قال ابن جرير (^٢): حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن خالد الحذاء، عن عمير بن سعيد؛ قال: سمعت عليًا ﵁ يقول: كانت الزهرة امرأةً جميلةً من أهل فارس، وإنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت، فراوداها عن نفسها، فأبت (عليهما) (^٣) إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكلم به (أحد) (^٤) يعرج به إلى السماء؛ فعلماها فتكلمت به، فعرجت إلى السماء، فمسخت كوكبًا.
وهذا الإسناد (رجاله ثقات) (^٥)، وهو غريب جدًّا.
وقال ابن أبي حاتم (^٦) حدثنا الفضل بن شاذان، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا أبو معاوية، عن (ابن أبي خالد) (^٧)، عن عمير بن سعيد، عن علي (﵁) (^٨). قال: هما ملكان من ملائكة السماء؛ يعني: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾.
_________________
(١) وهكذا قال أهل العلم. قال ابن معين: "يقولون: إن نافعًا لم يحدث حتى مات سالم" وقال ابن المديني، كما في "التمهيد" (١٣/ ٢٨٢) لابن عبد البر، عن الأحاديث التي اختلف فيها نافع وسالم: "القول فيها قول سالم". وقال النسائي: "سالم أجل من نافع". وقال الطحاوي في "شرح المعاني" (١/ ٣٧٨): "وسالم أثبت من نافع وأحفظ". وذكر أبو داود في "سننه" (٣٤٣٤) أن سالمًا [وقع في "المطبوعة": الزهري. وهو خطأ] اختلف مع نافع في أربعة أحاديث. وذكر النسائي أنها ثلاثة، رجح النسائي فيها قول نافع. ورجح ابن المديني قول سالم. وانظر "فتح الباري" (٥/ ٥١، ٥٢).
(٢) في "تفسيره" (١٦٨٣) والمثنى هو ابن إبراهيم، والحجاج هو ابن منهال، وحماد هو ابن سلمة، وخالد هو ابن مهران الحذاء، ورجاله ثقات كما قال ابن كثير.
(٣) لم يقع في رواية الطبري.
(٤) كذا في (ع) و(ك) و(ن) و(ى). ووقع في (ج) و(ل): "المتكلم"، وأشار ناسخ (ن) في الحاشية إلى هذه الكلمة. ووقع في (ز) و(ض): "تكلم به".
(٥) في (ج): "جيد ورجاله ثقات"، وكتب الناسخ لفظة: "جيد" بخط دقيق فوق السطر، وكأنها من تصرفه أو لعل ابن كثير كان كتبها ثم ضرب عليها. والله أعلم.
(٦) في "تفسيره" (١٠٠٨). وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٢٦٥، ٢٦٦)؛ وأبو الشيخ في "كتاب العظمة" (٦٩٨/ ١٩) من طريق يعلى بن عبيد، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عمير بن سعيد، عن علي به؛ وأخرجه ابن أبي الدنيا في "العقوبات" (٢٢٣) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن إسماعيل به وسنده قوي.
(٧) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ى). ووقع في (ض): "ابن أبي حاتم"؛ وفي (ز): "عن خالد" و(ل) و(ن): "عن أبي خالد" وكل هذا خطأ. والصواب: ما أثبته، وهو إسماعيل بن أبي خالد، أحد الثقات الأثبات.
(٨) من (ن).
[ ١ / ٥٢٦ ]
ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في "تفسيره" بسنده عن (مغيث) (^١)، عن مولاه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي مرفوعًا. وهذا لا يثبت من هذا الوجه.
ثم رواه من طريقين آخرين (^٢): عن جابر، عن أبي الطفيل: عن علي (﵁) (^٣)؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "لعن الله الزهرة؛ فإنها هي التي فتنت الملكين هاروت وماروت".
وهذا أيضًا لا يصح. وهو منكر جدًّا. والله أعلم.
وقال ابن جرير (^٤): حدثني المثنى بن إبراهيم؛ حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن علي بن زيد؛ عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود، وابن عباس - أنهما قالا جميعًا: لما كثر بنو آدم وعصوا دعت الملائكة عليهم (والأرض) (^٥) والجبال: ربنا (لا تمهلهم) (^٦)؛ فأوحى الله إلى الملائكة: إني (أزلت) (^٧) الشهوة والشيطان من قلوبكم، [وأنزلت الشهوة والشيطان في قلوبهم] (^٨)، ولو نزلتم لفعلتم أيضًا.
