(١) [قال المؤلفُ الشيخُ عماد الدين بن كثير ﵀ فيما وُجد على ظهر الجزء الأول من "تفسيره":
"فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ حَسَنَةٌ" ثبت في "الصحيحين" عن أنسٍ ﵁ قال: جمع القرآن على عهد النبيِّ ﷺ أربعةٌ كلُّهم من الأنصار: أُبَيُّ بنُ كعب، ومعاذُ بن جبلٍ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو زيد. فقيل له: مَنْ أبو زيدٍ؛ قال: أحدُ عمومتي. وفي لفظٍ للبخاريّ، عن أنسٍ، قال: لم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبلٍ، وزيد بن ثابت، وأبو زيدٍ، ونحن ورثناهُ.
قُلْتُ: أبو زيدٍ هذا ليس بمشهورٍ؛ لأنَّه مات قديمًا، وقد ذكروه في أهل بدرٍ، وسمَّاهُ بعضُهم: "سعيد بن عبيد".
ومعنى قول أنس: "لم يجمع القرآن" -يعني: من الأنصار- سوى هؤلاء، وإلَّا فمن المهاجرين جماعةٌ كانوا يجمعون القرآن: كالصديق، وابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة وغيرهم.
قال الشيخ أبو الحسن الأشعريُّ ﵀: قد عُلم بالاضطرار أن] (^١).
(٢) [رسول الله ﷺ قدَّم أبا بكر في مرض الموت ليصلي بالنَّاس، وقد ثبت في الخبر المتواتر أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ليؤم الناس أقرؤهم". فلو لم يكن الصدِّيقُ أقرأ القوم، لما قدَّمهُ عليهم.
نقله أبو بكر بن زنجويه في كتاب "فضائل الصديق" عن الأشعريِّ.
وحكى القرطبيُّ في أوائل "تفسيره" عن القاضي أبي بكر الباقلاني أنَّهُ قال بعد ذكره حديث أنس بن مالك هذا: "فقد ثبت بالطرق المتواترة أنَّهُ جمع القرآن: عثمانُ، وعليٌّ، وتميمٌ الداريّ، وعبادةُ بنُ الصامت، وعبدُ الله بن عمرو بن العاص. فقولُ أنس: لم يجمعه غير أربعة، يحتمل أنه لم يأخذه تلقيًا من فيِّ رسول الله غير هؤلاء الأربعة، وأنَّ بعضهم تلقى بعضه عن بعضٍ. قال: وقد تظاهرت الرواياتُ بأنَّ الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبيِّ ﷺ؛ لأجل سبقهم إلى الإسلام، وإعظام الرسول لهم".
قال القرطبيُّ: "لم يذكر القاضي ابنَ مسعودٍ، وسالمًا مولى أبي حذيفة، وهما ممن جمع القرآن". آخر الفائدة] (^٢).
(قال البخاري) (^٣): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا إبراهيم بن سعد، حدّثنا ابن شهاب، عن عبيد بن السباق أن زيد بن ثابت قال: أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر بن الخطاب أتانى، فقال: إن القتل قد استحرّ (^٤) بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهبَ كثير من القرآن، وإني أرى أن
_________________
(١) ساقط من (أ) و(ط) واستدركته من (ل) وحاشية (ج).
(٢) ساقط من (أ) و(ط) واستدركته من (ل) وحاشية (ج).
(٣) ساقط من (ج) و(ط) و(ل).
(٤) يعني: اشتد.
[ ١ / ٢٩ ]
تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال عمر: هذا والله خير؛ فلم يزل عمرُ يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فأجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان على أثقل مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللِّخاف (^١) وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره (^٢) ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حتى خاتمة براءة.
فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر ﵃.
وقد روى البخاري (^٣) هذا في غير موضع من "كتابه". ورواه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ والنسائيُّ من طرق عن الزهري به.
وهذا من أحسن وأجلِّ وأعظم ما فعلَهُ الصِّدِّيقُ ﵁، فإنَّه أقامَهُ الله -تعالى- بعد النَّبي ﷺ مَقَامًا لا يَنْبَغي لأحَدٍ من بعدِهِ: قاتَلَ الأعداء من مانعي الزكاة والمرتدين والفرس والروم، ونفذ الجيوش، وبعث البعوث والسرايا، ورد الأمر إلى نصابه، بعد الخوف من تفرقه وذهابه، وجمع القرآن العظيم من أماكنه المتفرقة حتى تمكن القارئ من حفظه كله. وكان هذا من سر قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر].
فجمع الصديق الخير وكف الشرور ﵁ وأرضاه- ولهذا روي عن غير واحد من الأئمة منهم وكيع (وابن مهدي) (^٤) وقبيصة، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، عن (عبد) (^٥) خير، عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: أعظمُ النَّاس أجْرًا في المَصَاحِفِ أبو بَكرٍ، إنَّ أبا بكرٍ كان أوَّلَ من جمع القرآن بين اللوحين (^٦).
هذا إسْنادٌ صَحِيحٌ.
وقال أبو بكر بن أبي داود في "كتاب المصاحف" (^٧): حدثنا هارون بن إسحاق، حدّثنا عبدة،
_________________
(١) اللخاف: بكسر اللام؛ جمع "لخفة"، وهي صفائح الحجارة الرقاق، وتجمع على "لخف" بضمتين.
(٢) يعني: مكتوبة، صرح به جماعة منهم الحافظ في "الفتح" (٩/ ١٥).
(٣) في "صحيحه" (٩/ ١٠، ١١ و١٣/ ١٨٣، ٤٠٤ فتح).
(٤) وقع في (أ): "ابن زيد" وهو خطأ واضح.
(٥) ساقط من (ج).
(٦) أخرجه ابن أبي داود في "المصاحف" (ص ٥) من طريق وكيع وأبي أحمد الزبيري، وعبد بن سليمان، وقبيصة بن عقبة، وخلاد بن يحيى، كلهم من طريق الثوري، عن السدي الكبير، عن عبد خير، عن علي فذكره. وهذا سند حسن، والسدي مختلف فيه، ولا بأس به. فتصحيح المصنف ﵀ للسند فيه نوع تسامح. والله أعلم.
(٧) (ص ٦) وسنده منقطع؛ لأن عروة بن الزبير لم يدرك أبا بكر ﵁، فقول المصنف: "صحيح" فيه نظر، فكان ينبغي تقييده بأن يقول: "صحيح إلى عروة" والله أعلم.
[ ١ / ٣٠ ]
عن هشام، عن أبيه أن أبا بكر ﵁ هو الذي جمع القرآن بعد النبي ﷺ يقول: ختمه. صحيح أيضًا، وكان عمر بن الخطاب ﵁ هو الذي تنبه لذلك لما استحر القتل بالقراء؛ أي: اشتد القتل وكثر في قرَّاء القرآن يوم اليمامة؛ يعني: يوم قتال مسيلمة الكذاب وأصحابه (من) (^١) بني حنيفة، بأرض اليمامة في حديقة الموت.
وذلك أن مسيلمة التف معه من المرتدين قريب من مائة ألف. فجهز الصديق لقتاله خالد بن الوليد في قريب من ثلاثة عشر ألفًا، فالتقوا معهم، فانكشف الجيش الإسلامي لكثرة من فيه من الأعراب. فنادى القراء من كبار الصحابة: يا خالدُ! أخلصنا، يقولون ميزنا من هؤلاء الأعراب. فتميزوا منهم وانفردوا، فكانوا قريبًا من ثلاثة آلاف. ثم صدقوا الحملة وقاتلوا قتالًا شديدًا، وجعلوا يتنادون: يا أصحاب سورة البقرة، فلم يزل ذلك دأبهم، حتى فتح الله عليهم، وولى جيش الكفر فارًّا، وأتبعتهم السيوفُ المسلمةُ في أقفيتهم قتلًا وأسرًا؛ وقتل الله مسيلمة وفرق شمل أصحابه، ثم رجعوا إلى الإسلام.
ولكن قتل من القراء يومئذ قريب من خمسمائة ﵃، فلهذا أشار عمر على الصديق، بأن يجمع القرآن لئلا يذهب منه (شيء) (^٢) بسبب موت من يكون يحفظه من الصحابة بعد ذلك في مواطن القتال. فإذا كتب وحفظ صار ذلك محفوظًا، فلا فرق بين حياة من بلغه أو موته. فراجعه الصديق قليلًا ليستثبت الأمر، ثم وافقه، وكذلك راجعهما زيد بن ثابت في ذلك. ثم صار إلى ما رأياه ﵃ أجمعين وهذا المقام من أعظم فضائل زيد بن ثابت الأنصاري.
ولهذا قال أبو بكر (^٣) بن أبي داود: حدثنا عبد الله بن محمد بن خلاد، حدّثنا يزيد، (حدَّثَنَا) (^٤) مبارك (بن) (^٥) فضالة، عن الحسن أن عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله، فقيل: كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، فقال: إنا لله، (فأمر) (^٦) بالقرآن فجمع فكان أول من جمعه في المصحف.
وهذا منقطع؛ فإنَّ الحسن لم يدرك عمر. ومعناه أنه أشار بجمعه فجمع، ولهذا كان مهيمنًا على حفظه وجمعه، كما:
رواه ابنُ أبي (^٧) داود حيث قال: حدثنا أبو الطاهر، حدَّثَنَا ابن وهب، حَدَّثَنا عمرو بن طلحة الليثي، عن محمد بن عمرو، عن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أن عمر لما جمع القرآن، كان لا يقبل من أحدٌ شيئًا حتى يشهد شاهدان، وذلك عن أمر الصديق له في ذلك كما قال أبو بكر بن أبي داود:
_________________
(١) ساقط من (أ) و(ط).
(٢) ساقط من (أ).
(٣) في "كتاب المصاحف" (ص ١٠) وضعفه المصنف بالانقطاع وكذا ضعفه في "مسند عمر" (٢/ ٥٦١)، ويضاف إليه أن المبارك بن فضالة مع ضعفه فهو مدلس. والله أعلم.
(٤) في (أ): "ابن"!!.
(٥) في (أ): "عن" وكلاهما خطأ.
(٦) في (أ): "ثم أمر". وفي "المصاحف": "وأمر".
(٧) في "المصاحف" (ص ٦) وتحسين المصنف إنما هو بسبب أن لرواية عروة أصلًا صحيحًا، قد مر ذكره، فهو يقول: "منقطع حسن الإسناد".
[ ١ / ٣١ ]
حدثنا أبو الطاهر، أنا ابن وهب، أخبرني ابنُ أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: لما استحر القتل بالقراء يومئذٍ فرق (^١) أبو بكر ﵁ أن يضيع، فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت: فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه.
منقطع حسن.
ولهذا قال زيد بن ثابت: ووجدت آخر سورة التوبة -يعني قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ …﴾ إلى آخر الآيتين [التوبة: ١٢٨، ١٢٩] مع أبي خزيمة الأنصاري (^٢). وفي روايةٍ مع خزيمة بن ثابت الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادتين لم أجدها مع غيره، فكتبوها عنه؛ لأنه جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادتين في قصة الفرس الذي ابتاعها رسول الله ﷺ من الأعرابي، فأنكر الأعرابي البيع، فشهد خزيمة هذا بتصديق رسول الله ﷺ، فأمضى شهادته وقبض الفرس من الأعرابي.
والحديث رواه "أهل السنن" (^٣) وهو مشهورٌ.
_________________
(١) يعني: خاف.
(٢) قال: الحافظ في "الفتح" (٩/ ١٥)، قوله: (وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري) وقع في رواية عبد الرحمن بن مهدي، عن إبراهيم بن سعد "مع خزيمة بن ثابت" أخرجه أحمد والترمذي. ووقع في رواية شعيب، عن الزهري كما تقدم في سورة التوبة "مع خزيمة الأنصاري" وقد أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" من طريق أبي اليمان، عن شعيب فقال فيه: "خزيمة بن ثابت الأنصاري" وكذا أخرجه ابن أبي داود من طريق يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، وقول من قال عن إبراهيم بن سعد "مع أبي خزيمة" أصح، وقد تقدم البحث فيه في تفسير سورة التوبة وأن الذي وجد معه آخر سورة التوبة غير الذي وجد معه الآية التي في الأحزاب، فالأول اختلف الرواة فيه على الزهري، فمن قائل: "مع خزيمة" ومن قائل: "مع أبي خزيمة" ومن شاك فيه يقول: "خزيمة أو أبي خزيمة" والأرجح أن الذي وجد معه آخر سورة التوبة أو خزيمة بالكنية، والذي وجد معه الآية من الأحزاب خزيمة.
(٣) كذا! ولم يروه منهم إلا أبو داود (٣٦٠٧)؛ والنسائي (٧/ ٣٠١، ٣٠٢) من طريق الزهري، عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي ﷺ: "أن النبي ﷺ ابتاع فرسًا من أعرابي فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع رسول الله ﷺ المشي، وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه، فنادى الأعرابي رسول الله ﷺ، فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس وإلا بعته، فقام النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي، فقال: أو ليس قد ابتعته منك؟ فقال الأعرابي: لا والله ما بعتكه، فقال النبي ﷺ: بلى قد ابتعته منك، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا، فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد ابتعته، فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال: بم تشهد؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسول الله ﷺ شهادة وزاد أحمد وغيره: خزيمة بشهادة رجلين". "فطفق الناس يلوذون بالنبي ﷺ والأعرابي، وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا يشهد أني بايعتك، فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك! النبي ﷺ لم يكن ليقول إلا حقًا، حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبي ﷺ، ومراجعة الأعرابي، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا، يشهد أني بايعتك" وأخرجه من هذا الوجه: أحمد (٥/ ٢١٥، ٢١٦)؛ وابن سعد في "الطبقات" (٤/ ٣٧٨، ٣٧٩)، ومحمد بن يحيى الذهلي في "جزئه"، كما في "الفتح" (٨/ ٥١٨)؛ وابن أبي عمر في "مسنده"، كما في "المطالب العالية" (٤/ ٩٣)؛ وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٠٨٥)، وعنه أبو الشيخ في "الأخلاق" (٤٥، ٤٦)؛ والطحاوي في "الشرح" (٤/ ١٢٦)؛ والحاكم (٢/ ١٧)؛ والبيهقي (٧/ ٦٦ و١٠/ ١٤٥، ١٤٦)؛ =
[ ١ / ٣٢ ]
وروى أبو جعفر الرازي (^١)، عن الربيع، عن أبي العالية أن أُبي بن كعب أملاها عليهم مع خزيمة بن ثابت.
وقد روى ابن وهب عن عمرو بن طلحة الليثي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أن عثمان شهد بذلك أيضًا.
وأما قول زيد بن ثابت: فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال. وفي رواية: من العُسب والرقاع والأضلاع. وفي رواية: من الأكتاف والأقتاب وصدور الرجال.
أما العسب فجمع "عسيب"، قال أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري: وهو من السعف فويق الكرب، لم ينبت عليه الخوص، وما نبت عليه الخوص فهو السعف. واللِّخاف: جمع لخفة، وهي: القطعة من الحجارة مستدقة، كانوا يكتبون عليها وعلى العسب وغير ذلك مما يمكنهم الكتابة عليه بما يناسب ما يسمعونه من القرآن من رسول الله ﷺ.
ومنهم من لم يكن يحسن الكتابة أو يثق بحفظه، فكان يحفظه، فتلقاه زيد هذا من عسبه، وهذا من لخافه، ومن صدر هذا؛ أي: من حفظه وكانوا أحرص شيء على أداء الأمانات. وهذا من أعظم الأمانة؛ لأن الرسول ﷺ أودعهم ذلك ليبلغوه إلى من بعده، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] ففعل صلوات الله وسلامه عليه.
ولهذا سألهم في حجة الوداع يوم عرفة على رؤوس الأشهاد، والصحابة أوفر ما كانوا مجتمعين، فقال: "إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت. فجعل يشير بإصبعه إلى السماء وينكتها عليهم ويقول: "اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد".
رواه مسلم (^٢)، عن جابر.
وقد أمر أمته أن يبلغ الشاهد الغائب وقال: "بلغوا عني ولو آية" (^٣)؛ يعني: ولو لم يكن مع أحدكم سوى آية واحدة، فليؤدها إلى من وراءه، فبلغوا عنه ما أمرهم به. فأدوا القرآن قرآنًا، والسنة سنةً، لم يلبسوا هذا بهذا.
_________________
(١) =والخطيب في "المبهمات" (ص ١٢٠)؛ وابن بشكوال في "الغوامض" رقم (١٠٩)؛ وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (ج ٥/ ق ٦١٢). قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ورجاله باتفاق الشيخين ثقات، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي، وهو كما قالا: وله طرق أخرى وشواهد. ذكرتها في "التسلية".
(٢) أخرجه ابن الضريس في "الفضائل" (٢٧)؛ وعبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (٥/ ١٣٤)؛ وابن أبي داود في "المصاحف" (ص ٩)؛ والبيهقي في "الدلائل" (٧/ ١٣٨، ١٣٩)؛ والخطيب في "التلخيص" (١/ ٤٠٣)؛ والضياء في "المختارة" (ج ٢/ رقم ١١٥٥)، وابن مردويه في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (٤/ ٣٣١)؛ وعنه الضياء في "المختارة" (١١٥٦) من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب. ويأتي سياقه في آخر سورة التوبة إن شاء الله. وقال المصنف في "سورة التوبة" (٤/ ١٨٠): "غريب". اهـ. ويشير بذلك إلى ضعف سنده وأبو جعفر الرازي سيئ الحفظ.
(٣) في "صحيحه (١٢١٨/ ١٤٧) ". وهو جزء من حديث جابر بن عبد الله الطويل في حجة الوداع.
(٤) أخرجه البخاري (٦/ ٤٩٦ - فتح). قد مر تخريجه.
[ ١ / ٣٣ ]
ولهذا قال ﵇: "من كتب عني سوى القرآن فليمحه" (^١)؛ أي: لئلا يختلط بالقرآن، وليس معناه أن لا يحفظوا السنة ويرووها، والله أعلم. فلهذا نعلم بالضرورة أنه لم يبق من القرآن مما أداه الرسول ﷺ إليهم إلا وقد بلغوه إلينا، ولله الحمد والمنة.
فكان الذي فعله الشيخان أبو بكر وعمر ﵄ من أكبر المصالح الدينية وأعظمها من حفظهما كتاب الله في الصحف؛ لئلا يذهب منه شيء بموت من تلقاه عن رسول الله ﷺ ثم كانت تلك الصحف عند الصديق أيام حياته، ثم أخذها عمر بعده، فكانت عنده محروسة معظمة مكرمة، فلما مات كانت عند حفصة أم المؤمنين؛ لأنها كانت وصيته من أولاده على أوقافه وتركته، وكانت (عند) (^٢) أم المؤمنين حتى أخذها أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ كما سنذكره إن شاء الله.
قال البخاري (^٣) ﵀: حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا إبراهيم، (حدّثنا) (^٤) ابن شهاب، أن أنس بن مالك حدثه، أنَّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان بن عفان رضي الله (عنهما) (^٥)، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق؛ فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلافَ اليهود والنَّصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف (ننسخها) (^٦) ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف.
وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما أنزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرَقَ.
قال ابن شهاب الزهري: فأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، سمع زيد بن ثابت، (قال) (^٧): فقدت آيةً من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فألحقناها في سورتها "في المصحف" (^٨).
وهذا أيضًا من أكبر مناقب أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٠٠٤/ ٧٢).
(٢) ساقط من (ج).
(٣) في "الفضائل" (٩/ ١١ - فتح)؛ وأخرجه الترمذي (٣١٠٤)؛ والنسائي (١٣)؛ وأبو عبيد (ص ١٥٣) كلاهما في "الفضائل" وعمر بن شبة في "تاريخ المدينة" (٣/ ٩٩١)؛ وأبو يعلى (٨٧)؛ وابن أبي داود في "المصاحف" (ص ١٩)؛ والبيهقي (٢/ ٣٨٥)؛ والطبراني في "مسند الشاميين"؛ والخطيب في "المدرج"، كما في "الفتح" (٩/ ١٦).
(٤) ساقط من (ج).
(٥) في (ج): "عنه".
(٦) في (أ): "فننسخها".
(٧) في (ط): "يقول".
(٨) في (أ): "بالمصحف".
[ ١ / ٣٤ ]
فإن الشيخين سبقاه إلى حفظ القرآن؛ أن يذهب منه شيء. وهو جمع الناس على قراءة واحدة؛ لئلا يختلفوا في القرآن، ووافقه على ذلك جميع الصحابة. وإنما روى عن عبد الله بن مسعود (^١) شيء من التغضب بسبب أنه لم يكن ممن كتب المصاحف، وأمر أصحابه بغل مصاحفهم لما أمر عثمان بحرق ما عدا المصحف الإمام. ثم رجع ابن مسعود إلى الوفاق (^٢)، حتى قال علي (^٣) بن أبي طالب: "لو لم يفعل ذلك عثمان لفعلته أنا".
فاتفق الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي على أن ذلك من مصالح الدين. وهم الخلفاء الذين قال رسول الله ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" (^٤) وكان
_________________
(١) يشير المصنف رحمه الله تعالى إلى ما أخرجه مسلم (٢٤٦٢/ ١١٤) والسياق له، والنسائي في "الفضائل" (٢٢) قالا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا عبدة بن سليمان، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]. ثم قال: على قراءة من تأمروني أن أقرأ؟ فلقد قرأت على رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة. ولقد علم أصحاب رسول الله ﷺ أني أعلمهم بكتاب الله. ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلت إليه. قال شقيق: فجلست في حلق أصحاب محمد ﷺ. فما سمعت أحدًا يرد ذلك عليه، ولا يعيبه وتابعه هارون بن إسحاق، ثنا عبدة بن سليمان بسنده سواء.
(٢) ويأتي تخريجه قريبًا.
(٣) أخرجه أبو عبيد في "الفضائل" (ص ١٥٧)؛ وابن أبي داود في "المصاحف" (١٢، ٢٣) من طرق عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن رجل، عن سويد بن غفلة، عن علي أنه قال حين أحرق عثمان المصاحف: "لو لم يصنعه هو لصنعته". وهكذا رواه عن شعبة ثقات أصحاب منهم: "محمد بن جعفر غندر، وأبو داود الطيالسي، وعبد الرحمن بن مهدي". وخالفهم يعقوب بن إسحاق الحضرمي وهو صدوق، فرواه عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سويد بن غفلة، عن علي. فأسقط الواسطة بين علقمة وسويد. أخرجه ابن أبي داود (ص ١٢) ورواية الجماعة أرجح من غير شك. ولكن أخرج عمر بن شبة في "تاريخ المدينة" (٣/ ٩٩٤، ٩٩٥، ٩٩٦)؛ وابن أبي داود (ص ٢٣)؛ والبيهقي (٢/ ٤٢) من طريق محمد بن أبان، قال: أخبرني علقمة بن مرثد، قال: سمعت العيزار بن حريث، يقول: لما خرج المختار … فذكره مطولًا. وفيه: "قال علي: أيها الناس! إياكم والغلو في عثمان؛ تقولون: أحرق المصاحف؟! والله ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب محمد ﷺ، ولو وليت مثل ما ولى، لفعلت مثل الذي فعل". قلت: وهذا سند رجاله ثقات، إلا محمد بن أبان وهو ابن صالح الكوفي، ترجمه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٣/ ٢/ ١٩٩) ونقل عن أبيه قال: "ليس هو بقوي في الحديث، يكتب حديثه على سبيل المجاز"!. وقال أحمد: "لم يكن يكذب". فالحديث محتمل للتحسين بالطريقين معًا، والله أعلم.
(٤) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٦٠٧)؛ والترمذي (٢٦٧٦)؛ وابن ماجه (٤٢، ٤٣، ٤٤)؛ والدارمي (١/ ٤٣، ٤٤)؛ وأحمد (٤/ ١٢٦، ١٢٧)؛ وأبو عبيد في "الخطب والمواعظ" (٢)؛ وابن حبان في "صحيحه" (١٠٢) وفي "الثقات" (١/ ٤)؛ والطبري في "تفسيره" (١٠/ ٢١٢)؛ وابن نصر في "السنة" (٢١، ٢٢)؛ وابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ١٩، ٢٦، ٢٧، ٢٩، ٣٠) وآخرون عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ =
[ ١ / ٣٥ ]
السبب في هذا حذيفة بن اليمان ﵁ فإنه لما كان غازيًا في فتح أرمينية وأذربيجان وكان قد اجتمع هناك أهل الشام والعراق، وجعل حذيفة يسمع منهم قراءات على حروف شتى، ورأى منهم اختلافًا (كثيرًا) (^١) وافتراقًا، فلما رجع إلى عثمان أعلمه، وقال لعثمان: أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى.
وذلك أن اليهود والنصارى مختلفون فيما بأيديهم من الكتب، فاليهود بأيديهم نسخة من التوراة والسامرة يخالفونهم في ألفاظ كثيرة ومعاني أيضًا، وليس في توراة السامرة حروف الهمزة، ولا حرف الهاء ولا الياء، والنصارى أيضًا بأيديهم توراة يسمونها العتيقة وهي مخالفة لنسختي اليهود والسامرة.
وأما الأناجيل التي بأيدي النصارى فأربعة: إنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل متى، وإنجيل يوحنا، وهي مختلفة أيضًا اختلافًا كثيرًا. وهذه الأناجيل الأربعة كل منها لطيف الحجم. منها ما هو قريب من أربع عشرة ورقة بخط متوسط، ومنها ما هو (أكبر) (^٢) من ذلك، إما بالنصف أو الضعف. ومضمونها سيرة عيسى ﵇، وأيامه، وأحكامه، وكلامه، ومعه شيء قليل مما يدعون أنه كلام الله، وهي مع هذا مختلفة كما قلنا. وكذلك التوراة مع ما فيها من التحريف والتبديل، ثم هما منسوختان بعد ذلك بهذه الشريعة المحمدية المطهرة.
فلما قال حذيفة لعثمان ذلك أفزعه، وأرسل إلى حفصة أم المؤمنين أن ترسل إليه بالصحف التي عندها مما جمعه الشيخان؛ ليكتب ذلك في مصحف واحد، وينفذه إلى الآفاق ويجمع الناس على القراءة به وترك ما سواه، ففعلت حفصة. وأمر عثمان هؤلاء الأربعة، وهم زيد بن ثابت الأنصاري، أحد كتاب الوحي لرسول الله ﷺ، وعبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أحد فقهاء الصحابة ونجبائهم علمًا وعملًا، وأصلًا وفضلًا. وسعيدُ بن العاص بن أمية القرشي الأموي وكان كريمًا جوادًا ممدحًا، وكان أشبه الناس لهجة برسول الله ﷺ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي.
فجلس هؤلاء النفر الأربعة يكتبون بالقرآن نسخًا، وإذا اختلفوا في (وضع) (^٣) الكتابة على أي لغة رجعوا إلى عثمان، كما اختلفوا في التابوت (^٤)، أيكتبونه بالتاء أو الهاء؟ فقال زيد بن ثابت:
_________________
(١) = يومًا بعد صلاة الغداة موعظةً بليغةً ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم يرى اختلافًا كثيرًا. وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ". قال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وقال أبو نعيم: "هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين" نقله ابن رجب في "جامع العلوم" (ص ٢٢٦).
