حدثنا (^٢) عبد الله بن يوسف، أنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت".
هكذا رواه مسلم والنسائي من حديث مالك به.
وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "مثل القرآن إذا عاهد عليه صاحبه فقرأه بالليل والنهار كمثل رجل له إبل، فإن عقلها حفظها وإن أطلق عقالها ذهبت، فكذلك صاحب القرآن".
أخرجاه، قاله ابن الجوزي في "جامع المسانيد" وإنما هو من أفراد مسلم من حديث عبد الرزاق به.
حدثنا (^٤) محمد بن عرعرة، حدّثنا شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال النبي ﷺ: "بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت بل نسي، واستذكروا القرآن فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم".
تابعه (^٤) بشر هو ابن محمد السختياني، عن ابن المبارك، عن شعبة.
_________________
(١) يعني: أولًا؛ لأنه سيذكر وجهًا آخر بعده.
(٢) البخاري في "فضائل القرآن" (٩/ ٧٩)؛ وأخرجه أيضًا مسلم (٧٨٩/ ٢٢٦، ٢٢٧)؛ ومالك (١/ ٢٠٢/ ٦)؛ والنسائي (٢/ ١٥٤)؛ وفي "فضائل القرآن" (٦٦، ٦٨)؛ وابن ماجه (٣٧٨٣)؛ وأحمد (٢/ ١٧، ٢٣، ٢٦، ٣٠، ٦٤، ١١٢) وغيرهم من طريق نافع، عن ابن عمر مرفوعًا.
(٣) في "المسند" (٢/ ٣٥، ٣٦)؛ وأخرجه عبد الرزاق (ج ٣/ رقم ٥٩٧١)؛ ومسلم؛ وابن ماجه (٣٧٨٣) عن معمر بسنده سواء.
(٤) البخاري في "فضائل القرآن" (٩/ ٧٩، ٨٠)، وأخرجه مسلم (٧٩٠/ ٢٢٨ - ٢٣٠).
[ ١ / ٩٨ ]
وقد رواه الترمذي، عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة به، وقال: حسن صحيح.
وأخرجه النسائي من رواية شعبة.
وحدثنا (^١) عثمان (حدّثنا) (^٢) جرير، عن منصور مثله.
وتابعه (^٣) ابن جريج، عن عبدة، عن شقيق قال: سمعت عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ. وهكذا أسنده مسلم من حديث ابن جريج به.
ورواه النسائي في "اليوم والليلة" من حديث محمد بن جحادة، عن عبدة وهو ابن أبي لبابة به.
وهكذا رواه مسلم، عن عثمان وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم، عن جرير به.
وستأتي رواية البخاري له عن أبي نعيم، عن سفيان الثوري، عن منصور به.
والنسائي من رواية ابن عيينة، عن منصور به.
فقد رواه هؤلاء عن منصور به مرفوعًا في رواية هؤلاء كلهم.
وقد رواه النسائي (^٤) عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله موقوفًا.
وهذا غريب.
وفي "مسند أبي يعلى" (^٥) "فإنما هو نسي" بالتخفيف.
حدثنا (^٦) محمد بن العلاء، حدثنا أبو أُسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده (لهو) (^٧) أشد تفصيًا من الإبل في عقلها".
وهكذا رواه مسلم، عن أبي كريب محمد بن العلاء وعبد الله بن براد الأشعري، كلاهما عن أبي أسامة حماد بن أسامة به.
وقال الإمام أحمد (^٨): حدثنا علي بن إسحاق، أنا عبد الله بن المبارك، حدّثنا موسى بن
_________________
(١) البخاري في "فضائل القرآن" (٩/ ٧٩، ٨٠)، وأخرجه مسلم (٧٩٠/ ٢٢٨ - ٢٣٠).
(٢) في (أ): "ابن"!!
(٣) في "اليوم والليلة" (٧٢٨) وقد خولف قتيبة، خالفه عفان بن مسلم فرواه عن حماد بن زيد بسنده سواء مرفوعًا بأتم منه. أخرجه أحمد (١/ ٤٦٣) ولا تعل إحدى الروايتين الأخرى لثقة الذين رووا الوجهين فكأن ابن مسعود كان يرفعه مرة، ويحكيه من قبل نفسه أخرى. والله أعلم.
(٤) في "المسند" (ج ٩/ رقم ٥١٣٦)؛ وعزاه الحافظ في "الفتح" (٩/ ٨٠)؛ لابن أبي داود في "كتاب الشريعة" قال: "بخط موثوق به، على كل سين علامة التخفيف.
(٥) ذكره البخاري في "الفضائل" (٩/ ٧٩)؛ ووصله مسلم (٧٩٠/ ٢٣٠).
(٦) البخاري في "الفضائل" (٩/ ٩٧)؛ وأخرجه مسلم (٧٩١/ ٢٣١).
(٧) في (ج): "هو".