قال: فحدثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا؛ فأوحى الله إليهم أن اختاروا ملكين من أفضلكم؛ فاختاروا هاروت وماروت؛ فأهبطا إلى الأرض، وأنزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس يسمونها "بيذخت"؛ قال: فوقعا بالخطيئة، فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥] فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختاروا عذاب الدنيا.
وقال ابن أبي حاتم (^٩): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا
_________________
(١) كذا في جميع "الأصول" وهو وجه في اسمه، وذكره الذهبي في "الميزان" (٤/ ١٥٨) كذلك وقال: "ضعفه الساجي" ثم قال: "إنما هو معتب، قيده الدارقطني وعبد الغني بالمهملة ثم المثناة المثقلة، ثم الموحدة" وذكره الذهبي قبل ذلك (٤/ ١٤٢) فقال: "معتب عن مولاه جعفر الصادق. قال أبو الفتح الأزدي: كذاب. وقيل اسمه: مغيث، وله حديث باطل". اهـ. وأظنه يشير إلى هذا.
(٢) أخرجه ابن السني في "اليوم والليلة" (٦٥٤) من طريق عبد الله بن جعفر الرقي، ثنا عيسى بن يونس، عن أخيه إسرائيل، عن جابر، عن أبي الطفيل، عن علي بن أبي طالب قال: لعن رسول الله ﷺ الزهرة، فإنها فتنت الملكين. وهذا سند ضعيف جدًّا. وجابر الجعفي أحد الهلكي، وصاحب رأي مذموم.
(٣) من (ن).
(٤) في "تفسيره" (١٦٨٢). وأخرجه ابن أبي الدنيا في "العقوبات" (٢٢١) من طريق أبي نصر التمار عبد الملك بن عبد العزيز قال: حدثنا حماد بن سلمة بسنده سواء. وفي إسناده ضعف. لأجل علي بن زيد بن جدعان، وأكاد أميل إلى تحسين رواية حماد بن سلمة خاصة عن علي بن زيد، فهي أمثل من رواية غيره عن ابن جدعان كما صرح بذلك أبو حاتم الرازي. والله أعلم.
(٥) في "ابن جرير": "الأرض والسماء".
(٦) كذا في (ك) و(ل) و(ن) و(ى)؛ وفي (ج) و(ع): "تهملهم" وكتب في الحاشية: "لعله: تمهلهم". ووقع في (ز) و(ض) و"الطبري": "لا تهلكهم" وأشار ناسخ (ى) في الحاشية أنه وقع في نسخة: "لا تهلكهم".
(٧) كذا في (ز) و(ن)؛ ووقع في (ج) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى): "أنزلت".
(٨) من (ن).
(٩) في "تفسيره" رقم (١٠١٤). [قال الحافظ ابن كثير: إسناد جيد. اهـ. لكنه من الإسرائيليات التي نقلها=
[ ١ / ٥٢٧ ]
(عبيد الله) (^١) - يعني: ابن عمرو - عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو ويونس بن خباب، عن مجاهد؛ قال: كنت نازلًا على عبد الله بن عمر في سفر، فلما كان ذات ليلة قال لغلامه: (انظر) (^٢) (طلعت) (^٣) الحمراء؟ لا مرحبًا بها ولا أهلًا، ولا حياها الله، هي صاحبة الملكين، قالت الملائكة: يا رب؛ كيف تدع عصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام، وينتهكون محارمك؛ ويفسدون في الأرض؟ قال: إني ابتليتهم؟ فلعل إن ابتليتكم بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون. قالوا: لا، قال: فاختاروا من خياركم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت؛ فقال لهما: إني مهبطكما إلى الأرض، وعاهد إليكما أن لا تشركا ولا تزنيا ولا تخونا. فأهبطا إلى الأرض، وألقى عليهما الشبق، وأهبطت لهما الزهرة في أحسن صورة - امرأة - فتعرضت لهما، فراوداها عن نفسها؛ فقالت: إني على دين لا يصح لأحد أن يأتيني إلا من كان على مثله، قالا: وما دينك؟ قالت المجوسية. قالا: الشرك! هذا شيء لا نقربه، فمكثت عنهما ما شاء الله (تعالى) (^٤) ثم تعرضت لهما (فأراداها) (^٥) عن نفسها؛ فقالت: ما شئتما غير أن لي زوجًا، وأنا أكره أن يطلع على هذا مني فأفتضح، فإن أقررتما لي بديني، وشرطتما لي أن تصعدا بي إلى السماء فعلت؛ فأقرا لها بدينها، وأتياها فيما يريان، ثم صعدا بها إلى السماء، فلما انتهيا بها إلى السماء اختطفت منهما، وقطعت أجنحتهما فوقعا خائفين نادمين يبكيان؛ وفي الأرض نبي يدعو بين الجمعتين؛ فإذا كان يوم الجمعة أجيب. فقالا: لو أتينا فلانًا فسألناه فطلب لنا التوبة. فأتياه، فقال: (رحمكما) (^٦) الله، كيف (يطلب) (^٧) أهل الأرض لأهل السماء؟ قالا: إنا قد ابتلينا. قال: ائتياني يوم الجمعة، فأتياه، فقال: ما جبت فيكما بشيء، ائتياني في الجمعة الثانية؛ فأتياه، فقال: اختارا، فقد خيرتما - إن (أحببتما) (^٨): (معاناة) (^٩) الدنيا، وعذاب الآخرة، وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله.
