قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حَدَّثَنَا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، قال: سألت عَبيدة عن الكبائر فقال: الإشراك باللّه، وقتل النفس التي حرم الله بغير حقها، وفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم بغير حقه، وأكل الربا، والبهتان. قال: ويقولون: أعرابية بعد هجرة. قال ابن عون: فقلت لمحمد: فالسحر؟ قال: إن البهتان يجمع شرًا كثيرًا (^٤).
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبيد المحاربي، حَدَّثَنَا أبو الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق، عن عبيد بن عمير، قال: الكبائر سبع، ليس منهن كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله، الإشراك باللّه منهن ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ …﴾ الآية [الحج: ٣١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الآية [النساء: ١٠] و﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: ٢٣]، والفرار من الزحف ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا …﴾ الآية [الأنفال: ١٥]، والتعرب بعد الهجرة ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: ٢٥] وقتل المؤمن ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا …﴾ الآية [النساء: ٩٣] وكذا رواه ابن أبي حاتم أيضًا في حديث أبي إسحاق عن عبيد بن عمير بنحوه (^٥).
وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا المثنى، حَدَّثَنَا أبو حذيفة، حَدَّثَنَا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء - يعني ابن أبي رباح -، قال: الكبائر سبع: قتل النفس، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، ورمي المحصنة، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف (^٦).
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو زرعة، حَدَّثَنَا عثمان بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا جرير، عن مغيرة،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده حسن.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه ابن سيرين لم يسمع من ابن عباس.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وقد توبع عبد الله بن معدان و"أبو الوليد" في رواية ابن أبي حاتم السابقة.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح إلى عَبيدة ومحمد هو ابن سيرين.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وكذا ابن أبي حاتم، وسنده حسن إلى عبيد.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن إلى عطاء.
[ ٣ / ٨٥ ]
قال: كان يقال: شتم أبي بكر وعمر ﵄ من الكبائر (^١).
قلت: وقد ذهب طائفة من العلماء إلى تكفير مَن سبَّ الصحابة، وهو رواية عن مالك بن أنس ﵀ (^٢). وقال محمد بن سيرين: ما أظن أحدًا ينتقص أبا بكر وعمر وهو يحب رسول الله ﷺ، رواه الترمذي (^٣).
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حَدَّثَنَا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش (^٤) قال زيد بن أسلم في قول الله ﷿: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ من الكبائر: الشرك بالله، والكفر بآيات الله ورسله، والسحر، وقتل الأولاد، ومن دعى للّه ولدًا أو صاحبة، ومثل ذلك من الأعمال والقول الذي لا يصلح معه عمل. وأما كل ذنب يصلح معه دين، ويقبل معه عمل، فإن الله يغفر السيئات بالحسنات (^٥). وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا بشر بن معاذ، حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ …﴾ الآية: إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر وذكر لنا أن النَّبِيّ ﷺ قال: "اجتنبوا الكبائر، وسددوا، وأبشروا" (^٦).
وقد روى ابن مردويه من طرق عن أنس، وعن جابر مرفوعًا: "شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي"، ولكن في إسناده من جميع طرقه ضعف، إلا ما رواه عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: "شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي" فإنه إسناد صحيح على شرط الشيخين. وقد رواه أبو عيسى الترمذي منفردًا به من هذا الوجه عن عباس العنبري، عن عبد الرزاق، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح (^٧)، وفي الصحيح شاهد لمعناه وهو قوله ﷺ بعد ذكر الشفاعة: "أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا ولكنها للخاطئين [المتلوثين] (^٨) " (^٩).
وقد اختلف علماء الأصول والفروع في حد الكبيرة، فمن قائل: هي ما عليه حد في الشرع، ومنهم من قال: هي ما عليه وعيد مخصوص من الكتاب والسنة، وقيل غير ذلك. قال أبو القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي في كتابه الشرح الكبير الشهير في كتاب الشهادات منه: ثم اختلف الصحابة ﵃، فمن بعدهم في الكبائر وفي الفرق بينها وبين الصغائر، وللأصحاب في تفسير الكبيرة وجوه:
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح إلى مغيرة.
(٢) وقد سرد الذهبي أحاديث كثيرة في ذلك (الكبائر ص ٢٦٠ - ٢٦٤).
(٣) سنن الترمذي، المناقب، باب في مناقب عمر بن الخطاب ﵁ (ح ٣٦٨٥).
(٤) في الأصل: "عبد الله بن عباس" وهو نسبة إلى الجد.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عبد الله بن عياش بن عباس القتباني: صدوق يغلط. (التقريب ١/ ٤٣٩).
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، والسند إلى قتادة حسن لكنه مرسل.
(٧) سنن الترمذي، صفة القيامة (ح ٢٤٣٥)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٩٨٣).
(٨) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "المذنبين".
(٩) أخرجه ابن ماجة من حديث أبي موسى الأشعري (السنن، الزهد، باب ذكر الشفاعة ح ٤٣١١)، وصحح إسناده البوصيري (مصباح الزجاجة ٣/ ٣٢٠)، وجود إسناده المنذري (الترغيب ٤/ ٤٤٨)، وقال الهيثمي: ورواه أحمد والطبراني، ورجال الطبراني رجال الصحيح (المجمع ١٠/ ٣٨١)، وقد رواه الإمام أحمد في المسند (ح ٥٤٥٢) وصححه أحمد شاكر.
[ ٣ / ٨٦ ]
(أحدهما): أنها المعصية الموجبة للحد.
(والثاني): أنها المعصية التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص كتاب أو سنة، وهذا أكثر ما يوجد لهم، وهو إلى الأول أميل، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر.
(والثالث): قال إمام الحرمين في الإرشاد وغيره: كل جريمة تنبئ بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة، فهي مبطلة للعدالة.
(والرابع): ذكر القاضي أبو سعيد الهروي أن الكبيرة كل فعل نص الكتاب على تحريمه وكل معصية توجب في جنسها حدًا من قتل أو غيره، وترك كل فريضة مأمور بها على الفور والكذب في الشهادة والرواية واليمين، هذا ما ذكروه على سبيل الضبط، ثم قال: وفصل القاضي الروياني فقال: الكبائر سبع: قتل النفس بغير الحق، والزنا، واللواطة، وشرب الخمر، والسرقة، وأخذ المال غصبًا، والقذف، وزاد في الشامل على السبع المذكورة: شهادة الزور، وأضاف إليها صاحب العدة: أكل الربا والإفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها، وتأخيرها عن وقتها بلا عذر، وضرب المسلم بلا حق، والكذب على رسول الله ﷺ عمدًا، وسب الصحابة، وكتمان الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والقيادة بين الرجال والنساء، والسعاية عند السلطان، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، ونسيان القرآن بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، واليأس من رحمة الله، والأمن من مكر الله، ويقال: الوقيعة في أهل العلم، وحملة القرآن، ومما يعد من الكبائر: الظهار، وأكل لحم الخنزير والميتة إلا عن ضرورة، ثم قال الرافعي ﵀: وللتوقف مجال في بعض هذه الخصال. قلت: وقد صنف الناس في الكبائر مصنفات منها ما جمعه شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي (^١) الذي بلغ نحوًا من سبعين كبيرة، وإذا قيل: إن الكبيرة ما توعد عليها الشارع بالنار بخصوصها، كما قال ابن عَبَّاس (^٢) وغيره: وما تُتُبّع ذلك، اجتمع منه شيء كثير، وإذا قيل: كل ما نهى الله عنه فكثير جدًّا، واللّه أعلم.
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾.
قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، يغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^٣). ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن
_________________
(١) كتابه الكبائر طبع عدة طبعات.
(٢) تقدم برواية ابن أبي حاتم.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٣٢٢)، وأخرجه الترمذي (السنن، تفسير سورة النساء ح ٣٠٢٢)، والطبري وابن أبي حاتم والحاكم كلهم من طريق سفيان به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، وصححه أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري، والألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤١٩)، وقد تكلم في سماع مجاهد من أم سلمة وقد عاصرها فترة طويلة في أربعين سنة.
[ ٣ / ٨٧ ]
مجاهد، عن أُم سلمة أنها قالت: قلت: يا رسول الله … فذكره، وقال: غريب. ورواه بعضهم عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أن أُم سلمة قالت: يا رسول الله … ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث الثوري عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أُم سلمة: يا رسول الله، لا نقاتل فنستشهد، ولا نقطع الميراث، فنزلت ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾، ثم أنزل الله ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى …﴾ الآية [آل عمران: ١٩٥] (^١).
ثم قال ابن أبي حاتم: وكذا روى سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح بهذا اللفظ، وروى يحيى القطان ووكيع بن الجراح عن الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أُم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله … وروي عن مقاتل بن حيان وخصيف نحو ذلك (^٢).
وروى ابن جرير من حديث ابن جريج، عن عكرمة ومجاهد أنهما قالا: أنزلت في أُم سلمة (^٣). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن شيخ من أهل مكة، قال: نزلت هذه الآية في قول النساء: ليتنا الرجال، فنجاهد كما يجاهدون، ونغزو في سبيل الله ﷺ (^٤).
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حَدَّثَنَا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثني أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، حَدَّثَنَا الأشعث بن إسحاق، عن جعفر - يعني ابن أبي المغيرة -، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾، قال: أتت امرأة إلى النَّبِيّ ﷺ قالت: يا رسول الله، للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا؛ إن عملت امرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾، فإنه عدل مني وأنا صنعته (^٥).
وقال السدي في قوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ فإن الرجال قالوا: نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء، كما لنا في السهام سهمان، وقالت النساء: نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الشهداء، فإنا لا نستطيع أن نقاتل، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا، فأبى الله ذلك ولكن قال لهم: سلوني من فضلي (^٦)، قال: ليس بعرض الدنيا، وقد روي عن قتادة نحو ذلك.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ يقول: لا يتمنى الرجل فيقول: ليت لو أن لي مال فلان وأهله، فنهى الله عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله (^٧). وقال الحسن
_________________
(١) تقدم تخريجه عنهم في الحاشية السابقة.
(٢) ذكره ابن أبي حاتم.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسبق تصحيحه.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره بسنده ومتنه، وفي سنده شيخ معمر مبهم، ويتقوى بما سبق.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده جعفر بن أبي المغيرة صدوق يهم كما في التقريب، وخالف رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد السابقة.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه لكنه مرسل.
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.
[ ٣ / ٨٨ ]
ومحمد بن سيرين وعطاء والضحاك، نحو هذا (^١) وهو الظاهر من الآية ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق فيقول رجل: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثله فهما في الأجر سواء" (^٢)، فإن هذا شيء غير ما نهت عنه الآية، وذلك أن الحديث حضّ على تمني مثل نعمة هذا، والآية نهت عن تمني عين نعمة هذا، فقال: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: في الأمور الدنيوية، وكذا الدينية أيضًا، لحديث أم سلمة وابن عباس. وهكذا قال عطاء بن أبي رباح: نزلت في النهي عن تمني ما لفلان، وفي تمني النساء أن يكن رجالًا فيغزون، رواه ابن جرير (^٣)، ثم قال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ أي: كل له جزاء على عمله بحسبه إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، هذا قول ابن جرير، وقيل: المراد بذلك في الميراث؛ أي كل يرث بحسبه، رواه الوالبي عن ابن عباس (^٤)، ثم أرشدهم إلى ما يصلحهم، فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ لا تتمنوا ما فضلنا به بعضكم على بعض، فإن هذا أمر محتوم، والتمني لا يجدي شيئًا، ولكن سلوني من فضلي أعطكم، فإني كريم وهاب، وقد روى الترمذي وابن مردويه من حديث حماد بن واقد، سمعت إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل، وإن أفضل العبادة انتظار الفرج" ثم قال الترمذي: كذا رواه حماد بن واقد، وليس بالحافظ، ورواه أبو نعيم عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل، عن النَّبِيّ ﷺ، وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح (^٥)، وكذا رواه ابن مردويه من حديث وكيع، عن إسرائيل، ثم رواه من حديث قيس بن الربيع، عن حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل، وإن أحب عباده إليه الذي يحب الفرج" (^٦).
ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر فيفقره، وعليم بمن يستحق الآخرة فيقيضه لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه، لهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
_________________
(١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول ابن سيرين أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أيوب السختياني عنه.
(٢) أخرجه الشيخان من حديث ابن مسعود. الصحيح البخاري، الزكاة، باب إنفاق المال في حقه (ح ١٤٠٩)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه (ح ٨١٦).
(٣) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو سنيد ضعيف.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة الوالبي به بنحوه.
(٥) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، الدعوات، باب في انتظار الفرج ح ٣٥٧١)، وسنده ضعيف بسبب حماد بن واقد وهو ضعيف (التقريب ص ١٧٩)، وضعف سنده الألباني في السلسلة الضعيفة (ح ٤٩٢).
(٦) في سنده حكيم بن جبير وهو ضعيف (التقريب ص ١٧٦).
[ ٣ / ٨٩ ]
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾.
قال ابن عَبَّاس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو صالح وقتادة وزيد بن أسلم والسدي والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم، في قوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ أي: ورثة (^١)، وعن ابن عباس في رواية: أي عصبة (^٢)، قال ابن جرير: والعرب تسمي ابن العم مولى، كما قال الفضل بن عباس:
مهلًا بني عمنا مهلًا موالينا … لا تُظهرنَّ لنا ما كان مدفونا (^٣)
قال: ويعني بقوله: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، من تركة والديه وأقربيه من الميراث، فتأويل الكلام: ولكلكم أيها الناس جعلنا عصبة يرثونه مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي: والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم، فآتوهم نصيبهم من الميراث كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة، إن الله شاهد بينكم في تلك العهود والمعاقدات، وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك وأمروا أن يوفوا لمن عاقدوا، ولا ينشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة.
قال البخاري: حَدَّثَنَا الصلت بن محمد، حَدَّثَنَا أبو أُسامة، عن إدريس، عن طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قال: ورثة، ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [كان] (^٤) المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النَّبِيّ ﷺ بينهم، فلما نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نسخت، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من النصر [والرفادة] (^٥) والنصيحة وقد ذهب الميراث ويُوصَى له، ثم قال البخاري: سمع أبو أُسامة إدريس، وسمع إدريس عن طلحة (^٦).
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو أُسامة، حَدَّثَنَا إدريس الأودي، أخبرني طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه بالأخوة التي آخى رسول الله ﷺ بينهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ نسخت، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (^٧)، وحدثنا
_________________
(١) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول ابن عباس أسنده، وقد أخرجه هو والبخاري من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس (صحيح البخاري، التفسير، سورة النساء، باب ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣] ح ٤٥٨٠).
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.
(٣) ذكره الطبري وأبو عبيدة (مجاز القرآن ١/ ١٢٥).
(٤) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "كانوا".
(٥) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "والزيادة".
(٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه (الصحيح، التفسير، سورة النساء باب ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣] ح ٤٥٨٥).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
[ ٣ / ٩٠ ]
الحسن بن محمد بن الصباح، حَدَّثَنَا حجاج، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ فكان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل ويقول: ترثني وأرثك، وكان الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله ﷺ: "كل حلف كان في الجاهلية أو عقد أدركه الإسلام فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا عقد ولا حلف في الإسلام" فنسختها هذه الآية ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦] (^١). ثم قال: وروي عن سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والحسن وابن المسيب وأبي صالح وسليمان بن يسار والشعبي وعكرمة والسدي والضحاك وقتادة ومقاتل بن حيان، أنهم قالوا: هم الحلفاء (^٢).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عفان، حَدَّثَنَا شريك، أعن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس - ورفعه - قال: "ما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا حدة شدة"] (^٣) (^٤).
وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا أبو كريب، حَدَّثَنَا وكيع، عن شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: وحدثنا أبو كريب، حَدَّثَنَا مصعب بن المقدام، عن إسرائيل بن يونس، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال: قال رسول الله ﷺ: "لا حلف في الإسلام، وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة، وما يسرني أن لي حمر النعم وأني نقضت الحلف الذي كان في دار الندوة"، هذا لفظ ابن جرير (^٥). وقال ابن جرير أيضًا: حَدَّثَنَا عقوب بن إبراهيم، حَدَّثَنَا ابن علية، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله ﷺ قال: "شهدت حلف المطيبين وأنا غلام مع عمومتي، فما أحب أن لي حمر النعم، وإني أنكثه" قال الزهري: قال رسول الله ﷺ: "لم يصب الإسلام حلفًا إلا زاده شدة" قال: "ولا حلف في الإسلام"، وقد ألف النَّبِيّ ﷺ بين قريش والأنصار (^٦). وهكذا رواه الإمام أحمد عن بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري بتمامه (^٧).
لفظ ابن جرير: وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حَدَّثَنَا هشيم، أخبرني مغيرة، عن أبيه، عن شعبة بن التوأم، عن قيس بن عاصم: أنه سأل النَّبِيّ ﷺ عن الحلف، قال: فقال: "ما كان من
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عثمان بن عطاء وهو ضعيف وقد تابعه ابن جريج لكن أباه عطاء لم يسمع من ابن عباس وهو صدوق اختلط، ويشهد له حديث جبير بن مطعم مرفوعًا: "لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة" (صحيح مسلم، الفضائل، باب مؤاخاة النَّبِيّ ﷺ ح ٢٥٣٠).
(٢) ذكرهم جميعًا ابن أبي حاتم بحذف السند وأغلبهم أخرج رواياتهم الطبري وعبد الرزاق بأسانيد ثابتة وبعضها ضعيفة تتقوى بالثابتة.
(٣) ما بين معقوفين زيادة من المسند، فقد أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٢٩).
(٤) في سنده سماك وفي روايته عن عكرمة اضطراب، ويشهد له الحديث الصحيح السابق عن جبير بن مطعم.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده صحيح أخرجه مسلم من حديث مطعم بن جبير (الصحيح، فضائل الصحابة ح ٢٥٣٠).
(٧) المسند (ح ١٦٥٥).
[ ٣ / ٩١ ]
حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإسلام" (^١) وهكذا رواه أحمد عن هشيم (^٢)، وحدثنا أبو كريب، حَدَّثَنَا وكيع، عن داود بن أبي عبد الله، عن ابن جدعان، عن جدته، عن أم سلمة، أن رسول الله ﷺ، قال: "لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة" (^٣). وحدثنا أبو كريب حَدَّثَنَا يونس بن بكير، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة". وحدثنا أبو كريب، حَدَّثَنَا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: لما دخل رسول الله ﷺ بمكة عام الفتح، قام خطيبًا في الناس فقال: "يا أيها الناس ما كان من حلف الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة، ولا حلف في الإسلام" (^٤)، ثم رواه من حديث حسين المعلم وعبد الرحمن بن الحارث عن عمرو بن شعيب به. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد، حَدَّثَنَا ابن نمير وأبو أُسامة، عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة" (^٥). وهكذا رواه مسلم عن عبد الله بن محمد - وهو أبو بكر بن أبي شيبة - بإسناده مثله، ورواه أبو داود عن عثمان بن محمد بن أبي شيبة، عن محمد بن بشر وابن نمير وأبي أسامة، ثلاثتهم عن زكريا - وهو ابن أبي زائدة - بإسناده مثله، ورواه ابن جرير من حديث محمد بن بشر به. ورواه النسائي من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق، عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه به (^٦).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا هشيم، قال: أخبرنا مغيرة، عن أبيه، عن شعبة بن التوأم، عن قيس بن عاصم أنه سأل النَّبِيّ ﷺ عن الحلف فقال: "ما كان حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإسلام" (^٧) وكذا رواه شعبة عن مغيرة - وهو ابن مقسم - عن أبيه به. وقال محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين، قال: كنت أقرأ على أُم سعد بنت سعد بن الربيع مع ابن ابنها موسى بن سعد وكانت يتيمة في حجر أبي بكر، فقرأت عليها ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فقالت: لا ولكن ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ (^٨) أَيْمَانُكُمْ﴾ قالت: إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن حين أبى أن يسلم، فحلف أبو بكر أن لا يورثه، فلما أسلم حين حمل على الإسلام بالسيف، أمر الله أن يؤتيه نصيبه، رواه ابن أبي حاتم (^٩)، وهذا قول غريب، والصحيح الأول، وأن هذا كان في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحلف ثم نسخ وبقي تأثير الحلف بعد ذلك، وإن كانوا قد أمروا أن يوفوا بالعهود والعقود، والحلف الذي كانوا قد تعاقدوه قبل ذلك، وتقدم في
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وجود سنده الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٢٢٦٢).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وقال محققوه: صحيح لغيره (المسند ٣٤/ ٢١٩ ح ٢٠٦١٣) أي أنه يتقوى بالشواهد والمتابعات.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له ما سبق وما لحق.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه عنعنة محمد بن إسحاق، وقد توبع في الرواية التالية في تفسير الطبري.
(٥) (^٦) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(٦) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(٧) قراءة متواترة (النشر في القراءات العشر ٢/ ٢٤٩).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عنعنة محمد بن إسحاق وكذا أخرجه أبو داود من طريق ابن إسحاق ولم يصرح بالتحديث (السنن، الفرائض، باب نسخ العقد بميراث الرحم ح ٢٩٢٣).
[ ٣ / ٩٢ ]
حديث جبير بن مطعم وغيره من الصحابة: "لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة"، وهذا نص في الرد على من ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم، كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن أحمد بن حنبل، والصحيح قول الجمهور ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي: ورثة من قراباته من أبويه وأقربيه، هم يرثونه دون سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر" (^١)؛ أي: اقسموا الميراث على أصحاب الفروض الذين ذكرهم الله في آياتي الفرائض، فما بقي بعد ذلك فأعطوه للعصبة. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: قبل نزول هذه الآية فآتوهم نصيبهم؛ أي: من الميراث، فأيما حلف عقد بعد ذلك فلا تأثير له، وقد قيل: إن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل وحكم الحلف الماضي أيضًا، فلا توارث به، كما قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو أُسامة، حَدَّثَنَا إدريس الأودي، أخبرني طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، قال: من النصرة والنصيحة والرفادة ويوصي له وقد ذهب الميراث (^٢). ورواه ابن جرير عن أبي كريب، عن أبي أُسامة (^٣)، وكذا روي عن مجاهد وأبي مالك نحو ذلك (^٤).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قال: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله تعالى ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] يقول: إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وذلك هو المعروف (^٥)، وهكذا نص غير واحد من السلف أنها منسوخة بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾.
وقال سعيد بن جبير: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي: من الميراث، قال: وعاقد أبو بكر مولى فورثه، رواه ابن جرير (^٦). وقال الزهري، عن ابن المسيب: نزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنون رجالًا غير أبنائهم ويورثونهم، فأنزل الله فيهم، فجعل لهم نصيبًا في الوصية، ورد الميراث إلى الموالي في ذي الرحم والعصبة، وأبى الله أن يكون للمدعين ميراث ممن ادعاهم وتبناهم، ولكن جعل لهم نصيبًا من الوصية، رواه ابن جرير (^٧)، وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله:
_________________
(١) صحيح البخاري، الفرائض، باب ميراث الولد من أبيه وأمه (ح ٦٧٣٢)، وصحيح مسلم، الفرائض، باب ألحقوا الفرائض بأهلها (ح ١٦١٥).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه؛ وسنده صحيح.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ولفظه؛ وسنده صحيح.
(٤) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق منصور بن المعتمر عنه، وقول أبي مالك أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حصين عنه.
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت عن ابن أبي طلحة به.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي بشر جعفر بن إياس عنه، لكن سعيد بن جبير لم يدرك أبا بكر ﵁ (جامع التحصيل ص ١٨٢).
(٧) أخرجه الطبري من طريق الزهري به وسنده مرسل.
