حدثنا (^٢) حفص بن عمر، حدّثنا شعبة، عن عمرو، عن إبراهيم، عن مسروق ذكر عبد الله بن عمرو عبد الله بن مسعود فقال: لا أزال أحبه، سمعت النبي ﷺ يقول: "خذوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب ﵃".
وقد أخرجه (^٣) البخاري في "المناقب" في غير موضع، ومسلم والنسائي من حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق به.
فهؤلاء أربعة: اثنان من المهاجرين الأولين: عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة، وقد كان سالم هذا من سادات المسلمين، وكان يؤم الناس قبل مقدم النبي ﷺ (في) (^٤) المدينة، واثنان من الأنصار: معاذ بن جبل وأُبي بن كعب، وهما سيدان كبيران ﵃ أجمعين.
ثم قال (^٥): حدثنا عمر بن حفص، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، حدّثنا شقيق بن سلمة قال: خطبنا عبد الله فقال: والله لقد أخذت من فِي رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبي ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم. قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون فما سمعت رادًا يقول غير ذلك.
_________________
(١) ساقط من (أ) و(ط) و(ل) وهي زيادة قلقة، وإن كان لها وجه في الكلام.
(٢) البخاري في "فضائل القرآن" (٩/ ٦٤).
(٣) أخرجه البخاري (٧/ ١٠٢)؛ ومسلم (٢٤٦٤/ ١١٦، ١١٧).
(٤) ساقط من (أ).
(٥) البخاري في "الفضائل" (٩/ ٤٦، ٤٧). وأخرجه مسلم (٢٤٦٢/ ١١٤)؛ والنسائي (٨/ ١٣٤) وفي "الفضائل" (٢٢)؛ وأحمد (١/ ٤١١)؛ وابن أبي داود في "المصاحف" (ص ١٥) من طرق عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود وتقدم طرق أخرى لهذا الحديث.
[ ١ / ٧٢ ]
حدثنا (^١) محمد بن كثير، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنا بحمص فقرأ ابن مسعود سورة يوسف فقال رجل: ما هكذا أنزلت، فقال: قرأت على رسول الله ﷺ فقال: "أحسن" ووجد منه ريح الخمر، فقال: أتجترئ أن تكذب بكتاب الله وتشرب الخمر؟ (فجلده) (^٢) الحد.
حدثنا (^٣) عمر بن حفص، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، حدّثنا مسلم عن مسروق قال: قال عبد الله: والذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه.
وهذا كله حق وصدق، وهو من إخبار الرجل (بما) (^٤) يعلم من نفسه مما قد يجهله غيره، فيجوز ذلك للحاجة كما قال تعالى إخبارًا عن يوسف لما قال لصاحب مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥].
ويكفيه مدحًا وثناءً قول رسول الله ﷺ: "استقرئوا القرآن من أربعة" فبدأ به.
وقال أبو (^٥) عبيد: حدثنا مصعب بن المقدام، عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر، عن النبي ﷺ: "من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد".
وهكذا رواه الإمام (^٦) أحمد، عن أبي معاوية، عن الأعمش به مطولًا وفيه قصة.
_________________
(١) البخاري في "الفضائل" (٩/ ٤٧). وأخرجه مسلم، والنسائي في "فضائل القرآن" (١٠٥)؛ وأحمد (٣٥٩١، ٤٠٣٣)؛ والإسماعيلي وأبو عوانة، وأبو نعيم جميعًا في "المستخرج"، كما في "الفتح" (٩/ ٤٩) من طرق عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود به.
(٢) كذا في "الأصول" كلها، وفي "الصحيح": "فضربه".
(٣) البخاري في "الفضائل" (٩/ ٤٧). وقد تقدم تخريجه.
(٤) في (أ): "مما".
(٥) في "فضائل القرآن" (ص ٢٥٥) ومن طريقه الطبراني في "الكبير" (ج ٩/ رقم ٨٤٢١). وأخرجه النسائي في "الكبرى" (٨٢٥٦)؛ والبرجلاني في "الكرم والجود" (٧٨)؛ والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٢٢٧ و٣/ ٣١٨)؛ والخطيب في "تاريخه" (٤/ ٣٢٦) وفي "التلخيص" (٣٨٨/ ١) من طرق عن مصعب بن المقدام بسنده سواء. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٦) في "مسنده" (٢٥، ٢٦) قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: جاء رجل إلى عمر وهو بعرفة. قال أبو معاوية: وحدثنا الأعمش، عن خيثمة، عن قيس بن مروان أنه أتى عمر فقال … وساق حديثًا طويلًا ذكرته في "التسلية" وأخرجه النسائي في "الكبرى" (٨٢٥٧)؛ وأبو يعلى (١٩٤)؛ والطحاوي في "المشكل" (٥٥٩٤)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٩/ رقم ٨٤٢٢)؛ والضياء في "المختارة" (٢٦٥، ٢٦٦، ٦٢٨) من طرق عن الأعمش بالوجهين معًا. وإسنادهما صحيح. وأخرجه النسائي في "الكبرى" (٨٢٥٦)؛ والترمذي (١٦٩)؛ وابن أبي شيبة (٢/ ٢٨٠ و١٠/ ٥٢٠)؛ وأبو عبيد في "الفضائل" (ص ٢٢٤، ٢٢٥)؛ وابن خزيمة (١١٥٦، ١٣٤١)؛ وابن حبان (٢٠٣٤)؛ وأبو يعلى (١٩٥)؛ والبرجلاني في "الكرم والجود" (٧٨) في آخرين من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر … فذكره. ووهم ابن التركماني في "الجوهر النقي" (١/ ٤٥٢) إذ ظن أن علقمة الذي روى هذا الحديث عن عمر هو: =
[ ١ / ٧٣ ]
وأخرجه الترمذي والنسائي من حديث أبي معاوية به.