(٨) في "مسنده" (٤/ ١٤٦). =
[ ١ / ٩٩ ]
علي، سمعت أبي يقول: سمعت عقبة بن عامر يقول: قال رسول الله ﷺ: "تعلموا كتاب الله وتعاهدوه وتغنوا به، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من المخاض في العقل".
ومضمون هذه الأحاديث الترغيب في كثرة تلاوة القرآن واستذكاره وتعاهده لئلا يعرضه حافظه للنسيان، فإن ذلك خطأ كبير نسأل الله العافية منه.
فإنه قال الإمام أحمد (^١): حدثنا خلف بن الوليد، حدّثنا خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن رجل، عن سعد بن عبادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولًا لا يفكه من ذلك الغل إلا العدل (وما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلا لقي الله يوم يلقاه، وهو أجذم) " (^٢).
وهكذا رواه جرير بن (^٣) عبد الحميد ومحمد (^٤) بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، كما رواه خالد بن عبد الله.
وقد أخرجه أبو داود (^٥)، عن محمد بن العلاء، عن (ابن إدريس) (^٦)، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن سعد بن عبادة، عن النبي ﷺ بقصة نسيان القرآن، ولم يذكر الرجل المبهم.
وكذا رواه أبو بكر بن عياش، عن يزيد بن أبي زياد، وقد رواه شعبة، عن زيد، فوهم (^٧) في إسناده.
ورواه وكيع، عن أصحابه، عن يزيد (عن) (^٨) عيسى بن فائد، عن النبي ﷺ، مرسلًا.
وقد رواه الإمام (^٩) أحمد في "مسند عبادة بن الصامت" فقال: حدثنا عبد الصمد، حدّثنا عبد العزيز بن مسلم، حدّثنا يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن عبادة بن الصامت قال:
_________________
(١) = وأخرجه النسائي في "الفضائل" (٦٠)؛ والدارمي (٢/ ٣١٦)؛ وابن نصر في "قيام الليل" (ص ١٤٠)؛ وابن حبان (١٧٨٨)؛ والفريابي في "فضائل القرآن" (١٦٢، ١٦٣)؛ وابن أبي شيبة (٢/ ٥٠٠ و١٠/ ٤٧٧)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ١٧/ رقم ٨٠١)؛ والبيهقي في "الشعب" (١٨١٥) وسنده صحيح.
(٢) في "المسند" (٥/ ٣٨٥)؛ وأخرجه الحربي في "الغريب" (٢/ ٤٢٨)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٦/ رقم ٥٣٨٩، ٥٣٩٢)؛ والبيهقي في "الشعب" (ج ٤/ رقم ١٨١٨) من طريق خالد بن عبد الله الطحان بسنده سواء وهذا سند ضعيف جدًا، ويزيد بن أبي زياد ضعيف، وعيسى بن فائد مجهول ثم جهالة شيخه أيضًا ثم الاضطراب في إسناده، وقد فصلت كل ذلك في "التسلية" ولكن للشطر الأول بعض الشواهد تصححه، منها حديث أبي أمامة، قواه شيخنا أبو عبد الرحمن الألباني، حفظه الله، في "الصحيحة" (٣٤٩) فراجعه.
(٣) ساقط من (أ).
(٤) أخرجه أبو عبيد في "الفضائل" (ص ١٠٣، ١٠٤) قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد عمن سمع سعد بن عبادة فذكره.
(٥) أما طريق محمد بن فضيل فأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٧٨ و١٢/ ٢١٩)؛ والبزار (ج ٢/ رقم ١٦٤٢)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٦/ رقم ٥٣٨٨، ٥٣٩١).
(٦) في "سننه" (١٤٧٤) ومن طريقه الخطيب في "الجامع" (١/ ١١٠).
(٧) في (ج): "ابن أبي إدريس"!!
(٨) راجع "تحفة الأشراف" (٣/ ٢٧٤) للمزي.
(٩) في (أ): "ابن"!!
(١٠) في "مسنده" (٥/ ٣٢٣).
[ ١ / ١٠٠ ]
قال رسول الله ﷺ: "ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولًا لا يفكه منها إلَّا عدله، وما من رجل تعلم القرآن ثم نسيه إلا لقي الله يوم القيامة أجذم".
وكذا رواه أبو عوانة، عن يزيد بن أبي زياد.
ففيه اختلاف لكن هذا في باب الترهيب مقبول (^١)، والله أعلم.
لا سيما إن كان له شاهد من وجه آخر، كما:
قال أبو عبيد (^٢): حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: حدثت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة والبعرة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبًا أكبر من آية أو سورة من كتاب الله أوتيها رجل فنسيها".
قال ابن (^٣) جريج: وحدثت عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ: "من أكبر (ذنب) (^٤) توافي به أمتي يوم القيامة سورة من كتاب الله كانت مع أحدهم فنسيها".
وقد روى أبو داود والترمذي وأبو يعلى والبزار وغيرهم من حديث ابن أبي رواد، عن ابن جريج، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها".
قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وذاكرت به البخاري فاستغربه.