[ ٣ / ٩٣ ]
﴿فَآتُوهُمْ﴾ أي: من النصرة والنصيحة والمعونة، لا أن المراد ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من الميراث حتَّى تكون الآية منسوخة، ولا أن ذلك كان حكمًا ثم نسخ بل إنما دلت الآية على الوفاء بالحلف المعقود على النصرة والنصيحة فقط، فهي [محكمة] (^١) لا منسوخة، وهذا الذي قاله: فيه نظر، فإن من الحلف ما كان على المناصرة والمعاونة، ومنه ما كان على الإرث كما حكاه غير واحد من السلف، وكما قال ابن عَبَّاس: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه حتَّى نسخ ذلك، فكيف يقول: إن هذه الآية محكمة غير منسوخة (^٢)؛ واللّه أعلم.
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾.
يقول تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ أي: الرجل قيم على المرأة؛ أي: هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت، ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك الملك الأعظم لقوله ﷺ: "لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة" (^٣) رواه البخاري من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، وكذا منصب القضاء وغير ذلك، ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهن في كتابه وسنة نبيه ﷺ، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيمًا عليها، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾: أمراء، عليها أن تطيعه فيما أمرها به من طاعته، وطاعته أن تكون محسنة لأهله حافظة لماله (^٤)، وكذا قال مقاتل والسدي والضحاك (^٥).
وقال الحسن البصري: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ تشكو أن زوجها [لطمها] (^٦)، فقال رسول الله ﷺ: "القصاص"، فأنزل الله ﷺ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، فرجعت بغير قصاص، ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عنه (^٧)، وكذلك أرسل هذا الخبر قتادة وابن جريج والسدي، أورد ذلك كله ابن جرير، وقد أسنده ابن مردويه من وجه آخر فقال: حَدَّثَنَا أحمد بن علي النسائي، حَدَّثَنَا محمد بن هبة الله الهاشمي، حَدَّثَنَا محمد بن محمد [الأشعث، حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد، قال: حَدَّثَنَا أبي عن جدي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه] (^٨)،
_________________
(١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "محله" وهو تصحيف.
(٢) أجاب الأستاذ أحمد شاكر عن هذا الاعتراض على الطبري في تفسير الطبري ٨/ ٢٨٩.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (المغازي، باب كتاب النَّبِيّ ﷺ إلى كسرى وقيصر ح ٤٤٢٠).
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة به.
(٥) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "لظلمها" وهو تصحيف.
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح عن الحسن لكنه مرسل.
(٨) ما بين معقوفين سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و(مح).
[ ٣ / ٩٤ ]
عن علي، قال: أتى رسول اللّه ﷺ رجل من الأنصار بامرأة له، فقالت: يا رسول الله إن زوجها فلان بن فلان الأنصاري وإنه ضربها فأثر في وجهها، فقال رسول الله ﷺ: "ليس ذلك له" فأنزل الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: قوامون على النساء في الأدب، فقال رسول الله ﷺ: "أردت أمرًا وأراد الله غيره" (^١).
وقال الشعبي في هذه الآية ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ قال: الصداق الذي أعطاها، ألا ترى أنه لو قذفها لاعنها، ولو قذفته جلدت (^٢).
وقوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ أي: من النساء ﴿قَانِتَاتٌ﴾ قال ابن عَبَّاس وغير واحد: يعني: مطيعات لأزواجهن (^٣) ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ وقال السدي وغيره: أي تحفظ زوجها في غيبته في نفسها وماله (^٤).
وقوله: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أي: المحفوظ من حفظه الله. قال ابن جرير: حدثني المثنى، حَدَّثَنَا أبو صالح، حَدَّثَنَا أبو معشر، حَدَّثَنَا سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك" قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ …﴾ إلى آخرها، ورواه ابن أبي حاتم عن يونس بن حبيب، عن أبي داود الطيالسي، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن سعيد المقبري به، مثله سواء (^٥). وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يحيى بن إسحاق، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، عن عُبيد الله بن أبي جعفر: أن ابن قارظ أخبره أن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت" (^٦) تفرد به أحمد من طريق عبد الله بن قارظ عن عبد الرحمن بن عوف.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ أي: والنساء اللاتي تتخوفون أن ينشزن على أزواجهن، والنشوز هو الارتفاع، فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المعرضة عنه، المبغضة له، فمتى ظهر له منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله في عصيانه، فإن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته وحرم عليها معصيته لما له عليها من الفضل والإفضال، وقد قال رسول الله ﷺ: "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من
_________________
(١) في سنده محمد بن محمد الأشعث وضع نسخة رواها عن موسى بن إسماعيل بن جعفر عن أبيه عن جده (لسان الميزان ٥/ ٣٦٢).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عَبيدة السلماني عنه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه بنحوه.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كل بسنده المذكور، وسندهما صحيحان، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٦١) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٨٣٨).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ١٦٦١) وضعفه أحمد شاكر، وفي سنده عنعنة ابن لهيعة وهو من مدلسي الطبقة الخامسة الذين لا يقبل حديثهم إلا إذا صرحوا بالسماع.
[ ٣ / ٩٥ ]
عظم حقه عليها" (^١).
وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتَّى تصبح"، ورواه مسلم، ولفظه: "إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتَّى تصبح" (^٢)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾، وقوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الهجر هو أن لا يجامعها، ويضاجعها على فراشها ويوليها ظهره (^٣)، وكذا قال غير واحد. وزاد آخرون منهم السدي والضحاك وعكرمة وابن عباس في رواية: ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها (^٤).
وقال علي بن أبي طلحة أيضًا، عن ابن عباس: يعظها فإن هي قبلت وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها شديد (^٥). وقال مجاهد والشعبي وإبراهيم ومحمد بن كعب ومقسم وقتادة: الهجر هو أن لا يضاجعها (^٦).
وقد قال أبو داود: حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي حُرة الرقاشي، عن عمه أن النَّبِيّ ﷺ قال: "فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع" قال حماد: يعني: النكاح (^٧).
وفي السنن والمسند عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: يا رسول الله ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت" (^٨).
وقوله: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أي: إذا لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهن ضربًا غير مبرح، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر، عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال في حجة الوداع: "واتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (^٩)، وكذا
_________________
(١) أخرجه أبو داود من حديث قيس بن سعد (السنن، النكاح، باب في حق الزوج على المرأة ح ٢١٤٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٧٣)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٨٧).
(٢) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين، والملائكة في السماء (ح ٣٢٣٧)، وصحيح مسلم، النكاح، باب تحريم امتناعها من فراش زوجها (ح ١٤٣٦).
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده ثابت عنه.
(٤) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.
(٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٧) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، النكاح، باب في ضرب النساء ح ٢١٤٥)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ص ١٨٧٨).
(٨) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/ ٤٤٧، وأبو داود، السنن، النكاح، باب في حق المرأة على زوجها (ح ٢١٤٢)، وسنن الدراقطني ٣/ ٢٦، والسنن الكبرى للبيهقي ٦/ ١٠٠، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ١٨٧٥)، ويشهد له حديث جابر في نهي رسول الله ﷺ عن ضرب الوجه صحيح مسلم، اللباس، باب النهي عن ضرب الحيوان في وجهه (ح ٢١١٦).
(٩) صحيح مسلم، الحج، باب حجة النَّبِيّ ﷺ (ح ١٢١٨).
[ ٣ / ٩٦ ]
قال ابن عَبَّاس وغير واحد: ضربًا غير مبرح، قال الحسن البصري: يعني غير مؤثر (^١). وقال الفقهاء: هو أن لا يكسر فيها عضوًا ولا يؤثر فيها شيئًا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يهجرها في المضجع، فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربًا غير مبرح، ولا تكسر لها عظمًا، فإن أقبلت وإلا فقد أحل الله لك منها الفدية (^٢).
وقال سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن إياس بن عبد الله بن أبي ذُباب (^٣) قال: قال النَّبِيّ ﷺ: "لا تضربوا إماء الله" فجاء عمر ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: "ذئر (^٤) النساء على أزواجهن، فرخص رسول الله ﷺ في ضربهن"، فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال رسول الله ﷺ: "لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن ليس أولئك بخياركم" رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه (^٥).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا سليمان بن داود - يعني: أبا داود الطيالسي -، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن داود الأودي، عن عبد الرحمن المُسلي، عن الأشعث بن قيس، قال: ضفت عمر ﵁، فتناول امرأته فضربها، وقال: يا أشعث، احفظ عني ثلاثًا حفظتهن عن رسول الله ﷺ: "لا تسأل الرجل فيم ضرب امرأته، ولا تنم إلا على وتر، ونسي الثالثة" (^٦)، وكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن مهدي عن أبي عوانة، عن داود الأودي به (^٧).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أي: إذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريده منها مما أباحه الله له منها، فلا سبيل له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا هجرانها. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب، فإن الله العلي الكبير وليهن، وهو ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾.
ذكر الحال الأول وهو إذا كان النفور والنشوز من الزوجة. ثم ذكر الحال الثاني [وهو إذا كان النفور من الزوجين، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا﴾] (^٨) حَكَما مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمَا مِّنْ ﴿أَهْلِهَا﴾ وقال الفقهاء: إذا وقع الشقاق بين الزوجين، أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة ينظر في أمرهما يمنع الظالم منهما من الظلم، فإن تفاقم أمرهما وطالت خصومتهما، بعث الحاكم ثقة من
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حُميد عنه.
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت عنه.
(٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "ذياب".
(٤) كذا في (حم)، وفي الأصل و(مح): "دير".
(٥) سنن أبي داود، النكاح، باب في ضرب النساء (ح ٢١٤٦)، والسنن الكبرى (ح ٩١٦٧)، وسنن ابن ماجه، النكاح، باب ضرب النساء (ح ١٩٨٥)، وصححه الحافظ ابن حجر (الإصابة ١/ ١٤٥)، والألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٧٩).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٧٥ ح ١٢٢) وضعفه محققوه بسبب جهالة عبد الرحمن المُسلي.
(٧) مسند الطيالسي (ح ٤٧)، وسنن أبي داود، النكاح، باب في ضرب النساء (ح ٢١٤٧)، وسنن النسائي الكبرى (ح ٩١٦٨)، وسنن ابن ماجه، النكاح، باب في ضرب النساء (ح ١٩٨٦) وحكمه كسابقه.
(٨) ما بين المعقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (حم) و(مح).
[ ٣ / ٩٧ ]
أهل المرأة وثقة من قوم الرجل ليجتمعا فينظرا في أمرهما ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق أو التوفيق، وتشوف الشارع إلى التوفيق، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أمر اللّه ﷿ أن يبعثوا رجلًا صالحًا من أهل الرجل، ورجلًا مثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة، قصروها على زوجها ومنعوها النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا، فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره الآخر، ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي لم يرض ولا يرث الكاره الراضي، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^١).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس، قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين، قال معمر: بلغني أن عثمان بعثهما وقال لهما: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا (^٢). وقال: أنبأنا ابن جريج، حدثني ابن أبي مليكة أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقالت: تصير إلي وأنفق عليك، فكان إذا دخل عليها قالت: أين عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة فقال: على يسارك في النار إذا دخلت، فشدت عليها ثيابها فجاءت عثمان فذكرت له ذلك، فضحك، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس: لأفرقن بينهما، فقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف، فأتياهما فوجداهما قد أغلقا عليهما أبوابهما فرجعا (^٣).
وقال عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال: شهدت عليًا وجاءته امرأة وزوجها مع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكمًا وهؤلاء حكمًا، فقال علي للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، فقالت المرأة: [رضيت بكتاب] (^٤) الله لي وعلي، وقال الزوج: أما الفرقة فلا، فقال علي: كذبت واللّه لا تبرح حتى ترضى بكتاب اللّه ﷿ لك وعليك، رواه ابن أبي حاتم (^٥)، ورواه ابن جرير، عن يعقوب، عن ابن علية، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي مثله (^٦)، ورواه من وجه آخر عن ابن [سيرين] (^٧)، عن عبيدة، عن علي به، وهذا مذهب جمهور العلماء على أن الحكمين إليهما الجمع والتفرقة حتى قال إبراهيم النخعي: إن شاء الحكمان أن يفرقا بينهما بطلقة أو
_________________
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ومصنفه (١٦/ ٥١٢ رقم ١١٨٨٥) بسنده ومتنه وسنده صحيح، وفي سنده انقطاع بين معمر وعثمان.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف ١٦/ ٥١٢ رقم ١١٨٨٧)، وصحح سنده الحافظ ابن حجر (الإصابة ٤/ ٣٧٢).
(٤) سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و(مح).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق به، وسنده صحيح.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٧) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "سفيان" وهو تصحيف.
[ ٣ / ٩٨ ]
بطلقتين أو ثلاث فعلا (^١)، وهو رواية عن مالك، وقال الحسن البصري: الحكمان يحكمان في الجمع لا في التفرقة (^٢). وكذا قال قتادة وزيد بن أسلم (^٣)، وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور وداود: ومأخذهم قوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ ولم يذكر التفريق، وأما إذا كانا وكيلين من جهة الزوجين فإنه ينفذ حكمهما في الجمع والتفرقة بلا خلاف.
وقد اختلف الأئمة في الحكمين، هل هما منصوبان من جهة الحاكم، فيحكمان وإن لم يرض الزوجان. أو هما وكيلان من جهة الزوجين؟ على قولين والجمهور على الأول، لقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ فسماهما حكمين ومن شأن الحكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه، وهذا ظاهر الآية، والجديد من مذهب الشافعي وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، الثاني منهما بقول علي ﵁ للزوج حين قال: أما الفرقة فلا، قال: كذبت حتى تقر بما أقرت به. قالوا: فلو كانا حاكمين لما افتقر إلى إقرار الزوج، والله أعلم.
قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: وأجمع العلماء على أن الحكمين إذا اختلف قولهما فلا عبرة بقول الآخر، وأجمعوا على أن قولهما نافذ في الجمع وإن لم يوكلهما الزوجان، واختلفوا هل ينفذ قولهما في التفرقة؟ ثم حكي عن الجمهور أن ينفذ قولهما فيها أيضًا من غير توكيل (^٤).
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾.
يأمر ﵎ بعبادته وحده لا شريك له، فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الآنات والحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئًا من مخلوقاته، كما قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: "أتدري ما حق اللّه على العباد؟ " قال: اللّه ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا"، ثم قال: "أتدري ما حق العباد على اللّه إذا فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم" (^٥) ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين، فإن اللّه سبحانه جعلهما سببًا لخروجك من العدم إلى الوجود وكثيرًا ما يقرن اللّه سبحانه بين عبادته والإحسان إلى الوالدين، كقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]، وكقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] ثم عطف على الإحسان إليهما الإحسان إلى القرابات من الرجال والنساء كما جاء في الحديث: "الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة" (^٦).
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح من طريق عبيدة عن إبراهيم (التفسير رقم ٦٣٢).
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.
(٣) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح عنه.
(٤) ذكره في الاستذكار ١٨/ ١١١.
(٥) أخرجه الشيخان من حديث معاذ بن جبل. صحيح البخاري، التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎ (ح ٧٣٧٣)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (ح ٣٠).
(٦) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤/ ١٧)، والترمذي وحسنه في السنن، الزكاة، باب ما جاء في الصدقة على =
[ ٣ / ٩٩ ]
ثم قال تعالى: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ وذلك لأنهم فقدوا من يقوم بمصالحهم ومن ينفق عليهم فأمر اللّه بالإحسان إليهم والحنو عليهم ثم قال: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ وهم المحاويج من ذوي الحاجات الذين لا يجدون ما يقوم بكفايتهم، فأمر اللّه سبحانه بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم وتزول به ضرورتهم وسيأتي الكلام على الفقير والمسكين في سورة براءة.
وقوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ يعني: الذي بينك وبينه قرابة، ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ الذي ليس بينك وبينه قرابة (^١)، وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وميمون بن مهران والضحاك وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقتادة (^٢).
وقال أبو إسحاق، عن نوف البكالي في قوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ يعني: الجار المسلم، ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ يعني: اليهودي والنصراني، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^٣).
وقال جابر الجعفي: عن الشعبي، عن علي وابن مسعود: والجار ذي القربى، يعني المرأة (^٤).
وقال مجاهد أيضًا في قوله: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ يعني: الرفيق في السفر (^٥)، وقد وردت الأحاديث بالوصايا بالجار، فلنذكر منها ما تيسر وباللّه المستعان:
(الحديث الأول): قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمر بن محمد بن زيد أنه سمع أباه محمدًا يحدث عن عبد اللّه بن عمر: أن رسول اللّه ﷺ قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" (^٦) أخرجاه في الصحيحين من حديث عمر بن محمد بن زيد بن عبد اللّه بن عمر به (^٧).
(الحديث الثاني): قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن داود بن شابور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عَمْرو، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" وروى أبو داود والترمذي نحوه من حديث سفيان بن عيينة، عن [بشير] (^٨) أبي إسماعيل، زاد الترمذي: وداود بن شابور، كلاهما عن مجاهد به، ثم قال الترمذي: حسن غريب من هذا
_________________
(١) = ذي القرابة (ح ٦٥٨)، وابن خزيمة في صحيحه (ح ٢٠٦٧)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٠٧) وفي سنده: الرُباب بنت صُليع أم الرائح مقبولة (التقريب ص ٧٤٧)، ويشهد له حديث زينب الثقفية وفيه: لها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة (صحيح البخاري الزكاة، باب الزكاة على الزوج (ح ١٤٦٦)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب فضل الصدقة والنفقة (ح ١٠٠٠).
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.
(٣) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي إسحاق السبيعي عن نوف به، وأخرجه ابن أبي حاتم معلقًا.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق إسرائيل عن جابر الجعفي به وسنده ضعيف لضعف جابر الجعفي.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي عبد اللّه سليم المكي عن مجاهد.
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٥٥٧٧)، وسنده صحيح.
(٨) صحيح البخاري، الأدب، باب الوصاة بالجار (ح ٦٠١٤)، وصحيح مسلم، البر، باب الوصية بالجار (ص ٢٦٢٤).
(٩) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "بشر" وهو تصحيف.
[ ٣ / ١٠٠ ]
الوجه، وقد روي عن مجاهد وعائشة وأبي هريرة عن النبي ﷺ (^١).
(والحديث الثالث): قال أحمد أيضًا: حدثنا عبد اللّه بن يزيد، أخبرنا حيوة، أخبرنا شرحبيل بن شريك أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلي يحدث عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه قال: "خير الأصحاب عند اللّه خيرهم لصاحبه وخير الجيران عند اللّه خيرهم لجاره" (^٢) ورواه الترمذي عن أحمد بن محمد، عن عبد اللّه بن المبارك، عن حيوة بن شريح به، وقال: حسن غريب (^٣).
(الحديث الرابع): قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن أبيه، عن [عباية] (^٤) بن رفاعة، عن عمر، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "لا يشبع الرجل دون جاره" (^٥)، تفرد به أحمد.
(الحديث الخامس): قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد اللّه، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري، سمعت أبا ظبية الكلاعي، سمعت المقداد بن الأسود يقول: قال رسول اللّه ﷺ لأصحابه: "ما تقولون في الزنا؟ " قالوا: حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله ﷺ: "لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره"، قال: "ما تقولون في السرقة؟ " قالوا: حرمها اللّه ورسوله، فهي حرام، قال: "لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره" (^٦) تفرد به أحمد، وله شاهد في الصحيحين من حديث ابن مسعود: قلت: يا رسول اللّه؛ أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل للّه ندًا وهو خلقك" قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك". قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك" (^٧).
(الحديث السادس): قال الإمام أحمد: حدثنا [يزيد، حدثنا هشام] (^٨)، عن حفصة، عن أبي العالية، عن رجل من الأنصار قال: خرجت من أهلي أريد النبي ﷺ، فإذا به قائم ورجل
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٢/ ١٦٠)، وأبو داود، السنن، الأدب، باب في حق الجوار (ح ٥١٥٢)، الترمذي في السنن البر والصلة، باب ما جاء في حق الجوار (ح ١٩٤٣) وقال: حسن غريب من هذا الوجه، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٢٩١) ويشهد له الحديث السابق المتفق عليه.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٦٧) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (ح ١١٥) من طريق حيوة به، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٨٤)، وأخرجه الحاكم من طريق حيوة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٠١) وحسنه الترمذي كما سيأتي.
(٣) السنن، البر والصلة، باب ما جاء في حق الجوار (ح ١٩٤٤).
(٤) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: "عناية" وهو تصحيف.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٥٤) وسنده ضعيف لأن عباية لم يسمع من عمر (مجمع الزوائد ٨/ ١٦٧).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٨)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد من طريق محمد بن فضيل به (ح ١٠٣)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٧٦)، وذكره الهيثمي وقال رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات (المجمع ٨/ ١٧١).
(٧) تقدم في سورة البقرة آية ٢٢ و١٦٥.
(٨) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: "يزيد بن هشام" وهو تصحيف.
[ ٣ / ١٠١ ]
[معه] (^١) مقبل عليه، فظننت أن لهما حاجة، قال الأنصاري: لقد قام رسول اللّه ﷺ حتى جعلت أرثي لرسول اللّه ﷺ من طول القيام، فلما انصرف قلت: يا رسول اللّه، لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثي لك من طول القيام. قال: "ولقد رأيته؟ " قلت: نعم، قال: "أتدري من هو؟ ". قلت: لا، قال: "ذاك جبريل، ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" ثم قال: "أما إنك لو سلمت عليه لردّ عليك السلام" (^٢).
(الحديث السابع): قال [عبد] (^٣) بن حميد في مسنده: حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا أبو بكر - يعني: المدني - عن جابر بن عبد اللّه، قال: جاء رجل من العوالي ورسول اللّه ﷺ، وجبريل ﵇، يصليان حيث يصلى على الجنائز، فلما انصرف قال الرجل: يا رسول اللّه، من هذا الرجل الذي رأيت معك؟ قال: "وقد رأيته؟ " قال: نعم. قال: "لقد رأيت خيرًا كثيرًا، هذا جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى رأيت أنه سيورثه" (^٤)، تفرد به من هذا الوجه وهو شاهد للذي قبله.
(الحديث الثامن): قال أبو بكر البزار: حدثنا عبيد اللّه بن محمد أبو الربيع الحارثي، حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، أخبرني عبد الرحمن بن الفضل، عن عطاء الخراساني، عن الحسن، عن جابر بن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "الجيران ثلاثة: جار له حق واحد، وهو أدنى الجيران حقًّا، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، وهو أفضل الجيران حقًّا، فأما الذي له حق واحد فجار مشرك لا رحم له، له حق الجوار، وأما الذي له حقان فجار مسلم، له حق الإسلام وحق الجوار، وأما الذي له ثلاثة حقوق فجار مسلم ذو رحم له حق الجوار وحق الإسلام وحق الرحم" (^٥)، قال البزار: لا نعلم أحدًا روى عن عبد الرحمن بن الفضل إلا ابن أبي فديك.
(الحديث التاسع): قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي عمران، عن طلحة بن عبد اللّه، عن عائشة، أنها سألت رسول اللّه ﷺ فقالت: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهما منك بابًا" (^٦)، ورواه البخاري من حديث شعبة به.
[(الحديث العاشر): روى الطبراني وأبو نعيم عن عبد الرحمن بن أبي قُراد قال: إن رسول اللّه ﷺ توضأ فجعل الناس يتمسحون بوضوئه، فقال: "ما يحملكم على ذلك؟ " قالوا:
_________________
(١) زيادة من (حم) و(مح) والمسند.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٢)، وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٨/ ١٦٧)، وصححه الألباني في إرواء الغليل ٣/ ٤٠٣ (ح ٨٩١).
(٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "عبد اللّه" والصواب ما أثبت.
(٤) أخرجه عبد بن حميد بسنده ومتنه (المنتخب من المسند ح ١١٢٩)، وفي سنده أبو بكر المدني وهو الفضل بن مبشر فيه لين (التقريب ص ٤٤٧)، وسنده ضعيف.
(٥) أخرجه البزار بسنده ومتنه مختصر زوائد مسند البزار، قال الحافظ ابن حجر: والحارثي متهم (٢/ ٢٥١ ح ١٨٠٤)، وقال الهيثمي: وضاع (مجمع الزوائد ٨/ ١٦٤).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١٧٥)، وأخرجه أبو داود من طريق أبي عمران به (السنن، الأدب، باب في حق الجوار ح ٥١٥٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٢٩٤).
