قوله (تعالى) (^٨): ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ وقوله في سورة يونس: ﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] يعم كل سورة في القرآن طويلةً كانت أو قصيرةً؛ لأنها نكرة في سياق الشرط فتعم، كما هي في سياق النفي عند المحققين من الأصوليين، كما هو مقرر في موضعه؛ فالإعجاز حاصل في طوال السور وقصارها؛ وهذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين الناس سلفًا وخلفًا.
وقد قال (العلامة فخر الدين) (^٩) (الرازي) (^١٠) في "تفسيره" (^١١): فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ يتناول سورة الكوثر، وسورة العصر، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون] ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله، أو بما يقرب منه ممكن.
فإن قلتم: إن الإتيان بمثل هذه السور خارج عن مقدار البشر كان (ذلك) (^١٢) مكابرةً، والإقدام على هذه المكابرات مما يطرق (التهم) (^١٣) إلى الدين] (^١٤).
[قلنا: فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني، وقلنا: إن بلغت هذه السورة في الفصاحة حد الإعجاز فقد حصل المقصود؛ وإن لم يكن كذلك كان امتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى (توهين) (^١٥) أمره معجزًا؛ فعلى التقديرين يحصل المعجز. هذا لفظه بحروفه] (^١٦).
_________________
(١) ساقط من (هـ).
(٢) ساقط من (ز).
(٣) أخرجه البخاري (٢/ ١٨)، والسياق له.
(٤) أخرجه في "صحيحه" (٢٨٤٤/ ٣١)، ووهم المصنف ﵀ إذ جعله من حديث ابن مسعود وإنما رواه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة ﵁، ولفظه: كنا مع رسول الله ﷺ، إذ سمع وجبة فقال النبي ﷺ: "تدرون ما هذا؟ "قال: قلنا اللّه ورسوله أعلم. قال: "هذا حجر رمى به في النار منذ سبعين خريفًا، فهو يهوى في النار الآن، حتى انتهى إلى قعرها".
(٥) يشير إلى حديث ابن عباس قال: خسفت الشمس على عهد رسول اللّه ﷺ فصلى والناس معه فقام قيامًا طويلًا … الحديث وفيه: "قالوا: يا رسول الله! رأيناك تناولت شيئًا في مقامك، ثم رأيناك كعكعت؟ قال رسول اللّه ﷺ: "إني رأيت الجنة فتناولت عنقودًا، لو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، وأريت النار فلم أر منظرًا قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء … " الحديث. أخرجه البخاري (١/ ٨٣، ٢/ ٢٣٢، ٥٤٠، و٦/ ٢٩٧، ٩/ ٢٩٨)؛ ومسلم (١٧/ ٩٠٧).
(٦) ويأتي تخريج أحاديثها في سورة الإسراء إن شاء اللّه تعالى.
(٧) من (ن).
(٨) (من (ج) و(ك) و(ل).
(٩) من (ل) و(ن).
(١٠) راجع بحثه في "تفسيره" (١/ ١٢٦ - ١٢٨).
(١١) ساقط من (ن).
(١٢) ساقط من (ن).
(١٣) في (ن): "بالتهمة".
(١٤) ساقط من (ز) و(هـ) و(ي).
(١٥) في (ك) و(ن): "تهوين".
(١٦) ساقط من (ز) و(هـ) و(ي).
[ ١ / ٣٠٨ ]
[والصواب أن كل سورة من القرآن معجزة، لا يستطيع البشر معارضتها طويلةً كانت أو قصيرةً [العصر].
قال الشافعي ﵀: لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر].
وقد روينا عن عمرو بن العاص أنه وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم، فقال له مسيلمة: ماذا أُنزل على صاحبكم بمكة في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة. فقال: وما هي؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) …﴾ (إلى آخرها) (^١) ففكر ساعة، ثم رفع رأسه، فقال: ولقد أُنزل علي مثلها؛ فقال: وما هو؟ فقال: يا وبر. يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حقر فقر، ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: واللّه إنك لتعلم أني لأعلم أنك تكذب (^٢)] (^٣).
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾.
لما ذكر تعالى ما أعده لأعدائه من الأشقياء الكافرين به وبرسله من العذاب والنكال عطف بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله الذين صدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة؛ وهذا معنى تسمية القرآن مثاني على أصح أقوال العلماء، كما سنبسطه في موضعه؛ وهو أن يذكر الإيمان ويتبع بذكر الكفر أو عكسه، أو حال السعداء، ثم الأشقياء، أو عكسه.
وحاصله ذكر الشيء ومقابله.
وأما ذكر الشيء ونظيره فذاك التشابه، كما سنوضحه إن شاء اللّه؛ فلهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ فوصفها بأنها تجري من تحتها الأنهار، [كما وصف النار بأن وقودها الناس والحجارة. ومعنى تجري من تحتها الأنهار] (^٤)؛ أي: من تحت أشجارها وغرفها.
وقد جاء في الحديث (^٥):
_________________
(١) ساقط من (ن).
(٢) [سيأتي تخريجه في سورة العصر].
(٣) ساقط من (ز) و(هـ) و(ي).
(٤) ساقط من (ن).
(٥) أخرجه ابن مردويه في "تفسيره"، كما في "ابن كثير" (٧/ ٢٩٧، طبع الشعب)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٢٠٥) وفي "صفة الجنة" من طريق مهدي بن حكيم، ثنا يزيد بن هارون، أنبأنا الجريري، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك مرفوعًا: "لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض؟ لا واللّه إنها لسائحة على وجه الأرض، حافتاها خيام اللؤلؤ، وطينها المسك الأذفر". قلت: يا رسول الله! وما الأذفر؟ قال: "الذي لا خلط فيه". وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٣٨) للضياء المقدسي في "صفة الجنة". (*) قلت: وهذا سند ضعيف، والجريري واسمه سعيد بن إياس كان اختلط، وسماع يزيد بن هارون من متأخر، وقد اضطرب فيه، فقد رواه يعقوب بن عبيدة وبشر بن معاذ كلاهما عن يزيد بن هارون بسنده سواء موقوفًا. أخرجه ابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" كما في "ابن كثير" (٧/ ٢٩٦)، وأبو نعيم في "صفة الجنة" =
[ ١ / ٣٠٩ ]
"أن أنهارها تجري في غير أخدود" وجاء في الكوثر (^١) "أن (حافتيه) (^٢) قباب اللؤلؤ المجوف" ولا منافاة بينهما؛ فطينها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والجوهر، نسأل اللّه من فضله (وكرمه) (^٣) إنه هو البر الرحيم.
وقال ابن أبي (^٤) حاتم: قرئ على الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن ثوبان، عن عطاء بن قرة، عن عبد اللّه بن ضمرة، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنهار الجنة تفجر من (تحت تلال أخر أو من) (^٥) تحت جبال المسك".
وقال (أيضًا) (^٦): حدثنا أبو سعيد، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن عبد اللّه بن مرة، عن مسروق؛ قال: قال عبد الله (^٧): "أنهار الجنة تفجر من جبل مسك".
وقوله (تعالى) (^٨): ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ قال السدي
_________________
(١) = (٣١٦)؛ ورجح المنذري في "الترغيب" (٤/ ٥١٨) الموقوف وقال: "هو أشبه بالصواب" كذا! وطريق الموقوف والمرفوع واحد، فالظاهر أنه لا يصح مرفوعًا ولا موقوفًا، ولكن معنى كلام المنذري أنه إذا تردد الناقد في الحكم بالرفع والوقف فإن الأخذ بالوقف هو الأشبه، لأنه المناسب للاحتياط، إذ الأخذ بالأقل عند الاختلاف هو مذهب الجماهير من أهل الحديث والله أعلم. وقد صح هذا من قول مسروق قال: "أنهار الجنة تجري في غير أخدود وثمرها كالقلال، كلما أخذت ثمرة عادت مكانها أخرى، والعنقود اثنا عشر ذراعًا"؛ أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٣/ ٩٧)؛ وهناد بن السري في "الزهد" (٩٥، ١٠٣)؛ والمروزي في "زوائد الزهد" (١٤٨٩)؛ وابن صاعد أيضًا (١٤٩٠)؛ وابن جرير في "تفسيره" (٥٠٩، ٥١٠، ٥١١)؛ وأبو نعيم في "صفة الجنة" (٣١٥)؛ والبيهقي في "البعث" (٢٩٢) من طرق عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن مسروق. وسنده صحيح.
(٢) أخرجه البخاري (١١/ ٤٦٤).
(٣) في (ج): "حافتاه" بالرفع، وإنما يصح ذلك بحذف "إن".
(٤) ساقط من (ز) و(ن).
(٥) في "تفسيره" رقم (٢٥٣). وأخرجه ابن حبان (٢٦٢٢)؛ والعقيلي في "الضعفاء" (٢/ ٣٢٦)؛ والحاكم كما في "حادي الأرواح" و"إتحاف السادة" (١٠/ ٥٣٤)؛ وأبو نعيم في "صفة الجنة" (٣١٣)؛ والبيهقي في "البعث" (٢٦٦) من طريق أسد بن موسى بسنده سواء. ولفظ البيهقي مطول أخرج بعضه الطبراني في "الأوسط" (ج ٢/ ق ١/ ٢٦٦) وقال: "لم يرو هذا الحديث عن ابن ثوبان إلا أسد بن موسى". وحسن إسناده العراقي في "تخريج الإحياء" (٤/ ٥٢٢) وقال المنذري في "الترغيب" (٣/ ١٠٠، ٢٦٢): "رواه الطبراني في "الأوسط" ورواته ثقات إلا شيخه المقدام بن داود وقد وثق". (*) قلت: تابعه الربيع بن سليمان ويوسف بن يزيد القراطيسي كلاهما عن أسد بن موسى به.
(٦) ساقط من (ل).
(٧) ساقط من (ج) و(ك).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٥٥)؛ وابن أبي شيبة (١٣/ ٩٦)؛ والبيهقي في "البعث" (٢٦٧) من طريقين عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن ابن مسعود به قال البيهقي: "هذا موقوف صحيح". وأخرجه عبد الرزاق (ج ١١/ رقم ٢٠٨٧٣) أخبرنا معمر، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قوله ولم يذكر "ابن مسعود" فلعل معمر قصر في إسناده وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٣٧)؛ لأبي الشيخ في "تفسيره".
(٩) من (ز) و(ن).
[ ١ / ٣١٠ ]
في "تفسيره" (^١)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة؛ قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل؛ قال: إنهم أتوا بالثمرة في الجنة، فلما نظروا إليها قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا.
وهكذا قال قتادة (^٢)، وعبد الرحمن بن زيد بن (^٣) أسلم، ونصره ابن (^٤) جرير.
وقال عكرمة: [﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ قال: معناه مثل الذي كان بالأمس. وكذا قال الربيع بن أنس.
وقال مجاهد] (^٥): يقولون: ما أشبهه به.
قال ابن جرير: وقال آخرون: بل تأويل ذلك الذي رزقنا من قبل من ثمار الجنة من قبل هذا، لشدة مشابهة بعضه بعضًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال سنيد (^٦) بن داود: حدثنا شيخ من أهل المصيصة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير؛ قال: يؤتى أحدهم بالصحفة من الشيء، فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى، فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل، فتقول الملائكة: كل، فاللون واحد، والطعم مختلف.
وقال ابن (^٧) أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عامر بن يساف، عن يحيى بن أبي كثير، قال عشب الجنة الزعفران، وكثبانها المسك، ويطوف عليهم الولدان بالفواكه، فيأكلونها، ثم يؤتون بمثلها؛ فيقول لهم أهل الجنة: هذا الذي أتيتمونا آنفًا به؛ فتقول لهم الولدان: كلوا (فإن) (^٨) اللون واحد، والطعم (مختلف) (^٩)؛ وهو قول اللّه تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾.
وقال أبو جعفر (^١٠) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال: يشبه بعضه بعضًا، ويختلف في الطعم.
قال ابن أبي حاتم (^١١): وروي عن مجاهد، والربيع بن أنس، والسدي، نحو ذلك.
وقال ابن جرير (^١٢) بإسناده، عن السدي في "تفسيره" عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٥١٢)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٢٥٨)، عن السدي قوله [وسنده ضعيف].
(٢) أخرجه ابن جرير (٥١٣) وسنده صحيح.
(٣) أخرجه ابن جرير (٥١٦) وسنده صحيح.
(٤) في "تفسيره" (١/ ٣٨٧، ٣٨٨).
(٥) أخرجه ابن جرير (٥١٤، ٥١٥)؛ وابن أبي حاتم (٢٥٩، ٢٦٠) [وسنده صحيح] وعزاه في "الدر" (١/ ٣٨) لعبد بن حميد عن عكرمة.
(٦) أخرجه ابن جرير (٥١٨). [وسنده ضعيف لإبهام شيخ سنيد، ويشهد له ما يليه، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عباس نحوه].
(٧) في "تفسيره" (٢٦٢)؛ وأخرجه أبو نعيم في "صفة الجنة" (٣٥٣) عن داود بن رشيد، عن عامر بن يساف. [وسند ابن أبي حاتم حسن].
(٨) ساقط من (ن).
(٩) ساقط من (ج).
(١٠) أخرجه ابن جرير (٥٢٧) بسند ضعيف.
(١١) [أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي جعفر به وسنده جيد].
(١٢) أخرجه ابن جرير (٥٢٤). [وسنده ضعيف].
[ ١ / ٣١١ ]
ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة في قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ يعني: في اللون والمرأى، وليس يشتبه في الطعم وهذا اختيار ابن جرير.
وقال عكرمة (^١): ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال: يشبه ثمر الدنيا، غير أن ثمر الجنة أطيب.
وقال سفيان (^٢) الثوري، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: لا يشبه شيء مما في الجنة في الدنيا إلا في الأسماء.
وفي رواية: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، ورواه ابن جرير من رواية الثوري، وابن أبي حاتم، من حديث أبي معاوية، كلاهما عن الأعمش، به.
وقال عبد الرحمن (^٣) بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال: يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا: الفتاح بالتفاح، والرمان بالرمان، قالوا في الجنة: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا، وأتوا به متشابهًا، يعرفونه، وليس هو مثله في الطعم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ قال ابن أبي (^٤) طلحة، عن ابن عباس: مطهرة من القذر والأذى.
وقال مجاهد (^٥): من الحيض والغائط، والبول والنخام والبزاق، والمني والولد.
وقال قتادة (^٦): مطهرة من الأذى والمأثم. وفي رواية عنه: لا حيض ولا كلف.
وروى عن عطاء، والحسن، والضحاك، وأبي صالح، وعطية، والسدي نحو ذلك.
وقال ابن جرير (^٧): حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: المطهرة التي لا تحيض، قال: وكذلك خلقت حواء ﵍ (فلما) (^٨) عصت قال اللّه تعالى: إني خلقتك مطهرةً وسأُدميك كما أدميت هذه الشجرة. وهذا غريب.
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٥٣٣)؛ وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٤١) وعنه ابن جرير (٥٣٢) قال: أخبرنا معمر عن قتادة فذكره بلفظه. وتابعه محمد بن ثور عن معمر مثله، [وسنده صحيح]، أخرجه ابن الأنباري في "الأضداد" (ص ٣٨٦).
(٢) أخرجه وكيع في "نسخته عن الأعمش" (١)؛ وابن جرير (٥٣٤) من طريق الثوري به. وأخرجه هناد بن السري في "الزهد" (٣، ٨)؛ وابن جرير (٥٣٥)؛ وابن أبي حاتم (٢٦١) من طرق عن الأعمش بسنده سواء. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٣٨)؛ لمسدد وابن المنذر والبيهقي في "البعث" وهو أثر صحيح.
(٣) أخرجه ابن جرير (٥٣٦) بسند صحيح.
(٤) أخرجه ابن جرير (٥٣٩)؛ وابن أبي حاتم (٢٦٥) [وسنده ثابت].
(٥) أخرجه هناد في "الزهد" (٢٧ - ٢٩)؛ ونعيم بن حماد في "زوائد الزهد" (٢٤٣)؛ وعبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٤١)؛ وابن جرير (٥٤٢ - ٥٤٥)؛ والبيهقي في "البعث" (٣٦٠)؛ وأبو نعيم في "صفة الجنة" (٣٦٢) من طرق عن مجاهد. وهو صحيح.
(٦) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٤١)؛ وابن جرير (٥٤٦ - ٥٤٨)؛ وأبو نعيم (٣٦١) من طرق عن قتادة. [وسنده صحيح].
(٧) في "تفسيره" (٥٥٠) وإسناده صحيح، واستغربه المصنف وأصاب، ولا يقبل مثل هذا الكلام إلا من النبي ﷺ أو ينزل به وحي.
(٨) في (ز): "حتى".
[ ١ / ٣١٢ ]
وقال الحافظ أبو بكرة (^١) بن مردويه: حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثني جعفر بن محمد بن حرب، وأحمد بن محمد (الجوري) (^٢)؛ قالا: حدثنا محمد بن عبيد الكندي، حدثنا عبد الرزاق بن عمر البزيعي، حدثنا عبد اللّه بن المبارك، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ قال: من الحيض والغائط، والنخاعة والبزاق.
هذا حديث غريب. وقد رواه الحاكم في "مستدركه" عن محمد بن يعقوب، عن الحسن بن علي بن عفان، عن محمد بن عبيد، به. وقال: "صحيح على شرط الشيخين".
وهذا الذي ادعاه فيه نظر؛ فإن عبد الرزاق بن عمر البزيعي هذا قال فيه أبو حاتم بن حبان البستي: "لا يجوز الاحتجاج به".
قلت: والأظهر أن هذا من كلام قتادة كما تقدم. واللّه أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هذا هو تمام السعادة، فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين من الموت والانقطاع، فلا آخر له، ولا انقضاء؛ بل في نعيم سرمدي أبدي على الدوام. واللّه المسؤول أن يحشرنا في زمرتهم، إنه جواد كريم (بر) (^٣) رحيم.
﴿*إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾.
قال السُّدِّيُّ في "تفسيره" (^٤) عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: لما ضرب اللّه هذين المثلين للمنافقين - يعني: قوله (تعالى) (^٥): ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ …﴾ [البقرة: ١٩] الآيات الثلاث - قال المنافقون: اللّه أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال؛ فأنزل اللّه هذه الآية إلى قوله (تعالى) (^٥): ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
_________________
(١) في "تفسيره". وعزاه له السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٣٩) وقال: "أخرج الحاكم وابن مردويه وصححه" ولعل الصواب: "الحاكم وصححه وابن مردويه". ولم أقف عليه في "المستدرك" فاللّه أعلم. وأخرجه ابن الأعرابي في "معجمه" (٢٠٤) قال: نا محمد بن عبيد، نا عبد الرزاق بن عمر بسنده سواء، وأخرجه أبو نعيم في "صفة الجنة" (٣٦٣) من طريق محمد بن عبيد مثله. وذكر الذهبي هذا الحديث في ترجمة "البزيعي" (٢/ ٦٠٨، ٦٠٩) وقال: "أخطأ"؛ يعني: في رفعه. وقال الحافظ في "الفتح" (٦/ ٣٢٠): "لا يصح إسناده" وهو الصواب. وكأنه نسي هذا التحقيق فقال في "التغليق" (٣/ ٤٩٩): "إسناده لا بأس به"!!
(٢) في (ن): "الخواري"، في (ج): "الجوازي"! وهو أحمد بن محمد بن جوري، ترجمه الخطيب في "تاريخه" (٤/ ٤١٠) وقال: "في حديثه غرائب ومناكير".
(٣) ساقط من (ج).
(٤) ومن طريقه ابن جرير (٥٥٤)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٢٧٣) عن السدي قوله. [وسنده ضعيف].
(٥) من (ن).
[ ١ / ٣١٣ ]
وقال عبد الرزاق (^١)، عن معمر، عن قتادة: لما ذكر اللّه تعالى العنكبوت والذباب قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل اللّه (تعالى) (^٢) ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.
وقال سعيد (^٣)، عن قتادة: أي إن اللّه لا يستحي من الحق أن يذكر شيئًا ما قل أو كثر، وإن اللّه حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد اللّه من ذكر هذا! فأنزل اللّه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.
قلت: العبارة الأولى عن قتادة فيها إشعار أن هذه الآية مكية، وليس كذلك؛ وعبارة رواية سعيد عن قتادة أقرب. واللّه أعلم.
وروى ابن (^٤) جريج، عن مجاهد نحو هذا الثاني عن قتادة.
وقال ابن أبي حاتم: روي عن الحسن، وإسماعيل بن أبي خالد نحو قول السدي، وقتادة.
وقال أبو جعفر (^٥) الرازي، عن الربيع بن أنس في هذه الآية - قال: هذا مثل ضربه اللّه للدنيا أن البعوضة تحيا ما جاعت، فإذا سمنت ماتت؛ وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضُرب لهم المثل في القرآن: إذا امتلئوا من الدنيا (ريًا) (^٦) أخذهم اللّه (تعالى) (^٧) عند ذلك؛ ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾ (^٨) [الأنعام: ٤٤].
هكذا رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية بنحوه. فاللّه أعلم.
فهذا اختلافهم في سبب النزول.
وقد اختار ابن جرير ما حكاه السدي؛ لأنه أمس بالسورة؛ وهو مناسب.
ومعنى الآية أنه تعالى أخبر أنه لا يستحيي "أي: لا يستنكف. وقيل: لا يخشى، أن يضرب مثلًا ما؛ أي: أي مثل كان بأي شيء كان صغيرًا كان أو كبيرًا".
و"ما" هاهنا للتقليل (زائدة) (^٩) وتكون "بعوضةً" منصوبةً على البدل، كما تقول: لأضربن ضربًا ما؛ فيصدق بأدنى شيء، [أو تكون "ما" نكرة موصوفةً ببعوضة] (^١٠).
واختار ابن جرير أن "ما" موصولة، و"بعوضة" معربة بإعرابها؛ قال: وذلك سائغ في كلام العرب أنهم يعربون صلةً "ما" و"من" بإعرابهما؛ لأنهما يكونان معرفةً تارةً ونكرةً أخرى، كما قال حسان بن ثابت:
_________________
(١) في "تفسيره" (١/ ٤١) ومن طريقه ابن جرير (٥٥٨)؛ وابن أبي حاتم (٢٧٤) وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٤١) لعبد بن حميد وابن المنذر. [وسنده صحيح].
(٢) من (ج)، وفي (ك): "﷿".
(٣) أخرجه ابن جرير (٥٥٧) وسنده صحيح.
(٤) أخرجه ابن جرير (٥٦١) [وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من مجاهد].
(٥) أخرجه ابن جرير (٥٥٥)، وابن أبي حاتم (٢٧١). [وسنده جيد].
(٦) ساقط من (ك).
(٧) من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).
(٨) من (ج).
(٩) ساقط من (ز) و(ن) و(هـ).
(١٠) ساقط من (ز) و(ي).
[ ١ / ٣١٤ ]
(يكفي) (^١) بنا فضلًا على من غيرنا … حب النبي محمد إيانا
قال: ويجوز أن تكون "بعوضة" منصوبةً بحذف الجار وتقدير الكلام: إن اللّه لا يستحي أن يضرب مثلًا ما بين بعوضة إلى ما فوقها [وهذا الذي اختاره الكسائي والفراء.
وقرأ الضحاك، وإبراهيم بن أبي عبلة "بعوضة" - بالرفع (^٢). قال ابن جني: وتكون صلةً لـ"ما" وحذف العائد، كما في قوله: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] (أي على الذي هو أحسن) (^٣).
وحكى سيبويه: ما أنا بالذي قائل لك شيئًا؛ (أي) (^٤) (يعني) (^٥) (بالذي هو قائل لك شيئًا) (^٦)].
وقوله تعالى: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾: فيه قولان:
أحدهما: فما دونها في الصغر والحقارة؛ كما إذا وصف رجل باللؤم والشح، فيقول السامع: نعم، وهو فوق ذلك - يعني: فيما وصفت. [وهذا قول الكسائي، وأبي عبيدة؛ (قاله) (^٧) الرازي (^٨)، وأكثر] (^٩) [المحققين.
[(وفي الحديث (^١٠): "لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة لما سقى كافرًا منها شربة ماء") (^١١)] (^١٢).
_________________
(١) كذا في (ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(هـ)؛ وفي (ج) و(ي): "فكفى"؛ وفي (ز): "وكفى" وهو الموافق لما في "تفسير الطبري" (١/ ٤٠٤).
(٢) [وهي قراءة شاذة].
(٣) ساقط من (ج)؛ وفي (ك): "أي على الذي أحسن هو أحسن".
(٤) ساقط من (ك).
(٥) من (ج) و(ك) و(ن).
(٦) ساقط من (ك).
(٧) كذا في (ن). وفي جميع الأصول: "قال".
(٨) في "تفسيره" (١/ ١٤٨، ١٤٩).
(٩) ساقط من (ز).
(١٠) أخرجه الترمذي (٢٣٢٠)؛ والعقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٤٦)؛ وابن عدي في "الكامل" (٥/ ١٩٥٦)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٥٣)؛ والبيهقي في "الشعب" (٧/ ٣٢٥) عن عبد الحميد بن سليمان. وابن ماجه (٤١١٠)؛ والحاكم (٤/ ٣٠٦)؛ والبيهقي في "الشعب" عن زكريا بن منظور. والطبراني في "الكبير" (ج ٦/ رقم ٥٩٢١) عن زمعة بن صالح ثلاثتهم عن أبي حازم، عن سهل بن سعد مرفوعًا. فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه". (*) قلت: الرواة الثلاثة عن أبي حازم ضعفاء. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"! فرده الذهبي بقوله: "زكريا ضعفوه" ولكن للحديث شاهد عن أبي هريرة أخرجه البزار (٣٦٩٣)؛ وابن عدي (٦/ ٢٢٣٥)؛ والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٤٤٠) وفي إسناده صالح مولى التوأمة وكان اختلط؛ وأخرجه ابن أبي الفوارس في "المنتقى من حديث المخلص" (ق ٢/ ١٠٥)؛ والبيهقي في "الشعب" (ج ٧/ رقم ١٠٤٧٠) من طريق أبي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا مثله. وأبو معشر ضعيف. ثم وقفت له على طريق آخر صحيح. أخرجه ابن بشران في "الأمالي (ج ٢٢/ ق ٢/ ٢٤١) قال: أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان ثنا محمد بن بشر، ثنا أحمد بن حاتم، ثنا محمد بن عجلان، ثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا مثله. وهذا سند صحيح، ولم يذكره كل من تكلم على الحديث ممن وقفت عليهم فللَّه الحمد. وأبو سهل القطان ثقة، مترجم في "تاريخ بغداد" (٥/ ٤٥، ٤٦)، ومحمد بن بشر هو ابن مطر أبو بكر الوراق، ترجمه الخطيب (٢/ ٩٠) ونقل عن إبراهيم الحربي: "صدوق لا يكذب" وقال الدارقطني: "ثقة". وأحمد بن حاتم هو ابن يزيد الطويل، ترجمه الخطيب أيضًا ونقل توثيقه عن عبد الله بن أحمد والدارقطني وابن معين، وبقية رجاله ثقات معروفون. وله طرق أخرى عن أبي هريرة وشواهد عن الصحابة ذكرتها في "التسلية".
(١١) ساقط من (ك).
(١٢) ساقط من (ز).
[ ١ / ٣١٥ ]
والثاني: فما فوقها: فما هو أكبر منها؛ لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة؛ وهذا [قول قتادة بن دعامة، و] (^١) اختيار ابن جرير؛] [(ويؤيده) (^٢) ما رواه مسلم (^٣) عن عائشة ﵂ أن رسول اللّه ﷺ قال: "ما من مسلم يشاك شوكةً فما فوقها إلا كتب له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة"] (^١)؛ فأخبر أنه لا يستصغر شيئًا يضرب به مثلًا؛ ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة، [وكما (لم) (^٤) يستنكف عن خلقها، كذلك (لا) (^٥) يستنكف من ضرب المثل بها] (^٦)، كما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾ [الحج] وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [العنكبوت] وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ [إبراهيم] وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ الآية [النحل:٧٥] ثم قال ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ الآية [النحل: ٧٦] كما قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الآية [الروم: ٢٨].
وقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ الآية [الزمر: ٢٩].
وقد قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت].
وفي القرآن أمثال كثيرة.
قال بعض السلف: إذا سمعت المثل في القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي؛ لأن اللّه (يقول) (^٧): ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾.
وقال مجاهد (في) (^٨) قوله (تعالى) (^٨): ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾: الأمثال صغيرها وكبيرها يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم اللّه بها (^٩).
وقال قتادة (^١٠): ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: يعلمون أنه كلام الرحمن، وأنه من عند الله.
_________________
(١) ساقط من (ز).
(٢) في (ن): "فإنه يؤيده".
(٣) في "صحيحه" (٢٥٧٢/ ٤٧) من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة مرفوعًا.
(٤) في (ن): (لا).
(٥) في (هـ): "لم".
(٦) ساقط من (ز) و(ك).
(٧) في (ن): "قال".
(٨) من (ن).
(٩) [أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد].
(١٠) أخرجه ابن جرير (٥٦٥)؛ وابن أبي حاتم (٢٧٧) من طريق يزيد بن زريع ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة وسنده صحيح.
[ ١ / ٣١٦ ]
وروى (^١) عن مجاهد، والحسن، والربيع بن أنس، نحو ذلك.
وقال أبو العالية (^٢): ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني: هذا المثل ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ كما قال في سورة المدثر: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
وكذلك قال هاهنا: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾.
وقال السدي في "تفسيره" (^٣)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ يضل به كثيرًا؛ يعني (به) (^٤) المنافقين؛ ﴿وَيَهْدِي﴾ كثيرًا؛ يعني (به) (٢) المؤمنين؛ فيزيد هؤلاء ضلالةً إلى (ضلالتهم) (^٥)؛ لتكذيبهم بما قد علموه حقًّا يقينًا من المثل الذي ضربه اللّه (بما ضرب لهم) (^٦)، وأنه لما (ضربه) (^٧) له موافق، فذلك إضلال اللّه إياهم به. ويهدي به - يعني: بالمثل - كثيرًا من أهل الإيمان والتصديق؛ فيزيدهم هدًى إلى هداهم، وإيمانًا إلى إيمانهم؛ لتصديقهم بما قد علموه حقًّا يقينًا أنه موافق لما ضربه اللّه له مثلًا، وإقرارهم به؛ وذلك هداية من اللّه لهم به.
﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ قال: هم المنافقون. وقال أبو العالية (^٨): ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ قال: هم أهل النفاق، وكذا قال الربيع (^٩) بن أنس.
وقال ابن جريج (^١٠)، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ قال: يقول يعرفه الكافرون فيكفرون به.
وقال قتادة (^١١): ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ فسقوا، فأضلهم اللّه على فسقهم.
وقال ابن أبي حاتم (^١٢): حدثت، عن إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، عن سعد ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ يعني: الخوارج.
وقال شعبة (^١٣)، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، قال: سألت أبي، فقلت: قوله
_________________
(١) هذه الآثار عند ابن جرير (٥٦٤ - ٥٦٦)؛ وابن أبي حاتم (٢٧٩). [وأسانيدها ما بين صحيح وجيد].
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٧٦) بسند حسن.
(٣) ومن طريقه ابن جرير (٥٦٧) [وسنده ضعيف].
(٤) من (ن).
(٥) في (ز): "ضلالهم".
(٦) كذا في (ز) و(ن)؛ وفي (ج) و(ك) و(هـ): "لما ضرب له"؛ وفي (ع) و(ي): "بما ضرب له".
(٧) في (ن): "ضرب".
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٣). [وسنده جيد].
(٩) أخرجه ابن جرير (٥٧٠).
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٧) وفيه عنعنة ابن جريج. [وسنده ضعيف].
(١١) أخرجه ابن جرير (٥٦٩)؛ وابن أبي حاتم (٢٨٦) من طريقين عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة وسنده صحيح.
(١٢) في "تفسيره" (٢٨٢) وسنده ظاهر الضعف.
(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٨، ٢٩٣) من طرق، عن شعبة بسنده سواء. وأخرجه البخاري (٨/ ٤٢٥)؛ والنسائي في "التفسير" (٣١٣)؛ وابن أبي حاتم (٢٩٦) مختصرًا من طريق =
[ ١ / ٣١٧ ]
تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ إلى آخر الآية؛ فقال: هم الحرورية.
وهذا الإسناد (إن) (^١) صح عن سعد بن أبي وقاص ﵁، فهو تفسير على المعنى، (لا) (^٢) أن الآية أريد منها التنصيص على الخوارج الذين خرجوا على علي بالنهروان؛ فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية؛ وإنما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل؛ لأنهم سموا خوارج، لخروجهم، عن طاعة الإمام، والقيام بشرائع الإسلام.
والفاسق في اللغة: هو الخارج عن الطاعة أيضًا. وتقول العرب: فسقت الرطبة، إذا خرجت من قشرتها؛ ولهذا يقال للفأرة: فويسقة لخروجها عن جحرها للفساد.
وثبت في "الصحيحين" (^٣) عن عائشة: أن رسول اللّه ﷺ قال: "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور"؛ فالفاسق يشمل الكافر والعاصي، ولكن فسق الكافر أشد وأفحش، والمراد به من الآية الفاسق الكافر، واللّه أعلم؛ بدليل أنه وصفهم بقوله (تعالى) (^٤): ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾.
وهذه الصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين، كما قال تعالى في سورة الرعد:
﴿*أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) …﴾. الآيات، إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد].
وقد اختلف أهل التفسير في معنى العهد الذي وصف هؤلاء الفاسقين بنقضه؛ فقال بعضهم: هو وصية اللّه إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه وعلى لسان رسله؛ ونقضهم ذلك: هو تركهم العمل به.
وقال آخرون: بل هي في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم؛ وعهد اللّه الذي نقضوه هو ما أخذه اللّه عليهم في التوراة من العمل بما فيها، واتباع محمد ﷺ إذا بعث، والتصديق به وبما جاء به من عند ربهم؛ ونقضهم ذلك: هو جحودُهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علم ذلك (عن) (^٥) الناس بعد إعطائهم اللّه من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا
_________________
(١) = شعبة، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد قال: سألت أبي ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣] هم الحرورية؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدًا ﷺ، وأما النصارى كفروا بالجنة وقالوا: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان سعد يسميهم الفاسقين.
(٢) هكذا في كل "الأصول" ووقع في بعض النسخ المطبوعة "وإن" بزيادة الواو والفرق بينهما واضح، ولا شك أن هذا التفسير صح عن سعد بن أبي وقاص كما مرَّ بك، وكان اللائق بعلم ابن كثير ﵀ أن تكون العبارة (وإن) لأن صحة هذه الأسانيد لا تخفي على مثله إن شاء الله تعالى. واللّه أعلم.
(٣) في (ج): "إلا" وقد أفسد المعنى.
(٤) أخرجه البخاري (٤/ ٣٤ و٦/ ٣٥٥)؛ ومسلم (١١٩٨/ ٦٨، ٧٠، ٧١).
(٥) من (ن).
(٦) كذا في (ج) و(ل) و(هـ)، وسقط من (ز) و(ع) و(ن) و(هـ). ووقع في (ك): "من" وأشار إليها في (ي).
[ ١ / ٣١٨ ]
يكتمونه؛ فأخبر تعالى أنهم نبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلًا.
وهذا اختيار ابن جرير (^١) ﵀، و(هو) (^٢) قول مقاتل بن حيان.
وقال آخرون: بل عنى بهذه الآية جميع أهل الكفر والشرك والنفاق. وعهده إلى جميعهم في توحيده ما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته؛ وعهده إليهم في أمره ونهيه ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي (بمثلها) (^٣)، الشاهدة لهم على (صدقهم) (^٤)؛ قالوا: ونقضهم ذلك تركهم الإقرار بما قد تبينت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبهم الرسل والكتب مع علمهم أن ما أتوا به حق.
وروي عن مقاتل بن حيان (أيضًا) (^٥) نحو هذا (^٦). وهو حسن. [وإليه مال الزمخشري (^٧)؛ فإنه قال: فإن قلت: فما المراد بعهد الله؟ قلت: ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد، كأنه أمر وصَّاهم به] (^٨).
[ووثقه عليهم؛ وهو معنى قوله (تعالى) (^٩): ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] إذ أخذ الميثاق عليهم (في) (^١٠) الكتب المنزلة عليهم؛ كقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠] (^١١).
وقال آخرون: العهد الذي ذكره تعالى: هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم الذي وصف في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيتين. ونقضهم ذلك: تركهم الوفاء به.
وهكذا روي (^١٢) عن مقاتل بن حيان أيضًا، حكى هذه الأقوال ابن جرير في "تفسيره" (^١٣).
وقال أبو جعفر الرازي (^١٤)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية - في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ قال: هي ست خصال من المنافقين؛ إذا كانت فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا أؤتمنوا خانوا، ونقضوا عهد اللّه من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض؛ وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الخصال الثلاث: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا أؤتمنوا خانوا.
وكذا قال الربيع بن أنس (^١٥) أيضًا.
_________________
(١) في "تفسيره" (١/ ٤١٠، ٤١١).
(٢) من (ج) و(هـ) و(ي).
(٣) كذا في (ز) و(ن)؛ وفي (ج) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي): "بمثله".
(٤) كذا في (ز) و(ن)؛ وفي (ج) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي): "صدقه".
(٥) ساقط من (ز).
(٦) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان].
(٧) في "الكشاف" (١/ ٤٨).
(٨) ساقط من (ز) و(هـ).
(٩) من (ن).
(١٠) كذا في (ج) و(ي)؛ وفي (ك) و(ل) و(ن): "من".
(١١) ساقط من (ز) و(هـ).
(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٥) [بسند جيد].
(١٣) (١/ ٤٤١، ٤١٢).
(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨٩). [وسنده جيد].
(١٥) أخرجه ابن جرير (٥٧٣).
[ ١ / ٣١٩ ]
وقال السدي في "تفسيره" (^١) بإسناده. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ قال: هو ما عهد إليهم في القرآن، فأقروا به، ثم كفروا فنقضوه.
وقوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ قيل: المراد به صلة الأرحام والقرابات، كما فسره قتادة (^٢)؛ كقوله (تعالى) (^٣): ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ [محمد] ورجحه ابن جرير (^٤).
وقيل: (المراد) (^٥) أعم من ذلك؛ فكل ما أمر اللّه بوصله وفعله (قطعوه) (^٦) وتركوه.
وقال مقاتل بن حيان (^٧) في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ قال: في الآخرة. وهذا كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥].
وقال الضحاك (^٨)، عن ابن عباس: كل شيء نسبه اللّه إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل "خاسر" فإنما يعني به الكُفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذنب.
وقال ابن جرير (^٩) في قوله (تعالى) (^١٠): ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (الخاسرون) (^١١) جمعُ خاسرٍ، وهم الناقصون أنفسهم حظوظهم بمعصيتهم اللّه من رحمته، كما يخسر الرجل في تجارته، بأن يوضع من رأس ماله في بيعه. وكذلك المنافق والكافر خسر بحرمان اللّه إياه رحمته التي خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كانوا إلى رحمته. يقال منه: خسر الرجل يخسر خسرًا وخسرانًا وخسارًا، كما قال جرير بن عطية (^١٢):
إن سليطًا في الخسار إنه … أولاد قوم خلقوا أقنَّه
﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾.
يقول تعالى: محتجًّا على وجوده وقدرته، وأنه الخالق المتصرف في عباده: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: كيف تجحدون وجوده، أو تعبدون معه غيره؟ ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي: وقد كنتم عدمًا فأخرجكم إلى الوجود، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ [الطور] وقال (تعالى) (^١٣): ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] والآيات في هذا كثيرة.
وقال سفيان الثوري (^١٤): عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللّه بن مسعود ﵁:
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩١) عن السدي قوله، وعادة ابن أبي حاتم أنه يختصر إسناد السدي في "تفسيره" فلينتبه لذلك.
(٢) أخرجه ابن جرير (٥٧٤) بسند صحيح.
(٣) من (ز) و(ن).
(٤) في "تفسيره" (١/ ٤١٦).
(٥) من (ن).
(٦) في (ن): "فقطعوه".
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٩٨) [بسند جيد].
(٨) أخرجه ابن جرير (٥٧٥) بسند ضعيف.
(٩) في "تفسيره" (١/ ٤١٧).
(١٠) من (ن).
(١١) ساقط من (ج) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).
(١٢) هو في ديوانه (٥٩٨). وانظر "تفسير الطبري" (١/ ٤١٧).
(١٣) من (ن).
(١٤) أخرجه ابن جرير (٥٧٧)؛ وابن أبي حاتم (٣٠١) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، ثنا سفيان الثوري به؛ =
[ ١ / ٣٢٠ ]
﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ [غافر: ١١] قال: هي التي في البقرة: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.
وقال (ابن جريج) (^١)، عن عطاء، عن ابن عباس (^٢): كنتم أمواتًا فأحياكم: أمواتًا في أصلاب آبائكم، لم تكونوا شيئًا حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حين يبعثكم، قال: وهي مثل قوله (تعالى) (^٣): ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].
[وقال الضحاك، عن ابن عباس (^٤)، في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾] (^٥) قال: كنتم ترابًا قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة؛ ثم أحياكم فخلقكم، فهذه حياة؛ ثم يميتكم فترجعون إلى القبور؛ فهذه ميتة أخرى؛ ثم يبعثكم يوم القيامة [فهذه حياة (أخرى) (^٦)] (^٧) فهذه ميتتان وحياتان؛ فهو كقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.
وهكذا روي عن السدي (^٨) بسنده عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، وعن أبي العالية، والحسن (البصري) (^٩)، ومجاهد، وقتادة، وأبي صالح، والضحاك، وعطاء الخراساني نحو ذلك.
وقال الثوري (^١٠)، عن السدي، عن أبي صالح: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ قال: يحييكم في القبر ثم يميتكم.
وقال ابن جرير (^١١)، عن يونس، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ قال: خلقهم في ظهر آدم، ثم أخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة؛ وذلك كقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] وهذا غريب، والذي قبله.
والصحيح ما تقدم عن ابن مسعود، وابن عباس، وأولئك الجماعة من التابعين؛ وهو كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾ [الجاثية]، [(عبَّر) (^١٢) عن الحال قبل الوجود بالموت، لجامع ما يشتركان فيه من عدم] (^١٣)
_________________
(١) = وأخرجه الطبراني في "الكبير" (ج ٩/ رقم ٩٠٤٤)؛ والحاكم (٢/ ٤٣٧) من طريق إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق بسنده سواء. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي! وليس كما قالا، والصواب أنه على شرط مسلم وهذه الترجمة: "أبو إسحاق عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود" لم يخرجها البخاري في "صحيحه" بل في "الأدب المفرد" والله أعلم.
(٢) في (ج): "ابن جرير"!
(٣) أخرجه ابن جرير (٥٨١) بسند ضعيف.
(٤) من (ن).
(٥) أخرجه ابن جرير (٥٨٣)؛ وابن أبي حاتم (٣٠٢) بسند ضعيف.
(٦) ساقط من (ج) و(ك) و(ص).
(٧) ساقط من (ج) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ي).
(٨) ساقط من (ك).
(٩) في "تفسيره" ومن طريقه ابن جرير (٥٧٦). [وسنده ضعيف ويتقوى بالآثار التي تليه].
(١٠) ساقط من (ن).
(١١) أخرجه ابن جرير (٥٨٤) بسند حسن.
(١٢) رقم (٥٨٦) وسنده صحيح.
(١٣) في (ك): "يخبر".
(١٤) ساقط من (ز).
[ ١ / ٣٢١ ]
[الإحساس، كما قال في الأصنام: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ …﴾ الآية [النحل: ٢١] وقال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ (^١) [يس].
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾.
لما ذكر تعالى دلالةً من خلقهم، وما يشاهدونه من أنفسهم، ذكر دليلًا آخر مما يشاهدونه من خلق السموات والأرض؛ فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أي: قصد إلى السماء. والاستواء ها هنا: (مضمَّنٌ) (^٢) معنى القصد والإقبال؛ لأنه عدي بـ"إلى" "فسواهن"؛ أي: فخلق السماء سبعًا.
والسماء ها هنا: اسم جنس؛ فلهذا قال: (﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾) (^٣)، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: وعلمه محيط بجميع ما خلق؛ كما قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤].
وتفصيل هذه الآية في سورة "حم السجدة" (^٤) وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ [فصلت:١٢].
ففي هذه دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولًا، ثم خلق السموات سبعًا؛ وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله، ثم أعاليه بعد ذلك.
وقد صرح المفسرون بذلك، كما سنذكره بعد هذا (إن شاء اللّه) (^٥).
فأما قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ (^٦) [النازعات] فقد قيل: إن "ثُمَّ" ها هنا إنما هي لعطف الخبر على الخبر، لا لعطف الفعل على الفعل؛ كما قال الشاعر:
قل لمن ساد ثم ساد أبوه … ثم قد ساد قبل ذلك جده
وقيل: إن الدحي كان بعد خلق (السموات) (^٧)؛ رواه علي بن أبي طلحة (^٨)، عن ابن عباس.
وقد قال السدي في "تفسيره" (^٩)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة،
_________________
(١) ساقط من (ز).
(٢) في (ز): "تضمن".
(٣) في (ن): "فسواهن سبع سموات" ولا يظهر قصد المصنف لإتمامها كما لا يخفى.
(٤) من (ز) و(ك) و(ن).
(٥) من (ز) و(ك) و(ن).
(٦) من (ن).
(٧) في (ن): "السموات والأرض"!!
(٨) أخرجه ابن جرير (٥٩٤) [وسنده ثابت].
(٩) أخرجه ابن جرير (٥٩١)؛ والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٢/ ١١٨، ١١٩)؛ وابن أبي حاتم (٣٠٧) واختصر هذا سنده كما نبهت عليه. [وسنده ضعيف].
[ ١ / ٣٢٢ ]
عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^١) قال: إن اللّه ﵎ كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء؛ فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانًا، فارتفع فوق (الماء) (^٢)، فسما عليه، فسماه سماءً، ثم أيبس الماء فجعله أرضًا واحدةً، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين، في الأحد والإثنين؛ فخلق الأرض على حوت، والحوت هو الذي ذكره اللّه في القرآن: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١]. والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح؛ وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت فاضطرب، فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال، فقرت؛ فالجبال تفخر على الأرض؛ فذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١]، وخلق الجبال فيها، وأقوات أهلها، وشجرها، وما ينبغي لها في يومين، في الثلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت: ٩ - ١٠] يقول: أنبت شجرها، ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: ١٠] [يقول: أقواتها لأهلها] (^٣) ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] يقول: من سأل فهكذا الأمر؛ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] وذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، فجعلها سماءً واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين، في الخميس والجمعة؛ وإنما سمي يوم الجمعة؛ لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض؛ ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] قال: خلق (اللّه) (^٤) في كل سماء خلقها من الملائكة، والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد ومما لا يعلم؛ ثم زين السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينة وحفظًا تحفظ من الشياطين.
فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش فذلك حين يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] ويقول: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
وقال ابن جرير (^٥): حدثني المثنى، حدثنا عبد اللّه بن صالح، حدثني أبو معشر، عن سعيد بن
_________________
(١) من (ل) و(ن).
(٢) في (ج): "السماء"!
(٣) كذا في (ك) وهو الموافق لما في "تفسير الطبري" (٥٩١) ووقع في (ز) و(ع) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ي): "لأهلها" وسقط من (ج).
(٤) من (ز) (ن).
(٥) في "تفسيره" (٥٩٥)؛ وفي "تاريخه" (١/ ٤٧، ٥٥). وأخرجه أبو الشيخ في "كتاب العظمة" (٨٨٢) من طريق محمد بن بكير الحضرمي، ثنا أبو معشر به. وهذا سند ضعيف، لضعف أبي معشر واسمه نجيح بن عبد الرحمن، ولكن تابعه ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن عبد الله بن سلام فذكره. أخرجه ابن منده في "كتاب التوحيد" (٦١)؛ والبيهقي في "الأسماء" (٢/ ١٢٣، ١٢٤)؛ وابن عبد البر في "التمهيد" (٢٣/ ٤٨)؛ والفريابي في "القدر" (٢ - بتحقيقي) وسنده صحيح. ولكن رواه حماد بن خالد الخياط، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن عبد الله بن سلام فذكره فزاد في الإسناد "والد سعيد المقبري". أخرجه عباس الدوري في "تاريخ ابن معين" (٣/ ٤٩).
[ ١ / ٣٢٣ ]
أبي سعيد، عن عبد الله بن سلام - أنه قال: إن اللّه بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرضين في الأحد والاثنين؛ وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عجل؛ فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة.
وقال مجاهد (^١) في قوله (تعالى) (^٢): ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ قال: خلق اللّه الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض (ثار) (^٣) منها دخان؛ فذلك حين يقول: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ قال: بعضهن فوق بعض؛ وسبع أرضين - يعني (بعضهن) (^٤) تحت بعض.
[(وهذه الآية دالة على أن الأرض خلقت قبل السماء، كما قال في آية السجدة: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾] (^٥) [﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [فصلت] فهذه وهذه دالتان على أن الأرض خلقت قبل السماء، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين العلماء إلا ما نقله ابن جرير (^٦) عن قتادة - أنه زعم أن السماء خلقت قبل الأرض، وقد توقف في ذلك القرطبي (^٧) في "تفسيره" لقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١)﴾ (^٨) [النازعات] قالوا: فذكر خلق السماء قبل الأرض.
وفي "صحيح البخاري" (^٩) أن ابن عباس سئل عن هذا بعينه، فأجاب بأن الأرض خلقت قبل السماء، وأن الأرض إنما دحيت بعد خلق السماء.
وكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديمًا وحديثًا. وقد حررنا ذلك في سورة النازعات] (^١٠).
[وحاصل ذلك أن الدحي مفسر بقوله (تعالى) (^١١): ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا] (^١٢)
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٥٩٢)؛ وابن أبي حاتم (٣١٢)؛ وأبو الشيخ في "العظمة" (٨٨٣) من طريق عبد الرزاق وهو في "تفسيره" (١/ ٤١، ٤٢) قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد فذكره وسنده صحيح.
(٢) من (ن).
(٣) في (ز): "بان".
(٤) كذا في (ز) و(ك)؛ وفي (ن) و(هـ): "بعضها" وسقطت الكلمة من (ج) و(ع) و(ل) و(ي).
(٥) ساقط من (ز) و(هـ).
(٦) في "تفسيره" (١/ ١٥٣).
(٧) في "تفسيره" (١٩/ ٢٠٤).
(٨) في (ن) بعدها: "والجبال أرساها".
(٩) في "كتاب التفسير" (٨/ ٥٥٥، ٥٥٦) قال: حدثنيه يوسف بن عدي، حدثنا عبيد اللّه بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد قال: قال رجل لابن عباس إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي وساق حديثًا طويلًا. قال الحافظ في "الفتح" (٨/ ٥٥٩): "وأخرجه الطبري من رواية مطرف من طريق المنهال بن عمرو بتمامه".
(١٠) ساقط من (ز) و(هـ).
(١١) من (ن).
(١٢) ساقط من (ز) و(هـ).
[ ١ / ٣٢٤ ]
[﴿مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ (^١) [النازعات] ففسر الدحي بإخراج ما كان مودعًا فيها بالقوة إلى الفعل، لما (اكتملت) [صورة المخلوقات الأرضية ثم السماوية دحى بعد ذلك الأرض، فأخرجت ما كان مودعًا فيها من المياه، فنبتت النباتات على اختلاف أصنافها وصفاتها، وألوانها وأشكالها، وكذلك جرت (هذه)] (^٢) الأفلاك، فدارت بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارة، واللّه ﷾ أعلم] (^٣).
وقد ذكر ابن أبي (^٤) حاتم، وابن مردويه في تفسير هذه الآية الحديث الذي رواه مسلم، والنسائي، في "التفسير" أيضًا، من رواية ابن جريج؛ قال: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد اللّه بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة، قال: أخذ رسول اللّه ﷺ بيدي، فقال: "خلق اللّه التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة من آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل".
وهذا الحديث من غرائب "صحيح مسلم"؛ وقد تكلم عليه علي بن المديني، والبخاري، وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار؛ وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه مرفوعًا؛ وقد حرر ذلك البيهقي.
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾.
يخبر تعالى بامتنانه على بني آدم بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم؛ فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة، واقصص على قومك ذلك.
وحكى ابن جرير (^٥) عن بعض أهل العربية (وهو أبو عبيدة) (^٦) أنه زعم أن "إذ" ها هنا زائدة، وأن تقدير الكلام: وقال ربك. ورده ابن جرير] (^٢).
[قال القرطبي (^٧): وكذا رده جميع المفسرين، حتى قال الزجاج: هذا اجتراء من أبي عبيدة] (^٨).
﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي: قومًا يخلف بعضهم بعضًا، قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد
_________________
(١) في (ك) و(ن): "أكملت".
(٢) ساقط من (ز) و(هـ).
(٣) من (ك) و(ل) و(ن).
(٤) في "تفسيره" (٣٠٥). وأخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ١/ ٤١٣) معلقًا ووصله مسلم (٢٧٨٩/ ٢٧).
(٥) في "تفسيره" (١/ ٤٣٩) وعبارته: "زعم بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب من أهل البصرة" ولم يسمه.
(٦) ساقط من (ز) و(هـ).
(٧) في "تفسيره" (١/ ٢٦٢).
(٨) ساقط من (ز).
[ ١ / ٣٢٥ ]
جيل؛ كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وقال: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢] وقال: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾ [الزخرف] وقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩، مريم: ٥٩].
[وقرئ في الشاذ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ - حكاها الزمخشري (^١) وغيره. ونقله القرطبي (^٢) عن زيد بن علي].
وليس المراد ها هنا بالخليفة آدم ﵇ فقط، [كما يقوله طائفة من المفسرين] (^٣).
[وعزاه القرطبي إلى ابن عباس، وابن مسعود، وجميع أهل التأويل. وفي ذلك نظر؛ بل الخلاف في ذلك كثير؛ حكاه (فخر الدين) (^٤) الرازي في "تفسيره" (^٥) وغيره. والظاهر أنه لم يرد آدم عينًا]؛ إذ لو كان ذلك لما حسُنَ قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؛ فإنهم إنما أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو فهموه من الطبيعة البشرية؛ فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صلصال من حمإ مسنون؛ [أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم، ويردعهم عن المحارم والمآثم؛ قاله القرطبي] (^٦). أو أنهم قاسوهم على من سبق، كما سنذكر أقوال المفسرين في ذلك.
وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على اللّه، ولا على وجه الحسد لبني آدم كما قد يتوهمه بعض المفسرين؛ [وقد وصفهم اللّه تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول؛ أي: لا يسألونه شيئًا لم يأذن لهم فيه؛ وها هنا لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقًا؛ قال قتادة: وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ الآية] (^١).
وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، يقولون: يا ربنا؛ ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض، ويسفك الدماء؟ فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك؛ أي: نصلي لك كما سيأتي؛ أي: ولا يصدر منا شيء من ذلك، وهلَّا وقع الاقتصار علينا؟
قال اللّه تعالى - مجيبًا لهم عن هذا السؤال -: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم؛ فإني سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون، والعباد والزهاد، والأولياء والأبرار والمقربون، والعلماء العاملون، والخاشعون، والمحبون له ﵎ المتبعون رسله صلوات اللّه وسلامه عليهم.
[ولد ثبت في "الصحيح" (^٧) أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده يسألهم -] (^٨)
_________________
(١) في "الكشاف" (١/ ٥٠).
(٢) في "تفسيره" (١/ ٢٦٣).
(٣) ساقط من (ز).
(٤) ساقط من (ن).
(٥) في "تفسيره" (١/ ١٨٠، ١٨١).
(٦) ساقط من (ز) و(هـ).
(٧) مرَّ تخريجه في "كتاب فضائل القرآن" (١/ ٢٥١).
(٨) ساقط من (ز) و(هـ).
[ ١ / ٣٢٦ ]
[وهو أعلم: "كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون". وذلك لأنهم يتعاقبون فينا، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فيمكث هؤلاء ويصعد أولئك بالأعمال، كما قال عليه (الصلاة و) (^١) السلام: "يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل" (^٢)] (^٣).
[فقولهم: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون من تفسير قوله (لهم) (^٤): ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقيل: معنى قوله (تعالى) (^٥) - جوابًا لهم -: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إني لي حكمة (مفصلة) (^٦) في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها.
وقيل: إنه جواب (لقولهم) (^٧) ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: من وجود إبليس بينكم، وليس هو كما وصفتم أنفسكم به.
وقيل: بل تضمَّن قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ طلبًا منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم؟ فقال اللّه تعالى لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من أن بقاءكم في السماء أصلح لكم وأليق بكم ذكره (فخر الدين) (^٨) (الرازي) (^٥) مع غيرها من الأجوبة واللّه (سبحانه) (^٩) (وتعالى) (^١٠) أعلم] (^١).