وصححه الدارقطني وقد ذكرته في "مسند عمر" (^١).
وفي "مسند الإمام أحمد" (^٢) أيضًا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد".
وابن أم عبد؛ هو عبدُ الله بن مسعود كان يعرف بذلك.
ثم قال البخاري (^٣): حدثنا حفص بن عمر، حدّثنا همام، حدّثنا قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النبي ﷺ؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد.
ورواه مسلم من حديث (همام) (^٤)، (حدّثنا قتادة، قال: سألت …) (^٥).
ثم قال البخاري: تابعه الفضل (^٦)، عن حسين بن واقد، عن ثمامة، عن أنس بن مالك.
حدثنا معلى بن أسد، حدّثنا عبد الله بن المثنى، حدّثنا ثابت وثمامة، عن أنس بن مالك (^٧) قال: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعةٍ: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قال: ونحن ورثناه.
فهذا الحديث ظاهره أنه لم يجمع القرآن من الصحابة سوى هؤلاء الأربعة فقط، وليس هذا هكذا بل الذي لا يشك فيه أنه جمعه غير واحد من المهاجرين أيضًا، ولعل مراده لم يجمع
_________________
(١) = "علقمة بن وقاص الليثي" راوي حديث: "إنما الأعمال بالنيات" والصحيح أنه "علقمة بن قيس". والله أعلم.
(٢) (١/ ١٧١ - ١٧٣) وقال بعد ذكر بعض طرقه: "وهذا الحديث لا يشك أنه محفوظ، وهذا الاضطراب لا يضر صحته، والله أعلم". اهـ.
(٣) "المسند" (٢/ ٤٤٦) قال: حدثنا وكيع، عن جرير بن أيوب، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة مرفوعًا فذكره. ووقع في "المطبوع": "غريضًا" ثم أعقبه المحقق بقوله: "كذا قال" وصواب اللفظ: "غضًا" وأخرجه أحمد أيضًا في "فضائل الصحابة" (١٥٣٧)؛ وأبو يعلى (ج ١٠/ رقم ٦١٠٦)؛ والعقيلي في "الضعفاء" (١/ ١٩٧، ١٩٨)؛ والبزار (ج ٣/ رقم ٢٦٨٢) من طرق عن جرير بن أيوب بسنده سواء. وقال البزار: "جرير ليس بالحافظ". اهـ. وتركه النسائي وضعفه ابن السكن والساجي وقال: "جدًا" وقال أبو حاتم والبخاري وغيرهما: "منكر الحديث" بل اتهمه الفضل بن دكين بوضع الحديث فالسند ضعيف جدًا. والله أعلم.
(٤) في "فضائل القرآن" (٩/ ٤٧ - فتح). وأخرجه مسلم (٢٤٦٥/ ١٢٠)؛ وأبو يعلى (ج ٥/ رقم ٢٨٧٨) من طريقين آخرين عن همام بن يحيى بسنده سواء. وأخرجه البخاري (٧/ ١٢٧)؛ ومسلم (٢٤٦٥/ ١١٩) من طرق عن شعبة، عن قتادة بسنده سواء.
(٥) في (ج): "هشام" وهو تصحيف.
(٦) ساقط من (أ) و(ط).
(٧) وهذه المتابعة أخرجها إسحاق بن راهويه في "مسنده" عن الفضل وهو ابن موسى السيناني أفاده الحافظ في "الفتح" (٩/ ٥٢) ثم رواه موصولًا في "التغليق" (٤/ ٣٨٣) من طريق علي بن الحسن بن شقيق، ثنا الحسين بن واقد فذكره.
(٨) أخرجه البخاري في "فضائل القرآن" (٩/ ٤٧) وانفرد به.
[ ١ / ٧٤ ]
القرآن من الأنصار، ولهذا ذكر الأربعة من الأنصار وهم أُبي بن كعب في الرواية الأولى المتفق عليها، وفي الثانية من أفراد البخاري أبو الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد، وكلهم مشهورون، إلا أبا زيد هذا فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث، وقد اختلف في اسمه.