[ ٣ / ١٠٢ ]
حب اللّه ورسوله. قال: "من سره أن يحب اللّه ورسوله فليصدق الحديث إذا حدث، وليؤد الأمانة إذا ائتمن، وليحسن جوار من جاوره" (^١).
(الحديث الحادي عشر): قال أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي عشان، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول اللّه ﷺ: "إن أول خصمين يوم القيامة جاران"] (^٢) (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ قال الثوري، عن جابر الجعفي، عن الشعبي، عن علي وابن مسعود، قالا: هي المرأة (^٤).
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وإبراهيم النخعي والحسن وسعيد بن جبير في إحدى الروايات، نحو ذلك (^٥)، وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: هو الرفيق في السفر (^٦).
وقال سعيد بن جبير: هو الرفيق الصالح (^٧).
وقال زيد بن أسلم: هو جليسك في الحضر ورفيقك في السفر (^٨).
وأما ابن السبيل، فعن ابن عباس وجماعة: هو الضيف (^٩)، وقال مجاهد وأبو جعفر الباقر والحسن والضحاك ومقاتل: هو الذي يمر عليك مجتازًا في السفر (^١٠). وهذا أظهر، وإن كان مراد القائل بالضيف المار في الطريق، فهما سواء، وسيأتي الكلام على أبناء السبيل في سورة براءة، وبالله الثقة وعليه التكلان.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وصية بالأرقاء، لأن الرقيق ضعيف الحيلة أسير في أيدي الناس، فلهذا ثبت أن رسول اللّه ﷺ جعل يوصي أمته في مرض الموت، يقول: "الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم" (^١١) فجعل يرددها حتى ما يفيض بها لسانه، وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثنا [بَحير بن سعد] (^١٢)، عن خالد بن معدان، عن
_________________
(١) ذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبيد بن واقد القيسي وهو ضعيف (المجمع ٤/ ١٤٨).
(٢) ما بين معقوفين زيادة من (مح).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٥١)، وحسنه الهيثمي (المجمع ١٠/ ٣٥٢)، وقال المنذري: إسناده جيد (الترغيب ٣/ ٣٥٥)، وحسنه السيوطي والألباني في صحيح الجامع الكبير (ح ٢٥٦٠).
(٤) تقدم في بداية تفسير الآية، وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف.
(٥) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.
(٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد وعكرمة أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جابر الجعفي عنهما، ويشهد لهما قول ابن عباس، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي بكير التيمي عنه.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حاتم بن أبي عجلان عنه، ولم أقف على ترجمة لحاتم.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه.
(١٠) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف الإسناد إلا قول مجاهد فأخرجه بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(١١) أخرجه ابن ماجه، السنن، الوصايا، باب هل أوصى رسول الله ﷺ (ح ٢٦٩٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢١٨٣) وحسنه البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ٣٦١).
(١٢) كذا في المسند، وفي نسخة (حم) و(مح) والأصل: "يحيى بن سعيد"، والصواب ما أُثبت.
[ ٣ / ١٠٣ ]
المقدام بن معديكرب، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "ما أطمعت نفسك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة" (^١) ورواه النسائي من حديث بقية (^٢)، وإسناده صحيح، وللّه الحمد.
وعن عبد الله بن عمرو أنه قال لقهرمان له: هل أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا. قال: فانطلق فأعطِهم، فإن رسول اللّه ﷺ قال: "كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوتهم" رواه مسلم (^٣).
وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق" رواه مسلم أيضًا (^٤).
وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنه ولي حره وعلاجه" أخرجاه، ولفظه للبخاري (^٥)، ولمسلم: "فليقعده معه فليأكل، فإن كان الطعام مشفوهًا قليلًا، فليضع في يده أكلة أو أكتين" (^٦).
وعن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "هم إخوانكم خولكم جعلهم اللّه تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم" أخرجاه (^٧).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ هو أي: مختالًا في نفسه، [معجبًا متكبرًا فخورًا على الناس، يرى أنه خير منهم فهو في نفسه] (^٨) كبير وهو عند اللّه حقير، وعند الناس بغيض.
قال مجاهد في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا﴾ يعني: متكبرًا ﴿فَخُورًا﴾ يعني: يَعُدّ ما أعطى، وهو لا يشكر الله تعالى (^٩). يعني: يفخر على الناس بما أعطاه اللّه من نعمه، وهو قليل الشكر للّه على ذلك.
وقال ابن جرير: حدثني القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن كثير، عن عبد اللّه بن واقد أبي رجاء الهروي، قال: لا تجد سيء الملكة إلا وجدته مختالًا فخورًا، وتلا ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾، ولا عاقًا إلا وجدته جبارًا [شقيًا] (^١٠)، وتلا ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)﴾ [مريم: ٣٢] (^١١).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٣١)، وصحح سنده الحافظ ابن كثير.
(٢) السنن الكبرى (ح ٩٢٠٤)، وتحفة الأشراف ٨/ ٥٠٧.
(٣) صحيح مسلم، الزكاة، باب فضل النفقة على العيال والمملوك (ح ٩٩٦).
(٤) صحيح مسلم، الأيمان، باب إطعام المملوك مما يأكل (ح ١٦٦٢).
(٥) صحيح البخاري، العتق، باب إذا أتى أحدكم خادمُه بطعامه (ح ٢٥٥٧).
(٦) صحيح مسلم، الموضع السابق (ح ١٦٦٣).
(٧) صحيح البخاري، الأيمان، باب المعاصي من أمر الجاهلية (ح ٣٠)، وصحيح مسلم، الموضع السابق ١٦٦٠/ ٤٠.
(٨) زيادة من (حم) و(مح).
(٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(١٠) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "سيا"، وهو تصحيف.
(١١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده الحسين، وهو سنيد: ضعيف.
[ ٣ / ١٠٤ ]
وروى ابن أبي حاتم عن العوام بن حوشب مثله في المختال الفخور، وقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، عن الأسود بن شيبان، حدثنا يزيد بن عبد اللّه بن الشخير، قال: قال مطرف: كان يبلغني عن أبي ذر حديث كنت أشتهي لقاءه، فلقيته، فقلت: يا أبا ذر، بلغني أنك تزعم أن رسول الله ﷺ حدثكم: "إن اللّه يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة"؟ فقال: أجل، فلا إخالني، أكذب على خليلي ثلاثًا؟ قلت: من الثلاثة الذين يبغض اللّه؟ قال: المختال الفخور. أوليس تجدونه عندكم في كتاب اللّه المنزل؟ ثم قرأ الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (^١)، وحدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب بن خالد، عن أبي تميمة، عن رجل من بلهجم، قال: قلت: يا رسول اللّه، أوصني، قال: "إياك وإسبال الإزار فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن اللّه لا يحب المخيلة" (^٢).
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾.
يقول تعالى ذامًّا الذين يبخلون بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله به من بر الوالدين والإحسان إلى الأقارب، واليتامى، والمساكين، والجار ذي القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم من الأرقاء، ولا يدفعون حق اللّه فيها، ويأمرون الناس بالبخل أيضًا، وقد قال رسول اللّه ﷺ: "وأي داء أدوأ من البخل" (^٣). وقال: "إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا" (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فالبخيل جحود لنعمة اللّه لا تظهر عليه ولا تبين، لا في مأكله ولا في ملبسه ولا في إعطائه وبذله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ [العاديات: ٦، ٧]، أي: بحاله وشمائله ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ [العاديات: ٨] وقال ههنا: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ولهذا توعدهم بقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ والكفر هو الستر والتغطية، فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وأطول، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم من طريق خرشة بن الحر عن أبي ذر بنحوه (الصحيح، الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار ح ١٠٦).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح، والرجل المبهم هو صحابي واسمه: جابر بن سليم ﵁ إذ صرح بذلك أبو داود فقد أخرجه من طريق أبي تميمة عن أبي جري جابر بن سليم بنحوه وأطول (السنن، اللباس، باب في إسبال الإزار ح ٤٠٨٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٤٤٢).
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ح ٢٩٦)، من حديث جابر، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٢١٩)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٢٢٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا (المسند ح ٦٤٨٧)، وصححه محققوه وأخرجه ابن حبان (الإحسان ح ٥١٧٦)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١١).
[ ٣ / ١٠٥ ]
ويجحدها فهو كافر لنعم اللّه [عليه] (^١)، وفي الحديث: "إن اللّه إذا أنعم نعمة على عبد أحب أن يظهر أثرها عليه" (^٢)، وفي الدعاء النبوي: "واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك قابليها، وأتممها علينا" (^٣).
وقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم من صفة محمد ﷺ وكتمانهم ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، رواه ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس (^٤)، وقاله مجاهد (^٥) وغير واحد، ولا شك أن الآية محتملة لذلك، والظاهر أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلًا في ذلك بطريق الأولى، فإن السياق في الإنفاق على الأقارب والضعفاء، وكذلك الآية التي بعدها وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ فإنه ذكر الممسكين المذمومين وهم البخلاء، ثم ذكر الباذلين المرائين الذين يقصدون [بإعطائهم] (^٦) السمعة وأن يمدحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه اللّه، وفي الحديث الذي ذُكر فيه الثلاثة الذين هم أول من تسجر بهم النار وهم: العالم، والغازي، والمنفق المراؤون بأعمالهم، يقول صاحب المال: "ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك، فيقول اللّه: كذبت إنما أردت أن يقال: كريم فقد قيل"؛ أي: أخذت جزاءك في الدنيا وهو الذي أردت بفعلك (^٧).
وفي الحديث: أن رسول اللّه ﷺ، قال لعدي بن حاتم: "إن أباك رام أمرًا فبلغه" (^٨).
وفي حديث آخر: أن رسول اللّه ﷺ سئل عن عبد اللّه بن جدعان: هل ينفعه إنفاقه وإعتاقه؟ فقال: "لا، إنه لم يقل يومًا من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين" (^٩). ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ أي: إنما حملهم على صنيعهم هذا القبيح وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الشيطان، فإنه سول لهم وأملى لهم، وقارنهم فحسَّن لهم القبائح، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾، ولهذا قال الشاعر:
_________________
(١) زيادة من (حم) و(مح).
(٢) أخرجه الإمام أحمد من حديث مالك بن نضلة الجشمي بنحوه (المسند ٢٥/ ٢٢٢ ح ١٥٨٨٧)، وصححه محققوه، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ح ٥٤١٧)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٢٩٠).
(٣) أخرجه أبو داود من حديث ابن مسعود مرفوعًا (السنن، الصلاة، باب من ذكر التورك في الرابعة ح ٩٦٩)، والطبراني في المعجم الكبير (ح ١٠٤٢٦)، وقال الهيثمي: سنده جيد (المجمع ١٠/ ١٨٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٨٥٥).
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، وسنده حسن، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه قال: نزلت في اليهود.
(٦) زيادة من (حم) و(مح).
(٧) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا بنحوه وأطول (الصحيح، الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة … ح ١٩٠٥).
(٨) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤/ ٢٥٨)، قال الهيثمي: ورجاله ثقات (المجمع ١/ ١٢٤)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٢٤٠).
(٩) أخرجه مسلم من حديث عائشة ﵂ (الصحيح، الإيمان، باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل ح ٢١٤).
[ ٣ / ١٠٦ ]
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه … فكل قرين بالمقارن يقتدي
ثم قال تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾ أي: وأي شيء يضرهم لو آمنوا بالله وسلكوا الطرائق الحميدة، وعدلوا عن الرياء إلى الإخلاص والإيمان بالله ورجاء موعوده في الدار الآخرة لمن أحسن عملًا، وأنفقوا مما رزقهم اللّه في الوجوه التي يحبها اللّه ويرضاها، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ أي: وهو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه، ويلهمه رشده، ويقيضه لعمل صالح يرضى به عنه، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن الجناب الأعظم الإلهي الذي من طرد عن بابه، فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة، عياذًا باللّه من ذلك.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾.
يخبر تعالى أنه لا يظلم عبدًا من عباده يوم القيامة مثقال حبة خردل ولا مثقال ذرة، بل يوفيها له ويضاعفها له إن كانت حسنة، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى مخبرًا عن لقمان أنه قال: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان: ١٦]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة] وفي الصحيحين من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول اللّه ﷺ في حديث الشفاعة الطويل، وفيه: "فيقول اللّه ﷿: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجوه من النار" (^١)، وفي لفظ: "أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، فأخرجوه من النار فيخرجون خلقًا كثيرًا" (^٢)، ثم يقول أبو سعيد: اقرؤوا إن شئتم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ (^٣)، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عيسى بن يونس، عن هارون بن عنترة، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، قال: قال عبد اللّه بن مسعود: يؤتى بالعبد والأمة يوم القيامة فينادي مناد على رؤوس الأولين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه، فتفرح المرأة أن يكون لها الحق على أبيها أو أمها أو أخيها أو زوجها، ثم قرأ ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، فيغفر اللّه من حقه ما يشاء ولا يغفر من حقوق الناس
_________________
(١) صحيح البخاري، التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ [القيامة: ٢٢] (ح ٧٤٣٩)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (ح ١٨٣).
(٢) أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك، صحيح البخاري، التوحيد، باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة (ح ٧٥١٠)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (ح ١٩٣).
(٣) هذا القول لأبي سعيد وهو الخدري، تتمة للحديث قبل السابق المتفق عليه.
[ ٣ / ١٠٧ ]
شيئًا، فينصب للناس فينادى: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه. فيقول: رب فنيت الدنيا من أين أوتيهم حقوقهم؟ فيقول: خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل ذي حق بقدر طُلبته، فإن كان وليًا للّه ففضل له مثقال ذرة ضاعفها اللّه له حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ علينا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ قال: ادخل الجنة وإن كان عبدًا [شقيًا] (^١) قال الملك: ربِّ فنيت حسناته وبقي طالبون كثير، فيقول: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكوا له صكًا إلى النار (^٢). ورواه ابن جرير من وجه آخر عن زاذان به نحوه (^٣) ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا فضيل - يعني: ابن مرزوق -، عن عطية العوفي، حدثني عبد اللّه بن عمر، قال: نزلت هذه الآية في الأعراب ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] قال رجل: فما للمهاجرين يا أبا عبد الرحمن؟ قال: ما هو أفضل من ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ (^٤)، وحدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد اللّه بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ فأما المشرك فيخفف عنه العذاب يوم القيامة ولا يخرج من النار أبدًا (^٥). وقد يُستدل له بالحديث الصحيح أن العباس قال: يا رسول اللّه، إن عمك أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل نفعته بشيء؟ قال: "نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار" (^٦)، وقد يكون هذا خاصًّا بأبي طالب من دون الكفار بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا عمران، حدثنا قتادة، عن أنس أن رسول اللّه ﷺ قال: "إن اللّه لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة" (^٧).
وقال أبو هريرة وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك في قوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة (^٨).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا سليمان - يعني ابن المغيرة -، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان، قال: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: بلغني أن اللّه تعالى يعطي عبده المؤمن
_________________
(١) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: "حبشيًا" وهو تصحيف.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده حسن.
(٣) أخرجه الطبري من طريق زاذان به نحوه.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٦) صحيح البخاري، مناقب الأنصار، قصة أبي طالب (ح ٣٨٨٣)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب (ح ٢٠٩).
(٧) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ٢٠١١)، وأخرجه مسلم من طريق قتادة به (الصحيح، صفات المنافقين، باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة ح ٢٨٠٨).
(٨) قول أبي هريرة أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف فيه علي بن زيد بن جدعان، وبقية الرواة ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند وهي تشهد لرواية أبي هريرة.
[ ٣ / ١٠٨ ]
بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة، قال: فقُضي أني انطلقت حاجًا أو معتمرًا، فلقيته فقلت: بلغني عنك حديث أنك تقول: سمعت رسول اللّه ﷺ: "إن اللّه ﷿ يجزى العبد بالحسنة ألف ألف حسنة" قال: فقضي أني انطلقت حاجًّا أو معتمرًا، فلقيته؛ فقلت: بلغني عنك حديث أنك تقول: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "إن اللّه يعطي العبد بالحسنة ألف ألف حسنة قال أبو هريرة: لا بل سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "إن اللّه يعطيه ألفي ألف حسنة"، ثم تلا ﴿يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فمن يقدر قدره؟ (^١). ورواه الإمام أحمد فقال: حدثنا يزيد، ثنا مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، قال: أتيت أبا هريرة، فقلت له: بلغني أنك تقول: إن [الحسنة] (^٢) تضاعف ألف ألف حسنة! قال: وما أعجبك من ذلك؟ فواللّه لقد سمعت - يعني: النبي ﷺ - يقول: "إن اللّه ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة" (^٣)، وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير، واللّه أعلم.
وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ يقول تعالى: مخبرًا عن هول يوم القيامة وشدة أمره وشأنه، فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة حين يجيء من كل أمة بشهيد - يعني: الأنبياء ﵇، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩)﴾ [الزمر]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل]، وقال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: قال لي رسول اللّه ﷺ: "اقرأ علي" فقلت: يا رسول الله اقرأ عليك، وعليك أنزل؟ قال: "نعم إني أحب أن أسمعه من غيري" فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ فقال: "حسبك الآن" فإذا عيناه تذرفان، ورواه هو ومسلم أيضًا من حديث الأعمش به (^٤)، وقد روي من طرق متعددة عن ابن مسعود فهو مقطوع به عنه ورواه أحمد من طريق أبي حيان وأبي رزين عنه (^٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا الصلت بن مسعود الجحدري، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا يونس بن محمد بن فضالة الأنصاري، عن أبيه، قال: وكان أبي ممن صحب النبي ﷺ: إن النبي ﷺ أتاهم في بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في بني ظفر اليوم، ومعه ابن مسعود ومعاذ بن جبل وناس
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٥٢١، ٥٢٢)، وسنده ضعيف بسبب ضعف علي بن زيد.
(٢) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: "الجنة"، وهو تصحيف.
(٣) سنده ضعيف بسبب علي بن زيد.
(٤) صحيح البخاري، تفسير سورة النساء، باب ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ …﴾ [النساء: ٤١] (ح ٤٥٨٢)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل استماع القرآن (ح ٨٠٠).
(٥) المسند (١/ ٣٧٤).
[ ٣ / ١٠٩ ]
من أصحابه، فأمر النبي ﷺ قارئًا فقرأ حتى أتى على هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ فبكى رسول اللّه ﷺ حتى اضطرب لحياه وجنباه، فقال: "يا رب، هذا شهدت على من أنا بين ظهريه، فكيف بمن لم أره" (^١).
وقال ابن جرير: حدثني عبد الله بن محمد الزهري، حدثنا سفيان، عن المسعودي، عن جعفر بن عمرو بن حريث، عن أبيه، عن عبد اللّه - هو ابن مسعود - في هذه الآية، قال: قال رسول الله ﷺ: "شهيد عليهم ما دمت فيهم، فإذا توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم" (^٢). [وأما ما ذكره أبو عبد الله القرطبي في التذكرة حيث قال: باب ما جاء في شهادة النبي ﷺ على أمته، قال ابن المبارك: أخبرنا رجل من الأنصار، عن المنهال بن عمرو أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: ليس من يوم إلا تعرض فيه على النبي ﷺ أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم، يقول الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ فإنه أثر وفيه انقطاع، فإن فيه رجلًا مبهمًا لم يسم، وهو من كلام سعيد بن المسيب لم يرفعه، وقد قبله القرطبي فقال بعد إيراده: قد تقدم أن الأعمال تعرض على اللّه كل يوم اثنين وخميس، وعلى الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة، قال: ولا تعارض، فإنه يحتمل أن يخص نبينا بما يعرض عليه كل يوم، ويوم الجمعة مع الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام (^٣)] (^٤).
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾: لو انشقت وبلعتهم مما يرون من أهوال الموقف وما يحل بهم من الخزي والفضيحة والتوبيخ، كقوله: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠].
وقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ إخبار عنهم بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه ولا يكتمون منه شيئًا.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، حدثنا عمرو، عن مطرف، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال له: سمعت اللّه ﷿ يقول - يعني: إخبارًا عن المشركين يوم القيامة أنهم قالوا -: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقال في الآية الأخرى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فقال ابن عباس: أما قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام، قالوا: [تعالوا فلنجحد، ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده فضيل بن سليمان، وهو النميري صدوق يخطئ كثيرًا (التقريب ص ٤٤٧)، ويونس بن محمد ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٩/ ٢٤٦)، ولبعضه شاهد متفق عليه تقدم.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق الثوري به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٣١٩)، وأخرجه الطبراني، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٢٢).
(٣) ما بين معقوفين زيادة من (حم) و(مح).
(٤) ذكره القرطبي في: التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص ٢٩٤.
[ ٣ / ١١٠ ]
مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾] (^١)، فختم اللّه على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (^٢)، وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن رجل، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أشياء تختلف عليّ في القرآن، قال: ما هو؟ أشك في القرآن؟ قال: ليس هو بالشك، ولكن اختلاف قال: فهات ما اختلف عليك من ذلك، قال: أسمع اللّه يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا (٢٣)﴾ [الأنعام: ٢٣] وقال: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فقد كتموا. فقال ابن عباس: أما قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن اللّه لا يغفر إلا لأهل الإسلام ويغفر الذنوب ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره ولا يغفر شركًا جحد المشركون، فقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ رجاء أن يغفر لهم، فختم اللّه على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (^٣).
وقال [جويبر] (^٤)، عن الضحاك: إن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال: يا ابن عباس، قول الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ وقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك، فقلت: ألقي على ابن عباس متشابه القرآن، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن اللّه تعالى جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقول المشركون: إن اللّه لا يقبل من أحد شيئًا إلا ممن وحّده، فيقولون: تعالوا نقل فيسألهم فيقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ قال: فيختم اللّه على أفواههم ويستنطق جوارحهم فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين. فعند ذلك يتمنون لو أن الأرض سويت بهم ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾. رواه ابن جرير (^٥).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾.
ينهى ﵎ عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر الذي لا يدري معه المصلى ما يقول، وعن قربان محالها التي هي المساجد للجنب، إلا أن يكون مجتازًا من باب إلى باب من غير مكث، وقد كان هذا قبل تحريم الخمر، كما دل عليه الحديث الذي ذكرناه في سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ …﴾ الآية [البقرة: ٢١٩]. فإن رسول اللّه ﷺ تلاها على عمر، فقال: "اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا"، [فلما
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (حم) و(مح) وتفسير الطبري.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب إبهام شيخ معمر.
(٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "ابن جرير" وهو تصحيف.
(٥) وسنده ضعيف بسبب جويبر وهو متروك، أخرجه الطبري من طريق جويبر به. ووقع في طبعة أحمد شاكر تصحيف فورد بلفظ: "الزبير".
[ ٣ / ١١١ ]
نزلت هذه الآية تلاها عليه فقال: "اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا"] (^١)، فكانوا لا يشربون الخمر في أوقات الصلوات، فلما نزل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١] فقال عمر: انتهينا انتهينا (^٢). وفي رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن شرحبيل، عن عمر بن الخطاب في قصة تحريم الخمر، فذكر الحديث، وفيه: فنزلت الآية التي في النساء ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فكان منادي رسول اللّه ﷺ إذا قامت الصلاة ينادي: أن لا يقربن الصلاة سكران، لفظ أبي داود (^٣).
وذكروا في سبب نزول هذه الآية ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، أخبرني سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال: نزلت فيّ أربع آيات، صنع رجل من الأنصار طعامًا فدعا أناسًا من المهاجرين وأناسًا من الأنصار، فأكلنا وشربنا حتى سكرنا، ثم افتخرنا، فرفع رجل لَحْيَ بعير ففزر به أنف سعد، فكان سعد مفزور الأنف، وذلك قبل تحريم الخمر، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية (^٤)، والحديث بطوله عند مسلم من رواية شعبة، ورواه أهل السنن إلا ابن ماجه من طرق عن سماك به (^٥).
