سلك الحافظ ابن كثير منهجًا علميًا دقيقًا في إيراد التفسير فتناول جميع ضروب البيان، وأذكرها مرتبةً حسب أهميتها، وهي كما يلي:
أولًا: تفسير القرآن بالقرآن:
حرص الحافظ ابن كثير أن يصدر تفسيره بالبيان القرآني، وهو منهج مثالي قد رسمه الإمام الشافعي في كتابه القيم "الرسالة" وجعله البيان الأول من أنواع البيان، وتبعه أفذاذ المفسرين وأكّد على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمته الشهيرة في أصول التفسير، وقد توّج بها الحافظ ابن كثير مقدمة تفسيره، وأخذ بهذا المنهج في بداية كل تفسيره فكلما وجد آية مبيّنة للآية التي يريد تفسيرها فإنه يوردها ويصرح بها، بل ويذكر مرادفاتها ليوضح المعنى بالآيات القرآنية، وقد يشير إلى تفسير القرآن بالقرآن ولا يصرح كما في تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾ [الإسراء] فقال الحافظ: وهذه مقيدة لإطلاق ما سواها من الآيات. اهـ. فهذه إشارة إلى الآيات التي فيها الإطلاق مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٤٥]، وكقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: ١٥]، وفي هذا تنشيط للقارئ بأن يبحث عن هذه الآيات.
وتفسير القرآن بالقرآن له أهميته وقيمته العلمية، وتتجلى فيما يلي:
١ - أهميته في أمر التدبر فكلما جال النظر والفكر في تفسير القرآن بالقرآن زاد تدبرًا وتأثرًا.
٢ - أجمع العلماء على أنه أحسن طرق التفسير، وذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاه الزركشي في البرهان والسيوطي في الإتقان ومن بعدهم.
٣ - السهولة وخصوصًا في البيان المتصل، لأنك تجد تفسير الآية في لاحقها في آية أو في بضع آيات.
٤ - يضع الحد الفيصل للخلاف في تفسير بعض القضايا، كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى
[ المقدمة / ٢٥ ]
(٧)﴾ [الضحى] يفسرها قوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وكذلك تفسير ﴿الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] فهو الذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾ [الإخلاص]، وكلا المسألتين فيهما خلاف طويل قل من يصل إلى القول الراجح فيهما.
٥ - يفتح آفاقًا لمن ينشد التفسير ويكون مستنده فيها قويًا، وذلك في التفسير الموضوعي والتحليلي والفقهي.
من أجل ذلك فإن الحافظ ابن كثير حرص على هذا المنهج العلمي.
ثانيًا: التفسير النبوي:
اعتنى الحافظ بالبيان النبوي حسب منهج شيخه ابن تيمية وإمامه الشافعي، ولو أحصينا الأحاديث التي سردها الحافظ ابن كثير في تفسيره لبلغت ألوف الأحاديث، ولا غرابة من ذلك فقد تميز التفسير النبوي في أهميته الكبرى في التفسير، ومن معالم أهميته ما يلي:
١ - أنه وحي يوحى، فكما أن القرآن وحي فكذلك البيان النبوي وحي.
٢ - أن النبي ﷺ مكلف من عند الله أن يبين لصحابته ما يحتاجونه من البيان، وكان يبين لهم على قدر الحاجة؛ لأنهم لا يحتاجون تفسير كل آية فهم من أعرق القبائل العربية.
٣ - دقة فهم النبي ﷺ لتفسير القرآن، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يدارس جبريل في كل رمضان، من حيث التنزيل واللفظ والتلاوة والبيان والناسخ والمنسوخ، فيكون قد دارس جبريل القرآن أربعًا وعشرين مرة.
٤ - الغزارة التي وردت من هذا النوع كثيرة ولم تحص، وما ورد عن عائشة ﵂ قالت: (ما كان النبي ﷺ يفسر شيئًا من القرآن إلا آيًا بعدد علمهن إياه جبريل ﵇) فضعيف ولا يصح ومنكر، وردَّ الطبري على من قال هذا القول، ووصفه بالغباء، وضعفه أيضًا الحافظ ابن كثير في المقدمة، واعلم أن هذه الروايات التفسيرية المرفوعة وما في حكم الرفع تبلغ المئات.
