قال ابن جرير (^١٢): حدثني القاسم بن الحسن، (قال: حدثنا الحسين قال) (^١٣): حدثني الحجاج، عن جرير بن حازم؛ ومبارك عن الحسن، وأبي بكر، عن الحسن وقتادة؛ قالوا: قال اللّه للملائكة: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال لهم: إني فاعل، (وهذا) (^١٤) معناه أنه أخبرهم بذلك.
وقال السدي: استشار الملائكة في خلق آدم، رواه ابن أبي (^١٥) حاتم؛ وقال: وروي عن قتادة نحوه (^١٦)؛ وهذه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار ففيها تساهل [وعبارة الحسن وقتادة في رواية ابن جرير أحسن. والله أعلم] (^١٧).
_________________
(١) من (ن). وفي (ك): " ﷺ ".
(٢) أخرجه مسلم (١٧٩/ ٢٩٣، ٢٩٤).
(٣) ساقط من (ز) و(هـ).
(٤) ساقط من (ج) و(ل).
(٥) من (ن).
(٦) في (ك): "منفصلة"!
(٧) ساقط من (ن).
(٨) من (ج) و(ك) و(ل) و(ى).
(٩) من (ى).
(١٠) من (ل).
(١١) في (ل): "وبسط".
(١٢) في "تفسيره" (٥٩٧)؛ وفي "تاريخه" (١/ ١٠١) وطريق حجاج، عن جرير، عن الحسن جيد، وأخرجه ابن أبي حاتم (٣١٦) من طريق سعيد بن سليمان، ثنا مبارك بن فضالة، ثنا الحسن. فذكره.
(١٣) ساقط من جميع "الأصول" وهو ثابت في "تفسير الطبري".
(١٤) في (ن): "هذا ومعناه".
(١٥) في "تفسيره" (٣١٥) وهو خبر غريب.
(١٦) [أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة].
(١٧) ساقط من (ز) و(هـ).
[ ١ / ٣٢٧ ]
﴿فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن أبي حاتم (^١): حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد، (حدّثنا) (^٢) عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن سابط - أن رسول اللّه ﷺ قال "دحيت الأرض من مكة، وأول من طاف بالبيت الملائكة؛ فقال اللّه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ - يعني: مكة".
وهذا مرسل، وفي سنده ضعف، وفيه مدرج؛ وهو أن المراد بالأرض مكة. واللّه أعلم؛ فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك.
﴿خَلِيفَةً﴾ قال السدي في "تفسيره" (^٣)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة -: إن اللّه (تعالى) (^٤) قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. قالوا: ربنا، وما يكون ذاك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضًا.
قال ابن جرير (^٥): فكأن تأويل الآية على هذا: إني جاعل في الأرض خليفة مني يخلفني في الحكم (^٦) بين خلفي، وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة اللّه والحكم بالعدل بين خلقه. وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه.
قال ابن جرير: وإنما معنى الخلافة التي ذكرها اللّه (تعالى) (^٧) إنما هي خلافة (قرن) (^٨) منهم قرنًا.
قال (^٩): والخليفة: الفعيلة، من قولك: خلف فلان فلانًا في هذا الأمر، إذا قام مقامه فيه بعده؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ [يونس] ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم: خليفة؛ لأنه خلف الذي كان قبله، فقام (بالأمر) (^١٠)، فكان منه خلفًا.
قال] (^٩): وكان محمد بن إسحاق يقول في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ يقول: ساكنًا وعامرًا يعمرها وشمكنها خلقًا ليس منكم.
(قال ابن جرير) (^١١): وحدثنا أبو كريب، حدثنا (عثمان) (^١٢) بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس؛ قال: إن أول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها، وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضًا؛ قال: فبعث اللّه إليهم إبليس، فقتلهم إبليس ومن
_________________
(١) في "تفسيره" (٣١٨). وأخرجه ابن جرير (٥٩٦) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن عطاء بن السائب، عن ابن سابط. وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٤٦) لابن عساكر.
(٢) في (ن): "ابن".
(٣) ومن طريقه ابن جرير (٦٠٥). [وسنده ضعيف].
(٤) من (ن).
(٥) في "تفسيره" (١/ ٤٥٢).
(٦) في (ن): "في الحكم بالعدل"، وليس في "الأصول" ولا في "الطبري".
(٧) من (ل).
(٨) ساقط من (ل).
(٩) يعني ابن جرير (١/ ٤٤٩).
(١٠) في "الطبري" (١/ ٤٤٩): "فقام بالأمر مقامه".
(١١) ساقط من (ج) و(ك) و(ل) وهو في "تفسير ابن جرير" (٦٠١) وسنده ضعيف.
(١٢) في (ز): "عمر" كذا نبه محققو طبعة "الشعب" ورسمها قريب جدًّا من عثمان، فإنهم يكتبونها هكذا "عثمن" فلعلها اشتبهت عليهم. واللّه أعلم.
[ ١ / ٣٢٨ ]
معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، ثم خلق آدم فأسكنه إياها؛ فلذلك قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
وقال سفيان (^١) الثوري، عن عطاء بن السائب، عن ابن سابط: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قال: يعنون به بني آدم.
وقال (^٢) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال الله للملائكة: إني أريد أن أخلق في الأرض خلقًا، وأجعل فيها خليفة، وليس للّه ﷿ خلق إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق. قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾؟.
وقد تقدم ما رواه السدي، عن ابن عباس، وابن مسعود وغيرهما من الصحابة: أن الله أعلم الملائكة بما (يفعل) (^٣) ذرية آدم؛ فقالت الملائكة ذلك.
وتقدم (آنفًا) (^٤) ما رواه الضحاك، عن ابن عباس: أن الجن أفسدوا في الأرض قبل بني آدم؛ فقالت الملائكة ذلك، فقاسوا هؤلاء بأولئك.
وقال ابن أبي (^٥) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن (بكير) (^٦) بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد اللّه بن عمرو؛ قال: كان الجن بنو الجان في الأرض قبل أن يخلق آدم بألفي سنة، فأفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء، فبعث اللّه جندًا من الملائكة، فضربوهم حتى (ألحقوهم) (^٧) بجزائر البحور؛ فقال اللّه للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وقال أبو جعفر (^٨) الرازي، عن الربيع (بن أنس) (^٩)، عن أبي العالية - في قوله (تعالى) (^١٠): ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ..﴾ إلى قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]-، قال: خلق اللّه الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة، فكفر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم (فكانت الدماء بينهم) (^١١) وكان الفساد في الأرض؛ فمن ثم قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ كما أفسدت الجن ويسفك الدماء كما سفكوا؟
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٦٠٣ - ٦٠٨)؛ وابن أبي حاتم (٣٢٧)، وسنده جيد.
(٢) أخرجه ابن جرير (٦٠٤) وسنده صحيح.
(٣) في (ن) و(ل) و(هـ): "تفعل".
(٤) في (ج) و(ل): "أيضًا".
(٥) في "تفسيره" (٣٢٢) ولكن أخرجه الحاكم (٢/ ٢٦١) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية بسنده سواء لكنه جعل الصحابي "ابن عباس" بدل "ابن عمرو "فلا أدري هل تصحف في "المستدرك" والتصحيف فيه كثير أم هو اختلاف بين ابن أبي شيبة والطنافسي؟! وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي وهو كما قالا وقد أخرجه ابن منده في "التوحيد" (٥٧٢) من طريق سعدان بن نصر، ثنا أبو معاوية بسنده سواء عن عبد اللّه بن عمرو.
(٦) في (ك): "بكر" وهو خطأ.
(٧) في (ن): "لحقوا" وهو مخالف لما في "تفسير ابن أبي حاتم".
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٢٣)؛ وأخرجه ابن جرير (٦٠٢)؛ وأبو الشيخ في "العظمة" (٨٨٠) من طريق عبد اللّه بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قوله. [وسنده جيد].
(٩) من (ع) و(ن) و(هـ) و(ي).
(١٠) من (ن).
(١١) كذا في "جميع الأصول" وهو الموافق لما في "تفسير الطبري" (٦١٢). ووقع في (ن): "تقاتلهم ببغيهم".
[ ١ / ٣٢٩ ]
قال ابن (^١) أبي حاتم: وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا مبارك بن فضالة، حدثنا الحسن؛ قال: قال اللّه للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قال لهم: إني فاعل، فآمنوا بربهم، فعلَّمهم علمًا، وطوى عنهم عِلمًا عَلِمه ولم يعلموه، فقالوا بالعلم الذي علمهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
قال الحسن: إن الجن كانوا في الأرض يفسدون، ويسفكون الدماء، ولكن جعل الله في قلوبهم أن ذلك سيكون؛ فقالوا بالقول الذي علَّمهم.
وقال عبد الرزاق (^٢)، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ كان اللّه أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فذلك حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾؟
وقال ابن أبي (^٣) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام الرازي، حدثنا ابن المبارك، عن معروف - يعني: ابن خرَّبوذ المكي -، عمن سمع أبا جعفر محمد بن علي يقول: السجل ملك، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له في كل يوم ثلاث لمحات (ينظرهن) (^٤) في أم الكتاب؛ فنظر نظرةً لم تكن له، فأبصر فيها خلق آدم وما (كان) (^٥) فيه من الأمور، فأسر ذلك إلى هاروت وماروت، وكانا من أعوانه؛ فلما قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ - قالا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قالا: ذلك استطالةً على الملائكة.
وهذا أثر غريب. وبتقدير صحته إلى أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر فهو نقله عن أهل الكتاب، وفيه نكارة توجب رده. واللّه أعلم.
ومقتضاه أن الذين قالوا ذلك إنما كانوا اثنين فقط، وهو خلاف السياق.
وأغرب منه ما رواه ابن أبي حاتم (^٦) أيضًا حيث قال: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن (عبيد اللّه) (^٧)، حدثنا عبد اللّه بن يحيى بن أبي كثير؛ قال: سمعت أبي يقول: إن الملائكة الذين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ كانوا عشرة آلاف، فخرجت نار من عند الله فأحرقتهم.
وهذا أيضًا إسرائيلي منكر كالذي قبله. واللّه أعلم.
قال ابن جريج (^٨): إنما تكلموا بما أعلمهم اللّه أنه كائن من خلق آدم، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؟
_________________
(١) في "تفسيره" (٣٢٤)؛ وأخرجه ابن جرير (٦١١) من طريق حجاج بن منهال، عن جرير بن حازم ومبارك بن فضالة، عن الحسن، وعن أبي بكر، عن الحسن وقتادة فذكره بأطول من سياق ابن أبي حاتم. [وسنده حسن].
(٢) في "تفسيره" (١/ ٤٢) ومن طريقه ابن جرير (٦١٠)؛ وابن أبي حاتم (٣٢٦). [وسنده صحيح].
(٣) في "تفسيره" (٣٢٨) وسنده ضعيف ومتنه منكر كما أشار إليه المصنف واللّه أعلم.
(٤) ساقط من (ن).
(٥) من (ن).
(٦) في "تفسيره" (٣٢٩).
(٧) في (ز) و(ك) و(ل) و(هـ): "ابن أبي عبد الله"؛ وفي (ج) و(ع) و(ن) و(ي): "ابن أبي عبيد الله" وصوابه: "ابن عبيد الله" وهو مترجم في "الجرح والتعديل" (٤/ ٦٧/٢).
(٨) أخرجه ابن جرير (٦١٦) وسنده صحيح.
[ ١ / ٣٣٠ ]
قال ابن جرير (^١): وقال بعضهم: إنما قالت الملائكة ما قالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ لأن الله أذن (لها) (^٢) في السؤال عن ذلك بعد ما أخبرهم أن ذلك كائن من بني آدم، فسألته الملائكة، فقالت على التعجب منها: وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم؟ فأجابهم ربهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني: أن ذلك كائن منهم، وإن لم تعلموه أنتم ومن بعض (من) (^٣) ترونه لي طائعًا.
قال (^٤): وقال بعضهم: ذلك من الملائكة على وجه [الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك، فكأنهم قالوا: (يا رب) (^٥)، خبرنا - (مسألة) (^٦) استخبار منهم، لا على وجه] (^٧) الإنكار. واختاره ابن جرير.
[وقال سعيد (^٨)، عن قتادة؛ قوله (تعالى) (^٩): ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ - قال: استشار الملائكة في خلق آدم، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ وقد علمت الملائكة (من علم اللّه) (^١٠) أنه لا شيء أكره عند اللّه من سفك الدماء والفساد في الأرض - ونحن نسبح بحمدك، ونقدس لك. قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فكان في علم الله أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنوا الجنة؛ قال: وذكر لنا عن ابن عباس أنه كان يقول: إن الله لما أخذ في خلق آدم ﵇ (^١١) قالت الملائكة: ما اللّه خالق خلقًا أكرم عليه منا، ولا أعلم منا؛ فابتلوا بخلق آدم، وكل خلق مبتلى، كما ابتليت السموات والأرض بالطاعة، فقال (الله تعالى) (^١٠): ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]] (^١٢).
[(وقوله تعالى) (^١٠): ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال عبد الرزاق (^١٣)، عن معمر، عن قتادة، قال: التسبيح: التسبيح. والتقديس: الصلاة.
وقال السدي (^١٤)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة] (^١٥)، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: يقولون: نصلي لك.
_________________
(١) في "تفسيره" (١/ ٤٦٩، ٤٧٠).
(٢) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي) وهو الموافق لما في "الطبري" (٦١٦). ووقع في (ز) و(ن): "لهم".
(٣) في (ن): "ما" وفي (ز): "ومن يعصيني ممن ترونه".
(٤) يعني: ابن جرير (١/ ٤٧٠).
(٥) ساقط من (ج).
(٦) في (ل): "مسألة الملائكة".
(٧) ساقط من (ك).
(٨) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (٦٠٩)؛ وفي "التاريخ" (١/ ١٠٠) وسنده صحيح.
(٩) من (ن).
(١٠) ساقط من (ن).
(١١) ساقط من (ج) و(ع) و(ل).
(١٢) ساقط من (ز) و(ض) و(ي).
(١٣) في "تفسيره" (١/ ٤٢) ومن طريقه ابن جرير (٦٢٠، ٦٢١)؛ وابن أبي حاتم (٣٣٠) (٢٣٦) [وسنده صحيح] وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٤٦) لعبد بن حميد.
(١٤) أخرجه ابن جرير (٦١٩). [وسنده ضعيف].
(١٥) هذه الفقرة وما بعدها إلى قوله: "أهل الكفر بك" مقدمة في (ك) و(هـ) على قوله في الفقرة السابقة، قال: سعيد … إلخ".
[ ١ / ٣٣١ ]
وقال مجاهد (^١): ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: نعظمك ونكبرك.
وقال الضحاك (^٢): التقديس: التطهير.
وقال محمد بن إسحاق (^٣): ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: لا نعصي، ولا نأتي شيئًا تكرهه.
وقال ابن جرير (^٤): التقديس: هو التعظيم والتطهير. ومنه قولهم: سبوح قدوس: يعني بقولهم: سبوح: تنزيه (للّه) (^٥)، وبقولهم قدوس: طهارة وتعظيم له (ولذلك) (^٦) قيل للأرض: أرض مقدسة؛ يعني بذلك: المطهرة؛ فمعنى قول الملائكة إذًا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهل الشرك بك. ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأناس، وما أضاف إليك أهل الكفر بك.
[وفي "صحيح مسلم" (^٧)، عن أبي ذر ﵁: أن رسول اللّه ﷺ سُئل أي الكلام أفضل؟ قال: "ما اصطفى اللّه لملائكته: سبحان اللّه وبحمده".
وروى البيهقي (^٨) عن عبد الرحمن بن قرط: أن رسول اللّه ﷺ ليلة أسرى به سمع تسبيحًا في السموات العلى "سبحان العلي الأعلى، ﷾"] (^٩).
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٦٢٣)؛ وابن أبي حاتم (٣٣٣) من طرق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وسنده قوي وقد قدمت الدليل على ذلك في أول هذه السورة.
(٢) أخرجه ابن جرير (٦٢٥)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٣٣٢) لكنه جعله عن الضحاك، عن ابن عباس وسنده ضعيف.
(٣) أخرجه ابن جرير (٦٢٤) بسند ضعيف جدًّا.
(٤) في "تفسيره" (١/ ٤٧٥).
(٥) في (ز) و(ن): "له".
(٦) في (ن): "كذلك".
(٧) أخرجه مسلم (٢٧٣١/ ٨٥).
(٨) في "الأسماء والصفات"، كما في "الدر المنثور" (٤/ ١٨٣). وأخرجه الطبراني في "الكبير"، كما في "ابن كثير" (٥/ ٧٦ - الشعب)؛ وفي "الأوسط" (٣٧٤٢)، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٧، ٨)؛ وفي "عوالي سعيد بن منصور" (٤)؛ وابن عساكر في "تاريخه" (ج ١٠/ ق ١٥٦) كلهم عن سعيد بن منصور، وهذا في "سننه"، كما في "الدر المنثور" قال: حدثنا ميمون بن مسكين، حدثني عروة بن رويم، عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول اللّه ﷺ ليلة أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فلما رجع فكان بين زمزم والمقام وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فطارا به حتى بلغا السموات العلى، فلما رجع قال: "سمعت تسبيحًا في السموات العلى، مع تسبيح كثير: سبحت السموات العلى من ذي المهابة مشفقات لذي العلو بما علا، سبحان العلي الأعلى، ﷾". وعزاه الحافظ في "الإصابة" (٤/ ٣٥٤) للبخاري، يعني في "تاريخه"؛ وابن السكن. وعزاه السيوطي في "الدر" (٤/ ١٨٣)؛ لابن أبي حاتم، قال الطبراني: "لا يروى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ إلا بهذا الإسناد، تفرد به سعيد بن منصور". وقال الذهبي في "الميزان" (٤/ ١٠١): "مسكين بن ميمون لا أعرفه وخبره منكر" وذكر له هذا الحديث. وتبعه في هذا الحكم الحافظ في "اللسان" (٦/ ٢٨)؛ والهيثمي في "المجمع" (١/ ٧٨). وخالفهم أبو نعيم الأصبهاني فقد نقل عنه الذهبي أنه صححه. وعبارة أبي نعيم في "عوالي سعيد بن منصور" هي: "هذا حديث صحيح غريب لم يروه عن عروة بن رويم غير مسكين بن ميمون فيما قالوا، وعبد الرحمن بن قرط يعد في الصحابة وتفرد بهذا الحديث عن النبي ﷺ في ذكر التسبيح، ومسكين بن ميمون هو الرملي وروى عنه هشام بن عمار وغيره هذا الحديث". ا هـ ولكن وضع محقق "عوالي سعيد بن منصور" كلمة "صحيح" بين قوسين، فكأنه سقط من الأصل ولكنه استدركه بدلالة قول الذهبي فالله أعلم لكن الإسناد قوي، وقول الذهبي في مسكين بن ميمون لا أعرفه عجيب فقد وثقه ابن معين كما في "تاريخ الدوري" (٤/ ٤٧١) وذكره ابن شاهين في "الثقات" وكذلك ابن حبان (٧/ ٥٠٥) وسمى أباه "صالحًا" وسبقه البخاري (٤/ ٣/٢) لكن ذكر الحافظ في "الإصابة" (٤/ ٣٥٥) أن سعيد بن منصور أخرجه عن مسكين فأرسله فلو صحَّ هذا النقل لكان قد اختلف على سعيد في وصله وإرساله فاللّه أعلم.
(٩) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).
[ ١ / ٣٣٢ ]
﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال قتادة (^١): فكان في علم اللّه أنه سيكون في تلك الخليقة أنبياء ورسل، وقوم صالحون وساكنو الجنة.
وسيأتي عن ابن مسعود، وابن عباس، وغير واحد من الصحابة والتابعين أقوال في حكمة قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
[وقد استدل القرطبي (^٢) وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة، ليفصل بين الناس فيما (يختلفون) (^٣) فيه، ويقطع تنازعهم، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن تعاطي الفاحش، إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا يمكن إقامتها إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والإمامة تنال بالنص، كما يقوله طائفة من أهل السنة في أبي بكر، أو بالإيماء إليه، كما يقول آخرون منهم، أو باستخلاف الخليفة آخر بعده، كما فعل الصديق (في) (^٤) عمر بن الخطاب، أو بتركه شورى في جماعة صالحين كذلك كما فعله عمر، أو باجتماع أهل الحل والعقد على مبايعته، أو بمبايعة واحد منهم له؛ فيجب التزامها عند الجمهور؛ وحكى على (ذلك) (^٥) إمام الحرمين الإجماع واللّه أعلم.
أو بقهر واحد (من) (^٦) الناس على طاعته، فتجب، لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق والاختلاف. وقد نص عليه الشافعي؛ وهل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟ فيه خلاف؛ فمنهم من قال: لا يشترط. وقيل: بلى؛ ويكفي شاهدان. وقال الجبائي: يجب أربعة، وعاقد] (^٧) [ومعقود له، كما ترك عمر (﵁) (^٨) الأمر شورى بين ستة؛ فوقع الأمر على عاقد، وهو عبد الرحمن بن عوف، ومعقود له وهو عثمان (﵁) (^٩)، واستنبط وجوب الأربعة الشهود من الأربعة الباقين، وفي هذا نظر. واللّه أعلم.
ويجب أن يكون ذكرًا حرًا بالغًا، عاقلًا مسلمًا، عدلًا مجتهدًا، بصيرًا سليم الأعضاء، خبيرًا بالحروب والآراء، قرشيًا على الصحيح؛ ولا يشترط الهاشمي ولا المعصوم من الخطأ خلافًا (لغلاة) (^١٠) الروافض.
ولو فسق الإمام هل ينعزل أم لا؟ فيه خلاف. والصحيح أنه لا ينعزل، لقوله عليه (الصلاة و) (^١١) السلام: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من اللّه فيه برهان" (^١٢)] (^١٣).
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٦٣٩)؛ وابن أبي حاتم (٣٣٩) من طريقين عن قتادة. [وسنده صحيح].
(٢) في "تفسيره" (١/ ٢٦٤).
(٣) في (ن): "اختلفوا".
(٤) في (ن): "بعمر".
(٥) في (ك): "تلك".
(٦) ساقط من (ج).
(٧) ساقط من (ز) و(هـ).
(٨) من (ن).
(٩) من (ك).
(١٠) في (ن): "للغلاة".
(١١) من (ن): وفي (ك): " ﷺ ".
(١٢) أخرجه البخاري (١٣/ ٥)؛ ومسلم (١٧٠٩/ ٤٢) والسياق له.
(١٣) ساقط من (ز) و(هـ).
[ ١ / ٣٣٣ ]
[وهل له أن يعزل نفسه؛ فيه خلاف، وقد عزل الحسن بن علي (﵁) [نفسه، وسلم الأمر إلى معاوية؛ لكن هذا لعذر؛ وقد مدح على ذلك.
فأما نصب إمامين في الأرض أو أكثر فلا يجوز، لقوله عليه (الصلاة و)] (^١) السلام: "من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنًا من كان" (^٢).
وهذا قول الجمهور، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد، منهم إمام الحرمين.
وقالت الكرامية: يجوز (اثنان) (^٣) فأكثر، كما كان علي ومعاوية إمامين واجبي الطاعة؛ قالوا: وإذا جاز بعث نبيين في وقت واحد وأكثر جاز ذلك في الإمامة؛ لأن النبوة أعلى رتبةً بلا خلاف] (^٤).
[وحكى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار، واتسعت الأقاليم بينهما. وتردد إمام الحرمين في ذلك.
قلت: وهذا يشبه حال (خلفاء) (^٥) بني العباس بالعراق والفاطميين بمصر، والأمويين بالمغرب، [ولنقرر هذا كله في موضع آخر من "كتاب الأحكام" إن شاء اللّه تعالى] (^٦)] (^٧).
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾.
هذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة بما اختصه من علم أسماء كل شيء دونهم. وهذا كان بعد سجودهم له؛ وإنما قدم هذا الفصل على ذاك لمناسبة ما بين هذا المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليقة حين سألوا عن ذلك، فأخبرهم تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون؛ ولهذا ذكر اللّه هذا المقام عقيب هذا، ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم، فقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
قال السدي (^٨)، عمن حدثه، عن ابن عباس: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، قال: (عرض عليه) (^٩) أسماء ولده إنسانًا إنسانًا، والدواب؛ فقيل: هذا الحمار، هذا الجمل، هذا الفرس.
وقال الضحاك (^١٠)، عن ابن عباس: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، قال: هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس؛ إنسان، (ودابة) (^١١)، وسماء، وأرض، وسهل، وبحر، (وجبل) (^١٢)، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.
_________________
(١) من (ن).
(٢) أخرجه مسلم (١٨٥٢/ ٦٠). واللفظ له.
(٣) في (ن): "اثنين".
(٤) ساقط من (ز) و(هـ).
(٥) في (ن): "الخلفاء".
(٦) ساقط من (ج) و(ك) و(ل).
(٧) ساقط من (ز) و(هـ).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٠) وسنده ضعيف.
(٩) في (ن) و(هـ): "علمه" وهو مخالف لما في "تفسير ابن أبي حاتم".
(١٠) وأخرجه ابن جرير (٦٤٦) وسنده ضعيف.
(١١) في (ن): "دواب".
(١٢) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ)؛ وفي (ز) و(ى): "جمل"؛ وفي (ن): "خيل"!
[ ١ / ٣٣٤ ]
وروى (^١) ابن أبي حاتم، وابن جرير، من حديث عاصم بن كليب، عن سعيد بن معبد، عن ابن عباس: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ قال: علمه اسم الصحفة والقدر؟ قال: نعم حتى الفسوة والفسية.
وقال مجاهد (^٢): ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ - قال: علمه اسم كل دابة، وكل طير، وكل شيء.
[وكذلك روي (^٣) عن سعيد بن جبير، وقتادة وغيرهم من السلف، أنه علمه أسماء كل شيء] (^٤).
وقال الربيع (^٥) - في رواية عنه -: أسماء الملائكة.
وقال حميد (^٦) الشامي: أسماء النجوم. وقال عبد الرحمن (^٧) بن زيد: علمه أسماء ذريته كلهم.
واختار ابن (^٨) جرير أنه علمه أسماء الملائكة وأسماء الذرية؛ لأنه قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ وهذا عبارة عما يعقل.
وهذا الذي رجح به ليس بلازم؛ فإنه لا ينفي أن يدخل معهم غيرهم، ويعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب، كما قال (تعالى) (^٩): ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥)﴾ [النور].
[وقد قرأ عبد اللّه بن مسعود: "ثم عرضهن". وقرأ أُبي بن كعب: "ثم عرضها"؛ أي: المسميات] (^١٠).
والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها؛ وذواتها (وصفاتها) (^١١) وأفعالها، كما قال ابن عباس: حتى الفسوة والفسية؛ يعني: أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر؛ ولهذا قال البخاري (^١٢) في تفسير هذه الآية في "كتاب التفسير" من "صحيحه": حدثنا مسلم بن إبراهيم،
_________________
(١) وأخرجه ابن جرير (٦٥١)؛ وابن أبي حاتم (٣٤١)؛ وسعيد بن معبد ترجمه البخاري في "الكبير" (٢/ ١/ ٤٦٨)؛ وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ١/ ٦٣) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
(٢) أخرجه ابن جرير (٦٤٧)؛ وابن أبي حاتم (٣٤٢) من طريقين، عن مجاهد. وهو صحيح.
(٣) أخرج هذه الآثار ابن جرير (٦٥٠، ٦٥٥، ٦٥٦، ٦٥٧).
(٤) ساقط من (ج). [أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة].
(٥) أخرجه ابن جرير (٦٥٩) وسنده ضعيف.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٣)؛ وأبو الشيخ في "العظمة" (١٠٤٣) وسنده جيد.
(٧) أخرجه ابن جرير (٦٦٠) وسنده صحيح.
(٨) في "تفسيره" (١/ ٤٨٥).
(٩) من (ن).
(١٠) ساقط من (ز) و(هـ). [وهاتان القراءتان شاذتان تفسيريتان].
(١١) من (ن).
(١٢) في "صحيحه" (٨/ ١٦٠ - فتح) وقد رواه البخاري بإسنادين عن قتادة. أحدهما: هشام الدستوائي، عن قتادة. وقد رواه أيضًا في "كتاب التوحيد" من "صحيحه" (١٣/ ٣٩٢، ٣٩٣، ٤٧٧، ٤٧٨)؛ ومسلم (١٩٣/ ٣٢٤، ٣٢٥).
[ ١ / ٣٣٥ ]
حدثنا هشام، (حدثنا) (^١) قتادة، عن أنس بن مالك: أن رسول اللّه ﷺ قال: [وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ، قال] (^٢): "يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا؟ فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك اللّه بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا (عند) (^٣) ربِّك حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لست هناكم، ويذكر ذنبه فيستحيي؛ (فيقول) ائتوا نوحًا، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض؛ فيأتونه فيقول: لست هُنَاكم، ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحيي؛ فيقول: ائتوا خليل الرحمن فيأتونه فيقول: لست هناكم، فيقول: ائتوا موسى عبدًا كلَّمه الله، وأعطاه التوراة؛ فيأتونه، فيقول: لست هناكم. ويذكر قتل النفس بغير نفس فيستحيي من ربه؛ (فيقول) (^٤): ائتوا عيسى عبد اللّه ورسوله، وكلمة اللّه وروحه، فيأتونه فيقول: لست هناكم، ائتوا محمدًا عبدًا غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي (فيؤذن) (^٥) لي، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدًا، فيدعني ما شاء اللّه، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل تسمع، واشفع تشفع؛ فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه؛ فإذا رأيت ربي مثله؛ ثم أشفع فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة [ثم أعود الثالثة] (^٦) ثم أعود الرابعة، فأقول: ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود.
هكذا ساق البخاري هذا الحديث ها هنا، وقد رواه مسلم، والنسائي من حديث هشام، وهو ابن أبي عبد اللّه الدستوائي، عن قتادة، به. وأخرجه مسلم، والنسائي، وابن ماجه من حديث سعيد، وهو ابن أبي عروبة، عن قتادة.
ووجه إيراده ها هنا، والمقصود منه قوله عليه (الصلاة و) (^٧) السلام: فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس؛ خلقك اللّه بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء.
فدل هذا على أنه علمه أسماء جميع المخلوقات؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ يعني: المسميات، كما قال عبد الرزاق (^٨)، عن معمر، عن قتادة؛ قال: ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة، ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقال السدي في "تفسيره" (^٩)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ثم عرض الخلق على الملائكة.
_________________
(١) في (ن): "عن".
(٢) ساقط من (ج).
(٣) في (ن): "إلى".
(٤) ساقط من (ج).
(٥) في (ن): "فيأذن".
(٦) ساقط من (ن).
(٧) من (ز) و(ن)؛ وفي (ك): " ﷺ ".
(٨) في "تفسيره" (١/ ٤٢، ٤٣)، ومن طريقه ابن جرير (٦٦٤)؛ وابن أبي حاتم (٣٤٤) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة قال: علمه اسم كل شيء؛ هذا بحر، وهذا جبل، وهذا كذا، وهذا كذا؛ لكل شيء، ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة. هذا لفظ عبد الرزاق، واختصره ابن جرير، وابن أبي حاتم. وسنده صحيح.
(٩) ومن طريقه ابن جرير (٦٦٢)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٣٤٥)؛ عن السدي قوله. [وسنده ضعيف].
[ ١ / ٣٣٦ ]
وقال ابن جريج (^١)، عن مجاهد: (ثم عرضهم) (^٢): عرض أصحاب الأسماء على الملائكة.
وقال ابن جرير (^٣): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني الحجاج، عن جرير بن حازم، ومبارك بن فضالة، عن الحسن وأبي بكر، عن الحسن، وقتادة؛ قالا: علمه اسم كل شيء، وجعل يسمي كل شيء باسمه، وعرضت عليه أُمّة أُمة.
وبهذا الإسناد (^٤) عن الحسن وقتادة - في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ - إني لم أخلق خلقًا إلا كنتم أعلم منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين.
وقال الضحاك (^٥)، عن ابن عباس: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إن كنتم تعلمون أني لم أجعل في الأرض خليفة.
وقال السدي (^٦)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة: إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء.
وقال ابن جرير (^٧): وأولى الأقوال في ذلك تأويل ابن عباس ومن قال بقوله، ومعنى ذلك: فقال أنبئوني بأسماء من عرضته عليكم أيها الملائكة القائلون: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ من غيرنا أم منا؟ فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قيلكم: (إني) (^٨) إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عصاني (ذريته) (^٩)، وأفسدوا، وسفكوا الدماء، وإن جعلتكم فيها أطعتموني، واتبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس؛ فإذا كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضت عليكم وأنتم تشاهدونهم فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد أحرى أن تكونوا غير عالمين.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ هذا تقديس وتنزيه من الملائكة للّه تعالى [أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء (أو) (^١٠) أن يعلموا شيئًا إلا ما علمهم اللّه تعالى] (^١١)؛ ولهذا قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٦٦٥)؛ وابن جريج مدلس، ولم يسمع من مجاهد إلا حرفًا.
(٢) ساقط من (ن).
(٣) في "تفسيره" (٦٦٧)؛ والحجاج هو ابن محمد الأعور فيرويه مرة عن جرير بن حازم، ومبارك بن فضالة عن الحسن، ويرويه مرة عن أبي بكر الهذلى عن الحسن، وقتادة. والوجه الأول أجود، وأبو بكر الهذلي متروك.
(٤) أخرجه ابن جرير (٦٧٣). [وسنده ضعيف].
(٥) أخرجه ابن جرير (٦٧١)، وسنده ضعيف.
(٦) أخرجه ابن جرير (٦٧٢) [وسنده ضعيف].
(٧) في "تفسيره" (١/ ٤٩٠، ٤٩١).
(٨) كذا في (ز) و(ض) و(ن) و(هـ) و(ى) وهو الموافق لما في "تفسير الطبري" ووقع في: (ج) و(ك) و(ل): "أي".
(٩) في (ن): "وذريته".
(١٠) كذا في (ج) و(هـ) و(ى) ووقع في: (ز) و(ض) و(ل) و(ن): "و".
(١١) ساقط من (ك).
[ ١ / ٣٣٧ ]
الْحَكِيمُ﴾ [أي: العليم بكل شيء، الحكيم] (^١) في خلقك وأمرك، وفي تعليمك ما تشاء ومنعك ما تشاء، لك الحكمة في ذلك؛ والعدل التام.
قال ابن أبي حاتم (^٢): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: سبحان اللّه، قال: تنزيه اللّه نفسه عن السوء (قال) (^٣)؛ ثم قال عمر لعلي وأصحابه عنده: "لا إله إلا اللّه" قد عرفناها، فما سبحان اللّه؟ فقال له علي: كلمة أحبها اللّه لنفسه، ورضيها، وأحب أن تقال.
قال (^٤): وحدثنا أبي، حدثنا (ابن نقيل) (^٥)، (حدثنا) (^٦) النضر بن (عربي) (^٧)؛ قال: سأل رجل ميمون بن مهران عن: "سبحان اللّه" قال: اسم يعظم اللّه به، ويحاشي به من السوء.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾.
قال زيد بن أسلم (^٨): قال: أنت جبرائيل، أنت ميكائيل، أنت إسرافيل، حتى عدد الأسماء كلها حتى بلغ الغُراب.
وقال مجاهد (^٩) - في (قول الله) (^١٠): ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ - قال: اسم الحمامة والغراب، واسم كل شيء.
وروي عن سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة نحو ذلك (^١١).
_________________
(١) ساقط من (ج).
(٢) في "تفسيره" (٣٤٧)؛ وأخرجه المحاملي في "الأمالي" (٤٣٩) قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان، ثنا حفص بن غياث بسنده سواء. وقد سبق الكلام على هذا الأثر (١/ ٤٥٦). وأخرجه ابن جرير (١١/ ٦٤)، قال: حدثنا أبو كريب وأبو السائب، وخلاد بن أسلم قالوا: ثنا ابن إدريس، قال: ثنا قابوس، عن أبيه أن ابن الكوا سأل عليًّا ﵁ عن: "سبحان الله" قال: كلمة رضيها الله لنفسه. وأخرجه علي بن محمد الحميري في "جزئه" رقم (٥) قال: حدثنا أبو كريب، ثنا عبد الله بن إدريس بسنده سواء. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ١١٠)؛ لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وسنده ضعيف لضعف قابوس بن أبي ظبيان، وهو يمشي في المتابعات ولعل الأثر يتقوى بمجموع الطريقين. والله أعلم.
(٣) ساقط من (ز) و(ض).
(٤) يعني: ابن أبي حاتم؛ وهو في "تفسيره" (٣٤٨) وسنده جيد.
(٥) في (ن): "ابن فضيل"!! وهو عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل، أبو جعفر النفيلي وهو ثقة حافظ.
(٦) في (ن): "ابن".
(٧) في (ن): "عدي". [وسنده حسن].
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٤)، وسنده ضعيف، لضعف محمد بن أبان راويه عن زيد بن أسلم. فقد ضعفه ابن معين وأبو داود. وقال البخاري: "ليس بالقوي".
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٥)، وفي إسناده قيس بن الربيع، وهو سيئ الحفظ. [ويشهد له ما سبق].
(١٠) في (ج): "قوله".
(١١) [ذكره ابن أبي حاتم ونسبه إلى ثلاثتهم بحذف السند].
[ ١ / ٣٣٨ ]
فلما ظهر فضل آدم ﵇ على الملائكة ﵈ في سرده ما علَّمه اللّه تعالى من أسماء الأشياء قال اللّه تعالى للملائكة: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أي: ألم أتقدم إليكم أني أعلم الغيب الظاهر والخفي؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ [طه] وكما قال تعالى إخبارًا عن الهدهد أنه قال لسليمان: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾ [النمل].
وقيل في قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ غير ما ذكرناه؛ فروى الضحاك (^١) عن ابن عباس: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ - قال: أعلم السر كما أعلم العلانية؛ يعني: ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار.
وقال السدي (^٢)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة؛ قال: قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ …﴾ [البقرة: ٣٠] (الآية) (^٣) فهذا الذي أبدوا؛ ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ يعني: ما أسر إبليس في نفسه من الكبر والاغترار.
وكذلك قال سعيد بن (^٤) جبير، ومجاهد، والسدي، والضحاك، والثوري (^٥). واختار ذلك ابن جرير (^٦).
وقال أبو العالية (^٧)، والربيع (^٨) بن أنس، والحسن (^٩)، وقتادة (^١٠): هو قولهم: (لن) (^١١) يخلق ربنا خلقًا إلا كنا (نحن) (^١٢) أعلم منه، وأكرم (عليه منه) (^١٣).
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٦٧٨) من طريق بشر بن عمارة، عن أبى روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، وسنده ضعيف؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٣٥٨) من طريق الفضل بن خالد النحوي، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك، عن ابن عباس، وسنده ضعيف أيضًا، والضحاك لم يسمع من ابن عباس.
(٢) أخرجه ابن جرير (٦٧٩). و[سنده ضعيف].
(٣) من (ن).
(٤) أخرجه ابن جرير (٦٨٠)، وفي إسناده عمرو بن ثابت بن هرمز، وهو متروك؛ رافضي خبيث كما قال أبو داود.
(٥) أخرجه ابن جرير (٦٨١)، وسنده جيد.
(٦) في (١/ ٥٠٠، ٥٠١).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٠) وسنده حسن.
(٨) أخرجه ابن جرير (٦٨٤)؛ وابن أبي حاتم (٣٦١).
(٩) أخرجه ابن جرير (٦٨٢) قال: وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال: أخبرنا الحجاج الأنماطي، قال: حدثنا مهدي بن ميمون قال: سمعت الحسن بن دينار قال للحسن، ونحن جلوس عنده في منزله، يا أبا سعيد! أرأيت قول اللّه للملائكة: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] ما الذي كتمت الملائكة؟ فقال الحسن: إن الله لما خلق آدم رأت الملائكة خلقًا عجيبًا، فكأنهم دخلهم من ذلك شيء، فأقبل بعضهم إلى بعض، وأسروا ذلك بينهم، فقالوا: "وما يهمكم من هذا المخلوق، إن الله لن يخلق خلقًا إلا كنا أكرم عليه منه". ورجال السند ثقات معروفون إلا شيخ ابن جرير فلم أعرفه ولم أجد له ترجمة، والحسن بن دينار لا مدخل له في الرواية إنما هو سائل، وإنما يرويه مهدي بن ميمون عن الحسن البصري، وابن دينار تالف البتة. وقد نبه على ذلك الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على "تفسير الطبري" (١/ ٤٩٩).
(١٠) أخرجه ابن جرير (٦٨٣) وسنده صحيح.
(١١) في (ز)، (ل)، (ن): "لم".
(١٢) من (ج) و(ى).
(١٣) ساقط من (ج).
[ ١ / ٣٣٩ ]
[وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فكان الذي أبدو هو قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] وكان الذي كتموا بينهم هو قولهم: لن يخلق ربنا خلقًا إلا كنا أعلم منه وأكرم] (^١)؛ فعرفوا أن اللّه فضل عليهم آدم في العلم والكرم.
وقال ابن جرير (^٢)، حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قصة الملائكة وآدم: فقال اللّه للملائكة: كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس لكم علم، إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها، هذا عندي قد علمته، (فلذلك) (^٣) أخفيت عنكم أني أجعل فيها من يعصيني ومن يطيعني.
قال: وقد سبق من اللّه: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] قال: ولم تعلم الملائكة ذلك، ولم يدروه. قال: فلما رأوا ما أعطى اللّه آدم من العلم أقروا له بالفضل.
وقال ابن جرير (^٤): وأولى الأقوال في ذلك قول ابن عباس؛ وهو أن معنى قوله (تعالى) (^٥): ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ وأعلم - مع علمي غيب السموات والأرض - ما تظهرونه بألسنتكم، وما كنتم (تخفونه) (^٦) في أنفسكم، فلا يخفى علي شيء، سواء عندي سرائركم وعلانيتكم. والذي أظهروه بألسنتهم قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ والذي كانوا يكتمون ما كان (منطويًا) (^٧) (عليه) (^٨) إبليس من الخلاف على الله في (أمره) (^٩) والتكبر عن طاعته.
قال] (١): وصح ذلك كما تقول العرب: قُتل الجيش وهُزموا، وإنما قتل الواحد أو البعض، وهزم الواحد أو البعض؛ فيخرج الخبر عن المهزوم منه والمقتول مخرج الخبر عن جميعهم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤] ذكر أن الذي نادى إنما كان واحدًا من بني تميم، قال: وكذلك قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾.
وهذه كرامة عظيمة من اللّه تعالى لآدم امتن بها على ذريته حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، وقد دل على ذلك (أحاديث أيضًا كثيرة) (^١٠)؛ منها حديث الشفاعة المتقدم، وحديث موسى (^١١) ﵇: "رب أرني آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة؛ فلما اجتمع به قال: أنت آدم الذي خلقه اللّه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته"؟ قال: وذكر الحديث كما سيأتي إن شاء اللّه.
_________________
(١) ساقط من (ج). [أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر به].
(٢) في "تفسيره" (٦٧٧) وسنده صحيح.
(٣) في (ن): "فكذلك".
(٤) في "تفسيره" (١/ ٥٠٠/ ٥٠١).
(٥) من (ز) و(ن).
(٦) في (ز) و(هـ): "تخفون".
(٧) في (ج): "مبطونًا".
(٨) ساقط من (ج).
(٩) في (ز) و(ن): "أوامره".
(١٠) في (ن): أيضًا أحاديث كثيرة.
(١١) أخرجه الشيخان ويأتي تخريجه إن شاء اللّه تعالى.
[ ١ / ٣٤٠ ]
وقال ابن جرير (^١): حدثنا أبو كريب، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس؛ قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم: (الجن) (^٢)، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة؛ وكان اسمه الحارث، وكان خازنًا من خُزَّان الجنة؛ قال: وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحي؛ قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، [وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا ألهبت؛ قال: وخلق الإنسان من طين] (^٣).
فأول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضًا؛ قال: فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة، وهم هذا الحي الذين يقال لهم: الجن، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال؛ فلما فعل إبليس ذلك اغتر في نفسه؛ فقال: قد صنعت شيئًا لم يصنعه أحد؛ قال: فاطلع الله على ذلك من قلبه، ولم تطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه؛ فقال الله تعالى للملائكة الذين (كانوا) (^٤) معه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠].
فقالت الملائكة - مجيبين له -: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] كما أفسدت الجن وسفكت الدماء؛ وإنما بعثتنا عليهم لذلك؟ فقال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] يقول: إني قد اطلعت (من) (^٥) قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره.
قال: ثم أمر بتربة آدم، فرفعت؛ فخلق الله آدم من طين لازب، واللَّازب: (اللزج) (^٦) (الصلب) (^٧) من حمإ مسنون منتن؛ وإنما كان حمأً مسنونًا بعد التراب، فخلق منه آدم بيده.
قال: فمكث أربعين ليلةً جسدًا ملقىً، وكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل فيصوِّت؛ فهو قول الله تعالى: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] يقول: كالشيء (المنفوخ) (^٨) الذي ليس بمصمت.
قال: ثم يدخل (في فيه) (^٩) ويخرج من دبره، ويدخل من دبره ويخرج من فيه، ثم يقول: لست شيئًا للصلصلة، ولشيء ما خُلقت، ولئن سلطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطت علي لأعصينك.
قال: فلما نفخ الله فيه من روحه أتت النفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحمًا ودمًا، فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده، فأعجبه ما رأى من جسده، فذهب لينهض، فلم يقدر؛ فهو قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] قال:
_________________
(١) في "تفسيره" (٦٨٥)، وأيضًا (١٥/ ١٦٩) بطوله، وابن أبي حاتم (٣٦٦)؛ وابن الأنباري في "الأضداد" (ص ٣٣٦) مختصرًا جدًّا وسنده ضعيف.
(٢) كذا في (ز) بالحاء المهملة وفي باقي الأصول بالجيم، ولعل الصواب بالمهملة، وقد ذكر في "القاموس" أن "الحن"، بكسر الحاء، حي من أحياء الجن ويدل عليه أن الأثر فرق بينه وبين الجن والله أعلم.
(٣) ساقط من (ز).
(٤) من (ن) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).
(٥) في جميع الأصول: "علي".
(٦) في (ن): "اللازج".
(٧) كذا في "تفسير الطبري" (٦٠٦) ووقع في جميع الأصول: "الطيب".
(٨) كذا في (ج) و(ل) و(هـ) وهو الموافق لما في الطبري. ووقع في (ز) و(ع) و(ك) و(ن) و(ى): "المنفرج".
(٩) كذا في جميع الأصول وهو الموافق لما في الطبري. وفي (ج): "ثم يدخل فيه من فيه".
[ ١ / ٣٤١ ]
ضجرًا لا صبر له على سراء ولا ضراء، قال: فلما تمت النفخة في جسده عطس، فقال: "الحمد لله رب العالمين" بإلهام الله؛ فقال الله له: "يرحمك الله يا آدم".
قال: ثم قال تعالى للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات: اسجدوا لآدم، فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر لما كان حدث نفسه من الكبر والاغترار؛ فقال: لا أسجد له، وأنا خير منه، وأكبر سنًّا، وأقوى خلقًا؛ ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] يقول: إن النار أقوى من الطين.
قال: فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله؛ (أي) (^١) آيسه، من الخير كله، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبةً لمعصيته.
ثم علَّم آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وأرض، وسهل، وبحر، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها؛ (ثم) (^٢) عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة - يعني: الملائكة الذين كانوا مع إبليس الذين خُلقوا من نار السموم؛ وقال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ [البقرة: ٣١] أي: يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إن كنتم تعلمون لِمَ أَجعل في الأرض خليفة.
قال: فلما علمت الملائكة (مؤاخذة) (^٣) الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب الذي لا يعلمه غيره الذي ليس لهم به علم ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ [البقرة:٣٢] تنزيهًا لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره، تُبنا إليك، ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] تبريًا منهم من علم الغيب، إلا ما علمتنا كما علمت آدم؛ فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] يقول: أخبرهم بأسمائهم ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ﴾ [البقرة: ٣٣] (يقول: أخبرهم) (^٤) ﴿بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٣٣] أيتها الملائكة خاصةً: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣] ولا يعلم غيري؛ ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] يقول: ما تظهرون، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية؛ يعني: ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار.
هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر يطول مناقشتها؛ وهذا الإسناد إلى ابن عباس يُروى به تفسير مشهور.
وقال السدي في "تفسيره" (^٥)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن أنس من أصحاب النبي ﷺ: لما فرغ الله من خلق ما أحبَّ استوى على العرش، فجعل إبليس على ملك السماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم: الجن؛ وإنما سموا الجن لأنهم خُزَّان الجنة؛ وكان إبليس مع مُلكه خازنًا، فوقع في صدره (^٦)؛ وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزية لي على الملائكة. فلما وقع ذلك الكبر في نفسه اطلع الله على ذلك
_________________
(١) من (ز) و(ن).
(٢) في (ح): "في".
(٣) كذا في (ك) وهو الموافق لما في الطبري (١/ ٤٥٧) ووقع في (ج) و(ز) و(ع) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ى): "موجدة".
(٤) من (ج) و(ع) و(ك) و(ى) و(هـ) وسقط لفظ: "يقول" من (ل).
(٥) ومن طريقه ابن جرير (٦٠٧) [وسنده ضعيف، وفي متنه بعض الإسرائيليات].
(٦) في "تفسير الطبري": "في صدره كبر".
[ ١ / ٣٤٢ ]
منه؛ فقال الله للملائكة ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] فقالوا: ربنا، وما يكون (ذلك) (^١) الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضًا. قالوا: ربنا؛ ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠] يعني: من شأن إبليس.
فبعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن (تنقص) (^٢) مني، أو تشينني. فرجع ولم يأخذ، وقال: (يا) (^٣) رب؛ إنها عاذت بك فأعذتها. فبعث ميكائيل فعاذت منها فأعاذها؛ فرجع فقال كما قال جبريل. فبعث ملك الموت فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلط ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء؛ فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به؛ فبل التراب حتى عاد طينًا لازبًا؛ واللَّازب هو الذي (يلتزق) (^٤) بعضه ببعض، ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ [ص] فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه، ليقول له: تتكبر عما عملت بيدي، ولم أتكبر أنا عنه بخلقه بشرًا؛ فكان جسدًا من طين أربعين سنةً من مقدار يوم الجمعة، فمرت به الملائكة، ففزعوا منه لما رأوه (وكان) (^٥) أشدهم فزعًا منه إبليس؛ فكان يمر به فيضربه فيصوّت الجسد كما يصوت الفخار يكون له صلصلة؛ فذلك حين يقول: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] ويقول: لأمر ما خلقت. ودخل من فيه فخرج من دبره. وقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا، فإن ربكم صمد، وهذا أجوف؛ لئن سلطت عليه لأهلكنه.
فلما بلغ الحين الذي يريد الله ﷿ أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له.
فلما نفخ فيه الروح، فدخل الروح في رأسه عطس؛ فقالت الملائكة: قل الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال له الله: "يرحمك ربك". فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل الروح إلى جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]، ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾ [الحجر] ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
قال الله له: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خلقت بيدي؟ قال: أنا خير منه، لم أكن لأسجد (لبشر) (^٦) خلقتَه من طين، قال الله له: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣] يعني: ما ينبغي لك، ﴿أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣]، والصفار: هو الذل.
_________________
(١) في (ج): "ذاك".
(٢) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(ى) وهو الموافق لما في الطبري. وفي (ز): "تقبض"؛ وفي (هـ): "تنقصني".
(٣) من (ن).
(٤) كذا في جميع الأصول وهو الموافق لما في الطبري. وفي (ج): "يلتزب".
(٥) في (ن): "فكان".
(٦) في (ز): "لمن".
[ ١ / ٣٤٣ ]
قال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] ثم عرض الخلق على الملائكة، ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٣١] أن بني آدم يفسدون في الأرض، ويسفكون الدماء؛ فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ﴾ [البقرة] الله: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]، قال: قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] فهذا الذي أبدوا ﴿وَأَعْلَمُ﴾ [البقرة: ٣٣] ما (كنتم) (^١) ﴿تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] "؛ يعني: ما أسر إبليس في نفسه من الكبر.
فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في "تفسير السدي"، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة. والله أعلم.
والحاكم يروى في "مستدركه" بهذا الإسناد بعينه أشياء، ويقول: " (هو) (^٢) على شرط البخاري" (^٣).
والغرض أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم دخل إبليس في خطابهم؛ لأنه وإن لم يكن من عنصرهم إلا أنه كان قد تشبه بهم، (وتوسم) (^٤) بأفعالهم؛ فلهذا دخل في الخطاب لهم، وذُم في مخالفة الأمر. وسنبسط المسألة إن شاء الله تعالى عند قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠].
ولهذا قال محمد بن إسحاق (^٥)، عن خلاد، (عن) (^٦) عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس؛ قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه (عزازيل) (^٧)، وكان من سكان الأرض وكان من أشد الملائكة اجتهادًا، وأكثرهم علمًا؛ (فذلك) (^٨) دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون: "حنًّا".
وفي رواية (^٩): عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس أو مجاهد، عن ابن عباس، أو غيره، بنحوه.
_________________
(١) ساقط من (ج).
(٢) ساقط من (ز) و(ن).
(٣) كذا قال ابن كثير ﵀، وقد راجعت "كتاب التفسير" من "المستدرك" وهو مظنة الإكثار من الرواية بهذا الإسناد، فلم أر الحاكم صرَّح فيه أن هذا الإسناد على شرط البخاري، وإنما يقول: على شرط مسلم. وانظر مثلًا (٢/ ٢٥٨، ٢٦٠، ٢٧٣، ٢٧٥، ٣٢٢، ٥٧٩، ٥٩٠ (مرتان)، ٥٩٣) وفي (٢/ ٢٦٦) روى أثرًا من طريق عمرو بن طلحة، ثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس، وقال: صحيح الإسناد. ولم يقيده بشرط مسلم. وساق في (٢/ ٢٧١) نفس هذا الإسناد وقال: على شرط مسلم. وذكره في (٢/ ٥٨٤) ولم يحكم عليه. والصواب أن هذا الإسناد ليس على شرط واحد منهما. وأبو مالك اسمه غزوان، ولم يخرجا له شيئًا. وقد قدمت في (١/ ٤٨٨، ٤٩٠) أن هذا الإسناد حسن، والله أعلم.
(٤) كذا في (ز) و(ع) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ي). ووقع في (ج) و(ك): "ترسم" بالراء بدل الواو.
(٥) أخرجه ابن جرير (٦٨٦) وأيضًا (١٥/ ١٦٩) قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق به وهذا سند ضعيف، وابن حميد واهٍ ولكنه توبع كما يأتي، وسلمة ضعيف.
(٦) كذا في (ز) و(ك) و(هـ). ووقع في (ج) و(ع) و(ل) و(ن) و(ى): "ابن"! وهو تصحيف واضح.
(٧) في حاشية (ج): "عزرائيل".
(٨) من (ز)؛ وفي (ج) و(ك) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ى): "فلذلك".
(٩) هي عند ابن جرير (٦٨٧) من طريق شيخه محمد بن حميد الرازي، ثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن خلاد به فشك فيه فقال: "طاوس أو مجاهد". =
[ ١ / ٣٤٤ ]
وقال ابن أبي (^١) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد - يعني: ابن العوام، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن (مسلم) (^٢)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان إبليس اسمه عزازيل، وكان من أشراف الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة، ثم أبلس بعد.
وقال سنيد (^٣): عن حجاج، عن ابن جريج؛ قال: قال ابن عباس: كان إبليس من (أشرف) (^٤) الملائكة (و) (^٥) أكرمهم قبيلةً، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض، وهكذا روى الضحاك (^٦) وغيره عن ابن عباس سواء.
وقال صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس: إن من الملائكة قبيلًا يقال لهم: "الحن": وكان إبليس منهم، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فعصى، فمسخه الله شيطانًا رجيمًا، رواه ابن جرير (^٧).
وقال قتادة (^٨)، عن سعيد بن المسيب: كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا.
وقال ابن جرير (^٩): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عدي بن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن؛ قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس.
_________________
(١) = ولم يتفرد به ابن حميد. فأخرجه ابن الأنباري في "كتاب الأضداد" (ص ٣٣٤، ٣٣٥) قال: أخبرنا أبو الحسن بن البراء، قال: حدثنا ابن غانم وابن حميد قالا: ثنا سلمة بن الفضل بسنده سواء، وابن غانم لا أعرفه الآن، فليحرر، ولعله ابن هشام، وهو علي بن هاشم بن مرزوق الرازي فإن يكنه، فقد قال أبو حاتم: "صدوق".
(٢) في "تفسيره" (٣٦٥). [وسنده حسن]. وأخرجه ابن الأنباري في "الأضداد" (ص ٣٣٦) من طريق عثمان بن أبي شيبة، والبيهقي في "الشعب" (ج ١/ رقم ١٤٤) من طريق حنبل بن إسحاق قالا: حدثنا سعيد بن سليمان بسنده سواء. ووقع عندهم: "من ذوي الأربعة الأجنحة".
(٣) في (ك): "مسلمة"!
(٤) أخرجه ابن جرير (٦٨٩) وسنده ضعيف لانقطاعه. ورواه أيضًا (١٥/ ١٦٩).
(٥) في (ز) و(ع): "إشراف".
(٦) ساقط من (ج).
(٧) أخرجه ابن جرير (٦٨٥) وسنده ضعيف.
(٨) في "تفسيره" (٧٠٠) قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثنا المبارك بن مجاهد أبو الأزهر، عن شريك بن عبيد الله بن أبي نمر، عن صالح مولى التوأمة به. (*) قلت: هكذا وقع الإسناد: "شريك عن صالح مولى التوأمة" وقد أخرجه ابن جرير قبل ذلك (٦٩٠) وأيضًا في "سورة الكهف" (١٥/ ١٦٩) من طريق ابن جريج عن صالح مولى التوأمة وشريك بن أبي نمر، أحدهما أو كلاهما، عن ابن عباس فذكره. والسند الأول ضعيف جدًّا لوهاء شيخ الطبري. وسلمة ضعيف. وأخرجه أبو الشيخ في "العظمة" (١١٣٢) من طريق إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن إبليس من الملائكة فلما عصى غضب الله تعالى عليه فصار شيطانًا رجيمًا. وسنده جيد.
(٩) أخرجه ابن جرير (٦٩٢)، وأيضًا (١٥/ ١٦٩) ورجاله ثقات.
(١٠) أخرجه ابن جرير (٦٩٦)؛ وأبو الشيخ في "العظمة" (١١٢٩)؛ وابن الأنباري في "الأضداد" (ص ٣٣٧) من طرق عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي، عن الحسن البصري. وسنده صحيح كما قال المصنف.
[ ١ / ٣٤٥ ]
وهذا إسناد صحيح عن الحسن. وهكذا قال عبد الرحمن (^١) بن زيد بن أسلم سواء.
وقال شهر بن حوشب (^٢): كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة، فأسره بعض الملائكة، فذهب به إلى السماء. رواه ابن جرير.
وقال سنيد بن داود (^٣): حدثنا هشيم، أنبأنا عبد الرحمن بن يحيى، عن موسى بن نمير، وعثمان بن سعيد بن كامل، عن سعد بن مسعود؛ قال: كانت الملائكة تقاتل الجن، فسُبي إبليس وكان صغيرًا، فكان مع الملائكة يتعبد معها، فلما أمروا بالسجود لآدم سجدوا، فأبى إبليس؛ فلذلك قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠].
وقال ابن جرير (^٤): حدثنا محمد بن سنان (القزاز) (^٥)، حدثنا أبو عاصم، عن شريك، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: إن الله خلق خلقًا، فقال: اسجدوا لآدم، فقالوا: لا نفعل، فبعث الله عليهم نارًا فأحرقتهم، ثم خلق خلقًا آخر، فقال: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧١] اسجدوا لآدم. قال: فأبوا، فبعث الله عليهم نارًا فأحرقتهم، ثم خلق هؤلاء فقال: اسجدوا لآدم. قالوا: نعم. وكان إبليس من أولئك الذين أبَوْ أن يسجدوا لآدم.
وهذا غريب ولا يكاد يصح إسناده؛ فإن فيه رجلًا (مبهمًا) (^٦)، ومثله لا يحتج به. والله أعلم.
وقال قتادة (^٧) في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾: فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم؛ أكرم الله آدم (بها) (^٨) أن أسجد له ملائكته.
[وقال بعض الناس: كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام؛ كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] وقد كان هذا مشروعًا في الأمم الماضية، ولكنه (نسخ في ملتنا) (^٩).
قال (معاذ) (^١٠): قدمت الشام، فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم، فأنت يا رسول الله أحق أن يسجد لك. فقال: "لا، لو كنت آمرًا بشرًا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد (لبعلها) (^١١) من عظم حقه عليها" (^١٢)] (^١٣)
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٧٠١) وسنده صحيح.
(٢) أخرجه ابن جرير (٦٩٨) وسنده ضعيف.
(٣) أخرجه ابن جرير (٦٩٩) وفيه من لم أعرفه، وسياقه غريب جدًّا.
(٤) في "تفسيره" (٧٠٢)، وسنده ضعيف.
(٥) في (ن): "البزارُ"؛ وفى (ز): "العزاز"!!
(٦) في (ل): "متهمًا" وهو خطأ فاحش!
(٧) أخرجه ابن جرير (٧٠٧) بسند صحيح عن قتادة. وأخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٤) من طريق الوليد بن مسلم، ثنا سعيد، عن قتادة، عن ابن عباس. وسنده منقطع.
(٨) من (ز) و(هـ).
(٩) في (ك): "نسخ خفي علينا"!!
(١٠) في (ك): "معاوية"!!
(١١) في (ن): "لزوجها".
(١٢) أخرجه الترمذي (١١٥٩)؛ وابن حبان (١٢٩١)؛ والبيهقي في "السنن الكبير" (٧/ ٢٩١)؛ وفي "الصغرى" (٢٥٩٨)؛ والأصبهاني في "الترغيب" (١٤٩٤) من طرق عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". وكذلك وقع في "تحفة الأحوذي" (٤/ ٣٢٤)، وفي "عارضة الأحوذي" (٥/ ١١٠)، و"تحفة الأشراف" (١١/ ١٨) ولكن نقل المنذري في "الترغيب" (٣/ ٥٦) أن الترمذي قال: "حسن صحيح" وكذلك وقع في سائر طبعات "الترغيب" وراجعت بعض مخطوطات "الترغيب" وعندي منها عشرة، فكلها اتفقت على هذا النقل، وكذلك نقل العجلوني في "كشف الخفا" (٢/ ١٦٢) فالله أعلم. وللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة وشواهد عن كثير من الصحابة. يصفو منها شيء حسن.
(١٣) ساقط من (ز) و(ض).
[ ١ / ٣٤٦ ]
[ورجحه الرازي (^١).
وقال بعضهم: بل كانت السجدة لله وآدم قبلةً فيها، كما قال] (^٢) [تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
وفي هذا التنظير نظر. والأظهر أن القول الأول أولى، والسجدة لآدم إكرامًا وإعظامًا، واحترامًا وسلامًا؛ وهي طاعة لله ﷿؛ لأنها امتثال لأمره تعالى.
وقد قواه (فخر الدين) (^٣) الرازي في "تفسيره"، وضعف ما عداه من القولين الآخرين؛ وهما كونه جعل قبلةً؛ إذ لا يظهر في شرف؛ والآخر أن المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء ووضع الجبهة على الأرض، وهو ضعيف كما قال] (^٢).
وقال (قتادة) (^٤): في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ حسد عدو الله إبليس آدم ﵇ (على) (^٥) ما أعطاه الله من الكرامة؛ وقال: أنا ناري وهذا طيني. وكان بدء الذنوب الكبر؛ استكبر عدو الله أن يسجد لآدم ﵇.
[قلت: وقد ثبت في "الصحيح" (^٦) "لا يدخل الجنة من كان] (^٧) [في قلبه مثقال حبة (من) (^٨) خردل من كبر". وقد كان في قلب إبليس من الكبر، والكفر والعناد، ما اقتضى طرده وإبعاده عن جناب الرحمة وحضرة القدس] (^٩).
وقال ابن أبي حاتم (^١٠): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا صالح بن حيان، حدثنا عبد الله بن بريدة - قوله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ من الذين أبوا فأحرقتهم النار.
وقال أبو جعفر (^١١)، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ يعني: من العاصين.
وقال السدي (^١٢): ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ الذين لم يخلقهم الله يومئذ، يكونون بعد.
[وقال محمد بن كعب (^١٣) القرظي: ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر والضلالة وعمل بعمل] (^١٤)
_________________
(١) ساقط من (ز) و(ض).
(٢) في "تفسيره" (١/ ٢٣٠، ٢٣١).
(٣) ساقط من (ن).
(٤) ساقط من (ز) و(ض). وأثر قتادة: أخرجه ابن أبي حاتم (٣٦٨) بسند صحيح.
(٥) ساقط من (ج) و(ك) و(هـ) و(ى).
(٦) يعني: "صحيح مسلم"، وهو فيه (٩١/ ١٤٨) من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود مرفوعًا بلفظ: "لا يدخل النار أحد في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، ولا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة خردل من كبرياء".
(٧) ساقط من (ز) و(ض).
(٨) ساقط من (ج) و(ى).
(٩) ساقط من (ز) و(ض).
(١٠) في "تفسيره" (٣٧٠) وسنده ضعيف؛ لضعف صالح بن حيان.
(١١) أخرجه ابن جرير (٧٠٥)؛ وابن أبي حاتم (٣٧١) وسنده حسن.
(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٣) معلقًا.
(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٧٢) من طريق موسى بن عبيدة الربذي، عن محمد بن كعب. والربذي ضعيف.
(١٤) ساقط من (ك) و(ى).
[ ١ / ٣٤٧ ]
[الملائكة، فصيره الله إلى ما (ابتدأه) (^١) عليه خلقه من الكفر؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾] (^٢).
[قال محمد بن نصر (^٣) المروزي: حدثنا أبو زرعة، حدّثنا عمرو بن] (^٤) [رافع البجلي، حدّثنا كنانة بن جبلة، عن سهيل بن أبي (حزم) (^٥)، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله أمر آدم بالسجود، فسجد؛ فقال: لك الجنة ولمن سجد من ولدك، وأمر إبليس بالسجود، فأبى أن يسجد، فقال: لك النار ولمن أبى من ولدك أن يسجد"] (^٦).
[قال بعض (المعربين) (^٧): ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: وصار من الكافرين بسبب امتناعه؛ كما قال: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٣] وقال: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥] وقال الشاعر:
بتيهاء قفر والمطي كأنها … قطا الحزن قد كانت فراخًا بيوضها
أي: قد صارت.
وقال ابن فورك: تقديره: و(قد) (^٨) كان في علم الله من الكافرين.
ورجحه القرطبي (^٩)، وذكر ها هنا مسألةً، فقال: قال علماؤنا ﵏ (^١٠): من أظهر الله على يديه ممن ليس بنبيٍّ كراماتٍ وخوارق للعادات؛ فليس ذلك دالًّا على ولايته، خلافًا لبعض الصوفية والرافضة] (^١١).
_________________
(١) كذا في (ن)؛ وفي (ز) و(ل): "أبدى"؛ وفي (ج): "بدأ".
(٢) ساقط من (ك) و(ى).
(٣) في "كتاب الصلاة" (٣١٨).
(٤) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ) و(ى). وأخرجه البزار (٧٥٤ - زوائده)؛ وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٠٩٥) من طريق يحيى بن أبى بكير، ثنا كنانة بن جبلة بسنده سواء. قال البزار: "غريب من حديث أنس، لا نعلمه عنه إلا من هذا الوجه؛ تفرد به: كنانة عن سهيل". وقال ابن عدي: "وهذا لا أعلم يرويه عن سهيل غير كنانة بن جبلة". (*) قلت: وكنانة بن جبلة قال ابن معين: "كذاب خبيث" وعلق عثمان الدارمي على مقالة ابن معين قائلًا: "هو قريب مما قال يحيى: خبيث الحديث". وقال الجوزجاني: "ضعيف الأمر جدًّا". أما أبو حاتم الرازي فقال: "محله الصدق، يكتب حديثه، حسن الحديث". كذا في "الجرح والتعديل" (٣/ ٢/ ١٦٩، ١٧٠) لولده عبد الرحمن. وقال ابن عدي: "ولكنانة أحاديث غير هذا، ومقدار ما يرويه غير محفوظ" وهذا يدل على وهائه. أما صاحبنا عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي أيده الله فسبق قلمه فقال في تعليقه على الحديث في "كتاب الصلاة" أن كنانة مجهول!! وأيضًا: سهيل بن أبي حزم ضعيف. فسند الحديث واه. والله أعلم. وفي معناه حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، ويقول: يا ويله! أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار". أخرجه مسلم (٨١/ ١٣٣) وغيره ويأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.
(٥) في (ج) و(ل): "حسنة"! وفي بقية الأصول: "حثمة"!!
(٦) ساقط من (ز) و(هـ) و(ى).
(٧) كذا في (ج) و(ن)؛ وفي (ك) و(ى): "المفسرين" وفي (ل): "المقرئين".
(٨) من (ن).
(٩) في "تفسيره" (١/ ٢٩٧).
(١٠) ساقط من (ن).
(١١) ساقط من (ز) و(هـ) و(ى).
[ ١ / ٣٤٨ ]
[هذا لفظه، ثم استدل على ما قال بأنا لا نقطع (لهذا) (^١) الذي جرى الخارق على يديه أنه يوافى الله بالإيمان (ولا هو) (^٢) يقطع لنفسه بذلك، يعني: (والولي) (^٣) الذي يقطع له بذلك في نفس الأمر.
قلت: وقد استدل بعضهم على أن الخارق قد يكون على (يد) (^٤) غير الولي؛ بل قد يكون على (يدي) (^٥) الفاجر والكافر أيضًا بما ثبت (^٦) عن ابن صياد أنه قال: هو الدخ حين خبأ له رسول الله ﷺ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [الدخان] وبما كان يصدر عنه أنه كان يملأ الطريق إذا غضب حتى ضربه عبد الله بن عمر؛ وبما ثبتت (^٧) به الأحاديث عن الدجال بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة؛ من أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض مثل اليعاسيب؛ وأنه يقتل ذلك الشاب ثم يحييه إلى غير ذلك من الأمور المهولة.
وقد قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: قلت للشافعي: كان الليث بن سعد يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره] (^٨) [على الكتاب والسنة (^٩).
فقال الشافعي: قصر الليث ﵀؛ بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، ويطير في الهواء فلا تغتروا به، حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة] (^١٠).
[وقد تكلم كثير من المفسرين عند هذه الآية وهي الأمر بسجود الملائكة لآدم على مسألة تفضيل البشر على الملك أو بالعكس، وقد بسط الكلام فيها فخر الدين الرازي في "تفسيره" (^١١)، وحكى عن أكثر أهل السنة أن الأنبياء أفضل من الملائكة، إلا أن أبا بكر الباقلاني، وأبا عبد الله الحليمي، فإنهما ذهبا إلى تفضيل الملائكة على الأنبياء، ثم شرع بذكر دلائل كل قول من الأقوال، وهذه المسألة مقررة في علم الأصول، وفيها أقوال كثيرة منتشرة، ولم يتكلم كثير من السلف فيها، فرأينا الإضراب عن بسط الكلام فيها ها هنا والله أعلم بالصواب] (^١٢).
[وقد حكى (فخر الدين) (^١٣) (الرازي) (^١٤) وغيره قولين للعلماء، هل المأمور بالسجود لآدم خاص بملائكة الأرض، أو عام في ملائكة] (^١٥).
_________________
(١) في (ن): "بهذا".
(٢) في (ن): "وهو لا".
(٣) في (ن): "والذي"!
(٤) كذا في (ح)، (ل)؛ وفي (ك) و(ن): "يدي".
(٥) في (ن): "يد".
(٦) أخرجه البخاري (٣/ ٢١٨؛ و٥/ ٢٤٩؛ و٦/ ١٦٠، ١٧١، ١٧٢؛ و١٠/ ٥٦٠، ٥٦١؛ و١١/ ٥١٣، ٥١٤)؛ وفي "الأدب المفرد" (٩٥٨)؛ ومسلم (٢٩٣٠/ ٩٥، ٩٦).
(٧) وأحاديث الدجال متواترة، خلافًا لبعض المبتدعة الذين يزعمون أنها أخبار آحاد لا تقوم بها حجة في العقيدة. ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب.
(٨) ساقط من (ز) و(هـ) و(ي).
(٩) ساقط من (ز) و(هـ) و(ى).
(١٠) وقعت العبارة في (ن): "يمشي على الماء ويطير في الهواء". وهو سهو من الناسخ ولم يقع الطيران في الهواء في كلام الليث.
(١١) (١/ ٢٣٤ - ٢٥٥).
(١٢) هذا المقطع من (ج) و(ل). وسقط من (ز) و(ك) و(ن) و(هـ) و(ى)
(١٣) ساقط من (ن).
(١٤) ساقط من (ج) و(ك) و(ل).
(١٥) ساقط من (ز) و(هـ) و(ى).
[ ١ / ٣٤٩ ]
(١) [السموات والأرض؟ وقد رجح كلا من القولين طائفة. وظاهر الآية الكريمة العموم: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣٠، ٣١] فهذه أربعة أوجه مقوية للعموم. والله أعلم] (^١).
﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾.
(يقول الله تعالى) (^٢) - إخبارًا عما أكرم به آدم: بعد أن أمر (ملائكته) (^٣) بالسجود له فسجدوا إلا إبليس: إنه أباحه الجنة؛ يسكن منها حيث يشاء، ويأكل منها ما (يشاء) (^٤) رغدًا؛ أي: هنيئًا واسعًا طيبًا.
وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٥)، من حديث محمد بن عيسى الدامغاني، حدثنا سلمة بن الفضل، عن ميكائيل، عن ليث، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر؛ قال: قلت: يا رسول الله؛ أرأيت آدم؛ أنبيًّا كان؟ قال: "نعم نبيًّا رسولًا (كلَّمه) (^٦) الله (قِبلًا) (^٧) - يعني: عيانًا) (^٨) فقال: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾.
وقد اختلف في الجنة التي أسكنها آدم أهي في السماء (أو) (^٩) في الأرض؟ فالأكثرون على الأول.
_________________
(١) ساقط من (ج) و(ك) و(ل).
(٢) في (ن):" يقول تعالى".
(٣) في (ز) و(ض) و(ن): "الملائكة".
(٤) كذا في (ج) و(ض) و(ك) و(ل) ووقع في (ز) و(ع) و(ن) و(هـ) و(ى): "شاء".
(٥) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٤٢٥٩) قال: حدثنا العباس بن حمدان، وأيضًا رقم (٧٣٣٥) قال: حدثنا محمد بن أبان قالا: ثنا محمد بن عيسى الدامغاني بسنده سواء. قال الطبراني في "الموضع الأول": "لم يروه عن إبراهيم التيمي إلا ليث، ولا رواه عن ليث إلا ميكال، وهو شيخ كوفي، ولا نعلمه أسند حديثًا غير هذا". وزاد في "الموضع الثاني": ولا، يعني: رواه، عن ميكائيل، إلا سلمة بن الفضل. (*) قلت: والسند ضعيف جدًّا، ومن دون إبراهيم التيمي هم ما بين ضعيف ومجهول، والدامغاني فيه توثيق لين، وقد خالفه محمد بن حميد الرازي، فرواه عن سلمة بن الفضل، قال: حدثني محمد بن إسحاق عن جعفر بن الزبير، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن أبي ذر فذكر مثله. أخرجه ابن جرير في "التاريخ" (١/ ١٥١)؛ وابن حميد واه، وجعفر بن الزبير ساقط ثم رأيت الدامغاني رواه عن سلمة بن الفضل مثل رواية ابن حميد. أخرجه أبو الشيخ في "كتاب العظمة" (١٠١٦). وله طريق آخر عن أبي ذر مثله. أخرجه ابن جرير في "تاريخه" (١/ ١٥٠، ١٥١). وقد اختلف في سنده. فأخرجه أحمد (٥/ ٢٦٥، ٢٦٦)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٨/ رقم ٧٨٧١) من طريق معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة وساق حديثًا طويلًا وفيه: "قلت: يا نبي الله! فأي الأنبياء أول؟ قال: آدم. قلت: يا نبي الله! أو نبي كان آدم؟ قال: نعم نبي مكلم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، ثم قال: يا آدم قبلًا … ". وسنده ضعيف جدًّا، وقد تقدم الكلام عليه.
(٦) في (ن): "يكلمه".
(٧) في (ن): "قبيلًا".
(٨) زيادة من (ن).
(٩) في (ز): "أم".
[ ١ / ٣٥٠ ]
[وحكى القرطبي (^١) عن المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض] (^٢).
وسيأتي تقرير ذلك في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى.
وسياق الآية يقتضي أن حواء خلقت قبل دخول آدم الجنة.
وقد صرح بذلك محمد بن (^٣) إسحاق؛ حيث قال: لما فرغ الله من معاتبة إبليس أقبل على آدم، وقد علَّمه الأسماء كلها؛ فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ …﴾ [البقرة: ٣٣] إلى قوله: [﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ (الْحَكِيمُ) (^٤)﴾ [البقرة: ٣٢]] (^٥) قال: ثم ألقيت السِّنَةُ على آدم فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم، (عن ابن عباس وغيره) (^٦)؛ ثم أخذ ضلعًا من أضلاعه من شقه الأيسر، ولأم مكانه لحمًا، وآدم نائم لم يهب من نومه، حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حواء؛ فسواها امرأةً ليسكن إليها. فلما كشف عنه السنة وهب من نومه رآها إلى جنبه؛ فقال - فيما يزعمون والله أعلم: "لحمي ودمي (وزوجتي) (^٧) "؛ فسكن إليها. فلما زوجه الله، وجعل له سكنًا من نفسه، قال له (قبلًا) (^٨): ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
ويقال: إن خلق حواء كان بعد دخول الجنة، كما قال السدي في (خبر) (^٩)، ذكره (^١٠) عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة: أُخرج إبليس من الجنة، وأسكن آدم الجنة؛ فكان يمشي فيها (وحشًا) (^١١) ليس له زوج يسكن إليه، فنام نومةً، فاستيقظ وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها: ما أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: (تسكن) (^١٢) إليّ. قالت له الملائكة ينظرون ما بلغ من علمه: ما اسمها يا آدم؟ قال: حواء. قالوا: ولم حواء؟ قال: إنها خلقت من شيء حيٍّ (^١٣)، قال الله: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾.
_________________
(١) في "تفسيره" (١/ ٣٠٢) وعبارته هناك: "ولا التفات لما ذهب إليه المعتزلة والقدرية من أنه لم يكن في جنة الخلد، وإنما كان في جنة بأرض عدن، واستدلوا على بدعتهم … إلخ".
(٢) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ)، وسقط من سياق (ع) واستدركه الناسخ في "الحاشية" بخط دقيق جدًّا.
(٣) أخرجه ابن جرير (٧١١) قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، يعني: ابن الفضل، عن ابن إسحاق بسنده سواء. وقد تقدم أن هذا الإسناد ضعيف جدًّا.
(٤) كذا في كل "الأصول"، وهو الموافق لما في "تفسير الطبري" (١/ ٥١٤ - شاكر)، ووقع في (ك): إلى قوله: " ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] ".
(٥) سقطت هذه اللفظة من (هـ).
(٦) هذه الجملة ثابتة في كل "الأصول"، وضرب عليها ابن المحب في (ج).
(٧) كذا في كل "الأصول" وهو الموافق لما في "تفسير الطبري"، ووقع في (ز) و(ض): "روحي".
(٨) في (ن): "قبيلًا" وفي هامش (ى): يعني: "مشافهة".
(٩) في (ز) و(ض): "تفسيره".
(١٠) أخرجه ابن جرير (٧١٠) [وسنده ضعيف].
(١١) في (ن): "وحيشًا"؛ وفي "القاموس": "الوحش: حيوان البر، كالوحيش" ووقع في "القرطبي" (١/ ٣٠١): "مستوحشًا".
(١٢) في (ز) و(ن): "لتسكن" وما في سائر "الأصول" هو الموافق لما في "تفسير الطبري".
(١٣) وأخرجه ابن منده في "التوحيد" (٨١) من طريق عبد الله بن محمد بن النعمان قال: حدثنا عمرو بن حماد، =
[ ١ / ٣٥١ ]
[وأما قوله (تعالى) (^١)] (^٢): ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فهو اختبار من الله تعالى، وامتحان لآدم.
وقد اختلف في هذه الشجرة ما هي؟ فقال السدي (^٣)، عمن حدثه، عن ابن عباس: الشجرة التي نُهى عنها آدم ﵇ هي الكرم. وكذا قال سعيد بن (^٤) جبير، والسدي، والشعبي، وجعدة بن هبيرة، ومحمد بن قيس.
وقال السدي أيضًا في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة، ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ هي الكرم (^٥).
(وتزعم) (^٦) يهود أنها الحنطة.
وقال ابن جرير (^٧)، وابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، حدثنا أبو يحيى الحماني، حدثنا (النضر) (^٨) أبو عمر الخزاز، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: الشجرة التي نهى (الله) (^٩) عنها آدم (﵇) (^١٠) هي: السنبلة.
وقال عبد الرزاق (^١١): أنبأنا ابن عيينة وابن المبارك، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، [قال: هي السنبلة.
وقال محمد بن (^١٢) إسحاق، عن رجل من أهل العلم، عن مجاهد، عن ابن عباس؛] (^١٣) قال: هي البر.
_________________
(١) = حدثنا أسباط بن نصر، عن إسماعيل السدي بسنده سواء. وقال: "هذا إسناد ثابت". وهذا يوافق ما سبق أن حققته، وانفصلت على قوة هذا الإسناد فالحمد لله على التوفيق.
(٢) من (ج) و(ض) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى).
(٣) ساقط من (ل).
(٤) أخرجه ابن جرير (٧٣٠)؛ وابن أبي حاتم (٣٨٠) من طريق إسرائيل بن يونس، عن السدي به. وضعفه ظاهر. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٥٣) لابن المنذر.
(٥) أخرجه هذه الآثار كلها ابن جرير (٧٣٢، ٧٣٣، ٧٣٤، ٧٣٥، ٧٣٦، ٧٣٨، ٧٣٩) ولم يذكر ابن جرير شيئا عن الشعبي، إنما يرويه الشعبي عن جعدة بن هبيرة. وكذلك أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (١/ ٣٤) وسنده صحيح.
(٦) [وسنده ضعيف].
(٧) في (ج) و(ك) و(ل) و(ض): "يزعم".
(٨) في "تفسيره" (٧١٨)؛ وابن أبي حاتم (٣٨١) قالا: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي بسنده سواء. وسنده واه، والنضر بن عبد الرحمن ضعيف جدًّا.
(٩) في (ن): "أبو النضر، وهو خطأ.
(١٠) من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ى)، ووقع في (ز) و(ض) و(ن): "نهى عنها آدم".
(١١) من (ز) و(ن).
(١٢) أخرجه ابن جرير (٧٢٥) وسنده ضعيف جدًّا، والحسن بن عمارة متروك.
(١٣) أخرجه ابن جرير (٧٢٤) قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، بسنده سواء وسنده ضعيف جدًّا. ووقع في (ز) و(ن): "محمد بن إسحاق، عن رجل من أهل العلم، عن حجاج، عن مجاهد … ". هكذا بزيادة: "حجاج" في الإسناد وهو خطأ محقق من الناسخ.
(١٤) ساقط من (ك).
[ ١ / ٣٥٢ ]
وقال ابن جرير (^١): وحدثني المثنى بن إبراهيم، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا القاسم، حدثني رجل من بني تميم - أن ابن عباس كتب إلى أبي (الجلد) (^٢) يسأله عن الشجرة التي أكل منها آدم، والشجرة التي تاب عندها آدم، فكتب إليه أبو (الجلد) (^٢): سألتني عن الشجرة التي نهى عنها آدم، وهي السنبلة، وسألتني عن الشجرة التي تاب عندها آدم وهو الزيتونة.
وكذلك (^٣) فسره الحسن البصري، ووهب بن منبه، وعطية العوفي، وأبو مالك، ومحارب بن دثار، وعبد الرحمن بن أبي ليلى.
(وقال) (^٤) محمد بن إسحاق (^٥)، عن بعض أهل اليمن، عن وهب بن منبه - أنه كان يقول: هي البر، ولكن الحبة منها في الجنة ككلى البقر، (ألين) (^٦) من الزبد، وأحلى من العسل.
وقال سفيان الثوري (^٧)، عن حصين، عن أبي مالك: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ - قال: النخلة.
وقال (ابن جريج) (^٨)، عن مجاهد (^٩): ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ - قال: التينة.
وبه قال قتادة، وابن جريج (^١٠).
وقال أبو جعفر (^١١) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: كانت الشجرة من أكل منها أحدث، ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث.
وقال عبد الرزاق (^١٢): حدثنا عمر بن عبد الرحمن بن (مهرب) (^١٣)؛ قال: سمعت وهب بن
_________________
(١) في "تفسيره" (٧٢٣) وسنده ضعيف.
(٢) في (ض): "مجلد"! وهو خطأ ظاهر.
(٣) هذه عبارة ابن أبي حاتم في "تفسيره" (ص ١٢٧ - البقرة)، وهذه الآثار أسندها ابن جرير في "تفسيره" (٧٢٦، ٧٢٨، ٧٢٩).
(٤) ساقط من (ض).
(٥) أخرجه ابن جرير (٧٢٦) قال: حدثنا ابن حميد؛ وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣٨٢) عن محمد بن عيسى قالا: ثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق به. زاد ابن جرير: "وأهل التوراة يقولون: هي البر". وسنده ضعيف.
(٦) في (ن): "وألين".
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٤) قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا أبو أحمد، عن سفيان بسنده سواء. وسنده جيد.
(٨) في (ز) و(ن): "ابن جرير" وهو خطأ، لأن ابن جرير لم يروه عن مجاهد كما يأتي.
(٩) أخرجه ابن حاتم (٣٨٣) من طريق ابن أبي زائدة، قال ابن جريج، عن مجاهد. [وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من مجاهد].
(١٠) أخرجه ابن جرير (٧٤٠) من طريق حجاج الأعور، عن ابن جريج عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: "تينة" وسنده ضعيف معضل، وواضح أن هذا ليس تفسير ابن جريج، ولكن المصنف تبع ابن أبي حاتم في هذا القول.
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٥). [وسنده جيد].
(١٢) أخرجه ابن جرير (٧٤٢) مطولًا؛ وابن أبي حاتم (٣٨٦) من طريقين عن عبد الرزاق به وسنده إلى وهب صحيح.
(١٣) وقع في (ل): "مهدي" وفي (ن): "مهران" وكلاهما خطأ، والصواب ما أثبته، وهو عمر بن عبد الرحمن بن مهرب، ترجمه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٣/ ١/ ١٢١) وقال: "يعرف بابن الدرية … سمع وهب بن منبه، روى عنه إبراهيم بن خالد الصنعاني وعبد الرزاق … ثم نقل عن ابن معين قال: ثقة". اهـ. =
[ ١ / ٣٥٣ ]
منبه يقول: لما أسكن الله آدم وزوجته الجنة، ونهاه عن أكل الشجرة، وكانت شجرة غصونها متشعب بعضها (في) (^١) بعض، وكان لها ثمر - يأكله الملائكة لخلدهم، وهي (الثمرة) (^٢) التي نهى الله عنها آدم وزوجته.
فهذه أقوال ستة في (تعيين) (^٣) هذه الشجرة.
قال الإمام العلامة أبو جعفر (^٤) بن جرير ﵀: والصواب في ذلك أن يقال إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل (شجرة) (^٥) بعينها من أشجار الجنة دون سائر (أشجارها) (^٦)، فأكلا منها ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين؛ لأن الله لم يضع لعباده دليلًا على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة. وقد قيل: كانت شجرة البر. وقيل: كانت شجرة العنب. وقيل: كانت شجرة التين، وجائز أن تكون واحدةً منها؛ وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به. والله أعلم.
[وكذلك رجح (الإبهام) (^٧) (فخر الدين) (^٨) الرازي في "تفسيره" (^٩) وغيره وهو الصواب] (^١٠).
وقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ يصح أن يكون الضمير في قوله: "عنها" عائدًا إلى الجنة، فيكون معنى الكلام - كما قرأ (حمزة) (^١١) و[عاصم (بن بهدلة (^١٢) وهو ابن أبي النجود)] (^١٣):
_________________
(١) = وقال الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر: ﵀ في تعليقه على "تفسير الطبري" (١/ ٥٢٥): "و"مهرب" لم أجد نصًا بضبطها في هذا النسب، إلا قول صاحب "القاموس" أنهم سموا من مادة: "هـ ر ب" بوزن "محسن"، يعني: بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه … ". اهـ.
(٢) في (ز) و(ن): "من".
(٣) في (ن): "الشجرة".
(٤) في (ز): "تفسير"، وأشار في هامش (ن): إلى أن ذلك وقع في نسخةٍ.
(٥) في "تفسيره" (١/ ٥٢٠، ٥٢١ شاكر).
(٦) في (ج): "الشجرة".
(٧) في (ج) و(ل): "الأشجار".
(٨) في (ك): "الإمام"!
(٩) ساقط من (ن).
(١٠) انظر: "تفسير الرازي" (٢/ ٦).
(١١) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).
(١٢) ساقط من (ز) و(ض) و(ك).
(١٣) ساقط من (ى) وثبت ذكر "عاصم بن بهدلة" في باقي "الأصول" والمعروف أن عاصمًا وافق بقية القراء في هذا الحرف، وانفرد عنهم حمزة فقال: "فأزالهما". وانظر لذلك: "السبعة" لابن مجاهد (ص ١٥٤)، و"حجة القراءات" (ص ٩٤)؛ لابن زنجلة، و"المبسوط في القراءات العشر" (ص ١١٦)؛ لأبي بكر بن مهران الأصبهاني، و"الحجة للقراء السبعة" (٢/ ١٤)؛ لأبي على الفارسي، و"الدر المصون" (١/ ٢٨٧)؛ للسمين الحلبي، و"زاد المسير" (١/ ٦٧)؛ لابن الجوزي، و"الكشف" لمكي (ص ٢٣٥)، و"القرطبي" (١/ ٣١١). وقال السمين الحلبي في "الدر المصون في علوم الكتاب المكنون" (١/ ٢٨٧، ٢٨٨): "قرأ حمزة ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ والقراءتان يحتمل أن تكونا بمعنًى واحد، وذلك أن قراءة الجماعة ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ [البقرة: ٣٦] يجوز أن تكون من: "زل عن المكان" إذا تنحى عنه، فتكون من الزوال كقراءة حمزة، ثم ذكر شعرًا لامرئ القيس ثم قال: فرددنا قراءة الجماعة إلى قراءة حمزة، أو نرد قراءة حمزة إلى قراءة الجماعة بان نقول: معنى: أزالهما؛ أي: صرفهما عن طاعة الله تعالى، فأوقعهما في الزلة، لأن إغواءه وايقاعه لهما في الزلة سبب للزوال". اهـ. ورجح الطبري في المعنى رواية الجماعة. والله أعلم.
(١٤) ساقط من (ن).
[ ١ / ٣٥٤ ]
(فأزالهما) (^١)؛ أي: فنحاهما.
ويصح أن يكون عائدًا على أقرب المذكورين، وهو والشجرة، فيكون معنى الكلام - كما قال الحسن (^٢)، وقتادة: فأزلهما؛ أي: من (قبل) (^٣) الزلل، فعلى هذا يكون تقدير الكلام: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾ أي: بسببها، كما قال (تعالى) (^٤): ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ [الذاريات] أي: يصرف بسببه من هو مأفوك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ أي: من اللباس، والمنزل الرحب، والرزق الهنيء، والراحة.
﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أي: قرار وأرزاق وآجال.
﴿إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى وقت مؤقت ومقدار معين، ثم تقوم القيامة.
وقد ذكر المفسرون من السلف كالسدي بأسانيده، وأبي العالية، ووهب بن منبه، وغيرهم ها هنا أخبارًا إسرائيليةً عن قصة الحية وإبليس، وكيف جرى من دخول إبليس إلى الجنة ووسوسته؛ وسنبسط (^٥) ذلك إن شاء الله في سورة الأعراف؛ فهناك القصة أبسط منها ها هنا. والله الموفق.
وقد قال ابن أبي حاتم (^٦) ها هنا: حدثنا علي بن (الحسين) (^٧) بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أُبي بن كعب؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله خلق آدم رجلًا طوالًا كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سحوق، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه؛ فأول ما بدا منه عورته؛ فلما نظر إلى عورته جعل يشتد في الجنة، فأخذت شعره شجرة، فنازعها، فناداه الرحمن: يا آدم، مني تفر.
فلما سمع كلام الرحمن قال: يا رب؛ لا، ولكن استحياءً".
قال (^٨): وحدثني جعفر بن أحمد بن الحكم (القومسي) (^٩) سنة أربع وخمسين مائتين، حدثنا (سليم) (^١٠) بن منصور بن عمار، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد، عن قتادة، عن أُبي بن
_________________
(١) في (ز) و(ض) و(ك): "فأزلهما" وفيه تضييع لهذا الوجه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٨٨، ٣٨٩) عنهما.
(٣) في (ز) و(ض) و(ى): "قبيل".
(٤) من (ز) و(ع) و(ن) و(ى).
(٥) ويأتي تخريجه أيضًا هناك إن شاء الله تعالى.
(٦) في "تفسيره" (٣٩٢). وقال الحافظ في "الفتح" (٦/ ٣٦٧): "إسناده حسن".
(٧) وقع في (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى): "الحسن" وهو خطأ، هو علي بن الحسين بن إبراهيم بن الحر بن زعلان أبو الحسن بن إشكاب البغدادي ثقة مأمون.
(٨) يعني: ابن أبي حاتم رقم (٣٩٣).
(٩) كذا في (ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ى) وهو الموافق لما في "تفسير ابن أبي حاتم"، و"قومس" بضم القاف وسكون الواو وكسر الميم ثم سين مهملة ناحية تقع بين "الري" و"نيسابور" كما في "معجم البلدان" (٤/ ٤١٤). ووقع في (ض): "القونسي" وفي (ز) و(ن): "القرشي" وكلاهما خطأ.
(١٠) وقع في كل "الأصول": "سليمان" وهو خطأ، وصوابه: "سليم" كما ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ١/ ٢١٦)؛ والخطيب في "تاريخه" (٩/ ٢٣٢)؛ و"الميزان" (٢/ ٢٣٢)؛ و"اللسان" (٣/ ١١٢) وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عنه فقلت: أهل بغداد يتكلمون فيه، فقال: مه، سألت ابن أبي الثلج عنه فقلت له: إنهم يقولون: كتب عن ابن علية وهو صغير، فقال: لا، كان هو أسن منا".
[ ١ / ٣٥٥ ]
كعب؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "لما ذاق آدم من الشجرة (فر) (^١) هاربًا، فتعلقت شجرة بشعره، فنودي: يا آدم؛ أفرارًا مني؟ قال: بل حياءً منك. قال: يا آدم، أخرج من جواري، فبعزتي لا يساكنني فيها من عصاني، ولو خلقت مثلك ملء الأرض خلقًا، ثم عصوني، لأسكنتهم دار العاصين".
هذا حديث غريب، وفيه انقطاع؛ بل إعضال (^٢) بين قتادة وأُبي بن كعب رضي الله (عنه) (^٣).
وقال الحاكم (^٤): حدثنا أبو بكر بن (بالويه) (^٥)، عن محمد بن أحمد بن النضير، عن معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن عمار بن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما (أُسكن) (^٦) آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. ثم قال: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
[وقال عبد بن حميد في "تفسيره": حدثنا روح، عن هشام، عن الحسن؛ قال: لبث آدم في الجنة ساعةً من نهار، تلك الساعة ثلاثون ومائة سنة من أيام الدنيا] (^٧).
وقال أبو جعفر (^٨) الرازي: عن الربيع بن أنس، قال: خرج آدم من الجنة للساعة التاسعة أو العاشرة، فأخرج آدم معه غصنًا من شجرة الجنة على رأسه تاج من شجر الجنة، وهو الإكليل من ورق الجنة.
وقال السدي (^٩): قال الله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ فهبطوا، ونزل آدم بالهند، ونزل معه الحجر الأسود، وقبضة من ورق الجنة، فبثه بالهند، فنبتت شجرة الطيب؛ فإنما أصل ما يجاء به من الطيب من الهند من قبضة الورق التي هبط بها آدم، وإنما قبضها آدم أسفًا على الجنة حين أخرج منها.
_________________
(١) في (ز) و(ن): "فر" وهو الموافق لما في "تفسير ابن أبي حاتم" وفي سائر "الأصول": "مر".
(٢) [وسنده ضعيف كما قرر الحافظ ابن كثير].
(٣) في (ز): "عنهما".
(٤) في "كتاب التاريخ من المستدرك" (٢/ ٥٤٢) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (ج ٣/ رقم ٥٥٨٠)؛ عن ابن جريج قال: حدثني حسن بن مسلم، لا أعلمه إلا، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وقال ابن جريج: وحدثني عثمان بن أبي سليمان نحوه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وسئل عن تلك الساعة فقال: خلق الله آدم بعد العصر يوم الجمعة، وخلقه من أديم الأرض كلها، أحمرها وأسودها، وطيبها وخبيثها، ولذلك كان في ولده الأسود والأحمر والطيب والخبيث، فأسجد له ملائكته وأسكنه جنته، فللَّه ما أمسى ذلك اليوم حتى عصاه، فأخرجه منها. وهو صحيح من الوجهين وحسن بن مسلم وعثمان بن أبي سليمان كلاهما ثقة. ثم أخرجه عبد الرزاق (٥٥٨١) عن إبراهيم بن يزيد قال: حدثني حسن بن مسلم بسنده سواء نحوه. وإبراهيم متروك.
(٥) في (ن) و(هـ): "باكويه"؛ وفي (ل): "مالويه"! وهو خطأ، وهو محمد بن أحمد بن بالويه أبو بكر النيسابوري. مترجم في "سير النبلاء" (١٥/ ٤١٩). قال الحاكم: توفي سنة أربعين وثلاثمائة.
(٦) في (ض) و(هـ): "سكن" وهو الموافق لما في "المستدرك"، ولكن في طبعته تحريف كثير.
(٧) استدركه ناسخًا (ج) و(ع) في الحاشية، وصرح في (ج) أنها حاشية.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٤) [وسنده جيد] وأخرجه ابن جرير في "تاريخه" (١/ ١١٨) مختصرًا.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٠١، ٤٢٢) قال: حدثنا أبو زرعة. ثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط، عن السدي. وسنده حسن إلى السدي.
[ ١ / ٣٥٦ ]
وقال عمران (^١) بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: أُهبط آدم بـ "دحنا" (^٢): أرض بالهند.
وقال ابن أبي (^٣) حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس؛ قال: أُهبط آدم ﵇ إلى أرض يقال لها: "دحنا" بين مكة والطائف.
وعن الحسن البصري قال: أُهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بـ "دست ميسان" (^٤) من البصرة على أميال، وأُهبطت الحية بأصبهان. رواه ابن أبي (^٥) حاتم.
وقال (ابن أبي حاتم) (^٦): (حدثنا) (^٧) محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا (عمرو) (^٨) بن أبي قيس، عن (الزبير) (^٩) (بن) (^١٠) عدي، عن ابن عمر (^١١)؛ قال: أُهبط آدم بالصفا وحواء بالمروة.
وقال رجاء بن (أبي سلمة) (^١٢): أُهبط آدم ﵇ يداه على ركبتيه مطأطئًا رأسه، وأُهبط إبليس، مشبكًا بين أصابعه، رافعًا رأسه إلى السماء.
وقال عبد الرزاق (^١٣): قال معمر: أخبرني عوف، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى؛ قال:
_________________
(١) أخرجه ابن جرير في "التاريخ" (١/ ١٢١)؛ والحاكم (٢/ ٥٤٢) عن موسى بن هارون قالا: ثنا عمرو بن علي، ثنا عمران بن عيينة بسنده سواء ولم يذكر الحاكم اسم البلد، ووقع عند ابن جرير "دهنا"؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٧) عن المقدمي ثنا عمران بن عيينة به. وعطاء بن السائب كان اختلط، وقد اختلف عليه في تعيين موقع الأرض التي نزل عليها آدم ﵇ كما يأتي. أما الحاكم فقال: "هذا حديث صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي.
(٢) و"دحنا" بفتح أوله وسكون المهملة ثم نون وألف أرض خلق الله منها آدم كما في "معجم البلدان" (٢/ ٤٤٤) وهي من مخاليف الطائف.
(٣) في "تفسيره" (٣٩٨) وربما كان هذا السند أمثل من الذي قبله من جهة أن جرير بن عبد الحميد أوثق من عمران بن عيينة، لكنه، أعني جريرًا، سمع من عطاء بعد الاختلاط أيضًا.
(٤) وهي محلة جليلة بن "واسط" و"البصرة" و"الأهواز"، وهي إلى الأهواز أقرب (ياقوت) (٢/ ٤٥٥).
(٥) في "تفسيره" (٣٩٩) وسنده ضعيف.
(٦) في (ن): "محمد بن أبي حاتم" وهو غلط ظاهر، وقد سقطت أداة الكنية فهو: "أبو محمد بن أبي حاتم".
(٧) ساقط من (ل).
(٨) في (ن): "عمر" بدون الواو، غلط.
(٩) ساقط من (ض).
(١٠) في (ل): "عن" غلط.
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣٩٦) [وسنده ضعيف لأن الزبير بن عدي لم يسمع من ابن عمر والرواية من الإسرائيليات].
(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩٥) وسنده قوي. ووقع في كل "الأصول": "رجاء بن سلمة" والصواب ما أثبته، واسم أبو سلمة مهران الشامي كما في "التهذيب" (٩/ ١٦١).
(١٣) في "تفسيره" (١/ ٤٣، ٤٤) ومن طريقه ابن أبي حاتم (٤٢١). وأخرجه البزار (٢٢٤٥ - كشف)؛ وابن جرير (٥٣٧) عن ابن أبي عدي. والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥٤٣) وعنه البيهقي في "البعث والنشور" (١٨٥) عن هوذة بن خليفة كلاهما عن عوف بن أبي جميلة. عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى الأشعري فذكره موقوفًا. ووقع في "المستدرك": "عن أبي بكر بن أبي موسى" وهو خطأ. (*) قلت: فقد رواه معمر وابن أبي عدي وهوذة بن خليفة ثلاثتهم عن عوف به موقوفًا وخالفهم ربعي بن علية - أخو إسماعيل بن علية - فرواه عن عوف، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى مرفوعًا. أخرجه البزار =
[ ١ / ٣٥٧ ]
إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض علَّمه صنعة كل شيء، وزوده من ثمار الجنة؛ فثماركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير.
وقال الزهري، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، (عن أبي هريرة) (^١)؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها" رواه مسلم (^٢)، والنسائي.
[وقال (فخر الدين) (^٣) (الرازي) (^٤): اعلم أن في هذه الآية (تهديدًا) (^٥) عظيمًا عن كل المعاصي من وجوه:] (^٦).
[الأول - أن من تصور ما جرى على آدم بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة كان على وجل شديد من المعاصي؛ قال الشاعر:
يا ناظرًا يرنو بعيني راقد … ومشاهدًا للأمر غير مشاهد
تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي … درج الجنان ونيل فوز العابد
أنسيت ربك حين أخرج آدمًا … منها إلى الدنيا بذنب واحد] (^٧)
قال ابن القاسم:
ولكننا سبى العدو فهل ترى … نعود إلى أوطاننا ونسلم
[قال (فخر الدين) (^٨) (الرازي) (^٩)، عن فتح الموصلي، أنه قال: كنا قومًا من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها (^١٠).
فإن قيل: فإن كانت جنة آدم التي أُخرج منها في السماء كما يقوله الجمهور من العلماء، فكيف تمكن إبليس من دخول الجنة وقد طرد من هناك طردًا قدريًّا؟ والقدريُّ لا يخالف ولا يمانع؟
فالجواب أن هذا بعينه استدل به من يقول: إن الجنة التي كان فيها آدم في الأرض لا في السماء، كما قد بسطنا هذا في أول (كتاب) (^١١) "البداية والنهاية"] (^١٢).
_________________
(١) = (٢٣٤٤ - كشف) وقال: "لا نعلم رفعه إلا ربعي". اهـ. وهو ثقة مأمون كما قال ابن معين، وقال ابن مهدي: "كنا نعد ربعي بن علية من بقايا شيوخنا" ذكره عنهما ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (١/ ٢/ ٥١٠)، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٢٤٤، ٢٤٥) فكأنه صحيح من الوجهين معًا. والله أعلم.
(٢) ساقط من (ج).
(٣) في "صحيحه" (١٧/ ٨٥٤).
(٤) ساقط من (ن).
(٥) ساقط من (ج) و(ع) و(ل) و(ى). وانظر "تفسير الرازي" (٢/ ١٩).
(٦) هكذا في (ج) و(ع) و(ل) و(ى). ووقع في "تفسير الرازي": "تحذيرًا".
(٧) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).
(٨) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).
(٩) ساقط من (ن).
(١٠) ساقط من (ج) و(ع) و(ل) و(ى).
(١١) هكذا اقتصر المصنف على نقل الوجه الأول، وترك وجهين آخرين ذكرهما الرازي، ولعله أخذ من كلام الرازي ما اقتضاه المقام. والله أعلم. وقد أشار إلى كلام فتح الموصلي الامام المحقق ابن القيم ﵀ في "الميمية" فقال: ولكننا سبي العدو فهل ترى … نعود إلى أوطاننا ونسلم؟
(١٢) كذا في (ج) و(ل)؛ وفي (ن) و(ى): "كتابنا" وهو فيه (١/ ٧٠ - ٨١).
(١٣) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).
[ ١ / ٣٥٨ ]
[وأجاب الجمهور بأجوبة: أحدها أنه منع من دخول الجنة مكرمًا، فأما على وجه (الرد) (^١) والإهانة فلا يمتنع، ولهذا قال بعضهم - كما جاء في التوراة -: إنه دخل في فم الحية إلى الجنة.
وقد قال بعضهم: يحتمل أنه وسوس لهما وهو خارج باب الجنة] (^٢).
[وقال بعضهم: يحتمل أنه وسوس لهما وهو في الأرض، وهما في السماء، ذكرها الزمخشري (^٣) وغيره.
وقد أورد القرطبي (^٤) ها هنا أحاديث في الحيات وقتلهن وبيان حكم ذلك فأجاد وأفاد] (^٢).
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾.
قيل: إن (هذه) (^٥) الكلمات مفسرة بقوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف] وروى هذا عن مجاهد (^٦)، وسعيد (^٧) بن جبير، وأبي العالية (^٨)، والربيع بن أنس، والحسن (^٩)، وقتادة (^١٠)، ومحمد (^١١) بن كعب القرظي، وخالد بن معدان، وعطاء الخراساني، وعبد الرحمن (^١٢) بن زيد بن أسلم.
وقال أبو إسحاق (^١٣) السبيعي، عن رجل من بني تميم؛ قال: أتيت ابن عباس، فسألته: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟ قال: علم شأن الحج.
وقال سفيان (^١٤) الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، أخبرني من سمع عبيد بن عمير - وفي رواية
_________________
(١) في (ن): "السرقة"!!
(٢) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).
(٣) في "الكشاف" (١/ ٥١).
(٤) في "تفسيره" (٣١٥١).
(٥) في (ج) و(ل): "هؤلاء".
(٦) أخرجه ابن جرير (٧٨٧) من طرق عن خصيف، عن مجاهد به. وأخرجه ابن أبي حاتم (٤١٤) من طريق ابن مهدي، عن الثوري، عن خصيف، عن مجاهد وسعيد بن جبير معًا، وسنده جيد، وتوبع خصيف. تابعه النضر بن عربي عن مجاهد مثله. أخرجه ابن جرير (٧٨٩) قال: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن النضر بن عربي صدوق متماسك، ولكن ابن وكيع وهو سفيان، كان يلقن، ولا بأس بروايته هنا، فهو متابع وعزاه في "الدر المنثور" (١/ ٥٩) لوكيع وعبد بن حميد.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٤) وسنده جيد.
(٨) أخرجه ابن جرير (٧٧٩) وسنده حسن.
(٩) أخرجه عبد بن حميد في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (١/ ٥٩).
(١٠) أخرجه ابن جرير (٧٧٨) عن سعيد بن أبي عروبة؛ وأيضًا (٧٩١)؛ وعبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٤٤) عن معمر كلاهما عن قتادة. وسنده صحيح. وأخرجه البيهقي في "الشعب" (ج ١٢/ رقم ٦٧٧٤) عن شيبان عن قتادة بلفظ أطول.
(١١) أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، والبيهقي في "الشعب" كما في "الدر المنثور" (١/ ٥٩). ثم وقفت على إسناده عند البيهقي (ج ١٢/ رقم ٦٧٧٢) فرواه من طريق جعفر بن عون، أخبرنا موسى بن عبيدة الربذي، عن محمد بن كعب القرظي به. والربذي ضعيف. [ويتقوى بما سبق].
(١٢) أخرجه ابن جرير (٧٧٤، ٧٩٢) وسنده صحيح.
(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١٢) من طريق زهير بن معاوية ثنا أبو إسحاق السبيعي به وسنده ضعيف وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٧٢) لعبد بن حميد وابن المنذر.
(١٤) أخرجه ابن جرير (٧٨١، ٧٨٢، ٧٨٣، ٧٨٤)؛ وابن أبي حاتم (٤١٣)؛ وأبو الشيخ في "العظمة" =
[ ١ / ٣٥٩ ]
قال: أخبرني مجاهد، عن عبيد بن عمير أنه قال: قال آدم: يا رب!، خطيئتي التي أخطأت شيء كتبته علي قبل أن تخلقني، أو شيء ابتدعته من قبل نفسي؟ قال: بل (كتبته) (^١) عليك قبل أن أخلقك. قال: فكما كتبته عليَّ فاغفره لي قال: فذلك قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾.
قال السدي (^٢)، عمن حدثه، عن ابن عباس: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾، قال: قال آدم ﵇: يا رب، ألم تخلقني بيدك؟ قيل له: بلى. ونفخت فيَّ من روحك؟ قيل له: بلى. [وعطست فقلت: يرحمك الله، وسبقت رحمتك غضبك؟ (قيل له: بلى)] (^٣). وكتبت عليّ أن أعمل هذا؟ قيل له: بلى. قال: أرأيت إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة؟ قال: نعم.
(وكذا) (^٤) رواه العوفي (^٥)، وسعيد بن جبير، وسعيد بن معبد، عن ابن عباس، بنحوه.
ورواه الحاكم في "مستدركه" (^٦) من حديث ابن جبير، عن ابن عباس؛ وقال: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه".
_________________
(١) = (١٠١١)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٧٣) من طرق عن الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عمن سمع عبيد بن عمير فذكره. وقد رواه عن الثوري هكذا: وكيع، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وعبد الرحمن بن مهدي، ومؤمل بن إسماعيل، وخالفهم عبد الرزاق فرواه في "تفسيره" (١/ ٤٤) وعنه ابن جرير (٧٨٥) فرواه عن الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عبيد بن عمير به فأسقط الواسطة. ورواية الجماعة عن الثوري أقوى، ويحتمل أن يكون للثوري فيه وجهان وإن كان يرجح رواية الجماعة ما ذكره المصنف ﵀ أن الثوري رواه عن مجاهد عن عبيد بن عمير فإن كان راويه عن الثوري ثبتًا فالإسناد متصل. والله أعلم.
(٢) في (ن): "شيء كتبته".
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤١١) من طريق عبيد الله بن موسى ثنا إسرائيل، عن السدي به. وسنده ضعيف لانقطاعه ولكن سيأتي موصولًا إن شاء الله تعالى.
(٤) ساقط من (ج).
(٥) في (ز) و(ن): "وهكذا".
(٦) أخرجه ابن جرير (٧٧٧) بسند ضعيف مسلسل بالضعفاء.
(٧) "المستدرك" (٢/ ٥٤٥) من طريق الحسن بن علي بن عفان، ثنا الحسن بن عطية، ثنا الحسن بن صالح، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي. (*) قلت: سنده جيد، والحسن بن عطية هو ابن نجيح القرشي، قال أبو حاتم: "صدوق" وقال الذهبي في "المغني": "ضعفه أبو الفتح الأزدي، ولا بأس به"، وقال الحافظ بن حجر: "أظنه اشتبه عليه بالذي قبله" والذي قبله هو الحسن بن عطية بن جندة العوفي. وأخرجه ابن جرير (٧٧٥) قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عطية، عن قيس، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو بسنده سواء. وابن عطية هو محمد بن الفضل بن عطية تالف، قال أحمد: "حديثه حديث أهل الكذب" وقال ابن معين والجوزجاني: "كان كذابًا" وكذلك قال النسائي، وقال صالح بن محمد الحافظ: "كان يضع الحديث"، واتفقوا على طرحه. لكنه لم يتفرد به، فتابعه محمد بن يوسف الفريابي، قال: حدثنا قيس بن الربيع بسنده سواء. أخرجه الآجري في "الشريعة" (ص ٣٠٢، ٣٠٣) ولكن قيس وابن أبي ليلى ضعيفان وقد اختلف على قيس في إسناده كما عند ابن جرير (٧٧٦) أيضًا، ورأيت صاحبنا الشيخ سعد بن عبد الله آل حميد حفظه الله =
[ ١ / ٣٦٠ ]
وهكذا فسره السدي (^١)، وعطية العوفي.
وقد روى ابن (^٢) أبي حاتم (ها هنا حديثًا) (^٣) شبيهًا بهذا، فقال: حدثنا علي بن (الحسين) (^٤) بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أُبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: "قال آدم ﵇: أرأيت يا رب إن تبت ورجعت أعائدي إلى الجنة؟ قال: نعم. فذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ ".
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وفيه انقطاع.
وقال أبو جعفر (^٥) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية - في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ قال: إن آدم لما أصاب الخطيئة قال: أرأيت يا رب إن تبت وأصلحت؟ قال الله: "إذًا (أُرجعك إلى) (^٦) الجنة"؛ فهي من الكلمات.
ومن الكلمات أيضًا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
وقال ابن أبي (^٧) نجيح، عن مجاهد - أنه كان يقول في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ - قال: الكلمات: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك؛ رب إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ أي: إنه يتوب على من تاب إليه وأناب؛ كقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤] وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ الآيات [النساء: ١١٠]، وقوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾ [الفرقان] وغير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى يغفر الذنوب، ويتوب على من يتوب؛ وهذا من لطفه بخلقه ورحمته بعبيده، لا إله إلا هو التواب الرحيم (^٨).
[وذكرنا في "المسند (^٩) الكبير" من طريق سليمان بن سليم، عن ابن بريدة - وهو] (^١٠)
_________________
(١) = خرج الحديث في تحقيقه لـ"تفسير سعيد بن منصور" (٢/ ٥٥٥) من رواية ابن جرير وحده ثم قال: "والحديث لا يصح عن ابن عباس ﵄"، ولم يطلع حفظه الله على رواية الحاكم. والله الموفق.
(٢) أخرجه سعيد بن منصور في "تفسيره" (١٨٦) قال: نا الحسن بن يزيد الأصم قال سمعت السدي … فذكره. وسنده قوي.
(٣) في "تفسيره" (٤١٠).
(٤) في (ك): "حديثًا ههنا".
(٥) في (ج) و(ز) و"ع" و(ك) و(ل) و(ى): "الحسن" وهو خطأ.
(٦) أخرجه ابن جرير (٧٧٩). [وسنده جيد].
(٧) في (ن): "أدخلك"، وهو مخالف لسائر الأصول، ولما في "الطبري".
(٨) أخرجه ابن جرير (٧٨٨) من طريق شبل، عن ابن أبي نجيح. وأخرجه ابن أبي حاتم (٤١٥) من طريق عبد الله بن كثير، عن مجاهد مثله. وهو صحيح.
(٩) في (ع): "بلغ مقابلة بقراءة المصنف، معارضًا بأصله، حرسه الله".
(١٠) وهو "جامع المسانيد والسنن" (٢/ ١٨١، ١٨٢) للمصنف ﵀.
(١١) ساقط من كل "الأصول"، واستدركته من (ج) و(ل).
[ ١ / ٣٦١ ]
[سليمان -، عن أبيه، عن النبي ﷺ: "لما أُهبط آدم إلى الأرض، طاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين، ثم قال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي، فأقبل معذرتي، وتعلم حاجتي، فأعطني سؤلي، وتعلم ما عندي، فاغفر ذنوبي، أسألك إيمانًا يباشر قلبي، ويقينًا صادقًا حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي. قال: فأوحى الله إليه: إنك قد دعوتني بدعاءٍ استجبت لك فيه، ولمن يدعوني به، وفرجت همومه وغمومه، ونزعت فقره من بين عينيه، (واتجرت) (^١) له من وراء كل تاجر، وأتته الدنيا وهي كارهة، وإن لم يردها". رواه الطبراني في "معجمه الكبير (^٢) "] (^٣).
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾.
يقول تعالى مخبرًا عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس (حين) (^٤) أهطبهم من الجنة، والمراد: الذرية: إنه سينزل الكتب، ويبعث الأنبياء والرسل؛ كما قال أبو العالية: الهدى: الأنبياء، والرسل، (والبيان) (^٥) (^٦).
وقال مقاتل بن حيان: الهدى: محمد ﷺ (^٧).
وقال الحسن: الهدى: القرآن (^٨). وهذا القولان صحيحان، وقول أبي العالية أعم.
_________________
(١) في (ج): "تجرت".
(٢) لم أجده في "مسند بريدة" من "المعجم الكبير" وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٥٩) للطبراني في "الأوسط" عن بريدة، وأظنه وهمًا. وساق المصنف سنده في "جامع المسانيد" (٧٤٢) عن الطبراني قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي، حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا محمد بن كثير، حدثنا حميد بن معاذ، عن المنهال بن عمرو، عن سليمان بن سليم، عن ابن بريدة، عن أبيه مرفوعًا وأخرجه ابن مردويه في "المنتقى من حديث الطبراني" (ق ١٩٧/ ١) قال - يعني: الطبراني - حدثنا حفص بن عمر بن الصباح الرقي، ثنا محمد بن كثير، ثنا حميد بن معاذ، ثنا المنهال بن عمرو، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه مثله فسقط ذكر "سليمان بن سليم" من الإسناد، وكأن الصواب إثباته، والله أعلم. وحميد بن معاذ لم أعرفه. ثم وقفت على الحديث في "الدعوات الكبير" (٢٣١) للبيهقي فرواه من طريق محمد بن كثير، حدثنا عبد الله بن المنهال، عن سليمان بن قسيم، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه مرفوعًا مثله. وسليمان بن قسيم [ضعيف]، والحديث لا يثبت من أي وجه، وتسامح السيوطي فقال في "الدر" (١/ ٥٩): "إسناده لا بأس به"! وله شاهد من حديث عائشة مرفوعًا مثله أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٥٩٧٤) من طريق النضر بن طاهر، ثنا معاذ بن محمد الخراساني، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. وقال: "لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا معاذ بن محمد، تفرد به: النضر بن طاهر". اهـ. (*) قلت: وهو متهم بالكذب.
(٣) ساقط من كل "الأصول"، واستدركته من (ج) و(ل).
(٤) في (ز) و(ض): "حتى".
(٥) في (ن): "البينات والبيان".
(٦) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية].
(٧) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان].
(٨) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق البراء بن يزيد عن الحسن (والبراء بن يزيد ضعيف التقريب ص ١١٣١)].
[ ١ / ٣٦٢ ]
﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ أي: من أقبل على ما أنزلت به الكتب، وأرسلت به الرسل ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فيما (يستقبلون) (^١) من أمر الآخرة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم من أمور الدنيا، كما قال في سورة طه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾.
قال ابن عباس: فلا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ (^٢) [طه] كما قال ها هنا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ أي: مخلدون فيها لا محيد لهم عنها ولا محيص.
وقد أورد ابن (^٣) جرير (﵀) (^٤) ها هنا حديثًا ساقه من (طريقين) (^٥)، عن (أبي مسلمة) (^٦) سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قُطعة، عن أبي سعيد؛ واسمه (سعد) (^٧) بن مالك بن سنان الخدري؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن (أقوامًا) (^٨) أصابتهم النار بخطاياهم، فأماتتهم إماتةً حتى إذا صاروا فحمًا أُذن في الشفاعة".
وقد رواه مسلم (^٩)، من حديث شعبة، عن (أبي مسلمة) (^١٠) به.
[وذكر هذا الإهباط الثاني لما تعلق به ما بعده من المعنى المغاير للأول. وزعم بعضهم أنه تأكيد وتكرير؛ كما يقال: قم، قم. وقال آخرون: بل الإهباط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني عن سماء الدنيا إلى الأرض. والصحيح الأول. والله (تعالى) (^١١) أعلم (بأسرار كتابه) (^١١)] (^١٢).
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾.
يقول تعالى آمرًا بني إسرائيل بالدخول في الإسلام، ومتابعة محمد عليه من الله أفضل الصلاة (وأتم) (^١٣) والسلام، (ومهيجًا) (^١٤) لهم بذكر أبيهم إسرائيل، وهو نبي الله يعقوب ﵇؛ وتقديره:
_________________
(١) في (ز) و(ن) و(ص): "يستقبلونه".
(٢) [سيأتي تخريجه في تفسير سورة طه آية ١٢٣].
(٣) في "تفسيره" (٧٩٧).
(٤) ساقط من (ن).
(٥) كذا! وهو عند ابن جرير من ثلاثة طرق عن أبي مسلمة. فأخرجه من طريق غسان بن مضر وبشر بن المفضل وإسماعيل بن علية ثلاثتهم عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد.
(٦) في (ن): "أبو سلمة" وهو خطأ.
(٧) في (ل): "سعيد" وهو خطأ.
(٨) في (ض): "لكن أقوام" بالرفع مع تسكين نون "لكن"؛ وفي "مسلم": "لكن ناس".
(٩) في "صحيحه" (١٨٥/ ٣٠٧) من طريق محمد بن جعفر غندر، ثنا شعبة.
(١٠) في (ض) و(ن): "أبو سلمة".
(١١) من (ل).
(١٢) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).
(١٣) من (ك).
(١٤) (في (ك): "وتهييجًا".
[ ١ / ٣٦٣ ]
يا بني العبد الصالح المطيع لله؛ كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق، كما تقول: يا ابن الكريم، افعل كذا؛ يا ابن الشجاع، بارز الأبطال؛ يا ابن العالم، اطلب العلم، ونحو ذلك.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ [الإسراء] فإسرائيل هو يعقوب (﵇) (^١) بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي (^٢): حدثنا (عبد (^٣) الحميد) بن بهرام، عن شهر بن حوشب؛ قال: حدثني عبد الله بن عباس؛ قال: حضرت عصابة من اليهود نبي الله ﷺ؛ فقال لهم: "هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟ " قالوا: اللهم نعم، فقال النبي ﷺ: "اللهم اشهد".
وقال الأعمش (^٤)، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن (عبد الله) (^٥) بن عباس أن إسرائيل كقولك: عبد الله.
وقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ قال: مجاهد: نعمة الله التي أنعم بها عليهم فيما سمى وفيما وسوى ذلك: أن فجر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوى، (وأنجاهم) (^٦) من (عبودة) (^٧) آل فرعون.
وقال أبو (^٨) العالية: نعمته أن جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم الكتب.
قلت: وهذا كقول موسى ﵇ لهم: ﴿يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِين﴾ [المائدة: ٢٠] يعني: في زمانهم.
وقال محمد بن (^٩) إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله (تعالى) (^١٠): ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: بلائي عندكم وعند آبائكم
_________________
(١) من (ز) و(ض) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ى).
(٢) في "مسنده" (٢٧٣١). وأخرجه أحمد (٢٥١٤، ٢٥١٥، ٢٤٧١)؛ وابن سعد في "الطبقات" (١/ ١٧٤، ١٧٥)؛ وابن جرير (١٦٠٥، ٧٤٢٠)؛ وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩٥١ - آل عمران)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ١٢/ رقم ١٣٠١٢)؛ والبيهقي في "الدلائل" (٦/ ٢٦٦، ٢٦٧) من طرق عن عبد الحميد بن بهرام بسنده سواء وهو حديث طويل. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٨٩) للفريابي، وعبد بن حميد وأبي نعيم في "الدلائل". وسنده محتمل للتحسين، ولأكثر فقراته شواهد. وانظر: "تسلية الكظيم".
(٣) في (ك): "حماد الحميد"!!
(٤) أخرجه ابن جرير (٧٩٨) قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن الأعمش به. وابن حميد هو محمد، وهو واه.
(٥) من (ز) و(ن).
(٦) في (ن): "ونجاهم".
(٧) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى)؛ وفي (ز) و(ض) و(هـ) و(ن): "عبودية" وهما بمعنًى. وانظر "لسان العرب" (ص ٢٧٧٧).
(٨) أخرجه ابن جرير (٨٠٢)؛ وابن أبي حاتم (٤٣٩). [وسنده جيد].
(٩) أخرجه ابن إسحاق كما في "الدر المنثور" (١/ ٦٣) ومن طريقه ابن جرير (٨٠١)؛ وابن أبي حاتم (٤٣٨) [وسنده حسن].
(١٠) من (ن).
[ ١ / ٣٦٤ ]
لما كان نجاهم (به) (^١) من فرعون وقومه.
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قال (^٢): بعهدي الذي أخذت (في) (^٣) أعناقكم للنبي (محمد) (^٤) ﷺ إذا جاءكم أنجز لكم ما وعدتكم عليه (بتصديقه) (^٥)، واتباعه، بوضع ما كان عليكم من (الإصر) (^٦) والأغلال التي كانت في أعناقكم، بذنوبكم التي كانت (من) (^٧) إحداثكم.
[وقال الحسن البصري: هو قوله (تعالى): ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ١٢].
وقال آخرون: هو الذي أخذه الله عليهم في التوراة: أنه سيبعث من بني إسماعيل نبيًّا عظيمًا يطيعه جميع (العرب) (^٨): (الشعوب) (^٩) (والقبائل) (^١٠)، والمراد به محمد ﷺ؛ فمن اتبعه (غفر) (^١١) له ذنبه، (وأدخل) (^١٢) الجنة، وجعل له (أجران) (^١٣).
وقد أورد (فخر الدين) (^١٤) الرازي بشارات كثيرةً عن الأنبياء عليهم (الصلاة و) (^١٥) السلام بمحمد ﷺ] (^١٦).
وقال أبو العالية (^١٧): ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ قال: عهده إلى عباده (دينه) (^١٨) الإسلام، (أن) (^١٩) يتبعوه.
وقال الضحاك (^٢٠)، عن ابن عباس: ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قال: أرض عنكم، وأدخلكم الجنة؛ وكذا قال السدي (^٢١)، والضحاك (^٢٢)،
_________________
(١) ساقط من (هـ).
(٢) يعني: ابن عباس. كما في "تفسير ابن أبي حاتم" (٤٤٥). [والأثر تتمة لسابقه].
(٣) كذا في (ن). وفي "سائر الأصول": "من".
(٤) من (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(هـ) و(ى).
(٥) في (ن): "من تصديقه".
(٦) في (ن): "الآصار".
(٧) في (ج): "في".
(٨) من (ل) و(ى)، وسقط من (ج) و(ل) و(ن).
(٩) ساقط من (ى).
(١٠) من (ل).
(١١) في (ن): "غفر الله".
(١٢) في (ن): "أدخله".
(١٣) في (ن): "أجرين" وهذا بناءً على ظهور الفاعل، وعدم استتاره.
(١٤) ساقط من (ن). وانظر "تفسير الرازي" (٢/ ٤٣).
(١٥) من (ن)
(١٦) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).
(١٧) أخرجه ابن جرير (٨٠٦)؛ وابن أبي حاتم (٤٤٣) [وسنده جيد].
(١٨) في (ك): "لدينه" وفي (ن): "دين" وهو الموافق لما في "تفسير الطبري".
(١٩) في (ن): "وأن".
(٢٠) أخرجه ابن جرير (٨٠٩)؛ وابن أبي حاتم (٤٤١، ٤٤٤) من طريق بشر بن عمارة عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس. وسنده ضعيف أو واه. وبشر بن عمارة ضعيف، والضحاك لم يسمع من ابن عباس، وأبو روق: اسمه عطية بن الحارث؛ صدوق لا بأس به.
(٢١) أخرجه ابن جرير (٨٠٧).
(٢٢) أخرجه أبو الشيخ في "كتاب العظمة" (١٨٤) من طريق ابن المبارك، عن الحسن بن يحيى، عن الضحاك =
[ ١ / ٣٦٥ ]
وأبو العالية، والربيع (^١) بن أنس.
وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي: فاخشون؛ قاله أبو العالية (^٢)، والسدي (^٣) والربيع بن أنس، وقتادة.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي: (أن) (^٤) أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم؛ من المسخ وغيره (^٥).
وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب؛ فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة لعلهم يرجعون إلى الحق، واتباع الرسول ﷺ، والاتعاظ بالقرآن وزواجره، وامتثال أوامره، وتصديق أخباره، والله (الهادي لمن) (^٦) يشاء إلى (صراط) (^٧) مستقيم؛ ولهذا قال: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [ومُصَدِّقًا (منصوب) (^٨) على الحال من "ما"؛ أي: بالذي أنزلت مصدقًا؛ أو من الضمير المحذوف من (قوله) (^٩): بما أنزلته مصدقًا، ويجوز أن يكون مصدرًا من غير الفعل، وهو قوله: لما أنزلت مصدقًا به] (^١٠)؛ ويعني به: القرآن الذي (أنزله) (^١١) على محمد ﷺ النبي الأمي العربي بشيرًا ونذيرًا، وسراجًا منيرًا، مشتملًا على الحق من الله (تعالى) (^١٢)، مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل.
قال أبو العالية (^١٣) ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ يقول: يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم؛ يقول: لأنهم يجدون محمدًا ﷺ مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
وروى عن مجاهد (^١٤)، والربيع (^١٥) بن أنس، وقتادة، نحو ذلك.
_________________
(١) = فذكره وسنده حسن. والحسن بن يحيى وثقه ابن معين وابن حبان، ولم يذكر له المزي راويًا إلا ابن المبارك وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٦٤) لعبد بن حميد.
(٢) أشار إليه ابن أبي حاتم (٤٤٣).
(٣) أخرجه ابن جرير (٨١٢)؛ وابن أبي حاتم (٤٤٧). [وسنده جيد].
(٤) أخرجه ابن جرير (٨١٣) [وسنده حسن].
(٥) من (ن) وأشار في (ى) إلى أنها كذلك في بعض النسخ.
(٦) [هذا الأثر تتمة لرواية ابن إسحاق السابقة].
(٧) في (ن): "يهدى من".
(٨) في (ج) و(ز) و(ض): "صراطه".
(٩) كذا في (ج) و(ع)؛ وفي (ل): "منصوبًا" على تقدير فعل محذوف، كأنه قال: جاء منصوبًا.
(١٠) في (ل): "قولهم"!
(١١) ساقط من سائر (الأصول)، واستدركته من (ل)، ومن حاشية (ج) و(ع).
(١٢) في (ج): "أنزل".
(١٣) من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ن).
(١٤) أخرجه ابن جرير (٨١٦)؛ وابن أبي حاتم (٤٤٨). [وسنده جيد].
(١٥) أخرجه ابن جرير (٨١٤، ٨١٥)؛ وابن أبي حاتم (٤٤٩) من طرق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. [وسنده صحيح].
(١٦) أشار إلى رواية الربيع وقتادة: ابن أبي حاتم في "تفسيره".
[ ١ / ٣٦٦ ]
وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [قال بعض (المفسرين) (^١): أول فريق كافر به، أو نحو ذلك] (^٢).
قال ابن عباس (^٣): ولا تكونوا أول كافر به، وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم.
وقال أبو العالية (^٤): يقول: ولا تكونوا أول من كفر بمحمد ﷺ؛ [يعني: من جنسكم أهل الكتاب بعد (سماعكم) (^٥) بمبعثه] (^١)، وكذا قال الحسن، والسدي، والربيع بن أنس.
واختار ابن جرير (^٦) أن الضمير في قوله: "به" عائد على القرآن الذي تقدم ذكره في قوله: ﴿بِمَا أَنْزَلْتُ﴾ وكلا القولين صحيح؛ لأنهما متلازمان؛ لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد ﷺ؛ ومن كفر بمحمد ﷺ فقد كفر بالقرآن.
وأما قوله: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ فيعني به أول من كفر به من بني إسرائيل؛ لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير؛ وإنما المراد أول من كفر به من بني إسرائيل مباشرةً؛ فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن، فكفرهم به يستلزم أنهم أول من (كفر به) (^٧) من جنسهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي، وتصديق رسول - بالدنيا وشهواتها؛ فإنها قليلة فانية؛ كما قال عبد الله بن المبارك (^٨): أنبأنا عبد الرحمن بن (يزيد) (^٩) بن جابر، عن هارون بن يزيد؛ قال: سئل الحسن - يعني: البصري - عن قوله تعالى: ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ - قال: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها (^١٠).
وقال ابن لهيعة (^١١): حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا
_________________
(١) كذا في (ك) و(ل) و(ى). ووقع في (ج) و(ن): "المعريين".
(٢) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).
(٣) أخرجه ابن جرير (٨١٩)؛ وابن أبي حاتم (٤٥٠) وتقدم القول بضعفه.
(٤) أخرجه ابن جرير (٨١٨)؛ وابن أبي حاتم (٤٥١). [وسنده جيد].
(٥) كذا في (ن)؛ وفي (ج) و(ل) و(ن) و(ى): "سماعهم".
(٦) في "تفسيره" (١/ ٥٦٤ - شا كر).
(٧) في (ج): "كفره".
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤٥٦)؛ وابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" (٤٩٧) من طريق علي بن الحسن بن شقيق، أنا ابن المبارك بسنده سواء. وسنده ضعيف، وهارون بن يزيد البصري ترجمه البخاري في "الكبير" (٤/ ٢/ ٢٢٠)؛ وابن حبان في "الثقات" (٧/ ٥٧٩) وقال: "يروى عن رجل عن أبي هريرة" ورجح الشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي في حاشيته على "تاريخ البخاري" أنه هارون بن راشد، وأنه غلط بعض الرواة في اسمه فقلبوه إلى "هارون بن يزيد"، وفي النفس غصة من هذا الترجيح، ورسمه رسم المجهول. والله أعلم.
(٩) في (ز) و(ن): "زيد" وهو خطأ.
(١٠) [أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن المبارك به وهو تفسير حسن].
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٤) قال: ذكر عن الحسن بن علي الحلواني، عن سعيد بن أبي مريم، أخبرني ابن لهيعة حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير. وسنده ضعيف، فقد علقه ابن أبي حاتم كما ترى، وحال ابن لهيعة معروفة، وعطاء بن دينار قال أبو حاتم: "صالح الحديث، إلا أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا =
[ ١ / ٣٦٧ ]
بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إن آياته كتابه الذي (أنزل) (^١) إليهم، وإن الثمن القليل الدنيا وشهواتها.
وقال السدي (^٢): ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تأخذوا (طمعًا) (^٣) قليلًا، ولا تكتموا اسم الله؛ فذلك الطمع: (وهو) (^٤) الثمن.
وقال أبو جعفر (^٥)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تأخذوا عليه أجرًا؛ قال: وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يا ابن آدم، علم مجانًا كما علمت مجانًا.
[وقيل: معناه لا تعتاضوا عن البيان والإيضاح، ونشر العلم النافع في الناس بالكتمان واللبس، لتستمروا على رياستكم في الدنيا القليلة الحقيرة الزائلة عن قريب.
وفي "سنن أبي داود" (^٦)، عن أبي هريرة ﵁؛ قال:] (^٧) [قال رسول الله ﷺ: "من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة يوم القيامة".
فأما تعليم العلم بأُجرة فإن كان قد تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرةً، ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم (بحاله) (^٨) وعياله. فإن لم يحصل له منه شيء وقطعه التعليم عن التكسب فهو كما لم يتعين عليه. (وإذا لم يتعين عليه) (^٩) فإنه يجوز أن يأخذ عليه أجرةً عند مالك، والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء، كما في "صحيح (^١٠) البخاري":] (^١١)
_________________
(١) = التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في الديوان، فأخذه فأرسله عن سعيد بن جبير". اهـ.
(٢) كذا في (ج) و(ع) و(ل) و(هـ) و(ى)؛ ووقع في (ز) و(ض) (ن): "أنزله".
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٥)؛ وابن جرير (٨٢١) وعنده: "وذلك الثمن هو الطمع". [وسنده حسن].
(٤) ساقط من (ض)، ووضع محققو "تفسير ابن كثير، طبعة دار الشعب" والمرموز لها بالرمز (ز) أقول: وضعوا هذه اللفظة بين معكوفين، وهذا يدل على أنها ساقطة من الأصل، وقد علمت طريقتهم من متابعتي لعملهم، ثم النسخة المرموز لها بـ (ض) كأنها منقولة من (ز) فلا يكون سقط في (ز) إلا وهو في (ض). فالله أعلم.
(٥) في (ك): "هو".
(٦) يعني: الرازي، وليس أبا جعفر بن جرير، وقد أخرجه في "تفسيره" (٨٢٠)، وكذلك ابن أبي حاتم (٤٥٣). [وسنده جيد].
(٧) رقم (٣٦٦٤) من طريق فليح بن سليمان، عن أبي طوالة عبد الله بن عبد الرحمن، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة به. ولكن عنده: "لم يجد عرف الجنة …، يعني: ريحها"؛ وأخرجه ابن ماجه (٢٥٢)؛ وأبو الحسن بن سلمة في "زوائده عليه" (١/ ٩٣)؛ وأحمد (٢/ ٣٣٨)؛ وابن أبي شيبة (٨/ ٥٤٣)؛ وابن حبان (٨٩)؛ والحاكم (١/ ٨٥)؛ والعقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٤٦٧)؛ وابن المقرئ في "معجمه" (ج ١/ ق ٩/ ١، ٢) وآخرون من هذا الوجه. قال العقيلي: "الرواية في هذا الباب لينة". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح سنده، ثقات رواته على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد أسنده ووصله عن فليح جماعة غير ابن وهب" ووافقه الذهبي. [وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٠٤)].
(٨) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).
(٩) في (ن): "به حاله".
(١٠) ساقط من (ج).
(١١) في "كتاب فضائل القرآن" (٩/ ٥٤) وقدم تخريجه في "تفسير الفاتحة" (١/ ٣٨٤، ٣٨٥).
(١٢) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).
[ ١ / ٣٦٨ ]
[عن أبي سعيد في قصة (اللديغ) (^١) (و) (^٢): "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" (^٣). وقوله في قصة المخطوبة (^٤): "زوجتكها بما معك من القرآن".
فأما حديث عبادة بن الصامت أنه علَّم رجلًا من أهل الصفة شيئًا من القرآن، فأهدى له قوسًا، [فسأل (عنه) (^٥) رسول الله ﷺ] (^٦)، فقال: (إن) (^٧) أحببت أن (تطوق) (^٨) بقوس من نار فاقبله"؛ فتركه. رواه أبو (^٩) داود. وروي مثله عن أُبي بن كعب (^١٠) مرفوعًا (^٩)؛ فإن صح إسناده فهو محمول عند كثير من العلماء؛ منهم أبو عمر (^١١) ابن عبد البر - على أنه (لما) (^١٢) علَّمه الله لم يجز بعد هذا أن يعتاض عن ثواب الله بذلك القوس.
فأما إذا كان من أول الأمر على التعليم بالأجرة فإنه يصح كما في حديث (اللديغ؛ وحديث) (^١٣) سهل في المخطوبة. والله أعلم] (^١٤).
(وقوله) (^١٥): (﴿وَإِيَّايَ (^١٦» فَاتَّقُونِ﴾ قال ابن (^١٧) أبي حاتم: حدثنا أبو عمر الدوري، حدثنا أبو
_________________
(١) في (ك): "الملدوغ".
(٢) من (ل) وهي زيادة ضرورية، إذ بدونها يكون حديث أبي سعيد هو: "إن أحق ما أخذتم … إلخ" وإنما هو حديث ابن عباس كما يأتي، وهذا المتن لم يقع في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ على اختلاف ألفاظه. والله أعلم.
(٣) أخرجه البخاري (١٠/ ١٩٨، ١٩٩).
(٤) مرّ تخريج القصة في "فضائل القرآن" (١/ ٢٨١).
(٥) ساقط من (ج) و(ل) و(ى).
(٦) في (ك): "فقال رسول الله ﷺ عن ذلك".
(٧) في (ك): "إني"!
(٨) في (ك): "تطوف".
(٩) في "سننه" (٣٤١٦) [وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٢٩١٠)].
(١٠) أخرجه ابن ماجه (٢١٥٨) قال: حدثنا سهل بن أبي سهل، ثنا يحيى بن سعيد، عن ثور بن يزيد، ثنا خالد بن معدان، حدثني عبد الرحمن بن سلم، عن عطية الكلاعي، عن أُبي بن كعب قال: علمت رجلًا القرآن فأهدى إليَّ قوسًا، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "إن أخذتها أخذت قوسًا من نار" فرددتها. [وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٨٥١)].
(١١) في "كتاب التمهيد" (٢١/ ١١٤) وعبارته: "وحديث عبادة أُبي يحتمل التأويل أيضًا، لأنه جائز أن يكون علمه لله، ثم أخذ عليه أجرًا؛ ونحو هذا". اهـ. وقول ابن عبد البر هنا يخالف ما نقله عنه ابن كثير، فلعل ابن عبد البر قال ما نقله ابن كثير في موضع آخر، أو في كتاب آخر. والله أعلم.
(١٢) في (ك) و(ى): "كان".
(١٣) ساقط من (ج) و(ل).
(١٤) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).
(١٥) من (ك) و(ن).
(١٦) في (ل): "فإياي"!!
(١٧) في "تفسيره" (٤٥٧) وسنده جيد، وأبو عمر الدوري اسمه حفص بن عمر قال أبو حاتم: "صدوق" وضعفه الدارقطني، وسمع منه ابن أبي حاتم وهو صغير، فقد ولد ابن أبي حاتم سنة (٢٤٠) وتوفي أبو عمر الدوري سنة (٢٤٦) وقيل: سنة (٢٤٨) ولكن له طريق آخر فأخرجه ابن المبارك في "الزهد" (١٣٤٣) قال: أخبرنا سفيان، عن عاصم، عن بكر بن عبد الله قال: لما كانت فتنة ابن الأشعث، قال طلق: اتقوها بالتقوى. قال بكر له: أجمل لنا التقوى. قال: التقوى عمل بطاعة الله. وساق نحوه. وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٦٤) من طرق قبيصة بن عقبة، عن سفيان الثوري بسنده سواء وسنده صحيح. والله أعلم.
[ ١ / ٣٦٩ ]
إسماعيل المؤدب، عن عاصم الأحول، عن أبي العالية، عن (طلق) (^١) بن حبيب؛ قال: التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله (والتقوى) (^٢) أن تترك معصية الله [مخافة عذاب الله، على نور من الله] (^٣).
ومعنى قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ أنه تعالى يتوعدهم فيما (يعتمدونه) (^٤) من كتمان الحق وإظهار خلافه، ومخالفتهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾.
يقول تعالى ناهيًا لليهود عما كانوا يعتمدونه من تلبيس الحق بالباطل، وتمويهه به، وكتمانهم الحق، وإظهارهم الباطل: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ فنهاهم عن الشيئين معًا، وأمرهم بإظهار الحق، والتصريح به؛ ولهذا قال الضحاك (^٥)، عن ابن عباس: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [إلا تخلطوا الحق بالباطل، والصدق بالكذب] (^٦).
وقال أبو العالية (^٧): ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ يقول: ولا تخلطوا الحق بالباطل، وأدوا النصيحة لعباد الله (في) (^٨) (أمر) (^٩) محمد ﷺ.
(وروي) (^١٠) عن سعيد بن جبير، والربيع بن أنس، نحوه.
وقال قتادة (^١١): ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية (^١٢) [بالإسلام ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أن دين الله الإسلام، (وأن) (^١٣) اليهودية والنصرانية] (١٢) بدعة ليست من الله.
وروي عن الحسن البصري نحو ذلك (^١٤).
وقال محمد (^١٥) بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن
_________________
(١) ساقط من (ج).
(٢) ساقط من (ن).
(٣) كذا في سائر "الأصول"، وهو الموافق لما في "تفسير ابن أبي حاتم"، ووقع في (ن): "على نور من الله، تخاف عقاب الله".
(٤) في (ن): "يتعمدونه".
(٥) أخرجه ابن جرير (٨٢٣) وسنده واه.
(٦) كذا في (ز) و(ن) وسقطت هذه الجملة من (ك) ووقع في سائر "الأصول": "تخلطوا" والذي في "تفسير الطبري": "لا تخلطوا الصدق بالكذب".
(٧) أخرجه ابن جرير (٨٢٤)؛ وابن أبي حاتم (٤٥٨) [وسنده جيد].
(٨) كذا في (ن) وهو الموافق لما في "الطبري" و"ابن أبي حاتم" وفي سائر "الأصول": "من".
(٩) كتب ناسخ (ن) فوقها "أمة".
(١٠) في (ز) و(ن): "ويروى" وأشار إلى هذين الأثرين ابن أبي حاتم في "تفسيره" [بحذف السند] (ص ١٤٧ - البقرة).
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٩) [وسنده حسن]. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٦٤) إلى عبد بن حميد.
(١٢) ساقط من (ك) والعبارة عنده: "ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية ببدعة ليست من الله"!!
(١٣) من (ع) و(ن) و(هـ).
(١٤) [ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند].
(١٥) أخرجه ابن جرير (٨٣٢)؛ وابن أبي حاتم (٤٦١) [وسنده حسن].
[ ١ / ٣٧٠ ]
ابن عباس: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: (لا تكتموا) (^١) ما عندكم من المعرفة برسولي، وبما جاء به، وأنتم تجدونه مكتوبًا عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم.
وروي عن أبي (^٢) العالية نحو ذلك.
وقال مجاهد (^٣)، والسدي (^٤)، وقتادة، والربيع بن أنس: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ يعني: محمدًا ﷺ.
[قلت: ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ (^٥) يحتمل أن يكون مجزومًا، (ويجوز) (^٦) أن يكون منصوبًا؛ أي: لا تجمعوا بين هذا وهذا؛ كما يقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن.
قال الزمخشري (^٧): وفي مصحف ابن مسعود: وتكتمون الحق (^٨)؛ أي: في حال كتمانكم الحق، "وأنتم تعلمون" حال أيضًا، ومعناه: وأنتم تعلمون الحق. ويجوز أن يكون المعنى: وأنتم تعلمون ما في ذلك من] (^٩) [الضرر العظيم على الناس من إضلالهم عن الهدى المفضي بهم إلى النار إن سلكوا ما تبدونه لهم من الباطل المشوب بنوع من الحق، لتروجوه عليهم.
والبيان: الإيضاح، (وعكسه) (^١٠) الكتمان، وخلط الحق بالباطل] (^١١).
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ قال مقاتل (^١٢): قوله: (تعالى) (^١٣) لأهل الكتاب: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أمرهم أن يصلُّوا مع النبي ﷺ، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أمرهم أن يؤتوا الزكاة؛ أي: يدفعونها إلى النبي ﷺ؛ ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أمرهم أن يركعوا مع الراكعين من أمة محمد ﷺ. يقول: كونوا (منهم، ومعهم) (^١٤).
وقال علي (^١٥) بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (^١٦) يعني: بالزكاة طاعة الله والإخلاص.
وقال وكيع (^١٧)، عن (أبي جناب) (^١٨)، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: ما يوجب الزكاة؟ قال: مائتان فصاعدًا.
_________________
(١) في (ج): "لا تكتموا الحق"!
(٢) أخرجه ابن جرير (٨٢٩)؛ وابن أبي حاتم (٤٦٠). [وسنده جيد].
(٣) أخرجه ابن جرير (٨٣٠، ٨٣١) من طريقين عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. [وسنده صحيح].
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٢). [وسنده حسن].
(٥) في (ج) و(ل): "وتكتموا الحق" ووقع في (ك): "وتكونوا"!!
(٦) في (ن): "ويحتمل".
(٧) في "الكشاف" (١/ ٥٣).
(٨) [وهي قراءة شاذة].
(٩) ساقط من (ز) و(ض).
(١٠) في (ل): "والعكس".
(١١) ساقط من (ز) و(ض).
(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٧) من طريق محمد بن علي، أنبأ أبو وهب ثنا بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان به وهذا سند لا بأس به، وأبو وهب هو محمد بن مزاحم صدوق، وبكير بن معروف فيه ضعف يسير مع الصدق والأمانة.
(١٣) من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ى).
(١٤) في (ع) و(ن) و(هـ) و(ى): "معهم ومنهم".
(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٨) [وسنده ثابت].
(١٦) ساقط من (ز) و(ن).
(١٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٦٩) قال: حدثنا علي بن الحسين ثنا أبو بكر وعثمان أبناء أبي شيبة قالا: ثنا وكيع بسنده سواء. وأبو جناب الكلبي اسمه يحيى بن أبي حية ضعفوه لكثرة تدليسه، ولم يصرح بتحديث هنا؛ ورواية وكيع هذه مقدمة في (ك) على رواية مبارك بن فضالة.
(١٨) في (ض) و(ك) و(ل) و(هـ): "أبي خباب" بالخاء المعجمة والباء وهو تصحيف.
[ ١ / ٣٧١ ]
وقال مبارك (^١) بن فضالة، عن الحسن - في قوله (تعالى) (^٢): ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: فريضة واجبة لا تنفع الأعمال إلا (بها) (^٣) وبالصلاة.
وقال ابن أبي حاتم (^٤): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن أبي حيان التيمي، عن الحارث العكلي - في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: صدقة الفطر.
[وقوله (تعالى) (^٥): ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: وكونوا مع المؤمنين في أحسن أعمالهم، ومن أخص ذلك (وأكمله) (^٦) الصلاة] (^٧).
[وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية على وجوب الجماعة. (ولبسط) (^٨) ذلك "كتاب الأحكام الكبير" إن شاء الله تعالى، وقد تكلم القرطبي (^٩) على (مسائل) (^١٠) الجماعة والإمامة، (فأجاد) (^١١)] (^١٢).
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾.
يقول تعالى: كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر، وهو جماع الخير - أن تنسوا أنفسكم، فلا (تأتمروا) (^١٣) بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب، وتعلمون ما فيه على من قصر في أوامر الله؟ أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم! فتنتبهوا من رقدتكم، (وتتبصروا) (^١٤) من عمايتكم.
وهذا كما قال عبد الرزاق (^١٥)، عن معمر، عن قتادة - في قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر؛ ويخالفون؛ فعيرهم الله ﷿. وكذلك قال السدي (^١٦).
وقال ابن جريج (^١٧): ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ أهل الكتاب والمنافقون كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة، ويدعون العمل بما يأمرون به الناس؛ فعيرهم الله بذلك؛ فمن أمر بخير فليكن أشد الناس فيه مسارعةً.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٧١). [وسنده حسن].
(٢) من (ج) و(ز) و(ض) و(ك) و(ل) و(ن).
(٣) كذا في (ز) و(ن) وهو الموافق لما في "تفسير ابن أبي حاتم"، وفي سائر "الأصول": "به".
(٤) في "تفسيره" (٤٧٢)، وأخاف أن يكون أبو حيان التيمي واسمه يحيى بن سعيد بن حيان لم يدرك الحارث بن أقيش العكلى، والناظر في ترجمة أبي حيان يميل إلى هذا. والله أعلم.
(٥) من (ز) و(ن).
(٦) في (ك): "وأجمله"!
(٧) ساقط من (ض).
(٨) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى)؛ وفي (ل): "وبسط ذلك"؛ وفي (ن): "وأبسط ذلك في".
(٩) في "تفسيره" (١/ ٣٥٢).
(١٠) في (ل): "مسألة".
(١١) في (ل): "وأجاد".
(١٢) ساقط من (ز) و(ض).
(١٣) في (ن) و(هـ): (تأتمرون).
(١٤) في (ض) و(ن) و(هـ): "تبصروا".
(١٥) في "تفسيره" (١٠/ ٤٤) ومن طريقه ابن جرير (٨٤٣)؛ وابن أبي حاتم (٤٧٨) وسنده صحيح.
(١٦) أخرجه ابن جرير (٨٤٢)؛ وابن أبي حاتم (٤٧٩) وسنده جيد.
(١٧) أخرجه ابن جرير (٨٤٤) وسنده صحيح.
[ ١ / ٣٧٢ ]
وقال محمد بن (^١) إسحاق، عن محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: تتركون أنفسكم.
﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة، وتتركون أنفسكم؛ أي: وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي، (وتجحدون) (^٢) ما تعلمون من كتابي.
وقال الضحاك (^٣)، عن ابن عباس في هذه الآية: يقول: أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد ﷺ؛ وغير ذلك مما أمرتم به، من إقام الصلاة؛ وتنسون أنفسكم.
وقال أبو جعفر (^٤) بن جرير (﵀) (^٥): حدثني علي بن الحسن، حدثنا (مسلم) (^٦) الجرمي، حدثنا مخلد بن الحسين، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة - في قول الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ قال (أبو الدرداء) (^٧) (﵁) (^٨): لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتًا.
وقال عبد الرحمن (^٩) بن زيد بن أسلم في هذه الآية: هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل يسألهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة (ولا شيء) (^١٠) أمروه بالحق، (فقال الله تعالى) (^١١): ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾.
والغرض أن الله تعالى ذمهم على هذا الصنيع، ونبههم على خطئهم في حق أنفسهم حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه. وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له؛ (بل على تركهم (^١٢) له)؛ فإن الأمر بالمعروف (معروف) (^١٣)؛ وهو واجب على العالم، ولكن (الواجب (^١٤) و) الأولى بالعالم أن يفعله مع من أمرهم به، ولا يتخلف عنهم؛ كما قال شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٨٤٠) بطوله؛ وابن أبي حاتم (٤٧٧) حتى قوله: "العهد من التوراة". [وسنده حسن].
(٢) في (ض): "وتحجون"!
(٣) أخرجه ابن جرير (٨٤١) وسنده ضعيف.
(٤) في "تفسيره" (٨٤٦) ورجاله ثقات لكن رجح الشيخ أبو الأشبال ﵀ في تعليقه على "تفسير الطبري" (٢/ ٩) أن أبا قلابة لم يسمع من أبي الدرداء قال: "فإن أبا الدرداء مات سنة (٣٢) وأبو قلابة متأخر الوفاة مات سنة (١٠٤) وقيل: (١٠٧) ". اهـ. وأخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص ٢١٠)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٦٤) لعبد الرزاق وابن أبي شيبة. وروى ابن المبارك في "الزهد" (٢٩٥) ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٢١٢) قال: أخبرنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان قال: "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى الناس في جنب الله أمثال الأباعر ثم يعود إلى نفسه فتكون هي أحقر حاقر". وسنده صحيح.
(٥) من (ل).
(٦) في (ن): "سالم"! وهو خطأ.
(٧) في (ك): "أبو الخالد رداء"!!
(٨) من (ن).
(٩) أخرجه ابن جرير (٨٤٥) قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فذكره. وسنده صحيح.
(١٠) ساقط من (ن).
(١١) في (ك): "فقال تعالى".
(١٢) ساقط من (ج).
(١٣) ساقط من (ز).
(١٤) من (ج) و(ك) و(ل) و(ن).
[ ١ / ٣٧٣ ]
أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] فكل من الأمر بالمعروف وفعله واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح قولي العلماء من السلف والخلف.
وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف. وأضعف منه تمسكهم بهذه الآية؛ فإنه لا حجة لهم فيها.
والصحيح أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه؛ [قال مالك، عن ربيعة: سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر] (^١).
[قال مالك: وصدق؛ من ذا الذي ليس فيه شيء؟
(قلت) (^٢)] (^٣): لكنه والحالة هذه مذموم على ترك الطاعة، وفعله المعصية، لعلمه بها ومخالفته على بصيرة؛ فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم؛ ولهذا جاءت الأحاديث في الوعيد على ذلك؛ كما قال الإمام أبو القاسم الطبراني في "معجمه (^٤) الكبير": حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي، والحسن بن علي (المعمري) (^٥)؛ قالا: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا علي بن سليمان الكلبي، حدثنا الأعمش، عن أبي تميمة الهُجيمي، عن جُندب (بن) (^٦) عبد الله (﵁) (^٧)، قال: قال رسول الله ﷺ: "مثل العالم الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه".
هذا حديث غريب من هذا الوجه.
حديث آخر: قال الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" (^٨): حدثنا وكيع، حدثنا حماد بن سلمة،
_________________
(١) ساقط من (ز) و(ض).
(٢) ساقط من (ك).
(٣) ساقط من (ز) و(ض).
(٤) (ج ٢/ رقم ١٦٨١) ومن طريقه الشجري في "الأمالي" (١/ ٦٧) مطولًا وفيه قصة. وأخرج الخطيب في "الاقتضاء" (٧٠)؛ والأصبهاني في "الترغيب" (٢١٤٤) منه محل الشاهد. وقال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٢٣٢): "فيه علي بن سليمان، ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات"! كذا قال! وعلي بن سليمان ترجمه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٣/ ٨٨/ ١١، ١٨٩) ونقل عن أبيه أنه قال: "ما أرى بحديثه بأسًا، صالح الحديث ليس بالمشهور". ونقل الأصبهاني في "الترغيب" (٢١٤٤)، عن هشام بن عمار قال: "ثنا علي بن سليمان وهو من أهل دمشق ثقة" ونقله ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (ج ١٢/ ق ١٠٩). ثم رأيت الهيثمي ذكر الحديث في موضع آخر من "المجمع" (١/ ١٨٤، ١٨٥) وقال: "رجاله موثقون"، وحسنه شيخنا الألباني في تعليقه على "الاقتضاء"، وجود إسناده السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٦٥).
(٥) في (ك): "العمرى"!
(٦) في (ل): "عن"! وهو خطأ ظاهر.
(٧) ساقط من (ل).
(٨) (١/ ١٢٠، ١٨٠) قال: حدثنا وكيع بسنده سواء. وأخرجه وكيع في "الزهد" (٢٩٧) ومن طريقه أحمد في "الزهد" (ص ٤٥)؛ وابن أبي شيبة (١٤/ ٣٠٨) وتابعه عبد الله بن المبارك في "مسنده" (٢٧، ١٣٢)؛ وفي "الزهد" (٨١٩) ومن طريقه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (٥٠٩) قال: أخبرنا حماد بن سلمة بسنده سواء. وتابعهما عفان بن مسلم وشيبان بن عبد الرحمن كلاهما عن حماد بن سلمة به. أخرجه الخطيب في "تاريخه" (٦/ ١٩٩)؛ وفي "الموضح" (٢/ ١٧٠). =
[ ١ / ٣٧٤ ]
عن علي بن زيد - هو ابن جدعان - عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "مررت ليلة أسري بي على قوم (تقرض شفاههم) (^١) بمقاريض من نار".
قال: "قلت: من هؤلاء؟ " قالوا: "خطباء: (أمتك) (^٢) من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون".
ورواه عبد (^٣) بن حميد في "مسنده" و"تفسيره"، عن الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، به.
ورواه ابن مردويه في "تفسيره" من حديث يونس بن محمد (^٤) المؤدب، والحجاج بن منهال؛ كلاهما عن حماد بن سلمة به.
وكذا رواه يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، (به) (^٥)؛ ثم قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا إسحاق بن إبراهيم التستري ببلخ، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا عمر بن قيس، عن علي بن زيد، عن ثمامة؛ عن أنس؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مررت ليلة أسري بي على أناس تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار. قلت: من هؤلاء يا جبريل؛ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم".
وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (^٦)، وابن أبي حاتم، وابن مردويه أيضًا، من حديث هشام الدستوائي، عن المغيرة - يعني: ابن حبيب ختن مالك بن دينار - عن مالك بن دينار، عن ثمامة، عن أنس بن مالك؛ قال: لما عرج برسول الله ﷺ مر بقوم تقرض شفاههم؛ فقال: "يا جبريل؛
_________________
(١) = وهذا سند فيه ضعف، وحماد بن سلمة كان من أثبت الناس في علي بن زيد، وقد اختلف في إسناده كما يأتي. والحديث صحيح على كل حال فله طرق. وقد ذكرتها في "التسلية".
(٢) كذا في (ع) و(ل) و(ن) و(هـ) وهو الموافق لما في "المسند" و(زهد وكيع)، ووقع في (ج) و(ز) و(ض) و(ك) و(ى): "شفاههم تقرض"، وأشار ناسخ (ع) إلى ذلك.
(٣) من (ن) وهو الموافق للرواية الثانية في "المسند" (٣/ ١٨٠) عن وكيع. وخلت منها الرواية الأولى في "المسند" (٣/ ١٢٠) عن وكيع، وهي كذلك في "زهد وكيع".
(٤) في "المنتخب من المسند" (١٢٢٢)؛ وأخرجه أحمد (٣/ ٢٣٩، ٢٤٠) قال: حدثنا حسن بن موسى بسنده سواء.
(٥) وحديث يونس: أخرجه أحمد (٣/ ٢٣١) قال: حدثنا يونس بن محمد، ثنا حماد بن سلمة به وقد توبع حماد بن سلمة، تابعه المبارك بن فضالة، عن علي بن زيد به مختصرًا؛ أخرجه الطيالسي في "مسنده" (٢٠٦٠). والمبارك فيه لين، ثم هو يدلس.
(٦) من (ز) و(ن).
(٧) رقم (٥٣) من طريق يزيد بن زريع، حدثنا هشام الدستوائي، حدثنا المغيرة ختن مالك بن دينار عن مالك بن دينار، عن أنس فذكره مرفوعًا ثم قال: "روى هذا الخبر أبو عتاب الدلال، عن هشام، عن المغيرة، عن مالك بن دينار، عن ثمامة، عن أنس، ووهم فيه، لأن يزيد بن زريع أتقن من مائتين من مثل أبي عتاب وذويه". ونقل كلام ابن حبان هذا الضياء في "المختارة" (٧/ ٢٠٨) وبهذا يظهر وهم المصنِّف ﵀ لأنه عزا رواية "ثمامة عن أنس" إلى "صحيح ابن حبان"؛ وأخرجه أبو يعلى (ج ٧/ رقم ٤١٦٠)؛ والطبراني في "الأوسط" (ج ١/ ق ١٦٠/ ٢)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٣٨٦ و٦/ ٢٤٨، ٢٤٩)؛ والضياء في "المختارة" (٢٦٤٦، ٢٦٤٧) من طريق يزيد بن زريع عن هشام الدستوائي بسنده سواء. قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن المغيرة، عن مالك، إلا هشام" وقال أبو نعيم: "تفرد به يزيد بن زريع، عن هشام".
[ ١ / ٣٧٥ ]
من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الخطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم أفلا يعقلون".
حديث آخر: قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن أبي وائل؛ قال: قيل لأسامة وأنا رديفه: ألا تكلم عثمان؟ فقال: إنكم ترون أني لا أكلمه إلا أُسمعكم. إني لأكلمه فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمرًا لا أحب أن أكون أول من افتتحه، والله لا أقول لرجل: إنك خير الناس، وإن كان عليَّ أميرًا، بعد أن سمعت رسول الله ﷺ يقول: قالوا: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: "يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق به أقتابه، فيدور بها في النار، كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار؛ فيقولون: يا فلان؛ ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ (فقال) (^٢): كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه". ورواه البخاري ومسلم من حديث سليمان بن مهران الأعمش، به، نحوه.
[(وقال (^٣) أحمد): حدثنا (سيار) (^٤) بن حاتم، حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس (^٥)؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله يعافي الأميين يوم القيامة ما لا يعافي العلماء"] (^٦).
[وقد ورد في بعض الآثار (^٧) أنه "يغفر للجاهل سبعين مرةً] (^٨) [حتى يغفر للعالم مرةً واحدةً، ليس من يعلم كمن لا يعلم"] (^٩).
_________________
(١) في "مسنده" (٥/ ٢٠٥)؛ وأخرجه البيهقي في "الكبرى" (١٠/ ٩٤، ٩٥) من طريق محمد بن عبد الوهاب، وفي "الشعب" (ج ١٣/ رقم ٧١٦١) من طريق محمد بن يحيى قالا: حدثنا يعلى بن عبيد به؛ وأخرجه أحمد (٥/ ٢٠٧، ٢٠٩)؛ والبخاري (٦/ ٣٣١ و١٣/ ٤٨)؛ ومسلم (٨٩٨٩/ ٥١).
(٢) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ن) وهو الموافق لما في "المسند"؛ وفي (هـ) و(ى): "قال"؛ وفي (ز) و(ض): "فيقول".
(٣) ساقط من (ع) و(هـ) و(ى).
(٤) في (ل): "يسار"؛ وفي (ى): "بشار" وكلاهما خطأ.
(٥) لم يروه أحمد في "المسند"؛ وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٣٣١ و٩/ ٢٢٢)؛ والخطيب في "الاقتضاء" (٨٠)؛ والضياء في "المختارة" (١٦٠٩)؛ وابن الجوزي في "الواهيات" (١/ ١٣٣)؛ وابن عساكر في "ذم من لا يعمل بعلمه" (١١) كلهم من طريق الإمام أحمد قال: حدثني سيار بن حاتم بسنده سواء؛ وأخرجه الرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (ص ٤٩٢) من طريق أحمد بن محمد بن الحجاج المروزي بحلب قال: قلت لأحمد بن حنبل: أكتبت عن سيار، عن جعفر، عن ثابت، عن أنس عن النبي ﷺ قال: "يعفى عن الأميين قبل أن يعفى عن العلماء"؟ قال: "نعم" وقال أبو نعيم في الموضع الأول: "هذا حديث غريب تفرد به سيار، عن جعفر، ولم نكتبه إلا من حديث أحمد بن حنبل" وقال في الموضع الثاني: "غريب من حديث ثابت، تفرد به سيار، عن جعفر. قال عبد الله؛ يعني: ابن الإمام أحمد: قال أبي: هذا حديث منكر، وما حدثني به إلا مرةً". اهـ. وقال ابن عساكر: "غريب، تفرد ابن سيار العنزي". وذكره الذهبي في "الميزان" (١/ ٤١١) في ترجمة "جعفر بن سليمان" وقال: "قيل: أخطأ من حدث به عن جعفر"، ونقل ابن الجوزي عن أحمد أنه قال: "الخطأ من جعفر".
(٦) ساقط من (ز) و(ض).
(٧) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٢٨٦، ٨/ ١٠٠) من طريقين عن ابن عيينة، قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: "يغفر للجاهل سبعون ذنبًا قبل أن يغفر للعالم ذنب واحد" وقد ورد بنحوه مرفوعًا عن أبي هريرة وهو منكر لا يصح.
(٨) ساقط من (ز) و(ض).
(٩) ساقط من (ز) و(ض).
[ ١ / ٣٧٦ ]
[(وقد) (^١) قال (الله) (^٢) تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]].
[وروى ابن (^٣) عساكر في "ترجمة الوليد بن عقبة"، عن] (^٤) النبي ﷺ؛ قال: "إن أناسًا من أهل الجنة يطَّلعون (إلى) (^٥) أناس من أهل النار، فيقولون: بم دخلتم النار؟ فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم؟ فيقولون: إنا كنا نقول ولا نفعل".
ورواه (من حديث (^٦): الطبراني)، عن أحمد بن يحيى (بن حيان (^٧) الرقي)، عن زهير بن عباد الرواسي، عن أبي بكر (الداهري) (^٨) عبد الله بن حكيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن الوليد بن عقبة؛ فذكره] (^٩).
وقال الضحاك (^١٠)، عن ابن عباس - أنه جاءه رجل، فقال: يا ابن عباس؛ إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، قال: (أوبلغت) (^١١) ذلك؟ قال: أرجو؟ قال: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل. قال: وما هن؟ قال: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أحكمت هذه؟ قال: لا. قال: فالحرف الثاني؟ قال: قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف] أحكمت هذه؟ قال: لا. قال: فالحرف الثالث؟ قال: قول العبد الصالح شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾ [هود: ٨٨] أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فابدأ بنفسك. رواه ابن مردويه في "تفسيره".
_________________
(١) من (هـ).
(٢) من (ج) و(ع) و(ك) و(ى).
(٣) ساقط من (ك). في "تاريخ دمشق" (ج ١٧/ ق ٨٦٧).
(٤) وأخرجه الطبراني في "الكبير" (ج ٢٢/ رقم ٤٠٥)؛ وفي "الأوسط" (٩٩)، ومن طريقه الخطيب في "الاقتضاء" (٧٣) قال: حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حبان، قال: نا زهير بن عباد، قال: نا أبو بكر الداهري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعب، عن الوليد بن عقبة مرفوعًا. قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل بن أبي خالد، إلا أبو بكر الداهري، تفرد به: زهير". (*) قلت: زهير ثقة، ولكن أبا بكر الداهري متروك ساقط، كذبه الجوزجاني، وقال ابن معين والنسائي. "ليس بثقة"، وبه أعله الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٢٧٦) وقال: "ضعيف جدًّا"؛ أما السيوطي فإنه اقتصر في "الدر المنثور" (١/ ٥٦) على تضعيفه حسب.
(٥) في (ن) و(هـ): "على".
(٦) وقع في "ن": "ابن جرير الطبري"!!
(٧) في (ن): "الخباز الرملى"!! وهو أحمد بن يحيى بن خالد بن حبان أبو العباس الرقى، توفي في ربيع الأول سنة أربع وتسعين ومائتين، ترجمه الذهبي في "تاريخ الإسلام" حوادث سنة (٢٩١ - ٣٠٠).
(٨) في (ن) و(ى): "الزاهري"!!
(٩) ساقط من (ز) و(ض).
(١٠) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (ج ١٣/ رقم ٧١٦٢) من طريق بشر بن الحسين، حدثنا الزبير بن عدي، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس. وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٦٥)؛ لابن مردويه وابن عساكر. وسنده ساقط، وبشر بن الحسين تالف، قال الدارقطني: "بشر بن الحسين أصبهاني متروك، عن الزبير بن عدي بواطيل، وله عنه نسخة موضوعة، قال: والزبير ثقة". والضحاك لم يسمع من ابن عباس.
(١١) في (ن): "أبلغت".
[ ١ / ٣٧٧ ]
وقال الطبراني (^١): حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا زيد بن (الحريش) (^٢)، حدثنا عبد الله بن خراش، عن العوام بن حوشب، عن (المسيب) (^٣) بن رافع، عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "من دعا الناس إلى قول أو عمل ولم يعمل هو به لم يزل في ظل سخط الله حتى يكف، أو يعمل ما قال أو دعا إليه".
[إسناده فيه ضعف.
وقال إبراهيم النخعي: إني لأكره القصص لثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف] وقوله - إخبارًا عن شعيب -: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود]] (^٤).
[وما أحسن ما قال مسلم بن عمرو:
ما أقبح التزهيد من واعظ … يزهد الناس ولا يزهد
لو كان في تزهيده صادقًا … أضحى وأمسى بيته المسجد
إن رفض الناس فما باله … يستمنح الناس ويسترفد
الرزق مقسوم على من ترى … يسعى له الأبيض والأسود
وقال بعضهم: جلس أبو عثمان الحيرى الزاهد يومًا على مجلس للتذكير فأطال السكوت، ثم أنشا يقول] (^٥):
[وغير تقيٍّ يأمر الناس بالتقى … طبيب يداوي الناس وهو مريض
قال: فضج الناس بالبكاء.
وقال أبو العتاهية الشاعر:
وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى … وريح الخطايا من ثيابك يسطع
وقال أبو الأسود الدؤلي:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم
وابدأ بنفسك فانهها عن غيها … فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى … بالقول منك وينفع التعليم] (^٦)
_________________
(١) كما في "المجمع" (٧/ ٢٧٦)؛ ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٧). قال الهيثمي: "فيه عبد الله بن خراش، وثقه ابن حبان وقال: "يخطئ" وضعفه الجمهور وبقية رجاله ثقات". وضعف إسناده السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٦٥). والصواب أن إسناده ضعيف جدًّا، وعبد الله بن خراش قال فيه البخاري: "منكر الحديث" وكذلك قال أبو حاتم الرازي وزاد: "ذاهب الحديث ضعيف الحديث"، وقال أبو زرعة: "ليس بشيء ضعيف الحديث" وضعفه الساجي جدًّا وقال: "كان يضع الحديث"، وكذبه ابن عمار الموصلي. فقول المصنف: "إسناده فيه ضعف" فيه تسامح. والله أعلم.
(٢) في (ن): "الحارث" وهو تصحيف.
(٣) في (ج): "سعيد بن المسيب بن رافع" وهو خطأ واضح.
(٤) ساقط من (ز) و(ض).
(٥) من (ج) و(ك) و(ل) و(ى).
(٦) من (ج) و(ك) و(ل) و(ى).
[ ١ / ٣٧٨ ]
[وذكر الحافظ ابن عساكر (^١) في ترجمة "عبد الواحد بن زيد البصري" العابد الواعظ قال: "دعوت الله أن يريني رفيقي في الجنة؛ فقيل لي في المنام: هي امرأة بالكوفة يقال لها: "ميمونة السوداء"، فقصدت الكوفة لأراها، فقيل لي: هي ترعى غنمًا بواد هناك، فجئت إليها فإذا هي قائمة تصلي، والغنم ترعى حولها، وبينهن الذئاب لا ينفرن منهن ولا تسطو الذئاب عليهن، فلما سلمت قالت: يا ابن زيد! ليس الموعد هاهنا! إنما الموعد ثم، فسألتها عن شأن الذئاب والغنم، فقالت: إني أصلحت ما بيني وبين سيدي، فأصلح ما بين الذئاب والغنم!، فقلت لها: عظيني، فقالت: يا عجبًا من واعظ يوعظ! ثم قالت: يا ابن زيد! إنك لو وضعت موازين القسط على] (^٢) [جوارحك لخبرتك بمكتوم مكنون ما فيها، يا ابن زيد! إنه بلغني: ما من عبد أعطى من الدنيا شيئًا، فابتغى إليه ثانيًا، إلا سلبه الله حب الخلوة، وبدله بعد القرب البعد، وبعد الأنس الوحشة، ثم أنشأت تقول:
يا واعظًا قام لاحتساب … يزجر قومًا عن الذنوب
تنهى وأنت السقيم حقًّا … هذا من المنكر العجيب
تنهى عن الغي والتمادي … وأنت في النهي كالمريب
لوكنت أصلحت قبل هذا … عيبك أو تبت من قريب
كان لما قلت يا حبيبي … موضع صدق من القلوب] (^٣)
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾.
يقول تعالى آمرًا عبيده فيما يؤملون من خير الدنيا والآخرة بالاستعانة بالصبر والصلاة؛ كما قال مقاتل بن (^٤) حيان في تفسير هذه الآية: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض والصلاة؛ فأما الصبر فقيل: إنه الصيام، نص عليه مجاهد (^٥).
[قال القرطبي (^٦) وغيره: ولهذا يسمى رمضان شهر الصبر، كما نطق به الحديث (^٧)] (^٨).
_________________
(١) في "تاريخ دمشق" (ج ١٠/ ق ٥٦٠، ٥٦١) بسياق أخصر، ولوائح الكذب عليها واضحة!
(٢) من (ج) و(ل) و(ى).
(٣) من (ج) و(ل) و(ى).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤٨٧)؛ والبيهقي في "الشعب" (ج ٧/ رقم ٩٦٨٥). [وسنده جيد].
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٨٤)؛ وابن شاهين في "الترغيب" (٢٧٨) من طريق سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد فذكره وأشار إليه البيهقي في "الشعب" (٧/ ١١٣ - طبع بيروت). [وسنده صحيح].
(٦) في "تفسيره" (١/ ٣٧٣).
(٧) أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (ج ٣/ رقم ١٨٨٧)؛ وعنه البيهقي في "الشعب" (ج ٧/ رقم ٢٣٣٦)؛ وابن أبي الدنيا (٤١)؛ وابن شاهين (١٦) كلاهما في "فضائل رمضان"؛ والواحدي في "الوسيط" (ج ١/ ق ٦٤٠/ ١، ٢)؛ والأصبهاني في "الترغيب" (١٧٢٦)؛ وابن عساكر في "جزء فيه أحاديث شهر رمضان وفضل صيامه" (١٦) من طريق علي بن حجر، ثنا يوسف بن زياد، ثنا همام بن يحيى، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان الفارسي فذكر حديثًا مرفوعًا في فضل رمضان وفيه: "وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة … " قال ابن خزيمة: "إن صح الخبر". (*) قلت: وهو لم يصح، بل هو حديث منكر كما قال أبو حاتم في "العلل" (٧٣٣) ومداره على علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. والله أعلم.
(٨) ساقط من (ز) و(ض).
[ ١ / ٣٧٩ ]
وقال سفيان الثوري (^١)، عن أبي إسحاق، عن جري بن كليب، عن رجل من بني سليم، عن النبي ﷺ؛ قال: "الصوم نصف الصبر".
وقيل: المراد بالصبر الكف عن المعاصي؛ ولهذا قرنه بأداء العبادات؛ وأعلاها فعل الصلاة.
قال ابن (^٢) أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا (عبيد الله) (^٣) بن حمزة بن إسماعيل، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن عمر بن الخطاب ﵁؛ قال: الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن؛ وأحسن منه الصبر عن محارم الله.
(قال) (^٤): وروي عن الحسن (^٥) البصري نحو قول عمر.
وقال ابن المبارك (^٦)، عن ابن لهيعة، عن (عطاء) (^٧) بن دينار، عن سعيد بن جبير؛ قال: الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب (منه) (^٨)، واحتسابه عند الله، ورجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو يتجلد لا يرى منه إلا الصبر.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤٨٣) عن وكيع، والبيهقي في "شعب الإيمان" (ج ٢/ رقم ٦٢٢) عن محمد بن كثير كلاهما عن سفيان الثوري بسنده سواء. وأخرجه الترمذي (٣٥١٩)؛ والدارمي (١/ ١٣٢)؛ وأحمد (٤/ ٢٦٠ و٥/ ٣٧٠)؛ وعبد الرزاق في "المصنف" (ج ١١/ رقم ٢٠٥٨٢)؛ وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (ق ٢٩٣/ ٢)؛ وابن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (٤٣٢، ٤٣٣) من طرق عن أبي إسحاق السبيعي بسنده سواء. قال الترمذي: "هذا حديث حسن، وقد رواه شعبة وسفيان، عن أبي إسحاق". وهذا سند حسن. وجرى بن كليب وثقه ابن حبان والعجلي، وصحح له الترمذي حديثًا.
(٢) في "تفسيره" (٤٨٨) وسنده ضعيف للانقطاع بين أبي سنان واسمه سعيد بن سنان البرجمي وبين عمر بن الخطاب ﵁.
(٣) في (ن): "عبد الله"، وهو خطأ، [والصواب]: عبيد الله بن حمزة، ترجمه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ٢/ ٣١٢) وقال: "سئل أبي عنه فقال: صالح".
(٤) ساقط من (ز) و(ض) والقائل هو ابن أبي حاتم.
(٥) أخرجه البيهقي في "الشعب" (ج ٧/ رقم ٩٧٠٩) من طريق عبد الله بن الجراح، نا عمران بن خالد الخزاعي عن عمران القصير، عن الحسن قال: "الإيمان الصبر والسماحة، الصبر عن محارم الله وأداء فرائض الله". وسنده ضعيف. وعمران بن خالد ضعيف الحديث أو واه وهو يروى عن الحسن وابن سيرين كما في "الجرح والتعديل" (٣/ ٢٩٧/١) وعمران بن مسلم القصير في حفظه ضعف.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤٨٩) قال: حدثنا أبي، ثنا هشام بن عبيد الله، ثنا ابن المبارك، وهذا في "الزهد" (١١١ - زوائد نعيم) قال: أخبرني ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار أن سعيد بن جبير قال: فذكره. وعطاء بن دينار قال أبو حاتم: "صالح الحديث، إلا أن التفسير أخذه من الديوان، فإن عبد الملك بن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار، فأخذه فارسله عن سعيد بن جبير". وكذلك قال أحمد بن صالح: "تفسيره عن سعيد بن جبير صحيفة". [وسنده حسن].
(٧) وقع في سائر "الأصول": "مالك" وهو خطأ، ولعله سبق قلم من المصنف ﵀.
(٨) كذا في (ن) و(هـ) و(ى)، وووقع في (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل): "فيه".
[ ١ / ٣٨٠ ]
وقال أبو العالية (^١)، في قوله (تعالى) (^٢): ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قال: على مرضاة الله، وعلموا أنها من طاعة الله.
وأما قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ﴾ فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر؛ كما قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ الآية [العنكبوت: ٤٥].
وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله الدؤلي؛ قال: قال عبد العزيز أخو حذيفة؛ قال حذيفة - يعني: ابن اليمان (﵁) (^٤) -: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلَّى.
ورواه أبو داود، [عن محمد بن عيسى، عن يحيى بن زكريا، عن عكرمة بن عمار، كما سيأتي] (^٥).
وقد رواه ابن جرير (^٦) من حديث ابن جريج، عن عكرمة بن عمار، عن محمد (بن عبيد) (^٧) بن أبي قدامة، عن عبد العزيز بن اليمان، عن حذيفة؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.
[ورواه بعضهم عن عبد العزيز بن أخي حذيفة، ويقال: أخي حذيفة، مرسلًا، عن النبي]ﷺ.
وقال محمد بن نصر (^٨) المروزي في "كتاب الصلاة": حدثنا سهل بن عثمان (أبو مسعود) (^٩) العسكري، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة؟ قال: قال عكرمة بن عمار: قال محمد بن عبد الله الدؤلي. قال عبد العزيز: قال حذيفة: رجعت إلى النبي ﷺ ليلة الأحزاب، وهو مشتمل في شملة يصلي، وكان إذا حزبه أمر صلى.
حدثنا (^١٠)] (^١١)
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٨٥٣)؛ وابن أبي حاتم (٤٨٥). [وسنده جيد].
(٢) من (ن).
(٣) في "مسنده" (٥/ ٣٨٨). وأخرجه ابن جرير (٨٥٠) قال: حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا خلف بن الوليد بسنده سواء. ووقع في إسناد الحديث اضطراب يترشح منه ضعف الحديث. والله أعلم.
(٤) من (ن).
(٥) ساقط من (ز) و(ض).
(٦) في "تفسيره" (٨٤٩) قال: حدثني إسماعيل بن موسى الفزاري، قال: حدثنا الحسين بن رتاق الهمداني، عن ابن جريج بسنده سواء. [وصححه أحمد شاكر وحسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٤/ ٢١٥]. هكذا وقع في "مطبوعة الطبري": "الحسين بن رتاق". وهو تصحيف صوابه: "الحسن بن زياد الهمداني" كما في "ثقات ابن حبان" (٨/ ١٦٨)؛ و"تحفة الأشراف" (٣/ ٥٠) للمزي.
(٧) في (ن): "ابن أبي عبيد".
(٨) في "كتاب تعظيم قدر الصلاة" (٢١٢).
(٩) ساقط من (ن)، ووقع في (ج) و(ك) و(ل) و(ص): "ابن مسعود" وهو خطأ.
(١٠) أخرجه ابن نصر (٢١٣) أيضا. وأخرجه النسائي في "الكبرى"، كما في "أطراف المزي" (٧/ ٣٥٨)؛ وأحمد (١٠٢٣، ١١٦١)؛ والطيالسي (١١٦)؛ وأبو يعلى (٢٨٠، ٣٠٥)؛ وابن خزيمة (ج ٢/ رقم ٨٩٩) وعنه ابن حبان (٢٢٥٧)؛ والبيهقي في "الدلائل" (٣/ ٤٩) من طرق عن شعبة، عن أبي إسحاق، سمع حارثة بن مضرب، سمع عليًا فذكره. ولفظ النسائي: "لقد رأيتنا ليلة بدر، وما فينا إنسان إلا نائم إلا رسول الله ﷺ، فإنه كان يصلى إلى سحره، ويدعو حتى أصبح". وهذا سند صحيح.
(١١) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).
[ ١ / ٣٨١ ]
[(عبيد الله) (^١) بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمع حارثة بن مضرب، سمع عليًّا ﵁ يقول: لقد رأيتنا ليلة بدر، وما فينا إلا نائم، غير رسول الله ﷺ يصلي ويدعو حتى أصبح] (^٢).
قال ابن جرير (^٣): وروي عنه عليه (الصلاة و) (^٤) السلام أنه مر بأبي هريرة وهو منبطح على بطنه، فقال له: ["اشكنب (^٥) درد"]، ومعناه: أيوجعك بطنك؟ قال: نعم. قال: "قم فصل، فإن الصلاة شفاء".
_________________
(١) في (ك) و(ن): "عبد الله" وهو خطأ.
(٢) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).
(٣) في "تفسيره" (٨٥١) وتصديره الحديث بصيغة التمريض مشعر بضعفه عنده، وهو حديث منكر؛ أخرجه ابن ماجه (٣٤٥٨)؛ وابن القطان في "زوائده عليه"؛ وأحمد (٢/ ٣٩٠، ٤٠٣)؛ والبزار في "مسنده" (ج ٢/ ق ٢٢٩/ ١)؛ وابن حبان في "المجروحين" (١/ ١٩٦)؛ وابن عدي في "الكامل" (٣/ ٩٨٥)؛ وتمام الرازي في "الفوائد" (١١٤٣)؛ والعقيلي في "الضعفاء" (٢/ ٤٨)؛ وأبو الشيخ في "أخلاف النبي" (ص ٢٥٥)؛ وأبو نعيم في "الطب" (ق ٦٤/ ٢)؛ وابن شاهين في "الأفراد" (ج ٥/ ق ١١٥/ ١)؛ وابن الجوزي في "الواهيات" (١/ ١٧٠، ١٧١) من طريق ذواد بن علبة، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة فذكره. ومعنى "إشكنب درد": أتشتكي بطنك؟ ووقع عند البزار "دردش كم" وعند ابن ماجه: "اشكمت درد" قال ابن شاهين: هذا حديث غريب الإسناد، حسن المتن، وهذا الحديث منكر غير صحيح، وذواد، بالذال ثم واو مشددة وآخره دال مهملة، هو ابن علبة، بضم العين المهملة وسكون اللام بعدها باء موحدة قال ابن حبان: "منكر الحديث جدًّا، يروى عن الثقات ما لا أصل له، وعن الضعفاء ما لا يعرف". وقال ابن الجوزي: "هذا حديث لا يصح، وحديث أبي هريرة يرويه ذواد بن علبة أبو المنذر الحارثي. قال يحيى: لا يكتب حديثه، وقال مرة: ليس شيء". قال ابن عدي: "هذا معروف بـ "ذواد بن علبة، عن ليث، أسنده. وغيره أوقفه على أبي هريرة" فقال ابن الجوزي: "ولعله أخذه من ذوائد". والصلت بن الحجاج قال فيه ابن عدي: "في حديثه بعض النكرة .. ثم قال: وللصلت غير ما ذكرت من الحديث، وليس بالكثير، وفي بعض أحاديثه ما ينكر عليه، بل عامته كذلك، ولم أجد للمتقدمين فيه كلامًا فأذكره". اهـ .. ثم قال ابن الجوزي: "وقد روى هذا الحديث عن أبي هريرة موقوفًا وهو أصح". (*) قلت: وهذا الموقوف: أخرجه البخاري في "التاريخ الصغير" (٢/ ٢٥٨) ومن طريقه العقيلي (٢/ ٤٨)؛ وابن عدي (٣/ ٩٨٥)؛ وابن الجوزي (١/ ١٧٠) قال: ثنا ابن الأصبهاني، ثنا المحاربي - هو عبد الرحمن بن محمد - عن ليث، عن مجاهد قال: قال لي أبو هريرة: يا فارسي! اشكنب درد؟ قال ابن الأصبهماني: "رفعه ذواد بن علبة، وليس له أصل، أبو هريرة لم يكن فارسيًا، إنما مجاهد فارسي". وقال العقيلي: "الموقوف أولى". وقال ابن عدي: "وأظن أن بعض الضعفاء أيضًا قد رواه عن ليث فرفعه وأظنه معلى بن هلال". وقال ابن الجوزي: "فقد بان بهذا أن المتكلم بالفارسية أبو هريرة لا رسول الله ﷺ، وإنما الذي رفعه وهم". وقال الذهبي في "الميزان" (٢/ ٣٣): "والأصح ما رواه المحاربي عن ليث عن مجاهد مرسلًا". اهـ. وقد رجح وقفه أيضًا شيخ الإسلام ابن تيمية في "الاقتضاء" (ص ٢٠٦) وتلميذه المحقق ابن القيم في "زاد المعاد" (٤/ ٢١٠).
(٤) من (ز) و(ض) و(ن).
(٥) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى) وهو الموافق لما في "تفسير الطبري"؛ وفي (ز) و(ض) و(هـ): "اشكيت درد"؛ وفي (ن): "اشكم درد".
[ ١ / ٣٨٢ ]
قال ابن جرير (^١): وقد حدثنا محمد بن (العلاء) (^٢)، ويعقوب بن إبراهيم؛ قالا: حدثنا ابن علية، حدثنا (عيينة) (^٣) بن عبد الرحمن، عن أبيه - أن ابن عباس (نُعي) (^٤) إليه أخوه قُثم، وهو في سفر؛ فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته؛ وهو يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾.
وقال سُنيد (^٥)، عن حجاج، عن ابن جريج: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قال: إنهما معونتان على رحمة الله.
والضمير في قوله: ["و﴿وَإِنَّهَا﴾ "] (^٦) عائد إلى الصلاة؛ نص عليه مجاهد (^٧). واختاره ابن جرير (^٨). ويحتمل أن يكون عائدًا على ما (دل) (^٩) عليه الكلام، وهو الوصية بذلك؛ كقوله تعالى في قصة قارون: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾ [القصص] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت] أي: وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا، وما يلقاها؛ أي: يؤتاها ويلهمها إلا ذو حظٍّ عظيم.
وعلى كل تقدير فقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ أي: مشقة ثقيلة إلا على الخاشعين.
قال ابن أبي (^١٠) طلحة، عن ابن عباس؛ يعني: المصدقين بما أنزل الله.
وقال مجاهد (^١١): المؤمنين حقًّا. وقال أبو العالية (^١٢): ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ الخائفين.
وقال مقاتل (^١٣) بن حيان: إلا على الخاشعين؛ يعني به: المتواضعين.
وقال الضحاك (^١٤): ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ قال: إنها لثقيلة إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين
_________________
(١) في "تفسيره" (٨٥٢) وإسناده صحيح.
(٢) وقع في (ن): "الفضل"! وهو خطأ ظاهر.
(٣) وقع في (ض): "ابن عيينة"!!
(٤) في (ك): "نقى"، بقاف!!
(٥) أخرجه ابن جرير (٨٥٤) وسنده صحيح.
(٦) في (ن) و(هـ): "وإنها لكبيرة".
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم رقم (٤٩٠) وسنده قوي.
(٨) في "تفسيره" (٢/ ١٥) وقال: "إنها، وإن الصلاة، فالهاء والألف في "وإنها" عائدتان إلى الصلاة. وقد قال بعضهم: إن قوله: "وإنها" بمعنى: إن إجابة محمد ﷺ! ولم يجر لذلك بلفظ الإجابة ذكر، فتجعل "الهاء والألف" كناية عنه، وغير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته". اهـ.
(٩) في (ز) و(ن): "يدل".
(١٠) أخرجه ابن جرير (٨٥٦)؛ وابن أبي حاتم (٤٩٣) [وسنده ثابت].
(١١) أخرجه ابن جرير (٨٥٩)؛ وابن أبي حاتم (٤٩٤) من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد. [وسنده صحيح]. وأخرجه ابن جرير (٨٥٨) من طريق الثوري، عن جابر، عن مجاهد مثله. وجابر هو ابن يزيد الجعفي وهو متروك.
(١٢) أخرجه ابن جرير (٨٥٧)؛ وابن أبي حاتم (٤٩٥) بسند حسن.
(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩٦)؛ والبيهقي في "الشعب" (٩٦٨٥) من طريق بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان. ولفظ البيهقي مطول. وسنده حسن، وبكير بن معروف مختلف فيه، ولكنه مشهور برواية التفسير عن مقاتل، فهذا يقوى أمره أن يروى نسخة يتعاهدها. والله أعلم.
(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩١) معلقًا ووصله ابن جرير (٨٥٦) من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا جويبر، عن =
[ ١ / ٣٨٣ ]
(سطواته) (^١)، المصدقين بوعده ووعيده.
وهذا يشبه ما جاء في الحديث (^٢): "لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه".
وقال ابن جرير (^٣): معنى الآية: واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب بحبس أنفسكم على طاعة الله، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقربة من (رضا) (^٤) الله (تعالى) (^٥)، (العظيمة) (^٦) إقامتها إلا على (المتواضعين) (^٧) (المستكينين) (^٨) لطاعته المتذللين من مخافته.
هكذا قال! والظاهر أن الآية وإن كانت خطابًا في سياق إنذار بني إسرائيل فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص؛ وإنما هي عامة لهم ولغيرهم. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ هذا من تمام الكلام الذي قبله؛ أي: إن الصلاة أو الوصاة لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم؛ أي: (يعلمون أنهم) (^٩) (محشورون) (^١٠) إليه يوم القيامة، معروضون عليه.
﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ أي: أمورهم راجعة إلى مشيئته، يحكم فيها ما يشاء بعدله؛ فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سهل عليهم فعل الطاعات، وترك المنكرات.
فأما قوله: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ قال ابن جرير (^١١) ﵀: العرب قد تسمى اليقين ظنًّا، والشك ظنًّا، نظير تسميتهم الظلمة سُدفةً، (والضياء سدفةً) (^١٢)، والمغيث صارخًا، والمستغيث
_________________
(١) = الضحاك. وسنده ضعيف جدًّا، وجويبر تالف. ووقع في "تفسير ابن جرير": "ابن يزيد" والصواب "يزيد". هذا، وقد خلط ابن كثير بين عبارة الضحاك وكلام ابن جرير فوصل القولين، والصواب أن العبارة التي نسبت إلى الضحاك: "إنها لثقيلة" ثم قال ابن جرير: "ويعني بقوله: "إلا على الخاشعين، إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين سطواته، المصدقين بوعده ووعيده".
(٢) في (ن): "سطوته". وفي (ض): "لسطواته".
(٣) وهو قطعة من حديث: أخرجه النسائي في "التفسير" (٤١٤)؛ والترمذي (٢٦١٦)؛ وابن ماجه (٣٩٧٣)؛ وأحمد (٥/ ٢٣١)؛ وعبد الرزاق في "المصنف" (١١/ (١٩٤)؛ وعبد بن حميد في "المنتخب" (١١٢)؛ وابن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (١٩٦) وغيرهم من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة، عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأصبحت يومًا قريبًا منه، ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار. قال: "لقد سألتني عن عظيم … " الحديث. قال الترمذي: "حديث حسن صحيح" كذا قال! وقد نفى المنذري في "الترغيب" (٣/ ٥٢٩)؛ وابن رجب في "جامع العلوم" (٢/ ١٢٧، ١٢٨) سماع أبي وائل من معاذ. ولكن للحديث طرق أخرى يرتقى بها الحديث إلى درجة الحسن. والحمد لله على توفيقه.
(٤) في "تفسيره" (٢/ ١٧).
(٥) في "ابن جرير": "مراضى".
(٦) من (ع) و(هـ) و(ى).
(٧) وقع في (ج) و(ك): "العظيم".
(٨) في (ن): "الخاشعين؛ أي: المتواضعين".
(٩) في (ل): "المسلك"! وكتب فوقها بخط دقيق جدًّا كلمة ذهبت في التصوير، لعلها كانت تصحيحًا لهذه الكلمة.
(١٠) ساقط من (ز) و(ض).
(١١) في (ض): "يحشرون".
(١٢) في "تفسيره" (٢/ ١٧ - شاكر).
(١٣) ساقط من (ج).
[ ١ / ٣٨٤ ]
صارخًا، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضده؛ كما قال (دريد) (^١) بن الصمة:
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج … سراتهم في الفارسي (المسرد) (^٢)
يعني بذلك: تيقنوا بألفي مدجج يأتيكم.
وقال (عميرة) (^٣) بن طارق:
فإن (تغتزوا) (^٤) قومي وأقعد فيكم … وأجعل مني الظن غيبًا مرجمًا
يعني: وأجعل مني اليقين غيبًا مرجمًا.
قال (^٥): والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أن الظن في معنى اليقين أكثر من أن تحصر، وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية. ومنه قول الله (تعالى) (^٦): ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣].
ثم قال ابن جرير (^٧): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان، عن جابر، عن مجاهد (قال): "كل ظن في القرآن يقين؛ أي: ظننت، وظنوا".
وحدثني (^٨) المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا أبو داود (الحفري)، عن سفيان، عن (ابن) (^٩) أبي نجيح، عن مجاهد؛ قال: "كل ظن في القرآن فهو علم" وهذا سند صحيح.
وقال أبو جعفر (^١٠) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ قال: الظن ها هنا يقين.
قال ابن أبي حاتم (^١١): وروي عن مجاهد، والسدي، والربيع بن أنس، وقتادة نحو قول أبي العالية.
وقال سنيد (^١٢)، عن حجاج، عن ابن جريج: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ (علموا أنهم ملاقو ربهم) (^١٣)؛ كقوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ [الحاقة] يقول: "علمت". وكذا قال عبد الرحمن بن زيد (^١٤) بن أسلم.
_________________
(١) في (ج) و(ل): "زيد"!!
(٢) في (ج) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى): "المسود"!
(٣) في (ك): "عمرة"! وفي "ض" و(ع) و(ن) و(ى): "عمير"!
(٤) كذا في (ج) و(ز) وهو الموافق لما في "ابن جرير" وقد وقع اضطراب عجيب في هذه الكلمة ففي (ل): "نصروا" وفي (ع): "تعيروا"؛ وفي (ض) و(ن): "يعبروا"؛ وفي (هـ): "تفروا" وف ي (ك): "يغتروا"!
(٥) يعني: ابن جرير.
(٦) من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى).
(٧) في "تفسيره" (٨٦٢) وفي سنده جابر الجعفي وهو متروك.
(٨) القائل هو ابن جرير (٨٦٣) وشيخه المثنى هو ابن إبراهيم الآملي يروى عنه ابن جرير كثيرًا في "التفسير" و"التاريخ" لكني لم أجد له ترجمة، [وصحح سنده الحافظ ابن كثير].
(٩) ساقط من (ز) و(ض).
(١٠) أخرجه ابن جرير (٨٦١)؛ وابن أبي حاتم (٤٩٧). [وسنده جيد].
(١١) في "تفسيره" (٤٩٨) وهذه الآثار التي أشار إليها أخرج منها ابن جرير أثر مجاهدٍ (٨٦٢، ٨٦٣)؛ والسدي (٨٦٤) وسند هذا الأخير حسن.
(١٢) أخرجه ابن جرير (٨٦٥) وسنده صحيح. [لكن في سُنيد مقال].
(١٣) من (ن) وهو الموافق لما في "تفسير ابن جرير"، وسقط من سائر "الأصول".
(١٤) أخرجه ابن جرير (٨٦٦) بسند صحيح عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: "لأنهم لم يعاينوا فكان ظنُّهم يقينًا".
[ ١ / ٣٨٥ ]
قلت: وفي "الصحيح" (^١): "أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أُزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أُسخّر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس (وتربع) (^٢)؟ فيقول: بلى؛ (أي رب) (^٣)؛ فيقول (الله) (^٤) (تعالى) (^٥): (أفظننت) (^٦) إنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول الله: اليوم أنساك كما نسيتني.
وسيأتي مبسوطًا عند قوله (تعالى) (٣): ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] (إن شاء الله تعالى) (^٧) (والله تعالى أعلم) (^٨).
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾.
يذكرهم تعالى (بسالف) (^٩) نعمه على آبائهم وأسلافهم، وما كان فضلهم به من إرسال الرسل منهم، وإنزال الكتب عليهم وعلى سائر الأمم من أهل زمانهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢)﴾ [الدخان]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠)﴾ [المائدة].
قال أبو جعفر (^١٠) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله تعالى: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ قال: بما أُعطوا من الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان؛ فإن لكل زمان عالمًا.
وروي (^١١) عن مجاهد، والربيع بن أنس، وقتادة، وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك.
ويجب الحمل على هذا؛ لأن هذه الأمة أفضل منهم؛ لقوله تعالى - خطابًا لهذه الأمة -: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٠].
_________________
(١) يعني: "صحيح مسلم"، وهو فيه (٢٩٦٨/ ١٦) عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، وأخرجه الترمذي (٢٤٢٨)؛ وابن أبي داود في "البعث" (٣٤) من طريق مالك بن سعير، عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة وعن أبي سعيد الخدري مرفوعًا نحوه.
(٢) في (ك): "ترتع" بتاء قبل العين المهملة، وهو تصحيف. ومعنى قوله: "تربع" قال ابن أبي داود في "البعث" (ص ٧٤ بتحقيقي): "وأما قوله: "تربع"؛ تأخذ المرباع. والمرباع: كان أهل الجاهلية إذا أغاروا فغنموا غنيمة، أعطوا سيدهم ربع ما غنموا؛ يضيف به الضيف، ويقوم به عن نوائب الحي، فهذا المرباع". اهـ. ومعنى قوله: "ترأس" أي: تكون رئيسًا.
(٣) من (ك).
(٤) من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ى).
(٥) من (ز) و(ن).
(٦) في (ن): "أظننت".
(٧) من (ك) و(ن).
(٨) كذا في (ل). وفي (ج) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى): "الله أعلم". ووقع في (ع): "يلغ مقابلة بقراءة المصنف مما رضا بأصله، فسح الله في مدته".
(٩) في (ز) و(ض) و(ل): "سالف"؛ وفي (ص): "سوالف".
(١٠) أخرجه ابن جرير (٨٦٩)؛ وابن أبي حاتم (٥٠١) من طريقين عن آدم بن أبي إياس ثنا أبو جعفر الرازي [وسنده جيد] وأثر قتادة عند عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٤٤، ٤٥) وعنه ابن جرير (٨٦٨). [وسند صحيح].
(١١) هذا قول ابن أبي حاتم (ص ١٥٨ - البقرة). وأثر مجاهد عند ابن جرير (٨٧٠، ٨٧١). [وسنده صحيح].
[ ١ / ٣٨٦ ]
وفي "المساند" (^١) و"السنن" عن معاوية بن (^٢) حيدة القشيري؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنتم توفون سبعين أمةً أنتم خيرها وأكرمها على الله".
والأحاديث في هذا كثيرة تذكر عند قوله (تعالى) (^٣): ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
[وقيل: المراد (تفضيل) (^٤) بنوع ما من الفضل على سائر الناس، ولا يلزم تفضيلهم مطلقًا؛ حكاه (فخر الدين) (^٥) الرازي (^٦)، وفيه نظر.
وقيل: إنهم فضلوا على سائر الأمم لاشتمال أمتهم على الأنبياء منهم، حكاه القرطبي في "تفسيره" (^٧). وفيه نظر؛ لأن العالمين عام يشمل من قبلهم ومن بعدهم من الأنبياء؛ فإبراهيم الخليل قبلهم، وهو أفضل من سائر أنبيائهم. ومحمد بعدهم، وهو أفضل من جميع الخلق وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة صلوات الله وسلامه عليه] (^٨).
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾.
[بحث فخر الدين الرازي (^٩) ها هنا مع المعتزلة في إثبات] (^١٠) [الشفاعة، فأورد لهم شبهًا وأجاب عنها.
قلت: وقد بسطت الكلام على الأحاديث المتواترة في الشفاعة وأقسامها وتعدادها وأنواعها في كتابنا "البعث والنشور" ولله الحمد والمنة] (^١١).
لما ذكرهم (تعالى) (^١٢) بنعمه أولًا عطف على ذلك التحذير من (حلول) (^١٣) نقمه بهم يوم القيامة، فقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾ يعني: يوم القيامة ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أي: لا يغني أحد عن أحد؛ كما قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وغيرها. وقال: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾ [عبس] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان: ٣٣]، فهذا أبلغ المقامات أن كلًا من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئًا.
وقوله (تعالى) (^١٤): ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ يعني: (عن) (^١٥) الكافرين؛ كما قال: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ
_________________
(١) في (ض) و(ك) و(ن): "المسانيد". ووقع في (ك): "السنن والمسانيد".
(٢) حديث حسن. وقد مر تخريجه (١/ ٢٥٤، ٢٥٥).
(٣) من (ز) و(ن).
(٤) في (ج) و(ع) و(ل): "تفضل".
(٥) ساقط من (ن) و(هـ).
(٦) وهو في تفسير الرازي" (٢/ ٥٦).
(٧) انظر: "تفسير القرطبي" (١/ ٣٧٦).
(٨) ساقط من (ز) و(ض).
(٩) في "تفسيره" (٢/ ٥٩، ٧٠).
(١٠) من (ل) وكتبها ناسخ (ج) و(ع) و(ى) في الحاشية.
(١١) من (ل) وكتبها ناسخ (ج) و(ع) و(ى) في الحاشية.
(١٢) من (ز) و(ع) و(ن) و(هـ) و(ى).
(١٣) في (ن): "طول".
(١٤) من (ز) و(ن).
(١٥) في (ن): "من".
[ ١ / ٣٨٧ ]
شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر] وكما قال عن أهل النار: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾ [الشعراء].
وقوله (تعالى) (^١): ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ أي: لا يقبل منها فداء، كما قال (تعالى) (^١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾ [المائدة] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ …﴾ الآية [الحديد: ١٥].
فأخبر تعالى أنهم إن لم يؤمنوا برسوله، ويتابعوه على ما بعثه به، ووافوا الله يوم القيامة على ما هم عليه فإنه لا ينفعهم قرابة قريب ولا شفاعة ذي جاهٍ، ولا يقبل منهم فداء ولو بملء الأرض ذهبًا؛ كما قال تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وقال: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١].
[قال سنيد (^٢): حدثني حجاج، حدثني ابن جريج؛ قال: قال مجاهد: قال ابن عباس: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ قال: بدل، والبدل: الفدية.
وقال السدي (^٣): أما "عدل" فيعدلها من ("العدل" (^٤»؛ يقول: لو جاءت بملء الأرض ذهبًا تفتدي به ما تقبل منها.
وكذا قال عبد الرحمن (^٥) بن زيد بن أسلم] (^٦).
وقال أبو جعفر (^٧): الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ١٢٣] يعني فداء.
قال ابن (^٨) أبي حاتم: وروي عن أبي مالك، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع بن أنس، نحو ذلك.
وقال عبد (^٩) الرزاق: أنبأنا الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن علي ﵁ في حديث طويل؛ قال: والصرف والعدل: التطوع والفريضة.
وكذا قال الوليد (^١٠) بن مسلم، عن عثمان بن أبي العاتكة، عن عمير بن هانئ. وهذا
_________________
(١) من (ز) و(ن).
(٢) أخرجه ابن جرير (٨٨٤). [وسنده ضعيف].
(٣) أخرجه ابن جرير (٨٨٢) وسنده حسن.
(٤) في (ج) و(ل): "العذاب"!!
(٥) أخرجه ابن جرير (٨٨٥) وسنده صحيح.
(٦) ساقط من (ز) و(ض).
(٧) أخرجه ابن جرير (٨٨١)؛ وابن أبي حاتم (٥٠٥) وسنده حسن.
(٨) في (تفسيره) (ص ١٦٠ - البقرة). وأثر قتادة عند ابن جرير (٨٨٣) من طريق عبد الرزاق، وهذا في "تفسيره" (١/ ٤٥). [وسنده صحيح].
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٦) وهذه سند قوي، وعنعنة الأعمش عن شيوخه الذين أكثر عنهم مثل إبراهيم التيمي يمشيها الذهبي وغيره. وقال الحافظ في "الفتح" (٤/ ٨٦): "وعند الجمهور الصرف: الفريضة، والعدل: النافلة. ورواه ابن خزيمة بإسناد صحيح عن الثوري". اهـ.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٠٧) وسنده ضعيف لضعف عثمان بن أبي العاتكة.
[ ١ / ٣٨٨ ]
القول غريب ها هنا، والقول الأول أظهر في تفسير هذه الآية.
وقد ورد حديث يقويه (^١)، وهو ما قاله ابن جرير: حدثني نجيح بن إبراهيم، حدثنا علي بن حكيم، حدثنا حميد بن عبد الرحمن، [عن أبيه، عن عمرو بن قيس الملائي، عن رجل من بني أمية من أهل الشام أحسن عليه الثناء] (^٢)؛ قال قيل: يا رسول الله؛ ما العدل؟ قال: "العدل: الفدية".
وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله، كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه، ولا يقبل منهم فداء؛ هذا كله من جانب التلطف، ولا لهم ناصر من أنفسهم، ولا من غيرهم، كما قال: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾ [الطارق] أي: إنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فديةً ولا شفاعةً، ولا ينقط أحدًا من عذابه منقذ، (ولا يخلص (^٣) منه أحد)، (ولا يجيره) (^٤) منه أحد؛ كما قال (تعالى) (^٥): ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]. وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ [الفجر] وقال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ [الصافات] وقال: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) …﴾ [الأحقاف: ٢٨].
وقال الضحاك (^٦)، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾ ما لكم اليوم لا تمانعون منا، هيهات! ليس ذلك لكم اليوم.
قال ابن جرير (^٧): وتأويل قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يعني: أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية؛ بطلت هنالك المحاباة، واضمحلت الرشا والشفاعات، وارتفع من القوم (التعاون والتناصر) (^٨)، وصار الحكم إلى (العدل الجبار) (^٩) الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء؛ فيجزى بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها. وذلك نظير قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ [الصافات].
﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾.
[آل الرجل من ينتسب إليه بنسب أو سبب؛ وقيل: هم أتباعه وأشياعه؛ وقيل: من هو على] (^١٠)
_________________
(١) كذا قال المصنف ﵀ والحديث الذي أشار إليه أخرجه ابن جرير (٨٨٦) وسنده ضعيف جدًّا لجهالة شيخ عمرو بن قيس، ثم لإعضاله فإن بين عمرو بن قيس والنبي ﷺ اثنان على الأقل.
(٢) ساقط من (ج).
(٣) من (ن).
(٤) في (ن): "ولا يجير".
(٥) من (ز) و(ن).
(٦) أخرجه ابن جرير (٨٨٧) بسند ضعيف.
(٧) في "تفسيره" (٢/ ٣٥، ٣٦).
(٨) في (ن): "التناصر والتعاون".
(٩) في (ن): "الجبار العدل" وفي (ض): "عدل الجبار".
(١٠) ساقط من (ل)، وهو في حاشية (ج) و(ع).
[ ١ / ٣٨٩ ]
[دينه وملته، وقد يطلق على الرجل نفسه، ويضاف إلى المعظم، فيقال: آل فلان، ولا يضاف إلى البلدان على المشهور، وجوز بعضهم: "آل المدينة"، كما يقال: أهل المدينة، وحكى أبو عبيدة: "آل مكة آل الله"، وهكذا يضاف إلى المضمر على الأشهر.
قال عبد المطلب:
وانصر على آل الصليـ … ـب وعابديه اليوم آلك
وقال غيره:
أنا الفارس الحامي حقيقة والدي … وآلي كما تحمي حقيقة (آلكا) (^١)] (^٢)
يقول (الله تبارك (^٣) و) تعالى: اذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون؛ أي: خلصتكم منهم، وأنقذتكم من أيديهم صحبة موسى ﵇؛ وقد كانوا يسومونكم؛ أي: يوردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب؛ وذلك أن فرعون - لعنه الله - كان قد رأى رؤيا هالته: رأى نارًا خرجت من بيت المقدس، فدخلت بيوت القبط ببلاد مصر إلا بيوت بني إسرائيل مضمونها أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل. ويقال: بل تحدث سُمَّاره عنده بأن بني إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم تكون لهم به دولة ورفعة.
وهكذا جاء في ["حديث (^٤) الفتون"] كما سيأتي في موضعه (في "سورة (^٥) طه") إن شاء الله (تعالى) (^٦)؛ فعند ذلك أمر فرعون - لعنه الله - بقتل كل ذكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل، وأن تترك البنات، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال (وأراذلها) (^٧).
وها هنا فسر العذاب بذبح الأبناء. وفي سورة إبراهيم عطف عليه؛ كما قال: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٦] وسيأتي تفسير ذلك في أول "سورة القصص" إن شاء الله تعالى. وبه الثقة والمعونة والتأييد.
[ومعنى يسومونكم: يولونكم؛ قاله أبو عبيدة، كما يقال: سامه خطة خسف؛ إذ أولاه إياها؛ قال عمرو بن كلثوم:
إذا ما الملك سام الناس خسفًا … أبينا أن نقر الخسف فينا
وقيل: معناه يديمون عذابكم، كما يقال: سائمة الغنم؛ من إدامتها الرعى؛ نقله القرطبي (^٨)] (^٩).
_________________
(١) ساقط من (ل).
(٢) ساقط من (ل)، وهو في حاشية (ج) و(ع).
(٣) من (ل).
(٤) في (ض): "الحديث المصون"! وسقطت لفظة "الفتون" من (ك)، ويأتي تخريج هذا الحديث إن شاء الله تعالى في موضعه من سورة "طه".
(٥) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى).
(٦) من (ن).
(٧) في (ن): "أرذلها".
(٨) في "تفسيره" (١/ ٣٨٤).
(٩) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ى).
[ ١ / ٣٩٠ ]
[وإنما قال ها هنا: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ ليكون ذلك تفسيرًا للنعمة عليهم في قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ ثم فسره بهذا لقوله ها هنا: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وأما في سورة إبراهيم فلما قال: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] أي: بأياديه ونعمه عليهم؛ فناسب أن يقول هناك: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ فعطف عليه الذبح، ليدل على تعدد النعم والأيادي على بني إسرائيل] (^١).
وفرعون: علم على كل من ملك مصر كافرًا من العماليق وغيرهم، كما أن "قيصر" علم على كل من ملك الروم مع الشام كافرًا (وكذلك) (^٢)، "وكسرى" لمن ملك الفرس، "وتُبَّع" لمن ملك اليمن كافرًا، "والنجاشي" لمن ملك الحبشة، ("وبطليموس" لمن ملك الهند) (^٣).
ويقال: كان اسم فرعون الذي كان في (زمان) (^٤) موسى ﵇ الوليد بن مصعب بن الريان، وقيل: مصعب بن الريان، وأيًا ما كان، فعليه لعنة الله [وكان من سلالة عمليق بن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح، وكنيته: أبو مرة وأصله فارسي من "اصطخر" (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ قال ابن جرير (^٦): وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا إياكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون، بلاء لكم من ربكم عظيم؛ أي: نعمة عظيمة عليكم في ذلك.
وقال علي بن أبي طلحة (^٧)، عن ابن عباس: قوله تعالى: ﴿بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ قال: نعمة. وقال مجاهد (^٨): ﴿بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ قال: نعمة من ربكم عظيمة. وكذا قال أبو العالية، وأبو مالك، والسدي (^٩)، وغيرهم.
وأصل البلاء: الاختبار. وقد يكون بالخير والشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] وقال: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] قال ابن جرير (^١٠): وأكثر ما يقال في الشر بلوته أبلوه بلاء، وفي الخير أبليه إبلاءً وبلاءً؛ قال زهير بن أبي سُلمى:
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم … وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
قال: فجمع بين اللغتين؛ (لأنه) (^١١) أراد: فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده.
[وقيل: المراد بقوله: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ (أنه) (^١٢) إشارة إلى ما كانوا فيه من العذاب المهين، من ذبح الأبناء، واستحياء النساء. قال القرطبي (^١٣): وهذا قول الجمهور، ولفظه - بعد ما حكى] (^١٤)
_________________
(١) ساقط من (ز) و(ض).
(٢) ساقط من (ن).
(٣) ساقط من (ز) و(ض).
(٤) في (ز) و(ن): "زمن".
(٥) ساقط من (ز) و(ض)، ووقع تقديم وتأخير في هذه الفقرة في (ن).
(٦) في "تفسيره" (٢/ ٤٨).
(٧) أخرجه ابن جرير (٨٩٩)؛ وابن أبي حاتم (٥١١). [وسنده ثابت].
(٨) أخرجه ابن جرير (٩٠١، ٩٠٢). [وسنده صحيح].
(٩) أخرجه ابن جرير (٩٠٠). [وسنده حسن].
(١٠) في "تفسيره" (٢/ ٤٩). والبيت في ديوان زهير (١٠٩).
(١١) في (ج): "لا أراد"!
(١٢) ساقط من (ى).
(١٣) في "تفسيره" (١/ ٣٧٨).
(١٤) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).
[ ١ / ٣٩١ ]
[القول الأول، ثم قال: وقال الجمهور: الإشارة إلى الذبح ونحوه، والبلاء (ها هنا) (^١) في الشر. والمعنى: وفي الذبح مكروه وامتحان] (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾ معناه: وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون، وخرجتم مع موسى ﵇، خرج فرعون في طلبكم، ففرقنا بكم البحر؛ كما أخبر تعالى عن ذلك مفصلًا، كما سيأتي في مواضعه. ومن أبسطها ما في "سورة الشعراء" إن شاء الله.
﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾ أي: خلصناكم منهم، وحجزنا بينكم وبينهم، وأغرقناهم وأنتم تنظرون؛ ليكون ذلك أشفى لصدوركم، وأبلغ في إهانة عدوكم.
قال عبد الرزاق (^٣): أنبأنا معمر، عن أبي إسحاق الهمداني، عن عمرو بن ميمون الأودي، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ قال: لما خرج موسى ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون؛ فقال: لا تتبعوهم حتى تصيح الديكة. قال: فوالله ما صاح ليلتئذ ديك، حتى أصبحوا؛ فدعا بشاة، فذبحت؛ ثم قال: لا أفرغ من كبدها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط؛ فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط. فلما أتى موسى البحر قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون: أين (أمرك) (^٤) ربك؟ قال: أمامك، يشير إلى البحر، فأقحم يوشع فرسه في البحر حتى بلغ الغمر؛ فذهب به الغمر؛ ثم رجع فقال: أين (أمرك) (^١) ربك يا موسى؟ فوالله ما كذبت (ولا) (^٥) كُذبت - فعل ذلك ثلاث مرات.
ثم أوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه، فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم - يقول: مثل الجبل، ثم سار موسى ومن معه، واتبعهم فرعون في طريقهم حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم؛ فلذلك قال: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
وكذلك قال غير واحد من السلف كما سيأتي بيانه في موضعه.
وقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء، كما قال الإمام أحمد (^٦): حدثنا عفان، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن عبد الله بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس؛ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة، فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء؛ فقال: "ما هذا اليوم الذي تصومون؟ " قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجَّى الله ﷿ فيه بني إسرائيل (من عدوهم) (^٧)، فصامه موسى ﵇؛ فقال رسول الله ﷺ: "إنا أحق بموسى منكم". فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصومه.
_________________
(١) في (ك): "هنا" وهو الموافق لما في "تفسير القرطبي"؛ وفي (ج) و(ل): "هناك".
(٢) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).
(٣) في "تفسيره" (١/ ٤٥، ٤٦) ومن طريقه ابن جرير (٩٠٨)؛ وابن أبي حاتم (٥١٢)؛ وأبو إسحاق السبيعي مدلس. [سنده صحيح لكنه من الإسرائيليات].
(٤) في (ز) و(ن): "أمر".
(٥) كذا في (ل) و(ن) و(هـ) و(ى)؛ وفي (ز) و(ض): "وما"، وسقط هذا الحرف من (ج).
(٦) وأخرجه هو أيضًا (١/ ٣١٠، ٣٣٦)؛ والبخاري (٤/ ٢٤٤؛ و٦/ ٤٢٩)؛ ومسلم (١١٣٠/ ١٢٨).
(٧) كذا في (ز) و(ن) و(هـ)؛ وفي (ج) و(ض) و(ى): "من غرقهم". وقال في حاشية (ج): العله: عدوهم"؛ وفي (ك): "من الغرق".
[ ١ / ٣٩٢ ]
وروى هذا الحديث البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، من طرق عن أيوب السختياني، به، نحو ما تقدم.
وقال أبو يعلى (^١) الموصلي: حدثنا أبو الربيع، حدثنا سلَّام - يعني: ابن سليم، عن زيد العمي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، عن النبي ﷺ؛ قال: "فلق الله البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء".
وهذا ضعيف من هذا الوجه؛ فإن زيدًا العمي فيه ضعف، وشيخه يزيد الرقاشي أضعف منه.
﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾.
يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم لما عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يومًا، وهي المذكورة في "الأعراف" في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢] قيل إنها ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة؛ وكان ذلك بعد خلاصهم من فرعون، وإنجائهم من البحر.
وقوله (تعالى) (^٢): ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني التوراة؛ ﴿وَالْفُرْقَانَ﴾ وهو ما يفرق بين الحق والباطل، والهدى (والضلال) (^٣) ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ وكان ذلك أيضًا بعد خروجهم من البحر، كما دل عليه سياق الكلام في "سورة الأعراف"؛ ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾ [القصص].
[وقيل: الواو زائدة، والمعنى: وإذ آتينا موسى الكتاب الفرقان. وهذا غريب.
وقيل: عطفه عليه، وإن كان المعنى واحدًا؛ كما في قول الشاعر (^٤):
وقدمت الأديم (لراهشيه) (^٥) … فألفى قولها كذبًا ومينًا] (^٦)
[وقال الآخر (^٧):
ألا حبذا هند وأرض بها هند … وهند أتى من دونها النأي والبعد
فالكذب هو المين. والنأي هو البعد.
وقال عنترة (^٨):
حييت من طلل تقادم عهده … أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
فعطف الإقفار على الإقواء، وهو هو] (^٩).
_________________
(١) في "مسنده" (ج ٧/ رقم ٤٠٩٤) وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٦٩) لابن مردويه. وسنده ضعيف جدًّا. ويزيد الرقاشي متروك، وزيد العمي ضعيف.
(٢) من (ن) و(ى).
(٣) في (ض) و(ن): "الضلالة".
(٤) نسبه في "لسان العرب" مادة: "مين" إلى عدي بن زيد.
(٥) في (ن): "لراقشيه"! والراهشان: عرقان في باطن الذراعين، أو "الرواهش" عروق ظاهر الكف كما في "القاموس"، والأديم: الجلد.
(٦) ساقط من (ز) و(ض).
(٧) هو الحطيئة. والبيت في "ديوانه" (٣٩).
(٨) هو في "ديوانه" (١٢٢).
(٩) ساقط من (ز) و(ض).
[ ١ / ٣٩٣ ]
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾.
هذه صفة توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل؛ قال الحسن البصري ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ فقال ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع، (حين) (^١) قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا (لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (^٢)﴾ [الأعراف: ١٤٩] قال: فذلك حين يقول موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾.
وقال أبو العالية (^٣)، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ أي: إلى خالقكم.
قلت: وفي قوله ها هنا: ﴿إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ - تنبيه على عظم جرمهم؛ أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره.
وقد روى النسائي (^٤)، وابن جرير، وابن أبي حاتم، من حديث يزيد بن هارون، عن الأصبغ بن زيد الوراق، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: فقال الله تعالى: إن توبتهم أن يقتل كل (رجل) (^٥) منهم (كل) (^٦) من لقي من ولد (أو) (^٧) والد فيقتله بالسيف، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن؛ فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله من ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا به، فغفر الله للقاتل والمقتول.
وهذا قطعة من حديث الفتون. وسيأتي في سورة طه بكماله إن شاء الله.
وقال ابن جرير (^٨): حدثني عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا إبراهيم بن بشار، حدثنا سفيان بن عيينة؛ قال: قال أبو سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: قال موسى لقومه: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾؛ قال: أمر موسى
_________________
(١) في (ن): "حتى".
(٢) من (هـ)، وسقط من (ج)؛ و(ك) و(ل) و(ى)؛ وفي (ز) و(ض): "الآية" إشارة إلى تتمتها.
(٣) أخرجه ابن جرير (٩٤٦)؛ وابن أبي حاتم (٥٣٠). [وسنده جيد].
(٤) في "تفسيره" (٣٤٦). وأخرجه أبو يعلى (ج ٥/ رقم ٢٦١٨)؛ وابن جرير (١٦/ ١٢٥)؛ وابن أبي حاتم (٥٣١)، وبحشل في "تاريخ واسط" (ص ٨٦)؛ والطحاوي في "المشكل" (٦٦). وسيأتي الكلام عليه في تفسير سورة (طه) إن شاء الله تعالى.
(٥) في (ن): "واحد".
(٦) كذا في (ج) و(ض) و(ك) و(ل) و(ى)؛ وفي (هـ): (ما) وسقطت هذه اللفظة من "ن".
(٧) كذا في (ج) و(ك) و(ى). ووقع في (ز) و(ض) و(ن) و(هـ): "و"؛ وفي (ن): "والد وولد".
(٨) في "تفسيره" (٩٣٦) وسنده صحيح. [والخبر من الإسرائيليات].
[ ١ / ٣٩٤ ]
قومه عن أمر ربه ﷿ أن يقتلوا أنفسهم. قال: (واحتبى) (^١) الذين عبدوا العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل، فأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم (ظلمة) (^٢) شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضًا، فانجلت (الظلمة) (^٣) عنهم، وقد (أجلوا) (^٣) عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة.
وقال (ابن (^٤) جريج): أخبرني القاسم بن أبي بزة أنه سمع سعيد بن (^٥) جبير ومجاهدًا يقولان في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قالا: قام بعضهم إلى بعض بالخناجر، يقتل بعضهم بعضًا؛ لا يحنو رجل على قريب ولا بعيد، حتى (ألوى) (^٦) موسى بثوبه، فطرحوا ما بأيديهم، فكشف عن سبعين ألف قتيل، وإن الله أوحى إلى موسى أن حسبي؛ فقد اكتفيت؛ فذلك حين ألوى موسى بثوبه [وروي عن علي (^٧) ﵁ نحو ذلك] (^٨).
وقال قتادة (^٩): أُمر القوم بشديد من الأمر، فقاموا (يتناجزون) (^١٠) بالشفار يقتل بعضهم بعضًا حتى بلغ الله فيهم نقمته، فسقطت الشفار من أيديهم، فأمسك عنهم القتل، فجعل لحيهم توبةً، وللمقتول شهادة.
وقال الحسن (^١١) البصري: أصابتهم ظلمة (حنْدسٌ) (^١٢)، فقتل بعضهم بعضًا، ثم انكشف عنهم، فجعل توبتهم في ذلك.
وقال السدي (^١٣): في قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيدًا، حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قتل
_________________
(١) كذا في (ج) و(ز) و(ك) و(ل) و(ى) من: الاحتباء؛ وهو أن يضم الرجل رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، وقد يكون الاحتباء باليدين عوضًا عن الثوب. ووقع في (ض) و(هـ): "اختبى" بالخاء المعجمة من الاختباء وهو الاختفاء. وفي (ن): "أخبر" وكلاهما تصحيف.
(٢) في (ز): "ظلة".
(٣) في (ن): "جلوا".
(٤) في (ن): "ابن جرير".
(٥) أخرجه ابن جرير (٩٣٥) قال: حدثني عباس بن محمد؛ وابن أبي حاتم (٥٣٢) قال: حدثنا الحسن بن الصباح قالا: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج بسنده سواء. وسنده صحيح.
(٦) ألوى يعني: أشار.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٦) من طريق إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن عمارة بن عبد وأبي عبد الرحمن، عن علي بن أبي طالب قال: قالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضًا. فأخذوا السكاكين، فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وأمه، ولا يبالي من قتل، حتى قتل منهم سبعون ألفًا، فأوحى الله إلى موسى: مرهم فليرفعوا أيديهم، وقد غفر لمن قتل، وتيب على من بقي. وسنده صحيح لولا تدليس أبي إسحاق، وعمارة بن عبد الكوفي وثقه ابن حبان. وقال أبو حاتم: "شيخ مجهول لا يحتج بحديثه" ولكنه متابع كما رأيت. [والخبر من الإسرائيليات].
(٨) ساقط من (ز) و(ض).
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٣) وفي إسناده سعيد بن بشير وهو ضعيف خصوصًا في قتادة.
(١٠) كذا في (ج) و(ع) و(هـ) و(ى). ووقع في (ز) و(ض) و(ك) و(ل) و(ن): "يتناحرون" بالحاء والراء المهملتين.
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٤) وسنده جيد.
(١٢) حندس، بالكسر: الليل المظل، والمراد: ظلمة شديدة.
(١٣) أخرجه ابن جرير (٩٣٧) مطولًا وابن أبي حاتم (٥٣٧) وسنده حسن.
[ ١ / ٣٩٥ ]
منهم سبعون ألفًا، وحتى دعا موسى وهارون: ربنا أهلكت بني إسرائيل، ربنا، البقية، البقية.
فأمرهم أن (يضعوا) (^١) السلاح، وتاب عليهم؛ فكان من قُتل منهم من الفريقين شهيدًا، ومن بقي مكفرًا عنه؛ فذلك قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
وقال الزهري (^٢): لما أُمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى، فاضطربوا بالسيوف، وتطاعنوا بالخناجر، وموسى رافع يديه حتى إذا (أفنوا) (^٣) بعضهم قالوا: يا نبي الله، ادع الله لنا؛ وأخذوا بعضديه يسندون يديه؛ فلم يزل أمرهم على ذلك حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيديهم بعضهم عن بعض، فألقوا السلاح.
وحزن موسى (وبنو) (^٤) إسرائيل للذي كان من القتل فيهم، فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى ما يحزنك؟ أما من قتل منهم فحي عندي يرزقون. وأما من بقي فقد قبلت توبته؛ فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل. رواه ابن جرير بإسناد جيد عنه.
وقال ابن إسحاق (^٥): لما رجع موسى إلى قومه، وأحرق العجل وذراه في اليم، خرج إلى ربه (بمن) (^٦) اختار من قومه، فأخذتهم الصاعقة، ثم بعثوا فسأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل؛ فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم؛ قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى: نصبر لأمر الله؛ فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده؛ فجلسوا بالأفنية، وأصلت عليهم القوم السيوف، فجعلوا يقتلونهم (وبكى) (^٧) موسى، (وبهش) (^٨) إليه النساء والصبيان، يطلبون العفو عنهم، (^٩) [فتاب (الله) (^١٠) عليهم، وعفا عنهم] (٩)؛ وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف.
وقال عبد الرحمن (^١١) بن زيد بن أسلم: لما رجع موسى إلى قومه (وكان) (^١٢) سبعين رجلًا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه، فقال لهم موسى: انطلقوا إلى (موعد (^١٣) ربكم)؛ فقالوا: يا موسى! ما من توبة؟ قال: بلى؛ ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ …﴾ الآية. فاخترطوا السيوف (والجِرزة) (^١٤) والخناجر والسكاكين.
قال: وبعث عليهم ضبابةً. قال: فجعلوا يتلامسون بالأيدي، ويقتل بعضهم بعضًا.
_________________
(١) في (ن): "يلقوا".
(٢) أخرجه ابن جرير (٩٤١) وجوَّد المصنف سنده.
(٣) في (ن): "فتر".
(٤) في (ج) و(ع): "وبنى"! وهو تصحيف.
(٥) أخرجه ابن جرير (٩٤٤) بسند ضعيف جدًّا.
(٦) في (ج) و(ل): "ثم".
(٧) في (ن): "فهش".
(٨) كذا في (ج) و(ض) و(ع) و(ى) ومعناه: تهيأ للبكاء. وفي (ل): "أهش" وفي (هـ): "جهش".
(٩) ساقط من (هـ).
(١٠) من (ز) و(ن).
(١١) أخرجه ابن جرير (٩٤٥) بسند صحيح.
(١٢) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ى) وهو الموافق لما في "تفسير الطبري" وتقديره: وكان القوم. ووقع في (ز) و(ض) و(ل) و(ن) و(هـ): "وكانوا".
(١٣) في (ج) و(ل): "موعدكم".
(١٤) الجرزة: في (ك): "الجرد"، ووقع في (هـ) بياض موضع هذه الكلمة. والجرزة: عمود من حديدٍ، جمع (جرز)، بضم الجيم.
[ ١ / ٣٩٦ ]
قال: (و) (^١) يلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله وهو لا يدري. قال: (ويتنادون) (^٢) (فيها) (^٣) رحم الله عبدًا (صبر) (^٤) حتى يبلغ الله رضاه. قال: فقتلاهم شهداء، وتيب على أحيائهم؛ ثم قرأ: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾.
يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق؛ إذ سألتم رؤيتي جهرةً عيانًا مما لا يستطاع لكم، ولا لأمثالكم. كما قال ابن جريج (^٥): قال ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال: علانيةً.
وكذا قال إبراهيم (^٦) بن طهمان، عن عباد بن إسحاق، عن أبي الحويرث، عن ابن عباس - أنه قال في قول الله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي: علانيةً؛ أي: حتى نرى الله.
وقال قتادة (^٧)، والربيع بن أنس: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي: عيانًا.
وقال أبو جعفر (^٨): عن الربيع بن أنس: هم السبعون الذين اختارهم موسى، فساروا معه؛ قال: فسمعوا كلامًا، فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال: فسمعوا صوتًا فصعقوا، يقول: ماتوا.
وقال مروان (^٩) بن الحكم فيما خطب به على منبر مكة: الصاعقة صيحة من السماء.
وقال السدي (^١٠) في قوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ الصاعقة: نار.
وقال عروة (^١١) بن رويم في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ قال: صعق بعضهم، وبعض ينظرون؛ ثم بُعث هؤلاء، وصُعق هؤلاء.
وقال السدي (^١٢): ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب، ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم، وقد أهلكت خيارهم؟ ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا
_________________
(١) ساقط من (ج).
(٢) في (ل): "وينادون".
(٣) ساقط من (ز) و(ض).
(٤) في (ن): "وصبر نفسه".
(٥) أخرجه ابن جرير (٩٤٧) وسنده ضعيف لإعضاله.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٣٨) وفي سنده ضعف.
(٧) أخرجه ابن جرير (٩٥٠) بسند صحيح، وهو عند ابن أبي حاتم (٥٣٩) بسند فيه سعيد بن بشير. وهو ضعيف في قتادة، ولكنه متابع.
(٨) أخرجه ابن جرير (٤٥٢)؛ وابن أبي حاتم (٥٤٣). [وسنده جيد].
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٥) من طريق ابن محيصن، عن أبيه قال: رأيت مروان بن الحكم على منبر مكة … فذكره. وابن محيصن هو عمر بن عبد الرحمن، كذا سماه في "تهذيب الكمال" (٢١/ ٤٢٩) وقال البخاري: ومنهم من قال: محمد بن عبد الرحمن. وبه ترجمه الذهبي في "معرفة القراء الكبار" (١/ ٩٨) وهو ثقة احتج به مسلم ولكني لم أجد لأبيه ترجمة. فالله أعلم.
(١٠) أخرجه ابن جرير (٩٥٣)؛ وابن أبي حاتم (٥٤٤). [وسنده حسن].
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٤٠، ٥٤٦) بسند جيد.
(١٢) أخرجه ابن جرير (٩٥٨)؛ وابن أبي حاتم (٥٤٩) وسياق الطبري أطول. [وسنده حسن].
[ ١ / ٣٩٧ ]
فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] فأوحى الله إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممن (اتخذ) (^١) العجل؛ ثم إن الله أحياهم، فقاموا (وعاش) (^٢) رجل رجل، ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون؟ قال: فذلك قوله (تعالى) (^٣): ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾.
وقال الربيع (^٤) بن أنس: كان موتهم عقوبةً لهم، فبعثوا من بعد الموت، ليستوفوا آجالهم. وكذا قال قتادة (^٥).
وقال ابن (^٦) جرير: حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق؛ قال: لما رجع موسى إلى قومه، فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرق العجل وذراه في اليم، اختار موسى منهم سبعين رجلًا الخير فالخير، وقال: انطلقوا إلى الله، وتوبوا إلى الله مما صنعتم، (وسلوه) (^٧) التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا، وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقَّته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم؛ فقال له السبعون - فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمروا به، وخرجوا للقاء الله - قالوا: يا موسى، اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا. فقال: أفعل.
فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل - كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه؛ فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودًا، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فأخذتهم الرجفة، وهي: الصاعقة، فماتوا جميعًا.
وقام موسى يناشد ربه، ويدعوه، ويرغب إليه، ويقول: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] قد سفهوا؛ أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل السفهاء منا؟ أي: إن هذا لهم هلاك، واخترت منهم سبعين رجلًا الخير فالخير، أرجع إليهم؛ وليس معي منهم رجل واحد؟ فما الذي يصدقوني به، ويأمنوني عليه بعد هذا؟ ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فلم يزل موسى يناشد ربه ﷿، ويطلب إليه حتى رد إليهم أرواحهم، (^٨) [(فطلب) (^٩) إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل؛ فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم] (٨).
(هذا سياق محمد بن إسحاق) (^١٠).
_________________
(١) في (ز) و(ن): "اتخذوا"؛ وفي (ك): "اتخذتهم"!
(٢) في (ز) و(ض) و(ن) و(هـ): "عاشوا".
(٣) من (ز) و(ن).
(٤) أخرجه ابن جرير (٩٦١) بسياق أطول؛ وابن أبي حاتم (٥٤٨). [وسنده جيد].
(٥) أخرجه ابن جرير (٩٦٠)؛ وابن أبي حاتم (٥٤٧). [وسنده صحيح].
(٦) في "تفسيره" (٩٥٧) وسنده ضعيف.
(٧) في (ن): "واسألوه".
(٨) ساقط من (ج).
(٩) كذا في (ك) و(ل) و(هـ) و(ى) وهو الموافق لما في "تفسير الطبري"؛ وفي (ز) و(ن): "وطلب".
(١٠) ساقط من (ك).
[ ١ / ٣٩٨ ]
(وقال) (^١) (إسماعيل بن عبد الرحمن) (^٢) السدي (الكبير) (^٢): لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل، وتاب الله عليهم بقتل بعضهم لبعض، كما أمرهم الله به، أمر الله موسى أن يأتيه في كل أُناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل؛ (ووعدهم) (^٣) موسى؛ فاختار موسى (قومه) (^٤) سبعين رجلًا على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا .. وساق البقية.
[وهذا السياق يقتضي أن الخطاب توجه إلى بني إسرائيل في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ والمراد: السبعون المختارون منهم، ولم يحك كثير من المفسرين سواه] (^٥).
[وقد أغرب (فخر الدين) (^٦) الرازي في "تفسيره" حين حكى في قصة هؤلاء السبعين أنهم بعد إحيائهم قالوا: يا موسى؛ إنك لا تطلب من الله شيئًا إلا أعطاك، فادعه أن يجعلنا أنبياء، فدعا بذلك، فأجاب الله ﷿ (^٧) دعوته.
وهذا غريب جدًّا؛ إذ لا يعرف في زمان موسى نبي سوى هارون، ثم يوشع بن نون.
وقد غلط أهل الكتاب أيضًا في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله ﷿؛ فإن موسى الكليم ﵇ (^٨) قد سأل ذلك، فمنع منه، فكيف يناله هؤلاء السبعون؟
القول الثاني في الآية] (^٩): قال عبد الرحمن (^١٠) بن زيد بن أسلم في تفسير هذه الآية: قال لهم موسى لما رجع من عند ربه بالألواح قد كُتب فيها التوراة، فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا؛ فتاب الله عليهم؛ فقال: إن هذه الألواح فيها كتاب الله فيه أمركم الذي أمركم به، ونهيكم الذي نهاكم عنه؛ فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا، والله حتى نرى الله جهرةً حتى يطلع الله علينا فيقول: هذا كتابي فخذوه؛ فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى؟ وقرأ قول الله: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال: فجاءت غضبة من الله؛ فجاءتهم صاعقة بعد التوبة، فصعقتهم فماتوا أجمعون.
قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قول الله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله؛ فقالوا: لا. فقال: أي شيء أصابكم؟ فقالوا: أصابنا أنا متنا ثم أحيينا، قال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. فبعث الله ملائكةً فنتقت الجبل فوقهم.
[وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا.
وقد حكى الماوردي (^١١) في ذلك قولين:
أحدهما: أنه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرةً حتى صاروا مضطرين إلى التصديق] (^١٢).
_________________
(١) بياض في "ض".
(٢) ساقط من (ك).
(٣) كذا في (ج) و(ض) و(هـ) و(ى). وفي (ن): "وواعدهم"؛ وفي (ل): "وعدهم".
(٤) ساقط من (ن).
(٥) ساقط من (ز) و(ض).
(٦) ساقط من (ن) و(هـ).
(٧) من (ج).
(٨) من (ن).
(٩) ساقط من (ز) و(ض).
(١٠) أخرجه ابن جرير (٩٥٩).
(١١) لم أجد قوله هذا في "تفسيره" (١/ ١٢٣) عند تفسير هذه الآية، فلعله ذكره في موضع آخر أو في كتاب آخر. وقوله هذا نقله القرطبي في "تفسيره" عنه.
(١٢) ساقط من (ز) و(ض).
[ ١ / ٣٩٩ ]
[والثاني: أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف. قال القرطبي (^١): وهذا هو الصحيح؛ لأن معاينتهم للأمور (القطعية) (^٢) لا تمنع تكليفهم؛ لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أمورًا عظامًا من خوارق العادات، وهم في ذلك مكلفون. وهذا واضح (^٣). والله أعلم] (^٤).
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾.
لما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم شرع يذكرهم أيضًا بما أسبغ عليهم من النعم فقال: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ وهو جمع غمامة، سمي بذلك لأنه يغم السماء؛ أي: يواريها ويسترها، وهو السحاب الأبيض، ظللوا به في التيه ليقيهم حر الشمس، كما رواه النسائي وغيره، عن ابن عباس في "حديث (الفتون) (^٥) "؛ قال: ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام.
قال ابن أبي (^٦) حاتم: وروي عن ابن عمر، والربيع بن أنس، وأبي مجلز، والضحاك، والسدي نحو قول ابن عباس.
وقال الحسن، وقتادة (^٧): ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ كان هذا في البرية، ظلل عليهم الغمام من الشمس.
وقال (ابن جريج) (^٨): (وقال آخرون): وهو غمام أبرد من هذا وأطيب.
وقال ابن أبي (^٩) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ قال: ليس بالسحاب؛ هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، ولم يكن إلا لهم.
وهكذا رواه ابن جرير عن المثنى بن إبراهيم، عن أبي حذيفة؛ وكذا رواه الثوري (^١٠) وغيره، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد؛ وكأنه يريد - والله أعلم - أنه ليس من زي هذا السحاب؛ بل أحسن منه، وأطيب وأبهى منظرًا؛ كما قال سنيد في "تفسيره" (^١١) عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج؛ قال: قال ابن عباس: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ قال: غمام أبرد من هذا وأطيب، وهو الذي يأتي الله فيه في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ (وَالْمَلَائِكَةُ) (^١٢)﴾ [البقرة: ٢١٠] وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر.
_________________
(١) في "تفسيره" (١/ ٤٠٥).
(٢) في (ل) و(هـ) و(ن): "الفظيعة".
(٣) في حاشية (ج): "أخر الجزء الخامس من أجزاء المؤلف".
(٤) ساقط من (ز) و(ض).
(٥) في (ك): "المفتون".
(٦) في "تفسيره" (ص ١٧٤ - البقرة).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٢) بسند جيد. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٧٠) لعبد بن حميد وسياقه أطول.
(٨) وقع في (ز) و(ن) و(هـ): "ابن جرير" وهو خطأ. وقول ابن جريج هذا قاله ابن أبي حاتم في "تفسيره" (ص ١٧٥).
(٩) في "تفسيره" (٥٥٣) وهو عند ابن جرير (٩٦٣). [وسنده صحيح].
(١٠) أخرجه ابن جرير (٩٦٢) من طريق أبي أحمد الزبيري، ثنا سفيان الثوري. [وسنده صحيح].
(١١) ومن طريقه ابن جرير (٩٦٥) وسنده ضعيف لإعضاله.
(١٢) من (ز) و(ن).
[ ١ / ٤٠٠ ]
قال ابن عباس: وكان معهم في التيه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾ اختلفت عبارات المفسرين في المن ما هو؟ فقال علي بن أبي (^١) طلحة، عن ابن عباس: كان المن ينزل عليهم على الأشجار، فيغدون إليه، فيأكلون منه ما شاءوا.
وقال مجاهد (^٢): المن: صمغة. وقال عكرمة (^٣): المن: شيء أنزله الله عليهم مثل الطل شبه الرُّبِّ الغليظ.
وقال السدي (^٤): قالوا: يا موسى! كيف لنا بما ها هنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن، فكان يسقط على (الشجرة الزنجبيل) (^٥).
وقال قتادة (^٦): كان المن ينزل عليهم في محلتهم سقوط الثلج، أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك؛ فإذا (تعدى) (^٧) ذلك فسد، (و) (^٨) لم يبق، حتى إذا كان يوم سادسه [اليوم جمعته] (^٩) أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عيد، لا يشخص فيه لأمر معيشته، ولا يطلبه لشيء؛ وهذا كله في البرية.
وقال الربيع (^١٠) بن أنس: المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه.
وقال وهب بن (^١١) منبه - وسئل عن المن - فقال: (خبز الرقاق) (^١٢) مثل الذرة، أو مثل النقي.
وقال أبو جعفر (^١٣) بن جرير: حدثني (أحمد) (^١٤) بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٦). [وسنده ثابت].
(٢) أخرجه ابن جرير (٩٦٦)؛ وابن أبي حاتم (٥٥٧) وهو صحيح، وعزاه الحافظ في "الفتح" (٨/ ١٦٤) للفريابي، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٧٠) لوكيع وعبد بن حميد.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٥٨) وفي سنده حفص بن عمر العدني وهو متروك. وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٧٠) لعبد بن حميد.
(٤) أخرجه ابن جرير (٩٧٣)؛ وابن أبي حاتم (٥٥٩). [وسنده حسن].
(٥) كذا في (ج) و(ض) و(ع) و(ى) وهو الموافق لما في "تفسير ابن أبي حاتم". ووقع في "تفسير الطبري": "شجر الزنجبيل" وهو الموافق لما في (ز)؛ وفي (ن): "شجرة الزنجبيل".
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٠) وفي إسناده سعيد بن بشير، وهو ضعيف لا سيما في قتادة. وأخرجه ابن جرير (٩٦٨) من وجه آخر جيد مختصرًا.
(٧) في (ل): "بعد"!
(٨) في (ل): "أو".
(٩) ساقط من (هـ).
(١٠) أخرجه ابن جرير (٩٦٩)؛ وابن أبي حاتم (٥٦٢). [وسنده جيد].
(١١) أخرجه ابن جرير (٩٧٢)؛ وابن أبي حاتم (٥٦١) من طريقين عن إسماعيل بن عبد الكريم حدثني عبد الصمد بن معقل، سمعت وهبًا فذكره وسنده جيد.
(١٢) في (ن): "خبز رقاق".
(١٣) في "تفسيره" (٩٧١) وفي سنده جابر الجعفي، وهو واه.
(١٤) في (ن): "محمد" وهو خطأ.
[ ١ / ٤٠١ ]
إسرائيل، عن جابر، عن عامر - وهو الشعبي - قال: عسلكم هذا جزء من سبعين جزءًا من المن.
وكذا قال عبد الرحمن (^١) بن زيد بن أسلم إنه العسل.
ووقع في شعر أمية بن أبي الصلت حيث قال (^٢):
فرأى الله أنهم بمضيع … لا بذي مزرع ولا مثمورًا
فسناها (^٣) عليهم غاديات … ومرى مزنهم خلايا وخورًا
عسلًا ناطفًا وماءً فراتًا وحليبًا ذا بهجة (مرمورًا) (^٤)
فالناطف هو السائل. والحليب المرمور: الصافي منه.
والغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن؛ فمنهم من فسره بالطعام، ومنهم من فسره بالشراب والظاهر - والله أعلم - أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب، وغير ذلك مما ليس لهم فيه عمل ولا كد؛ فالمن المشهور إن أكل وحده كان طعامًا وحلاوةً، وإن مزج مع الماء صار شرابًا طيبًا، وإن ركب مع غيره صار نوعًا آخر؛ ولكن ليس هو المراد من الآية وحده.
والدليل على ذلك قول البخاري (^٥): حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن عبد الملك، عن عمرو بن حريث، عن سعيد بن زيد ﵁؛ قال: قال النبي ﷺ: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين".
وهذا الحديث رواه الإمام (^٦) أحمد، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك؛ وهو ابن عمير، به. وأخرجه الجماعة في كتبهم إلا أبا داود من طرق: عن عبد الملك، وهو ابن عمير، به.
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٩٧٠) وسنده صحيح.
(٢) هو في "ديوانه" (ص ٣٤، ٣٥).
(٣) في "الديوان": "فعفا لها" ووقعت الأبيات في "تفسير الطبري" مخالفة لبعض ما نفله المصنف هاهنا. ونصها عنده هكذا: فرأى الله أنهم بمضيع … لا بذي مزرع ولا معمورا فنساها عليهم غاديات … ومرى مزنهم خلايا وخورًا عسلًا ناطفًا، وماءً فراتًا … وحليبًا ذا بهجة مثمورًا وقد تكلم الأستاذ الألمعي محمود شاكر حفظه الله تعالى في شأن هذا الاختلاف، وزيف بعض الكلمات فيه، وذلك في تعليقه على "تفسير الطبري" (٢/ ٩٤، ٩٥) فراجعه.
(٤) كذا في (ز) و(ض) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ى)، برائين؛ وفي (ج) و(ن): "مزمورًا" بزاي ثم راء مهملة. وقال الشيخ محمود شاكر حفظه الله (٢/ ٩٥) بعد أن نقل عن ناسخ مخطوطة "الطبري" أنه قال في طرف الصفحة: "المزمور: الصافي من اللبن. قال: وذلك شيء لا وجود له في كتب اللغة". ثم جعل مكان هذه اللفظة: "مثمورًا" ثم قال: "ولم أجد "مثمورًا" في كتب اللغة، ولكن يقال: الثمر والثميرة: اللبن الذي ظهر زبده وتحبب. قال ابن شميل: إذا مخض رؤي عليه أمثال الحصف في الجلد، ثم يجتمع فيصير زبدًا، وما دامت صغارًا فهو ثمير. ويقولون: إن لبنك لحسن الثمر، وقد أثمر مخاضك. فكأه قال: "مثمورًا" ويعني: "ثميرًا" لأن "فعيلًا" بمعنى "مفعول" هنا". اهـ.
(٥) في "كتاب التفسير" من "صحيحه" (٨/ ١٦٣) وسفيان هنا: هو الثوري. ثم رواه في "تفسير سورة الأعراف" (٨/ ٣٠٣) قال: حدثنا مسلم، ثنا شعبة، عن عبد الملك بن عمير بسنده سواء. وأخرجه في "الطب" (١٠/ ١٦٣) عن غندر عن شعبة به.
(٦) في "مسنده" (١/ ١٨٧) وعنه القطيعي في "جزء الألف دينار" (٤٧) قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك به وأخرجه مسلم (٢٠٤٩).
[ ١ / ٤٠٢ ]
[وقال الترمذي: "حسن صحيح".
ورواه البخاري (^١) ومسلم (والنسائي) (^٢) من رواية الحكم عن الحسن العرني، عن عمرو بن حريث، به] (^٣).
وقال الترمذي (^٤): حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر ومحمود بن غيلان؛ قالا: حدثنا سعيد بن عامر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم، والكمأة من المن وماؤها شفاء للعين".
تفرد بإخراجه الترمذي؛ ثم قال: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن عمرو، وإلا من حديث (سعيد) (^٥) بن عامر عنه. وفي الباب عن سعيد بن زيد، وأبي سعيد، وجابر - كذا قال!
وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في "تفسيره" (^٦) من طريق آخر، عن [أبي هريرة، فقال: حدثنا أحمد بن (الحسين) (^٧) بن أحمد البصري، حدثنا أسلم بن سهل، حدثنا القاسم بن عيسى، حدثنا] (^٨) طلحة بن عبد الرحمن، (هذا سلمي واسطي يكنى بأبي محمد) (^٩)، [عن (قتادة) (^١٠)، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين"] (^١١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في "الطب" من "صحيحه" (١٠/ ١٦٣)؛ ومسلم (٢٠٤٩).
(٢) ساقط من (ن).
(٣) ساقط من (هـ).
(٤) في "سننه" (٢٠٦٦). وأخرجه الطحاوي في "المشكل" (٥٦٧٥)؛ وأبو الحسن أحمد بن محمد بن القاسم بن الصلت في "جزء من حديث ابن عبد العزيز الهاشمي وابن المطيري" (ق ٧٦/ ١) من طريق سعيد بن عامر بسنده سواء. وقال البغوي في "شرح السنة" (١١/ ٣٢٦): "إسناده غريب". (*) قلت: وهو إسناد حسن.
(٥) في (ل): "محمد" وهو خطأ.
(٦) وإسناده ضعيف جدًّا. وطلحة بن عبد الرحمن هذا، ذكره بحشل في "تاريخ واسط" (ص ١٦٣) وترجمه ابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٤٣٢، ١٤٣٣) وقال: "روى عن قتادة شيئًا لا يتابعونه عليه" ثم روى له بعض المناكير وقال: "ولطلحة غير ما ذكرت من الحديث مما يرويه عن قتادة، منه ما يتابعونه عليه، ومنه ما لا يتابع عليه". ثم رواية قتادة عن سعيد بن المسيب، كان ابن المديني يضعفها. قال إسماعيل القاضي في "أحكام القرآن": سمعت علي بن المديني يضعف أحاديث قتادة عن سعيد بن المسيب تضعيفًا شديدًا وقال: "أحسب أن أكثرها بين قتادة وسعيد فيها رجال". وهو يشير إلى تدليس قتادة. ولم أقف على من خرّج هذا الوجه عن أبي هريرة ﵁ إلا ما ذكره ابن أبي حاتم الرازي في "العلل" (١٦٩٨) وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله قريبًا.
(٧) كذا في (ج) و(ك) و(ل) و(ى)؛ وفي (ز) و(ض) و(ن): "الحسن" وهو خطأ.
(٨) ساقط من (هـ). وانظر: "ثلاثة مجالس لابن مردويه" رقم (٤٧) وقال المحقق: "لم أعرفه".
(٩) من (ج).
(١٠) في (ج) و(ل): "عبادة"!! وهو خطأ ظاهر.
(١١) ساقط من (ك).
[ ١ / ٤٠٣ ]
[وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وطلحة بن عبد الرحمن] (^١) هذا (سلمي واسطي) (^٢) يكنى بأبي محمد، وقيل: أبو سليمان المأدب، قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي: "روى عن قتادة أشياء لا يتابع عليها".
ثم قال الترمذي (^٣): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة - أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا: الكمأة جدري الأرض. فقال نبي الله ﷺ: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم".
[وهذا الحديث قد رواه النسائي (^٤)، عن محمد بن بشار، به؛ وعنه (^٥)، عن غندر، عن] (^٦)
_________________
(١) ساقط من (ك).
(٢) في (ن): "السلمى الواسطي".
(٣) في "سننه" (٢٠٦٨). وأخرجه أبو نعيم في "الطب" (ق ٩٦/ ١) من هذا الوجه بذكر العجوة حسب. وأخرجه أحمد (٢/ ٥١١) قال: حدثنا أبو داود، يعني: الطيالسي، ثنا هشام الدستوائي بسنده سواء بتمامه وتوبع هشام الدستوائي. تابعه أبان بن يزيد العطار، عن قتادة، عن شهر، عن أبي هريرة فذكره أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٧) قال: حدثنا أسود بن عامر، ثنا أبان به. وتابعه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة بسنده سواء. أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٦، ٤٩٠) قال: حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، ثنا ابن أبي عروبة. وخولف السهمي؛ خالفه روح بن عبادة وعبد الأعلى بن عبد الأعلى فروياه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي هريرة فذكره. فزاد في الإسناد: "عبد الرحمن بن غنم" بين "شهر" و"أبي هريرة". أخرجه النسائي في "الكبرى" (٦٦٧٠)؛ وأحمد (٢/ ٣٢٥)؛ وأخرجه النسائي أيضًا (٦٧٢١) مختصرًا بذكر العجوة فقط. وهذا الوجه أقوى، وعبد الأعلى من قدماء أصحاب سعيد بن أبي عروبة غير أن قتادة توبع على الوجه الأول، وهو أن شهر بن حوشب يرويه عن أبي هريرة بلا واسطة كما يأتي تحقيقه إن شاء الله.
(٤) في "السنن الكبرى" كما في "أطراف المزي" (١٠/ ١١٢) ولم أجد رواية محمد بن بشار عن معاذ بن هشام في "المطبوعة"، فلعله سقط منها؛ وأخرجه النسائي أيضًا (٦٦٧١، ٦٧٢٠) قال: أخبرنا نصير بن الفرج، ثنا معاذ بن هشام بسنده سواء. واختصره في الموضع الثاني فذكر العجوة وحدها.
(٥) يعني: أن النسائي رواه عن محمد بن بشار أيضًا، لكن عن غندر، وهو محمد بن جعفر، عن شعبة … إلخ. وهو عنده في "السنن الكبرى" (٦٦٧٣) ورواه أيضًا من هذا الوجه (٦٧١٩) بشطره الثاني وهو ذكر العجوة. وأخرجه أحمد (٢/ ٣٠١، ٣٠٥، ٤٨٨)؛ والطيالسي (٢٣٩٧)؛ وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (٥٠٧)؛ وأبو يعلى (ج ١١/ رقم ٦٣٩٨)؛ والطبراني في "الأوسط" (٣٣٨٨) من طرق عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة. وعند أحمد بتمامه. ورواه عن أبي بشر هكذا: "شعبة، وحماد بن سلمة، وهشيم بن بشير، وأبان بن تغلب" وخالفهم الأعمش فرواه عن أبي بشر، عن شهر بن حوشب عن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله مرفوعًا فذكره. أخرجه النسائي في "الكبرى" (٦٦٧٤) وخالف كل من تقدم: سعَّاد، بتشديد العين المهملة، الكوفي فرواه عن أبي بشر، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة فذكره مرفوعًا. ذكره ابن أبي حاتم في "العلل" (١٦٩٨) وسأل عنه أباه فقال: "إنما هو جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ". اهـ فحكم أبو حاتم على رواية سعاد بالغلط، ولا جرم، فقد قال أبو حاتم فيه: "ليس بقوي في الحديث" كما نقله عنه ابنه في "الجرح والتعديل" أما حديث أبي سعيد وجابر فسيأتي الكلام عليه قريبًا إن شاء الله.
(٦) ساقط من (ص).
[ ١ / ٤٠٤ ]
[شعبة، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن] (^١) [شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، به، وعن (^٢) محمد بن بشار، عن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن شهر بن حوشب بقصة الكمأة فقط.
(ورواه) (^٣) النسائي (^٤) أيضًا، وابن ماجه، من حديث محمد بن بشار، عن أبي عبد الصمد (عبد العزيز) (^٥) بن عبد الصمد، عن مطر الوراق، عن شهر بقصة العجوة عند النسائي، وبالقصتين عند ابن ماجه] (١).
وهذه الطريق منقطعة بين شهر بن حوشب وأبي هريرة؛ فإنه لم يسمع (^٦) منه، بدليل ما رواه النسائي (^٧) في "الوليمة" من "سننه" عن علي بن الحسين الدرهمي، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي هريرة؛ قال: خرج رسول الله ﷺ وهم يذكرون الكمأة، وبعضهم يقول: جدري الأرض. فقال: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين".
وروى عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد، وجابر؛ كما قال الإمام أحمد (^٨): حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن جابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري؛ قالا: قال رسول الله ﷺ: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين. والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم".
_________________
(١) ساقط من (هـ).
(٢) يعني: ورواه النسائي أيضًا عن محمد بن بشار، عن عبد الأعلى … إلخ. وهو عنده في "السنن الكبرى" (٤/ ١٥٧) ولم يذكر العجوة. وأخرجه إسحاق بن راهويه في "المسند" (١٤٨) عن عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء به.
(٣) في (ز) و(ن): "وروى".
(٤) في "سننه الكبرى"، كما في "أطراف المزي" (١٠/ ١١٢)؛ وابن ماجه (٣٤٥٥)؛ والطبراني في "مسند الشاميين" (١٢٩٥)؛ والجرجاني في "الأمالي" (ق ٢٧/ ٢ - ٢٨/ ١)؛ والبغوي في "شرح السنة" (١١/ ٣٣٣) من طرق عن مطر الوراق، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة فذكره وهو عند النسائي مختصر كما قال المصنف ﵀. [وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٧٨٣)].
(٥) في (ن): "ابن عبد العزيز".
(٦) يعني: لم يسمع منه هذا الحديث بخصوصه، لا أنه لم يسمع منه مطلقًا، ولم أر من نفي سماعه من أبي هريرة وقال عبد الحميد بن بهرام، وهو من العالمين بشهر: "أتى على شهر بن حوشب ثمانون عامًا" وقال أيضًا: "مات شهر سنة ثمان وتسعين" وأقصى ما قيل في تاريخ وفاته، أنه مات سنة (١١٢). ومات أبو هريرة ﵁ سنة (٥٨) وقيل قبلها بسنة أو بعدها بسنة فقد أدركه طويلًا. والله أعلم.
(٧) في "سننه الكبرى" (٦٦٧٠). وأخرجه أحمد (٢/ ٣٢٥) قال: حدثنا روح بن عبادة، ثنا سعيد بن أبي عروبة. بسنده سواء. هكذا رواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى وروح بن عبادة. وخالفهما عبد الله بن بكر السهمي، فرواه عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة به فسقط ذكر "عبد الرحمن بن غنم"؛ أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٦، ٤٩٠). ورواية عبد الأعلى وروح أقوى، لا سيما وعبد الأعلى من قدماء أصحاب سعيد بن أبي عروبة، لكن الشأن في شهر بن حوشب كما يأتي إن شاء الله.
(٨) في "مسنده" (٣/ ٤٨). وأخرجه النسائي في "الكبرى" (٦٦٧٤، ٦٦٧٦)؛ وابن ماجه (٣٤٥٣)؛ والطحاوي في "المشكل" (٥٦٧٤)؛ والعقيلي في "الضعفاء" (١/ ١٢٠) من طرق عن الأعمش بسنده سواء. [وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه دون العجوة في الجنة (ح ٢٧٨١)].
[ ١ / ٤٠٥ ]
وقال النسائي (^١) في "الوليمة" أيضًا: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد وجابر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين".
ثم رواه أيضًا وابن ماجه من طرق عن الأعمش، عن أبي بشر، عن شَهْرٍ عنهما، به.
[وقد روياه - أعني النسائي (^٢)] (^٣) - (من حديث جرير) (^٤)، وابن ماجه (من حديث) (^٥) سعيد (بن مسلمة) (^٦)، كلاهما عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد. (زاد) (^٧) النسائي (حديث) (^٨) جابر، عن النبي ﷺ قال: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين".
ورواه ابن مردويه، عن أحمد بن عثمان، عن عباس الدوري، عن لاحق بن صؤاب، عن عمار بن رزيق، عن الأعمش؛ كابن ماجه.
وقال ابن مردويه أيضًا: حدثنا أحمد بن عثمان، حدثنا عباس الدوري، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كمآت، فقال: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين".
وأخرجه النسائي (^٩) عن عمرو بن منصور، عن الحسن بن الربيع، به.
ثم ابن مردويه رواه أيضًا عن عبد الله بن إسحاق، عن الحسن بن سلام، عن عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن الأعمش، به.
وكذا رواه النسائي (^١٠)، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن عبيد الله بن موسى.
وقد روي من حديث أنس (^١١) بن مالك ﵁، كما قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن
_________________
(١) في "سننه الكبرى"، كما في "أطراف المزي" (٢/ ١٨٩).
(٢) في "السنن الكبرى" (٦٦٧٦)؛ والطحاوي في "المشكل" (٥٦٧٤) من حديث جرير بن عبد الحميد عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد وجابر به. وأخرجه ابن ماجه (٣٤٥٣/ ٢) من حديث سعيد بن مسلمة بن هشام عن الأعمش مثله ولم يذكر "جابرًا". [وصححه الألباني كما سبق دون ذكر العجوة].
(٣) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ل) و(ى)؛ وفي (ك) و(ن) و(هـ): "ثم رواه".
(٤) من (ل) و(ن) و(ى).
(٥) في (ك) و(هـ): "من طرق".
(٦) في (ن): "ابن أبي سلمة" وهو خطأ.
(٧) في (ن): "ورواه".
(٨) ساقط من (ز) و(ض).
(٩) في "سننه الكبرى"، كما في "أطراف المزي" (٣/ ٣٨٨، ٣٨٩). وأخرجه العقيلي في "الضعفاء" (١/ ١٢٠) قال: حدثنا محمد بن إسماعيل ثنا الحسن بن الربيع مثله.
(١٠) في "سننه الكبرى" رقم (٦٦٧٨). وأخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٤٤٦)؛ وأبو يعلى (١٣٤٨)؛ والعقيلي في "الضعفاء" (١/ ١٢٠) من طريق عبيد الله بن موسى، ثنا شيبان به.
(١١) أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٧٧٩) من طريق محمد بن موسى الجرشي، ثنا حسان بن سياه، ثنا ثابت، عن أنس مرفوعًا … فذكره بتمامه. =
[ ١ / ٤٠٦ ]
إبراهيم، حدثنا حمدون بن أحمد، حدثنا حوثرة بن أشرس، حدثنا حماد، عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس: أن أصحاب رسول الله ﷺ تدارءوا في الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار؛ فقال بعضهم: نحسبه الكمأة، فقال رسول الله ﷺ: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين. والعجوة من الجنة وفيها شفاء من السم".
وهذا الحديث محفوظ أصله (^١) من رواية حماد بن سلمة.
وقد روى الترمذي، والنسائي، من طريقه شيئًا من هذا. والله ﵎ (^٢) أعلم.
(وقد) (^٣) روي عن شهر، عن ابن عباس؛ كما رواه النسائي (^٤) أيضًا في "الوليمة" عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد، عن عبد الله بن عون الخراز، عن أبي عبيدة الحداد، عن عبد الجليل بن عطية، عن (شهر) (^٥)، عن عبد الله بن عباس، عن النبي ﷺ؟ قال: "الكماة من المن وماؤها شفاء للعين".
فقد اختلف كما ترى فيه على شهر بن حوشب.
ويحتمل عندي أنه حفظه ورواه من هذه الطرق كلها، وقد سمعه من بعض الصحابة، وبلغه عن بعضهم؛ فإن الأسانيد إليه جيدة؛ وهو لا يتعمد الكذب. وأصل الحديث محفوظ عن رسول الله ﷺ كما تقدم من رواية سعيد بن زيد (﵁) (^٦).
_________________
(١) = قال ابن عدي: "وحسان بن سياه له أحاديث غير ما ذكرت، وعامتها لا يتابعه غيره عليها، والضعف يتبين على رواياته وحديثه". اهـ. (*) قلت: وهو متروك. والله أعلم.
(٢) يقصد المصنف ﵀ بـ"أصل الحديث" ما أخرجه النسائي في "التفسير" (٢٨٢)؛ والترمذي (٣١١٩)؛ وأبو يعلى (٤١٦٥)؛ وابن حبان (٤٧٥)؛ والطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٣٦)؛ والحاكم (٢/ ٣٥٢)؛ والضياء في "المختارة" (٦/ ١٩٢، ١٩٣) من طرق عن حماد بن سلمة، عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس أن رسول الله ﷺ أتى بقناع جزء فقال: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٤، ٢٥] فقال: "هي النخلة" ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾ [إبراهيم: ٢٦] قال: "هي الحنظلة". وأعله الترمذي بالوقف ويأتي الكلام عليه في تفسير "سورة إبراهيم" إن شاء الله تعالى. فظاهر من هذا الحديث أنه لا يشترك مع حديث "الكمأة" في شيء من معانيه، اللهم إلا قوله: "الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض" وهذا القدر لا يكفي أن يقال فيه: "أصل الحديث" إلا إذا كان فيه شيء من صلب معناه والله أعلم.
(٣) من (ل).
(٤) من (ج).
(٥) في "سننه الكبرى" (٦٦٦٩). وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (ج ١٢/ رقم ١٣٠١٠) ومن طريقه الضياء في "المختارة" (١٠/ ٢١٥) قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا عبد الله بن عون بسنده سواء. وسنده ضعيف. وعبد الجليل بن عطية مختلف فيه فوثقه ابن معين، ولينه البخاري. وقال أبو أحمد الحاكم: "حديثه ليس بالقائم". وقال ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٤٢١): "يعتبر حديثه عند بيان السماع في خبره إذا رواه عن الثقات، وكان من دونه ثقة" وهذا الشرط مفقود هنا في شيخه. وله طريق آخر عن ابن عباس أخرجه الطبراني في "معاجمه الثلاثة" بسند ضعيف.
(٦) ساقط من (ن).
(٧) من (ل) و(ن).
[ ١ / ٤٠٧ ]
وأما السلوى فقال علي بن (^١) أبي طلحة، عن ابن عباس: السلوى: طائر (شبيهة) (^٢) بالسماني؛ كانوا يأكلون منه.
وقال السدي (^٣) في خبر ذكره عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة: السلوى: طائر يشبه (^٤) السماني.
وقال ابن أبي (^٥) حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا قرة بن خالد، عن جهضم، عن ابن عباس؛ قال: السلوى هو السماني.
وكذا (^٦) قال مجاهد، والشعبي، والضحاك، والحسن، وعكرمة، والربيع بن أنس رحمهم الله تعالى؛ وعن عكرمة (^٧): أما السلوى فطير كطير يكون بالجنة أكبر من العصفور. أو نحو ذلك.
وقال قتادة (^٨): السلوى كان من طير إلى الحمرة تحشرها عليهم الريح الجنوب، وكان الرجل يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدى فسد، ولم يبق عنده، حتى إذا كان يوم سادسه [ليوم (جمعته) (^٩) أخذ ما يكفيه ليوم سادسه] (^١٠) ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عبادة لا يشخص فيه لشيء ولا يطلبه.
وقال وهب (^١١) بن منبه: السلوى: طير سمين مثل (الحمام) (^١٢)، كان يأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت. وفي رواية - عن وهب (^١٣)؛ قال: سألت بنو إسرائيل موسى ﵇ لحمًا،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٤) وسنده منقطع.
(٢) في (ن): "يشبه".
(٣) أخرجه ابن جرير (٩٧٩) بسند حسن.
(٤) السماني: بتشديد السين المهملة بعدها ميم مخففة. قال الجوهري في "الصحاح" (٥/ ٢١٣٨): "طائر، ولا يقال: سماني بالتشديد" يعني: بتشديد الميم.
(٥) في "تفسيره" (٥٦٣) ورجاله مشهورون بالثقة إلا جهضمًا هذا، فلم أستطع تعيينه، وأظنه جهضم أبا رؤبة الباهلي ترجمه البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٢/ ٢٤٧)؛ وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (١/ ١/ ٥٣٤، ٥٣٥)؛ وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤/ ١١٣، ١١٨) روى عنه محرر بن قعنب وهو من شيوخ عبد الصمد بن عبد الوارث كما عند البخاري، وذكر ابن حبان أن عبد الصمد بن عبد الوارث يروى عنه، وهو مجهول الحال.
(٦) وهذا قول ابن أبي حاتم في "تفسيره". وأثر مجاهد عند ابن جرير (٩٨٢، ٩٨٣) وكذلك الشعبي (٩٨٧) وسنده ضعيف. وكذلك أثر الضحاك (٩٩٠) وسنده صحيح وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٧١)؛ لأبي الشيخ وعبد بن حميد. وأثر الربيع بن أنس عنده برقم (٩٨٦).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٨) وسنده واه فيه حفص بن عمر العوني وهو متروك.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٦٦) بطوله وفي سنده سعيد بن بشير وهو ضعيف في قتادة. وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٤٦) ومن طريقه ابن جرير (٩٨١) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة بلفظ: "والسلوى كانت تحشرها عليهم الريح الجنوب" وفي رواية عبد الرزاق كلام عن "المن" تقدم ذكره. وعزاه السيوطي (١/ ٧٠) لعبد بن حميد.
(٩) في (ل): "جمعه".
(١٠) ساقط من (ج).
(١١) أخرجه ابن جرير (٩٨٤) مختصرًا وأيضًا (٩٩٥) مطولًا وابن أبي حاتم (٥٦٧) وسنده جيد. وعزاه السيوطي (١/ ٧١) لعبد بن حميد.
(١٢) في (ن): "الحمامة".
(١٣) أخرجه سفيان بن عيينة، كما في "الدر المنثور" (١/ ٧١) ومن طريقه ابن أبي حاتم (٥٦٥) بسند صحيح.
[ ١ / ٤٠٨ ]
فقال الله: لأطعمنهم من أقل لحم يعلم في الأرض، فأرسل عليهم ريحًا، فأذرت عند مساكنهم السلوى، وهو السماني، مثل ميل في ميل قيد رمح في السماء، فخبأوا للغد، فنتن اللحم، وخنز الخبز.
وقال السدي (^١): لما دخل بنو إسرائيل التيه قالوا لموسى ﵇: كيف لنا بما ها هنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن، فكان (يسقط) (^٢) على (الشجر) (^٣) (الزنجبيل) (^٤) والسلوى، وهو طائر يشبه السماني أكبر منه؛ فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، فإن كما سمينًا ذبحه وإلا أرسله؛ فإذا سمن أتاه فقالوا: هذا الطعام، فأين الشراب؟ فأُمر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، فشرب كل سبط من عين، فقالوا: هذا الشراب، فأين الظل؟ فظلل عليهم الغمام، فقالوا: هذا الظل، فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما يطول الصبيان، ولا (يتخرق) (^٥) لهم ثوب؛ فذلك قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ وقوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ (الآية) (^٦) [البقرة: ٦٠].
وروي عن وهب (^٧) بن منبه، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو ما قاله السدي.
وقال سنيد (^٨)، عن حجاج، عن ابن جريج؛ قال: قال ابن عباس: خلق لهم في التيه ثياب لا (تخرق) (^٩) ولا تدرن.
قال ابن جريج: (وكان) (^١٠) الرجل إذا أخذ من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فاسدًا.
[قال ابن (^١١) عطية: السلوى طير بإجماع المفسرين؛ وقد غلط الهذلي في قوله: إنه العسل، وأنشد في ذلك مستشهدًا:
وقاسمها بالله جهدًا لأنتم … ألذ من السلوى إذا ما (أشورها (^١٢»
قال: فظن أن السلوى عسلًا] (^١٣).
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٩٩١) بسند حسن. واختصره المصنف.
(٢) في (ن): "ينزل".
(٣) في (ل) و(ن): "شجر".
(٤) في "تفسير ابن جرير": "الترنجيبين" وأشار المحقق إلى أنه وقع في "مخطوطة ابن جرير" أن الكلمة "الزنجبيل" وكذلك وقعت الكلمة هكذا في كل أصول "تفسير ابن كثير" نقلًا عن "ابن جرير" مما يدل على صحتها، وأن ما اختاره المحقق حفظه الله ضعيف والله أعلم.
(٥) كذا في (ج) و(ل) و(ن) و(ى)؛ وفي (ز) و(ض) و(ك) و(هـ): "ينخرق".
(٦) من (ن).
(٧) أخرجه ابن جرير (٩٩٥) مطولًا.
(٨) أخرجه ابن جرير (٩٩٧) وسنده ضعيف لإعضاله.
(٩) في (ل): "تخلق".
(١٠) في (ز) و(ن): "فكان".
(١١) في "تفسيره" (١/ ٣٠٥) وقد اختصر المصنف عبارته.
(١٢) كذا في سائر "الأصول"؛ وفي "تفسير ابن عطية" و"القرطبي": "نشورها" بنون في أوله. وفي "لسان العرب" (٣/ ٢٣٥٦): "شار العسل يشوره شورًا وشيارًا وشيارة ومشارًا ومشارةً: استخرجه من الوقبة واجتناه".
(١٣) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).
[ ١ / ٤٠٩ ]
[قال القرطبي (^١): دعوى الإجماع لا تصح؛ لأن (المؤرج) (^٢) أحد علماء اللغة والتفسير قال: إنه العسل؛ واستدل ببيت الهذلي هذا، وذكر أنه كذلك في لغة كنانة لأنه (يسلى) (^٣) به، ومنه: عين سلوان.
وقال الجوهري: السلوى: العسل. واستشهد ببيت الهذلي أيضًا. والسلوانة - بالضم: خرزة كانوا يقولون إذا صب عليها ماء المطر] (^٤) [فشربها العاشق سلا؛ قال الشاعر:
شربت على سلوانة ماء مزنة … فلا وجديد العيش يا ميُّ ما أسلو
واسم ذلك الماء: السلوان.
وقال بعضهم: السلوان دواء (يشفي) (^٥) الحزين فيسلو، والأطباء يسمونه ("المفرج") (^٦).
قالوا: والسلوى جمع بلفظ الواحد أيضًا، كما يقال: "سمانا" للمفرد والجمع [(ودفلى) (^٧) كذلك] (^٨). وقال الخليل: واحده سلواة، وأنشد:
وإني لتعروني لذكراك هزة … كما انتفض السلواة من بلل القطر
وقال الكسائي: السلوى واحدة، وجمعه سلاوى: نقله كله القرطبي] (^٤).
وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أمر إباحة وإرشاد وامتنان.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدوا، كما قال: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [سبأ: ١٥] فخالفوا وكفروا، فظلموا أنفسهم؛ هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات، والمعجزات القاطعات، وخوارق العادات.
ومن ها هنا (تتبين) (^٩) فضيلة أصحاب محمد (ﷺ) (^١٠) و﵃، على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم، (كما كانوا) (^١١) معه في أسفاره وغزواته، منها عام تبوك، في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد، لم يسألوا خرق عادة، ولا إيجاد أمر، مع أن ذلك كان سهلًا على (الرسول) (^١٢) ﷺ، ولكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم، فجمعوا ما معهم، فجاء قدر مبرك الشاة، فدعا الله فيه، وأمرهم فملئوا كل وعاء معهم. وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى، (فجاءت) (^١٣) سحابة فأمطرتهم فشربوا وسقوا الإبل، وملئوا أسقيتهم، ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر.
فهذا هو الأكمل في الاتباع: المشي مع قدر الله، مع متابعة الرسول ﷺ.
_________________
(١) في "تفسيره" (١/ ٤٠٧).
(٢) بكسر الراء المشددة، ابن عمرو، أبو فيد السدوسي أحد أصحاب الخليل بن أحمد الفراهيدي، من طبقة سيبويه والنضر بن شميل. توفي سنة (١٩٥) يوم موت أبي نواس الشاعر المعروف.
(٣) في (ل): "سبلى"!
(٤) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).
(٥) في (ك): "يسقى"؛ وفي (ل): "شفى".
(٦) في (ن): "مفرج".
(٧) في (ن): "وويلى"!
(٨) بياض في (ع) و(ى).
(٩) في (ج): "يتبين".
(١٠) في (ج) و(ض) و(ك): "صلوات الله وسلامه عليه".
(١١) في (ن): "مع ما كانوا".
(١٢) في (ن): "النبي".
(١٣) في (ن): "فجاءتهم".
[ ١ / ٤١٠ ]
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾.
يقول تعالى، لائمًا لهم على نكولهم عن الجهاد، ودخولهم الأرض المقدسة لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى ﵇؛ فأُمروا بدخول الأرض المقدسة التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل، وقتال من فيها من العماليق الكفرة، فنكلوا عن قتالهم، وضعفوا، واستحسروا؛ فرماهم الله (تعالى) (^١) في التيه عقوبةً لهم، كما ذكره تعالى في "سورة المائدة".
ولهذا كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس، كما نص على ذلك السدى (^٢)، والربيع (^٣) بن أنس، وقتادة (^٤)، [أبو مسلم الأصفهاني، وغير واحد. [وقد قال (الله) (^٥) تعالى] (^٦)، حاكيًا عن موسى: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ (وَلَا تَرْتَدُّوا) …﴾ الآيات [المائدة: ٢١] (^٧)] (^٨).
وقال آخرون: هي أريحا، [ويحكى عن ابن عباس، وعبد الرحمن (^٩) بن زيد] (^١٠)، وهذا بعيد؛ لأنها ليست على طريقهم وهم قاصدون بيت المقدس لا أريحا، [وأبعد من ذلك قول من ذهب إلى أنها مصر، حكاه (فخر الدين) (^١١) (الرازي) (^١٢) في "تفسيره" (^١٣) والصحيح الأول: أنها بيت المقدس] (¬).
(وكان (^١٤) هذا) لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنةً مع يوشع بن نون ﵇، وفتحها الله عليهم عشية جمعة، وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلًا حتى أمكن الفتح (^١٥). [وأما "أريحا"، فقرية ليست مقصودةً لبني إسرائيل] (^١٦).
ولما فتحوها أُمروا أن يدخلوا الباب، باب البلد، ﴿سُجَّدًا﴾ أي: شكرًا لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر، ورد بلدهم عليهم، وإنقاذهم من التيه والضلال.
قال العوفي (^١٧) في "تفسيره"، عن ابن عباس إنه كان يقول في قوله (تعالى) (^١٨): ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: ركعًا.
_________________
(١) من (ج) و(ض) و(ع) و(ل) و(ى).
(٢) أخرجه ابن جرير (١٠٠٠) وسنده حسن.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٠٠١) وسنده ضعيف لجهالة شيخ الطبري.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٤٦) ومن طريقه ابن جرير (٩٩٩)؛ وابن أبي حاتم (٥٧٣). [وسنده صحيح].
(٥) لفظ الجلالة من (ن).
(٦) ساقط من (هـ).
(٧) من (ن).
(٨) ساقط من (ز) و(ض).
(٩) ساقط من (ز) و(ض).
(١٠) أخرجه ابن جرير (١٠٠٢) وسنده صحيح.
(١١) ساقط من (ن) و(هـ).
(١٢) ساقط من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى).
(١٣) انظر: "تفسير الرازي" (٢/ ٩٤).
(١٤) (في (ز) و(ك) و(ن): "وهذا كان". وفي (هـ): "وهذا".
(١٥) وسيأتي الكلام عن هذا مفصلًا في سورة "المائدة" إن شاء الله تعالى.
(١٦) ساقط من (ز) و(ض).
(١٧) ومن طريقه ابن جرير (١٠٠٦) وسنده ضعيف.
(١٨) من (ن).
[ ١ / ٤١١ ]
وقال ابن جرير (^١): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -[في قوله (تعالى) (^٢)] (^٣) ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال: رُكعًا من باب صغير.
ورواه الحاكم من حديث سفيان به. ورواه ابن أبي حاتم من حديث سفيان - وهو الثوري - به؟ وزاد: فدخلوا من قبل أستاههم.
[وقال الحسن البصري: أمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخولهم. واستبعده الرازي (^٤). وحكى عن بعضهم أن المراد بالسجود (ها هنا) (^٥) الخضوع لتعذر حمله على حقيقته] (^٦).
وقال خصيف (^٧): قال عكرمة: قال ابن عباس: كان الباب قبل القبلة، وقال (ابن عباس، و) (^٨) مجاهد (^٩)، والسدي، وقتادة (^١٠)، والضحاك: هو باب الحطة من باب إيلياء بيت المقدس، [وحكى الرازي عن بعضهم أنه عنى بالباب جهةً من جهات القبلة] (^٨).
وقال خصيف (^١١): قال عكرمة: قال ابن عباس: فدخلوا على شق.
وقال السدي (^١٢)، عن أبي سعد الأزدي، عن أبي الكنود، عن عبد الله بن مسعود؛ قيل لهم: ادخلوا الباب سجدًا، فدخلوا مقنعي رؤوسهم؛ أي: رافعي رؤوسهم خلاف ما أمروا.
[وقوله (تعالى) (^١٣):] (^١٤) ﴿وَقُولُوا (^١٥) حِطَّةٌ﴾ قال الثوري (^١٦)، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال: مغفرة استغفروا.
وروي عن عطاء (^١٧)، والحسن (^١٨)، وقتادة، والربيع (^١٩) بن أنس نحوه.
وقال الضحاك (^٢٠)، عن ابن عباس: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال: قولوا هذا الأمر حق، كما قيل لكم.
_________________
(١) في "تفسيره" (١٠٠٧) وأخرج نحوه (١٠٠٨) من طريق أبي أسامة عن الثوري بسنده سواء وأخرجه ابن أبي حاتم (٥٧٧، ٥٨٠، ٥٩٤)؛ والحاكم (٢/ ٢٦٢) من طريق سفيان الثوري به. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي.
(٢) من (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ل) و(ى).
(٣) ساقط من (هـ).
(٤) في "تفسيره" (٢/ ٩٤).
(٥) ساقط من (ع) و(هـ) و(ى). ووقع في (ن): "هاهنا بالسجود".
(٦) ساقط من (ز) و(ض).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٧٧) وسنده صالح.
(٨) ساقط من (ز) و(ض).
(٩) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد].
(١٠) [ذكرهم ثلاثتهم ابن أبي حاتم بحذف السند].
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٨١). [وفي سنده خصيف: سيء الحفظ].
(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٨٣) بسند ضعيف.
(١٣) من (ن).
(١٤) ساقط من (ج) و(ع) و(ل) و(ى).
(١٥) ساقط من (ك).
(١٦) أخرجه ابن جرير (١٠١٢، ١٠١٦)؛ وابن أبي حاتم (٥٨٤). [وسنده حسن].
(١٧) أخرجه ابن جرير (١٠١٤) بسند جيد.
(١٨) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٤٧) عن الحسن وقتادة معًا ومن طريقه ابن جرير (١٠٠٩). [وسنده صحيح].
(١٩) أخرجه ابن جرير (١٠١٣) بسند ضعيف.
(٢٠) أخرجه ابن جرير (١٠١٧)؛ وابن أبي حاتم (٥٨٥) بسند ضعيف.
[ ١ / ٤١٢ ]
وقال عكرمة (^١): قولوا: "لا إله إلا الله".
[وقال الحسن، وقتادة: أي: احطط عنا خطايانا] (^٢).
وقال الأوزاعي (^٣): كتب ابن عباس إلى رجل قد سماه، يسأله عن قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فكتب إليه أن أقروا بالذنب.
﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ هذا جواب الأمر؛ أي: إذا فعلتم ما أمرناكم غفرنا لكم الخطيئات، وضاعفنا لكم الحسنات (^٤).
وحاصل الأمر أنهم أُمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول، وأن يعترفوا بذنوبهم، ويستغفروا منها، والشكر على النعمة عندها، والمبادرة إلى ذلك من المحبوب لله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر] فسره بعض الصحابة بكثرة الذكر والاستغفار عند الفتح والنصر. وفسره ابن عباس (^٥) بأنه نعى إلى رسول الله ﷺ أجله فيها، وأقره على ذلك عمر ﵁.
ولا منافاة بين أن يكون قد أُمر بذلك عند ذلك، ونُعى إليه روحه الكريمة أيضًا؛ ولهذا كان ﵊ يظهر عليه الخضوع جدًّا عند النصر؛ كما رُوي (^٦) أنه كان يوم الفتح - فتح المكة - داخلًا إليها من الثنية العليا، وإنه لخاضع لربه حتى إن (عثنونه) (^٧) ليمس مورك رحله (يشكر) (^٨) الله على ذلك. ثم لما دخل البلد اغتسل وصلى ثماني ركعات؛ وذلك ضحًى؛ فقال بعضهم: هذه صلاة الضحى. وقال آخرون: بل هي صلاة الفتح (^٩). فاستحبوا للإمام وللأمير إذا
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٠١٥)؛ وابن أبي حاتم (٥٨٦) من طريق حفص بن عمر، ثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة. وحفص بن عمر متروك ولكنه لم يتفرد به فتابعه إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه مثله. أخرجه الطبراني في "الدعاء" (١٥٦٤)؛ وإبراهيم شبه المتروك. وعزاه السيوطي (١/ ٧١) لعبد بن حميد.
(٢) قول الحسن وقتادة متأخر بعد قول الأوزاعي في (ز) و(ض) و(ن). وأخرج قولهما هذا عبد الرزاق (١/ ٤٧) ومن طريقه ابن جرير (١٠٠٩) وتقدم الإشارة إليه. [وسنده صحيح].
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٨٧) وسنده ضعيف لإعضاله.
(٤) جاء بعد هذه الجملة في (ع) و(هـ): "وحكى الرازي أنه عني بالباب جهة من جهات القرية" وقد تقدم هذا الكلام في موضعه عند قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ﴾ [النساء: ١٥٤]، ولا معنى لذكره هنا. والله أعلم.
(٥) كما أخرجه البخاري (٦/ ٦٢٨؛ و٨/ ٢٠، ١٢٠، ٧٣٥)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه مختصرًا.
(٦) أخرجه ابن هشام في "السيرة" (٤/ ١٩)؛ والبيهقي في "الدلائل" (٥/ ٦٨) من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: "لما نزل رسول الله ﷺ بذي طوى، ورأى ما أكرمه الله به من الفتح، جعل رسول الله ﷺ يتواضع لله، حتى إنه ليقول: قد كاد عثنونه أن يصيب واسطة الرحل". وهذا مرسل حسن الإسناد، وله شاهد موصول أخرجه البيهقي (٥/ ٦٨، ٦٩) من طرق عبد الله بن أبي بكر المقدمي، ثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح، وذقنه على رحله متخشعًا، وسنده صحيح.
(٧) في (ل): "عيونه"! ووقع في (ك) و(هـ): "عسنونه" بالسين وكلاهما تصحيف والعثنون: اللحية، أو ما فضل منها بعد العارضين.
(٨) في (ن) و(هـ): "شكرًا لله".
(٩) وهكذا رجح ابن القيم ﵀. وانظر: "زاد المعاد" (٣/ ٤١٠).
[ ١ / ٤١٣ ]
فتح بلدًا أن يصلِّي فيه ثماني ركعات عند أول دخوله، كما فعل سعد بن أبي وقاص (^١) ﵁ لما دخل إيوان كسرى؛ صلى فيه ثماني ركعات. والصحيح أنه يفصل بين كل ركعتين بتسليم؛ وقيل: يصليها كلها بتسليم واحد. والله أعلم.
[وقد تكلم القرطبي (^٢) ها هنا على مسألة رواية الحديث بالمعنى، وأطال الكلام فيها، وحكى عن الجمهور وعن محمد بن سيرين، والقاسم بن محمد، ورجاء بن حيوة المنع، واختار ابن العربي (^٣) المالكي أن ذلك يجوز (في زمن) (^٤) الصحابة والتابعين لعلمهم باللغة، وقدرتهم على المطابقة، وأما من بعدهم فلا يجوز وقد أنكر بعض العلماء (^٥) على ابن العربي التفرقة والله أعلم.
قال وكيع: إن لم تكن الرواية بالمعنى فقد هلك الناس. وصدق وكيع.
وقال الحسن البصري: إذا أصبت المعنى أجزأك. وقال قتادة عن زرارة: لقيت عدةً من الصحابة، فاختلفوا علي في اللفظ، واجتمعوا في المعنى] (^٦).
وقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾: قال البخاري (^٧): (حدثني) (^٨) محمد، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن ابن المبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ، قال: "قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة، فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدلوا وقالوا حبة في شعرة".
ورواه النسائي، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الرحمن (بن مهدي) (^٩) به - موقوفًا؛ وعن محمد بن عبيد بن محمد، عن ابن المبارك ببعضه مسندًا في قوله تعالى: ﴿حِطَّةٌ﴾ قال: [فبدلوا (فقالوا) (^١٠)] (^١١) حبة.
_________________
(١) ذكر المصنف ﵀ خبر سعد ﵁ في "البداية والنهاية" (٧/ ٧٤) في أحداث سنة "ست عشرة".
(٢) في "تفسيره" (١/ ٤١١ - ٤١٤).
(٣) في "أحكام القرآن" (١/ ٢٢).
(٤) كذا في (ج) و(ى)؛ وفي (ل): "في المطابقة ومن"!!
(٥) قال القرطبي (١/ ٤١٤) بعد تلخيص كلام ابن العربي: "قال بعض علمائنا: لقد تعاجم ابن العربي ﵀، فإن الجواز إذا كان مشروطًا بالمطابقة فلا فرق بين زمن الصحابة والتابعين وزمن غيرهم، ولهذا لم يفصل أحد من الأصوليين ولا أهل الحديث هذا التفصيل. نعم؟ لو قال: المطابقة في زمنه أبعد كان أقرب. والله أعلم". اهـ. وانظر بحث الرواية بالمعنى وجوازه من عدمه في "الكفاية" (ص ١٧١ - ٢٠٣) للخطيب البغدادي.
(٦) من (ل)، وكتب في (ج) و(ى) في الحاشية.
(٧) في "تفسير سورة البقرة" من "صحيحه" (٨/ ١٦٤).
(٨) من (ز) وهو الموافق لما في "الصحيح"، وفي بقية الأصول: "حدثنا". ومحمد، شيخ البخاري قال الحافظ في "الفتح" (٨/ ١٦٤): "لم يقع منسوبًا إلا في رواية أبي علي بن السكن، عن الفربري فقال: محمد بن سلام، ويحتمل عندي أن يكون محمد بن يحيى الذهلي فإنه يروى عن عبد الرحمن بن مهدي أيضًا، أما أبو علي الجياني فقال: الأشبه أنه محمد بن بشار".
(٩) ساقط من (ن).
(١٠) في (ن): "وقالوا".
(١١) ساقط من (ج) و(ل).
[ ١ / ٤١٤ ]
وقال عبد (^١) الرزاق: أنبأنا معمر، عن همام بن منبه - أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "قال الله لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ فبدلوا ودخلوا الباب يزحفون على أستاههم: فقالوا: حبة في شعرة.
وهذا حديث صحيح رواه البخاري، عن إسحاق بن نصر، ومسلم، عن محمد بن رافع، والترمذي عن (عبد) (^٢) بن حميد، كلهم عن عبد الرزاق، به.
وقال الترمذي: "حسن صحيح" (^٣).
وقال محمد بن (^٤) إسحاق: كان تبديلهم كما حدثني صالح بن كيسان، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، وعمن لا أتهم، عن ابن عباس - أن رسول الله ﷺ قال: "دخلوا الباب - الذي أُمروا أن يدخلوا فيه سجدًا - يزحفون: على أستاههم، وهم يقولون: حنطة في شعيرة".
وقال أبو (^٥) داود: حدثنا أحمد بن صالح، وحدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري (﵁) (^٦) عن النبي ﷺ: "قال الله لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدًا وقولها حطة نغفر لكم خطاياكم"؛ ثم قال (^٧) أبو داود: حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا ابن أبي فديك، عن هشام (بمثله) (^٨).
هكذا رواه منفردًا به في "كتاب الحروف" مختصرًا.
وقال ابن مردويه (^٩): حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إبراهيم بن (فهد) (^١٠)، حدثنا أحمد بن محمد بن المنذر القزاز، حدثنا محمد بن إسماعيل بن (أبي) (^١١) فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى
_________________
(١) أخرجه البخاريُّ (٦/ ٤٣٦).
(٢) في (ن): "عبد الرحمن"!!
(٣) [السنن (٢٩٥٦)].
(٤) أخرجه ابن جرير (١٠٢٠) قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة وعلي بن مجاهد، قالا: حدثنا محمد بن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة مرفوعًا وسنده ضعيف جدًّا، ومحمد بن حميد الرازي شيخ الطبري واه، وصالح مولى التوأمة ضعيف لاختلاطه لأنه طعن في الكبر، حتى قال ابن عيينة: "سمعت منه ولعابه يسيل من الكبر" وطعن فيه مالك لأنه أدركه بعد ما تغير واختلط كما قال أحمد وابن معين، فمن سمع منه قبل الاختلاط مثل ابن أبي ذئب فسماعه جيد. والراوي عنه هنا هو صالح بن كيسان، ولم ينصوا أنه سمع منه قبل الاختلاط. والله أعلم.
(٥) في "سننه" (٤٠٠٦) وسنده جيد، وهشام بن سعد وإن تكلم فيه بعض أهل العلم، فهو من أثبت الناس في زيد بن أسلم وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٧١) للضياء في "المختارة". [وقال الألباني: حسن صحيح وصحيح سنن أبي داود ح].
(٦) من (ز) و(ن).
(٧) رقم (٤٠٠٧).
(٨) في (ز) و(ض) و(ك) و(هـ): "مثله".
(٩) وأخرجه البزار (١٨١٢ - كشف الأستار) قال: حدثنا إسحاق بن بهلول الأنباري، ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك بسنده سواء وفيه قصة. وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" مثله، قال البزار: "لا نعلم أحدًا رواه هكذا إلا محمد بن إسماعيل". وقال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ١٤٤): "رجاله ثقات".
(١٠) في (ز) و(ن): "مهدي".
(١١) ساقط من (ك) و(ض).
[ ١ / ٤١٥ ]
إذا كان من آخر الليل (أجزنا) (^١) في (ثنية) (^٢) يقال لها: "ذات الحنظل"؛ فقال رسول الله ﷺ: "ما مثل هذه الثنية الليلة إلا كمثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم".
وقال سفيان (^٣) الثوري: عن أبي إسحاق، عن البراء: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢] قال اليهود: قيل لهم: ادخلوا الباب سجدًا - قال: رُكعًا، وقولوا حطة؛ أي: مغفرة؛ فدخلوا على أستاههم، وجعلوا يقولون: حنطة حمراء فيها شعيرة؛ فذلك قول الله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.
وقال الثوري (^٤)، عن السدي، عن أبي سعد الأزدي، عن أبي الكنود، عن ابن مسعود: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (فقالوا (^٥): حنطة) حبة حمراء فيها شعيرة؛ فأنزل الله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.
وقال أسباط (^٦)، عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود: أنه قال: إنهم قالوا: "هطا سمعاثا أزبة مزبا"؛ فهي بالعربية حبة حنطة حمراء (مثقوبة) (^٧) فيها شعرة سوداء؛ فذلك قوله (تعالى) (^٨): ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.
وقال الثوري (^٩)، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد، عن ابن عباس في قوله (تعالى) (٣): ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال: رُكعًا من باب صغير، (يدخلون) (^١٠) (فيه) (^١١) من قبل أستاههم،
_________________
(١) في (هـ): "اجتزنا".
(٢) في (ج) و(ض) و(ى): "سرية"، وأشار في (ى) إلى أنه وقع في نسخة: "ثنية".
(٣) أخرجه أبو الشيخ في "الطبقات" (٧٨٣) قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن جميل، ثنا عبد الله بن عمر، ثنا وكيع، عن سفيان الثوري به. وشيخ أبي الشيخ صدوق، وبقية السند ثقات معروفون، وهو سند صحيح لولا تدليس أبي إسحاق. واستغرب أبو الشيخ هذا الحديث. وأما قوله في الحديث أن السفهاء هم اليهود فقد أخرجه النسائي والترمذي وغيرهما ويأتي تخريجه عند الآية (١٤١) إن شاء الله.
(٤) أخرجه ابن جرير (١٠٢٣)؛ وابن أبي حاتم (٥٩٢) من طريق عبد الرحمن بن مهدي؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٩/ رقم ٩٠٢٧) عن محمد بن يوسف الفريابي كلاهما عن سفيان الثوري بسنده سواء. ووقع عند ابن جرير وابن أبي حاتم: "عن أبي سعيد الأزدي" وصوابه: "أبو سعد" وقد ترجمه البخاري في "الكنى" رقم (٣١٣) وقال: "سمع زيد بن أرقم، روى عنه السدي ويزيد بن أبي زياد وعن أبي الكنود". اهـ فقوله: وعن أبي الكنود؛ يعني: أنه روى عن أبي الكنود ولم يذكر فيه شيئًا وترجمه ابن أبي حاتم (٤/ ٢/ ٣٧٨) ولم يحك فيه شيئًا وذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٥٦٨)؛ وأبو الكنود وثقه ابن حبان (٥/ ٤٤)؛ وابن سعد في "الطبقات" (٦/ ١٧٧) وقال: "له أحاديث يسيرة" وقد روى ابن ماجه (٤١٢٧) حديثًا من طريق السدي، عن أبي سعد الأزدي، عن أبي الكنود، عن خباب ﵁، فقال البوصيري في "الزوائد" (٢٧٧/ ٣): "هذا إسناد صحيح". [وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٣٢٩)].
(٥) ساقط من (ج).
(٦) أخرجه ابن جرير (١٠٢٩)؛ وابن أبي حاتم (٥٩٣) بسند حسن.
(٧) في (ض): "مستوية"؛ وفي (ل): "منقوشة".
(٨) من (ن).
(٩) أخرجه ابن جرير (١٠٢٤) عن أبي أحمد الزبيري، وابن أبي حاتم (٥٩٤) عن يحيى بن آدم كلاهما عن سفيان الثوري بسنده سواء. وهذا سياق ابن أبي حاتم وسنده جيد.
(١٠) في (ز) و(ن): "فدخلوا".
(١١) من (هـ).
[ ١ / ٤١٦ ]
وقالوا: حنطة؛ (فهو) (^١) قوله (تعالى) (^٢): ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.
وهكذا روى عن عطاء، ومجاهد (^٣)، وعكرمة (^٤)، والضحاك، والحسن (^٥)، وقتادة (^٥)، والربيع (^٦) بن أنس، ويحيى بن رافع.
وحاصل ما ذكره المفسرون، وما دل عليه السياق (من الحديث) (^٧) أنهم بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل، فأمروا أن يدخلوا سجدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم (من قبل أستاههم) (^٨)، رافعي رؤوسهم. وأُمروا أن يقولوا حطة؛ أي: احطط عنا ذنوبنا (وخطايان) (^٩) فاستهزوا فقالوا: حنطة في (شعرة) (^١٠). وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة؛ ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم؛ وهو خروجهم عن طاعته.
ولهذا قال: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
وقال الضحاك (^١١)، عن ابن عباس: كل شيء في كتاب الله من الرجز يعني به العذاب.
وهكذا روى عن مجاهد، وأبي مالك، والسدي، والحسن، وقتادة (^١٢) - أنه العذاب.
وقال أبو العالية (^١٣): الرجز: الغضب.
وقال الشعبي (^١٤): الرجز: إما الطاعون، وإما البرد.
وقال سعيد بن جبير: هو الطاعون.
وقال ابن أبي (^١٥) حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد - يعني: ابن أبي وقاص -، عن سعد بن مالك، وأُسامة بن زيد، وخزيمة بن ثابت ﵃؛ قالوا: قال رسول الله ﷺ: "الطاعون رجز عذاب عُذب به من كان قبلكم".
وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري، به.
_________________
(١) في (ن): "فذلك".
(٢) من (ن).
(٣) أخرجه ابن جرير (٧/ ١٠، ١٠٢٨). [وسنده صحيح].
(٤) أخرجه ابن جرير (١٠٣١) من طريق النضر بن عربي، عن عكرمة. وفي إسناده سفيان بن وكيع شيخ ابن جرير وفيه مقال. ووقع عند ابن جرير: "النضر بن عدي"! وهو تصحيف.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٤٧) ومن طريقه ابن جرير (١٠٢٦) أنبأنا معمر، عن قتادة والحسن فذكره. [وسنده صحيح].
(٦) أخرجه ابن جرير (١٠٣٢) قال: حدثت عن عمار بن الحسن، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس. وهذا إسناد منقطع.
(٧) ساقط من (ن).
(٨) ساقط من (ج).
(٩) من (ن).
(١٠) في (ك) و(ل) و(ن): "شعيرة".
(١١) أخرجه ابن جرير (١٠٤٢)؛ وابن أبي حاتم (٥٩٦) بسند ضعيف.
(١٢) أخرجه ابن جرير (١٠٣٨). [وسنده صحيح].
(١٣) أخرجه ابن جرير (١٠٣٨)؛ وابن أبي حاتم (٥٩٧). [وسنده جيد].
(١٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٥٩٨) وسنده ضعيف جدًّا.
(١٥) في "تفسيره" (٥٩٥). وأخرجه مسلم (٢٢١٨/ ٩٧).
[ ١ / ٤١٧ ]
وأصل الحديث في "الصحيحين" (^١) من حديث حبيب بن أبي ثابت: "إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها … " الحديث.
قال ابن جرير (^٢): أخبرني يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري؛ قال: (أخبرني) (^٣) عامر بن سعد بن أبي وقاص؛ عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﷺ؛ قال: "إن هذا الوجع (أو) (^٤) السقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم".
وهذا الحديث أصله مخرج في "الصحيحين" من حديث الزهري؛ ومن حديث مالك (^٥)، عن محمد بن المنكدر، وسالم بن أبي النضر، عن عامر بن سعد بنحوه.
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾.
يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى ﵇ حين استسقاني لكم، وتيسيري لكم الماء، وإخراجه لكم من حجر يحمل معكم، (وتفجير) (^٦) الماء لكم منه من ثنتي عشرة عينًا، لكل سبط من أسباطكم عين قد (عرفوها) (^٧) فكلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء الذي أنبعته لكم بلا سعى منكم ولا كد، واعبدوا الذي سخر لكم ذلك؛ ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ولا تقابلوا النعم بالعصيان فتسلبوها.
وقد بسطه المفسرون في كلامهم، كما قال ابن عباس (﵁) (^٨) وجعل بين ظهرانيهم حجر مربع، وأمر موسى ﵇، فضربه بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، في كل ناحية منه ثلاث عيون، وأعلم كل سبط عينهم يشربون منها، لا يرتحلون من (مَنْقَلَة) (^٩) إلا وجدوا ذلك معهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأول.
وهذا قطعةٌ من الحديث الذي رواه النسائي (^١٠)، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وهو حديث الفتون الطويل.
وقال عطية (^١١) العوفي: وجعل لهم (حجر) (^١٢) مثل رأس الثور، يحمل على ثور؛ فإذا نزلوا
_________________
(١) أخرجه البخاري في "صحيحه" (١٠/ ١٧٨، ١٧٩)؛ ومسلم (٢٢١٨/ ٩٧).
(٢) في "تفسيره" (١٠٣٦)؛ وأخرجه أيضًا في "تهذيب الآثار" (٨٩ - القسم المتمم). وأخرجه البخاري (١٢/ ٣٤٤)؛ ومسلم (٢٢١٨/ ٩٦).
(٣) في (خـ): (أخبرنيه).
(٤) في (ن): (و).
(٥) أخرجه البخاري (٦/ ٥١٣)؛ ومسلم (٢٢١٨/ ٩٨).
(٦) في (ز): "تفجيرى".
(٧) في (ج): "عرفوا".
(٨) من (ن).
(٩) في (ك): "مقلة"!
(١٠) ويأتي تخريجه إن شاء الله تعالى في "سورة طه".
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٠٣) وإسناده حسن. أما المعلق على تفسير ابن أبي حاتم فقال: "حديث منكر والمتهم به عطية" فنقول: أين هذا الحديث الذي اتهم به عطية؟ إنما هو قوله، وإنما ينظر في السند إليه، فلو أن كذابًا قال قولًا وصح السند إليه، فهل نقول: لم يقله لأنه كذاب؟!
(١٢) في (هـ): "حجرًا" على اعتبار أن الفعل "جعل" مبني للمعلوم.
[ ١ / ٤١٨ ]
منزلًا وضعوه، فضربه موسى (عليه (^١) السلام) بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، فإذا ساروا حملوه على ثور، فاستمسك الماء.
وقال عثمان (^٢) بن عطاء الخراساني، عن أبيه: كان لبني إسرائيل حجر، فكان يضعه هارون، ويضربه موسى بالعصا.
وقال قتادة (^٣): كان حجرًا طوريًا من الطور، يحملونه معهم، حتى إذا نزلوا ضربه موسى بعصاه.
[وقال الزمخشري (^٤): وقيل كان من رخام، وكان ذراعًا في ذراع. وقيل: مثل رأس الإنسان. وقيل: كان من (آس) (^٥) الجنة طوله عشرة أذرع على طول موسى، وله شعبتان تتقدان في الظلمة، وكان يحمل على حمار.
قال (^٦): وقيل: أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب، فدفعه إليه مع العصا.
وقيل: هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل، فقال له جبريل: ارفع هذا الحجر، فإن فيه قدرةً، ولك فيه معجزة؛ فحمله في مخلاته.
قال الزمخشري (^٤): ويحتمل أن تكون اللام للجنس لا للعهد؛ أي: اضرب الشيء الذي يقال له: الحجر] (^٧).
[وعن الحسن: لم يأمره أن يضرب حجرًا بعينه.
قال (^٨): وهذا أظهر في المعجزة، وأبين في القدرة؛ فكان يضرب الحجر بعصاه فينفجر، ثم يضربه فييبس؛ فقالوا: إن فقد موسى (عصاه) (^٩) عطشنا؛ فأوحى الله إليه أن يكلم الحجارة فتنفجر، ولا يمسها بالعصا لعلهم يقرون. والله أعلم] (^١٠).
وقال يحيى (^١١) بن النضر: قلت لجويبر: كيف علم كل أناس مشربهم؟ قال: كان موسى يضع الحجر، ويقوم من كل سبط رجل، ويضرب موسى الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينًا، فينضح من كل عين على رجل فيدعو ذلك الرجل سبطه إلى تلك العين.
[وقال الضحاك (^١٢): قال ابن عباس: لما كان بنو إسرائيل في التيه شق لهم من الحجر أنهارًا] (^١٣)، وقال (سفيان) (^١٤) الثوري، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس (^١٥)؛ قال:
_________________
(١) من (ن).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٠٤) وعثمان بن عطاء متروك.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٠٤٣) وسنده صحيح.
(٤) في "الكشاف" (١/ ٧١).
(٥) ساقط من (ن).
(٦) يعني: الزمخشري.
(٧) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).
(٨) يعني: الزمخشري.
(٩) في (ن): "هذا الحجر".
(١٠) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٠٩) وسنده ضعيف جدًّا. ويحيى بن النضر، هكذا وقع في "أصول" التفسير، وصوابه: "يحيى أبو النضر" وهو يحيى بن كثير، وهو واه.
(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٠٧) وسنده ضعيف لانقطاعه بين الضحاك وابن عباس.
(١٣) هذه الفقرة مؤخرة عن التي تليها في (ج).
(١٤) ساقط من (ن).
(١٥) أخرجه ابن جرير (١٠٤٥) قال: حدثني عبد الكريم، قال: أخبرنا إبراهيم بن بشار، قال: حدثنا سفيان، =
[ ١ / ٤١٩ ]
ذلك في التيه ضرب لهم موسى الحجر، فصار منه اثنتا عشرة عينًا من ماءٍ، لكل سبط منهم عين يشربون منها.
وقال مجاهد (^١) نحو قول ابن عباس.
وهذه القصة شبيهة بالقصة التي في "سورة الأعراف"، ولكن تلك مكية، فلذلك كان الإخبار عنهم بضمير الغائب؛ لأن الله تعالى يقص على رسوله ﷺ ما فعل بهم.
(وأما) (^٢) في هذه السورة وهي "البقرة" فهي مدنية؛ فلهذا كان الخطاب (فيها) (^٣) متوجهًا إليهم، وأخبر هناك بقوله: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] وهو أول الانفجار. وأخبر ها هنا بما آل إليه الحال آخرًا، وهو الانفجار؛ فناسب ذكر (هذا) (^٤) ها هنا وذاك هناك. والله أعلم. (^٥) [وبين السياقين تباين من عشرة أوجه لفظية ومعنوية، قد سأل عنها (الرازي) (^٦) في "تفسيره (^٧)، وأجاب عنها بما عنده، والأمر في ذلك قريب. والله أعلم"] (٥).
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.
يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المن والسلوى طعامًا طيبًا نافعًا، هنيئًا سهلًا؛ واذكروا دَبَركم (^٨) وضجركم مما (رزقناكم) (^٩)، وسؤالكم موسى استبدال ذلك بالأطعمة الدنيئة (^١٠) من البقول ونحوها مما سألتم.
وقال الحسن البصري: فبطروا ذلك (ولم) (^١١) يصبروا عليه، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه،
_________________
(١) = عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس. وسفيان الواقع في السند هو ابن عيينة وإبراهيم بن بشار الرمادي من قدماء أصحابه، فقول المصنف ﵀ أن سفيان هو الثوري فيه نظر، فإن الرمادي لم يدرك الثوري وبين وفاتيهما سبع وستون عامًا أو أقل قليلًا. وقد صرح ابن جرير أن سفيان هو ابن عيينة في موضع آخر من "تفسيره" (٨٩٢) بذات السند هنا وأبو سعيد هو عبد الكريم بن مالك الجزري. وهذا سند جيد.
(٢) أخرجه ابن جرير (١٠٤٦). [بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد].
(٣) في (ج): "وما".
(٤) من (ز) و(ن).
(٥) في (ن): "الانفجار"!
(٦) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).
(٧) في (ن): "الزمخشري".
(٨) انظر: "تفسير الرازي" (٢/ ١٠٢ - ١٠٤).
(٩) يعني: تألمكم ونفوركم؛ من "دبر البعير وحفي".
(١٠) كذا في (ك) و(ل) و(ن) و(هـ)؛ وفي (ز) و(ض) و(ى): "رزقتكم"؛ وفي (ج): "رزقكم".
(١١) كذا قال المصنف ﵀: والمعروف أن باء الاستبدال إنما تلتحق بالمتروك، فلا يقال: استبدلت الثوب القديم بثوب جديد، وإنما يقال: استبدلت الثوب الجديد بثوب قديم، فـ"الباء" إنما تلتحق بما تركته، وأنت تركت القديم لا الجديد وفي هذه الآية ما يدل على ذلك فقال تعالى: "أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير" فهم تركوا الذي هو خير، فالتحقت الباء بما تركوه. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] فقد نهوا أن يتركوا الطيب، فالتحقت الباء به. والله أعلم.
(١٢) في (ن): "فلم".
[ ١ / ٤٢٠ ]
وكانوا قومًا أهل أعداس وبصل (وبقول) (^١) وفوم؛ فقالوا: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ (^٢) [وإنما قالوا على طعام واحد، وهم يأكلون المن والسلوى؛ لأنه لا (يتبدل) (^٣) ولا يتغير كل يوم؛ فهو مأكل واحد] (^٤).
فالبقول والقثاء والعدس والبصل كلها معروفة.
وأما الفوم فقد اختلف السلف في معناه؛ فوقع في قراءة (^٥) ابن مسعود؛ "وثومها" بالثاء.
وكذا فسره مجاهد (^٦) في رواية ليث بن أبي سليم عنه بالثوم. وكذا الربيع (^٧) بن أنس، وسعيد بن جبير.
وقال ابن أبي (^٨) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا أبو عمارة يعقوب بن إسحاق البصري، عن يونس، عن الحسن في قوله: (﴿وَفُومِهَا﴾)؛ قال: قال ابن عباس: الثوم. قال: وفي اللغة القديمة: فوِّموا لنا بمعنى اختبزوا.
وقال ابن جرير (^٩): فإن كان ذلك صحيحًا فإنه من الحروف المبدلة؛ كقولهم: وقعوا في عاثور شر وعافور شر، وأثافي وأثاثي، ومغافير ومغاثير، وأشباه ذلك مما تقلب الفاء ثاءً والثاء فاءً لقرب مخرجيهما. والله أعلم.
وقال آخرون: الفوم: الحنطة، وهو البر الذي يعمل منه الخبز.
قال ابن أبي (^١٠) حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً، أنبأنا ابن وهب قراءةً، حدثني
_________________
(١) في (ن): "بقل".
(٢) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق عباد بن منصور عن الحسن البصري].
(٣) في (ج): "يبدل".
(٤) ساقط من (ح) و(ز) و(هـ).
(٥) ذكرها ابن جرير (٢/ ١٣٠ - شاكر) بصيغة التمريض فقال: "وذكر أن ذلك قراءة عبد الله بن مسعود: "ثومها"" بالثاء، فإن كان ذلك صحيحًا، فإنه من الحروف المبدلة، كقولهم: وقعوا في عاثور شر، وعافور شر، وكفولهم: للأثافي، أثاثي؛ وللمغافير: "مغاثير، وما أشبه ذلك مما تقلب الثاء فاءً، والفاء ثاءً، لتقارب مخرج الفاء مخرج الثاء … ". اهـ. ولم تصح هذه القراءة عن ابن مسعود، وذكرها سعيد بن منصور في "تفسيره" (١٩١)؛ وابن أبي داود في "المصاحف" (ص ٥٦) بسندين معضلين إلى ابن مسعود وهذه القراءة التي نسبها ابن جرير إلى ابن مسعود لم يقرأ بها أحد من أصحاب القراءات المتواترة. والله أعلم.
(٦) أخرجه ابن جرير (١٠٧٧). وليث بن أبي سليم ضعيف.
(٧) أخرجه ابن جرير (١٠٧٨) وشيخ ابن جرير: المثنى بن إبراهيم لم أجد له ترجمة. والله أعلم.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٦١٩) ورجاله موثقون؛ إلا أنه منقطع بين الحسن وابن عباس.
(٩) في "تفسيره" (٢/ ١٣٠ - شا كر).
(١٠) في "تفسيره" (٦١٨). وأخرجه ابن جرير (١٠٧٦) من طريق عبد العزيز بن منصور، عن نافع بن أبي نعيم عن ابن عباس وأخرجه الطبراني في "الكبير" (ج ١٠/ رقم ١٠٥٩٧) من طريق جويبر، عن الضحاك بن مزاحم الهلالي قال: خرج نافع بن الأزرق ونجدة بن عويمر في نفر من رؤوس الخوارج لينقروا عن العلم ويطلبوه، حتى قدموا مكة فإذا هم بعبد الله بن عباس، فذكر صحيفة من أسئلتهم له وفيها هذا القدر. والوجه الأول منقطع بين نافع بن أبي نعيم وابن عباس. والوجه الثاني ساقط، لأن جويبرًا هالك. والله أعلم. [وأخرجه نافع بن أبي نعيم متصلًا عن عبد الرحمن الأعرج عن ابن عباس. تفسير نافع بن أبي نعيم بتحقيق حكمت بشير ص ٤٥].
[ ١ / ٤٢١ ]
نافع بن أبي نعيم - أن ابن عباس سئل عن قول الله: ﴿وَفُومِهَا﴾ ما فومها؟ قال: الحنطة. قال ابن عباس: أما سمعت قول أحيحة بن الجلاح، وهو يقول:
قد كنت أغنى الناس شخصًا واحدًا … ورد المدينة عن زراعة فوم
وقال ابن (^١) جرير: حدثنا علي بن الحسن، [حدثنا مسلم (الجرمي) (^٢)] (^٣)، حدثنا عيسى بن يونس، عن (رشدين بن كريب) (^٤)، عن أبيه، عن ابن عباس، في قول الله تعالى: ﴿وَفُومِهَا﴾ (قال: الفوم) (^٥): الحنطة بلسان بني هاشم.
[وكذا قال علي (^٦) بن أبي طلحة، (و) (^٧) الضحاك (^٨)، عن ابن عباس؛ وعكرمة (^٩)، عن ابن عباس إن الفوم: الحنطة] (^١٠).
وقال سفيان (^١١) الثوري: عن ابن جريج، عن مجاهد، وعطاء: ﴿وَفُومِهَا﴾ قالا: خبزها.
وقال هشيم (^١٢)، عن يونس، عن الحسن، وحصين، عن أبي مالك: ﴿وَفُومِهَا﴾ قال: الحنطة. وهو قول عكرمة، والسدي (^١٣)؛ والحسن البصري (^١٤)، وقتادة (^١٤)، وعبد الرحمن (^١٥) بن زيد بن أسلم، وغيرهم. فالله أعلم.
[وقال الجوهري: الفوم: الحنطة. وقال ابن دريد: السنبلة. وحكى القرطبي (^١٦)، عن عطاء وقتادة - أن الفوم كل حب يختبز. قال: وقال بعضهم: هو الحمص، لغة شامية، ومنه يقال لبائعه: فاميٌّ مغير عن فومي] (^١٧).
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٠٧٥) وسنده ضعيف، لضعف رشدين بن كريب. [ويتقوى بسابقه].
(٢) وقع في (ن): "الجرمي الجهني"! وهو مسلم بن عبد الرحمن، أو مسلم بن أبي مسلم، ترجمه الخطيب في "تاريخه" (١٣/ ١٠٠) وقال: "كان ثقة" وترجمه الحافظ في "اللسان" (٦/ ٣٢) ونقل توثيقه عن ابن حبان وقال: "ربما أخطأ". وقال الأزدي: "حدث بأحاديث لا يتابع عليها، وكان إمامًا بطرسوس".
(٣) ساقط من (ل).
(٤) في (ض): "زييد بن كعريب"!! وفي "ن": "رشيد بن كريب"!.
(٥) في (ج): "فالفوم"؛ وفي (ل): "إن الفوم".
(٦) أخرجه ابن جرير (١٠٧٣). [وسنده ثابت].
(٧) في (ج): "عن"! وهو خطأ.
(٨) أخرجه ابن جرير (١٠٧٤) وسنده ضعيف.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٦١٧) وسنده واه، في سنده سعيد بن المرزبان متروك. [ويتقوى بما سبق].
(١٠) ساقط من (ل).
(١١) أخرجه ابن جرير (١٠٦٣)؛ وأخرجه أيضًا (١٠٦٤) من طريق أبي عاصم، عن عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله. [وسنده صحيح].
(١٢) أخرجه ابن جرير (١٠٦٩) قال: حدثني المثنى، قال: حدثنا عمرو بن عون، قال: حدثنا هشيم به. والمثنى بن إبراهيم لم أقف له على ترجمة، ولكن أخرجه سعيد بن منصور في "تفسيره" (١٩٠) قال: نا خالد بن عبد الله. وأخرجه ابن جرير (١٠٦٧) عن هشيم كلاهما عن حصين، عن أبي مالك فذكر مثله. وسنده صحيح، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ١٧٧) لعبد بن حميد.
(١٣) أخرجه ابن جرير (١٠٦٨) وسنده حسن.
(١٤) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٤٧)، ومن طريقه ابن جرير (١٠٦٦) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة والحسن. [وسنده صحيح].
(١٥) أخرجه ابن جرير (١٠٧٢) وسنده صحيح.
(١٦) في "تفسيره" (١/ ٤٢٥، ٤٢٦).
(١٧) ساقط من (ز) و(ض) و(هـ).
[ ١ / ٤٢٢ ]
قال البخاري: وقال بعضهم: الحبوب التي تأكل كلها فوم.
وقوله تعالى: ﴿(قَالَ) (^١) أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (فيه) (^٢) تقريع لهم، وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنيئة مع ما هم فيه من العيش الرغيد، والطعام الهنيء الطيب النافع.
وقوله (تعالى) (^٣): ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ هكذا هو منونٌ مصروف مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية، وهو قراءة الجمهور بالصرف.
قال ابن جرير (^٤): ولا أستجيز القراءة بغير ذلك، لإجماع المصاحف على ذلك.
وقال ابن عباس: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ قال: مصرًا من الأمصار. رواه ابن (^٥) أبي حاتم من حديث أبي (سعد) (^٦) البقال سعيد بن المرزبان، عن عكرمة، عنه؛ قال (^٧): وروي عن السدي (^٨)، وقتادة (^٩)، والربيع (^١٠) بن أنس نحو ذلك.
وقال ابن جرير (^١١): وقع في قراءة أُبي بن كعب وابن مسعود "اهبطوا مصر" من غير إجراء؛ يعني: من غير صرف؛ ثم روي عن أبي العالية (^١٢) والربيع بن أنس أنهما فسرا ذلك بمصر فرعون.
[وكذا رواه ابن أبي حاتم (^١٣) عن (أبي العالية) (^١٤)، وعن الأعمش (^١٥) أيضًا.
قال ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد مصر فرعون] (^١٦) على قراءة الإجراء أيضًا. ويكون ذلك من باب الاتباع لكتابة المصحف؛ كما في قوله (تعالى) (^١٧): ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ﴾ [الإنسان: ١٥، ١٦] ثم توقف في المراد ما هو؟ أمصر فرعون، أم مصر من الأمصار؟
_________________
(١) ساقط من (ج) و(ك) و(ل).
(٢) ساقط من (ج).
(٣) من (ن).
(٤) في "تفسيره" (٢/ ١٣٦).
(٥) في "تفسيره" (٦٢٢) من طريق ابن عيينة وهذا في "تفسيره"؛ كما في "الدر المنثور" (١/ ٧١)، وعزاه السيوطي لابن جرير، ولم أجده فيه. فالله أعلم. وسنده واهٍ وأبو سعد البقال متروك.
(٦) في (ز) و(ض): "أبو سعيد" وكذلك هو في "تفسير ابن أبي حاتم"؛ وفي (ن): "أبو معبد" وكلاهما تصحيف.
(٧) يعني: ابن أبي حاتم.
(٨) أخرجه ابن جرير (١٠٨٢) وسنده حسن.
(٩) أخرجه ابن جرير (١٠٨١) وسنده صحيح، ثم أخرجه (١٠٨٣) من وجه آخر عن قتادة فيه ضعف. وعزاه السيوطي (١/ ٧٣) لعبد بن حميد.
(١٠) أخرجه ابن جرير (١٠٨٧) وسنده ضعيف.
(١١) في "تفسيره" (٢/ ١٣٥). [والقراءة شاذة].
(١٢) أخرجه ابن جرير (١٠٨٦)، وكذلك أخرج أثر الربيع برقم (١٠٨٧). [وسنده جيد].
(١٣) في "تفسيره" (٦٢٣) [وسنده جيد].
(١٤) في (ن): " … أبي العالية والربيع"، وذكر "الربيع" غلط ولم يرو ابن أبي حاتم أثر الربيع، إنما رواه ابن جرير.
(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٢٤). وعزاه السيوطي (١/ ٧٣) إلى ابن الأنباري؛ وابن أبي داود في "المصاحف" وسنده صالح، وفيه إسحاق بن الحجاج الطاحوني ترجمه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (١/ ١/ ٢١٧) وذكر أن أباه وأبا زرعة كانا عزمًا أن يخرجا إليه، وظاهر من ترجمته أنه متماسك، ولو علم أبو حاتم وأبو زرعة فيه جرحًا لصرحا به. والله أعلم.
(١٦) ساقط من (ل).
(١٧) من (ن).
[ ١ / ٤٢٣ ]
وهذا الذي قاله فيه نظر. والحق أن المراد مصر من الأمصار، كما روي عن ابن عباس وغيره. والمعنى على ذلك؛ لأن موسى ﵇ يقول لهم: هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز؛ بل هو كثير في أي بلد دخلتموها وجدتموه، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه.
ولهذا قال: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ أي: ما طلبتم؛ ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر، ولا ضرورة فيه، لم يجابوا إليه. والله أعلم.
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.
يقول تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ أي: وضعت عليهم، وألزموا بها شرعًا وقدرًا؛ أي: لا يزالون (مستذلين) (^١)؛ من وجدهم استذلهم، وأهانهم، وضرب عليهم الصغار؛ وهم (مع) (^٢) ذلك في أنفسهم أذلاء (مستكينون) (^٣).
قال الضحاك (^٤)، عن ابن عباس - (في قوله) (^٥): ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ قال: هم أصحاب القبالات؛ يعني: (أصحاب) (٤) الجزية.
وقال عبد الرزاق (^٦)، عن معمر، عن الحسن، وقتادة - في قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ قالا: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون.
وقال الضحاك (^٧): وضربت عليهم الذلة - قال: الذل.
وقال الحسن (^٨): أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم تحت أقدام المسلمين؛ ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية.
وقال أبو العالية (^٩)، والربيع بن أنس، والسدي (^١٠): المسكنة: الفاقة.
_________________
(١) إلى هنا وانقطعت النسخة (هـ) إلى آخر سورة البقرة.
(٢) ساقط من (ج).
(٣) كذا في (ن)؛ وفي (ج) و(ك) و(ى): "مستكينين"؛ وفي (ض): "متمسكنين"؛ وفي (ز): "متمسكنون"؛ وفي (ل): "مستذلين".
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٢٦) من طريق محمد بن القاسم الأسدي، عن عبيد بن طفيل الطفاوي، أبي سيدان، عن الضحاك، عن ابن عباس. وسنده واه جدًّا. ومحمد بن القاسم ساقط والضحاك لم يسمع من ابن عباس.
(٥) ساقط من (ن).
(٦) أخرجه ابن جرير (١٠٨٨)؛ وابن أبي حاتم (٦٢٧) من طريق عبد الرزاق وهذا في "تفسيره" (١/ ٤٧). [وسنده صحيح].
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٢٨) وسنده ضعيف جدًّا. وفي سنده جويبر وهو ساقط.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٢٩) وسنده جيد.
(٩) أخرجه ابن جرير (١٠٨٩)؛ وابن أبي حاتم (٦٣١) وسنده حسن.
(١٠) أخرجه ابن جرير (١٠٩٠) وسنده حسن.
[ ١ / ٤٢٤ ]
وقال عطية (^١) العوفي: الخراج.
وقال الضحاك (^٢): الجزية.
وقوله (تعالى): (^٣) ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قال الضحاك (^٤): استحقوا الغضب من الله.
وقال الربيع (^٥) بن أنس: فحدث عليهم غضب من الله.
وقال سعيد بن (^٦) جبير: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يقول: استوجبوا سخطًا.
وقال ابن (^٧) جرير: يعني بقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ انصرفوا ورجعوا. ولا يقال: "باء" إلا موصولًا إما بخير وإما بشر؛ يقال منه: باء فلان بذنبه يبوء (به) (^٨) بوءًا (وبواء) (٢)؛ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩] يعني: تنصرف متحملهما، وترجع بهما قد صارا عليك دوني.
فمعنى الكلام: إذا رجعوا منصرفين متحملين غضب الله قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم من الله سخط.
وقوله (تعالى) (^٩): ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ يقول تعالى: هذا الذي جازيناهم من الذلة والمسكنة وإحلال الغضب (بهم) (^١٠) بسبب استكبارهم عن اتباع الحق، وكفرهم بآيات الله، وإهانتهم حملة الشرع، وهم الأنبياء وأتباعهم؛ فانتقصوهم إلى أن أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم، فلا (كبر) (^١١) أعظم من هذا؛ إنهم كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياء الله بغير الحق؛ ولهذا جاء في الحديث "المتفق على (^١٢) صحته" - أن رسول الله ﷺ قال: "الكبر بطر الحق وغمط الناس".