(سبب آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن بن عبد اللّه [الدشتكي] (^٦)، حدثنا أبو جعفر، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعامًا فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموا فلانًا، قال: فقرأ (قل يا أيها الكافرون، ما أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون)، فأنزل اللّه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، هكذا رواه ابن أبي حاتم (^٧)، وكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن عبد الرحمن الدشتكي به، وقال: حسن صحيح (^٨). وقد رواه ابن جرير، عن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن علي: أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر، شربوا الخمر فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ ﴿قُلْ
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (حم) و(مح) والتخريج.
(٢) حديث صحيح تقدم تخريجه في سورة البقرة آية ٢١٩.
(٣) السنن، الأشربة، باب في تحريم الخمر (ح ٣٦٧٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣١١٦).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٥) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب فضل سعد (ح ١٧٤٨)، وسنن أبي داود، الجهاد، باب في النفل (ح ٢٧٤٠)، وسنن الترمذي، تفسير سورة العنكبوت (ح ٣١٨٠) والسنن الكبرى للنسائي (ح ١١١٩٦).
(٦) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: "الرستكي" وهو تصحيف.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو جعفر وهو الرازي صدوق سيء الحفظ، وقد توبع كما سيأتي، فسنده حسن.
(٨) أخرجه الترمذي من طريق أبي جعفر به وقال: حسن صحيح غريب (السنن، تفسير سورة النساء ح ٣٠٢٦)، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان عن عطاء به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠٧)، وأخرجه تمام الرازي من طريق علي بن عاصم عن عطاء به (الفوائد ٢/ ٧٩٨).
[ ٣ / ١١٢ ]
يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فخلط فيها، فنزلت ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (^١)، وهكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث الثوري به (^٢)، ورواه ابن جرير أيضًا عن ابن حميد، عن جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: كان علي في نفر من أصحاب النبي ﷺ في بيت عبد الرحمن بن عوف، فطعموا فأتاهم بخمر فشربوا منها، وذلك قبل أن يحرم الخمر، فحضرت الصلاة فقدموا عليًا فقرأ بهم ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ فلم يقرأها كما ينبغي، فأنزل اللّه ﷿ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ثم قال: حدثني المثنى، حدثنا الحجاج بن المنهال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد اللّه بن حبيب - وهو أبو عبد الرحمن السلمي -: أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعامًا وشرابًا، فدعا نفرًا من أصحاب النبي ﷺ فصلى بهم المغرب، فقرأ: (قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، وأنا عابد ما عبدتم، لكم دينكم ولي دين)، فأنزل اللّه ﷿ هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (^٣).
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ وذلك أن رجالًا كانوا يأتون الصلاة وهم سكارى قبل أن يحرم الخمر، فقال الله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى …﴾ الآية، رواه ابن جرير (^٤)، وكذا قال أبو رزين ومجاهد (^٥) وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: كانوا يجتنبون السكر عند حضور الصلوات ثم نسخ بتحريم الخمر (^٦). وقال الضحاك في قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾: لم يعن بها سكر الخمر وإنما عنى بها سكر النوم (^٧)، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، ثم قال ابن جرير: والصواب أن المراد سكر الشراب، قال: ولم يتوجه النهي إلى السكران الذي لا يفهم الخطاب، لأن ذاك في حكم المجنون، وإنما خوطب بالنهي الثمل الذي يفهم التكليف، وهذا حاصل ما قاله: وقد ذكره غير واحد من الأصوليين، وهو أن الخطاب توجه إلى من يفهم الكلام دون السكران الذي لا يدري (^٨) ما يقال له فإن الفهم شرط التكليف، وقد يحتمل أن يكون المراد التعريض بالنهي عن السكر بالكلية لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة الأوقات من الليل
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) سنن أبي داود، الأشربة، باب تحريم الخمر (ح ٣٦٧١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣١١٨).
(٣) أخرجهما الطبري بسنديهما ومتنهما، والرواية الأولى فيها ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف، وقد تفرد بأن الذي قرأ هو علي بن أبي طالب، والصواب عبد الرحمن بن أبي عوف ﵃، وأما الرواية الثانية فحكمها كالروايات الحسنة المتقدمة.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو سند ضعيف لكن يتقوى بما سبق من الروايات الثابتة.
(٥) قول أبي رزين أخرجه الطبري بثلاثة أسانيد فيها محمد بن حميد الرازي ضعيف، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسند حسن.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سلمة بن نبيط عنه، وقد رده الطبري ورده حق.
(٨) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "لا يدرك".
[ ٣ / ١١٣ ]
والنهار، فلا يتمكن شارب الخمر من أداء الصلاة في أوقاتها دائمًا، والله أعلم، وعلى هذا فيكون كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢] وهو الأمر لهم بالتأهب للموت على الإسلام والمداومة على الطاعة لأجل ذلك.
وقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ هذا أحسن ما يقال في حد السكران أنه الذي لا يدري ما يقول، فإن المخمور فيه تخليط في القراءة وعدم تدبره وخشوعه فيها. وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا نعس أحدكم وهو يصلي فلينصرف فلينم حتى يعلم ما يقول" (^١) انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم، ورواه هو والنسائي من حديث أيوب به (^٢). وفي بعض ألفاظ الحديث: "فلعله ذهب يستغفر فيسب نفسه" (^٣).
وقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار (^٤)، حدثنا عبد الرحمن الدشتكي، أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قال: لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب، إلا عابري سبيل، قال: تمر به مرًا، ولا تجلس (^٥). ثم قال: وروي عن عبد اللّه بن مسعود، وأنس، وأبي عبيدة، وسعيد بن المسيب، وأبي الضحى، وعطاء، ومجاهد، ومسروق، وإبراهيم النخعي، وزيد بن أسلم، وأبي مالك، وعمرو بن دينار، والحكم بن عتيبة، وعكرمة، والحسن البصري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وابن شهاب، وقتادة نحو ذلك (^٦).
وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثني الليث، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن قول اللّه ﷿: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أن رجالًا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فكانت تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم، [فيردون الماء ولا يجدون ممرًا إلا في المسجد] (^٧)، فأنزل اللّه ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (^٨). ويشهد لصحة ما قاله يزيد بن أبي حبيب ﵀، ما ثبت في صحيح البخاري: أن رسول اللّه ﷺ قال: "سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر" (^٩)، وهذا قاله في آخر حياته ﷺ، علمًا منه أن أبا بكر ﵁ سيلي الأمر بعده، ويحتاج إلى
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٥٠)، وأخرجه البخاري من طريق أيوب به كما سيأتي.
(٢) صحيح البخاري، الوضوء، باب الوضوء من النوم (ح ٢١٣).
(٣) صحيح البخاري، الباب السابق (ح ٢١٤).
(٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: "محمد بن يسار" وهو تصحيف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو جعفر الرازي، وهو صدوق سيء الحفظ ويشهد له الأقوال التالية، فسنده حسن.
(٦) ذكرهم جميعهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول ابن مسعود أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق عَبيدة عنه، وبقية الآثار أخرجها الطبري وابن أبي شيبة (المصنف ١/ ١٤٦ - ١٤٧)، والسنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٤١٣.
(٧) الزيادة من (حم) و(مح) وتفسير الطبري.
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده يزيد بن أبي حبيب لم أتأكد من روايته عن أحد الصحابة، وذكر ابن حجر أنه كان يرسل كما في التقريب.
(٩) صحيح البخاري، الصلاة، باب الخوخة والممر في المسجد (ح ٤٦٧).
[ ٣ / ١١٤ ]
الدخول في المسجد كثيرًا للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين (^١)، فأمر بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد، إلا بابه ﵁، ومن روى إلا باب علي، كما وقع في بعض السنن (^٢)، فهو خطأ، والصواب ما ثبت في الصحيح. ومن هذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب اللبث في المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضًا، في معناه، إلا أن بعضهم قال: يمنع مرورهما لاحتمال التلويث، ومنهم من قال: إن أمنت كل واحدة منهما التلويث في حال المرور، جاز لهما المرور، وإلا فلا. وقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول اللّه ﷺ: "ناوليني الخُمرة من المسجد" فقلت: إني حائض، فقال: "إن حيضتك ليست في يدك" وله عن أبي هريرة مثله (^٣)، ففيه دلالة على جواز مرور الحائض في المسجد، والنفساء في معناها، والله أعلم.
وروى أبو داود من حديث أفلت بن خليفة العامري، عن جسرة بنت دجاجة، عن عائشة، قالت: قال رسول اللّه ﷺ: "إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" (^٤)، قال أبو سليمان الخطابي: ضَعّف هذا الحديث جماعة وقالوا: أفلت مجهول، لكن رواه ابن ماجه، من حديث أبي الخطاب الهجري، عن محدوج الذهلي، عن [جسرة] (^٥) عن أم سلمة، عن النبي ﷺ به (^٦)، قال أبو زرعة الرازي: يقولون: [جسرة] (^٧) عن أم سلمة، والصحيح جسرة عن عائشة، فأما ما رواه أبو عيسى الترمذي: من حديث سالم بن أبي حفصة عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: "يا علي لا يحل لأحد أن يجنب، في هذا المسجد غيري وغيرك" (^٨) فإنه حديث ضعيف لا يثبت، فإن سالمًا هذا متروك، وشيخه عطية ضعيف، واللّه أعلم.
(قول آخر) في معنى الآية. قال ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا عبيد اللّه بن موسى، أخبرني ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن زر بن حبيش، عن علي ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال: لا يقرب الصلاة، إلا أن يكون مسافرًا تصيبه الجنابة، فلا يجد الماء فيصلي، حتى يجد الماء، ثم رواه من وجه آخر عن المنهال بن عمرو، عن زر، عن علي بن أبي طالب … فذكره (^٩). قال:
_________________
(١) هذا الشاهد يصلح لحكم جواز العبور من المسجد لا لصحة سبب نزول الآية.
(٢) قال الحافظ ابن حجر: أخرجه أحمد والنسائي وإسناده قوي، وقد جمع الحافظ ابن حجر بين الروايتين (فتح الباري ٧/ ١٤، ١٥).
(٣) صحيح مسلم، الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله (ح ٢٩٨، ٢٩٩).
(٤) سنن أبي داود، الطهارة، باب في الجنب يدخل المسجد (ح ٢٣٢)، ونقل البغوي عن أحمد أنه ضعف هذا الحديث (شرح السنة ٢/ ٤٦)، وضعف سنده عبد الحق الإشبيلي (الأحكام الوسطى ١/ ٣٠٧).
(٥) كذا في (حم) و(مح) وسنن ابن ماجه، وفي الأصل: "حبيش" وهو تصحيف.
(٦) سنن ابن ماجه، الطهارة، باب ما جاء في اجتناب الحائض المسجد (ح ٦٤٥)، وفي سنده محدوج مجهول (كما في التقريب ص ٥٢١)، وضعف إسناده البوصيري (مصباح الزجاجة ١/ ٢٣٠).
(٧) كذا في (حم) و(مح) وسنن ابن ماجه، وفي الأصل: "حبيش" وهو تصحيف.
(٨) أخرجه الترمذي من طريق سالم بن أبي حفصة به (السنن، المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب ﵁ ح ٣٧٢٧)، وفي سنده سالم بن أبي حفصة: صدوق في الحديث إلا إنه شيعي غالي (التقريب ص ٢٢٦)، والمتن يؤيد بدعته في الغلو بعلي ﵁، فالحديث ضعيف كما قرر الحافظ.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بالسندين به وكلا الإسنادين حسن.
[ ٣ / ١١٥ ]
وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات، وسعيد بن جبير والضحاك، نحو ذلك (^١). وقد روى ابن جرير، من حديث وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن عباد بن عبد اللّه، وعن زر بن حبيش عن علي … فذكره. ورواه من طريق العوفي وأبي مجلز: عن ابن عباس … فذكره (^٢). ورواه عن سعيد بن جبير، وعن مجاهد، والحسن بن مسلم، والحكم بن عتيبة، وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن مثل ذلك (^٣). وروي من طريق ابن جريج عن عبد اللّه بن كثير، قال: كنا نسمع أنه في السفر (^٤). ويُستشهد لهذا القول بالحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن من حديث أبي قلابة عن عمرو بن بُجْدان، عن أبي ذر، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم تجد الماء عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك، فإن ذلك خير" (^٥).
ثم قال ابن جرير بعد حكايته القولين: والأولى قول من قال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي: إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه قد بيّن حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب، في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فكان معلومًا بذلك أن قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ لو كان معنيًا به المسافر، لم يكن لإعادة ذكره في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ معنى مفهوم، وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك، فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها، وأنتم سكارى، حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضًا جنبًا، حتى تغتسلوا، إلا عابري سبيل، قال: والعابر السبيل: المجتاز مرًا وقطعًا، يقال منه: عبرت هذا الطريق، فأنا أعبره عبرًا وعبورًا، ومنه يقال: عبر فلان النهر، إذا قطعه وجاوزه، ومنه قيل للناقة القوية على الأسفار، هي عبر الأسفار لقوتها على قطع الأسفار (^٦).
وهذا الذي نصره، هو قول الجمهور، وهو الظاهر من الآية، وكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة، وهي الجنابة المباعدة للصلاة، ولمحلها أيضًا، واللّه أعلم.
وقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة ومالك والشافعي، أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد حتى يغتسل أو يتيمم، إن عدم الماء، أو لم يقدر على
_________________
(١) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند وقول ابن عباس وسعيد بن جبير أخرجهما الطبري بسندين صحيحين.
(٢) أخرجه الطبري من هذه الطرق وفيها ضعف ويتقوى بما سبق.
(٣) أخرجه الطبري من طرق هؤلاء وكلها بأسانيد ثابتة.
(٤) أخرجه الطبري وفيه الحسين وهو سنيد ضعيف ويتقوى بسابقه ولاحقه ..
(٥) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٥/ ١٨٠)، وأبو داود في السنن، الطهارة، باب الجنب يتيمم (ح ٣٣٢)، والترمذي في السنن، الطهارة، باب ما جاء في التيمم للجنب (ح ١٢٤)، وقال: حسن صحيح، كلهم من طريق أبي قلابة به، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٢١)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي قلابة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٧٦ - ١٧٧)، وصححه ابن حبان وأبو الحسن بن القطان كما سيأتي في ص ١٦٨.
(٦) ذكره الطبري في نهاية تفسير هذه الآية (٤٣).
[ ٣ / ١١٦ ]
استعماله بطريقه، وذهب الإمام أحمد: إلى أنه متى توضأ الجنب، جاز له المكث في المسجد، لما روى هو وسعيد بن منصور في سننه بسند صحيح: أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. قال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا عبد العزيز بن محمد - هو الدراوردي - عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول اللّه ﷺ، يجلسون في المسجد وهم مجنبون، إذا توضؤوا وضوء الصلاة (^١). وهذا إسناد على شرط مسلم، واللّه أعلم.
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ هو أما المرض المبيح للتيمم، فهو الذي يخاف معه من استعمال الماء، فوات عضو أو شينه أو تطويل البرء، ومن العلماء من جوز التيمم بمجرد المرض، لعموم الآية.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، حدثنا قيس، عن خُصَيْف، عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار، كان مريضًا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ، ولم يكن له خادم فيناوله، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فأنزل اللّه هذه الآية (^٢)، هذا مرسل والسفر معروف، ولا فرق فيه بين الطويل والقصير.
وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الغائط هو المكان المطمئن من الأرض، كُني بذلك عن التغوط، وهو الحدث الأصغر، وأما قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فقرئ لمستم ولامستم، واختلف المفسرون والأئمة في معنى ذلك على قولين:
(أحدهما): أن ذلك كناية عن الجماع، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قال: الجماع (^٣). وروي عن علي وأُبي بن كعب ومجاهد وطاوس والحسن وعبيد بن عمير وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة ومقاتل بن حيان، نحو ذلك (^٤).
وقال ابن جرير: حدثني حميد بن مسعدة، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع، وقال ناس من العرب: اللمس الجماع، قال: فأتيت ابن عباس فقلت له: إن ناسًا من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي: ليس بالجماع، وقالت العرب: الجماع، قال: فمن أي الفريقين كنت؟ قلت: كنت من الموالي، قال: غُلب فريق الموالي. إن اللمس والمس والمباشرة: الجماع، ولكن اللّه يكني ما شاء بما شاء، ثم رواه عن ابن بشار، عن غندر، عن شعبه به نحوه،
_________________
(١) صحح سنده الحافظ ابن كثير.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده خُصيف: صدوق سيء الحفظ اختلط كما في التقريب وأعله ابن كثير بالإرسال.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وصححه الحافظ ابن حجر إلى سعيد بن جبير (الفتح ٨/ ٢٧٢).
(٤) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وبعض هذه الآثار أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.
[ ٣ / ١١٧ ]
ثم رواه من غير وجه، عن سعيد بن جبير نحوه (^١). ومثله قال: حدثني [يعقوب، حدثنا هشيم] (^٢) قال: حدثنا أبو بشر، أخبرنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: اللمس والمس والمباشرة: الجماع ولكن اللّه يكني بما يشاء (^٣)، حدثنا عبد الحميد بن بيان، أنبأنا إسحاق الأرزق، عن سفيان، عن عاصم الأحول، عن بكر بن عبد اللّه، عن ابن عباس، قال: الملامسة: الجماع، ولكن الله كريم يكني بما يشاء (^٤)، وقد صح من غير وجه، عن عبد اللّه بن عباس، أنه قال ذلك، ثم رواه ابن جرير: عن بعض من حكاه ابن أبي حاتم عنهم، ثم قال ابن جرير وقال آخرون: عنى اللّه تعالى بذلك كل لمس بيد أو بغيرها من أعضاء الإنسان، وأوجبوا الوضوء على كل من مس بشيء من جسده شيئًا من جسدها مفضيًا إليه، ثم قال: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن مخارق، عن طارق، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: اللمس ما دون الجماع (^٥)، وقد رواه من طرق متعددة، عن ابن مسعود بمثله، وروى من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن عبد اللّه بن مسعود، قال: القبلة من المس وفيها الوضوء (^٦). روى الطبراني بإسناده عن عبد اللّه بن مسعود قال: يتوضأ الرجل من المباشرة، ومن اللمس بيده ومن القبلة [وكان يقول في هذه الآية ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: هو الغمز] (^٧) (^٨).
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبيد الله بن عمر، عن نافع: أن ابن عمر كان يتوضأ من قبلة المرأة، ويرى فيها الوضوء، ويقول: هي من اللماس (^٩). وروى ابن أبي حاتم وابن جرير أيضًا: من طريق شعبة عن مخارق، عن طارق، عن عبد اللّه، قال: اللمس ما دون الجماع (^١٠)، ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر، وعبيدة، وأبي عثمان النهدي، وأبي عبيدة - يعني ابن عبد اللّه بن مسعود -، وعامر الشعبي، وثابت بن الحجاج، وإبراهيم النخعي، وزيد بن أسلم، نحو ذلك (^١١).
(قلت): وروى مالك، عن الزهري، عن سالم بن عبد اللّه بن عمر، عن أبيه، أنه كان يقول: قبلة الرجل امرأته وجسه بيده من الملامسة، فمن قبّل امرأته أو جسها بيده، فعليه الوضوء (^١٢).
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: "يعقوب بن هاشم" وهو تصحيف.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويتقوى بسابقه.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٣٥).
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أبو عبيدة لم يسمع من أبيه ابن مسعود (المجمع ١/ ٢٤٧)، وقد توبع بواسطة طارق في الرواية السابقة.
(٧) زيادة من (مح).
(٨) أخرجه الطبراني من طريق أبي عبيدة عن ابن مسعود، وسنده منقطع لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه ابن مسعود (مجمع الزوائد ١/ ٢٤٧).
(٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه مالك عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه (الموطأ، باب الوضوء من قبلة الرجل ١/ ٦٥)، وسنده صحيح.
(١٠) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، وسنده صحيح.
(١١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقد خرجت آثارهم في تحقيقي لتفسير ابن أبي حاتم، سورة النساء.
(١٢) تقدم تخريجه قبل روايتين.
[ ٣ / ١١٨ ]
وروى الحافظ أبو الحسن الدارقطني في سننه: عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نحو ذلك (^١)، ولكن روينا عنه من وجه آخر: أنه كان يقبّل امرأته ثم يصلي ولا يتوضأ (^٢)، فالرواية عنه مختلفة، فيحمل ما قاله في الوضوء إن صح عنه، على الاستحباب، والله أعلم. والقول بوجوب الوضوء من المس، هو قول الشافعي وأصحابه، ومالك، والمشهور عن أحمد بن حنبل ﵏، قال ناصر هذه المقالة: قد قرئ في هذه الآية ﴿لَامَسْتُمُ﴾ و(لمستم) (^٣)، واللمس يطلق في الشرع على الجس باليد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: ٧] أي: جسوه، وقال رسول اللّه ﷺ لماعز حين أقر بالزنا، يعرّض له بالرجوع عن الإقرار: "لعلك قبلت أو لمست؟ " (^٤)، وفي الحديث الصحيح: "واليد زناها اللمس" (^٥)، وقالت عائشة ﵂: قلّ يوم إلا ورسول اللّه ﷺ يطوف علينا، فيقبل ويلمس (^٦)، ومنه ما ثبت في الصحيحين، أن رسول اللّه ﷺ نهى عن بيع الملامسة (^٧)، وهو يرجع إلى الجس باليد، على كلا التفسيرين، قالوا: ويطلق في اللغة على الجس باليد، كما يطلق على الجماع، قال الشاعر:
وألمستُ كفي كفَّه أطلب الغنى
واستأنسوا أيضًا بالحديث الذي رواه أحمد، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، وأبو سعيد، قالا: حدثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير، وقال أبو سعيد: حدثنا عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ، قال: إن رسول اللّه ﷺ أتاه رجل فقال: يا رسول الله، ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئًا إلا أتاه منها، غير أنه لم يجامعها، قال: فأنزل الله ﷿ هذه الآية ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤]، قال: فقال له رسول الله ﷺ: "توضأ ثم صلّ" قال معاذ: فقلت: يا رسول اللّه، أله خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال: "بل للمؤمنين عامة" (^٨)، ورواه الترمذي من حديث زائدة به، وقال: ليس بمتصل (^٩)، ورواه النسائي: من حديث شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، مرسلًا (^١٠)، قالوا: فأمره بالوضوء، لأنه لمس المرأة ولم يجامعها، وأجيب بأنه منقطع بين ابن أبي ليلى ومعاذ، فإنه لم يلقه، ثم يحتمل
_________________
(١) أخرجه الدارقطني (السنن ١/ ٤٤ ح ٣٧)، وفي سنده عبد الله بن شبيب وهو متهم بسرقة الحديث وقلب الأخبار (لسان الميزان ٣/ ٢٩٧).
(٢) مسند الفاروق ﵁ (١/ ١١٥ - ١١٧).
(٣) كلتاهما قراءتان متواترتان.
(٤) أخرجه البخاري (الصحيح، الحدود، باب هل يقول الإمام للمُقر: لعلك لمست وغمزت ح ٦٨٢٤).
(٥) أخرجه البخاري (الصحيح، الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج ح ٦٨٢٤).
(٦) أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٣٥).
(٧) صحيح البخاري، البيوت، باب بيع المنابذة (ح ٢١٤٦)، وصحيح مسلم، البيوع، باب إبطال بيع الملامسة والمنابذة (ح ١٥١١).
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ٢١٤٦ ح ٢٢١١٢)، وقال محققوه: صحيح لغيره. وهو كما قالوا، فله شواهد صحيحة صححها الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٣٣٢٦ و٣٣٢٩).
(٩) سنن الترمذي تفسير سورة هود (ح ٣١١٣)، وقد برهن الترمذي على الانقطاع بين ابن أبي ليلي ومعاذ.
(١٠) ينظر: تحفة الإشراف (ح ١١٣٤٣).
[ ٣ / ١١٩ ]
أنه إنما أمره بالوضوء والصلاة للتوبة، كما تقدم في حديث الصديق: "ما من عبد يذنب ذنبًا فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر اللّه له … " الحديث، وهو مذكور في سورة آل عمران، عند قوله: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ …﴾ [آل عمران: ١٣٥] (^١).
ثم قال ابن جرير: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الجماع، دون غيره من معاني اللمس، لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قبّل بعض نسائه، ثم صلى ولم يتوضأ، ثم قال: حدثني بذلك إسماعيل بن موسى السدي، قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يتوضأ، ثم يقبل ثم يصلي، ولا يتوضأ، ثم قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ، قبّل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت (^٢)، وهكذا رواه أبو داود والترمذي، وابن ماجه، عن جماعة من مشايخهم، عن وكيع به (^٣)، ثم قال أبو داود: روي عن الثوري أنه قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني، وقال يحيى القطان لرجل: احك عني أن هذا الحديث شبه لا شيء، وقال الترمذي: سمعت البخاري يضعف هذا الحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة (^٤). وقد وقع في رواية ابن ماجه: عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد الطنافسي، عن وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير، عن عائشة (^٥)، وأبلغ من ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده: من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة (^٦)، وهذا نص في كونه عروة بن الزبير، ويشهد له قوله: من هي إلا أنت فضحكت، لكن روى أبو داود عن إبراهيم بن مخلد الطالقاني، عن عبد الرحمن بن مغراء، عن الأعمش، قال: حدثنا أصحاب لنا، عن عروة المزني، عن عائشة … فذكره (^٧)، واللّه أعلم.
_________________
(١) ينظر تخريجه في: تفسير سورة آل عمران آية ١٣٥.
(٢) أخرجه الطبري بسنديه ومتنيه وترجيحه. وصححهما أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري وفي تحقيقه لسنن الترمذي وقد أطال في تخريجه ليبرهن على صحة سنده، وأخرجه الترمذي بإسناده نفسه ومتنه (السنن، الطهارة، باب ما جاء في ترك الوضوء من القبلة ح ٨٦).
(٣) سنن أبي داود، الطهارة، باب الوضوء من القبلة (ح ١٧٩)، وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب الوضوء من القبلة (ح ٥٠٢) قال البوصيري: وقد رواه البزار بإسناد حسن، ورواه المصنف بإسنادين فالحديث حجة بالاتفاق. اهـ. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٦٥). ولكن الحديث ليس حجة بالاتفاق لأن البعض قد أعله كما أفصح عن ذلك أحمد شاكر وأجاب عن ذلك بالتفصيل في تحقيقه لسنن الترمذي كما تقدم في الحاشية السابقة إشارة.
(٤) ذكره أبو داود في السنن كما سبق في تخريجه وتتمة كلامه ما يلي: وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير عن عائشة حديثًا صحيحًا. السنن (ح ١٨٠).
(٥) تقدم تخريجه قبل حاشيتين.
(٦) المسند ٦/ ٢١٠.
(٧) السنن، الطهارة، باب الوضوء من القبلة (ح ١٨٠).
[ ٣ / ١٢٠ ]
[وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا أبو زيد، عمر بن شَبّة] (^١)، حدثنا سهاد بن عباد، حدثنا مندل بن علي، عن ليث، عن عطاء، عن عائشة، وعن أبي روق، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة ﵂، قالت: كان النبي ﷺ ينال مني القبلة بعد الوضوء، ثم لا يعيد الوضوء (^٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن أبي روق الهمداني، عن إبراهيم التيمي، عن عائشة ﵂، أن رسول اللّه ﷺ قبّل ثم صلى ولم يتوضأ (^٣)، رواه أبو داود والنسائي، من حديث يحيى القطان، زاد أبو داود: وابن مهدي، كلاهما عن سفيان الثوري به. ثم قال أبو داود والنسائي: لم سمع إبراهيم التيمي من عائشة (^٤).
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، حدثنا يزيد بن سنان، عن عبد الرحمن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أُم سلمة، أن رسول الله ﷺ كان يقبلها وهو صائم، ثم لا يفطر ولا يحدث وضوءًا (^٥). وقال أيضًا: حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن زينب السهمية، عن عائشة، عن النبي ﷺ: أنه كان يقبل ثم يصلي ولا يتوضأ (^٦). وقد رواه الإمام أحمد، عن محمد بن فضيل، عن حجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب، عن زينب السهمية، عن عائشة، عن النبي ﷺ به (^٧).
وقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ استنبط كثير من الفقهاء من هذه الآية: أنه لا يجوز التيمم لعادم الماء إلا بعد طلب الماء، فمتى طلبه فلم يجده، جاز له حينئذٍ التيمم، وقد ذكروا كيفية الطلب في كتب الفروع، كما هو مقرر في موضعه، كما هو في الصحيحين من حديث عمران بن حصين: أن رسول اللّه ﷺ رأى رجلًا معتزلًا لم يصل في القوم، فقال: "يا فلان ما منعك أن تصلي مع القوم، ألست برجل مسلم؟ " قال: بلى يا رسول اللّه، ولكن أصابتني جنابة ولا ماء، قال: "عليك بالصعيد فإنه يكفيك" (^٨). ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فالتيمم في اللغة، هو القصد، تقول العرب: [تيممك] (^٩) اللّه بحفظه؛ أي: قصدك، ومنه قول امرئ القيس شعرًا (^١٠):
ولما رأتْ أن المنيةَ وِردُها … وأن الحصى من تحت أقدامها دامِ
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط، واستدرك من (حم) و(مح) وتفسير الطبري.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة ولكنه توبع بالروايات السابقة.
(٣) المسند ٦/ ٦٢ بنحوه وسنده كسابقه.
(٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه وتعليقه السنن (ح ١٧٨).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف يزيد بن سنان الرهاوي (مجمع الزوائد ١/ ٢٤٧).
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٧) المسند ٦/ ٦٢، وفيه حجاج بن أرطأة مدلس ولم يصرح بالسماع، وقد توبع فيتقوى بحديث عائشة المتقدم.
(٨) صحيح البخاري، التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم … (ح ٣٤٤)، وصحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب قضاء الفائتة … (ح ٦٨٢).
(٩) كذا في النسخة الأزهرية حسب طبعة الشعب، وفي الأصل و(حم) و(مح): "نواك". والمثبت هو الصحيح.
(١٠) في ديوان امرئ القيس ص ٤٧٥.
[ ٣ / ١٢١ ]
تيممت العين عند ضارج (^١) … يفيئ عليها الفيء عرمضها (^٢) طامِ
والصعيد قيل: هو كل ما صعد على وجه الأرض، فيدخل فيه التراب والرمل والشجر والحجر والنبات، وهو قول مالك، وقيل: ما كان من جنس التراب، كالرمل والزرنيخ والنورة، وهذا مذهب أبي حنيفة، وقيل: هو التراب فقط، وهو قول الشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهما، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] أي: ترابًا أملس طيبًا، وبما ثبت في صحيح مسلم، عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء" وفي لفظ: "وجعل ترابها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء" (^٣).
قالوا: فخصص الطهورية بالتراب، في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه، والطيب ههنا قيل: الحلال، وقيل: الذي ليس بنجس، كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن، إلا ابن ماجه من حديث أبي قلابة، عن عمرو بن [بُجْدان] (^٤)، عن أبي ذر، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر حجج، فإذا وجده فليمسه بشرته فإن ذلك خير" وقال الترمذي: حسن صحيح (^٥)، وصححه ابن حبان أيضًا، ورواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده، عن أبي هريرة وصححه الحافظ أبو الحسن القطان.
وقال ابن عباس: أطيب الصعيد تراب الحرث، رواه ابن أبي حاتم (^٦)، ورفعه ابن مردويه في تفسيره.
وقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ التيمم بدل عن الوضوء في التطهر به، لا أنه بدل منه في جميع أعضائه، بل يكفي مسح الوجه واليدين فقط بالإجماع، ولكن اختلف الأئمة في كيفية التيمم على أقوال:
أحدهما: وهو مذهب الشافعي في الجديد: أنه يجب أن يمسح الوجه واليدين إلى المرفقين بضربتين، لأن لفظ اليدين يصدق إطلاقهما على ما يبلغ المنكبين، وعلى ما يبلغ المرفقين، كما في آية الوضوء، ويطلق ويراد بهما ما يبلغ الكفين، كما في آية السرقة ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، قالوا: وحمل ما أطلق ههنا على ما قيد في آية الوضوء أولى لجامع الطهورية، وذكر بعضهم: ما رواه الدارقطني عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين" (^٧)، ولكن لا يصح، لأن في أسانيده ضعفاء، لا يثبت
_________________
(١) ضارج: اسم مكان اختلف في موضعه (معجم البلدان ٣/ ٤٥٠).
(٢) العرمض: عشب أخضر يعلو الماء.
(٣) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة (ح ٥٢٢).
(٤) كذا في (حم)، والمسند والتخريج، وفي (مح): "مجدان"، وفي الأصل: "نجران" وكلاهما تصحيف.
(٥) تقدم تخريجه وصحته قبل خمس صفحات.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس، وقابوس لين الحديث كما في التقريب.
(٧) سنن الدارقطني ١/ ١٨٠ (ح ١٦)، وضعفه الحافظ ابن حجر (الفتح ١/ ٤٤١)، وضعفه الحافظ ابن كثير أيضًا.
[ ٣ / ١٢٢ ]
الحديث بهم، وروى أبو داود عن ابن عمر، في حديث، أن رسول اللّه ﷺ، ضرب بيديه على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه (^١)، ولكن في إسناده محمد بن ثابت العبدي، وقد ضعفه بعض الحفاظ، ورواه غيره من الثقات، فوقفوه على فعل ابن عمر، قال البخاري وأبو زرعة وابن عدي: وهو الصواب، وقال البيهقي: رفع هذا الحديث منكر، واحتج الشافعي بما رواه عن إبراهيم بن محمد، عن أبي الحويرث، عن عبد الرحمن بن معاوية، عن الأعرج، عن ابن الصمة: أن رسول اللّه ﷺ تيمم فمسح وجهه وذراعيه (^٢).
وقال ابن جرير: حدثني موسى بن سهل الرملي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا خارجة بن مصعب، عن عبد اللّه بن عطاء، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي جهيم، قال: رأيت رسول اللّه ﷺ يبول، فسلمت عليه، فلم يردّ عليّ حتى فرغ، ثم قام إلى الحائط فضرب بيديه عليه، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيديه على الحائط فمسح بهما يديه إلى المرفقين، ثم ردّ عليّ السلام (^٣).
والقول الثاني: أنه يجب مسح الوجه واليدين إلى الكفين بضربتين، وهو القول القديم للشافعي.
والثالث: أنه يكفي مسح الوجه والكفين بضربة واحدة.
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ذر، عن ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أن رجلًا أتى عمر، فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء، فقال عمر لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت، فلما أتينا النبي ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: "إنما كان يكفيك" وضرب النبي ﷺ بيده الأرض، ثم نفخ فيها ومسح بها وجهه وكفيه (^٤). وقال أحمد أيضًا: حدثنا عفان، حدثنا أبان، حدثنا قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار، أن رسول اللّه ﷺ قال في التيمم: "ضربة للوجه والكفين" (^٥).
_________________
(١) أخرجه أبو داود من طريق محمد بن ثابت عن نافع، عن ابن عمر، وضعفه بقوله: سمعت أحمد بن حنبل يقول: روى محمد بن ثابت حديثًا منكرًا في التيمم … لم يتابع محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن النبي ﷺ ورووه فعل ابن عمر (السنن، الطهارة، باب التيمم في الحضر ح ٣٣٠). وضعفه الحافظ ابن كثير أيضًا.
(٢) أخرجه الشافعي بسنده ومتنه (الأم ١/ ٤٢)، وفي سنده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي: متروك (التقريب ص ٩٣) ويشهد له الحديث الصحيح التالي.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده خارجة بن مصعب وهو السرخسي متروك كان يدلس عن الكذابين (التقريب ص ١٨٦)، وضعفه أحمد شاكر وقد توبع في رواية البخاري فأخرجه عن يحيى بن بكير عن الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج به (الصحيح، التيمم، باب التيمم في الحضر ح ٣٣٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٦٥)، وأخرجه البخاري من طريق شعبة به (الصحيح، التيمم، باب التيمم في الحضر ح ٣٣٨).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٦٣)، وأخرجه الدارمي من طريق عفان به وصححه (السنن ح ٧٥١)، وأخرجه الترمذي من طريق قتادة به وقال: حسن صحيح (السنن الطهارة، باب التيمم ح ١٤٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٢٥).
[ ٣ / ١٢٣ ]
(طريق أخرى) قال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد، عن سليمان الأعمش، حدثنا شقيق، قال: كنت قاعدًا مع عبد اللّه وأبي موسى، فقال أبو موسى لعبد اللّه: لو أن رجلًا لم يجد الماء لم يصل؟ فقال عبد اللّه: لا، فقال أبو موسى: أما تذكر إذ قال عمار لعمر: ألا تذكر إذ بعثني رسول اللّه ﷺ وإياك في إبل، [فأصابتني] (^١) جنابة فتمرغت في التراب، فلما رجعت إلى رسول الله ﷺ أخبرته، فضحك رسول اللّه ﷺ وقال: "إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بكفيه إلى الأرض، ثم مسح كفيه جميعًا، ومسح وجهه مسحة واحدة بضربة واحدة؟ " فقال عبد الله: لا جرم، ما رأيت عمر قنع بذاك، قال: فقال له أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة النساء ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾؟ قال: فما درى عبد اللّه ما يقول، وقال: لو رخصنا لهم في التيمم لأوشك أحدهم إذا برد الماء على جلده أن يتيمم (^٢).
وقال تعالى في آية المائدة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] استدل بذلك الشافعي، على أنه لا بدّ في التيمم، أن يكون بتراب طاهر، له غبار يعلق بالوجه واليدين منه شيء، كما رواه الشافعي بإسناده المتقدم عن ابن الصمّة: أنه مرّ بالنبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه، حتى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه، فضرب يده عليه، ثم مسح وجهه وذراعيه (^٣).
وقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] أي: في الدين الذي شرعه لكم ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فلهذا أباح لكم، إذا لم تجدوا الماء، أن تعدلوا إلى التيمم ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] ولهذا كانت هذه الأمة مختصة [بشرعية] (^٤) التيمم، دون سائر الأمم، كما ثبت في الصحيحين، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل" وفي لفظ: "فعنده طهوره ومسجده"، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة" (^٥).
وتقدم في حديث حذيفة عند مسلم: "فضلنا على الناس بثلاث، جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا إذا لم نجد الماء" (^٦)، وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ أي: ومن عفوه عنكم وغفره لكم أن شرع التيمم، وأباح لكم فعل الصلاة به إذا فقدتم الماء، توسعة عليكم ورخصة لكم،
_________________
(١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "فأصابني".
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٦٥)، وأخرجه البخاري من طريق سليمان الأعمش به نحوه (الصحيح، التيمم باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض … ح ٣٤٦).
(٣) تقدم تخريجه في الصفحة السابقة، وأصله صحيح.
(٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: بشريعة.
(٥) صحيح البخاري، التيمم (ح ٣٣٥)، وصحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة (ح ٥٢١).
(٦) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة (ح ٥٢٢).
[ ٣ / ١٢٤ ]
وذلك أن هذه الآية الكريمة فيها تنزيه الصلاة، أن تفعل على هيئة ناقصة، من سكر حتى يصحو المكلف ويعقل ما يقول، أو جنابة حتى يغتسل، أو حدث حتى يتوضأ، إلا أن يكون مريضًا أو عادمًا للماء، فإن اللّه ﷿ قد أرخص في التيمم، والحالة هذه رحمة بعباده ورأفة بهم، وتوسعة عليهم، وللّه الحمد والمنة.
(ذكر سبب نزول مشروعية التيمم) وإنما ذكرنا ذلك ههنا لأن هذه الآية التي في النساء متقدمة النزول على آية المائدة، وبيانه أن هذه نزلت قبل تحتّم تحريم الخمر، والخمر إنما حرم بعد أُحد بيسير يقال: في محاصرة النبي ﷺ لبني النضير، وأما المائدة فإنها من أواخر ما نزل ولا سيما صدرها، فناسب أن نذكر السبب ههنا، وباللّه الثقة.
قال أحمد: حدثنا ابن نمير عن [هشام] (^١) عن أبيه، عن عائشة أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول اللّه ﷺ رجالًا في طلبها فوجدوها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء فصلوا بغير وضوء، فشكوا ذلك إلى رسول اللّه، فأنزل اللّه آية التيمم، فقال أسيد بن الحضير لعائشة: جزاك اللّه خيرًا، فواللّه ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل اللّه لك وللمسلمين فيه خيرًا (^٢).
(طريق أخرى) قال البخاري: حدثنا عبد اللّه بن يوسف، أنبأنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، انقطع عقد لي، فأقام رسول اللّه ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة، أقامت برسول الله ﷺ وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟ فجاء أبو بكر ورسول اللّه ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول اللّه ﷺ والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟ قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء اللّه أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي ولا يمنعني من التحرك إلا مكان رأس رسول اللّه ﷺ على فخذي فقام رسول اللّه ﷺ حين أصبح على غير ماء فأنزل اللّه آية التيمم، فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته (^٣)، وقد رواه [البخاري أيضًا عن قتيبة وإسماعيل (^٤)، ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك] (^٥) (^٦).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن صالح قال، قال ابن شهاب: حدثني عبيد اللّه بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار بن ياسر: أن رسول الله ﷺ عرس
_________________
(١) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: "هاشم" وهو تصحيف.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٥٧)، وسنده صحيح أخرجه البخاري من طريق عبد الله بن نمير به (الصحيح، التيمم، باب إذا لم يجد ماءً ولا ترابًا ح ٣٣٦).
(٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التيمم ح ٣٣٤).
(٤) صحيح البخاري، فضائل الصحابة (ح ٣٦٧٢)، وكتاب التفسير (ح ٤٦٠٧).
(٥) ما بين معقوفين استدرك من (حم) و(مح).
(٦) صحيح مسلم، الحيض، باب التيمم (ح ٣٦٧).
[ ٣ / ١٢٥ ]
بأولات الجيش (^١) ومعه زوجته عائشة، فانقطع عقد لها من جزع ظفار (^٢)، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر، وليس مع الناس ماء، فأنزل اللّه على رسوله رخصة التطهر بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ فضربوا بأيديهم إلى الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا من التراب شيئًا، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الأباط (^٣). وقد رواه ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا صيفي بن ربعي، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبي اليقظان، قال: كنا مع رسول الله ﷺ فهلك عقد لعائشة، فأقام رسول الله ﷺ حتى أضاء الفجر، فتغيظ أبو بكر على عائشة، فنزلت عليه رخصة المسح بالصعيد الطيب، فدخل أبو بكر فقال لها: إنك لمباركة نزلت فيك رخصة، فضربنا بأيدينا ضربة لوجوهنا، وضربة لأيدينا إلى المناكب والأباط (^٤).
(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن أحمد بن الليث، حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا [العلاء] (^٥) بن أبي سَويّة، حدثني الهيثم بن رُزيق المالكي من بني مالك بن كعب بن سعد وعاش مائة وسبع عشرة سنة، عن أبيه، عن الأسلع بن شريك، قال: كنت أرحل ناقة رسول اللّه ﷺ فأصابتني جنابة في ليلة باردة، وأراد رسول الله ﷺ الرحلة، فكرهت أن أرحل ناقة رسول اللّه ﷺ وأنا جنب، وخشيت أن أغتسل بالماء البارد فأموت أو أمرض، فأمرت رجلًا من الأنصار فرحلها، ثم رضفت (^٦) أحجارًا فأسخنت بها ماء فاغتسلت ثم لحقت رسول اللّه ﷺ وأصحابه، فقال: "يا أسلع ما لي أرى رحلتك تغيرت" قلت: يا رسول الله لم أرحلها، رحلها رجل من الأنصار، قال: "ولم؟ " قلت: إني أصابتني جنابة فخشيت القرّ (^٧) على نفسي، فأمرته أن يرحلها، ورضفت أحجارًا فأسخنت بها ماء فاغتسلت به، فأنزل الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ (^٨)، وقد روي من وجه آخر عنه (^٩).
_________________
(١) عرس باولات الجيش: أي نزل آخر الليل في موضع قرب المدينة المنورة.
(٢) أي: قلادة من خرز يماني لأن ظفار بلدة بسواحل اليمن.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠/ ٢٦٠ ح ١٨٣٢٢)، وصححه محققوه. وما ورد من صيغة هذا المسح قد وجهه الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٤٤٥).
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه أحمد شاكر.
(٥) في الأصل: "العباس"، والتصويب من المختارة ٤/ ٢١٦، وأسد الغابة ١/ ٩١، والتقريب.
(٦) الرضف: واحدتها رضفة، وهى الحجارة المحماة على النار (النهاية ٢/ ٢٣١).
(٧) أي: البرد.
(٨) أخرجه الضياء المقدسي من طريق ابن مردويه به (المختارة ٤/ ٢١٦ - ٢١٧)، وأخرجه الطبراني (المعجم الكبير ح ٨٧٧)، والبيهقي (السنن الكبرى ١/ ٥ - ٦)، كلاهما من طريق محمد بن مرزوق به. وسنده ضعيف لأن الهيثم بن زريق، قال العقيلي: لا يتابع على حديثه (لسان الميزان ٦/ ٢٠٦)، وقال الأثير: فيه نظر (أسد الغابة ١/ ٩١).
(٩) أخرجه الطبري بسند فيه الربيع بن بدر: متروك (التقريب ص ٢٠٦).
[ ٣ / ١٢٦ ]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾.
يخبر تعالى عن اليهود - عليهم لعائن اللّه المتتابعة إلى يوم القيامة - أنهم يشترون الضلالة بالهدى، ويعرضون عما أنزل اللّه على رسوله، ويتركون ما بأيديهم من العلم عن الأنبياء الأقدمين في صفة محمد ﷺ، ليشتروا به ثمنًا قليلًا من حطام الدنيا، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: يودون لو تكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون وتتركون ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع،
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ أي: هو أعلم بهم ويحذركم منهم، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ أي: كفى به وليًا لمن لجأ إليه ونصيرًا لمن استنصره.
ثم قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ "من" في هذا لبيان الجنس كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠].
وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يتأولون الكلام على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله ﷿ قصدًا منهم وافتراء ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ أي: يقولون: سمعنا ما قلته يا محمد ولا نطيعك فيه، هكذا فسره مجاهد وابن زيد (^١)، وهو المراد، وهذا أبلغ في كفرهم وعنادهم وأنهم يتولون عن كتاب اللّه بعدما عقلوه وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من [الإثم] (^٢) والعقوبة، وقوله: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي: اسمع ما نقول، لا سمعت، رواه الضحاك عن ابن عباس (^٣).
وقال مجاهد والحسن: واسمع غير مقبول منك (^٤)، قال ابن جرير: والأول أصح، وهو كما قال: وهذا استهزاء منه واستهتار، عليهم لعنة الله.
﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ أي: يوهمون أنهم يقولون: راعنا سمعك بقولهم: راعنا، وإنما يريدون الرعونة، وقد تقدم الكلام على هذا عند قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] ولهذا قال تعالى: عن هؤلاء اليهود الذين يريدون بكلامهم خلاف ما يظهرونه ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ يعني: بسبهم النبي ﷺ، ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: قلوبهم مطرودة عن الخير مبعدة منه، فلا يدخلها من الإيمان شيء نافع لهم، وقد تقدم قوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] والمقصود أنهم لا يؤمنون إيمانًا نافعًا.
_________________
(١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "الملائم".
(٣) أخرجه الطبري من طريق الضحاك به، وهو لم يسمع ابن عباس.
(٤) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.
[ ٣ / ١٢٧ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾.
يقول تعالى آمرًا أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على عبده ورسوله محمد ﷺ من الكتاب العطيم الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات، ومتهددًا لهم إن لم يفعلوا بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ قال بعضهم: معناه من قبل أن نطمس وجوهًا، فطمسها هو ردها إلى الأدبار وجعل أبصارهم من ورائهم، ويحتمل أن يكون المراد: من قبل أن نطمس وجوهًا فلا نبقي لها سمعًا ولا بصرًا ولا أثرًا، ونردها مع ذلك إلى ناحية الأدبار.
