تتجلى القيمة العلمية لتفسير الحافظ ابن كثير في كثير من المسائل أهمها ما يلي:
١ - جودة المنهج والتزامه به، فقد التزم بمنهج علمي راقٍ كما تقدم في دراسة منهجه.
٢ - سلامة التفسير من التأويل والتحريف في مسائل العقيدة.
٣ - شهرة الكتاب: لقد انتشرت نسخه الخطية التي تقارب المائة نسخة، كما انتشرت طبعاته وتحقيقاته.
٤ - كثرة الدراسات التي قام بها الباحثون وأثره فيمن بعده: فقد تزاحمت أقلام الباحثين وعكف عليه الدارسون، ومن أهم الدراسات ما يلي:
أ - الإمام ابن كثير المفسر: للدكتور مطر بن أحمد الزهراني -رسالة ماجستير- جامعة أُم القرى.
ب - منهج ابن كثير في التفسير: للدكتور سليمان بن إبراهيم اللاحم -رسالة ماجستير- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض.
ج - ابن كثير ومنهجه في التفسير: تأليف الدكتور إسماعيل سالم عبد العال -مطبوع في القاهرة- مكتبة الملك فيصل الإسلامية.
د - حياة ابن كثير وكتابه تفسير القرآن العظيم: للدكتور محمد بن عبد الله صالح الفالح - طبعة الرياض - مكتبة دار البيان.
هـ - ابن كثير الدمشقي: للدكتور محمد الزحيلي - دار القلم - دمشق.
وقام البعض بالشرح ومن أهم الشروح ما يلي:
أ - البدر المنير الملخص من تفسير ابن كثير (وهو تلخيص تفسير القرآن العظيم لابن كثير ت ٧٧٤ هـ) للكازروني (عفيف الدين سعيد بن محمد بن مسعود، ت ٧٥٨ هـ). منه نسخة في مكتبة نور عثمانية ٢٥ (٣٨٤) في تركيا (^١).
ب - العلم الغزير في تفسير ابن كثير (وهي حاشية على تفسير ابن كثير، ت ٧٧٤ هـ) للزرعي (إسماعيل "خطيب جامع الديلع").
منه نسخة في مدينة تريم ٥٢ (٢٥٩) في حضرموت (^٢).
_________________
(١) الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط (ج ١).
(٢) الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط (ج ١).
[ المقدمة / ٣٥ ]
٥ - غزارة مصادره وأصالتها: أما مصادره فقد أحصاها فضيلة الدكتور إسماعيل سالم عبد العال وبلغت (٢٤١) مصدرًا وقد رتبها حسب العلوم والموضوعات، وهذه المصادر من الكتب الأمهات في علم التفسير والحديث والفقه والتاريخ والعقيدة وغيرها.
٦ - كثرة المختصرات لتفسير ابن كثير، وهي كما يلي:
أ - عمدة التفسير: للأستاذ أحمد محمد شاكر.
ب - تيسير العلي القدير لاختصار ابن كثير: للشيخ محمد نسيب الرفاعي.
ج - مختصر تفسير ابن كثير: للشيخ محمد علي الصابوني.
د - مختصر تفسير ابن كثير: للشيخ محمد كريم راجح.
هـ - لباب التفسير من ابن كثير: للدكتور عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن إسحاق آل الشيخ.
و- فتح القدير تهذيب تفسير ابن كثير: لمحمد أحمد كنعان.
ز - المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير: بإشراف فضيلة الشيخ صفي الرحمن المباركفوري.
وكل هذه المختصرات مطبوعة.
وقد لاحظ بعض الدارسين للتفسير بعض المآخذ لكنها ليست بمآخذ وقد أجبت عليها كما يلي:
الإجابة عن المآخذ التي نسبت إلى الحافظ ابن كثير في التفسير
ذكر فضيلة د. إسماعيل عبد العال في دراسته لتفسير ابن كثير ﵀ جملة من المسائل ظنَّ أنها من المآخذ على ابن كثير ﵀، ومنها بعض الروايات المنكرة في متنها، والإسرائيليات التي أوردها الحافظ ابن كثير وسكت عنها، ومنها ما يلي:
ذكر ابن كثير ﵀ رواية عن ابن أبي حاتم قال فيها: "حدثني محمد بن قيس أن محمد بن كعب قرأ سورة يونس على عمر بن عبد العزيز حتى بلغ: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾ [يونس]. فقال عمر: يا أبا حمزة أي شيء الطمس؟ قال: عادت أموالهم كلها حجارة. فقال عمر بن عبد العزيز لغلام: ائتني بكيس. فجاء بكيس فإذا فيه حمص وبيض قد حول حجارة".
ولم يعلق ابن كثير على هذه الرواية كما اعتاد أن يفعل مع الروايات الغريبة فكيف يطمس هذا البيض والحمص في عهد عمر بن عبد العزيز العادل وخامس الخلفاء الراشدين؟! ثم عدم معرفة عمر بن عبد العزيز للطمس شيء لا نقبله بسهولة. فلعل هذه الرواية مختلقة ومكذوبة على عمر ﵁ (^١). ا هـ.
_________________
(١) ينظر: "ابن كثير ومنهجه في التفسير" (ص ٤١٣).
[ المقدمة / ٣٦ ]
ولو أعطى الدكتور هذه المسائل مزيدًا من البحث لوجدها مسائل منهجية سلكها الحافظ ابن كثير فإن الروايات المنكرة في متنها ساقها بالإسناد وسمى الرجال فكأنه يشير بأصابع الاتهام إلى موطن الإنكار حينما يسمي رجال الإسناد، وما ذكره فضيلته فيه بتر للإسناد فقد حذف الراوي الضعيف، فالرواية رواها ابن أبي حاتم: عن إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا يحيى بن أبي بكر، عن أبي معشر، حدثني محمد بن قيس، به.
والراوي الضعيف هو أبو معشر، واسمه: نجيح بن عبد الرحمن السندي (^١).
ثم ذكر فضيلته مسألة أخرى فقال:
وفي نفس الآية ذكر ابن كثير أن قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٩] فسره ابن جريج بقوله: "يقولون: إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة. وقال محمد بن كعب وعلي بن الحسين: أربعين يومًا".
ولم يعقب ابن كثير على الروايتين. والفرق بينهما كالفرق بين طفل يقال عنه: إنه ولد منذ أربعين يومًا. ويقال عنه أيضًا: إنه ولد منذ أربعين سنة. ولا شك أنه فرق صارخ (^٢).
والجواب ما ذكره الحافظ عن ابن جريج ومحمد بن كعب واضح أنه من الإسرائيليات لأن الراويين مشهوران برواية الإسرائيليات وكفى.
وقال فضيلته: وذكر محمد بن إسحاق أن إسافا ونائلة كانا بشرين فزنيا داخل الكعبة، فمسخا حجرين فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عُبدا ثم حولا إلى الصفا والمروة فنصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما.
ولم ينتقد ابن كثير هذه الرواية على ما فيها من ضعف، إذ كيف يقتنع المرء بأن إسافا ونائلة كانا بشرين قد مسخا. وما الدليل على ذلك؟ وفي أي كتاب صحيح موثوق به ذكر هذا؟ فليأتوا بآثارة من علم إن كانوا صادقين (^٣). ا هـ.
والجواب: أن هذه الرواية ضعفها جلي لا يخفى لأنه مروي عن ابن إسحاق ولم يروه عن أحد، وهو معروف أيضًا برواية الإسرائيليات، وما ذكره لا يؤخذ إلا بالوحي عن النبي ﷺ، وبين ابن إسحاق والنبي ﷺ ثلاثة رواة على الأقل.
وقد ذكر فضيلته أيضًا رواية إسرائيلية عن وهب بن منبه ساقها الحافظ ابن كثير ولم ينبه عليها (^٤) ا هـ.
أقول: إن ذكر وهب بن منبه يغني عن التنبيه؛ لأنه كان مولعًا برواية الإسرائيليات، وما ذكره من أخطاء أخرى شبيهة بما سبق.
ثم ذكر أخطاء عامة -حسب ظنه-، ومنها:
النسخ، وذكر مثالًا ثم قال: إنها وجهة نظر وليس خطأ مؤكدًا.
_________________
(١) ينظر: "تقريب التهذيب" (ص ٥٥٩).
(٢) المصدر السابق (ص ٤٣٢).
(٣) المصدر السابق (ص ٤٣٣).
(٤) المصدر السابق (ص ٤٣٥).
[ المقدمة / ٣٧ ]
وقوله ﷿: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب، وهم الأدعياء فأمر ﵎ برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل، والقسط، والبر.
لكن هذه الدعوة مرفوضة لأن الآية لا تنسخ حكمًا إسلاميًا، وإنما يقبل النسخ للحكم الذي شرعه الله في الإسلام أو شرعه رسول الله ﷺ، ثم شرع بعده في موضوعه حكمًا آخر يخالفه ويناقضه. لكنا نستطيع -مع هذا- أن نقول: إنها وجهة نظر وليس خطأً مؤكدًا (^١). ا هـ.
والجواب: أن فضيلته صرّح بأنها وجهة نظر وليس خطأً مؤكدًا، وكذلك فإن الحافظ ابن كثير استدل بحديث متفق عليه عن سالم بن عبد الله بن عمر أن زيدًا بن حارثة مولى رسول الله ﷺ ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥].
وتبقى قصة العتبي التي ساقها في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤].
وقد وفّى الشيخ الفاضل سامي بن محمد السلامة هذه القصة حقها في تحقيقه لتفسير ابن كثير عند تفسير هذه الآية، وبرهن على بطلانها ناقلًا أقوال العلماء المعتبرين من المتقدمين والمعاصرين، ثم أضاف فضيلة الدكتور محمد بن عبد الله الفالح أن الحافظ ابن كثير لم يستحسن ذلك، ووضح معتقده الذي يأبى مثل تلك القصة (^٢).
وأضيف على ما ذكره أن هذه الحكاية يرويها بعضهم عن العتبي بلا إسناد، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب الهلالي، وبعضهم يرويها عن محمد بن حرب عن أبي الحسن الزعفراني عن الأعرابي.
وقد ذكرها البيهقي في كتاب شعب الإيمان بإسناد مظلم بن روح بن يزيد البصري، حدثني أبو حرب الهلالي قال: حج أعرابي … فذكرها (^٣).
وأما ما ذكر أنه يستطرد في إيراد سرد الأحاديث الشريفة الكثيرة، وأنه يستشهد ببعض الروايات الضعيفة، وأنه لا يعتني بالإعراب فقد أجبت عن ذلك في مبحث منهج الحافظ ابن كثير، في البيان النبوي واللغوي.
_________________
(١) سيأتي تخريجه في تفسير سورة الأحزاب آية [٥].
(٢) حياة ابن كثير في كتابه "تفسير القرآن العظيم" (ص ٣١ - ٣٣).
(٣) ينظر: "الصارم المنكي في الرد على السبكي" (ص ٣٣٧، ٣٣٨).
[ المقدمة / ٣٨ ]