حدثنا (^٥) عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، حدثنا سعيد المقبري عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطى ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة".
ورواه أيضًا في "الاعتصام" عن عبد العزيز بن عبد الله. ومسلمٌ والنسائيُّ، عن قتيبة جميعًا عن الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه واسمه كيسان المقبري به.
وفي هذا الحديث فضيلةٌ عظيمةٌ للقرآنِ المجيدِ على كُلِّ معجزةٍ أُعطيها نبيٌّ من الأنبياءِ وعلى كلِّ كتابٍ أنزلَهُ.
وذلكَ أنَّ مَعْنَى الحديثِ: "مَا مِنْ نبَّي إلَّا أُعْطِيَ -؛ أَيْ: مِنَ المعجزاتِ- ما آمنَ عليه البَشَرُ"؛ أي: ما كان دَليلًا على تصديقِهِ فيما جاءَهُم به واتَّبعَهُ مَنِ اتَبَعَهُ من البَشَر، ثم لما مات الأنبياءُ لم تبقَ لهم معجزةٌ بعدهم إلا ما يحكيه أتباعُهُم عما شاهدوهُ في زمانِهِ.
وأما الرسولُ الخاتَمُ للرسالةِ محمدٌ ﷺ فَإِنَّما كان معظمُ ما آتاهُ الله وَحْيًا منه إليهِ منقُوْلًا إلى النَّاس بالتواتُرِ، ففي كلِّ حينٍ هو كما أُنزِلَ. فلهذا قَالَ: "فَأَرجُو أنْ أكُوْنَ أَكْثَرَهُمُ تَابِعًا" وكذلك وَقَعَ. فإنَّ أتباعَهُ أكثرُ من أتباعِ الأَنْبياء لعمومِ رسالتِهِ، ودوامِها إلى قيام السَّاعة واستمرارِ معجزتِهِ. ولهذَا قال الله (تبارك و) (^٦) تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء].
_________________
(١) في (أ): "صلى الله وسلم عليهما".
(٢) في (أ): "كان كثيرًا".
(٣) في (أ): "يأتي".
(٤) في (أ): "على صورة دحية".
(٥) القائل هو البخاري، رحمه الله تعالى، في "صحيحه" (٩/ ٣ - فتح). وأخرجه أيضًا "كتاب الاعتصام" (١٣/ ٢٤٧)؛ ومسلم (١٥٢/ ٢٣٩)؛ والنسائي في "التفسير" (١٤٩)؛ وفي "فضائل القرآن" (٢)؛ وأحمد (٢/ ٣٤١، ٤٥١)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (١٠/ ٢٣٣)؛ والبيهقي في "الكبرى" (٩/ ٤)؛ وفي "الدلائل" (٧/ ١٢٩)؛ والبغوي في "شرح السنة" (١٣/ ١٩٥، ١٩٦) من طرق عن الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا. قال أبو نعيم: "صحيح ثابت".
(٦) من (ج).
[ ١ / ٢٣ ]
ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود] ثم تحداهم إلى أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس] وقصر التحدي على هذا المقام في السور المكية. كما ذكرنا في المدينة أيضًا، كما في سورة البقرة حيث يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [البقرة] وأخبر أنهم عاجزون عن معارضته بمثله وأنهم لا يفعلون ذلك في المستقبل أيضًا.
هذا وهم أفصحُ الخلقِ وأعلمهُمُ بالبلاغة والشعر (وقريظ) (^١) الكلامِ وضُرُوبِهِ، لكن جاءهم من الله ما لا قبل لأحدٍ من البشر به من الكلام الفصيحِ البليغِ الوجيزِ المحتوى على العلومِ الكثيرةِ الصحيحة النَّافِعَةِ، والأخبارِ الصَّادقة، عن الغيوب الماضية والآتية، والأحكامِ العادلة المحكمةِ، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].
وقال الإمامُ أحمدُ بنُ حَنْبلٍ (^٢): حدثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدّثنا أبي، حدّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ قال: ذكر محمدُ بنُ كعب القُرَظِيُّ عن الحارثِ بن عبد الله الأعور قال: قلت: لآتينَّ أميرَ المؤمنين فَلَأسألنَّه عمَّا سمعتُ العشيَّةَ، قال: فجئتُهُ بعد العشاء فدخلتُ عليه، فذكرَ الحديثَ. قال: ثم قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "أَتَانِي جِبريلُ فقال: يا محمدُ أُمَّتُكَ مختلفةٌ بعدكَ -قال:- فقلت له: فأينَ المخرجُ يا جبريلُ؟ -قال:- فقال: (كتاب الله) (^٣)، به يقصِمُ الله كلَّ جبَّارٍ، من اعتَصَمَ به نَجَا، ومن تركَهُ هَلَكَ -مَرَّتينِ- قولٌ فَصْلٌ، وليس بالهَزْلِ، لا تخلُقُه الألسنُ، ولا تفنى عجائبُهُ، فيه نبأُ ما كان قبلكم، وفصلُ ما بينكم، وخبرُ ما هو كائنٌ بعدكم". هَكَذَا رواهُ الإمامُ أحمدُ.
وقد قَالَ أبو عيسى التّرمِذِيُّ (^٤): حدثنا عبدُ بنُ حُمَيدٍ، حدَّثَنا حسينُ بنُ عليٍّ الجُعِفيُّ، حدّثنا
_________________
(١) في (أ): "قريض" وهما بمعنىً.
(٢) أخرجه أحمد في "المسند" (١/ ٩١) ومن طريقه ابن بشران في "الأمالي" (ج ١/ ق ٦/ ٢) بسنده سواء. وهذا سند ضعيف جدًا، وابن إسحاق مدلس، وقد استخدم ما يدل على التدليس قطعًا، لكنه متابع كما يأتي. والحارث الأعور واهي الحديث.
(٣) في (أ): "في كتاب الله"؛ وحرف الجر مقحم، ليس في "الأصول" ولا في "المسند".
(٤) في "سننه" (٢٩٠٦). وأخرجه الدارمي (٢/ ٣١٢، ٣١٣)؛ وإسحاق بن راهويه في "مسنده"، كما في "النكت الظراف" (٧/ ٣٥٧)، وعنه ابن نصر في "قيام الليل" (ص ٧٥)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٨٢)؛ وأبو طاهر المخلص في "الفوائد" (ج ٩/ ق ٢٠٤/ ١، ٢)؛ وابن الأنباري في "الوقف والابتداء" (ق ٢/ ١، ٢)؛ والبيهقي في "الشعب" (ج ٤/ رقم ١٧٨٨)؛ والبغوي في "شرح السنة" (٤/ ٤٣٧، ٤٣٨)؛ والشجري في "الأمالي" (١/ ٩١) من طريق حمزة بن حبيب الزيات، عن أبي المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث، عن علي فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول وفي حديث الحارث مقال". اهـ. * قلت: وهذا سند ضعيف جدًا. والحارث الأعور متروك الحديث.
[ ١ / ٢٤ ]
حمزةُ الزَّيَّاتُ عن أبي المختار الطَّائي، عن ابنِ أخي الحارثِ الأعورِ، عن الحارثِ الأعورِ قال: مررتُ في المسجد فإذا النَّاسُ يخوضون في الأحاديثِ، فدخلتُ على عَليٍّ فقلتُ: يا أمير المؤمنين ألا ترى الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: (وقد) (^١) فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إني قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنها ستكون فتنة" فقلت: ما المخرجُ منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبرُ ما بعدكم، وحكمُ ما بينكم، هو الفصلُ، ليس بالهزل، من تركه من جبارٍ قصمهُ الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلَّهُ الله. وهو حبلُ الله المتينُ، وهو الذكرُ الحكيمُ، وهو الصراطُ المستقيمُ، هو الذي لا تزيغُ به الأهواءُ، ولا تلتبسُ به الألسِنَةُ، ولا يشبَعُ منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١، ٢] من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم" خذها إليك يا أعور. ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات وإسناده مجهول، وفي حديث الحارث مقال.
(قُلْتُ) لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات بل قد رواه محمدُ بنُ إسحَاقَ، عن محمد بن كعب القُرظي، عن الحارث الأعور فبرئ حمزةُ من عهدته. على أَنَّهُ وإن كان ضعيف الحديث (إلَّا أنه) (^٢) إمام في القراءة. والحديثُ مشهورٌ من رواية الحارث الأعور، وقد تكلموا فيه بل (قد) (^٣) كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده، أما أنه (يتعمد) (^٤) الكذب في الحديث فلا، والله أعلم.
وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين عليَّ ﵁، وقد وهم بعضُهم في رفعه، وهو كلام حسن (^٥) صحيح على أنه قد روي له شاهد عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ.
قال الإمام العلم أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ في كتابه "فَضَائلُ (^٦) القُرْآنِ": حدثنا أبو اليقظان، حَدَّثنا عمار بن محمد الثوري أو غيره عن إسحاق الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إن هذا القرآن مأدبةُ الله فتعلَّموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمةٌ لمن تمسك به، ونجاةٌ لمن
_________________
(١) كذا في (ح) و(ل) و"الترمذي". وفي (أ) و(ط): "أو قد".
(٢) في (أ): "فإنه".
(٣) ساقط من (ج).
(٤) في (أ): "تعمد".
(٥) يقصد: معناه، لا ثبوته.
(٦) "الفضائل" (ص ٢١). وأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٨٢، ٤٨٣) وعند ابن شاهين في "الترغيب" (٢٠١)؛ وابن الضريس في "فضائل القرآن" (٥٨) مختصرًا، وابن حبان في "المجروحين" (١/ ١٠٠)، وابن نصر في "قيام الليل" (٧٠)؛ والحاكم (١/ ٥٥٥)؛ وأبو بكر الكلاباذي في "معاني الأخبار" (ق ٢٠٩/ ٢ - ٢٣٨/ ١)؛ والبيهقي في "الشعب" (ج ٤/ رقم ١٧٨٦)؛ وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ٢٧٨)؛ والخطيب في "الجامع" (١/ ١٠٧)؛ وابن الجوزي في "الواهيات" (١/ ١٠١)؛ والشجري في "الأمالي" (١/ ٨٤) من طرقٍ عن إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي الأحوص عن ابن مسعود مرفوعًا. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٣٣٧) لابن الأنباري في "المصاحف" ولا يصح كما يأتي ذكره.
[ ١ / ٢٥ ]
(تبعه) (^١)، لا يَعْوَجُّ فيقوَّمُ، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلَقُ عن كثرة الرَّدِّ، فاتْلُوهُ، فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا (أقول) (^٢): ألم (حرف) (^٣)، ولكن ألف عشر ولام عشر وميم عشر".
وهذا غريب (^٤) من هذا الوجه، ورواه محمد بن فضيل عن أبي إسحاق الهجري، واسمه إبراهيم بن مسلم وهو أحد التابعين، ولكن تكلموا فيه كثيرًا، وقال أبو حاتم الرازي: لين ليس (بقوي) (^٥). وقال أبو الفتح الأزدي: رفَّاعٌ كثيرُ الوَهَم.
(قلت): فيُحتملُ -والله أعلم- أن يكون وهم في رفع هذا الحديث، وإنما هو من كلام ابن مسعود، ولكن له شاهد من وجه آخر، والله أعلم.
وقال أبو عبيد (^٦) أيضًا: حدثنا حجَّاجٌ، عن إسرائيلَ، عن أَبي إسحَاقَ، عن عبدِ الله بنِ يزيدَ، عن عبدِ الله بنِ مسعُودٍ قال: لا يَسْأَلُ عَبْدٌ عن نَفْسِهِ إلا القُرْآنَ، فإِنْ كَانَ يحبُّ القرآنَ فإنَّه يحبُّ اللهَ ورسولَهُ.