قال العوفي، عن ابن عباس في الآية وهي ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾: وطمسها أن تعمى ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ يقول: نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم، فيمشون القهقرى، ونجعل لأحدهم عينين من قفاه (^١)، وكذا قال قتادة وعطية العوفي (^٢)، وهذا أبلغ في العقوبة والنكال، وهو مثل ضربه اللّه لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل، ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى [سُبُل] (^٣) الضلالة، يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم، وهذا كما قال بعضهم في قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾ [يس]: هذا مثل ضربه اللّه لهم في ضلالهم، ومنعهم عن الهدى.
قال مجاهد: من قبل أن نطمس وجوهًا، [يقول: عن صراط الحق] (^٤) فنردها على أدبارها؛ أي: في الضلالة (^٥).
قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس والحسن نحو هذا (^٦).
قال السدي: فنردها على أدبارها، فنمنعها عن الحق، قال: نرجعها كفارًا ونردهم قردة (^٧)، وقال ابن زيد: نردهم إلى بلاد الشام من أرض الحجاز (^٨). وقد ذُكر أن كعب الأحبار أسلم حين سمع هذه الآية.
قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا جابر بن نوح، عن عيسى بن المغيرة، قال: تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب، فقال: أسلم كعب زمان عمر، أقبل وهو يريد بيت المقدس، فمر على المدينة، فخرج إليه عمر فقال: يا كعب، أسلم. فقال: ألستم تقرأون في كتابكم ﴿مَثَلُ الَّذِينَ
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به.
(٢) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول عطية العوفي أخرجه الطبري.
(٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "سبيل".
(٤) سقط في الأصل واستدرك من (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي به لكن بدون ذكر: ونردهم قردة.
(٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه لكن بدون ذكر: أرض الحجاز.
[ ٣ / ١٢٨ ]
حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] وأنا قد حملت التوراة، قال: فتركه عمر ثم خرج حتى انتهى إلى حمص، فسمع رجلًا من أهلها حزينًا وهو يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا …﴾ الآية، قال كعب: يا رب أسلمت مخافة أن تصيبه هذه الآية، ثم رجع فأتى أهله في اليمن، ثم جاء بهم مسلمين (^١). وقد رواه ابن أبي حاتم بلفظ آخر من وجه آخر، فقال: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا عمرو بن واقد، عن يونس بن حَلْبَس، عن أبي إدريس عائذ اللّه الخولاني، قال: كان أبو مسلم الجليلي معلم كعب، وكان يلومه في إبطائه عن رسول اللّه ﷺ، قال: فبعثه إليه لينظر أهو هو؟ قال كعب: فركبت حتى أتيت المدينة، فإذا تال يقرأ القرآن يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ فبادرت الماء فاغتسلت، وإني لأمسح وجهي مخافة أن أطمس ثم أسلمت (^٢).
وقوله: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ يعني: الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة [على الاصطياد] (^٣) وقد مسخوا قردة وخنازير، وسيأتي بسط قصتهم في سورة الأعراف (^٤). وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أي: إذا أمر بأمر فإنه لا يخالف ولا يمانع.
ثم أخبر تعالى أنه ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أي: لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: من الذنوب ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ هو أي: من عباده، وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة فلنذكر منها ما تيسر:
(الحديث الأول): قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا صدقة بن موسى، حدثنا [أبو عمران] (^٥) الجوني، عن يزيد بن بابَنوس، عن عائشة، قالت: قال رسول اللّه ﷺ: "الدواوين عند اللّه ثلاثة: ديوان لا يعبأ اللّه به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره اللّه، فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، قال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢]، وأما الديوان الذي لا يعبأ اللّه به شيئًا، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم يوم تركه أو صلاة تركها، فإن اللّه يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء، وأما الديوان الذي لا يترك اللّه منه شيئًا فظلم العباد بعضهم بعضًا، القصاص لا محالة" (^٦) تفرد به أحمد.
(الحديث الثاني): قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن مالك، حدثنا زائدة بن أبي الرّقاد، عن زياد النميري، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "الظلم ثلاثة: فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يتركه اللّه، فأما الظلم الذي لا يغفره اللّه فالشرك، وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وأما الظلم الذي يغفره اللّه فظلم العباد لأنفسهم فيما
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف جابر بن نوح وهو: الحماني (التقريب ص ١٣٦).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًّا بسبب أن عمرو بن واقد متروك (التقريب ٢/ ٨١).
(٣) زيادة من (حم) و(مح).
(٤) آية ١٦٣ - ١٦٦.
(٥) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: "عمران".
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٤٠)، وسنده ضعيف بسبب ضعف صدقة بن موسى، وجهالة ابن بابنوس إذا أخرجه الحاكم من طريق صدقه به. كما قرر الذهبي في استدراكه على الحاكم (المستدرك ٤/ ٥٧٥ - ٥٧٦).
[ ٣ / ١٢٩ ]
بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه فظلم العباد بعضهم بعضًا حتى يدين لبعضهم من بعض" (^١).
(الحديث الثالث): قال الإمام أحمد: حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا ثور بن يزيد، عن أبي عون، عن أبي إدريس، قال: سمعت معاوية يقول: سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "كل ذنب عسى اللّه أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا" (^٢) ورواه النسائي عن محمد بن مثنى، عن صفوان بن عيسى به (^٣).
(الحديث الرابع): قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، حدثنا ابن غنم أن أبا ذر حدثه عن رسول اللّه ﷺ، قال: "إن اللّه يقول: يا عبدي ما عبدتني ورجوتني، فإني غافر لك على ما كان منك، يا عبدي إنك إن لقيتني بقراب الأرض خطيئة ما لم تشرك بي، لقيتك بقرابها مغفرة" (^٤) تفرد به أحمد من هذا الوجه.
(الحديث الخامس): قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا حسين، عن ابن بريدة أن [يحيى بن يعمر] (^٥) حدثه أن أبا الأسود الديلي، حدثه أن أبا ذر، حدثه قال: أتيت رسول اللّه ﷺ فقال: "ما من عبد قال: لا إله إلا اللّه ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة". قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق". قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق" ثلاثًا، ثم قال في الرابعة: "على رغم أنف أبي ذر"، قال: فخرج أبو ذر وهو يجر إزاره وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر، وكان أبو ذر يحدث بهذا ويقول: وإن رغم أنف أبي ذر (^٦). أخرجاه من حديث حسين، به (^٧).
(طريق أخرى) عنه: قال أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة عشاء، ونحن ننظر إلى أُحد، فقال: "يا أبا ذر" قلت: لبيك يا رسول اللّه. قال: "ما أحب أن لي أُحدًا ذاك عندي ذهبًا أمسي ثالثة وعندي منه دينار إلا دينارًا أرصده - يعني لدين -، إلا أن أقول به في عباد اللّه هكذا"، وحثا عن يمينه وبين يديه وعن يساره، قال: ثم مشينا، فقال: "يا أبا ذر [إن الأكثرين هم الأقلون يوم
_________________
(١) ذكره الهيثمي في كشف الأستار (ح ٣٤٣٩)، وسنده ضعيف بسبب زائدة بن أبي الرقاد: منكر الحديث كما في التقريب ص ٢١٣.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٩٩)، وسنده صحيح كما يلي:
(٣) أخرجه النسائي من طريق صفوان بن عيسى به (السنن، باب تعظيم الدم ٧/ ٨٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٣٧١٩)، وحسنه الأرناؤوط (جامع الأصول ١٠/ ٢٠٨)، وأخرجه الحاكم من طريق صفوان به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٣٥١).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٥٤)، وسنده حسن لغيره إذ فيه شهر وهو ابن حوشب: صدوق كثير الأوهام والإرسال، وقد صرح بالسماع وله شواهد في الصحيحين تقدمت.
(٥) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: "يحيى بن معمر" وهو تصحيف.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٦٦)، وسنده صحيح كما يلي.
(٧) صحيح البخاري، اللباس، باب الثياب البيض (ح ٥٨٢٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب من مات لا يشرك باللّه شيئًا دخل الجنة (ح ١٥٤).
[ ٣ / ١٣٠ ]
القيامة، إلا من قال: هكذا وهكذا"، فحثا عن يمينه ومن بين يديه وعن يساره، قال: ثم مشينا، فقال: "يا أبا ذر] (^١) كما أنت حتى آتيك" قال: فانطلق حتى توارى عني، قال: فسمعت لغطًا وصوتًا، فقلت: لعل رسول الله ﷺ عرض له، قال: فهممت أن أتبعه، ثم ذكرت قوله: لا تبرح حتى آتيك، فانتظرته حتى جاء، فذكرت له الذي سمعت، فقال: "ذاك جبريل أتاني فقال: من مات من أمتك لا يشرك باللّه شيئًا دخل الجنة" قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: "وإن زنى وإن سرق" (^٢)، أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به (^٣)، وقد رواه البخاري ومسلم أيضًا، كلاهما عن قتيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول اللّه ﷺ يمشي وحده ليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني، فقال: "من هذا؟ " فقلت: أبو ذر، جعلني اللّه فداك. قال "يا أبا ذر تعال". قال: فمشيت معه ساعة، فقال: "إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة، إلا من أعطاه اللّه خيرًا فنفخ فيه عن يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرًا" قال: فمشيت معه ساعة، فقال لي: "اجلس ههنا"، فأجلسني في قاع حوله حجارة، فقال لي: "اجلس ههنا حتى أرجع إليك". قال: فانطلق في الحرة حتى لا أراه، فلبث عني فأطال اللبث، ثم إني سمعته وهو مقبل وهو يقول: "وإن زنى وإن سرق" قال: فلما جاء لم أصبر حتى قلت: يا نبي اللّه، جعلني الله فداك من تكلم في جانب الحرة، ما سمعت أحدًا يرجع إليك شيئًا، قال: "ذاك جبريل عرض لي من جانب الحرة، فقال: بشّر أمتك أنه من مات لا يشرك باللّه شيئًا دخل الجنة، قلت: يا جبريل، وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، قلت: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، وإن شرب الخمر" (^٤).
(الحديث السادس): قال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا عبيد اللّه بن موسى، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول اللّه، ما الموجبتان، قال: "من مات لا يشرك باللّه شيئًا وجبت له الجنة، ومن مات يشرك باللّه شيئًا وجبت له النار" (^٥)، وذكر تمام الحديث تفرد به من هذا الوجه.
(طريق أخرى): قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن عمرو بن خلاد الحراني، حدثنا منصور بن إسماعيل القرشي، حدثنا موسى بن عبيدة الرَّبذِي، أخبرني عبد اللّه بن عبيدة، عن جابر بن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "ما من نفس تموت لا تشرك باللّه شيئًا إلا حلت
_________________
(١) سقط في الأصل، واستدرك من (حم) و(مح) والمسند.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٥٢)، وسنده صحيح كما يلي.
(٣) صحيح البخاري، الاستقراض، باب أداء الديون (ح ٢٣٨٨)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب الترغيب في الصدقة (ح ٩٤).
(٤) صحيح البخاري، الرقاق، باب المكثرون هم المقلّون (ح ٦٤٤٣)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب الترغيب في الصدقة (ح ٩٤).
(٥) أخرجه عبد بن حميد كما في المنتخب (ح ١٠٦٠)، وفي سنده عنعنة أبي الزبير عن جابر وابن أبي ليلى وهو: محمد بن عبد الرحمن فيه مقال، وكلاهما توبع فأخرجه مسلم من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر (الصحيح، الإيمان، باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ح ١٥١).
[ ٣ / ١٣١ ]
لها المغفرة، إن شاء الله عذبها وإن شاء غفر لها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ " (^١)، ورواه الحافظ أبو يعلى في مسنده من حديث موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن جابر: أن النبي ﷺ قال: "لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع الحجاب" قيل: يا نبي الله وما الحجاب؟ قال: "الإشراك بالله قال: ما من نفس تلقى الله لا تشرك به شيئًا إلا حلت لها المغفرة من الله تعالى، إن يشاء أن يعذبها وإن يشاء أن يغفر لها" ثم قرأ نبي الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢).
(الحديث السابع): قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكريا، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة" (^٣) تفرد به من هذا الوجه.
(الحديث الثامن): قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو قبيل، عن عبد الله بن ناشر من بني سريع، قال: سمعت أبا رَهْم قاصّ أهل الشام يقول: سمعت أبا أيوب الأنصاري يقول: إن رسول الله ﷺ، خرج ذات يوم إليهم، فقال لهم: "إن ربكم ﷿ خيرني بين سبعين ألفًا يدخلون الجنة غفرًا (^٤) بغير حساب وبين الخبيئة عنده لأمتي"، فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله، أيخبأ ذلك ربك؟ فدخل رسول الله ﷺ ثم خرج وهو يكبر فقال: "إن ربي زادني مع كل ألف سبعين ألفًا والخبيئة عنده" قال أبو رهم: يا أبا أيوب: وما تظن خبيئة رسول الله ﷺ، فأكله الناس بأفواههم، فقالوا: وما أنت وخبيئة رسول الله ﷺ؟ فقال أبو أيوب: دعوا الرجل عنكم أخبركم عن خبيئة رسول الله ﷺ كما أظن، بل كالمستيقن إن خبيئة رسول الله أن يقول: "رب من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله مصدقًا لسانه قلبه أدخله الجنة" (^٥).
(الحديث التاسع): قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المؤمل بن الفضل الحراني، حدثنا عيسى بن يونس (ح)، وأخبرنا هاشم بن القاسم الحراني فيما كتب إليّ، قال: حدثنا عيسى بن يونس نفسه، عن واصل بن السائب الرقاشي، عن أبي سورة ابن أخي أبي أيوب الأنصاري، عن أبي أيوب، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام. قال: "وما دينه؟ " قال: يصلي ويوحد الله تعالى. قال: "استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه" فطلب الرجل ذاك منه فأبى عليه، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: "وجدته شحيحًا على دينه" قال: فنزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٦).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة الربذي كما في التقريب.
(٢) في سنده أيضًا موسى الربذي.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٧٩)، وفي سنده عطية وهو العوفي صدوق يخطئ كثيرًا كما في التقريب، ويشهد له ما اتفق عليه في الحديث الخامس السابق.
(٤) كذا في الأصل: و(حم) و(مح)، وفي المسند: "عفوا".
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤١٣)، وضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد ١٠/ ٤٠٩).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وسنده ضعيف لضعف واصل الرقاشي وضعف أبي سورة كما في التقريب.
[ ٣ / ١٣٢ ]
(الحديث العاشر): قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا عمرو بن الضحاك، حدثنا أبي، حدثنا مستور أبو همام الهنائي، حدثنا ثابت، عن أنس، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ما تركت حاجة ولا داجة (^١) إلا قد أتيت، قال: "أليس تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؟ " ثلاث مرات قال: نعم، قال: "فإن ذلك يأتي على ذلك كله" (^٢).
(الحديث الحادي عشر): قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا عكرمة بن عمار، عن ضمضم بن جوش اليمامي (^٣)، قال: قال لي أبو هريرة: يا يمامي لا تقولن لرجل: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الجنة أبدًا. قلت: يا أبا هريرة، إن هذه كلمة يقولها أحدنا [لأخيه] (^٤) وصاحبه إذا غضب قال: لا تقلها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كان في بني إسرائيل رجلان: كان أحدهما مجتهدًا في العبادة، وكان الآخر مسرفًا على نفسه، وكانا متآخيين، وكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب، فيقول: يا هذا أقصر، فيقول: خلني وربي أبعثت عليّ رقيبًا؟ قال: إلى أن رآه يومًا على ذنب استعظمه، فقال له: ويحك، أقصر! قال: خلني وربي، أبعثت عليّ رقيبًا؟ فقال والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة أبدًا، قال: فبعث الله إليهما ملكًا فقبض أرواحهما، واجتمعا عنده، فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: أكنت عالمًا، أكنت على ما في يدي قادرًا؟ اذهبوا به إلى النار - قال: - فوالذي نفس أبي القاسم بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته" (^٥)، ورواه أبو داود من حديث عكرمة بن عمار، حدثني ضمضم بن جوش به (^٦).
(الحديث الثاني عشر): قال الطبراني: [حدثنا أبو شيخ محمد] (^٧) بن الحسين بن عجلان الأصبهاني، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ قال: قال الله ﷿: "من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له ولا أبالي، ما لم يشرك بي شيئًا" (^٨).
(الحديث الثالث عشر): قال الحافظ أبو بكر البزار والحافظ أبو يعلى: حدثنا هدبة بن خالد،
_________________
(١) أي ما تركت شيئًا دعتني نفسي إليه من المعاصي إلا وقد ركبته … والداجة: الحاجة الكبيرة (النهاية ١/ ٤٥٦ - ٤٥٧).
(٢) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١٥٥ ح ٣٤٣٣)، وصححه محققه، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ١٠/ ٨٣).
(٣) كذا في (مح)، وفي الأصل و(حم): "الهنائي".
(٤) زيادة من (حم) و(مح).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤/ ٤٦ ح ٨٢٩٢)، قال محققوه: إسناده حسن ومتنه غريب تفرد به عكرمة.
(٦) السنن، الأدب، باب في النهي عن البغي (ح ٤٩٠١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٩٧).
(٧) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "حدثنا شيخ عن محمد".
(٨) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ٢٤١ ح ١١٦١٥)، وسنده ضعيف لضعف إبراهيم بن الحكم كما في التقريب، وأخرجه الحاكم من طريق حفص بن عمر العدني عن الحكم به وصححه وتعقبه الذهبي بأن حفص بن عمر العدني واهٍ (المستدرك ٤/ ٢٦٢).
[ ٣ / ١٣٣ ]
حدثنا سهل بن أبي حزم، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: "من وعده الله على عمل ثوابًا، فهو منجزه له، ومن توعده على عمل عقابًا، فهو فيه بالخيار" تفردا به (^١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا بحر بن نصر الخولاني، حدثنا خالد - يعني: ابن عبد الرحمن الخراساني -، حدثنا الهيثم بن جمَّاز عن سلام بن أبي مطيع، عن بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عمر، قال: كنا أصحاب النبي ﷺ لا نشك في قاتل النفس، وآكل مال اليتيم، وقاذف المحصنات، وشاهد الزور، حتى نزلت هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فأمسك أصحاب النبي ﷺ عن الشهادة (^٢). ورواه ابن جرير من حديث الهيثم بن جمَّاز به (^٣).
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا عبد الملك بن أبي عبد الرحمن المقري، حدثنا عبد الله بن عاصم، حدثنا صالح - يعني: [المري] (^٤) -، حدثنا أبو بشر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كنا لا نشك فيمن أوجب الله له النار في الكتاب، حتى نزلت علينا هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قال: فلما سمعناها كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى الله ﷿ (^٥).
وقال البزار: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا شيبان بن أبي شيبة، حدثنا حرب بن سُريج، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا نبينا ﷺ يقول: " ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال: "أخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة" (^٦).
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، أخبرني مُجَبّر، عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما نزلت ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ …﴾ إلى آخر الآية [الزمر: ٥٣]، قام رجل فقال: والشرك بالله يا نبي لله؟ فكره ذلك رسول الله ﷺ فقال: " ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ " رواه ابن جرير (^٧)، وقد رواه ابن مردويه من طرق عن ابن عمر.
_________________
(١) أخرجه البزار بسنده ومتنه (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٤٥٦ ح ٢٢٠٤)، وقال الحافظ ابن حجر: سُهيل لا يتابع على حديثه، وكذا أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٦٦ ح ٣٣١٦)، وضعفه محققة لضعف سهيل بن أبي حزم، وهو كما قال فقد ضعفه الحافظ ابن حجر في التقريب ص ٢٥٩.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفي سنده الهيثم بن جماز ضعفه ابن معين وأحمد وأبو حاتم وأبو زرعة (تاريخ ابن معين ٢/ ٦٢٦، وميزان الاعتدال ٦/ ٢٠٤، والجرح والتعديل ٩/ ٨١، وقد توبع كما سيأتي في الرواية الثانية ورواية البزار بعدها.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه.
(٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: "المزني" وهو تصحيف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده صالح المري وهو ضعيف كما في التقريب، وقد توبع كما في رواية البزار التالية.
(٦) أخرجه البزار بسنده ومتنه (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٤٦٣ ح ٢٢١٩)، قال الهيثمي: وسنده جيد (مجمع الزوائد ١٠/ ٢١٣ - ٢١٤).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي عن أبيه به، وأخرجه الطبري من الطريق نفسه =
[ ٣ / ١٣٤ ]
وهذه الآية التي في سورة تنزيل مشروطة بالتوبة، فمن تاب من أي ذنب وإن تكرر منه، تاب الله عليه، ولهذا قال: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] أي بشرط التوبة، ولو لم يكن كذلك لدخل الشرك فيه، ولا يصح ذلك لأنه تعالى قد حتم ههنا بأنه لا يغفر الشرك، وحكم بأنه يغفر ما عداه لمن يشاء، أي: وإن لم يتب صاحبه فهذه أرجى من تلك من هذا الوجه، والله أعلم. وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أنه قال: قلت: يا رسول الله، أي: الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك … " وذكر تمام الحديث (^١)، وقال ابن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا معن، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ قال: "أخبركم بأكبر الكبائر الشرك بالله" ثم قرأ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، وعقوق الوالدين، ثم قرأ ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] (^٢).
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾.
قال الحسن وقتادة: نزلت هذه الآية وهي قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ في اليهود والنصارى حين قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] (^٣).
وقال ابن زيد: نزلت في قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، وفي قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] (^٤).
وقال مجاهد: كانوا يقدمون الصبيان أمامهم في الدعاء والصلاة يؤمونهم ويزعمون أنهم لا ذنب لهم، وكذا قال عكرمة وأبو مالك، وروى ذلك ابن جرير (^٥).
_________________
(١) = لكن لم يصرح باسم شيخه، وفي سنديهما مجبر مسكوت عنه (تعجيل المنفعة ص ٣٩٣، والإكمال لابن ماكولا ٧/ ٢٠٨، والمشتبه للذهبي ٢/ ٥٧١)، وقد حسّن روايته أحمد شاكر لأنه تابعي، كما في تعليقه على تفسير الطبري.
(٢) تقدم تخريجه في سورة البقرة آية ٢٢.
(٣) في سنده سعيد بن بشير وهو ضعيف كما في التقريب، والحسن البصري اختلف في سماعه من عمران (جامع التحصيل ص ١٩٧).
(٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه، وهذان المرسلان يقوي أحدهما الآخر.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه، وهو معضل ويتقوى بالمرسلين السابقين.
(٦) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة وأبي مالك أخرجهما الطبري بسندين فيهما سفيان بن وكيع وهو ضعيف ويتقوى بسابقه.
[ ٣ / ١٣٥ ]
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ …﴾ وذلك أن اليهود قالوا: إن أبناءنا توفوا وهم لنا قربة وسيشفعون لنا ويزكوننا، فأنزل الله على محمد ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ …﴾ الآية، رواه ابن جرير (^١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا ابن حمير، عن ابن لهيعة، عن بشير بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان اليهود يقومون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، وكذبوا، قال الله: إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له، وأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ (^٢). ثم قال: وروي عن مجاهد وأبي مالك والسدي وعكرمة والضحاك، نحو ذلك (^٣).
وقال الضحاك: قالوا: ليس لنا ذنوب كما ليس لأبنائنا ذنوب، فأنزل الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ فيهم (^٤).
وقيل: نزلت في ذم التمادح والتزكية، وقد جاء في الحديث الصحيح عند مسلم عن المقداد بن الأسود قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثو في وجوه المداحين التراب (^٥).
وفي الحديث الآخر المخرج في الصحيحين من طريق خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ، سمع رجلًا يثني على رجل، فقال: "ويحك قطعت عنق صاحبك"، ثم قال: "إن كان أحدكم مادحًا صاحبه لا محالة، فليقل: أحسبه كذا، ولا يزكي على الله أحدًا" (^٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا معتمر، عن أبيه، عن نعيم بن أبي هند قال: قال عمر بن الخطاب: من قال: أنا مؤمن فهو كافر، ومن قال: هو عالم فهو جاهل، ومن قال: هو في الجنة فهو في النار (^٧). ورواه ابن مردويه من طريق موسى بن عبيدة، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، عن عمر أنه قال: إن أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه فمن قال إنه مؤمن فهو [كافر، ومن قال هو عالم فهو] (^٨) جاهل، ومن قال إنه في الجنة فهو في النار (^٩).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وحجاج، أنبأنا شعبة، عن سعد بن
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه بنحوه، وسنده ضعيف مسلسل بالضعفاء ويتقوى بالآثار اللاحقة.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده ابن لهيعة ولم يصرح بالسماع وتشهد له الآثار اللاحقة.
(٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وهذه الآثار أخرجها الطبري بأسانيد بعضها ثابت.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق علي بن الحكم عن الضحاك.
(٥) صحيح مسلم، الزهد والرقائق، باب النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط (ح ٣٠٠٢).
(٦) صحيح البخاري، الشهادات، باب إذا زكى رجلًا كفاه (ح ٢٦٦٢)، وصحيح مسلم، الزهد والرقائق (ح ٣٠٠٠).
(٧) أخرجه حنبل بن إسحاق عن الإمام أحمد به (شرح السنة للالكائي ٣/ ٩٧٥ ح ١٧٧٧)، وكذا صرح الحافظ ابن كثير في مسند الفاروق (٢/ ٥٧٤).
(٨) زيادة من (حم) و(مح).
(٩) أخرجه مسدد من طريق موسى بن عبيدة به (كما في المطالب العالية ١/ ١٦٠ ح ٢١١) وفي سنده موسى بن عبيدة وهو: الربذي ضعيف كما في التقريب.
[ ٣ / ١٣٦ ]
إبراهيم، عن معبد الجهني، قال: كان معاوية قلما يحدث عن النبي ﷺ قال: وكان قلما يكاد أن يدع يوم الجمعة هؤلاء الكلمات أن يحدث بهن عن النبي ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإن هذا المال حلو خضر، فمن يأخذه بحقه يبارك له فيه، وإياكم والتمادح فإنه الذبح" (^١)، وروى ابن ماجه منه: "إياكم والتمادح فإنه الذبح" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن غندر، عن شعبة به (^٢)، ومعبد هذا هو ابن عبد الله بن عُليم البصري القدري.
وقال ابن جرير: حدثنا يحيى بن إبراهيم المسعودي، حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله بن مسعود: إن الرجل ليغدو بدينه ثم يرجع وما معه منه شيء، يلقى الرجل ليس يملك له نفعًا ولا ضرًا، فيقول له: إنك والله [كيت] (^٣) وكيت، فلعله أن يرجع ولم يَحْل من حاجته بشيء، وقد أسخط الله، ثم قرأ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ …﴾ الآية (^٤). وسيأتي الكلام على ذلك مطولًا عند قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ولهذا قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: المرجع في ذلك إلى الله ﷿ لأنه أعلم بحقائق الأمور وغوامضها.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي: ولا يترك لأحد من الأجر ما يوازن مقدار الفتيل، قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة وغير واحد من السلف: هو ما يكون في شق النواة (^٥). وعن ابن عباس أيضًا: هو ما فتلت بين أصابعك (^٦). وكلا القولين متقارب.
وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ أي: في تزكيتهم أنفسهم ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، وقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] واتكالهم على أعمال آبائهم الصالحة، وقد حكم الله أن أعمال الآباء لا تجزي عن الأبناء شيئًا في قوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة]، قال: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: وكفى بصنيعهم هذا كذبًا وافتراء ظاهرًا.
وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ أما الجبت، فقال محمد بن إسحاق، عن حسان بن فائد، عن عمر بن الخطاب أنه قال: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان (^٧).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٩٣) وسنده حسن.
(٢) أخرجه ابن ماجه (السنن، الأدب، باب المدح ح ٣٧٤٣)، وحسنه البوصيري في مصباح الزجاجة (٣/ ١٨١)، والألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٢٨٤).
(٣) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: "كذبت" وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق قيس بن مسلم به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٤٣٧).
(٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وبقية الآثار ذكرها ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرج بعضها عبد الرزاق والطبري بأسانيد صحيحة.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق مجاهد عنه بنحوه.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به، وأخرجه البخاري معلقًا عن عمر (الصحيح، تفسير سورة =
[ ٣ / ١٣٧ ]
وهكذا روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن والضحاك والسدي (^١).
وعن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن وعطية: الجبت الشيطان، وزاد ابن عباس: بالحبشية (^٢) وعن ابن عباس أيضًا: الجبت الشرك (^٣).
وعنه: الجبت الأصنام (^٤).
وعن الشعبي: الجبت الكاهن (^٥).
وعن ابن عباس: الجبت حيي بن أخطب (^٦)، وعن مجاهد: الجبت كعب بن الأشرف (^٧)، وقال العلامة أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه الصحاح: الجبت كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك. وفي الحديث: "الطيرة والعيافة والطّرْق من الجبت". قال: وليس هذا من محض العربية لاجتماع الجيم والتاء في كلمة واحدة من غير حرف ذَوْلَقِيّ (^٨).
وهذا الحديث الذي ذكره رواه الإمام أحمد في مسنده، فقال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف [عن حيان أبي العلاء، حدثنا قطن] (^٩) بن قبيصة عن أبيه وهو قبيصة بن مخارق أنه سمع النبي ﷺ قال: "إن العيافة (^١٠) والطرق (^١١) والطيرة (^١٢) من الجبت" وقال عوف: العيافة زجر الطير، والطرق الخط يخط في الأرض، والجبت، قال الحسن: إنه الشيطان (^١٣). وهكذا رواه
_________________
(١) = النساء، باب ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ [النساء: ٤٣]) قال الحافظ ابن حجر: وصله عبد بن حميد في تفسيره ومسدد في مسنده وعبد الرحمن بن رسته في كتاب الإيمان كلهم من طريق ابن إسحاق عن حسان بن فائد عن عمر مثله وإسناده قوي، وقد وقع التصريح بسماع ابن إسحاق له من حسان وسماع حسان من عمر في رواية ابن رسته (الفتح ٨/ ٢٥٢، وتهذيب التهذيب ٢/ ٢٥٢).
(٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند وأخرج الطبري وابن المنذر بعضها بأسانيد صحيحة، وقول عكرمة قال الحافظ ابن حجر: وصله عبد بن حميد بإسناد صحيح (الفتح ٨/ ٢٥٢).
(٣) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند معلق، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي عنه.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق حنش بن الحارث عنه.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد.
(٩) الصحاح ١/ ٢٤٥.
(١٠) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: "عن الحسان بن العلاء حدثنا قطر" وهو تصحيف.
(١١) العيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها (لسان العرب ٩/ ٢٦١).
(١٢) الطّرق: الضرب بالحصى، وهو ضرب من التكهن (لسان العرب ١٠/ ٢١٥).
(١٣) الطيرة: التشاؤم بالشيء (النهاية ٣/ ١٥٢).
(١٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٤/ ٢٠٨ ح ٢٠٦٠٤)، وضعفه محققوه، وسنده حسن فقد أخرجه ابن حبان (الإحسان ح ٦١٣١)، وحسنه النووي وصححه السيوطي كما في فيض القدير شرح الجامع الصغير (٤/ ٣٩٦)، وحسنه الأرناؤوط (جامع الأصول ٧/ ٦٣٩).
[ ٣ / ١٣٨ ]
أبو داود في سننه، والنسائي وابن أبي حاتم في تفسيريهما من حديث عوف الأعرابي به (^١).
وقد تقدم الكلام على الطاغوت في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا (^٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إسحاق بن الضيف، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله أنه سئل عن الطواغيت، فقال: هم كهان تنزل عليهم الشياطين (^٣).
وقال مجاهد: الطاغوت الشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه، وهو صاحب أمرهم (^٤).
وقال الإمام مالك: الطاغوت هو كل ما يعبد من دون الله ﷿ (^٥).
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ أي: يفضلون الكفار على المسلمين بجهلهم، وقلة دينهم، وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم.
وقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، قال: جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا لهم: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم، فأخبرونا عنا وعن محمد، فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء (^٦)، ونسقي الماء على اللبن، ونفك العُناة (^٧)، ونسقي الحجيج، ومحمد صُنبور (^٨) قطع أرماحنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلًا، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾ (^٩)، وقد روي هذا من غير وجه عن ابن عباس وجماعة من السلف. [وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة، وأهل السقاية؟ قال: أنتم خير، قال: فنزلت ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾ [الكوثر: ٣] ونزل ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى ﴿نَصِيرًا﴾ (^١٠)] (^١١).
_________________
(١) سنن أبي داود، الطب، باب الخط وزجر الطير (ح ٣٩٠٧)، والسنن الكبرى (ح ١١١٠٨)، وتفسير ابن أبي حاتم.
(٢) آية ٢٥٦.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٦) الكوماء: الناقة العظيمة السنام (لسان العرب ١٢/ ٥٢٩).
(٧) العناة: جمع عاني أي: الأسير (لسان العرب ١٥/ ١٠٢).
(٨) صنبور: بضم الصاد أي: الرجل الفرد الضعيف الذليل بلا أهل وعقب وناصر (ترتيب القاموس المحيط ٢/ ٨٥٦).
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل ويشهد له ما يليه إذ رواه ابن أبي حاتم موصولًا كما يلي.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق محمد بن أبي عدي به.
(١١) زيادة من (حم) و(مح).
[ ٣ / ١٣٩ ]
وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان الذين حَزّبوا الأحراب من قريش وغطفان وبني قريظة حي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق أبو رافع والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق وأبو عمار ووحوح بن عامر وهوذة بن قيس فأمّا وحوح وأبو عمار وهوْذة فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير، فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأول فاسألوهم أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم فقالوا: بل دينكم خير من دينه وأنتم أهدى منه وممن اتبعه، فأنزل الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾ إلى قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] (^١).
وهذا لعن لهم وإخبار بأنهم لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين، وإنما قالوا لهم ذلك، ليستميلوهم إلى نصرتهم، وقد أجابوهم وجاءوا معهم يوم الأحزاب حتى حفر النبي ﷺ وأصحابه حول المدينة الخندق، فكفى الله شرهم ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾ [الأحزاب: ٢٥].
﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾.
يقول تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾، وهذا استفهام إنكاري؛ أي: ليس لهم نصيب من الملك ثم وصفهم بالبخل، فقال: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ أي: لأنهم لو كان لهم نصيب في الملك والتصرف لما أعطوا أحدًا من الناس ولا سيما محمدًا ﷺ شيئًا، ولا ما يملأ النقير وهو النقطة التي في النواة في قول ابن عباس (^٢) والأكثيرين.
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠] أي: خوف أن يذهب ما بأيديكم مع أنه لا يتصور نفاده وإنما هو من بخلكم وشحكم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٠] أي: بخيلًا،
ثم قال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني: بذلك حسدهم النبي ﷺ على ما رزقه الله من النبوة العظيمة، ومنعهم من تصديقهم إياه حسدهم له، لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل.
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا قيس بن الربيع، عن السدي، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، قال ابن عباس: نحن الناس دون الناس، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ
_________________
(١) أخرجه ابن إسحاق في سيرته (كما في سيرة ابن هشام ٣/ ١٠٢٤)، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به ونسبه السيوطي إلى ابن إسحاق والطبري (الدر المنثور ٢/ ١٧٢) وسنده حسن، وقد فصلت دراسة هذا الإسناد في مقدمة التفسير الصحيح.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وذكر ابن أبي حاتم خمسة من المفسرين الذين رووه بنحوه.
[ ٣ / ١٤٠ ]
وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ أي: فقد جعلنا في أسباط بني إسرائيل، الذين هم من ذرية إبراهيم النبوة وأنزلنا عليهم الكتب وحكموا فيهم بالسنن، وهي الحكمة، وجعلنا منهم الملوك ومع هذا ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي: بهذا الإيتاء وهذا الإنعام، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ أي: كفر به وأعرض عنه وسعى في صد الناس عنه، وهو منهم ومن جنسهم؛ أي: من بني إسرائيل، فقد اختلفوا عليهم، فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل؟ (^١).
وقال مجاهد: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي: بمحمد ﷺ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ (^٢).
فالكفرة منهم أشد تكذيبًا لك، وأبعد عما جئتهم به من الهدى، والحق المبين، ولهذا قال: متوعدًا لهم ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أي: وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾.
يخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته وصد عن رسله، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ أي: ندخلهم نارًا دخولًا يحيط بجميع أجرامهم وأجزائهم، ثم أخبر عن دوام عقوبتهم ونكالهم، فقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ قال الأعمش عن ابن عمر: إذا احترقت جلودهم بدلوا جلودًا غيرها بيضاء أمثال القراطيس، رواه ابن أبي حاتم (^٣).
وقال يحيى بن يزيد الحضرمي: أنه بلغه في الآية، قال: يجعل للكافر مائة جلد، بين كل جلدين لون من العذاب، ورواه ابن أبي حاتم (^٤).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن هشام، عن الحسن قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ …﴾ الآية، قال: تنضجهم في اليوم سبعين ألف مرة. قال حسين: وزاد فيه فضيل، عن هشام، عن الحسن ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ كلما أنضجتهم فأكلت لحومهم قيل لهم: عودوا فعادوا (^٥). وقال أيضًا: ذكر عن هشام بن عمار، حدثنا سعيد بن يحيى - يعني سعدان - حدثنا نافع مولى يوسف السلمي البصري، عن نافع، عن
_________________
(١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ح ١١٣١٣)، وفي سنده يحيى الحماني وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٧/ ٩).
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ثوير فهو: ابن أبي فاختة ضعيف رمي بالرفض كما في التقريب.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عمر بن خالد المعافري عن يحيى بن يزيد الحضرمي بلاغًا ولم يصرح باسم شيخه، وعمر ويحيى لم أجد لهما ترجمة.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكن مثل هذه الأخبار الغيبية لا تؤخذ عن التابعين.
[ ٣ / ١٤١ ]
ابن عمر، قال: قرأ رجل عند عمر هذه الآية ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ فقال عمر: أعدها علي، فأعادها، فقال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها تبدل في ساعة مائة مرة. فقال عمر: هكذا سمعتُ رسول الله ﷺ (^١)، وقد رواه ابن مردويه عن محمد بن أحمد بن إبراهيم، عن عبدان بن محمد المروزي، عن هشام بن عمار به (^٢). ورواه من وجه آخر بلفظ آخر، فقال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمران، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا نافع أبو هرمز، حدثنا نافع عن ابن عمر، قال: تلا رجل عند عمر هذه الآية: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ …﴾ الآية، قال: فقال عمر: أعدها علي، وثم كعب، فقال: أنا عندي تفسير هذه الآية قرأتها قبل الإسلام قال: فقال: هاتها يا كعب فإن جئت بها كما سمعت من رسول الله ﷺ صدقناك، وإلا لم ننظر إليها، فقال: إني قرأتها قبل الإسلام: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة. فقال عمر: هكذا سمعت من رسول الله ﷺ (^٣). وقال الربيع بن أنس: مكتوب في الكتاب الأول: أن جلد أحدهم أربعون ذراعًا، وسنه تسعون ذراعًا، وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلودًا غيرها (^٤).
وقد ورد في الحديث ما هو أبلغ من هذا، قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا أبو يحيى الطويل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "يعظم أهل النار في النار حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذرعًا، وإن ضرسه مثل أُحد" (^٥) تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقيل: المراد بقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أي: سرابيلهم، حكاه ابن جرير (^٦). وهو ضعيف لأنه خلاف الظاهر.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن التي تجري فيها الأنهار في جميع فجاجها، ومحالها وأرجائها حيث شاءوا وأين أرادوا وهم خالدون فيها أبدًا لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولًا.
وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي: من الحيض والنفاس والأذى والأخلاق الرذيلة، والصفات الناقصة، كما قال ابن عباس: مطهرة من الأقذار والأذى (^٧). وكذا قال عطاء والحسن
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأنه لم يصرح باسم شيخه، وكذلك نافع: متروك الحديث (لسان الميزان ٦/ ١٤٧).
(٢) سنده كسابقه بسبب نافع مولى يوسف السلمي.
(٣) سنده كسابقه بسبب نافع أبي هرمز وهو نفسه مولى يوسف السلمي.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع به، والروايه صريحة أَنها من الإسرائيليات.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨/ ٤١٩ ح ٤٨٠٠)، في سنده أبو يحيى الفتات لين الحديث (التقريب ٦٨٤)، وضعف إسناده محققوه. ولقوله: وإن ضرسه مثل أُحد، شاهد في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة (الصحيح، الجنة وصفة نعيمها ح ٢٨٥١).
(٦) ذكره الطبري بدون إسناد لأحد (التفسير ٧/ ١٦٦).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
[ ٣ / ١٤٢ ]
والضحاك والنخعي وأبو صالح وعطية والسدي (^١).
وقال مجاهد: مطهرة من البول والحيض والنخام والبزاق والمني والولد (^٢).
وقال قتادة: مطهرة من الأذى والمآثم، ولا حيض ولا كلف (^٣).
وقوله: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ أي: ظلًا عميقًا كثيرًا غزيرًا طيبًا أنيقًا. قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، وحدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، قالا: حدثنا شعبة، قال: سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها؛ شجرة الخلد" (^٤).
﴿* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾.
يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها. وفي حديث الحسن، عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" رواه الإمام أحمد وأهل السنن (^٥)، وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله ﷿ على عباده من الصلوات والزكوات والصيام والكفارات والنذور وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه ولا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بينة على ذلك، فأمر الله ﷿ بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة، كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء" (^٦).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، قال: إن الشهادة تكفر كل ذنب إلا الأمانة، يؤتى بالرجل يوم القيامة، وإن كان قتل في سبيل الله، فيقال: أد أمانتك، فيقول: فأنى أؤديها وقد ذهبت الدنيا؟ فتمثل له الأمانة في قعر جهنم فيهوي إليها فيحملها على عاتقه، قال: فتنزل عن عاتقه فيهوي على أثرها أبد الآبدين. قال زاذان: فأتيت البراء فحدثته، فقال: صدق أخي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (^٧).
وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن رجل، عن ابن عباس في الآية، قال: هي مبهمة
_________________
(١) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة وأبان عن قتادة.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأصله في الصحيحين بدون لفظ: "شجرة الخلد".
(٥) أخرجه الإمام أحمد من طريق يوسف بن ماهك عن رجل عن أبيه (المسند ٣/ ٤١٤)، وكذا أخرجه أبو داود في السنن، الإجازة، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده (ح ٣٥٣٤)، والترمذي في السنن (ح ١٢٦٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٢٧٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٠١٨).
(٦) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا (الصحيح، البر والصلة، باب تحريم الظلم ح ٢٥٨٢).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
[ ٣ / ١٤٣ ]
للبر والفاجر (^١).
وقال محمد بن الحنفية: هي مُسْجَلة للبر والفاجر (^٢).
وقال أبو العالية: الأمانة ما أمروا به ونهوا عنه (^٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: قال أُبي بن كعب: من الأمانة أن المرأة ائتمنت على فرجها (^٤).
وقال الربيع بن أنس: هي من الأمانات فيما بينك وبين الناس (^٥).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، قال: قال يدخل فيه وعظ السلطان النساء (^٦)، يعني: يوم العيد.
وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة (^٧) واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدري حاجب الكعبة المعظمة، وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم، أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية، وفتح مكة، هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وأما عمه عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، فكان معه لواء المشركين يوم أُحد، وقتل يومئذٍ كافرًا، وإنما نبهنا على هذا النسب لأن كثيرًا من المفسرين قد يشتبه عليه هذا بهذا، وسبب نزولها فيه لما أخذ منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة يوم الفتح ثم رده عليه.
وقال محمد بن إسحاق في غزوة الفتح: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة: أن رسول الله ﷺ لما نزل بمكة واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت، فطاف به سبعًا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له، فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكنّ له الناس في المسجد (^٨).
قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول ﷺ قام على باب الكعبة، فقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج" وذكر بقية الحديث في خطبة النبي ﷺ يومئذٍ إلى أن قال: ثم جلس رسول الله في المسجد، فقام إليه علي بن أبي طالب
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق وكيع عن سفيان به، وسنده ضعيف بسبب إبهام شيخ ابن أبي ليلى، وكذلك ابن أبي ليلى وهو محمد بن عبد الرحمن صدوق سيء الحفظ جدًّا.
(٢) لم أجد من أخرجه مسندًا.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مسروق عن أُبي.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو سنيد ضعيف، وفيه إرسال ابن جريج.
(٨) سنده حسن وهو في سيرة ابن هشام (٤/ ١٢٥٣).
[ ٣ / ١٤٤ ]
ومفتاح الكعبة في يده، فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك، فقال رسول الله ﷺ: "أين عثمان بن طلحة؟ " فدعي له، فقال له: "هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم وفاء وبر" (^١).
قال ابن جرير: حدثني القاسم، حدثنا الحسين، عن حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا …﴾، قال: نزلت في عثمان بن طلحة، قبض منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة فدخل في البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الآية، فدعا عثمان إليه فدفع إليه المفتاح، قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله ﷺ من الكعبة وهو يتلو هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فداه أبي وأمي ما سمعته يتلوها قبل ذلك (^٢). حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا الزنجي بن خالد، عن الزهري قال: دفعه إليه، وقال: "أعينوه" (^٣).
وروى ابن مردويه من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة دعا عثمان بن طلحة، فلما أتاه قال: "أرني المفتاح" فأتاه به، فلما بسط يده إليه قام إليه العباس، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، اجمعه لي مع السقاية، فكف عثمان يده، فقال رسول الله ﷺ: "أرني المفتاح يا عثمان" فبسط يده يعطيه، فقال العباس مثل كلمته الأولى، فكف عثمان يده. ثم قال رسول الله ﷺ: "يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فهاتني المفتاح" فقال: هاك بأمانة الله، قال: فقام رسول الله ﷺ ففتح باب الكعبة، فوجد في الكعبة تمثال إبراهيم ﵊ معه قداح يستقسم بها، فقال رسول الله ﷺ: "ما للمشركين قاتلهم الله، وما شأن إبراهيم وشأن القداح" ثم دعا بجفنة فيها ماء، فأخذ ماء فغمسه فيه، ثم غمس به تلك التماثيل، وأخرج مقام إبراهيم وكان في الكعبة، فألزقه في حائط الكعبة، ثم قال: "يا أيها الناس هذه القبلة"، قال: ثم خرج رسول الله ﷺ فطاف في البيت شوطًا أو شوطين ثم نزل عليه جبريل فيما ذكر لنا برد المفتاح، ثم قال رسول الله ﷺ: " ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ " حتى فرغ من الآية (^٤).
وهذا من المشهورات أن هذه الآية نزلت في ذلك، وسواء كانت نزلت في ذلك أو لا، فحكمها عام، ولهذا قال ابن عباس ومحمد بن الحنفية: هي للبر والفاجر (^٥)؛ أي: هي أمر لكل أحد.
وقوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ أمر منه تعالى بالحكم بالعدل بين الناس، ولهذا قال محمد بن كعب وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب: إن هذه الآية إنما نزلت في الأمراء،
_________________
(١) سنده منقطع وهو في سيرة ابن هشام (٤/ ١٢٥٤).
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف الحسين وهو سنيد، وإرسال ابن جريج.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو كسابقه وفيه أيضًا إرسال الزهري.
(٤) في سنده الكلبي وقد صرح بأن روايته عن أبي صالح عن ابن عباس كذب كما في تهذيب التهذيب في ترجمة محمد بن السائب الكلبي.
(٥) تقدم تخريج قول ابن عباس في الصفحة السابقة.
[ ٣ / ١٤٥ ]
يعني: الحكام بين الناس (^١)، وفي الحديث: "إن الله مع الحاكم ما لم يجر فإذا جار وكله الله إلى نفسه" (^٢)، وفي الأثر: "عدل يوم كعبادة أربعين سنة".
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي: يأمركم به من أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة الشاملة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أي: سميعًا لأقوالكم، بصيرًا بأفعالكم، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال: رأيت رسول الله ﷺ وهو يُقْري هذه الآية ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ يقول: "بكل شيء بصير" (^٣).
وقد قال ابن أبي حاتم: أخبرنا يحيى بن عبدك القزويني، أنبأنا المقري - يعني: أبا عبد الرحمن عبد الله بن يزيد -، حدثنا حرملة - يعني: ابن عمران التجيبي المصري -، حدثني أبو يونس، سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ويضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه ويقول: هكذا سمعت رسول الله يقرؤها ويضع إصبعيه. قال أبو زكريا: وصفه لنا المقري، ووضع أبو زكريا إبهامه اليمنى على عينه اليمنى، والتي تليها على الأذن اليمنى، وأرانا فقال: هكذا وهكذا (^٤).
رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه (^٥)، وابن مردويه في تفسيره من حديث أبي عبد الرحمن المقري بإسناده نحوه. وأبو يونس هذا مولى أبي هريرة واسمه سليم بن جبير.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾.
قال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾
_________________
(١) ذكره ابن أبي حاتم ونسبه للمذكورين بحذف السند، وقول زيد بن أسلم أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق أبي مكين عنه (المصنف ١٢/ ٢٢٢ رقم ١٢٦٠٩).
(٢) أخرجه الترمذي بنحوه من حديث عبد الله بن أبي أوفى (السنن، الأحكام، باب ما جاء في الإمام العادل ح ١٣٢٩)، وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وكذا أخرجه ابن ماجه (السنن، الأحكام، باب التغليط في الحيف والرشوة (ح ٢٣١٢)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٨٧٠)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٩٣).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب تفرد ابن لهيعة وعدم تصريحه بالسماع.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ثابت كما يلي:
(٥) سنن أبي داود، السنة، باب في الجهمية (ح ٤٧٢٨)، والإحسان (ح ٢٦٥)، والمستدرك ١/ ٢٤، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وصححه اللالكائي (شرح أصول الاعتقاد ٣/ ٦٨٨)، وقال الحافظ ابن حجر: سنده قوي على شرط مسلم (الفتح ١٣/ ٣٧٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٩٥٤).
[ ٣ / ١٤٦ ]
قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه رسول الله ﷺ في سرية (^١)، وهكذا أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من حديث حجاج بن محمد الأعور به. وقال الترمذي: حديث حسن غريب، ولا نعرفه إلا من حديث ابن جريج (^٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن [سعد بن عبيدة] (^٣)، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار، فلما خرجوا وجد عليهم في شيء، قال: فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: اجمعوا لي حطبًا، ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها، قال: فهمّ القوم أن يدخلوها، قال: فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله ﷺ، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها، قال: فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه، فقال لهم: "لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف" (^٤). أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به (^٥).
وقال أبو داود: حدثنا مسدّد، حدثنا يحيى، عن عبيد الله، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله ﷺ، قال: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" وأخرجاه من حديث يحيى القطان (^٦).
وعن عبادة بن الصامت قال: "بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله"، قال: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان"، أخرجاه (^٧).
وفي الحديث الآخر: عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "اسمعوا وأطيعوا، وإن أمّر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زيبية"، رواه البخاري (^٨).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدًا حبشيًا مُجَدّع
_________________
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة النساء، باب ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ …﴾ [النساء: ٥٩] ح ٤٥٨٤).
(٢) صحيح مسلم، الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء … (ح ١٨٣٤)، وسنن أبي داود، الجهاد، باب الطاعة (ح ٢٦٢٤)، وسنن الترمذي، الجهاد، باب ما جاء في الرجل يبعث وحده سرية (ح ١٦٧٢)، وسنن النسائي، الجهاد، باب قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] ٧/ ١٥٤ - ١٥٥.
(٣) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: "سعيد بن عبيدة" وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٦٢٢) وسنده صحيح.
(٥) صحيح البخاري، الأحكام، باب السمع والطاعة (ح ٧١٤٥)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء (ح ١٨٤٠).
(٦) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب في الطاعة ح ٢٦٢٦)، وهو صحيح متفق عليه أخرجه الشيخان (صحيح البخاري، الجهاد، باب السمع والطاعة ح ٢٩٥٥)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء … (ح ١٨٣٩).
(٧) صحيح البخاري، الفتن، باب قول النبي ﷺ: "سترون بعدي أمورًا … " (ح ٧٠٥٥)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء (ح ١٨٤٠/ ٤١).
(٨) صحيح البخاري، الأذان، باب أمامة العبد والمولى (ح ٦٩٣).
[ ٣ / ١٤٧ ]
الأطراف، رواه مسلم (^١).
وعن أم الحصين أنها سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع يقول: "ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله، اسمعوا له وأطيعوا" رواه مسلم (^٢)، وفي لفظ له: "عبدًا حبشيًا مجدوعًا".
وقال ابن جرير: حدثني علي بن مسلم الطوسي، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني عبد الله بن محمد بن عروة، عن هشام بن عروة، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البرّ ببره والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق وصلّوا وراءهم فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساؤوا فلكم وعليهم" (^٣).
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون" قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: "أوفوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم"، أخرجاه (^٤).
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "من رأى من أميره شيئًا فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا فيموت إلا مات ميتة جاهلية"، أخرجاه (^٥).
وعن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ: يقول: "من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية" رواه مسلم (^٦).
وروى مسلم أيضًا عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، قال: دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة والناس مجتمعون عليه، فأتيتهم فجلست إليه، فقال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلًا فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في [جشره] (^٧) إذ نادى منادي رسول الله ﷺ: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: "إنه لم يكن نبي من قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء، وأمور تنكرونها، وتجيء فتن يرقق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو
_________________
(١) صحيح مسلم، الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء … (ح ١٨٣٧).
(٢) صحيح مسلم، الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا (ح ١٢٩٨).
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًّا بسبب عبد الله بن محمد بن عروة، متروك الحديث. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات (لسان الميزان ٣/ ٣٣١ - ٣٣٢).
(٤) صحيح البخاري، الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (ح ٣٤٥٥)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول (ح ١٨٤٢).
(٥) صحيح البخاري، الفتن، باب قول النبي ﷺ: "سترون بعدي أمور تنكرونها" (ح ٧٠٥٣)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين (ح ١٨٤٩).
(٦) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ١٨٤٤).
(٧) كذا في (حم) و(مح) وصحيح مسلم، وفي الأصل: "شجرة" وهو تصحيف.
[ ٣ / ١٤٨ ]
يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر"، قال: فدنوت منه فقلت: أنشدك بالله، آنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه، وقال: سمعته أذناي، ووعاه قلبي، فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ونقتل أنفسنا، والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] قال: فسكت ساعة، ثم قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله (^١). والأحاديث في هذا كثيرة.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا أسباط، عن السدي في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: بعث رسول الله ﷺ سرية عليها خالد بن الوليد وفيها عمار بن ياسر، فساروا قبل القوم الذين يريدون، فلما بلغوا قريبًا منهم عرّسوا وأتاهم [ذو العُيينتين] (^٢) فأخبرهم، فأصبحوا قد هربوا غير رجل فأمر أهله فجمعوا متاعهم، ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل حتى أتى عسكر خالد، فسأل عن عمار بن ياسر فأتاه فقال: يا أبا اليقظان، إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا، وإني بقيت فهل إسلامي نافعي غدًا، وإلا هربت؟ قال عمار: بل هو ينفع فأقم، فأقام، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحدًا غير الرجل، فأخذه وأخذ ماله، فبلغ عمارًا الخبر، فأتى خالدًا فقال: خل عن الرجل فإنه قد أسلم وإنه في أمان مني، فقال خالد: وفيم أنت تجير؟ فاستبا وارتفعا إلى النبي ﷺ فأجاز أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على أمير، فاستبا عند رسول الله ﷺ فقال خالد: أتترك هذا العبد الأجدع يسبني، فقال رسول الله ﷺ: "يا خالد لا تسب عمارًا فإنه من يسب عمارًا يسبه الله، ومن يبغضه يبغضه الله، ومن يلعن عمارًا يلعنه الله" فغضب عمار فقام فتبعه خالد فأخذ بثوبه فاعتذر إليه فرضي عنه، فأنزل الله ﷿ قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (^٣) وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق، عن السدي مرسلًا، ورواه ابن مردويه من رواية الحكم بن ظُهير، عن السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس … فذكره بنحوه (^٤)، والله أعلم.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني: أهل الفقه والدين (^٥).
وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن البصري وأبو العالية: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني: العلماء (^٦).
_________________
(١) صحيح مسلم، الإمارة، (ح ١٨٤٤).
(٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: "ذو العينين" وهو تصحيف.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن لكنه مرسل.
(٤) سنده ضعيف جدًّا بسبب الحكم بن ظُهير متروك رمي بالرفص واتهمه ابن معين (التقريب ص ١٧٥).
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ص ٧٣ بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة به.
(٦) ذكرهم ابن أبي حاتم جميعًا بحذف السند إلا قول مجاهد فقد أسنده، وقول مجاهد أخرجه أبو خيثمة زهير بن حرب بسند صحيح من طريق الأعمش عن مجاهد (كتاب العلم ص ١٢٤)، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق =
[ ٣ / ١٤٩ ]
والظاهر - والله أعلم - أنها عامة في كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء كما تقدم. وقد قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣] وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، وفي الحديث الصحيح المتفق عليه عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطعاني، ومن عصى أميري فقد عصاني" (^١)، فهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء، ولهذا قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أي: اتبعوا كتابه ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: خذوا بسنته ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أي: فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله كما تقدم في الحديث الصحيح: "إنما الطاعة في المعروف".
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن أبي مراية، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ قال: "لا طاعة في معصية الله" (^٢).
وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال مجاهد وغير واحد من السلف؛ أي: إلى كتاب الله وسنة رسوله (^٣). وهذا أمر من الله ﷿ بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فدل على أنه من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر.
وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، والرجوع إليهما في فصل النزاع خير ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: وأحسن عاقبة ومآلًا كما قاله السدي وغير واحد، وقال مجاهد: وأحسن جزاء، وهو قريب.
_________________
(١) = بسند صحيح عن معمر عنه، وقول عطاء - وهو ابن السائب - أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الملك العرزمي عنه، وقول أبي العالية أخرجه ابن أبي شيبة بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه (المصنف ١٢/ ٢١٣ رقم ١٢٥٨١).
(٢) صحيح البخاري، الأحكام، باب قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ …﴾ [آل عمران: ١٣٢] (ح ٧١٣٧)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب وجوب طاعة الأمير (ح ١٨٣٥).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤٢٦)، في سنده أبو مراية العجلي البصري مسكوت عنه وذكره ابن حبان في الثقات (تعجيل المنفعة ص ٥١٩)، وله شاهد في صحيح مسلم، الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء (ح ١٨٣٩)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٨١).
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد، وليث فيه مقال ولكن معناه صحيح وقد ثبت مثله عن السدي فيما رواه عنه الطبري بسند حسن وثبت عن قتادة فيما رواه الطبري بسند حسن.
[ ٣ / ١٥٠ ]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾.
هذا إنكار من الله ﷿ على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد، وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف (^١). وقيل: في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية (^٢)، وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة. وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت ههنا، ولهذا قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ …﴾ إلى آخرها.
وقوله: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أي: يعرضون عنك إعراضًا كالمستكبرين عن ذلك، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان: ٢١] وهؤلاء بخلاف المؤمنينن الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٥١].
ثم قال تعالى في ذم المنافقين: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم، واحتاجوا إليك في ذلك ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ أي: يعتذرون إليك ويحلفون ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى أعدائك إلا الإحسان والتوفيق؛ أي: المداراة والمصانعة لا اعتقادًا منا صحة تلك الحكومة، كما أخبرنا تعالى عنهم في قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى﴾ إلى قوله: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢]. وقد قال الطبراني: حدثنا أبو زيد أحمد بن يزيد [الحوطي] (^٣)، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أبو برزة الأسلمي كاهنًا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين، فأنزل الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ (^٤).
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بمرسلين رواهما الطبري أحدهما رواه بسند صحيح عن مجاهد وآخر رواه بسند جيد عن الربيع بن أنس.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح إلى مجاهد أن المتخاصمين رجل منافق وآخر يهودي.
(٣) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "الجعطي" وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ح ١٢٠٤٥)، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي اليمان به وقال الهيثمي عن سند الطبراني: ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٧/ ٩)، وصححه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣١٩.
[ ٣ / ١٥١ ]
ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم، فإنه عالم بظواهرهم وبواطنهم. ولهذا قال له: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: لا تعنفهم على ما في قلوبهم ﴿وَعِظْهُمْ﴾ أي: وانههم عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر، ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾.
يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ أي: فرضت طاعته على من أرسله إليهم.
وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال مجاهد؛ أي: لا يطيع أحد إلا بإذني (^١). يعني: لا يطيعهم إلا من وفقته لذلك.
كقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] أي: عن أمره وقدره ومشيئته وتسليطه إياكم عليهم. وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية، يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول ﷺ، فيستغفروا الله عنده ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم، ولهذا قال: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو نصر بن الصباغ في كتابه [الشامل] (^٢) الحكاية المشهورة عن العتبي (^٣)، قال: كنت جالسًا عند قبر النبي ﷺ، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وقد جئتك مستغفرًا لذنبي مستشفعًا بك إلى ربي. ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفدا لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف الأعرابي، فغلبتني عيني فرأيت النبي ﷺ في النوم، فقال: "يا عتبي، إلحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له" (^٤).
وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "الشمائل" وهو تصحيف.
(٣) العتبي: هو محمد بن أحمد بن عبد العزيز القرطبي، ومن تصانيفه العتبية وهي مستخرجة من سماعات مالك بن أنس، مات سنة ٢٥٤ هـ (جذوة المقتبس ص ٣٦، وشذرات الذهب ٢/ ١٢٩).
(٤) وهذه القصة ذكرها النووي في المجموع ٨/ ٢١٧، وهي تعتمد على المنامات، وعدم ذكرها أولى.
[ ٣ / ١٥٢ ]
الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليمًا كليًا من غير ممانعة ولا مدافعة، ولا منازعة، كما ورد في الحديث: "والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لم جئت به" (^١).
وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، قال: خاصم الزبير رجلًا في شريج من الحرة (^٢)، فقال النبي ﷺ: "اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك" فقال الأنصاري: يا رسول الله أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله ﷺ، ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك". واستوعى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما ﷺ بأمر لهما فيه سعة، قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (^٣). هكذا رواه البخاري ههنا، أعني في كتاب التفسير من صحيحه من حديث معمر، وفي كتاب الشرب من حديث ابن جريج ومعمر أيضًا، وفي كتاب الصلح من حديث شعيب بن أبي حمزة، ثلاثتهم عن الزهري، عن عروة … فذكره (^٤)، وصورته صورة الإرسال، وهو متصل في المعنى، وقد رواه الإمام أحمد من هذا الوجه فصرح بالإرسال، فقال: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير أن الزبير كان يحدث أنه كان يخاصم رجلًا من الأنصار قد شهد بدرًا إلى النبي ﷺ في شراج الحرة، كان يسقيان بها كلاهما، فقال النبي ﷺ للزبير "اسق ثم أرسل إلى جارك" فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ، ثم قال: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" فاستوعى النبي ﷺ للزبير حقه، وكان النبي ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله ﷺ استوعى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم، قال عروة: فقال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾، هكذا رواه الإمام أحمد (^٥)، وهو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير، فإنه لم يسمع منه، والذي يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله، فإن أبا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (ح ١٥)، وضعفه الألباني بسبب ضعف نعيم بن حماد أحد رواة هذا الحديث، وصححه النووي وتعقبه ابن رجب (جامع العلوم والحكم ٢/ ٤٣١).
(٢) شريج من الحرة: أي مسيل الماء من الحرة إلى السهل، والحرة هي الأرض ذات الحجارة السود (النهاية ٢/ ٤٥٦).
(٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة النساء، باب ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ …﴾ [النساء: ٦٥] ح ٤٥٨٥).
(٤) الصحيح، المساقاة، باب شرب الأعلى قبل الأسفل (ح ٢٣٦١، ٢٣٦٢)، وكتاب الصلح، باب إذا أشار الإمام بالصلح … (ح ٢٧٠٨).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ١٤١٩).
[ ٣ / ١٥٣ ]
محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، رواه كذلك في تفسيره، فقال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني الليث ويونس، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام، أنه خاصم رجلًا من الأنصار قد شهد بدرًا مع النبي ﷺ إلى رسول الله ﷺ، في شراج الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه الزبير، فقال رسول الله ﷺ: "اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك" فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ، ثم قال: "اسقِ يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" واستوعى رسول الله ﷺ للزبير حقه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه السعة له وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول الله ﷺ، استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير: ما أحسب هذه الآية إلا في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (^١)، وهكذا رواه النسائي من حديث ابن وهب به. ورواه أحمد والجماعة كلهم من حديث الليث به (^٢). وجعله أصحاب الأطراف في مسند عبد الله بن الزبير. وكذا ساقه الإمام أحمد في مسند عبد الله بن الزبير، والله أعلم. والعجب كل العجب من الحاكم أبي عبد الله النيسابوري فإنه روى هذا الحديث من طريق ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، عن عروة، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير …، فذكره، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (^٣). فإني لا أعلم أحدًا قام بهذا الإسناد عن الزهري بذكر عبد الله بن الزبير غير ابن أخيه، وهو عنه ضعيف.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن علي أبو دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سلمة رجل من آل أبي سلمة، قال: خاصم الزبير رجلًا إلى النبي ﷺ فقضى للزبير، فقال الرجل: إنما قضى له لأنه ابن عمته، فنزلت: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ …﴾ الآية (^٤)، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو حيوة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: نزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة، اختصما في ماء، فقضى النبي ﷺ أن يسقي الأعلى ثم الأسفل، هذا مرسل ولكن فيه فائدة تسمية الأنصاري (^٥».
(ذكر سبب آخر غريب جدًّا) قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى - قراءة -،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه.
(٢) مسند أحمد ٤/ ٤، وسنن أبي داود، الأقضية، أبواب من القضاء (ح ٣٦٣٧)، وسنن الترمذي، الأحكام، باب في الرجلين يكون أحدهما أسفل … (ح ١٣٦٣) وقال: حسن صحيح، وسنن ابن ماجه، الرهون، باب الشرب من الأودية (ح ٢٤٨٠).
(٣) المستدرك ٣/ ٣٦٤.
(٤) سنده مرسل ووصله الحميدي من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سلمة عن أم سلمة (المسند ح ٣٠٠).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل قال الحافظ ابن حجر: إسناده قوي مع إرساله، فإن كان سعيد بن المسيب سمعه من الزبير فيكون موصولًا (الفتح ٥/ ٣٥).
[ ٣ / ١٥٤ ]
أخبرنا ابن وهب، وأخبرني عبد الله بن لهيعة، عن أبي الأسود، قال: اختصم رجلان إلى رسول الله ﷺ فقضى بينهما، فقال المقضي عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فقال رسول الله ﷺ: "نعم"، انطلقا إليه، فلما أتيا إليه، فقال الرجل: يا ابن الخطاب قضى لي رسول الله ﷺ على هذا. فقال: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فردنا إليك: فقال: أكذاك؟ قال: نعم. فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما. فخرج إليها مشتملًا على سيفه فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فأتى إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، قتل عمر والله صاحبي، ولولا أني أعجزته لقتلني، فقال رسول الله ﷺ: "ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن" فأنزل الله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾، فهدر دم ذلك الرجل وبرئ عمر من قتله، فكره الله أن يسن ذلك بعد، فأنزل ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٦٦] الآية (^١)، وكذا رواه ابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود به، وهو أثر غريب مرسل، وابن لهيعة ضعيف.
(طريق أخرى) قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم في تفسيره: حدثنا شعيب بن شعيب، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عتبة بن ضمرة، حدثني أبي أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ فقضى للمحق على المبطل، فقال المقضي عليه: لا أرضى، فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي بكر الصديق، فذهبا إليه، فقال الذي قضي له: قد اختصمنا إلى النبي ﷺ، فقضى لي، فقال أبو بكر: أنتما على ما قضى به رسول الله ﷺ، فأبى صاحبه أن يرضى فقال: نأتي عمر بن الخطاب، فقال المقضي له: قد اختصمنا إلى النبي ﷺ، فقضى لي عليه، فأبى أن يرضى، فسأله عمر بن الخطاب فقال كذلك، فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده قد سله، فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى فقتله، فأنزل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ …﴾ إلى آخر الآية (^٢).
﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾.
يخبر تعالى عن أكثر الناس أنهم لو أمروا بما هم مرتكبونه من المناهي لما فعلوه، لأن طباعهم الرديئة مجبولة على مخالفة الأمر، وهذا من علمه ﵎ بما لم يكن أو كان، فكيف كان يكون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾.
قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثني إسحاق، حدثنا أبو الأزهر، عن إسماعيل، عن أبي
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده معضل لأن أبا الأسود لم يلق أحدًا من الصحابة فهو تابع تابعي.
(٢) سنده مرسل لأن ضمرة تابعي.
[ ٣ / ١٥٥ ]
إسحاق [السبيعي] (^١)، قال: لما نزلت ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال: "إن من أمتي لرجالًا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي" (^٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن منير، حدثنا روح، حدثنا هشام، عن الحسن قال: لما نزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ …﴾ الآية، قال أناس من أصحاب النبي ﷺ: لو فعل ربنا لفعلنا، فبلغ النبي ﷺ، فقال: "للإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي" (^٣).
وقال السدي: افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا القتل فقتلنا أنفسنا، فقال ثابت: والله لو كتب علينا ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لفعلنا، فأنزل الله هذه الآية. رواه ابن أبي حاتم (^٤) وقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا بشر بن السري، حدثنا مصعب بن ثابت، عن عمه عامر بن عبد الله بن الزبير قال: لما نزلت ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قال أبو بكر: يا رسول الله والله لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت. قال: "صدقت يا أبا بكر" (^٥)، وحدثنا أبي، ثنا محمد بن أبي عمر العدني قال: سئل سفيان عن قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قال: قال رسول الله ﷺ: "لو نزلت لكان ابن أُم عبد منهم" (^٦).
وحدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد، قال: لما تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ أشار رسول الله ﷺ بيده إلى عبد الله بن رواحة، فقال: "لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل" يعني: ابن رواحة (^٧)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به وتركوا ما ينهون عنه ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: من مخالفة الأمر وارتكاب النهي ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾.
قال السدي: أي: وأشد تصديقًا (^٨)
﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة
﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾ أي: في الدنيا والآخرة،
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ أي: من عمل بما أمره الله به وترك ما نهاه الله عنه ورسوله فإن الله ﷿ يسكنه دار كرامته
_________________
(١) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: "الشعيبي" وهو تصحيف.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ويتقوى بالمرسل التالي.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن مرسل.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده حسن لكنه مرسل.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن مصعب بن ثابت لين الحديث كما في التقريب، وعامر لم يدرك أبا بكر الصديق.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن لكنه مرسل.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومته، وسنده حسن لكنه مرسل لأن شريح بن عبيد تابعي.
(٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
[ ٣ / ١٥٦ ]
ويجعله مرافقًا للأنبياء ثم لمن بعدهم في الرتبة وهم الصديقون، ثم الشهداء والصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم، ثم أثنى عليهم تعالى فقال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾.
وقال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله بن حوشب، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من نبي يمرض إِلا خير بين الدنيا والآخرة" وكان في شكواه التي قبض فيها أخذته بحة شديدة فسمعته يقول: "مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين" فعلمت أنه خُيّر (^١). وكذا رواه مسلم من حديث شعبة عن سعد بن إِبراهيم به (^٢). وهذا معنى قوله ﷺ في الحديث الآخر: "اللهم الرفيق الأعلى" ثلاثًا ثم قضى (^٣).