(٢) ساقط من (أ) و(ط) و(ل).
(٣) في (أ) و(ل): "أكثر".
(٤) في (أ): "موضع".
(٥) أخرجه الترمذي (٣١٠٤)؛ وعمر بن شبة في "تاريخ المدينة" (٣/ ١٠٠٠ - ١٠٠١)؛ وابن أبي داود في "المصاحف" (ص ١٩)؛ والبيهقي (٢/ ٣٨٥) من قول الزهري.
[ ١ / ٣٦ ]
إنما هو التابوه، وقال الثلاثة القرشيون: إنما هو التابوت، (فترافعوا) (^١) إلى عثمان فقال: اكتبوه بلغة قريش، فإن القرآن نزل بلغتهم. وكأن عثمان (﵁) (^٢) -والله أعلم- رتب السور في المصحف، وقدم السبع الطوال، وثنى بالمئين.
ولهذا روى ابنُ جرير وأبو داود والترمذي والنسائي، من حديث غير واحد من الأئمة الكبار، عن عوف الأعرابي، عن يزيد الفارسي، عن ابن عباس (^٣) قال: قلت لعثمان بن عفان: "ما حملكم" (^٤) (على) (^٥) أن عمدتم إلى الأنفال، وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطوال، ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: "ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا".
وكانت الأنفال من أول ما (نزل) (^٦) بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهةً بقصتها، وحسبت أنها منها، (فقبض) (^٧) رسول الله ﷺ ولم (يبين) (^٨) لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، فوضعتها في السبع الطوال.
_________________
(١) = قال الحافظ في "الفتح" (٩/ ٢٠): "قال الخطيب: إنما رواها ابن شهاب مرسلة". اهـ. وأخرجه البيهقي من طريق أبي الوليد، عن إبراهيم بن سعده عن الزهري قوله، وصنيعه يرجح الإرسال. والله أعلم.
(٢) في (أ) و(ط): "فتراجعوا".
(٣) من (أ).
(٤) حديث منكر. أخرجه أبو داود (٧٨٦، ٧٨٧)؛ والنسائي في "الفضائل" (٣٢)؛ والترمذي (٣٠٨٦)؛ وأحمد (١/ ٥٧، ٦٩)؛ وأبو عبيد في "الفضائل" (٤٧/ ٢)؛ وعمر بن شبة في "تاريخ المدينة" (٣/ ١٠١٥، ١٠١٦)؛ وابن حبان (٤٣)؛ وابن أبي داود في "المصاحف" (ص ٣١، ٣٢)؛ والحاكم (٢/ ٢٢١، ٢٣٠)؛ والبيهقي (٢/ ٤٢)؛ والخطيب في "الموضح" (١/ ٣٣٨) من طريق عوف الأعرابي، عن يزيد الفارسي، عن ابن عباس، فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث عوف عن يزيد الفارسي، عن ابن عباس، ويزيد الفارسي هو من التابعين من أهل البصرة، ويزيد بن أبان الرقاشي، هو من التابعين من أهل البصرة، وهو أصغر من يزيد الفارسي، ويزيد الرقاشي إنما يروى عن أنس بن مالك". اهـ. قلت: فاختلف العلماء هل يزيد الفارسي هو يزيد بن هرمز، أم هما رجلان؟! فذهب ابن مهدي، وأحمد، وابن المديني، ومحمد بن المثنى، وابن سعد إلى أنهما واحد، وأنكر ذلك يحيى القطان، وابن معين، وأبو حاتم، والترمذي، وعمرو بن علي الفلاس، ومال إليه البخاري والخطيب، وإقامة البرهان على ذلك فيه طول ذكرته في "التسلية" والخلاصة أن يزيد الفارسي شبه المجهول، فتفرده بهذا الحديث الخطير لا يقبل منه، وتصحيح الحاكم ومن قبله ابن حبان مردود، وكذلك تجويد ابن كثير له فيما يأتي، ولعل مستندهم هو عدم التفريق بين الفارسي وابن هرمز، والله أعلم.
(٥) ساقط من (ط).
(٦) ساقط من (ج).
(٧) في (أ): "نزلت".
(٨) في (ج): "وقبض".
(٩) في (أ) و(ط): "تبين".
[ ١ / ٣٧ ]
ففهم من هذا الحديث أن ترتيب الآيات في السور أمر توقيفي متلقًى عن النبي ﷺ.
وأما ترتيب السور، فمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله (^١) عنه - ولهذا ليس لأحد أن يقرأ القرآن إلا مرتبًا آياته فإن نكسه أخطأ خطأً كبيرًا. وأما ترتيب السور فمستحب؛ اقتداءً بعثمان ﵁. والأولى إذا قرأ: أن يقرأ متواليًا، كما قرأ ﵇ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين (^٢)، وتارة (^٣) بـ ﴿سَبِّحِ﴾ [الأعلى: ١] و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ [الغاشية] فإن فرق جاز، كما صح (^٤) أن رسول الله ﷺ قرأ في العيد بـ ﴿ق﴾ [ق: ١] و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] رواه مسلم، عن أبي (واقد) (^٥).
وفي "الصحيحين" (^٦) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم (١)﴾ السجدة و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١] وإن قدم بعض السور على بعض جاز أيضًا، فقد روى حذيفة أن رسول الله ﷺ قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران، أخرجه (^٧) مسلم.
وقرأ عمر (^٨) في الفجر بسورة النحل ثم بيوسف.
ثم إن عثمان ﵁ ردَّ الصحف إلى حفصة ﵄ فلم تزل عندها حتى أرسل إليها مروان بن الحكم يطلبها فلم تعطه حتى ماتت، فأخذها من عبد الله بن عمر فحرقها؛ لئلا يكون فيها شيء يخالف المصاحف الأئمة التي نفذها عثمان إلى الآفاق، مصحفًا إلى مكة، ومصحفًا إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين؛ وترك عند أهل المدينة مصحفًا.
_________________
(١) بل الصواب أن ترتيب السور توقيفي أيضًا، وللشيخ أبي الأشبال أحمد بن محمد شاكر بحث مانع قوي حول هذا الموضوع.
(٢) صحيح. أخرجه مسلم (٨٧٩/ ٦٤) والسياق له.
(٣) صحيح. أخرجه مسلم (٨٧٨/ ٦٢) واللفظ له.
(٤) صحيح. أخرجه مسلم (٨٩١/ ١٤).
(٥) وقع في "الأصول" كلها: "عن أبي قتادة" وهو سبق قلم، صوابه: "أبو واقد".
(٦) صحيح. أخرجه البخاري (٢/ ٣٧٧، ٥٥٢)؛ ومسلم (٨٨٠/ ٦٥، ٦٦) من حديث أبي هريرة.
(٧) صحيح. أخرجه مسلم (٧٧٢/ ٢٠٣). وعزاه المصنف ﵀ في مطلع تفسير سورة البقرة لـ"الصحيحين" فوهم.
(٨) أخرجه البخاري (٧/ ٥٩ - ٦١)؛ وابن حبان (٦٩١٧) في قصة مقتل عمر ﵁، عن عمرو بن ميمون قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ قبل أن يصاب بأيام بالمدينة … وساق الحديث وفيه: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين، قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهم خللًا تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف أو النحل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس … الحديث". ولم أقف على ما ذكره المصنف ﵀ أنه قرأ بالسورتين في ركعة وأنه قدم النحل على يوسف. فالله أعلم. وأخرجه مسلم (٤٧٣/ ١٩٦)؛ وأحمد (٣/ ٢٤٧) من طريق حماد بن سلمة نا ثابت البناني عن أنس بسياق أطول.
[ ١ / ٣٨ ]
رواه أبو بكر بن أبي داود (^١)، عن أبي حاتم السجستاني؛ سمعه يقوله.
وصحح (^٢) القرطبي أنه إنما نفذ إلى الآفاق أربعة مصاحف -وهذا غريب- وأمر بما عدا ذلك من مصاحف الناس أن تحرق لئلا تختلف قراءاتُ الناس في الآفاق. وقد وافقه الصحابة في عصره على ذلك ولم ينكره أحدٌ منهم. وإنما نقم عليه ذلك (أولئك) (^٣) الرهط الذين تمالؤوا عليه وقتلوه -قاتلهم الله- وذلك في جملة ما أنكروا مما لا أصل له. وأما ساداتُ المسلمين من الصحابة ومن نشأ في عصرهم ذلك من التابعين، فكلهم وافقوه.
قال أبو داود (^٤) الطيالسي وابن مهدي وغندر، عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن رجل، عن سويد بن غفلة قال علي حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته.
وقال أبو بكر بن أبي داود (^٥): حدثنا أحمد بن سنان، حدّثنا عبد الرحمن، حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم ينكر ذلك منهم أحد.
وهذا إسناد صحيح.
وقال أيضًا (^٦): حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف، حدّثنا يحيى بن كثير، حدّثنا ثابت بن عمارة الحنفي قال: سمعت غنيم بن قيس المازني قال: قرأت القرآن على الحرفين جميعًا، والله ما يسرني أن عثمان لم يكتب المصحف وأنه ولد لكل مسلم كلما أصبح غلام فأصبح له مثل ماله. قال: قلنا له: يا أبا العنبر لم؟ قال: لو لم يكتب عثمان المصحف لطفق الناس يقرؤون الشعر.
وحدثنا يعقوب بن (^٧) سفيان، حدثنا محمد بن عبد الله، حدثني عمران بن حدير، عن أبي
_________________
(١) في "المصاحف" (ص ٣٤).
(٢) في "تفسيره" (١/ ٥٤) وعبارته: "ونسخ منها عثمان نسخًا، قال غيره: قيل: سبعة، وقيل: أربعة، وهو الأكثر".
(٣) سقط من (أ).
(٤) مر تخريجه آنفًا.
(٥) في "المصاحف" (ص ١٢). وأخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص ١٥٦، ١٥٧)؛ وعمر بن شبة في "تاريخ المدينة" (٣/ ١٠٠٤) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد فذكره وإسناده صحيح.
(٦) أخرجه ابن أبي داود (ص ١٣) ومن طريقه المزي في "التهذيب" (٢٣/ ١٢٣) وسنده جيد. ويحيى بن كثير هو ابن درهم العنبري؛ وثقه عباس العنبري، وابن حبان. وقال النسائي: "ليس به بأس" وقال أبو حاتم: "صالح الحديث". وثابت بن عمارة وثقه ابن معين والدارقطني وابن حبان. وقال أحمد والنسائي: "لا بأس به" وقال أبو حاتم: "ليس عندي بالمتين" وأبو حاتم جراح! ورفع شأنه شعبة بن الحجاج، فقال: "تأتوني وتدعون ثابت بن عمارة". وغنيم بن قيس أدرك النبي ﷺ ولم يره، ووفد على عمر بن الخطاب، وغزا مع عتبة بن غزوان؛ ووثقه النسائي.
(٧) أخرجه ابن أبي داود (ص ١٣) وسنده صحيح. ومحمد بن عبد الله هو الأنصاري، وعمران بن جرير وثقه الجمع. قال يزيد بن هارون: "كان عمران أصدق الناس". وأبو مجلز، هو: لاحق بن حميد، ثقة معروف.
[ ١ / ٣٩ ]
مجلز قال: لولا أن عثمان كتب القرآن لألفيت الناس يقرؤون الشعر.
وحدثنا (^١) أحمد بن سنان، سمعت ابن مهدي يقول: خصلتان لعثمان بن عفان ليستا لأبى بكر ولا لعمر: صبره نفسه حتى قتل مظلومًا. وجمعه الناس على المصحف.
وأما عبد الله بن مسعود ﵁ فقد قال إسرائيل، عن أبي إسحاق عن حميد بن مالك قال: لما أمر عثمان بالمصاحف -يعني: بتحريقها- ساء ذلك عبد الله بن مسعود وقال: من استطاع منكم أن يغل مصحفًا فليغلل، فإنه من غل شيئًا جاء بما غل يوم القيامة، ثم قال عبد الله: لقد قرأت القرآن من فِي رسول الله ﷺ سبعين سورة وزيد صبي، أفأترك ما أخذت من فِي رسول الله ﷺ (^٢)؟
وقال أبو بكر (^٣): حدثنا (عبد الله بن محمد) (^٤) بن النعمان، حدّثنا سعيد بن سليمان، حدّثنا (أبو) (^٥) شهاب، عن الأعمش، عن أبي وائل قال: خطبنا ابن مسعود على المنبر فقال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] غلوا مصاحفكم، وكيف تأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت وقد قرأت القرآن من فِي رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة وإن زيد بن ثابت ليأتي مع الغلمان له ذؤابتان، والله ما نزل من القرآن شيء إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل، وما أحد أعلم بكتاب الله مني، وما أنا بخيركم، ولو أعلم مكانًا تبلغه الإبل أعلم بكتاب الله مني لأتيته. قال أبو وائل: فلما نزل عن المنبر جلست في الحلق، فما أحد ينكر ما قال.
أصل هذا مخرج في "الصحيحين" (^٦)، وعندهما: "ولقد علم أصحاب محمد ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله".
وقول أبي وائل: فما أحد ينكر ما قال؛ يعني: من فضله وحفظه وعلمه، والله أعلم، وأما أمره بغل المصاحف وكتمانها فقد أنكره عليه غير واحد.
قال الأعمش (^٧)، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قدمت الشام فلقيت أبا الدرداء فقال: كنا نعد
_________________
(١) ابن أبي داود (ص ١٣) وسنده صحيح.
(٢) أخرجه أحمد (١/ ٣٨٩، ٤٠٥، ٤١٤)؛ والطيالسي (٤٠٥) ومن طريقه البخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ١/ ٢٤٧)؛ وابن أبي داود (ص ١٥)؛ والدارقطني في "المؤتلف" (ص ٦٧٢)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ١٢٥)؛ والحاكم (٢/ ٢٢٨) وصححه؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٩/ رقم ٨٤٣٤، ٨٤٣٥)؛ والهيثم بن كليب في "المسند" (ق ٩٩/ ١، ٢) من طرق عن أبي إسحاق، عن خمير بن مالك، عن ابن مسعود فذكره، وهذا سند رجاله ثقات، إلا خمير بن مالك فترجمه ابن أبي حاتم (١/ ٢/ ٣٩١) ولم يحك فيه شيئًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤/ ٢١٤) وقال ابن سعد: "له حديثان".
(٣) ابن أبي داود (ص ١٥، ١٦).
(٤) وقع في (أ): "محمد بن عبد بن محمد"! و"محمد" الأولى مقحمة.
(٥) في (أ) و(ط): "ابن" وهو خطأ.
(٦) أخرجه البخاري (٩/ ٤٦ - فتح)؛ ومسلم (٢٤٦٢/ ١١٤) من حديث عن ابن مسعود.
(٧) أخرجه ابن أبي داود (ص ١٨) قال: حدثنا عمي وحمدان بن علي قالا: حدثنا ابن الأصبهاني عن عبد السلام بن حرب، عن الأعمش بسنده سواء. وهذا سند صحيح، وعم ابن أبي داود هو: "محمد بن الأشعث"، وابن الأصبهاني هو محمد بن سعيد بن سليمان.
[ ١ / ٤٠ ]
عبد الله (جبانًا) (^١) فما باله يواثب الأمراء؟
وقال أبو بكر بن أبي داود (^٢): باب رضى عبد الله بن مسعود بجمع عثمان المصاحف بعد ذلك:
حدثنا عبد الله بن سعيد ومحمد بن عثمان العجلي قالا: حدّثنا أبو أُسامة، حدثني زهير، حدثني الوليد بن قيس، عن عثمان بن حسان العامري، عن فلفلة الجعفي قال: فزعت فيمن فزع إلى عبد الله في المصاحف، فدخلنا عليه فقال رجل من القوم: إنا لم نأتك زائرين، ولكننا جئنا حين راعنا هذا الخبر، فقال: إن القرآن أنزل على نبيكم من سبعة أبوابٍ على سبعة أحرف - أو حروف - وإن الكتاب قبلكم كان ينزل - أو نزل - من باب واحد على حرف واحد.
وهذا (^٣) الذي استدل به أبو بكر ﵀ على رجوع ابن مسعود فيه نظر من جهة أنه لا يظهر من هذا اللفظ رجوع عما كان يذهب إليه، والله أعلم.
_________________
(١) كذا في "الأصول" كلها؛ من "الجبن" بالجيم والباء، ووقع في "كتاب المصاحف" "حنانًا" بالحاء المهملة والنون، فكأنه تصحيف، فإن لم يكن فتوجيهه ظاهر والله أعلم.
(٢) أخرجه أحمد في "العلل" (٣٧٢٥ - رواية عبد الله) وفي "المسند" (١/ ٤٤٥)؛ وابن أبي داود (ص ١٨)؛ وعمر بن شبة في "تاريخ المدينة" (٣/ ١٠٠٦)؛ والهيثم بن كليب في "مسنده" (٨٨١)؛ والطحاوي في "المشكل" (٤/ ١٨٢) من طريق زهير بن معاوية، حدثني الوليد بن قيس، عن عثمان بن حسان العامري، عن فلفلة الجعفي فذكره. وخالفه سفيان الثوري، فرواه عن الوليد بن قيس، عن القاسم بن حسان، عن فلفلة، أخرجه النسائي في "الفضائل" (٩) من طريق أبي داود وأحمد في "العلل" (٣٧٢٣) عن إسحاق بن يوسف كلاهما، عن الثوري. ونظر الدارقطني، كما في "العلل" (٥/ ٢٣٧)، في هذا الاختلاف، ورجح رواية الثوري، ويقصد الدارقطني أن شيخ الوليد بن قيس هو "القاسم" وذلك أنه قد وقع في اسمه اختلاف هل هو "عثمان بن حسان" أو "القاسم بن حسان". فقال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٣/ ١/ ١٤٨): "عثمان بن حسان العامري، ويقال: القاسم بن حسان، وبعثمان أشبه، روى عن فلفلة الجعفي، روى عنه أبو همام الوليد بن قيس. سمعت أبي يقول ذلك". اهـ. وأخرج البخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ٢/ ٢١٩) هذا الحديث مختصرًا في ترجمة عثمان بن حسان العامري، وأشار إلى رواية سفيان، فالظاهر من صنيعهما أن الأصوب أنه "عثمان" لا "القاسم" وقد رواه أحمد في "العلل" (٣٧٢٤) قال: حدثنا أبو أسامة بحفظه، قال: أخبرني سفيان وزهير، عن الوليد بن قيس، عن القاسم بن حسان، عن فلفلة الجعفي … فذكره؛ فهذا يؤيد ما ذهب إليه الدارقطني، إلا أن يكون أبو أسامة وهم على زهير فيه والله أعلم، وسواء كان هذا أو ذاك فهو مجهول الحال. وفلفلة الجعفي ذكره ابن حبان في "الثقات" وروى عنه جمع من الثقات، وقال ابن سعد: "قليل الحديث". وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٥٢، ١٥٣): "فيه عثمان بن حسان العامري، وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه ولم يوثقه، وبقية رجاله ثقات"! وقال شيخنا أبو عبد الرحمن الألباني رحمه الله تعالى في "الصحيحة" (٢/ ١٣٥): "وهذا إسناد جيد موصول، رجاله كلهم ثقات معروفون غير فلفلة هذا. . ." كذا! ولم يلتفت شيخنا، ﵀، إلى الاختلاف على الوليد بن قيس في إسناده. وسواء كان شيخه القاسم أو عثمان فهل في أحدهما توثيق معتبر؟!
(٣) قلت: هذا الذي عقب به المصنف ﵀ على استدلال ابن أبي داود له وجه قوي، فإن قيل: قول ابن مسعود هذا يدل على أنه رضي بحرف غيره، فهذا نقيض اعتراضه الأول؟! قيل: إنما أنكر أن يقرأ هو على =
[ ١ / ٤١ ]
وقال أبو بكر (^١) أيضًا: حدثني عمي، حدثنا أبو رجاء، أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد قال: قام عثمان فخطب الناس فقال: (يا أيها) (^٢) الناس (عهدكم) (^٣) نبيكم منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن وتقولون: قراءة أبي وقراءة عبد الله، يقول الرجل: والله ما تقيم قراءتك، وأعزم على كل رجل منكم ما كان معه من كتاب الله شيء لما جاء به، فكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن، حتى تجمع من ذلك كثرة، ثم دخل عثمان فدعاهم رجلًا رجلًا فناشدهم: لسمعتَ رسول الله ﷺ وهو أملاه عليك؟ فيقول: نعم، فلما فرغ من ذلك عثمان قال: من أكتب الناس؟ قال: كاتب رسول الله ﷺ زيد بن ثابت، قال: فأي الناس أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص؛ قال عثمان: فليمل سعيد وليكتب زيد. فكتب زيد مصاحف ففرقها في الناس، فسمعت بعض أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: قد أحسن.
إسناد صحيح.
وقال أيضًا (^٤): حدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، ثنا أبو بكر (حدّثنا) (^٥) هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن كثير بن أفلح قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثنى عشر رجلًا من قريش والأنصار فيهم أُبي بن كعب وزيد بن ثابت، قال: فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر فجيء بها، قال: وكان عثمان يتعاهدهم، فكانوا إذا تدارءوا في شيء أخروه، قال محمد: فقلت لكثير وكان فيهم فيمن يكتب: هل تدرون لم كانوا يؤخرونه؟ قال: لا، قال محمد: فظننت ظنًا إنما كانوا يؤخرونها لينظروا أحدثهم عهدًا بالعرضة الأخيرة فيكتبونها على قوله.
صحيح أيضًا.
(قلت): الربعة هي الكتب المجتمعة، وكانت عند حفصة ﵂؛ فلما جمعها عثمان ﵁ في المصحف ردها إليها ولم يحرقها في جملة ما حرقه مما سواها؛ لأنها هي بعينها (التي) (^٦) كتبه وإنما رتبه، ثم إنه كان قد عاهدها على أن يردها إليها، فما زالت عندها حتى ماتت؛ ثم أخذها مروان بن الحكم فحرقها وتأول في ذلك ما تأول عثمان.
_________________
(١) = حرف زيد بن ثابت ولم ينكر على غيره أن يقرأ، لذلك فهذا الأثر غير صريح في الرجوع، وأقصى ما فيه الإيماء إلى ذلك وكأن ابن مسعود ﵁ أراد تسكين الفتنة، كما فعل في زمان الحج مع عثمان لما أتم الصلاة في منى. وقال: "الخلاف شر". فرضي الله عنهم أجمعين.
(٢) أخرجه ابن أبي داود (ص ٢٣، ٢٤) وصحح المصنف ﵀ سنده وفيه شيء؛ لأن سماع إسرائيل من جده كان بأخرة، نعم؛ كان الذهبي وغيره يرجح إسرائيل في جده على سفيان وشعبة، ويصفه بأنه "عكاز جده". وقد توبع إسرائيل، فتابعه غيلان بن جامع، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد فذكر نحوه أخرجه ابن أبي داود أيضًا (ص ٢٤) من طريق يحيى بن يعلى بن الحارث، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا غيلان به. وهذا سند رجاله ثقات.
(٣) في (أ) و(ط): "أيها".
(٤) في (أ): "عهد".
(٥) أخرجه ابن أبي داود (ص ٢٥، ٢٦) وصححه المصنف وفي إسناده أبو بكر بن عياش، وهو ثقة إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح. فالله أعلم.
(٦) في (أ): "ابن" وهو خطأ.
(٧) في (أ): "الذي".
[ ١ / ٤٢ ]
كما رواه أبو بكر بن أبي داود (^١): حدثنا محمد بن عوف، حدّثنا أبو اليمان، حدّثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله أن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها عن الصحف التي كتب منها القرآن فتأبى حفصة أن تعطيه إياها، قال سالم: فلما توفيت حفصة ورجعنا من دفنها، أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر ليرسلن إليه بتلك الصحف، فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر، فأمر بها مروان فشققت.
وقال مروان: إنما فعلت هذا؛ لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف، فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب، أو يقول: إنه قد كان شيء منها لم يكتب. إسناد صحيح.
وأما ما رواه الزهري عن خارجة عن أبيه في شأن آية الأحزاب وإلحاقهم إياها في سورتها، فذكره لهذا بعد جمع عثمان فيه نظر، وإنما هذا كان حال جمع الصديق الصحف كما جاء مصرحًا به في غير هذه الرواية، عن الزهري، عن عبيد بن السباق، عن زيد بن ثابت، والدليل على ذلك أنه قال: فألحقناها في سورتها من المصحف، وليست هذه الآية ملحقة في الحاشية في المصاحف العثمانية.
فهذه الأفعال من أكبر القربات التي بادر إليها الأئمة الراشدون: أبو بكر وعمر ﵄، حَفِظا على الناس القرآن وجمعاه؛ لئلَّا يذهب منه شيء؛ وعثمان ﵁ جمع قراءات الناس على مصحف واحد ووضعه على العرضة الأخيرة التي عارض بها جبريل رسول الله ﷺ في آخر رمضان من عمره ﵇، فإنه عارضه به عامئذ مرتين، ولهذا قال رسول الله ﷺ لفاطمة ابنته لما مرض "وما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي".
أخرجاه في "الصحيحين" (^٢).
وقد روي أن عليًا ﵁ أراد (أن) (^٣) يجمع القرآن بعد رسول الله ﷺ مرتبًا بحسب نزوله أولًا فأولًا، كما رواه ابن أبي داود (^٤) ﵀ حيث قال:
_________________
(١) في "المصاحف" (ص ٢٤، ٢٥) وسنده صحيح كما قال المصنف رحمه الله تعالى. وأخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص ١٥٦)؛ وعمر بن شبة في "تاريخ المدينة" (٣/ ١٠٠٣، ١٠٠٤)؛ وابن عبد البر في "التمهيد" (٨/ ٣٠٠).
(٢) صحيح. أخرجه البخاري (١١/ ٧٩، ٨٠)؛ ومسلم (١٦/ ٥ - نووي).
(٣) ساقط من (ج).
(٤) ضعيف منقطع. أخرجه ابن أبي داود (ص ١٠) ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (ج ١٢/ ق ٣٢٧، ٣٢٨)، وأما تليين ابن أبي داود لأشعث، فالجواب عنه أنه متابع. فأخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" (٨/ ٣٠٠، ٣٠١) من طريق إسماعيل بن علية قال: حدثنا أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين قال: لما بويع أبو بكر أبطأ علي عن بيعته .. ثم ساق نحوه. وأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥٤٥) أخبرنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا ابن عون، عن ابن سيرين مثله. وأخرجه ابن عساكر (١٢/ ٣٢٨) من طريق ابن علية، عن أيوب وابن عون، عن ابن سيرين، قال: نبئت أن عليًا … فذكره وهذا سند رجاله ثقات رجال الشيخين، لكنه منقطع =
[ ١ / ٤٣ ]
حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدّثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن محمد بن سيرين قال: لما توفي النبي ﷺ أقسم علي أن لا يرتدي برداء إلا لجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف ففعل، فأرسل إليه أبو بكر ﵁ بعد أيام: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ فقال: لا والله إلا إني أقسمت أن لا أرتدي برداء إلا لجمعة، فبايعه ثم رجع.
هكذا رواه وفيه انقطاع.
ثم قال: لم يذكر (المصحف) (^١) أحد إلا أشعث وهو لين الحديث، وإنما رووا: حتى أجمع القرآن؛ يعني: أتم حفظه، فإنه يقال للذي (يحفظ) (^٢) القرآن قد جمع القرآن.
(قلت): وهذا الذي قاله أبو بكر أظهر، والله أعلم، فإن عليًا لم ينقل عنه مصحف على ما قيل ولا غير ذلك ولكن قد توجد مصاحف على الوضع العثماني يقال: إنها بخط علي ﵁، وفي ذلك نظر فإن في بعضها: كتبه علي بن (أبو) (^٣) طالب! وهذا لحن من الكلام، وعلي ﵁ من أبعد الناس عن ذلك، فإنه كما هو المشهور عنه هو أول من وضع علم النحو فيما رواه عنه (أبو) (^٤) الأسود ظالم بن عمرو الدؤلي، وأنه قسم الكلام إلى اسم وفعل وحرف، وذكر أشياء أخر تممها أبو الأسود بعده، ثم أخذ الناس عن أبي الأسود فوسعوه ووضحوه، وصار علمًا مستقلًا.
وأما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن، شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله، وقد كان قديمًا بمدينة طبرية، ثم نقل منها إلى دمشق في حدود ثماني عشرة وخمسمائة، وقد رأيته كتابًا عزيزًا جليلًا عظيمًا ضخمًا بخط حسن مبين قوي بحبر محكم، في رق أظنه من جلود الإبل، والله أعلم، زاده الله تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا.
فأما عثمان ﵁، فما يعرف أنه كتب بخطه هذه المصاحف، وإنما كتبها زيد بن ثابت في أيامه وغيره، فنسبت إلى عثمان؛ لأنها بأمره وإشارته، ثم قرئت على الصحابة بين يدي عثمان، ثم نفذت إلى الآفاق ﵁.
وقد قال أبو بكر بن أبي داود (^٥): حدثنا علي بن حرب الطائي، حدّثنا قريش بن أنس، حدّثنا
_________________
(١) = كما قال المصنف رحمه الله تعالى. وأخرجه ابن الضريس في "فضائل القرآن" (ص ٣٦) من طريق هوذة بن خليفة، ثنا عوف، عن محمد بن سيرين، عن عكرمة فيما أحسب قال: لما كان بعد بيعة أبي بكر ﵁ قعد علي بن أبي طالب في بيعته … وساق نحوه وفيه: قال أبو بكر: ما أقعدك عني؟ قال: رأيت كتاب الله يزاد فيه، فحدثت نفسي ألا ألبس ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمعه، فقال له أبو بكر: فإنك نعم ما رأيت. قال محمد بن سيرين: فقلت له: ألفوه كما أنزل الأول فالأول؟ قال: لو اجتمعت الإنس والجن على أن يؤلفوه ذلك التأليف ما استطاعوا. قال محمد: أراه صادقًا وهو منقطع أيضًا.
(٢) في (ط): "الصحف".
(٣) من (ل) وهو الموافق لما في "المصاحف" (ص ١٠)، ووقع في (أ) و(ج) و(ط): "يجمع" وهو سبق قلم. والله أعلم.
(٤) في (ج): "أبي"؛ وفيه تضييع لهذا التعقب.
(٥) ساقط من (أ).
(٦) وأخرجه الطبري في "تاريخه" (٤/ ٣٨٣) من طريق معتمر بن سليمان التيمي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا =
[ ١ / ٤٤ ]
سليمان التيمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مولى بني أسيد قال: لما دخل المصريون على عثمان ضربوه بالسيف على يده، فوقعت على ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] فمد يده وقال: والله إنها لأول يد خطت المفصل.
وقال أيضًا (^١): حدثنا أبو الطاهر، حدّثنا ابن وهب قال: سألت مالكًا عن مصحف عثمان فقال لي: ذهب.
يحتمل أنه سأله عن المصحف الذي كتبه بيده ويحتمل أن يكون سأله عن المصحف الذي تركه في المدينة، والله أعلم.
(قلت): وقد كانت الكتابة في العرب قليلةً جدًا، وإنما أول ما تعلموا ذلك ما ذكره هشام بن محمد بن السائب الكلبي وغيره أن بشر بن عبد الملك أخا أكيدر دومة تعلم الخط من الأنبار، ثم قدم مكة فتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، فعلمه حرب بن أمية وابنه سفيان، وتعلمه عمر بن الخطاب من حرب بن أمية، وتعلمه معاوية من عمه سفيان بن حرب.
وقيل: إن أول من تعلمه من الأنبار قوم من "طيء" من قرية هناك يقال لها: "بقة"، ثم هذبوه ونشروه في جزيرة العرب، فتعلمه الناس.
ولهذا قال أبو بكر بن أبي داود (^٢)، حدثنا عبد الله بن محمد الزهري (إن شاء الله) (^٣)، حدّثنا سفيان، عن مجاهد، عن الشعبي قال: سألنا المهاجرين: من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الأنبار.
(قلت): والذي كان يغلب على زمان السلف الكتابة المتكوفة، ثم هذبها أبو علي بن مقلة الوزير، وصار له في ذلك منهج وأسلوب في الكتابة، ثم قربها علي بن هلال البغدادي المعروف بابن البواب، وسلك الناس وراءه، وطريقته في ذلك واضحة جيدة (^٤).
والغرض أن الكتابة لما كانت في ذلك الزمان لم تحكم جيدًا، وقع في كتابة المصاحف اختلاف في وضع الكلمات من حيث صناعة الكتابة لا من حيث المعنى، وصنف الناس في ذلك. واعتنى بذلك الإمام الكبير أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ في كتابه: "فضائل القرآن"،
_________________
(١) = أبو نضرة، عن أبي سعيد مولى أبي أسيد فذكره. وأخرجه عمر بن شبة في "تاريخ المدينة" (٣/ ١١٣٨، ١١٣٩) من طريق سعيد بن يزيد، حدثنا أبو نضرة، عن أبي سعيد به؛ وأخرجه الطبراني في "الكبير" (ج ١/ رقم ١١٩) من طريق الزهري عن أبي سلمة قال: لما ضرب الرجل يد عثمان قال: إنها لأول يد خطت المفصل. وحسنه الهيثمي في "المجمع" (٩/ ٩٤) وليس بحسن؛ لأنه منقطع بين أبي سلمة وعثمان. والله أعلم.
(٢) أخرجه ابن أبي داود (ص ٣٥) وسنده صحيح.
(٣) أخرجه ابن أبي داود (ص ٤) وسنده صحيح إلى الشعبي.
(٤) ساقط من (أ) و(ل).
(٥) وقال ابن خلكان في "وفيات الأعيان" (٣/ ٣٤٢): "هذب ابن البواب طريقة ابن مقلة نقحها، وكساها طلاوة وبهجة".
[ ١ / ٤٥ ]
والحافظ أبو بكر بن أبي داود ﵀، فبوبا على ذلك، وذكرا قطعةً صالحةً هي من صناعة القرآن ليست مقصدنا ههنا.
ولهذا نص الإمام مالك (﵀) (^١) على أنه لا توضع المصاحف إلا على وضع كتابة الإمام. ورخص غيره في ذلك، واختلفوا في الشكل والنقط، فمن مرخص ومن مانع.
فاما كتابة السورة وآياتها والتعشير والأجزاء والأحزاب (فكثر) (^٢) في مصاحف زماننا. والأولى اتباع السلف الصالح.
ثم قال البخاري (^٣): ذكر كُتَّابِ النبي ﷺ.
وأورد فيه من حديث الزهري، عن ابن السباق، عن زيد بن ثابت أن أبا بكر الصديق قال له: وكنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، وذكر نحو ما تقدم في جمعه القرآن وقد تقدم، وأورد حديث زيد بن ثابت (^٤) في نزول ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] ولم يذكر البخاري أحدًا من الكُتَّاب في هذا الباب سوى زيد بن ثابت، وهذا عجب، وكأنه لم يقع له حديث يورده سوى هذا، والله أعلم. وموضع هذا في "كتاب السيرة" عند ذكر كُتَّابه عليه (الصلاة) (^٥) والسلام.
ثم قال البخاري (^٦) ﵀:
أنزل القرآن على سبعة أحرف:
حدثنا سعيد بن عفير، حدّثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله بن
_________________
(١) ساقط من (أ) و(ط).
(٢) في (أ): "فكثير".
(٣) كذا نقل ابن كثير المصنف ﵀ عن "صحيح البخاري"، والذي فيه: "باب: كاتب النبي ﷺ" هكذا بالإفراد، وليس بالجمع. ونقل الحافظ في "الفتح" (٩/ ٢٢) هذا عن المصنف هنا، ثم قال: "لم أقف في شيء من النسخ إلا بلفظ: "كاتب"، بالإفراد وهو مطابق لحديث الباب؛ نعم قد كتب الوحي لرسول الله ﷺ جماعة غير زيد بن ثابت، أما بمكة فلجميع ما نزل بها لأن زيد بن ثابت إنما أسلم بعد الهجرة، وأما بالمدينة فأكثر ما كان يكتب زيد، ولكثرة تعاطيه ذلك أطلق عليه الكاتب بلام العهد كما في حديث البراء بن عازب ثاني حديثي الباب، ولهذا قال له أبو بكر: إنك كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ. وكان زيد بن ثابت ربما غاب فكتب الوحي غيره. وقد كتب له قبل زيد بن ثابت أُبي بن كعب وهو أول من كتب له بالمدينة، وأول من كتب له بمكة من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح، وممن كتب له في الجملة الخلفاء الأربعة والزبير بن العوام وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص بن أمية وحنظلة بن الربيع الأسدي ومعيقيب بن أبي فاطمة وعبد الله بن الأرقم الزهري وشرحبيل بن حسنة وعبد الله بن رواحة في آخرين، وروى أحمد وأصحاب السنن الثلاثة وصححه ابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عباس عن عثمان بن عفان قال: "كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا، الحديث". اهـ.
(٤) صحيح. أخرجه البخاري (٦/ ٤٥ و٨/ ٢٥٩).
(٥) ساقط من (ج) و(ط) و(ل).
(٦) في "صحيحه" (٩/ ٢٣ - فتح). وأخرجه أيضًا في "بدء الخلق" (٦/ ٣٠٥)؛ ومسلم (٨١٩/ ٢٧٢).
[ ١ / ٤٦ ]
عبد الله أن عبد الله بن عباس حدثه أن رسول الله ﷺ قال: "أقرأني جبريل ﵇ على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف".
وقد رواه أيضًا في "بدء الخلق"، ومسلم من حديث يونس ومسلم أيضًا عن معمر، كلاهما عن الزهري بنحوه.
ورواه ابن جرير من حديث الزهري به.
ثم قال الزهري: بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون وحدًا لا يختلف في حلال ولا في حرام، وهذا مبسوط في الحديث الذي رواه الإمام أبو عبيد (^١) القاسم بن سلام حيث قال:
حدثنا يزيد ويحيى بن سعيد، كلاهما عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن أُبي بن كعب قال: ما حك في صدري شيء منذ أسلمت، إلا أنني قرأت آيةً وقرأها آخر غير قراءتي، فقلت: أقرأنيها رسول الله ﷺ، فقال: أقرأنيها رسول الله ﷺ، فأتينا رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أقرأتني آية كذا وكذا: قال: "نعم". وقال الآخر: أليس تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: "نعم" فقال: "إن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبعة أحرف، وكل حرف كاف شاف".
وقد رواه النسائي (^٢) من حديث يزيد - وهو ابن هارون - ويحيى بن سعيد القطان، كلاهما عن حميد الطويل، عن أنس، عن أُبي بن كعب بنحوه.
وكذا رواه (^٣) ابن أبي عدي (ومحمد) (^٤) بن ميمون الزعفراني ويحيى بن أيوب، كلهم عن حميد به.
_________________
(١) في "فضائل القرآن" (ص ٢٠١).
(٢) في "المجتبى" (٢/ ١٥٤) قال: أخبرني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا يحيى القطان. وأخرجه في "الفضائل" (١١) قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا يزيد بن هارون كلاهما عن حميد الطويل، بسنده سواء. وأخرجه أحمد (٥/ ١١٤، ١٢٢) حدثنا يحيى القطان؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٧)؛ وعبد بن حميد (١٦٤)؛ وابن حبان (٧٣٧)؛ والضياء في "المختارة" (١١٢٩) (١١٣٠)؛ والبيهقي في "السنن الصغرى" (١٠١٠) عن يزيد بن هارون، كلاهما عن حميد الطويل به.
(٣) أخرجه ابن جرير (٢٦) قال: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي. وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا محمد بن ميمون الزعفراني، جميعًا عن حميد بسنده سواء وهذه الأسانيد كلها صحاح. وأخرجه عبد الله بن أحمد (٥/ ١٢٢)؛ والطحاوي في "المشكل" (٤/ ١٨٩)؛ وابن أبي حاتم في "العلل" (ج ٢/ رقم ١٧٤٥)؛ وابن جرير (٢٧) من طريق أخرى عن حميد الطويل به. ورواه عن حميد: "بشر بن المفضل، ومعتمر بن سليمان، وعبد الله بن بكر السهمي، ويحيى بن أيوب". قلت: فقد رواه عن حميد الطويل: "يحيى القطان، ويزيد بن هارون، وبشر بن المفضل، ويحيى بن أيوب، وعبد الله بن بكر السهمي، ومعتمر بن سليمان، وابن أبي عدي، ومحمد بن ميمون" ثمانيتهم، عن حميد، عن أنس، عن أُبي بن كعب. وخالفهم حماد بن سلمة، فرواه عن حميد الطويل، عن أنس، عن عبادة بن الصامت، عن أُبي بن كعب فذكره، ويأتي الكلام عليه.
(٤) في (أ): "محمود"! وهو خطأ.
[ ١ / ٤٧ ]
وقال ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن مرزوق، حدّثنا أبو الوليد، حدّثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس، عن عبادة بن الصامت، عن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: "أنزل القرآن على سبعة أحرف".
فأدخل بينهما عبادة بن الصامت.
وقال الإمام أحمد بن حنبل (^٢) ﵀: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، حدثني عبد الله بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أُبي بن كعب، قال: كنت في المسجد، فدخل رجل فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه فقمنا جميعًا فدخلنا على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن هذا قرأ قراءة أنكرتُها عليه، ثم دخل هذا فقرأ (غير) (^٣) قراءة صاحبه، فقال لهما النبي ﷺ: "اقرءا - فقرءا فقال:- أصبتما" فلما قال لهما النبي ﷺ الذي قال: كبر عليَّ ولا إذا كنت في الجاهلية، فلما رأى الذي غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقًا. وكأنما أنظر إلى الله فرقًا، فقال: "يا أُبي إن الله أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه أن هوِّن على أمتي، فأرسل إلي أن أقرأه على حرفين، فرددت إليه أن هون على أمتي، فأرسل إلي أن أقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردة مسألة تسألنيها - قال - قلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليه فيه الخلق حتى إبراهيم ﵇".
وهكذا رواه مسلم من حديث إسماعيل بن أبي خالد به.
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدّثنا محمد بن فضيل، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن جده، عن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: خفف (عن) (^٤) أمتي، فقال: اقرأه على حرفين، فقلت: رب خفف (عن) (^٤) أمتي، فقال: اقرأه على سبعة أحرف من سبعة أبواب الجنة، كلها شافٍ كافٍ".
_________________
(١) في "تفسيره" (٢٨). وأخرجه أحمد (٥/ ١١٤)؛ وابن حبان (٧٤٢)؛ وتمام الرازي في "الفوائد" (١٧٠٦)؛ وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٦٧٩)؛ والطحاوي في "المشكل" (٤/ ١٨٢) من طرق عن حماد بن سلمة عن حميد الطويل، عن أنس، عن عبادة بن الصامت، عن أُبي بن كعب فذكره. فزاد في الإسناد "عبادة بن الصامت"، ولعل هذا مما وهم فيه حماد، وكان تغير حفظه قليلًا ويؤيده إيراد ابن عدي للحديث في ترجمته ولم أجد من تابعه مع مخالفة هذا الجمع. وذكر أبو حاتم، كما في "العلل" (١٧٤٥) رواية حماد من غير ترجيح، فإن كان يرجح روايته على زهير، فلم يتفرد زهير به، فتابعه من قدمنا ذكرهم، وهم أكثر عددًا وأشد إتقانًا. والله أعلم.
(٢) صحيح. أخرجه أحمد (٥/ ١٢٧) قال: حدثنا يحيى بن سعيد، بسنده سواء. وأخرجه مسلم (٨٢٠/ ٢٧٣). ورواه عن إسماعيل بن أبي خالد: "وكيع، ويحيى القطان، وابن نمير، ومحمد بن بشر، ومحمد بن يزيد الواسطي، وخالد بن عبد الله، ومحمد بن فضيل، ومحمد بن عبيد".
(٣) في (أ): "سوى".
(٤) في (ج): "على".
[ ١ / ٤٨ ]
وقال ابن جرير (^١):
(حدثنا) (^٢) يونس، عن ابن وهب، أخبرني هشام بن سعد، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أُبي بن كعب أنه قال: سمعت رجلًا يقرأ في سورة النحل قراءةً تخالف قراءتي، ثم سمعت آخر يقرؤها بخلاف ذلك، فانطلقت بهما إلى رسول الله ﷺ فقلت: إني سمعت هذين يقرآن في سورة النحل، فسألتهما: من أقرأهما؟ فقالا: رسول الله ﷺ، فقلت: لأذهبن بكما إلى رسول الله ﷺ إذ خالفتما ما أقرأني رسول الله، فقال رسول الله ﷺ لأحدهما: "اقرأ - فقرأ فقال:- أحسنت - ثم قال للآخر:- اقرأ - فقرأ - فقال: - أحسنت" قال أُبي: فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان حتى احمر وجهي، فعرف ذلك رسول الله ﷺ في وجهي، فضرب يده في صدري، ثم قال: "اللهم أخسئ الشيطان عنه، يا أُبي أتاني آت من ربي فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب خفف (عن أمتي) (^٣)، ثم أتاني الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على (حرفين) (^٤)، فقلت: رب خفف عن أمتي، ثم أتاني الثالثة فقال مثل ذلك، وقلت مثل ذلك، ثم أتاني الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف ولك بكل ردة مسألة - فقال:- يا رب اللهم اغفر لأمتي، يا رب اغفر لأمتي، واختبأت الثالثة شفاعةً لأمتي يوم القيامة".
إسناد صحيح.
_________________
(١) في "تفسيره" رقم (٣٨). وصرح المصنف بصحة سنده، ولكن قال إبراهيم الحربي، كما في "التهذيب" (٧/ ٤٠)، "لم يدرك عبيد الله عبد الرحمن بن أبي ليلى" فأجاب عنه الشيخ العلامة أبو الأشبال ﵀ بقوله: "وأنا أرجح أن هذا خطأ من الحربي، فإن عبد الرحمن مات سنة (٨٢) أو (٨٣) وعبيد الله مات سنة (١٤٤) أو (١٤٥) فالمعاصرة ثابتة، وهي كافية في إثبات اتصال الرواية، إذا لم يكن الراوي مدلسًا، وما كان عبيد الله ذلك قط، ولذلك جزم ابن كثير بصحة الإسناد". اهـ. قلت: لا يتم لك الأمر إلا إذا أثبت أن عبيد الله عُمِّر، وقد صرح الذهبي في "السير" (٦/ ٣٠٤) "أن عبيد الله ولد بعد السبعين أو نحوها" فمن المحتمل أن يكون في أول السبعين أو في آخرها، وعلى أي تقدير فيكون تجاوز العاشرة بسنين قليلة، سنتين أو ثلاثة، وهذا وإن كان أدرك الزمان، لكن لعل الحربي قصد "إدراك السماع"، فإذا أضفت إلى هذا أن عبد الرحمن كوفي، وعبيد الله مدني، ويبعد أن يرحل ابن عشر سنين أو فوقها بقليل لطلب الحديث ترجح لك كلام الحربي، ثم فوق كل هذا فإن هشام بن سعد قد خولف في روايته عن عبيد الله بن عمر، خالفه المعتمر بن سليمان، قال: سمعت عبيد الله بن عمر، عن سيار أبي الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رفعه إلى النبي ﷺ فذكره. أخرجه ابن جرير (٣٩) قال: حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، ثنا المعتمر. فخالفه المعتمر في موضعين: الأول: أنه أثبت الواسطة بين عبيد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى وهو يؤيد كلام الحربي في الانقطاع. الثاني: أنه أرسله، ورواية المعتمر أرجح، فهو أوثق من هشام بن سعد، بل تكلم أحمد وابن معين والنسائي في حفظ هشام وضعفوه، ومشاه غيرهم: فتصحيح المصنف للإسناد لا يخفى ما فيه. والله تعالى أعلم.
(٢) في (أ): "حدثني".
(٣) في (ج): "عنى".
(٤) في (ج): "حرف واحد" وهو سبق قلم.
[ ١ / ٤٩ ]
(قلت): وهذا الشك الذي حصل لأُبي في تلك الساعة هو - والله أعلم - السبب الذي لأجله قرأ عليه رسول الله ﷺ قراءة (إبلاغ وإعلام) (^١) ودواء لما كان حصل له سورة ﴿لَمْ يَكُنِ (الَّذِينَ كَفَرُوا) (^٢) مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ). . .﴾ إلى آخرها [البينة: ١] (^٣)، لاشتمالها على قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ [البينة] وهذا نظير تلاوته سورة الفتح حين أنزلت مرجعه (﵇) (^٤) من الحديبية على عمر بن الخطاب، وذلك لما كان تقدم له من الأسئلة لرسول الله ﷺ (ثم) (^٥) لأبي بكر الصديق، وفيها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧].
وقال ابن جرير (^٦): حدثنا محمد بن مثنى، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن أُبي بن كعب أن رسول الله كان عند إضاة بني غفار، فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، قال: "أسأل الله معافاته ومغفرته فإن أمتي لا تطيق ذلك" قال: ثم أتاه الثانية، فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين، قال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، إن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، قال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، إن أمتي لا تطيق ذلك" ثم جاءه الرابعة فقال: "إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا".
وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية شعبة به.
وفي لفظ لأبي داود (^٧)، عن أُبي بن كعب قال: قال (لي) (^٨) رسول الله ﷺ: "إني أقرئت القرآن، (فقيل) (^٩) لي: على حرف أو حرفين؟ فقال الملك الذي معي: قل: على حرفين، فقيل لي: على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملك الذي معي: قل: على ثلاثة حتى بلغ سبعة أحرف، ثم قال: ليس منها إلا شاف كاف إن قلت: سميعًا عليمًا عزيزًا حكيمًا ما لم تخلط آية عذاب برحمة أو آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب".
وقد روى ثابت (^١٠) بن قاسم نحوًا من هذا عن أبي هريرة (^١١)، عن النبي ﷺ ومن كلام ابن مسعود نحو ذلك.
_________________
(١) في (أ): "إعلام وإبلاغ".
(٢) ساقط من (أ).
(٣) ساقط من (ط).
(٤) ساقط من (أ).
(٥) في (أ): "و".
(٦) صحيح وهو في "تفسيره" رقم (٣٥). وأخرجه مسلم (٨٢١/ ٢٧٤).
(٧) أخرجه أبو داود (١٤٧٧) من طريق سليمان بن صرد، عن أُبي بن كعب، ويأتي تخريجه قريبًا.
(٨) ساقط من (أ).
(٩) في (ج): "قيل".
(١٠) كذا في "الأصول" كلها، وليس هو، كما يتبادر، التابعي الذي يروى الحديث عن أبي هريرة، ولكنه كما يبدو لي أحد العلماء المصنفين، وقد روى الحديث بسنده إلى أبي هريرة في "مصنفه"، ويقع لي، والله أعلم، أنه: "قاسم بن ثابت السرقسطي" صاحب كتاب "الدلائل" في غريب الحديث، فلعل اسمه انقلب على المصنف أو الناسخ، فإن كان ذلك كذلك، وإلا فليحرر. والعلم عند الله تعالى.
(١١) حسن. =
[ ١ / ٥٠ ]
وقال الإمام (^١) أحمد: حدثنا حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن عاصم، عن زر، عن أُبي قال: لقي رسول الله ﷺ جبريل عند أحجار المراء فقال رسول الله ﷺ لجبريل: "إني بعثت إلى أمة أميين، فيهم الشيخ العامي والعجوز الكبيرة والغلام، فقال: مرهم فليقرؤوا القرآن على سبعة أحرف".
وأخرجه الترمذي من حديث عاصم بن أبي النجود، عن زر (^٢)]، [عن (أُبي) (^٣) به، وقال: "حسن صحيح".
وقد رواه أبو عبيد (^٤)، عن أبي النضر، عن شيبان، عن عاصم بن أبي النجود، عن
_________________
(١) = أخرجه أحمد (٢/ ٢٣٢ - ٤٤٠)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٦)؛ وابن حبان (٧٤٣)؛ والبزار (ج ٣/ رقم ٢٣١٣)؛ والطبري (٨، ٩) من طرق عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: "أنزل القرآن على سبعة أحرف، حكيمًا، عليمًا، غفورًا، رحيمًا". قال ابن حبان: "حكيمًا عليمًا غفورًا رحيمًا قول محمد بن عمرو، أدرجه في الخبر، والخبر إلى سبعة أحرف" وسنده حسن، ويأتي الكلام عن طرقه قريبًا إن شاء الله. وأخرجه البيهقي في "الشعب" (ج ٥/ رقم ٢٠٧٣) من كلام ابن مسعود نحوه. ورجال إسناده ثقات، وفي أبي بكر بن عياش كلام.
(٢) في "مسنده" (٥/ ١٣٢). وأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٨)؛ وابن حبان (٧٣٩)؛ وابن جرير (٢٩)؛ وأبو الفضل الزهري في "حديثه" (ج ٣/ ق ٧٣/ ٢) من طريق زائدة بن قدامة بسنده سواء. وتابعه شيبان بن عبد الرحمن، عن عاصم بن أبي النجود به. أخرجه الترمذي (٢٩٤٤)، والضياء في "المختارة" (١١٦٨) من طريق الحس بن موسى، نا شيبان بسنده سواء. وقال الترمذي: "حسن صحيح". وتابعه عبيد الله بن موسى، وأبو النضر هاشم بن القاسم، كلاهما عن شيبان بسنده سواء أخرجه الهيثم بن كليب في "مسنده" (١٤٨٠، ١٤٨١). ووقع عنده في رواية أبي النضر، قال: "نا أبو معاوية، عن عاصم". وأبو معاوية هذا ليس هو الضرير محمد بن خازم، بل هو شيبان بن عبد الرحمن وهذه كنيته. والله أعلم. واختلف على شيبان كما يأتي. وقد توبع شيبان. تابعه أبو عوانة الوضاح اليشكري فرواه عن عاصم، بسنده سواء أخرجه الضياء في "المختارة" (١١٦٩) وتابعهما حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن أُبي بن كعب فذكره. أخرجه الطيالسي (٥٤٣). واختلف فيه على حماد، كما يأتي إن شاء الله تعالى.
(٣) ساقط من (أ).
(٤) وقع في "الأصول": "ابن مسعود" وهو خطأ، فلم يقع في "الترمذي" حديث ابن مسعود هذا؛ نعم أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" (٨/ ٢٨٩) من طريق يحيى بن أبي بكير، قال: حدثنا شيبان بن عبد الرحمن أبو معاوية، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن عبد الله قال: أتيت المسجد فجلست إلى ناس وجلسوا إلي … وذكر حديثًا فيه أنهم اختلفوا في القراءة. وهذا لون آخر من الاختلاف في إسناده ومتنه، فهل وهم يحيى بن أبي بكير على شيبان فيه؟ أو لعله من سوء حفظ عاصم، وهذا أقوى. والمحفوظ أن هذا يرويه الأعمش وأبو بكير بن عياش، وإسرائيل بن يونس وغيرهم عن عاصم، عن زر، عن عبد الله وليس فيه ذكر الأحرف السبعة. أخرجه أحمد (١/ ٤١٩، ٤٢١)؛ وابن حبان (٧٤٦، ٧٤٧)؛ والطبري (١٢، ١٣)؛ والحاكم (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤) وصححه. وأصله في "البخاري" من حديث النزال بن سبرة، عن ابن مسعود. والله أعلم.
(٥) في "فضائل القرآن" (ص ٢٠٢، ٢٠٣). فهكذا رواه أبو النضر هاشم بن القاسم، عن شيبان. =
[ ١ / ٥١ ]
زر] (^١)، عن حذيفة، أن رسول الله ﷺ لقي جبريل عند أحجار المراء. فذكر الحديث والله أعلم.
وهكذا رواه الإمام (^٢) أحمد، عن (عفان) (^٣)، عن حماد، عن عاصم، عن زر، عن حذيفة أن رسول الله ﷺ قال: "لقيت جبريل عند أحجار المراء فقلت يا جبريل إني أرسلت إلى أمة أمية، الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ العامي الذي لم يقرأ كتابًا قط؛ فقال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف".
وقال أحمد (^٤) أيضًا:
حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن ربعي بن حراش قال: حدثني من لم يكذبني (يعني) (^٥) - حذيفة - قال: "لقي النبي ﷺ، جبريل عند أحجار المراء فقال: إن أمتك يقرؤون القرآن على سبعة أحرف، فمن قرأ منهم فليقرأ كما علم ولا يرجع عنه".
_________________
(١) = وخالفه عبيد الله بن موسى والحسن بن موسى الأشيب فروياه عن شيبان، عن عاصم، عن زر، عن أُبي بن كعب. وقد مر ذكره آنفًا. وكلهم من الثقات الأثبات فيترجح لي أن الاضطراب من عاصم بن أبي النجود. وعندي أنه من "مسند أبي بن كعب" أشبه لكثرة الطرق بذلك. والله أعلم.
(٢) ساقط من (أ).
(٣) في "مسنده" (٥/ ٣٩١، ٤٠٠) قال: حدثنا عفان بإسناده سواء. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (ج ٣/ رقم ٣٠١٩) قال: حدثنا محمد بن العباس المؤدب، ثنا عفان بن مسلم بسنده سواء. وتابعه عبد الصمد بن عبد الوارث، وهدبة بن خالد، ومنصور بن سقير، كلهم عن حماد بن سلمة بسنده سواء. أخرجه أحمد (٥/ ٤٠٥، ٤٠٦)؛ والبزار (ج ٣/ رقم ٢٣١٠)؛ والطحاوي في "المشكل" (٤/ ١٨٢)؛ وابن قانع في "معجم الصحابة" (١/ ٣٧/ ١). وخالفهم جميعًا أبو داود الطيالسي، فرواه في "مسنده" (٥٤٣)؛ عن حماد بن سلمة بسنده سواء لكنه جعله عن "أُبي بن كعب" وهم يترجحون عليه في حماد لا سيما "عفان بن مسلم" هذا إن لم يكن الاضطراب فيه من عاصم كما سبق ذكره والله أعلم. وقال البزار: "هكذا رواه حماد بن سلمة، ورواه أبو معاوية عن عاصم عن زر عن أُبي بن كعب" فكأنما يشير إلى أن الوهم فيه من حماد وليس من الرواة عنه، وأبو معاوية التي أشار البزار إلى روايته هو، عندي، شيبان بن عبد الرحمن، مع أن هذه الكنية إذا أطلقت عُني بها "الضرير محمد بن خازم" لكني لم أجد له رواية عن عاصم بن بهدلة، مع شهرة رواية شيبان بن عبد الرحمن لهذا الحديث، فهذا هو الذي حدا بي أن أرجح هذا الرأي والله أعلم.
(٤) ساقط من (ج) و(ل).
(٥) في "مسنده" (٥/ ٣٨٥، ٤٠١) ولم يجمع الإمام حديث شيخيه في سياق واحد، إنما فرقه، وهذا الجمع من تصرف المصنف ﵀. وهذا إسناد رجاله ثقات، إلا إبراهيم بن مهاجر فقد لينه أكثر النقاد، فتصحيح المصنف لإسناده لا يخفى ما فيه، أما الهيثمي فقال في "المجمع" (٧/ ١٥١): "رواه أحمد وفيه راوٍ لم يسم"! وهذا وهم عجيب، أظنه بسبب عجلة الهيثمي النظر في السند، فقد وقع في السند: ". . . ربعي بن حراش، حدثني من لم يكذبني، يعني حذيفة" فلما وقع بصره على قوله: "من لم يكذبني" قال ما قال!! وقد علمت أنه سمي. فرحمه الله تعالى.
(٦) ساقط من (أ).
[ ١ / ٥٢ ]
وقال عبد الرحمن: "إن من أمتك الضعيف فمن قرأ على حرف فلا يتحول عنه إلى غيره رغبة عنه".
هذا إسناد صحيح، ولم يخرجوه.
(حديث آخر) في معناه عن سليمان بن صرد.
قال ابن جرير (^١): حدثنا إسماعيل بن موسى السدي، حدّثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد يرفعه قال: "أتاني ملكان فقال أحدهما: اقرأ، قال: على كم؟ قال: على حرف، قال: زده، حتى انتهى إلى سبعة أحرف".
ورواه النسائي (^٢) في "اليوم والليلة" عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام، عن إسحاق الأزرق،
_________________
(١) في "تفسيره" رقم (٢١). وأخرجه الطحاوي في "المشكل" (٤/ ١٨٩) قال: حدثنا فهد، قال: حدثنا موسى بن إسماعيل ابن بنت السدي بإسناده سواء. وخالفه محمد بن جعفر الوركاني، فرواه عن شريك، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، عن أُبي بن كعب رفعه. أخرجه عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (٥/ ١٢٥) عن الوركاني. ورواية الوركاني أولى، فهو أوثق من إسماعيل بن موسى. وقد توبع شريك على جعله من "مسند سليمان بن صرد". فتابعه زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق عن سليمان بن صرد، قال: أتى محمدًا ﷺ الملكان ثم ذكر نحوه. أخرجه أبو القاسم البغوي في "معجم الصحابة" (ج ١٠/ ق ١١٨/ ٢)؛ والطحاوي في "المشكل" (٤/ ١٨٩) من طريق أبي نصر التمار، قال: حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة. وتابعه عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا عبيد الله بن عمرو بسنده سواء. أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١١٨٩)؛ وقال الهيثمي (٧/ ١٥٣): "رواه الطبراني وفيه جعفر، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات". وقد وقع سقط نحو ورقة من "نسخة الأوسط" فكان مما سقط، والله أعلم: "عبد الله بن" وبقي: "جعفر"، لذلك لم يعرفه الهيثمي رحمه الله تعالى. ولكن خالفهما العوام بن حوشب، فرواه عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، عن أُبي بن كعب فذكره. ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى.
(٢) أخرجه النسائي في "اليوم والليلة" (٦٧١) قال: أخبرنا عبد الرحمن بن سلام، قال: حدثنا إسحاق الأزرق، حدثنا العوام بسنده سواء. هكذا رواه إسحاق الأزرق، فجعل العوام بن حوشب متابعًا لشريك وزيد بن أبي أنيسة على جعل الحديث من "مسند سليمان بن صرد". وخالفه يزيد بن هارون، فرواه عن العوام بن حوشب، قال: حدثني أبو إسحاق الهمداني، عن سليمان بن صرد، عن أُبي بن كعب فذكره. فجعله من "مسند أُبي بن كعب". أخرجه النسائي (٦٧٠) أيضًا، قال: أخبرنا أبو داود، قال: حدثنا يزيد. وأخرجه أبو عبيد في "الفضائل" (ص ٢٠١)؛ وأحمد بن منيع في "مسنده"، كما في "إتحاف المهرة" (ق ٢٢٩/ ١)؛ ومن طريقه أبو القاسم البغوي في "معجم الصحابة" (ج ٩/ ق ١١٨/ ١)؛ والضياء في "المختارة" (١١٧٦)؛ وابن الأعرابي، ومن طريقه الخطابي في "الغريب" (١/ ٥٨٧)؛ والبيهقي في "الدلائل" (٦/ ١٨٨). وهذا الوجه أشبه، وإسحاق الأزرق وإن كان ثقةً مأمونًا، فقد قال ابن سعد: "ربما غلط"، ويحتمل أن يصح الوجهان معًا كما أشار إلى ذلك المصنف ﵀، ويكون الحديث بـ "أُبي بن كعب" أشهر وأكثر. والله أعلم.
[ ١ / ٥٣ ]
عن العوام بن حوشب، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، قال: أتى أُبي بن كعب رسول الله ﷺ برجلين اختلفا في القراءة، فذكر الحديث.
وهكذا رواه أحمد بن منيع، عن يزيد بن هارون، عن العوام [ابن حوشب به.
ورواه أبو عبيد، عن يزيد بن هارون، عن العوام] (^١)، (عن) (^٢) أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، عن أُبي أنه أتى النبي ﷺ برجلين، فذكره.
وقال ابن جرير (^٣): حدثنا أبو كريب، حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن فلان العبدي - قال ابن جرير: ذهب عني اسمه - عن سليمان بن صرد، عن أُبي بن كعب، قال: رحت إلى المسجد فسمعت رجلًا يقرأ، فقلت: من أقرأك؟ قال: رسول الله ﷺ، فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ فقلت: استقرئ هذا، قال: فقرأ، فقال: "أحسنت" قال [قلت: إنك أقرأتني كذا وكذا، فقال: "وأنت قد أحسنت" (قال: فقلت) (^٤) قد أحسنت! قد أحسنت!؟ قال] (^٥) فضرب بيده على صدري ثم قال: "اللهم أذهب عن أُبي الشك" قال: ففضت عرقًا، وامتلأ جوفي فرقًا، قال: ثم قال: "إن الملكين أتياني، فقال أحدهما: اقرأ القرآن على حرف، وقال الآخر: زده، قال: قلت: زدني، فقال: اقرأه على حرفين، حتى بلغ سبعة أحرف، اقرأه على سبعة أحرف".
وقد رواه أبو عبيد، عن حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن (سقير) (^٦) العبدي، عن سليمان بن صرد، عن أُبي (^٧) [عن النبي ﷺ بنحو ذلك.
ورواه أبو داود (^٨)، عن أبي الوليد الطيالسي، عن همام، عن قتادة، عن يحيى بن يعمر، عن سليمان بن صرد، عن أُبي] (٧) بن كعب بنحوه.
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) في (ج): "ابن" وهو خطأ.
(٣) في "تفسيره" رقم (٢٥). وأخرجه أبو عبيد (ص ٢٠٢)؛ وعبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (٥/ ١٢٤)؛ والهيثم بن كليب في "مسنده" (١٤٣٩)؛ وابن عبد البر في "التمهيد" (٨/ ٢٨٥، ٢٨٦) من طرق عن إسرائيل بن يونس بسنده سواء. وسقير، ويقال: صقير، قال فيه الحسيني: "مجهول" فرد عليه الحافظ في "التعجيل" (٣٨٥) قائلًا: "ولم يصب في ذلك، فقد ذكروه في حرف الصاد المهملة، ولم يذكر البخاري ولا ابن أبي حاتم فيه قدحًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤/ ٣٨٥) ". اهـ. قلت: وما ذكره ابن حجر لا يخرجه عما قاله الحسيني كما لا يخفى، فأما ابن حبان فخطته معروفة، وأما تبييض البخاري وابن أبي حاتم للراوي فليس أمارة توثيق؛ لأن البخاري قد يبيض للراوي ويضعفه في "ضعفائه"؛ وأما ابن أبي حاتم فقد صرح في مطلع "كتابه" أنه يبيض للراوي إذا لم يعلم فيه شيئًا. والله الموفق. وهذا الوجه أيضًا من وجوه الاختلاف على أبي إسحاق في إسناده، ولعله منه فقد كان حفظه تغير، ونازع الذهبي في اختلاطه. ولعل هذا الوجه هو أشبه الوجوه كلها لمكان إسرائيل بن يونس من جده، وملازمته إياه. والله أعلم.
(٤) ساقط من (ج).
(٥) ساقط من (أ) وفي (ط): "فقلت".
(٦) في (أ): "ستير"!
(٧) ساقط من سياق (أ)، وقيد بخط دقيق في الحاشية.
(٨) في "سننه" (١٤٧٧).
[ ١ / ٥٤ ]
فهذا الحديثُ محفوظ من حيث الجملة عن أُبي بن كعب، والظاهر أن سليمان بن صرد الخزاعي شاهد ذلك، والله أعلم.
(حديث آخر عن أبي بكرة):
قال الإمام (^١) أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "أتاني جبريل وميكائيل ﵉، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف واحد، فقال ميكائيل: استزده، قال: اقرأ القرآن على سبعة أحرف، كلها شافٍ كافٍ، ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب برحمة" وهكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن زيد بن الحباب، عن حماد بن سلمة به، وزاد في آخره "كقولك: هلم وتعال".
(حديث آخر عن سمرة):
قال الإمام (^٢) أحمد: حدثنا بهز وعفان، كلاهما عن حماد بن سلمة، أنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف".
_________________
(١) = وأخرجه أحمد (٥/ ١٢٤)؛ وابنه في "زوائد المسند"؛ والطحاوي في "المشكل" (٤/ ١٨٩)؛ والبيهقي في "الكبرى" (٢/ ٣٨٤)؛ وفي "الصغرى" (١٠٠٩)؛ والضياء في "المختارة" (١١٧٣ - ١١٧٥) من طرق عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن يحيى بن يعمر، عن سليمان بن صرد، عن أُبي بن كعب فذكره. وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.
(٢) في "مسنده" (٥/ ٤١). وأخرجه أحمد أيضًا (٥/ ٥١)؛ والطحاوي في "المشكل" (٤/ ١٩١) من طريق عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة به. وتابعه زيد بن الحباب، عن حماد. أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٧)؛ وابن جرير (٤٠ - ٤٧). وتوبع حماد بن سلمة؛ تابعه عبد الوارث بن سعيد، عن علي بن زيد به. أخرجه مسدد بن مسرهد في "مسنده"، كما في "إتحاف المهرة" (ق ٢٢٩/ ١)، قال: ثنا عبد الوارث. وعزاه الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٥١) للطبراني، وقال: "فيه علي بن زيد بن جدعان، وهو سيء الحفظ، وقد توبع، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح". اهـ.
(٣) في "مسنده" (٥/ ١٦، ٢٢) ورواية بهز وعفان وقعت في "المسند" مفرقة في موضعين، وهذا الجمع بينهما من صنيع المصنف رحمه الله تعالى، ولم يصب في صنيعه هذا، فإن رواية بهز بن أسد عن حماد: "سبعة أحرف" ورواية عفان عنه: "ثلاثة أحرف" فقد اختلفا في هذا الحرف فلا يصح جمع روايتهما في سياق واحد. والله أعلم. وأخرجه أبو عبيد في "الفضائل" (ص ٢٠٣)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٧)؛ وتمام الرازي في "الفوائد" (٧٤٢)؛ والبزار (ج ٣/ رقم ٢٣١٤)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٧/ رقم ٦٨٥٣)؛ وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٦٧٩)؛ والحاكم (٢/ ٢٢٣)؛ والطحاوي في "المشكل" (٤/ ١٩٥) من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا: "أنزل القرآن على ثلاثة أحرف". ورواه عن حمادٍ هكذا: "حجاج بن منهال، وعفان بن مسلم" وخالفهما بهز، كما تقدم، فقال: "سبعة أحرف". قال البزار: "لا نعلم يروى هذا اللفظ إلا عن سمرة، ولا رواه عن قتادة إلا حماد". وقال الحاكم: "قد احتج البخاري برواية الحسن عن سمرة، واحتج مسلم بأحاديث حماد بن سلمة، وهذا الحديث صحيح، وليس له علة". ووافقه الذهبي! =
[ ١ / ٥٥ ]
إسناد صحيح، ولم يخرجوه.
(حديث آخر عن أبي هريرة):
قال الإمام (^١) أحمد: حدثنا أنس بن عياض، حدثني أبو حازم، عن أبي سلمة لا أعلمه إلا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "نزل القرآن على سبعة أحرف، مراء في القرآن كفر - ثلاث مرات - فما علمتم منه فاعملوا وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه".
ورواه النسائي، عن قتيبة، عن أبي ضمرة أنس بن عياض به.
(حديث آخر عن أم أيوب):
قال الإمام (^٢) أحمد: حدثنا سفيان، عن عبيد الله - وهو ابن أبي يزيد - عن أبيه، عن أم أيوب - يعني: امرأة أبي أيوب - الأنصارية أن رسول الله ﷺ قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف أيها قرأت أجزأك".
وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة.
(حديث آخر عن أبي جهيم):
قال أبو عبيد (^٣): حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن خصيفة، عن مسلم بن سعيد مولى
_________________
(١) = كذا قالا! وقد قال الذهبي في "السير" (٤/ ٥٨٨): "قال قائل: إنما أعرض أهل الصحيح عن كثير مما يقول فيه الحسن: "عن فلان" وإن كان مما قد ثبت لقيه فيه لـ "فلان" المعين؛ لأن الحسن معروف بالتدليس، ويدلس عن الضعفاء، فيبقى في النفس من ذلك، فإننا وإن ثبتنا سماعه من سمرة، يجوز أن يكون لم يسمع فيه غالب النسخة التي عن سمرة، والله أعلم". اهـ.
(٢) في "مسنده" (٢/ ٣٠٠). وأخرجه النسائي في "الفضائل" (١١٨)؛ وابن حبان (٧٤)؛ وابن جرير (٧)؛ وأبو يعلى في "مسنده" (ج ١٠/ رقم ١٠١٦)؛ والخطيب في "تاريخ بغداد" (١١/ ٢٦) من طرق عن أنس بن عياض بسنده سواء. وإسناده صحيح. وتابعه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: "أنزل القرآن على سبعة أحرف، حكيمًا عليمًا، غفورًا رحيمًا"، لفظ ابن حبان.
(٣) في "مسنده" (٦/ ٤٣٣، ٤٦٢، ٤٦٣)، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٥، ٥١٦)؛ والحميدي (٣٣٨)؛ وابن جرير (٢٠ - ٢٣)؛ وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٣٣٢٠)؛ والطحاوي في "المشكل" (٤/ ١٨٣) من طريق سفيان بن عيينة بإسناد سواء. وهذا سند حسن. وتابعه أبو الربيع السمان، قال: حدثني عبيد الله بن أبي يزيد بسنده سواء أخرجه ابن جرير (٢٤)؛ وأبو الربيع السمان متروك.
(٤) في "فضائل القرآن" (ص ٢٠٢). وأخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ١/ ٢٦٢)؛ والحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (ق ٩٠/ ١ - زوائده)؛ والبيهقي في "الشعب" (٦٠٦٩)؛ والبغوي في "شرح السنة" (٤/ ٥٠٥، ٥٠٦) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن خصيفة، عن مسلم بن سعيد، عن أبي جهيم فذكره. ورواه عن إسماعيل بن جعفر هكذا: "أبو عبيد، وعلي بن حجر، وعاصم بن علي" وخالفهم خالد بن القاسم المدائني فرواه عن إسماعيل بن جعفر، أنبأ يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد، مولى الحضرميين، عن أبي جهيم الأنصاري فذكره. فجعل شيخ يزيد: "بسرًا" لا "مسلمًا". أخرجه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (ق ٩٠/ ١) لكن خالدًا المدائني كذبه إسحاق بن راهويه وقال =
[ ١ / ٥٦ ]
الحضرمي - وقال غيره عن بسر بن سعيد - عن أبي جهيم الأنصاري أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، كلاهما يزعم أنه تلقاها من رسول الله ﷺ فمشيا جميعًا حتى أتيا رسول الله ﷺ فذكر أبو جهيم أن رسول الله ﷺ قال: "إن هذا القرآن (نزل) (^١) على سبعة أحرف، فلا تماروا فإن مراءً فيه كفر".
وهكذا رواه أبو عبيد على الشك.
وقد رواه الإمام أحمد على الصواب، فقال: حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدّثنا سليمان بن بلال، حدثني يزيد بن خصيفة، أخبرني بسر بن سعيد، حدثني أبو جهيم أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، قال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ وقال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ، فسألا النبي ﷺ فقال: "القرآن يقرأ على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن، فإن مراءً في القرآن كفر".
وهذا إسناد صحيح أيضًا، ولم يخرجوه.
ثم قال أبو عبيد (^٢): حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص أن رجلًا قرأ آيةً من القرآن
_________________
(١) = يعقوب بن شيبة: "تركه الناس أجمع، وكان علي ابن المديني حسن الرأي فيه". وقد خولف إسماعيل بن جعفر في إسناده على الوجه الأول. خالفه سليمان بن بلال، فرواه يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد، عن أبي جهيم به. أخرجه أحمد (٤/ ١٦٩، ١٧٠)؛ والطبري (٤١)؛ وابن عبد البر في "التمهيد" (٨/ ٢٨٢)؛ والطحاوي في "المشكل" (٤/ ١٨٣). ولعل هذا الاختلاف من يزيد بن خصيفة، فهو وإن كان ثقةً إلا أن أحمد قال في رواية: "منكر الحديث" وقد خولف فيه كما يأتي. وزعم المعلق على "تهذيب الكمال" (٣٢/ ١٧٣) أن هذا لم يثبت عن أحمد، ولم يبد حجة سوى قوله: "فيما أرى"! وبان أحمد قال: "لا أعلم إلا خيرًا"، وهذا القول لا يمنع أن يكون لأحمد فيه قول آخر. والله أعلم. وقد رجح المصنف رواية سليمان بن بلال وصحح الإسناد لذلك.
(٢) في (أ): "أنزل".
(٣) في "فضائل القرآن" "ص ٢٠٢" وعبد الله بن صالح كاتب الليث فيه مقال شهير، لكنه كان من ألزم الناس لليث، لزمه عشرين سنة، ولم يتفرد به. فأخرجه أحمد (٤/ ٢٠٤، ٢٠٥)؛ وابن أبي عمر في "مسنده"، كما في "إتحاف المهرة" (ق ٢٣٠/ ١)، من طريق عبد الله بن جعفر، والدراوردي كلاهما عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو، عن عمرو بن العاص. قال الحافظ في "الفتح" (٩/ ١٢٦): "إسناده حسن". * قلت: لكن خولف محمد بن إبراهيم التيمي فيه. خالفه يزيد بن خصيفة وهو أوثق منه، فرواه عن بسر بن سعيد، عن أبي جهيم. وهذا أولى والله أعلم. وأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥٢٨) قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن سعد مولى عمرو بن العاص قال: تشاجر رجلان في آية فارتفعا إلى رسول الله ﷺ فقال: "لا تماروا في القرآن؛ فإن المراء فيه كفر". وسئل عنه أبو حاتم، كما في "العلل" (١٧٨٢)، فقال: "هذا وهم؛ إنما رواه يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ". اهـ.
[ ١ / ٥٧ ]
فقال عمرو - يعني: ابن العاص -: إنما هي كذا وكذا بغير ما قرأ الرجل، فقال الرجل: هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ فخرجا إلى رسول الله ﷺ حتى أتياه، فذكرا ذلك له، فقال رسول الله ﷺ: "إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فأي ذلك قرأتم أصبتم، فلا تماروا في القرآن فإن مراءً فيه كفر".
ورواه الإمام أحمد، عن أبي سلمة الخزاعي، عن عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص به نحوه، وفيه "فإن المراء فيه كفر إنه الكفر به".
وهذا أيضًا (حديث) (^١) جيد.
(حديث آخر عن ابن مسعود):
قال ابن جرير (^٢): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنا ابن وهب، أخبرني حيوة بن شريح، عن عقيل بن خالد، عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: "كان الكتاب الأول نزل من باب واحد، وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به كل من عند ربنا".
ثم رواه (^٣) عن أبي كريب، عن المحاربي، عن ضمرة بن حبيب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود من كلامه وهو أشبه، والله أعلم.
_________________
(١) ساقط من (أ) و(ط).
(٢) في "تفسيره" رقم (٦٧). وأخرجه ابن حبان (٧٤٥)؛ والطحاوي في "المشكل" (٤/ ١٨٤، ١٨٥)؛ وأبو نصر السجزي في "الإبانة"، كما في "الدر" (٢/ ٦)؛ والهروي في "ذم الكلام" (ق ٦٢/ ٢)، كما في "الصحيحة" (٥٨٧)؛ وابن عبد البر في "التمهيد" (٨/ ٢٧٥)؛ والحاكم (١/ ٥٥٣، ٢/ ٢٨٩، ٢٩٠) وصححه ولم يوافقه الذهبي في الموضع الثاني وتعقبه الحافظ، أعني الحاكم، في "الفتح" (٩/ ٢٩) وقال: "في تصحيحه نظر، لانقطاعه بين أبي سلمة وابن مسعود". وسبقه ابن عبد البر والطحاوي إلى هذا الإعلال. فقال الأول في "التمهيد" (٨/ ٢٧٥): "وهذا حديث عند أهل العلم لا يثبت؛ لأنه يرويه حيوة عن عقيل، عن سلمة هكذا، ويرويه الليث عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سلمة بن أبي سلمة، عن أبيه عن النبي ﷺ، وأبو سلمة لم يلق ابن مسعود، وابنه سلمة ليس ممن يحتج به". اهـ.
(٣) يعني ابن جرير رقم (٧٠)؛ وأخرجه ابن الضريس في "الفضائل" (١٢٩) من هذا الوجه ورجاله ثقات، لكنه منقطع بين القاسم وابن مسعود، فلم يدركه. قال ابن المديني: "لم يلق القاسم من أصحاب النبي ﷺ غير جابر بن سمرة"؛ وأخرجه البيهقي في "الشعب" (ج ٥/ رقم ٢٠٩٥) من طريق معارك بن عباد، حدثني عبد الله بن سعيد المقبري، حدثني أبي، عن أبي هريرة مرفوعًا: "أعربوا القرآن واتبعوا غرائبه وفرائضه وحدوده فإن القرآن نزل على خمسة أوجه .. وساقه بمثل كلام ابن مسعود. وسنده ضعيف جدًا، ومعارك ضعيف، وعبد الله بن سعيد متروك. ثم رأيته في "الضعيفة" (١٣٤٦) لشيخنا الألباني ﵀، وضعفه جدًا وعزاه لابن جبرون المعدل في "الفوائد العوالي" (١/ ٢٨/ ١)، والثقفي في "الثقفيات" (ج ٩/ رقم ١٤) من طريق معارك بن عباد به".
[ ١ / ٥٨ ]