فقال الواقدي: واسمه قيس بن السكن ابن قيس بن زعورا بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار.
وقال ابن نمير: اسمه سعد بن عبيد بن النعمان بن قيس بن عمرو بن زيد بن أُمية من الأوس.
وقيل: هما اثنان جمعا القرآن، حكاه أبو عمر ابن عبد البر.
وهذا بعيد، وقول الواقدي أصح؛ لأنه خزرجي لأن أنسًا قال: نحن ورثناه وهم من الخزرج.
وفي بعض الألفاظ: وكان أحد عمومتي.
وقال قتادة (^١): عن أنس قال: افتخر الحيان الأوس والخزرج، فقالت الأوس: منا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومنا الذي حمته الدبر عاصم بن ثابت، ومنا الذي اهتز لموته العرش سعد بن معاذ، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت.
فقالت الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ: أُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، فهذا كله يدل على صحة قول الواقدي.
وقد شهد أبو زيد هذا بدرًا فيما ذكره غير واحد.
وقال موسى بن عقبة الزهري: قتل أبو زيد قيس بن السكن يوم جسر أبي عبيد على رأس خمس عشرة سنة من الهجرة.
والدليل على أن من المهاجرين من جمع القرآن أن الصديق ﵁ قدمه رسول الله ﷺ في مرضه إمامًا على المهاجرين والأنصار مع أنه قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" (^٢) فلولا أنه كان أقرأهم لكتاب الله لما قدمه عليهم.
هذا مضمون ما قرره الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وهذا التقرير لا يدفع ولا يشك فيه وقد جمع الحافظ ابن السمعاني في ذلك جزءًا.
وقد بسطت تقرير ذلك في (كتاب) (^٣) "مسند الشيخين" ﵄.
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى (ج ٥/ رقم ٢٩٥٣)؛ والبزار (ج ٣/ رقم ٢٨٠٢)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٤/ رقم ٣٤٨٨)؛ وأبو نعيم في "المعرفة" (ج ١/ ق ١٨٦/ ١) من طريق عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس فذكره. قال الهيثمي (١٠/ ٤١): "رجاله رجال الصحيح". وحسن إسناده البوصيري في "الإتحاف" وهو كما قال. والله أعلم.
(٢) أخرجه مسلم (٥/ ١٧٢، ١٧٣ نووي)؛ وأبو عوانة (٢/ ٣٥، ٣٦)؛ وأبو داود (٥٨٢)؛ والنسائي (٢/ ٧٦)؛ والترمذي (١/ ٤٥٩ - ٥٤٨)؛ وابن ماجه (٩٨٠)؛ وأحمد (٤/ ١١٨، ١٢١، ٢٧٢)؛ وابن خزيمة (٣/ ١٠)؛ وابن حبان (٣/ ٤٤٦، ٤٤٧)؛ وابن الجارود (٣٠٨) وآخرون من طرق عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج، عن أبي مسعود البدري فذكره بتمامه.
(٣) ساقط من (أ).
[ ١ / ٧٥ ]
ومنهم (^١) عثمان بن عفان قد قرأه في ركعة كما سنذكره، وعلي بن أبي طالب (^٢)، يقال: إنه جمعه على ترتيب ما أنزل، وقد قدمنا هذا.
ومنهم (^٣) عبد الله بن مسعود وقد تقدم عنه أنه قال: ما من آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت وفيم أنزلت، ولو علمت أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه المطي لذهبت إليه.
ومنهم سالم مولى (^٤) أبي حذيفة، كان من السادات النجباء، والأئمة الأتقياء وقد قتل يوم اليمامة شهيدًا.
ومنه الحبر البحر (^٤) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم الرسول وترجمان القرآن، قد تقدم عن مجاهد أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس مرتين أقفه عند كل آية وأسأله عنها.
ومنهم عبد الله بن عمرو (^٥)، كما رواه النسائي وابن ماجه من حديث ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن يحيى بن حكيم بن صفوان، عن عبد الله بن عمرو قال: جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "أقرأه في شهر" وذكر تمام الحديث.
ثم قال البخاري (^٦): حدثنا صدقة بن الفضل، أنا يحيى، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال عمر: علي أقضانا، وأُبي أقرؤنا، وإنا لندع من لحن أُبي. وأُبي يقول: أخذته من فِي رسول الله ﷺ فلا أتركه لشيء؛ قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].
وهذا يدل على أن الرجل الكبير قد يقول الشيء يظنه صوابًا وهو خطأ في نفس الأمر، ولهذا قال الإمام مالك: ما من أحد إلا يؤخذ من قوله ويرد إلا قول صاحب هذا القبر؛ أي: فكله مقبول صلوات الله وسلامه عليه.
ثم ذكر البخاري فضل فاتحة الكتاب وغيرها، وذكرنا في تفسيرها فضل كل سورة عندها ليكون ذلك أنسب.
ثم قال: