إنما (أفرد) (^٣) البخاري في هذه الترجمة حديث أبي حازم، عن سهل بن سعد الحديث الذي تقدم الآن، وفيه أنه ﵇ قال للرجل: "فما معك من القرآن؟ " قال: معي سورة كذا وسورة كذا وسورة كذا لسور عدها، قال: "أتقرأهن عن ظهر قلب؟ " قال: نعم، قال: "اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن".
وهذه الترجمة من البخاري ﵀ مشعرة بأن قراءة القرآن عن ظهر قلب أفضل، والله أعلم.
ولكن الذي صرح به كثيرون من العلماء أن قراءة القرآن من المصحف أفضل؛ لأنه يشتمل على التلاوة والنظر في المصحف، وهو عبادة كما صرح به غير واحد من السلف، وكرهوا أن يمضي على الرجل يوم لا ينظر في مصحفه.
واستدلوا على أفضلية التلاوة في المصحف بما رواه الإمام (العلم) (^٤) أبو عبيد ﵀ في كتابه (فضائل القرآن) (^٥):
حدثنا نعيم بن حماد، عن بقية بن الوليد، عن معاوية بن يحيى، عن (سليمان بن سليم) (^٦)، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ: "فضل قراءة القرآن نظرًا على من يقرؤه ظهرًا كفضل الفريضة على النافلة".
وهذا الإسناد فيه ضعف، فإن معاوية بن يحيى هذا هو الصدفي أو الأطرابلسي وأيًا ما كان فهو ضعيف.
وقال الثوري (^٧)، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود قال: أديموا النظر في المصحف.
وقال حماد (^٨) بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن ماهك، عن ابن عباس، عن عمر
_________________
(١) بياض في (أ).
(٢) ساقط من (ج).
(٣) في (أ): "أورد".
(٤) في (ل): "العالم".
(٥) (ص ٤٦) وأخرجه ابن شاهين في "الترغيب" (١٩٤) من طريق أبي عبيد بسنده سواء وسنده ضعيف جدًا، وليس كما قال المصنف: "فيه ضعف"؛ وضعفه الحافظ في "الفتح" (٩/ ٧٨)؛ والزبيدي في "إتحاف السادة" (٤/ ٤٩٥).
(٦) وقع اضطراب في هذا الاسم، ففي (أ) و(ط): (سليم بن مسلم)، وفي (ج): "سليمان بن مسلم".
(٧) أخرجه أبو عبيد في "الفضائل" (ص ٤٦)؛ وعبد الرزاق (ج ٣/ رقم ٥٩٧٩)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥٣١)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٩/ رقم ٨٦٨٧، ٨٦٩٦) من طرق عن الثوري به وسنده حسن.
(٨) أخرجه أبو عبيد (ص ٤٦) قال: حدثنا حجاج، عن حماد بن سلمة بسنده سواء. وهذا سند مقارب، ورواية =
[ ١ / ٩٦ ]
أنه كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأ فيه.
وقال حماد (^١) أيضًا، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن مسعود أنه كان إذا اجتمع إليه إخوانه نشروا المصحف (فقرأوا) (^٢) وفسر لهم.
إسناد صحيح.
وقال حماد بن سلمة (^٣)، عن حجاج بن أرطاة، عن ثوير بن أبي فاختة، عن ابن عمر، قال: إذا رجع أحدكم من سوقه فلينشر المصحف وليقرأ.
وقال الأعمش (^٤)، عن خيثمة: دخلت على ابن عمر وهو يقرأ في المصحف فقال: هذا جزئي الذي أقرأ به الليلة.
فهذه الآثار تدل على أن هذا أمر مطلوب لئلا يعطل المصحف فلا يقرأ منه ولعله قد يقع لبعض الحفظة نسيان فيستذكر منه، أو تحريف كلمة أو آية أو تقديم أو تأخير فالاستثبات أولى والرجوع إلى المصحف أثبت من أفواه الرجال.
فأما تلقين القرآن فمن فم الملقن أحسن؛ لأن الكتابة لا تدل على الأداء كما أن المشاهد من كثير ممن يحفظ من الكتابة فقط يكثر تصحيفه وغلطه، وإذا أدَّى الحال إلى هذا منع منه إذا وجد شيخًا يوقفه على ألفاظ القرآن. فأما عند العجز عمن يلقن فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فيجوز عند الضرورة ما لا يجوز عند الرفاهية، فإذا قرأ في المصحف والحالة هذه فلا حرج عليه، ولو فرض أنه قد يحرف بعض الكلمات عن لفظها على لغته ولفظه، فقد:
قال الإمام أبو عبيد (^٥): حدثني هشام بن إسماعيل الدمشقي عن محمد بن شعيب، عن الأوزاعي أن رجلًا صحبهم في سفر، قال: فحدثنا حديثًا ما أعلمه إلا رفعه إلى رسول الله ﷺ قال: "إن العبد إذا قرأ فحرف أو أخطأ، كتبه الملك كما أنزل".
وحدثنا حفص بن غياث، عن الشيباني عن بكر بن الأخنس قال: كان يقال إذا قرأ الأعجمي والذي لا يقيم القرآن كتبه الملك كما أنزل.
وقال بعض العلماء: المدار في هذه المسألة على الخشوع، فإن (كان) (^٦) الخشوع أكثر عند
_________________
(١) = حماد بن سلمة، عن علي بن زيد متماسكة، والله أعلم.
(٢) أخرجه أبو عبيد (ص ٤٧) أيضًا قال: حدثنا حجاج، عن حماد بسنده سواء.
(٣) في (أ): "فقراء" بالإفراد.
(٤) أخرجه أبو عبيد (ص ٤٦) قال: حدثنا حجاج، عن حماد بن سلمة بسنده سواء وسنده ضعيف. وابن أرطاة وثوير ضعيفان وحجاج أمثلهما.
(٥) أخرجه أبو عبيد (ص ٤٧)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥٣٠، ٥٣١) من طريق عن الأعمش بسنده سواء. وسنده صحيح.
(٦) أخرجه أبو عبيد (ص ٤٧) وسنده ضعيف لإعضاله. وعزاه السيوطي في "الجامع" للديلمي في "مسند الفردوس"، عن ابن عباس، فقال المناوي في "فيض القدير" (١/ ٤١٦): "فيه هشيم بن بشير قال الذهبي: حافظ حجة مدلس، عن أبي بشر مجهول". اهـ. كذا قال! وأبو بشر هذا هو جعفر بن إياس وهو ثقة فإن كان رواه عن مجاهد، عن ابن عباس ففي روايته عن مجاهد ضعف، وإن كان يرويه عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فسنده قوي. والله أعلم.
(٧) ساقط من (ج).
[ ١ / ٩٧ ]
القراءة عن ظهر قلب؛ فهو أفضلُ وإن كان عند النظر في المصحف أكثر فهو أفضل. فإن استويا فالقراءة نظرًا أولى؛ لأنها أثبت، وتمتاز بالنظر إلى المصحف.
قال الشيخ أبو زكريا النواوي ﵀ في "التبيان": والظاهر أن كلام السلف وفعلهم محمول على هذا التفصيل.
تنبيه: إن كان البخاري ﵀ أراد بذكره حديث سهل الدلالة على أن تلاوة القرآن عن ظهر قلب أفضل منها في المصحف ففيه نظر:
لأنها (^١) قضية عين، فيحتمل أن ذلك الرجل كان لا يحسن الكتابة ويعلم ذلك رسول الله ﷺ منه، فلا يدل على أن التلاوة عن ظهر قلب أفضل مطلقًا في حق من يحسن ومن لا يحسن، إذ لو دل على هذا لكان ذكر حال رسول الله ﷺ وتلاوته عن ظهر قلب - لأنه أمي لا يدرك الكتابة - أولى من ذكر هذا الحديث بمفرده.
الثاني: أن سياق الحديث إنما هو لأجل استثبات أنه يحفظ تلك السور عن ظهر قلب ليمكنه تعليمها لزوجته، وليس المراد ههنا أن هذا أفضل من التلاوة نظرًا ولا عدمه، والله ﷾ أعلم.