فقال أحدهما: إن الدنيا لم يمض منها إلا القليل. وقال الآخر: ويحك! إني قد أطعتك في الأمر الأول، فأطعني الآن، إن عذابًا يفنى ليس كعذاب يبقى (وإننا) (^١٠) يوم القيامة على حكم الله، فأخاف أن يعذبنا، قال: لا؛ إني أرجو إن علم الله أنا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة ألا يجمعهما علينا، قال: فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا في بكرات من حديث في قليب مملوءة من نار عاليهما سافلهما.
وهذا إسناد جيد إلى عبد الله بن عمر - وقد تقدم في رواية ابن جرير من حديث معاوية بن صالح، عن نافع، عنه - رفعه.
_________________
(١) = عبد الله بن عمر عن كعب الأحبار، وهي من الإسرائيليات التي تخالف القرآن والسنة في عصمة الملائكة].
(٢) في (ن): "عبد الله" مكبرًا. وهو خطأ.
(٣) ساقط من (ض).
(٤) في (ن): "هل طلعت"!
(٥) من (ن).
(٦) في (ن): "فراوداها".
(٧) في (ل): "رحمكم".
(٨) في (ن): "يطلب التوبة".
(٩) في (ن): "اخترتما".
(١٠) كذا في "الأصول"، وكتب ابن المحب ناسخ (ج) في الحاشية: "لعلها: معاناة" وهو الصواب كما يدل عليه السياق. ووقع في "تفسير ابن أبي حاتم": "معاقبة" والمعنى قريب.
(١١) في حاشية (ن): "فقال: وإننا".
[ ١ / ٥٢٨ ]
وهذا أثبت وأصح إسنادًا؛ ثم هو - والله أعلم - من رواية ابن عمر، عن كعب كما تقدم بيانه من رواية سالم، عن أبيه.
وقوله: إن الزهرة نزلت في صورة امرأة حسناء - وكذا في المروي عن عليٍّ - فيه غرابة جدًّا.
وأقرب ما ورد في ذلك ما قال ابن أبي حاتم (^١): حدثنا عصام بن رواد، حدثنا آدم، حدثنا أبو جعفر، حدثنا الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس رضي الله (عنهما) (^٢)؛ قال: لما وقع الناس من بعد آدم ﵇ فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله قالت الملائكة في السماء: يا رب؛ هذا العالم الذي إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك قد وقعوا فيما وقعوا فيه، وركبوا الكفر، وقتل النفس، وأكل المال الحرام، والزنا، والسرقة، وشرب الخمر؛ فجعلوا يدعون عليهم، ولا يعذرونهم؛ فقيل: إنهم في غيب، فلم يعذروهم؛ فقيل لهم: اختاروا من أفضلكم ملكين آمرهما وأنهاهما. فاختاروا هاروت وماروت؛ فأهبطا إلى الأرض، وجعل لهما شهوات بني آدم، وأمرهما (الله) (^٣) أن يعبداه ولا يشركا به شيئًا، ونهيا عن قتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، وعن الزنا والسرقة وشرب الخمر؛ فلبثا في الأرض زمانًا يحكمان بين الناس بالحق، وذلك في (زمان) (^٤) إدريس ﵇، وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب، وإنهما أتيا عليها؛ فخضعا لها في القول، وأراداها على نفسها؛ فأبت إلا أن يكونا على أمرها وعلى دينها؛ فسألاها عن دينها، فأخرجت لهما صنمًا فقالت: هذا أعبده. فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا، فذهبا فغبرا ما شاء الله ثم أتيا عليها، فأراداها على نفسها، ففعلت مثل ذلك؛ فذهبا ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها؛ فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم قالت لهما: اختارا أحد الخلال الثلاث؛ إما أن تعبدا هذا الصنم، وإما أن تقتلا هذه النفس، وإما أن تشربا هذا الخمر، فقالا: كل هذا لا ينبغي، وأهون هذا شرب الخمر، فشربا الخمر؛ فأخذت فيهما، فواقعا المرأة، فخشيا أن يخبر الإنسان عنهما فقتلاه، فلما ذهب عنهما السكر، وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة، أرادا أن يصعدا إلى السماء، فلم يستطيعا، وحيل بينهما وبين ذلك، وكشف الغطاء فيما بينهما وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه، فعجبوا كل العجب، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشيةً، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض؛ فنزل في ذلك: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] فقيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، فقالا: أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له؛ فاختارا عذاب الدنيا؛ فجعلا ببابل، فهما يعذبان.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" مطولًا عن أبي زكريا العنبري، عن محمد بن عبد السلام،
_________________
(١) في "تفسيره" (١٠١٢)؛ والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤٤٢، ٤٤٣) وصححه وفي إسناده أبو جعفر الرازي، تكلم العلماء في حفظه. [والخبر من الإسرائيليات كما تقدم].
(٢) في (ج) و(ل): "عنه".
(٣) لفظ الجلالة من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(ى).
(٤) في (ن): "زمن".
[ ١ / ٥٢٩ ]
عن إسحاق بن راهويه، عن حكام بن سلم الرازي، وكان ثقةً، عن أبي جعفر الرازي - به.
ثم قال: "صحيح الإسناد. لم يخرجاه"؛ فهذا أقرب ما روي في شأن الزهرة. والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم (^١): حدثنا أبي، حدثنا مسلم، حدثنا القاسم بن الفضل الحداني، حدثنا يزيد - يعني: الفارسي -، عن ابن عباس قال: إن أهل السماء الدنيا أشرفوا على أهل الأرض فرأوهم يعملون بالمعاصي؛ فقالوا: يا رب؛ أهل الأرض كانوا يعملون بالمعاصي، فقال الله: أنتم معي، وهم في غيب عني. فقيل لهم: اختاروا منكم ثلاثةً. فاختاروا منهم ثلاثةً على أن يهبطوا إلى الأرض على أن يحكموا بين أهل الأرض، وجعل فيهم شهوة الآدميين، فأُمروا ألا يشربوا خمرًا، ولا يقتلوا نفسًا، ولا يزنوا، ولا يسجدوا لوثن. فاستقال منهم واحد فأقيل؛ فأهبط اثنان إلى الأرض، فأتتهما امرأة من أحسن الناس يقال لها: مناهية؛ فهوياها جميعًا، ثم أتيا منزلها فاجتمعا عندها، فأراداها؛ فقالت لهما: لا، حتى تشربا خمري، وتقتلا ابن جاري، وتسجدا لوثني. فقالا: لا نسجد، ثم شربا من الخمر، ثم قتلا، ثم سجدا، فأشرف أهل السماء عليهما. وقالت لهما: أخبراني بالكلمة التي إذا قلتماها طرتما، فأخبراها؛ فطارت فمسخت جمرةً، وهي هذه الزهرة، وأما هما فأرسل إليهما سليمان بن داود فخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا؛ فهما مناطان بين السماء والأرض.
وهذا السياق فيه (زيادات) (^٢) كثيرة، وإغراب ونكارة. والله أعلم بالصواب.
وقال عبد الرزاق (^٣): قال معمر: قال قتادة، والزهري، عن عبيد الله بن عبد الله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ كانا ملكين من الملائكة، فأهبطا ليحكما بين الناس، وذلك أن الملائكة سخروا من حكام بني آدم، فحاكمت إليهما امرأة، فحافا لها، ثم ذهبا يصعدان، فحيل بينهما وبين ذلك، ثم خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا.