٥ - أن الحديث الشريف الواحد قد يُبيِّن عشرات الآيات، كما في تفسير قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة] هو الإسلام كما بينه رسول الله ﷺ، وورد ذكر الصراط المستقيم في القرآن عشرات الآيات، فيكون قد بيَّن تفسير جميع تلك الآيات.
٦ - أن بعض الآيات لا يمكن أن تُفهم بدون البيان النبوي، مثاله في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾ [المائدة].
يقول الشوكاني ﵀ عن هذه الآيات: قال مكي: (هذه الآيات الثلاث عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعرابًا ومعنًى وحكمًا. قال ابن عطية: هذا كلام من لم يقع له النتاج في
[ المقدمة / ٢٦ ]
تفسيرها، وذلك في كتابه ﵀ -يعني في كتاب مكي- قال القرطبي: ما ذكره مكي ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضًا. قال السعد في حاشيته على الكشاف: واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعرابًا ونظمًا وحكمًا). ا هـ (^١).
ونقل الحافظ ابن حجر عن أبي إسحاق الزجاج: (هذا الموضع من أصعب ما في القرآن إعرابًا)، قال الشهاب السمين: (ولقد صدق والله فيما قال).
وقال السخاوي: لم أر أحدًا من العلماء تخلص كلامه فيها من أولها إلى آخرها.
وقال الواحدي: وهذه الآية وما بعدها من أعوص ما في القرآن معنى وإعرابًا (^٢).
ولكن بالرجوع إلى الرواية النبوية الشريفة يفهم المعنى، فقد أخرج البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جامًا من فضة مخوصًا من الذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ ثم وجد الجام بمكة فقالوا: ابتعناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا: لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم، قال: وفيهم نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦] (^٣)، واستنادًا على هذا الحديث يكون اختيار وجه الإعراب، فيزول الإشكال باختيار ذلك الوجه من الإعراب.
ومثال آخر قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠]، وقوله: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣]، وقوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤]. فإن بيانه من الحديث المتفق عليه الذي سيأتي ذكره عند تفسير هذه الآيات، فقد بيّن ذلك الحديث سبب قول موسى لفتاه: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ …﴾ وهذه الأحاديث قد يسبقها تفسير قرآني ويلحقها بيان الصحابة ﵃.
منهجه في إيراد الأحاديث الشريفة:
يعتني الحافظ ابن كثير بإيراد الأحاديث الشريفة من مسند الإمام أحمد والكتب الستة والموطأ وغيرها من الكتب المسندة، ويعتمد على الأحاديث الصحيحة، وأحيانًا يسوق حديثًا واحدًا أو أكثر لبيان الآية.
وأحيانًا يأتي بعشرات الأحاديث في تفسير آية واحدة، فعلى سبيل المثال أطال الحافظ ابن كثير النفس في سرد روايات الإسراء والمعراج، وقد يستغرب القارئ من هذه الإطالة، ولكن إذا عرف السبب بطل العجب. فالحافظ ابن كثير له في ذلك مآرب سديدة وغايات رشيدة، فمن المعروف أن قصة الإسراء والمعراج دارت بها الألسن وكثرت فيها الحكايات والروايات فأراد الحافظ ابن كثير أن يفرق بين الصحيح والسقيم، وأن يكشف علل الروايات الضعيفة، فساق روايات صحيحة متواترة وروايات ضعيفة متناثرة، وذلك من كتب الصحيحين والسنن والمسانيد
_________________
(١) "فتح القدير" (٢/ ٨٦).
(٢) "فتح الباري" (٥/ ٤١٠).
(٣) المصدر السابق.
[ المقدمة / ٢٧ ]
والتفاسير وغيرها فما كان في الصحيح لم يحكم عليه وما كان في غيره فإنه يحكم عليه عن طريق الإسناد أو عن طريق بيان نكارة المتن، فإذا لم يذكر ذلك فإنه يردفه بالشواهد. وهذه الصناعة من مآربه فهو حينما يتقصى الروايات فإنه يريد أن يجمع جزئيات قصة الإسراء والمعراج لأنها متفرقة ومنثورة في عشرات الروايات وبذلك تظهر القصة متكاملة بجزئياتها، ومغربلةً بنقد أسانيدها ومتونها.
وأحيانًا يذكر عدة روايات متشابهة ليبين الغريب، وأما ما عرضه من طرق كثيرة مروية عن جمع من الصحابة ليبرهن التواتر الوارد في هذه القصة، إنه منهج دقيق في النقد.
وهكذا فلو تتبعنا مواطن سرد الأحاديث وكثرة إيرادها نجد لذلك منهجًا علميًا دقيقًا، وأحيانًا يصنع ذلك لتشنيف الأسماع، ولفت الأنظار إلى أهمية ذلك الموضوع الذي تناولته تلك الأحاديث مثل موضوع: الكبائر، والإنفاق في سبيل الله تعالى ونحوه.
وقد يقال: إنه يسوق بعض الأحاديث الضعيفة، فإن ذلك له أسبابه فإنه إما ليؤكد أنه ضعيف الإسناد وأن الرأي الذي يستشهد به هو مرجوح، أو أنه يذكر الضعيف ثم يذكر له الشواهد ليبرهن على تقويته، وأحيانًا يسوق الحديث الضعيف لأن بعض العلماء قد استشهد به كما في تفسير سورة الإسراء آية [١٦].
ثالثًا: تفسير الصحابة ﵃:
بما أن الصحابة ﵃ هم أعرف الناس في التفسير بعد النبي ﷺ فقد اعتمد الحافظ على تفاسيرهم، وأكثر النقل عنهم حتى بلغت النقول عنهم ألوف الروايات، فعلى سبيل المثال نقل عن ابن عباس ﵄ (١٧١٦) أثرًا (^١)، ومن أوجه أهمية تفسير الصحابي:
١ - أن أقوالهم في أسباب النزول لها حكم الرفع، وكذلك أقوالهم في الأمور الغيبية غير الإسرائيليات لها حكم الرفع.
٢ - أنهم من أعرق القبائل العربية وقد نزل القرآن بلغتهم، فلهم قدرةٌ على فهم القرآن واستنباط الأحكام.
٣ - حجية قول الصحابي في التفسير وخصوصًا إذا لم يعارضه صحابي آخر أعلم منه في التفسير، وهذه الحجية متفاوتة بتفاوت علمهم بالتفسير، ففي المرتبة الأولى: الخلفاء الأربعة، والمرتبة الثانية: المكثرون كابن عباس وابن مسعود وأبي هريرة، وعائشة ﵃ أجمعين.
ومما يدل على تفاوت الصحابة في التفسير: إدخال عمر بن الخطاب لابن عباس ﵄ مع أشياخ بدر في مجلسه، وسؤاله عن مطلع سورة النصر كما سيأتي في تفسيرها.
٤ - بعض هؤلاء الصحابة بل الكثير منهم حظي بكتابة الوحي، وهذا يساعد على بيان الناسخ والمنسوخ وبيان المشكل، وتقييد المطلق، وتخصيص العام، والمكي والمدني، وكتابة القرآن الكريم وقت نزوله يعين على فهمه.
_________________
(١) حسب إحصائية فضيلة الدكتور محمد بن عبد الله الخضيري في كتابه القيم "تفسير التابعين".
[ المقدمة / ٢٨ ]
٥ - قوة استنباط الصحابة كما سنري رأي ابن عباس في تفسير سورة النصر.
٦ - أن النبي ﷺ قد دعا لبعض هؤلاء كما دعا لعلي بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود ﵃.
٧ - خلو تفاسيرهم من التأويل المذموم.
٨ - قوة منجهيتهم ومنها النقد المبكر والتثبت من الرواية.
فنرى قوة النقد عند الصحابة، في نقدهم للآخرين من التابعين أو من صغار الصحابة، وهذا المنهج أثرى علم التفسير بالتحذير من الرواة الضعفاء، وتصحيح أخطاء التلاميذ المفسرين بتمييز الضعفاء وبعض الروايات الغريبة والمرجوحة.
فروى البخاري عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن نوفًا البكالي -كان يعتني بقراءة كتب أهل الكتاب- يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل فقال ابن عباس: كذب عدو الله.
وسيأتي هذا الحديث في تفسير سورة الكهف آية [٦٠].
وصحَّ عن ابن عباس ﵄ أنه سأل سعيد بن جبير عن قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فأجاب سعيد بن جبير: قربى آل محمد. فقال ابن عباس: عجلت، إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم قرابة (^١).
وقال معاوية بن أبي سفيان لكعب الأحبار: أنت الذي قلت أن ذي القرنين ربط فرسه بالثريا؟
وقال ابن عباس: كذبت اليهود بأن إسحاق هو الذبيح.
وقال ابن عباس: إذا جاءنا الثبت عن أبي الحسن لم نعدل به.
وإضافة إلى اهتمام الحافظ ابن كثير وعنايته بإيراد تفاسير الصحابة فقد تفنن في إيراد أقوال الصحابة، فهو تارة يسوق قول الصحابي مسندًا مختصرًا بذكر الطريق كطريق الضحاك عن ابن عباس، وطريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وطريق العوفي عن ابن عباس، وذلك لبيان نقد السند، وقد حكم على هذه الطرق وغيرها الحافظ ابن حجر في مقدمته النفيسة لكتابه القيم (العجاب في بيان الأسباب) فقد حبَّر تلك القطعة النقدية التي لا يستغني عنها طالب العلم وخصوصًا المتخصص في علم التفسير.
وأحيانًا يذكر طريقًا ضعيفًا عن الصحابي ثم يردفه بشاهد من الشعر الأصيل كما فعل في مطلع تفسير سورة الأنفال فقد ساق طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال: "الأنفال": الغنائم، ثم ساق الشعر عن لَبِيد ﵁:
إن تقوى ربنا خير نفل … وبإذن الله ريثي وعجل
وبهذا فقد سلك مسلكًا ذكيًا في اختصار السند وذكر الطريق كي يتبين درجته من الصحة، وهذا في غاية الإتقان والبيان.
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب التفسير، عند تفسير هذه الآية.
[ المقدمة / ٢٩ ]
رابعًا: تفسير التابعين:
إن طبقة التابعين من المفسرين أخذت التفسير عن الصحابة ﵃ فقد روى التفسير عكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح كلهم رووا عن ابن عباس ﵄، وكذلك أخذ أبو العالية عن أُبي بن كعب، كما أخذ كل من مسروق ومُرّة الهمداني وعَبيدة السلماني عن ابن مسعود ﵁، وقوة تفاسيرهم تأتي بعد الصحابة ﵃ ولهذا اعتمد الحافظ ابن كثير على تفاسيرهم وأكثر النقل عنهم، وذلك للقيمة العلمية لأقوالهم، ومن وجوه القيمة العلمية ما يأتي:
١ - قول النبي ﷺ: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم … ".
٢ - أن التابعين لهم روايات في أسباب النزول لها حكم الرفع، وذلك إذا جاءت روايات بأسانيد ثابتة عن أكثر من تابعي فإنها تقوي بعضها بعضًا ويكون لها حكم الرفع.
٣ - إذا وردت الرواية الضعيفة عن الصحابي فإن الرواية الصحيحة عن التابعي تقويها وتكون كالشاهد لها، وخصوصًا إذا كان التابعي تلميذًا لذلك الصحابي.
٤ - غزارة أقوالهم في التفسير: ففي تفسير الطبري توجد (١٨٨٥٤) رواية، ذكرها فضيلة د. محمد بن عبد الله الخضيري في كتابه تفسير التابعين، وهو أفضل من كتب في دراسة منهج التابعين المفسرين.
٥ - ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (طالعت مائة كتاب في التفسير لم أجد فيه تأويلًا عن الصحابة والتابعين).
خامسًا: التفسير اللغوي:
إن الاستفادة من المصادر السابقة أغنت الحافظ ابن كثير لأن أغلب الاستفادة من التفسير اللغوي في مجال غريب القرآن، وقد تناولت المصادر السابقة كثيرًا من غريب القرآن يروي بعضه عن النبي ﷺ ويروي كثيرًا منه عن الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وأغلبهم من قبائل عربية عريقة أو من علماء لهم دراية عظيمة باللغة العربية، ومع هذا فإن الحافظ ابن كثير أثرى تفسيره بالبيان اللغوي، مستشهدًا بالشعر العربي نقلًا من دواوين الشعر الأصيلة، أو أنه يفسر مضمنًا أساليب الأعراب فيجعله كالملح في الطعام في تذوقه وفي قلته وعند الحاجة دون إفراط أو تفريط، كما سنرى في تفسير البسملة في بيان لفظ الجلالة الله فقد نقل أقوال أساطين اللغة كالخليل بن أحمد الفراهيدي وسيبويه، وبرهن على أنه مشتق واستشهد بالشعر وهكذا في ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة] وتفسير سورة الفاتحة كما سيأتي في بداية تفسيره.
وقد كان منهج الحافظ ابن كثير فيما تقدم في غاية الدقة إذ راعى ضوابط التفسير اللغوي، فهو لا يتسارع إلى اللغة قبل الأثر، فقد حذر من ذلك كبار المفسرين:
قال الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره في سياق كلامه عن ضوابط التفسير اللغوي وهو يحذر: أن يتسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية، من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن، وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة، وما فيه من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير، فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية، كثر غلطه،
[ المقدمة / ٣٠ ]
ودخل في زمرة من فسر القرآن بالرأي … والنقل والسماع لابدّ له منه في ظاهر التفسير أولًا، لِيُتَقى به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط والغرائب التي لا تفهم إلا بالسماع.
وقد ذكر مثل هذا التنبيه المحدث ابن الأثير الجزري في كتابه "جامع الأصول" في بداية الجزء الثاني وفيه كتاب "التفسير".
وقد يُلاحظ أن الحافظ ابن كثير لا يهتم بالإعراب واللغة كاهتمامه بالرواية، وهذا صحيح فإن الرواية هي أساس التفسير وتحت لوائها ينضوي علم أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والتفسير النبوي، وتفاسير الصحابة والتابعين، ثم يثني باللغة والإعراب ويجعلها كالملح في الطعام، ويحتاج القارئ إلى تذوق ذلك حتى يرى هذا الاهتمام الثاني، فهو أحيانًا يسوق التفسير معتمدًا على الإعراب كما في قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣] قال الحافظ: تقديره: يا ذرية من حملنا مع نوح. اهـ. فهذه الصياغة مبنية على الإعراب بأنه منصوب على الإغراء، ويستنبط من ذلك أن الحافظ ابن كثير لم يترك التفسير اللغوي بل اعتمده بعد الأثر.
إضافة لذلك فإن كثيرًا من غريب القرآن يأخذه من المفسرين من الصحابة ﵃ والتابعين ﵏.
هذا بالنسبة لمنهج الحافظ ابن كثير في جمعه بين ضروب البيان، وإضافة إلى ذلك فقد كان من منهجه تحرّي المصادر التي يرجع إليها، فكان إذا رجع إلى نسخة ضعيفة فإنه يصرح بذلك وهذا من الأمانة العلمية، فقد نقل رواية من كتاب مغازي الأموي ضعَّف إسنادها ثم قال: كذا كتبته من نسخة مغلوطة، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ …﴾ [الصافات: ١٠١ - ١٠٧] تحت عنوان: ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل ﵊، وهو الصحيح المقطوع به.
[ المقدمة / ٣١ ]