وقال الإمام أحمد (^١٣) ﵀: حدثنا إسماعيل، عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد، عن
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٢) بسند حسن.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٣) وسنده ضعيف جدًّا، فيه جويبر وهو متروك.
(٣) من (ز) و(ن).
(٤) أخرجه جرير (١٠٩٣) وسنده ضعيف جدًّا.
(٥) أخرجه ابن جرير (١٠٩٢)؛ وابن أبي حاتم (٦٣٥). [وسنده جيد].
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٣٤) من طريق ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير. [وسنده حسن].
(٧) في "تفسيره" (٢/ ١٣٨).
(٨) ساقط من (ج).
(٩) من (ز) و(ن).
(١٠) في (ن): "بهم من الذلة".
(١١) في (ن): "كفر" وهو خطأ يدل عليه الحديث الذي رواه المصنف عقبه.
(١٢) كذا قال المصنف ﵀! وهذا الحديث لم يخرجه البخاري في "صحيحه" إنما أخرجه في "التاريخ الكبير" (٣/ ١/ ٢)! وقد أخرجه مسلم (٩١/ ١٤٧).
(١٣) في "المسند" (١/ ٣٨٥) ومن طريقه الخطيب في "الأسماء المبهمة" (ص ٣٧٠)؛ وأخرجه أيضًا (١/ ٤٢٧) قال: حدثنا ابن أبي عدي ويزيد، قالا: أخبرنا ابن عون بسنده سواء؛ وأخرجه أبو يعلى (ج ٩/ رقم ٥٢٩١)؛ وأبو القاسم البغوي في "معجم الصحابة"، كما في "الإصابة" (٥/ ٧٤٩)؛ والحاكم (٤/ ١٨٢)؛ وابن بشكوال في "الغوامض" (ص ٢٧٩) من طرق عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد البصري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود. قال الحاكم: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي.
[ ١ / ٤٢٥ ]
حميد بن عبد الرحمن؛ قال: قال ابن مسعود: كنت لا أُحجب عن النجوى، ولا عن كذا ولا عن كذا، فأتيت رسول الله ﷺ وعنده مالك بن مرارة الرهاوي، (فأدركت) (^١) من آخر حديثه، وهو يقول: يا رسول الله؛ قد قُسم لي من الجمال ما ترى، فما أحب أن أحدًا من النَّاس فضلني بشراكين فما فوقهما؛ أليس ذلك هو البغي؟ فقال: لا، ليس ذلك من البغي، ولكن البغي من بطر"، أو قال: "سفه الحق، وغمط الناس"؛ يعني: رد الحق، وانتقاص الناس، والازدراء بهم، والتعاظم عليهم.
ولهذا لما ارتكب بنو إسرائيل ما ارتكبوه من الكفر بآيات الله، وقتلهم أنبياءه أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد، وكساهم ذلًا في الدنيا موصولًا بذل الآخرة جزاءً وفاقًا.
قال أبو داود (^٢) الطيالسي: حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم (من) (^٣) آخر النهار.
وقد قال الإمام (^٤) أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبان، حدثنا عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله - يعني: ابن مسعود - أن رسول الله ﷺ قال: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتله نبي أو قتل نبيًا، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين".
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ وهذه علة أخرى في مجازاتهم بما جوزوا به؛ أنهم كانوا يعصون ويعتدون؛ فالعصيان: فعل المناهى. والاعتداء: المجاوزة في حد المأذون فيه والمأمور به. والله أعلم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾.
لما بيَّن تعالى حال من خالف أوامره، وارتكب زواجره، وتعدى في فعل ما (لا) (^٥) إذن فيه، وانتهك المحارم؛ وما أحل بهم من النكال، نبَّه تعالى على أن من أحسن من الأمم السالفة وأطاع فإن له جزاءً الحُسنى.
_________________
(١) كذا في (ج) و(ل) و(ن) و(ى) وهو الموافق لما في "المسند"؛ وفي (ز) و(ض): "فأدركته".
(٢) أخرجه أبو داود الطيالسي، كما في "الدر المنثور" (١/ ٧٣)، ومن طريقه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦٣٦) وسنده صحيح. وأبو معمر هو عبد الله بن سخبرة.
(٣) كذا في (ك) و(ن) و(ى) وهو الموافق لما في "تفسير ابن أبي حاتم"، ووقع في (ج) و(ز) و(ض) و(ل): "في".
(٤) في "مسندها (١/ ٤٠٧). وأخرجه البزار في "مسنده" (ج ٢/ رقم ١٦٠٣) قال: حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، حدثني أبي بسنده سواء. وقال: "لا نعلم أسنده عن أبي وائل غير أبان". وهذا سند جيد كما قال المنذري في "الترغيب" (٣/ ١٠٤): وللحديث طرق أخرى عن ابن مسعود وشواهد عن جماعة من الصحابة ذكرتها في "تسلية الكظيم".
(٥) ساقط من (ج) و(ض) و(ل) و(ى).
[ ١ / ٤٢٦ ]
وكذلك الأمر إلى قيام الساعة: كل من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس] وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصلت].
قال ابن أبي (^١) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر (العدني) (^٢)، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد؛ قال: قال سلمان (﵁) (^٣): سألت النبي ﷺ عن أهل دين كنت معهم؛ (فذكر) (^٤) من صلاتهم وعبادتهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ …﴾ إلى آخر الآية.
وقال المسدي (^٥): ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية نزلت في أصحاب سلمان الفارسي؛ بينا هو يحدث النبي ﷺ إذ ذكر أصحابه، فأخبره خبرهم؛ فقال: كانوا يصلون ويصومون ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيًا. فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال له نبي الله ﷺ: "يا سلمان؛ هم من أهل النار"؛ فاشتد ذلك على سلمان؛ فأنزل الله هذه الآية؛ فكان إيمان اليهود أنه [من تمسك بالتوراة وسنة موسى ﵇ حتى جاء عيسى؛ فلما جاء عيسى كان] (^٦) من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكًا. وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنًا مقبولًا منه حتى جاء محمد ﷺ، فمن لم يتبع محمدًا ﷺ منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكًا.
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو هذا.
(قلت) (^٧): وهذا لا ينافي ما روى علي بن (^٨) أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
_________________
(١) في "تفسيره" (٦٣٨). وأخرجه ابن أبي عمر العدني في "مسنده"، كما في "الدر المنثور" (١/ ٧٣) وسنده ضعيف لانقطاعه بين مجاهد وسلمان ﵁.
(٢) في (ز) و(ض): "العوفي"؛ وفي (ن): "العدوى" وكلاهما خطأ.
(٣) من (ن).
(٤) في (ز) و(ل) و(ن): "فذكرت".
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤٠) قال: حدثنا أبو زرعة. وأخرجه ابن جرير (١١١٢) قال: حدثني موسى بن هارون قالا: حدثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط بن نصر، عن السدي فذكره. وهذا سند ضعيف للانقطاع بين السدي وسلمان ﵁، وربما اختصر السدي السند، وسند نسخته في التفسير معروف. والله أعلم. ثم صدق ما توقعته من الاحتمال والحمد لله، فقد رأيته في "كتاب التوحيد" (١/ ٣١٥، ٣١٦) لابن منده فرواه من طريقين عن عمرو بن حماد، ثنا أسباط بن نصر، عن إسماعيل السدي، عن أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن عبد الله بن مسعود أن سلمان الفارسي ﵁ … فذكره مثل سياق ابن أبي حاتم. وهذا سند حسن كما تقدم تحقيقه. وسياق ابن جرير أطول وأوضح من هذا.
(٦) ساقط من (ض).
(٧) في (ك): "قال".
(٨) أخرجه ابن جرير (١١١٤)؛ وابن أبي حاتم (٦٣٩) من طريقين عن أبي صالح كاتب الليث، حدثني =
[ ١ / ٤٢٧ ]
وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية: فأنزل الله (تعالى) (^١) بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران]؛ فإن هذا الذي قاله ابن عباس إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقةً ولا عملًا إلا ما كان موافقًا لشريعة محمد ﷺ بعد أن بعثه بما بعثه به؛ فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدًى وسبيل نجاة؛ فاليهود أتباع موسى ﵇ الذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم.
واليهود: من الهوادة وهي المودة، أو التهود وهى التوبة؛ كقول موسى ﵇: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي: تبنا؛ فكأنهم سُموا بذلك في الأصل لتوبتهم ومودتهم في بعضهم (لبعض) (^٢).
[وقيل: لنسبتهم إلى يهودا أكبر أولاد يعقوب وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهودون؛ أي: يتحركون عند قراءة التوراة] (^٣).
فلما بعث عيسى ﷺ وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، وسموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم. وقد يقال لهم أنصار أيضًا، كما قال عيسى ﵇: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وقيل: إنهم سموا بذلك من أجل أنهم نزلوا أرضًا يقال لها: "ناصرة". قاله قتادة (^٤) وابن جريج (^٥)، وروي عن ابن (^٦) عباس أيضًا. والله أعلم.
والنصارى: جمع نصران؛ كنشاوى جمع نشوان، وسكارى جمع سكران؛ ويقال للمرأة: "نصرانة"؛ قال الشاعر (^٧):
نصرانة لم تحنَّف
فلما بعث الله محمدًا ﷺ خاتمًا للنبيين، ورسولًا إلى بني آدم على الإطلاق، ووجب عليهم
_________________
(١) = معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة به. [وسنده ثابت]. قال ابن جرير: "وهذا الخبر يدل على أن ابن عباس كان يرى أن الله جل ثناؤه كان قد وعد من عمل صالحًا من اليهود والنصارى والصابئين على عمله في الآخرة الجنة، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. فتاويل الآية إذن على ما ذكرنا عن مجاهد والسدي: إن الذين آمنوا من هذه الأمة، والذين هادوا، والنصارى والصابئين من آمن من اليهود والنصارى والصابئين بالله واليوم الآخرة، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون". اهـ.
(٢) من (ج) و(ل).
(٣) كذا في (ن)، وأشار ناسخ (ى) أنها وقعت كذلك في نسخة، ووقع في سائر "الأصول": "بعض".
(٤) ساقط من (ز) و(ض).
(٥) أخرجه ابن جرير (١٠٩٧، ١٠٩٨) من طريقين عن قتادة؛ وهو صحيح.
(٦) أخرجه ابن جرير (١٠٩٥) بسند جيد.
(٧) أخرجه ابن جرير (١٠٩٦) بإسناد ساقط وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٧٥) إلى ابن سعد في "الطبقات". قال ابن جرير: "طريق غير مرتضًى".
(٨) هو أبو الأخرز الحماني وانظر "تفسير الطبري" (٢/ ١٤٤) و"تفسير القرطبي" (١/ ٤٤٣)، وتمام البيت: فكلتاهما خرت وأسجد رأسها … كما سجدت نصرانة لم تحنف يصف ناقتين طأطأتا رؤوسهما من الإعياء، فشبه رأس الناقة برأس النصرانية إذا طأطأته في صلاتها.
[ ١ / ٤٢٨ ]
تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانكفاف عما عنه زجر؛ وهؤلاء هم المؤمنون حقًّا.
وسميت أمة محمد ﷺ مؤمنين، لكثرة إيمانهم وشدة إيقانهم، ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية.
وأما الصابئون فقد اختُلف فيهم؛ فقال سفيان (^١) الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، قال: الصابئون قوم بين المجوس واليهود والنصارى، ليس لهم دين. وكذا رواه ابن أبي نجيح عنه. وروي عن عطاء (^٢)، وسعيد (^٣) بن جبير نحو ذلك.
وقال أبو العالية (^٤)، والربيع بن أنس، والسدي (^٥) وأبو الشعثاء جابر بن زيد، والضحاك، [وإسحاق بن راهويه] (^٦): الصابئون: فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور.
[ولهذا قال أبو حنيفة، وإسحاق: لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم] (^٦).
وقال هشيم (^٧)، عن مطرف: كنا عند الحكم بن عتيبة، فحدثه رجل من (أهل) (^٨) البصرة عن الحسن أنه كان يقول في الصابئين: إنهم كالمجوس. فقال الحكم: ألم أخبركم بذلك!
وقال عبد الرحمن (^٩) بن مهدي، عن معاوية بن عبد الكريم، سمعت الحسن ذكر الصابئين فقال: هم قوم يعبدون الملائكة.
[وقال ابن جرير (^١٠): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن؛ قال: أُخبر زياد أن الصابئين يصلُّون إلى القبلة، ويصلُّون الخمس، قال: فأراد أن يضع عنهم الجزية؛ قال: فخُبر بعد أنهم يعبدون الملائكة] (^١١).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤٢) واللفظ له وابن جرير (١٠٩٩، ١١٠٠) من طرق عن سفيان الثوري به وسنده ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم؛ وأخرجه ابن جرير (١١٠١، ١١٠٢) من طريقين آخرين عن مجاهد في سند الأول الحجاج بن أرطاة يضعف، وفي سند الثاني محمد بن حميد الرازي، وهو واه لكن أخرجه ابن جرير أيضًا (١١٠٥، ١١٠٦) من وجهين آخرين هما أحسن حالًا مما سبق يثبت به هذا القول عن مجاهد. والله أعلم وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٧٥) إلى وكيع وعبد الرزاق وعبد بن حميد.
(٢) أخرجه ابن جرير (١١٠٦) من طريق ابن جريج قال: قلت لعطاء: "الصابئين" زعموا أنها قبيلة من نص السواد؛ يعني: سواد العراق، ليسوا بمجوس ولا يهود ولا نصارى. قال: قد سمعنا ذلك، وقد قال المشركون للنبي ﷺ: قد صبأ. وسنده صحيح.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤١) بسند صالح. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٧٥) إلى عبد بن حميد.
(٤) أخرجه ابن جرير (١١١٠)؛ وابن أبي حاتم (٦٤٣). [وسنده جيد].
(٥) أخرجه ابن جرير (١١١١)، وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٧٥) إلى وكيع. [وأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي].
(٦) ساقط من (ز) و(ض).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤٤) قال: حدثنا أبي، ثنا محمد بن عبد الرحمن العرزمي، ثنا هشيم به وسنده ضعيف جدًّا. والعرزمي متروك كما قال الدارقطني، وشيخ الحكم بن عتيبة مجهول.
(٨) ساقط من (ج) و(ل) و(ى).
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤٧) قال: حدثنا أبو زرعة، ثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا عبد الرحمن بن مهدي فذكره. وسنده جيد. ومعاوية بن عبد الكريم صدوق متماسك.
(١٠) في "تفسيره" (١١٠٨) وسنده صحيح.
(١١) ساقط من (ز) و(ض).
[ ١ / ٤٢٩ ]
وقال أبو جعفر الرازي (^١): بلغني أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة، ويقرءون الزبور، ويصلون للقبلة. وكذا قال سعيد بن أبي (^٢) عروبة عن قتادة.
وقال ابن (^٣) أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه؛ قال: الصابئون قوم مما يلي العراق، وهم بـ "كوثى" (^٤)، وهم يؤمنون بالنبيين كلهم، ويصومون من كل سنة ثلاثين يومًا، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات.
وسئل وهب (^٥) بن منبه عن الصابئين؛ فقال: (الذي) (^٦) يعرف الله وحده، وليست له شريعة يعمل بها، ولم يحدث كفرًا.
وقال عبد الله (^٧) بن وهب: قال عبد الرحمن بن زيد: الصابئون: أهل دين من الأديان، كانوا بجزيرة الموصل يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل، ولا كتاب، ولا نبي إلا قول: لا إله إلا الله. قال: ولم يؤمنوا برسول؛ فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي ﷺ وأصحابه: هؤلاء الصابئون يشبهونهم بهم؛ يعني: في قول: لا إله إلا الله.
[وقال الخليل: هم قوم يشبه دينهم دين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح ﵇.
وحكى القرطبي (^٨)، عن مجاهد، والحسن، وابن أبي نجيح: أنهم قوم تركب دينهم بين اليهود والمجوس، ولا تؤكل ذبائحهم، (قال ابن عباس) (^٩): ولا تنكح نساؤهم.
قال القرطبي (^٨): والذي تحصَّل من مذهبهم، فيما ذكره بعض العلماء، أنهم موحدون، ويعتقدون تأثير النجوم، وأنها (فعالة) (^١٠)؛ ولهذا أفتى أبو سعيد الإصطخري بكفرهم للقادر بالله حين سأله عنهم] (^١١).
[واختار (فخر الدين) (^١٢) الرازي (^١٣) أن الصابئين قوم يعبدون الكواكب؛ بمعنى أن الله جعلها قبلةً للعبادة والدعاء؛ أو بمعنى أن الله فوض تدبير أمر هذا العالم إليها؛ قال: وهذا القول هو المنسوب إلى الكشدانيين (^١٤) الذين جاءهم إبراهيم (الخليل) (١٢) ﵇ رادًا عليهم، ومبطلًا لقولهم] (^١٥).
وأظهر الأقوال - والله أعلم - قول مجاهد ومتابعيه، ووهب بن منبه أنهم قوم ليسوا على دين
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١١١٠)؛ وابن أبي حاتم (٦٤٦).
(٢) أخرجه ابن جرير (١١٠٩) حدثنا بشر بن معاذ، حدثنا يزيد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وسنده قوي.
(٣) في "تفسيره" (٦٤٥) وسنده حسن.
(٤) كوثى، بالضم، ثم السكون والثاء مثلثة، وألف مقصورة؛ ثلاثة مواضع بسواد العراق (ياقوت) (٤/ ٤٨٧).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٤٨) وسنده جيد.
(٦) ساقط من (ج).
(٧) أخرجه ابن جرير (١١٠٧) بسند صحيح.
(٨) في "تفسيره" (١/ ٤٣٤، ٤٣٥).
(٩) ساقط من (ن).
(١٠) كذا في سائر "الأصول"، وهو الموافق لما في "تفسير" القرطبي؛ وفي (ن): "فاعلة".
(١١) ساقط من (ز) و(ض).
(١٢) ساقط من (ن).
(١٣) في "تفسيره" (٢/ ١١٢، ١١٣).
(١٤) هم طائفة من عبدة الكواكب.
(١٥) ساقط من (ز) و(ض).
[ ١ / ٤٣٠ ]
اليهود، ولا النصارى، ولا المجوس، ولا المشركين؛ وإنما هم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه؛ ولهذا كان المشركون ينبزون من أسلم بالصابئ؛ أي: قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك.
وقال بعض العلماء: الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي. والله أعلم.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾.
يقول تعالى، مذكرًا بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق، بالإيمان، به وحده لا شريك له، واتباع رسله؛ وأخبر تعالى أنه لما أخذ عليهم الميثاق رفع الجبل فوق رؤوسهم، ليقروا بما عوهدوا عليه، (ويأخذوه) (^١) بقوة (وحزم) (^٢) (وهمة) (^٣) وامتثال؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾ [الأعراف].
فالطور: هو الجبل (كما فسر بآية "الأعراف" (^٤» ونص على ذلك ابن عباس (^٥)، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، والضحاك، والربيع بن أنس، وغير واحد. وهذا (ظاهر) (^٦).
وفي رواية عن ابن عباس (^٧): الطور: ما أنبت من الجبال، وما لم ينبت فليس بطور.
وفي "حديث الفتون"، عن ابن عباس أنهم لما امتنعوا عن الطاعة رفع عليهم الجبل ليسمعوا.
وقال السدي (^٨): فلما أبوا أن يسجدوا أمر الله الجبل أن يقع عليهم، فنظروا إليه، وقد غشيهم، فسقطوا سجدًا فسجدوا على شق، ونظروا بالشق الآخر؛ فرحمهم الله، فكشفه عنهم؛ فقالوا: والله ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب عنهم؛ فهم يسجدون كذلك.
وذلك قول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾.
وقال الحسن (^٩)
_________________
(١) في (ج) و(ل): "فأخذوه".
(٢) في (ن): "جزم".
(٣) ساقط من (ن).
(٤) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ك) و(ى)؛ وفي (ن): "فسر به في الأعراف"؛ وفي (ل): "فسرنا به الأعراف".
(٥) أخرجه ابن جرير (١١٢٤) من طريق ابن جريج قال: قال ابن عباس به. وسنده معضل. وأخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٦) من طريق أبي عبد الصمد العمي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الطور جبل. ورجاله ثقات. وأما أثر مجاهد وعكرمة فأخرجهما ابن جرير (١١١٧، ١١٢١)؛ وأثر عطاء عند ابن أبي حاتم (٦٥٧). [وهذه الآثار يقوي بعضها الآخر].
(٦) في (ج): "الظاهر".
(٧) أخرجه ابن جرير (١١٢٥)؛ وابن أبي حاتم (٦٥٥) بسند ضعيف جدًّا.
(٨) أخرجه ابن جرير (١١٢٢) قال: حدثنا موسى؛ وابن أبي حاتم (٦٥٨) قال: حدثنا أبو زرعة قالا: حدثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط بن نصر، عن السدي به. وسنده حسن.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٩) من طريق إبراهيم بن عبد الله بن بشار، حدثني سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن به. وسنده ضعيف. وإبراهيم بن عبد الله، ترجمه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٦/ ١٢٠) =
[ ١ / ٤٣١ ]
في قوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ يعني: (التوراة) (^١).
وقال أبو العالية (^٢)، والربيع بن أنس: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي: بطاعة.
وقال مجاهد (^٣): ﴿بِقُوَّةٍ﴾: بعمل بما فيه.
وقال قتادة (^٤): ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ القوة: الجد وإلا قذفته عليكم؛ قال: فأقروا بذلك أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة.
ومعنى قوله: وإلا قذفته عليكم؛ أي: أسقطته عليكم؛ يعني: الجبل.
وقال أبو العالية (^٥)، والربيع (^٦): ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ يقول: اقرءوا ما في التوراة، واعملوا به.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ يقول تعالى: ثم بعد هذا الميثاق المؤكد العظيم توليتم عنه، وأنثنيتم، ونقضتموه؛ ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي: (بتوبته) (^٧) عليكم، وإرساله النبيين والمرسلين إليكم ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ بنقضكم ذلك الميثاق في الدنيا والآخرة.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾.
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ يا معشر اليهود ما حل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله، وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت، (والقيام) (^٨)، بأمره؛ إذ كان مشروعًا لهم؛ فتحيلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت بما (وضعوه) (^٩) لها من (الشصوص) (^١٠) والحبائل والبرك قبل يوم السبت؛ فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة (نشبت) (^١١) بتلك الحبائل والحيل، فلم تخلص منها يومها ذلك؛ فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت؛ فلما فعلوا ذلك مسخهم الله إلى صورة القردة، وهي أشبه شيءٍ بالأناسي في الشكل الظاهر،
_________________
(١) = ولم يحك فيه شيئًا. وسرور بن المغيرة. ترجمه ابن أبي حاتم (٢/ ١/ ٣٢٥) ونقل عن أبيه قال: "شيخ" وتكلم فيه الأزدي، وبيَّن الحافظ في "اللسان" (٣/ ١٢) أن الأزدي تكلم في روايته عن الشعبي. وقال ابن حبان: "روى عنه أبو سعيد الحداد الغرائب". وعباد بن منصور متكلم فيه، وهو متماسك.
(٢) في (ك): "التورية"؛ وفي (ح): "التوبة".
(٣) أخرجه ابن جرير (١١٢٨)؛ وابن أبي حاتم (٦٦٠). [وسنده جيد].
(٤) أخرجه ابن جرير (١١٢٦، ١١٢٧)؛ وابن أبي حاتم (٦٦١) من طرق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. [وسنده صحيح].
(٥) أخرجه ابن جرير (١١٢٩)؛ وابن أبي حاتم (٦٦٢) من طريق عبد الرزاق وهو في "تفسيره" (١/ ٤٧) أنبأ معمر، عن قتادة. [وسنده صحيح].
(٦) أخرجه ابن جرير (١١٣٣)؛ وابن أبي حاتم (٦٦٣). [وسنده جيد].
(٧) أخرجه ابن جرير (١١٣٤) بسند ضعيف.
(٨) في (ز) و(ض): "توبته".
(٩) في (ك): "العباة"!!
(١٠) في (ن): "وضعوا".
(١١) في (ل): "الشقوص" وهو تصحيف، والشصوص، جمع "شص" قال ابن منظور في "لسان العرب" (ص ٢٢٥٩): "الشص والشص: شيء يصاد به السمك". اهـ. كأنه يعني الشباك. قال ابن دريد: "لا أحسبه عربيًا".
(١٢) في (ل): "نشبه".
[ ١ / ٤٣٢ ]
وليست بإنسان حقيقةً؛ فكذلك أعمال هؤلاء وحيلتهم لما كانت مشابهةً للحق في الظاهر، ومخالفةً له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم.
وهذه القصة مبسوطة في "سورة الأعراف" حيث يقول تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف] القصة بكمالها.
وقال السدي (^١): أهل هذه القرية هم أهل أيلة، وكذا قال قتادة.
وقوله [تعالى: ﴿فَقُلْنَا (^٢) لَهُمْ] كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
قال ابن (^٣) أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قال: مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردةً؛ وإنما هو مثل ضربة الله ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].
ورواه ابن جرير عن المثنى، عن أبي حذيفة؛ وعن (محمد بن عمرو) (^٤) الباهلي؛ عن أبي عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، به.
وهذا سند جيد عن مجاهد، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام، وفي غيره. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ الآية [المائدة: ٦٠].
وقال العوفي في "تفسيره" (^٥)، عن ابن عباس: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فجعل الله منهم القردة والخنازير؛ فزعم أن شباب القوم صاروا قردةً، وأن المشيخة صاروا خنازير.
وقال شيبان النحوي (^٦)، عن قتادة: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فصار القوم قردةً تعاوى، لها أذناب بعد ما كانوا رجالًا ونساءً.
وقال عطاء الخراساني (^٧): نودوا: يا أهل القرية؛ ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فجعل الذين نهوهم
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١١٤٢) مطولًا [بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، لكنه من الإسرائيليات] ويأتي في "سورة الأعراف" إن شاء الله تعالى.
(٢) من (ن).
(٣) في "تفسيره" (٦٧٧ - البقرة). [وسنده صحيح]. وأخرجه ابن جرير (١١٤٤) حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة بسنده سواء.
(٤) من (ن) ووقع في سائر "الأصول": "عمر" بلا "واو"، وهو خطأ. وذكر الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على "تفسير الطبري" (٢/ ١٦) أنه: "محمد بن عمرو بن العباس أبو بكر الباهلي المترجم في "تاريخ بغداد" (٣/ ١٢٧) ".
(٥) ومن طريقه ابن أبي حاتم (٦٧٨)؛ وابن بطة في "إبطال الحيل" (٦١) مطولًا، وسنده ضعيف جدًّا، وقد تقدم تفصيل القول في ضعفه.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٧٦) من طريق يونس بن محمد المؤدب، ثنا شيبان النحوي به. وسنده صحيح وأخرجه ابن جرير (١١٤٠) من طريق يزيد بن زريع، ثنا سعيد، هو ابن أبي عروبة، عن قتادة بأطول مما هنا. وسنده صحيح أيضًا. وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٧٥) إلى عبد بن حميد.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٧٣) بسند ضعيف جدًّا.
[ ١ / ٤٣٣ ]
يدخلون عليهم، فيقولون: يا فلان، ألم ننهك؟ فيقولون برؤوسهم؛ أي: بلى.
وقال ابن (^١) أبي حاتم: حدثنا علي بن (الحسين) (^٢)، حدثنا عبد الله بن محمد بن ربيعة، بالمصيصة، حدثنا محمد بن مسلم - يعني: الطائفي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: إنما كان الذين اعتدوا في السبت، فجعلوا قردة فواقًا (^٣)، ثم هلكوا، ما كان للمسخ نسل.
وقال الضحاك (^٤)، عن ابن عباس: فمسخهم الله قردةً بمعصيتهم؛ يقول: إذ لا يحيون في الأرض إلا ثلاثةً أيام. قال: ولم يعش (مسخ) (^٥) قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب، ولم ينسل.
وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام التي (ذكر) (^٦) الله في "كتابه"، فمسخ هؤلاء القوم في صورة القردة؛ وكذلك يفعل بمن يشاء كما يشاء، ويحوله كما يشاء.
وقال (^٧) أبو جعفر (الرازي) (^٨)، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قال: يعني: أذلةً صاغرين.
وروى عن مجاهد (^٩)، وقتادة (^١٠)، والربيع (^١١)، وأبي مالك، نحوه.
وقال محمد بن (^١٢) إسحاق، عن داود بن (الحصين) (^١٣)، عن عكرمة؛ قال: قال ابن عباس: إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم: يوم الجمعة، فخالفوا إلى السبت فعظموه، وتركوا ما أمروا به؛ فلما أبو إلا لزوم السبت، ابتلاهم الله فيه، فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره؛ وكانوا في قرية بين "أيلة" "والطور" يقال لها: "مدين"؛ فحرم الله عليهم في السبت الحيتان: صيدها وأكلها؛ وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شرعًا إلى ساحل بحرهم، حتى إذا ذهب السبت ذهبن [فلم يروا حوتًا صغيرًا ولا كبيرًا، حتى إذا كان يوم السبت أتين شرعًا حتى إذا ذهب السبت ذهبن] (^١٤)؛ فكانوا كذلك، حتى طال عليهم الأمد،
_________________
(١) في "تفسيره" (٦٧٥) وسنده واه وعبد الله بن محمد أحد الضعفاء، له مناكير وهو شبه المتروك. والطائفي يضعف.
(٢) في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(ى): "الحسن" وهو خطأ.
(٣) الفواق: ما بين الحلبتين من الراحة، يريد: وقتًا قصيرًا.
(٤) أخرجه ابن جرير (١١٣٨) مطولًا وسنده ضعيف.
(٥) في (ك): "مسيخ".
(٦) في (ز) و(ن): "ذكرها".
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٧٩). [وسنده جيد].
(٨) ساقط من (ن).
(٩) أخرجه ابن جرير (١١٤٥، ١١٤٧) بسندين جيدين عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وأخرجه أيضًا (١١٤٦) من طريق الثوري عن رجل عن مجاهد. وهذا "الرجل" عندي هو ابن أبي نجيح. والله أعلم.
(١٠) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٤٨) ومن طريقه ابن جرير (١١٤٨) أخبرنا معمر، عن قتادة. [وسنده صحيح].
(١١) أخرجه ابن جرير (١١٤٩).
(١٢) أخرجه ابن جرير (١١٣٩) قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثنا محمد بن إسحاق بسنده سواء. وسنده ضعيف، وقد قدمت الكلام عليه مرارًا.
(١٣) في (ن): "أبي الحصين"!!.
(١٤) ساقط من (ك).
[ ١ / ٤٣٤ ]
وقرموا (^١) إلى الحيتان - عمد رجل منهم فأخط حوتًا سرًا يوم السبت (فخزمه) (^٢) (بخيط) (^٣) ثم أرسله في الماء، وأوتد له وتدًا في الساحل فأوثقه؛ ثم تركه حتى إذا كان الغد جاء فأخذه؛ أي: إني لم آخذه في يوم السبت، فانطلق به فأكله، حتى إذا كان يوم السبت الآخر عاد لمثل ذلك.
ووجد الناس ريح الحيتان، فقال أهل القرية: والله! لقد وجدنا ريح الحيتان؛ ثم عثروا على (صنع) (^٤) ذلك الرجل.
قال: ففعلوا كما فعل، (وأكلوا) (^٥) سرًا زمانًا طويلًا لم يعجل الله عليهم (بعقوبة) (^٦)، حتى صادوها علانيةً، وباعوها (بالأسواق) (^٧)؛ فقالت طائفة منهم من أهل البقية: ويحكم، اتقوا الله؛ ونهوهم عما (كانوا) (^٨) يصنعون؛ فقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان ولم تنه القوم عما صنعوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤] (لسخطنا) (^٩) أعمالهم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤].
قال ابن عباس: فبينما هم على ذلك أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم؛ (فقدوا) (^١٠) الناس فلم يروهم؛ قال: فقال بعضهم لبعض: إن للناس (لشأنًا) (^١١)، فانظروا ما هو؟ فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقةً عليهم، قد دخلوها ليلًا فغلقوها على أنفسهم، كما يغلق الناس على أنفسهم؛ فأصبحوا فيها قردةً؛ وإنهم ليعرفون الرجل بعينه، وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد.
قال: (يقول) (^١٢) ابن عباس: فلولا ما ذكر الله أنه (أنجى) (^١٣) الذين نهوا عن السوء لقد أهلك الله الجميع منهم.
قال: وهي القرية التي قال جل ثناؤه لمحمد ﷺ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ …﴾ [الأعراف: ١٦٣].
وروى الضحاك (^١٤)، عن ابن عباس نحوًا من هذا.
وقال السدي (^١٥) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ قال: هم أهل أيلة؛ وهي القرية التي كانت حاضرة البحر؛ فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت، وقد حرم الله على اليهود أن يعملوا في السبت شيئًا، لم يبق في البحر حوت إلا خرج، حتى يخرجن خراطيمهن من الماء؛ فإذا كان يوم الأحد لزمن (مقل) (^١٦) البحر، فلم ير
_________________
(١) القرم: اشتداد الشهوة إلى أكل اللحم.
(٢) في (ض) و(ع) و(ل) و(ن): "فحزمه" بالحاء المهملة والزاي.
(٣) ساقط من (ك).
(٤) في (ن): "صنيع".
(٥) في (ز) و(ن): "وصنعوا".
(٦) في (ز) و(ن): "العقوبة".
(٧) في (ل): "في الأسواق".
(٨) من (ن).
(٩) في (ن): "بسخطنا".
(١٠) في (ز): "وفقدوا".
(١١) في (ن): "شأنًا".
(١٢) في (ن): "قال".
(١٣) في (ن): "نجى".
(١٤) أخرجه ابن جرير (١١٣٨) بسند ضعيف.
(١٥) أخرجه ابن جرير (١١٤٢) وسنده حسن.
(١٦) كذا في سائر "الأصول". ومقل البحر: مغاصه كما في "النهاية" (٤/ ٣٤٧). وانظر أيضًا "لسان العرب"=
[ ١ / ٤٣٥ ]
منهن شيء، حتى يكون يوم السبت؛ فذلك قوله (تعالى) (^١): ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] فاشتهى بعضهم السمك، فجعل الرجل يحفر الحفيرة، ويجعل لها نهرًا إلى البحر؛ فإذا كان يوم السبت فتح النهر، فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيها في الحفيرة، فيريد الحوت أن يخرج فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر، فيمكث (فيها) (^٢)؛ فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه، فجعل الرجل يشوي السمك، فيجد جاره (روائحه) (^٢)، فيسأله فيخبره فيصنع مثل ما صنع جاره، حتى فشا فيهم أكل السمك؛ فقال لهم علماؤهم: ويحكم! إنما تصطادون يوم السبت، وهو لا يحل لكم، فقالوا: إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه. فقال (الفقهاء) (^٣): لا، ولكنكم صدتموه يوم (فتحتم) (^٤) له الماء فدخل.
قال: (وغلبوا) (^٥) أن ينتهوا؛ فقال بعض الذين نهوهم لبعض: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: ١٦٤]، يقول: لم تعظونهم وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤].
فلما أبوا قال المسلمون: والله لا نساكنكم في قرية واحدة، فقسموا القرية بجدار، ففتح المسلمون بابًا، والمعتدون في السبت بابًا، ولعنهم داود ﵇ فجعل المسلمون يخرجون من بابهم، والكفار من بابهم؛ فخرج المسلمون ذات يوم ولم يفتح الكفار بابهم؛ فلما أبطئوا عليهم تسور المسلمون عليهم الحائط فإذا هم قردة، يثب بعضهم على بعض، ففتحوا عنهم؛ فذهبوا في الأرض؛ فذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [الأعراف] وذلك حين يقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ …﴾ (الآية) (^٦) [المائدة: ٧٨] فهم القردة.
قلت: والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد ﵀ من أن مسخهم إنما كان معنويًا لا صوريًا؛ بل الصحيح أنه (معنوي صوري) (^٧) والله (تعالى) (^٢) أعلم.
وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا [نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا] (^٨)﴾ قال بعضهم: الضمير في "فجعلناها" عائد على القردة. وقيل: على الحيتان. وقيل: على العقوبة. وقيل: على القرية. حكاها ابن جرير.
والصحيح أن الضمير عائد على القرية؛ أي: فجعل الله هذه القرية؛ والمراد أهلها بسبب اعتدائهمِ في سبتهم ﴿نَكَالًا﴾ أي: عاقبناهم عقوبةً، فجعلناها عبرةً؛ كما قال الله على فرعون: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ [النازعات: ٢٥].
_________________
(١) = (ص ٤٢٤٥). ووقع في (ن): "أسفل"؛ وفي "تفسير الطبري":"سفل".
(٢) من (ن).
(٣) في "تفسير الطبري": "ريحه".
(٤) في (ز) و(ض): "العلماء".
(٥) في (ز) و(ض): "فتحكم".
(٦) في "تفسير الطبري": "وعتوا".
(٧) من (ن).
(٨) في (ل): "صورى لا معنوي" وهو أوضح لمراد المصنف ﵀.
(٩) ساقط من (ن).
[ ١ / ٤٣٦ ]
وقوله (تعالى) (^١): ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ أي: من القرى.
قال ابن عباس: يعني جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرةً لما حولها من القرى؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)﴾ [الأحقاف] ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا …﴾ الآية [الرعد: ٤١] على أحد الأقوال.
فالمراد: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ في المكان، كما قال محمد بن (^٢) إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ من القرى، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ من القرى.
وكذا قال سعيد (^٣) بن جبير: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ (قال) (^٤): (من) (^٥) بحضرتها من الناس يومئذٍ.
وروي عن إسماعيل (^٦) بن أبي خالد، وقتادة، وعطية العوفي: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ قال: ما (كان) (^٧) قبلها من الماضيين في شأن السبت.
وقال أبو العالية (^٨)، والربيع (^٩)، وعطية (^١٠): وما خلفها (لمن) (^١١) بقي بعدهم من الناس من بني إسرائيل أن يعملوا مثل عملهم، وكأن هؤلاء يقولون: المراد ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ في الزمان.
وهذا مستقيم بالنسبة إلى من يأتي بعدهم من الناس، أن يكون أهل تلك القرية عبرةً لهم، وأما بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس فكيف يصح هذا الكلام أن تفسر الآية به؛ وهو أن يكون عبرةً لمن سبقهم (^١٢)؟
وهذا لعل أحدًا من الناس لا يقوله بعد تصوره؛ فتعين أن المراد بما بين يديها وما خلفها في المكان؛ وهو ما حولها من القرى؛ كما قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. والله أعلم.
وقال أبو جعفر (^١٣) الرازي، عن الربيع (^١٤) [بن أنس، عن أبي العالية: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ أي: عقوبةً لما خلا (من ذنوبهم) (^١٥)] (١٤).
_________________
(١) من (ن).
(٢) أخرجه ابن جرير (١١٥٦)؛ وابن أبي حاتم (٦٨١) وسنده ضعيف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٨٤) قال: ذكر لي عن سعيد بن أبي مريم، أخبرني ابن لهيعة حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير فذكره. وسنده ضعيف للانقطاع بين ابن أبي حاتم وسعيد بن أبي مريم. وأيضًا فقد تكلم النسائي في رواية عطاء بن دينار التفسير عن سعيد بن جبير، ويمكن أن يجاب عن ذلك بأنها وجادة صحيحة. والله أعلم.
(٤) ساقط من (ز) و(ض).
(٥) ساقط من (ج).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٨٣) بسند صحيح.
(٧) ساقط من (ز) و(ن).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٨٦). [وسنده جيد].
(٩) أخرجه ابن جرير (١١٥٥). [ويشهد له سابقه].
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٨٨) وإسناده لا بأس به.
(١١) في (ز) و(ن): "لما".
(١٢) وقال ابن عطية في "تفسيره" (١/ ٣٣٩) نحوًا من هذا الكلام.
(١٣) أخرجه ابن جرير (١١٥٥)؛ وابن أبي حاتم (٦٨٢) وسنده حسن كما تقدم ذكره.
(١٤) ساقط من (ج).
(١٥) في (ز) و(ض): "من دونهم".
[ ١ / ٤٣٧ ]
[وقال ابن] (^١) أبي (حاتم) (^٢): وروي عن عكرمة، ومجاهد (^٣)، والسدي (^٤)، [والحسن، وقتادة (^٥)، والربيع (^٦) بن] (^٧) [أنس نحو ذلك.
(^٨) [وحكى القرطبي (^٩) عن ابن عباس] (^١٠) والسدي، والفراء، وابن عطية (^١١): ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ من ذنوب القوم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب.
وحكى (فخر الدين) (^١٢) (الرازي) (^١٣) ثلاثة أقوال (^١٤):
أحدها: أن المراد بما بين يديها وما خلفها من تقدمها من القرى بما عندهم من العلم بخبرها بالكتب المتقدمة، ومن بعدها.
والثاني: المراد بذلك من بحضرتها من القرى والأمم.
والثالث: أنه (تعالى جعلها) (^١٥) عقوبةً لجميع ما ارتكبوه من قبل هذا الفعل وما بعده؛ وهو قول الحسن.
قلت: وأرجح الأقوال: المراد بما بين يديها وما خلفها من] (^٨) [بحضرتها من القرى (التي) (^١٦) يبلغهم خبرها، وما حل بها؛ كما قال (تعالى) (^١٧): ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) …﴾ الآية [الأحقاف: ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ الآية [الرعد: ٣١]. وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤] فجعلهم عبرةً ونكالًا لمن في زمانهم، وموعظةً لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم؛ ولهذا قال: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾] (^١٨).
وقوله (تعالى) (^١٩): ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال محمد بن (^٢٠) إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين من بعدهم إلى يوم القيامة.
_________________
(١) ساقط من (ج).
(٢) في (ك): "جرير"!
(٣) أخرجه ابن جرير (١١٥٩، ١١٦٠)؛ وابن أبي حاتم (٦٨٧) من طرق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وسنده جيد. وأخرجه ابن جرير (١١٦١) عن ابن جريج، عن مجاهد وابن جريج مدلس.
(٤) أخرجه ابن جرير (١١٦٢).
(٥) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره (١/ ٤٨) " ومن طريقه ابن جرير (١١٥٨) نا معمر، عن قتادة، وأخرجه ابن جرير (١١٥٧) من طريق يزيد بن زريع، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة وسنده صحيح.
(٦) أخرجه ابن جرير (١١٥٥).
(٧) ساقط من (ن).
(٨) ساقط من (ز) و(ض).
(٩) في "تفسيره" (١/ ٤٤٤) وذكر ابن عطية (١/ ٣٣٨) قول ابن عباس وقال: "ما أراه يصح".
(١٠) ساقط من (ن).
(١١) في "تفسيره" (١/ ٣٣٨) وقال: "وهذا قول جيد".
(١٢) ساقط من (ن).
(١٣) ساقط من (ج) و(ع) و(ل) و(ك) و(ى).
(١٤) انظر: "تفسير الرازي" (٢/ ١٢١).
(١٥) كذا في (ن) وهو الموافق لما في "تفسير الرازي"؛ وفي (ج) و(ع) و(ل) و(ى): "جعلها تعالى"؛ وفي (ك): "جعلها نكالًا"!
(١٦) ساقط من (ن).
(١٧) من (ن).
(١٨) ساقط من (ز) و(ض).
(١٩) من (ز) و(ن).
(٢٠) أخرجه ابن جرير (١١٦٦)؛ وابن أبي حاتم (٦٨٩).
[ ١ / ٤٣٨ ]
وقال الحسن (^١)، وقتادة (^٢): ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ بعدهم، فيتقون نقمة الله، ويحذرونها.
وقال السدي (^٣)، وعطية العوفي (^٤): ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: أمة محمد ﷺ.
قلت: المراد بالموعظة ها هنا الزاجر؛ أي: جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله، وما تحيلوا به من الحيل؛ فليحذر المتقون صنيعهم، لئلا يصيبهم ما أصابهم؛ كما قال الإمام (^٥) أبو عبد الله بن بطة: حدثنا أحمد بن محمد بن (سلم) (^٦)، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن (عمرو) (^٧) (عن أبي سلمة) (^٨)، عن أبي هريرة - أن رسول الله ﷺ قال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل".
وهذا إسناد جيد (^٩). وأحمد بن محمد بن سلم هذا وثقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح. والله أعلم.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾.
يقول تعالى: واذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في شأن البقرة، وبيان القاتل من هو بسببها، وإحياء الله المقتول ونصه على من قتله منهم.
[مسألة:
الإبل تنحر، والغنم تذبح، [واختلفوا في البقر؛ فقيل: تذبح، وقيل: تنحر، والذبح] (^١٠) أولى لنص القرآن، ولقرب منحرها من مذبحها] (^١١).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٩١) وسنده ضعيف تقدم تحقيقه عند الآية (٦٣).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٤٨)؛ وعنه ابن جرير (١١٦٨) نا معمر، عن قتادة. وأخرجه ابن جرير (١١٦٧) من طريق آخر عن قتادة. وكلاهما صحيح.
(٣) أخرجه ابن جرير (١١٦٩)؛ وابن أبي حاتم (٦٩٣). [وسنده حسن].
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٩٢) بسند لا بأس به.
(٥) في "كتاب إبطال الحيل" (ص ٢٤). وقال ابن تيمية ﵀ في "الفتاوى" (٢٩/ ٢٩): "إسناده حسن" وكذلك قال ابن القيم في "تهذيب سنن أبي داود" (٥/ ١٠٣) وزاد: "وإسناده مما يصححه الترمذي". وحسنه أيضًا السخاوي في "الفتاوى الحديثية" (ص ٢٣٦) وقال ابن القيم أيضًا في "إغاثة اللهفان" (١/ ٥١٣): "وهذا إسناد جيد".
(٦) كذا في (ج) و(ع) و(ى). ووقع في (ز) و(ض) و(ك) و(ل) و(ن): "مسلم" وكذلك وقع في "الإبانة" (١/ ٢٨١) للمصنف ولكن الكتاب ملآن بالتصحيفات ولم أجد له ترجمة. والله أعلم.
(٧) في (ن): "عمر" بدون "واو" وهو خطأ.
(٨) ساقط من (ز) و(ض).
(٩) كذا قال المصنف ﵀، وتبع فيه شيخه ابن تيمية ﵀ لكنه زاد فيه ما يتعقب به. قال ابن تيمية في "إبطال الحيل" (ص ٣٥): "هذا إسناد جيد يصحح مثله الترمذي وغيره تارةً ويحسنه تارةً، ومحمد بن أحمد بن سلم المذكور مشهور ثقة ذكره الخطيب في "تاريخه" كذلك، وسائر الإسناد أشهر من أن يحتاج إلى وصفهم".
(١٠) ساقط من (ج).
(١١) من (ج) و(ل) و(ع) و(ى).
[ ١ / ٤٣٩ ]
[قال ابن المنذر: ولا أعلم خلافًا في حل ما ذبح مما ينحر، أو نحر ما يذبح، غير أن مالكًا كره ذلك، وقد يكره الإنسان ما لا يحرمه.
قال أبو عبد الله: وكان نزول قصة البقرة على موسى ﵇ في أمر القتيل قبل نزول القسامة في التوراة] (^١).