_________________
(١) في هذا القول نظر، فلا يثبت وعيد إلا بنص صحيح، وقد قدمنا أن إسناد الحديث ضعيف جدًا للضعف والجهالة والاضطراب، نعم قد يستفاد الوعيد من ظاهر نصوص أخرى كما يأتي.
(٢) في "فضائل القرآن" (ص ١٠٣) وسنده ضعيف معضل أو منقطع؛ ولكن أخرجه أبو داود (٤٦١)؛ والترمذي (٢٩١٦)؛ وابن خزيمة (ج ٢/ رقم ١٢٩٧)؛ وأبو يعلى (ج ٧/ رقم ٤٢٦٥)؛ والبيهقي في "الشعب" (١٨١٤)؛ وفي "الكبرى" (٢/ ٤٤٠)؛ والخطيب في "الجامع" (١/ ١٠٩)؛ والبغوي في "شرح السنة" (٢/ ٣٦٤)؛ وابن الجوزي في "الواهيات" (١/ ١٠٩) من طريق عبد المجيد بن أبي رواد، عن ابن جريج، عن المطلب بن عبد الله عن أنس. وقال الترمذي: "غريب" واستغربه البخاري أيضًا وأعله بالانقطاع بين المطلب وأنس، وأعله الدارقطني بالانقطاع بين ابن جريج والمطلب. وقد اختلف فيه على عبد المجيد بن أبي رواد، وعلى ابن جريج كما ذكرته في "التسلية"، وأقوى الوجوه عندي ما رواه عبد الرزاق (ج ٣/ رقم ٥٩٧٧) وعنه الطبراني والخطيب في "الجامع" (١/ ١٠٨) عن ابن جريج، عن رجل عن أنس. والحديث على أي وجه كان لا يصح والله أعلم.
(٣) في "فضائل القرآن" (ص ١٠٣) وسنده ضعيف معضل أو منقطع؛ ولكن أخرجه أبو داود (٤٦١)؛ والترمذي (٢٩١٦)؛ وابن خزيمة (ج ٢/ رقم ١٢٩٧)؛ وأبو يعلى (ج ٧/ رقم ٤٢٦٥)؛ والبيهقي في "الشعب" (١٨١٤)، وفي "الكبرى" (٢/ ٤٤٠)؛ والخطيب في "الجامع" (١/ ١٠٩)؛ والبغوي في "شرح السنة" (٢/ ٣٦٤)؛ وابن الجوزي في "الواهيات" (١/ ١٠٩) من طريق عبد المجيد بن أبي رواد، عن ابن جريج، عن المطلب بن عبد الله عن أنس. وقال الترمذي: "غريب" واستغربه البخاري أيضًا وأعله بالانقطاع بين المطلب وأنس، وأعله الدارقطني بالانقطاع بين ابن جريج والمطلب. وقد اختلف فيه على عبد المجيد بن أبي رواد، وعلى ابن جريج كما ذكرته في "التسلية"، وأقوى الوجوه عندي ما رواه عبد الرزاق (ج ٣/ رقم ٥٩٧٧) وعنه الطبراني والخطيب في "الجامع" (١/ ١٠٨) عن ابن جريج، عن رجل عن أنس. والحديث على أي وجه كان لا يصح والله أعلم.
(٤) في (أ): "ذنوب".
[ ١ / ١٠١ ]
وحكى البخاري، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أنه أنكر سماع المطلب من أنس بن مالك.
(قلت): وقد رواه محمد بن يزيد الأدمي، عن ابن أبي رواد، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس، عن النبي ﷺ به، فالله أعلم.
وقد أدخل بعض المفسرين هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه].
وهذا الذي قاله هذا وإن لم يكن هو المراد جميعه فهو بعضه، فإن الإعراض عن تلاوة القرآن وتعريضه للنسيان وعدم الاعتناء به فيه تهاون كبير وتفريط شديد نعوذ بالله منه.
ولهذا قال ﵇: "تعاهدوا القرآن" وفي لفظ: "استذكروا القرآن، فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم".
التفصي: التخلص، يقال: تفصى فلان من البلية إذا تخلص منها، ومنه: تفصى النوى من الثمرة إذا تخلص منها؛ أي: إن القرآن أشد تفلتًا من الصدور من النعم إذا أرسلت من غير عقال.
وقال أبو عبيد (^١): حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله - يعني: ابن مسعود - إني لأمقت القارئ أن أراه سمينًا نسيًّا للقرآن.
وحدثنا (^٢) عبد الله بن المبارك، عن عبد العزيز بن أبي روَّاد قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: ما من أحد تعلم القرآن (ثم) (^٣) نسيه إلا بذنب يحدثه؛ لأنه الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب.
ولهذا قال إسحاق بن راهويه وغيره: يكره للرجل أن يمر عليه أربعون يومًا لا يقرأ فيها القرآن، كما أنه يكره له أن يقرأه في أقل من ثلاثة أيام، كما سيأتي هذا حيث يذكره البخاري بعد هذا، وكان الأليق أن يتبعه هذا الباب، ولكن ذكر بعد هذا قوله: