حدثنا (^١) أبو نعيم، حدَّثَنا سفيان، عن الأسود بن قيس قال: سمعت جُنْدَبًا يقول: اشتكى (النبي) (^٢) ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأةٌ فقالت: يا محمَّدُ ما أرى شيطانك إلا تركك، فأنزل الله تعالى ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى].
وقد رواهُ البُخَاريُّ في "غيْرِ موضع" (^٣) -أيضًا- ومسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسَائِيُّ من طرقٍ أُخَرَ عن سفيانَ وهو الثَّوريُّ وشعبةَ بْنِ الحجَّاجِ، كلاهُمَا عن الأسودِ بنِ قَيْسٍ العَبْديِّ، عن جُنْدَب بنِ عبدِ الله البجليِّ به. (وسيأتي) (^٤) الكلامُ على هَذَا الحديثِ في تفسير سورة الضحىَ (إنْ شاء اللهُ) (^٥).
والمناسبة في ذكر هذا الحديث والذي قبله في فضائل القرآن أن الله تعالى له برسوله عناية عظيمة ومحبة شديدة، حيث جعل الوحي متتابعًا عليه ولم يقطعه عنه، ولهذا إنما أنزل عليه القرآن مفرقًا ليكون ذلك أبلغ في العناية والإكرام.
قال البخاري ﵀ (^٦): نزل القرآن بلسان قريش والعرب ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء].
حدثنا أبو اليمان، حَدَّثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني أنس بن مالك قال: فأمر عثمانُ بْنُ عفان زيدَ بْنَ ثابتٍ وسعيدَ بْنَ العاص وعبدَ الله بْنَ الزُّبير وعبْدَ الله بْنَ الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن نزل بلسانهم، ففعلوا.
هذا الحديث قطعةٌ (^٧) من حديث سيأتي قريبًا الكلام عليه، ومقصودُ البُخاريِّ منه ظاهرٌ، وهو أنَّ القرآنَ نَزَلَ بلُغَةِ قريشٍ، وقريشٌ خلاصةُ العرب.
ولهذا قال أبو بكر بن أبي داود (^٨): حدثنا عبد الله بن محمد بن خلاد، ثنا يزيد، ثنا شيبان
_________________
(١) قائل هذا هو البخاري ﵀ في "الفضائل" (٩/ ٣ - فتح).
(٢) في (أ): "رسول الله".
(٣) من "صحيحه" في "التهجد" (٣/ ٨) وفي "التفسير" (٨/ ١٧٠، ١٧١). وأخرجه مسلم (١٧٩٧/ ١١٤، ١١٥)، من حديث عن جندب بن عبد الله فذكره.
(٤) في (أ): "وقد تقدم" وهذا بناءً على ما قدمناه أن "الفضائل" كانت في آخر التفسير ثم قدمها الحافظ المصنف ﵀.
(٥) من (ج) و(ط) و(ل).
(٦) في "الصحيح" هنا كلمة "باب"، وجرى المصنف على إغفالها.
(٧) يأتي تخريجه في "جمع القرآن" إن شاء الله تعالى.
(٨) في "المصاحف" (ص ١١) وإسناده صحيح كما قال المصنف ﵀. وأخرجه ابن أبي داود أيضًا قال: حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت عبد الملك بن عمير يحدث عن عبد الله بن المغفل، عن عمر بن الخطاب مثله. وسنده صحيح أيضًا.
[ ١ / ٢٧ ]
(عن) (^١) عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لا يمليَّن في مصاحفنا هذه إلا غلمانُ قريش أو غلمانُ ثقيف.
وَهَذا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ.
وقال أيضًا (^٢): حدثنا إسماعيل بن أسد، حدثنا هوذة، حدّثنا عوف، عن عبد الله بن فضالة قال: لما أراد عمر أن يكتب الإمام أقعد له نفرًا من أصحابه وقال: إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مضر، فإن القرآن نزل بلغة رجل من مضر ﷺ وقد قال الله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾ [الزمر] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء] وقال تعالى: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ الآية [فصلت: ٤٤] إلى غير ذلك من الآيات الدّالَّة على ذلك.
ثم ذكر البخاري (^٣) ﵀ حديث يعلى بن أمية أنه كان يقول: لَيْتَني أَرَى رسولَ الله- ﷺ حين يَنْزِلُ عليه الوحيُ، فذكر الحديث (في) (^٤) الذي سَأَلَ عمَّن أحرَمَ بعُمْرةٍ وهُوَ متضمخ بطِيْبٍ وعليه جُبَّةٌ، قال: فَنَظَر رسولُ الله ساعةً ثم (فَجِئَهُ) (^٥) الوحيُ فأشار عمرُ إلى يَعْلَى -أي: تعال- فجاء يعلى فأدخَل رأسهُ فإذا هو مُحمَرُّ الوَجْهِ يَغُطُّ كذلك ساعةً، ثم سُرِّي عنه فقال: "أَيْنَ الَّذِي سَأَلَني عَنِ العُمْرَةِ آنِفًا؟ " فَذَكَرَ أَمْرَهُ بِنَزْع الجُبَّةِ وَغَسْلِ الطِّيْبِ.
وَهَذَا الحَديثُ رواهُ جماعة من طرقٍ عديدةٍ، والكلامُ عَلَيْهِ في "كِتَاب الحَجِّ"، ولا تظهرُ مُنَاسبة (^٦) ما بينَهُ وبينَ هذه التَّرجَمَةِ، ولا يكادُ، ولو ذُكِرَ في التَّرجَمَةِ التَي قبلَهَا لكانَ أَظْهرَ وَأَبْيَنَ، واللهُ أعلَمُ.
_________________
(١) في (أ): "ابن" وهو تصحيف.
(٢) يعني: ابن أبي داود في "المصاحف" (ص ١١) وسنده صحيح.
(٣) ويأتي تخريجه عند الآية (١٩٦) من سورة البقرة إن شاء الله تعالى.
(٤) ساقط من (ج).
(٥) في (ج): "جاءه".
(٦) وصدق يرحمه الله. قال الحافظ في "الفتح" (٩/ ١٠). "وقد خفى وجه دخوله في هذا الباب على كثير من الأئمة حتى قال ابن كثير في "تفسيره": ذكر هذا الحديث في الترجمة التي قبلها أظهر وأبين، فلعل ذلك وقع من بعض النساخ. وقيل: بل أشار المصنف بذلك إلى أن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] لا يستلزم أن يكون النبي ﷺ أرسل بلسان قريش فقط لكونه منهم، بل أرسل بلسان جميع العرب؛ لأنه أرسل إليهم كلهم بدليل أنه خاطب الأعرابي الذي سأله بما يفهمه بعد أن نزل الوحي عليه بجواب مسألته، فدل على أن الوحي كان ينزل عليه بما يفهمه السائل من العرب قرشيًا كان أو غير قرشي، والوحي أعم من أن يكون قرآنا يتلى أو لا يُتلى. قال ابن بطال: مناسبة الحديث للترجمة أن الوحي كله متلوًا كان أو غير متلو إنما نزل بلسان العرب، ولا يرد على هذا كونه ﷺ بعث إلى الناس كافة عربًا وعجمًا وغيرهم؛ لأن اللسان الذي نزل عليه به الوحي عربي، وهو يبلغه إلى طوائف العرب وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم، ولذا قال ابن المنير: كان إدخال هذا الحديث في الباب الذي قبله أليق، لكن لعله قصد التنبيه على أن الوحي بالقرآن والسنة كان على صفة واحدة ولسان واحد". اهـ.
[ ١ / ٢٨ ]