًا وقلوبًا، فرجع، فوضع عشرًا. ثم رجع إلى موسى فلم يزل كذلك حتى بقيت خمسًا … " الحديث (^٥).
_________________
(١) كذا في الأصل و(ح) و(حم)، وفي (مح) بلفظ: "الدناءة".
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٣) زيادة من (ح) و(حم) و(مح).
(٤) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "فإنه قد تكون"، وهو تصحيف.
(٥) سيأتي تخريجه في الصحيحين عند بداية سورة الإسراء مفصلًا.
[ ٣ / ٦٩ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾.
ينهى ﵎ عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضًا بالباطل؛ أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في [غالب الحكم الشرعي] (^١) مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا، حتى قال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيته أخذته، وإلا رددته ورددت معه درهمًا، قال: هو الذي قال الله ﷿ فيه: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (^٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل، عن داود الأودي، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله في الآية، قال: إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة (^٣).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لما أنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل أموالنا، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكيف للناس؟ فأنزل الله بعد ذلك ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ …﴾ الآية [النور: ٦١] (^٤). وكذا قال قتادة (^٥).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ قرئ (تجارة) بالرفع وبالنصب (^٦)، وهو استثناء منقطع، كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، ولكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وكقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]. ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي ﵀ على أنه لا يصح البيع إلا بالقول، لأنه يدل على التراضي نصًا بخلاف المعاطاة، فإنها قد لا تدل على الرضى ولا بدّ، وخالف الجمهور في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد وأصحابهم، فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي فكذلك الأفعال تدل في بعض المحال
_________________
(١) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "غالب الشرع".
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق حماد عن داود بن أبي هند به، وسنده حسن.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الطبراني وصححه السيوطي (الدر ٢/ ١٤٣)، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (المجمع ٧/ ٣).
(٤) أخرجه ابن حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.
(٥) أخرجه ابن حاتم بسند ضعيف فيه محمد بن أبي حماد: مقبول ويشهد له سابقه.
(٦) كلاهما قراءتان متواترتان.
[ ٣ / ٧٠ ]
قطعًا، فصححوا بيع المعاطاة مطلقًا، ومنهم من قال: يصح في المحقرات وفيما يعده الناس بيعًا وهو احتياط نظر من محققي المذهب، والله أعلم.
وقال مجاهد: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ بيعًا أو عطاء يعطيه أحد أحدًا، ورواه ابن جرير (^١)، ثم قال: وحدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن القاسم، عن سليمان الجعفي، عن أبيه، عن ميمون بن مهران، قال: قال رسول الله ﷺ: "البيع عن تراض والخيار بعد الصفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش مسلمًا" (^٢). هذا حديث مرسل. ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (^٣)، وفي لفظ البخاري: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا"، وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث أحمد والشافعي وأصحابهما وجمهور السلف والخلف، ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام بحسب ما يتبين فيه حال البيع ولو إلى سنة في القرية ونحوها، كما هو المشهور عن مالك ﵀، وصححوا بيع المعاطاة مطلقًا وهو قول في مذهب الشافعي، ومنهم من قال: يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعًا، وهو اختيار طائفة من متأخري الأصحاب. والله أعلم. كما هو متفق عليه.
وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: بارتكاب محارم الله، وتعاطي معاصيه، وأكل أموالكم بينكم بالباطل ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ أي: فيما أمركم به ونهاكم عنه. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال لما بعثه النبي ﷺ، عام ذات السلاسل، قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ، ذكرت ذلك له، فقال: "يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب" قال: قلت: يا رسول الله، إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئًا (^٤)، وهكذا رواه أبو داود من طريق يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب [به. ورواه أيضًا عن محمد بن أبي سلمة، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة وعمرو بن الحارث، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب] (^٥) عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير المصري، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع وإرسال ميمون بن مهران.
(٣) صحيح البخاري، البيوع، باب كم يجوز الخيار (ح ٢١٠٧)، وصحيح مسلم، البيوع، باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين (ح ١٥٣١).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٠٣، ٢٠٤)، وفي سنده ابن لهيعة وقد توبع في رواية أبي داود فأخرجه من طريق ابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب به (السنن، الطهارة، باب إذا خاف الجنب البرد أيتيمم؟ ح ٣٣٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٢٤)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٧٧).
(٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (ح) و(حم) و(مح).
[ ٣ / ٧١ ]
عنه … فذكر نحوه، وهذا (^١) - والله أعلم - أشبه بالصواب. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد البلخي، حدثنا محمد بن صالح بن سهل البلخي، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يوسف بن خالد، حدثنا زياد بن سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جنب، فلما قدموا على رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له فدعاه فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله، خفت أن يقتلني البرد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ …﴾ الآية، فسكت عنه رسول الله ﷺ (^٢)، ثم أورد ابن مردويه عند هذه الآية الكريمة من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده، يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدًا مُخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بسم تردى به فسمه في يده، يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تردّى من جبل فقتل نفسه، فهو مترد في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا" وهذا الحديث ثابت في الصحيحين (^٣)، وكذلك رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه، وعن أبي قلابة، عن ثابت بن الضحاك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة" (^٤)، وقد أخرجه الجماعة في كتبهم من طريق أبي قلابة. وفي الصحيحين من حديث الحسن، عن جندب بن عبد الله البجلي، قال: قال رسول الله ﷺ: "كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جرح فأخذ سكينًا نحر بها يده، فما رقأ الدم حتى مات"، قال الله ﷿: "عبدي بادرني بنفسه، حرمت عليه الجنة" (^٥).
ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ أي: ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه معتديًا فيه ظالمًا في تعاطيه؛ أي: عالمًا بتحريمه متجاسرًا على انتهاكه ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا …﴾ الآية، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، فليحذر منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾، أي: إذا اجتنبتم كبائر الآثام التي نهيتم عنها، كفرنا عنكم صغائر الذنوب وأدخلناكم الجنة، ولهذا قال: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا مؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس رفعه قال: لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا ﷿، ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال أن تجاوز لنا عما دون الكبائر، يقول الله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ (^٦) وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية
_________________
(١) المصدر السابق.
(٢) في سنده يوسف بن خالد بن عمير: متروك (التقريب ص ٦١٠)، وتقدم تخريجه وتصحيحه في الحديث السابق من طرق أخرى.
(٣) صحيح البخاري، الطب، باب شرب السم والدواء (ح ٥٧٧٨)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان غلظ تحريم قتل الإنسان (ح ١٠٩).
(٤) صحيح البخاري، الجنائز، باب ما جاء في قاتل النفس (ح ١٣٦٣).
(٥) صحيح البخاري، الجنائز، باب ما جاء في قاتل النفس (ح ١٣٦٤)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ١٨٠.
(٦) أخرجه البزار بسنده ومتنه كما في مختصر زوائد مسند البزار للحافظ ابن حجر (٢/ ٧٨ ح ١٤٥٦)، ثم قال: =
[ ٣ / ٧٢ ]
الكريمة، فلنذكر منها ما تيسر، قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن قُرْثع الضبي، عن سلمان الفارسي، قال: قال لي النبي ﷺ: "أتدري ما يوم الجمعة؟ " قلت: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم، قال: "لكن أدري ما يوم الجمعة، لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كانت كفارة له ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت [الكبائر] (^١) " (^٢)، وقد روى البخاري من وجه آخر عن سلمان نحوه (^٣).
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني المثنى بن إبراهيم، حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثني خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر، أخبرني صهيب مولى العُتْواري، أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد يقولان: خطبنا رسول الله ﷺ يومًا، فقال: "والذي نفسي بيده" ثلاث مرات، ثم أكب فأكب كل رجل منا يبكي لا ندري ماذا حلف عليه، ثم رفع رأسه وفي وجهه البشر، فكان أحب إلينا من حمر النعم، فقال: "ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام"، وهكذا رواه النسائي والحاكم في مستدركه من حديث الليث بن سعد به، ورواه الحاكم أيضًا وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال به ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٤).