وقال معمر: قال قتادة: فكانا يعلمان الناس السحر، فأخذ عليهما ألا يعلما أحدًا حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر.
وقال أسباط (^٤)، عن السدي: إنه قال: كان من أمر هاروت وماروت أنهما طعنا على أهل الأرض في أحكامهم؛ فقيل لهما: إني أعطيت بني آدم عشرًا من الشهوات فبها يعصونني، قال هاروت وماروت: ربنا، لو أعطيتنا تلك الشهوات، ثم نزلنا، لحكمنا بالعدل، فقال لهما: انزلا، فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر، فاحكما بين الناس؛ فنزلا ببابل دنياوند، فكانا يحكمان حتى إذا أمسيا عرجا؛ فإذا أصبحا هبطا؛ فلم يزالا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها، فأعجبهما حسنها، واسمها بالعربية "الزهرة" وبالنبطية "بيذخت"، وبالفارسية "أناهيد"؛ فقال أحدهما لصاحبه: إنها لتعجبني، قال الآخر: قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك. فقال الآخر: هل
_________________
(١) في "تفسيره" (١٠١٥). ومسلم هو ابن إبراهيم الفراهيدي، وهذا إسناد رجاله ثقات إلا يزيد الفارسي. [ولكنه من الإسرائيليات المخالفة للقرآن والسنة كما تقدم].
(٢) في (ن): "زيادة".
(٣) في "تفسيره" (١/ ٥٣) وسنده صحيح.
(٤) أخرجه ابن جرير (١٦٨٦). [وسنده حسن].
[ ١ / ٥٣٠ ]
لك أن أذكرها لنفسها؟ قال: نعم. ولكن كيف لنا بعذاب الله؟ قال الآخر: إنا لنرجو رحمة الله.
فلما جاءت تخاصم زوجها ذكرا إليها نفسها؛ فقالت: لا حتى تقضيا لي على زوجي. فقضيا لها على زوجها، ثم واعدتهما خربةً من الخرب يأتيانها فيها، فأتياها لذلك. فلما أراد الذي يواقعها قالت: ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء؟ وبأي كلام تنزلان منها؟ فأخبراها؛ فتكلمت فصعدت فأنساها الله تعالى ما تنزل به، فثبتت مكانها، وجعلها كوكبًا؛ فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها؛ وقال: هذه التي فتنت هاروت وماروت.
فلما كان الليل أرادا أن يصعدا فلم يطيقا، فعرفا الهلكة، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة؛ فاختارا عذاب الدنيا، فعلقا ببابل وجعلا يكلمان الناس كلامهما، وهو السحر.
وقال (ابن أبي نجيح) (^١)، عن مجاهد (^٢): أما شأن هاروت وماروت فإن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم، وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات؛ فقال لهم ربهم تعالى: اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض؛ فاختاروا؛ فلم يألوا هاروت وماروت؛ فقال لهما حين أنزلهما: أَعجبتما من بني آدم من ظلمهم ومعصيتهم، وإنما تأتيهم الرسل والكتب من وراء وراء؛ وأنتما ليس بيني وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا، ودعا كذا كذا؛ فأمرهما بأمور ونهاهما؛ ثم نزلا على ذلك، ليس أحد أطوع لله منهما؛ فحكما فعدلا؛ فكانا يحكمان (النهار) (^٣) بين بني آدم، فإذا أمسيا عرجا فكانا مع الملائكة؛ وينزلان حين يصبحان فيحكمان فيعدلان، حتى أنزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تخاصم، فقضيا عليها.
فلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه؛ فقال أحدهما لصاحبه: وجدت مثل الذي وجدت؟ قال: نعم. فبعثا إليها أن ائتيانا نقض لك، فلما رجعت قالا وقضيا لها، فأتتهما فكشفا لها عن عورتيهما؛ وإنما كانت (سوآتهما) (^٤) في أنفسهما، ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذاتها، فلما بلغا ذلك واستحلا افتتنا، فطارت الزهرة، فرجعت حيث كانت.
فلما أمسيا عرجا فزجرا فلم يؤذن لهما، ولم تحملهما أجنحتهما؛ فاستغاثا برجل من بني آدم؛ فأتياه؛ فقالا: ادع لنا ربك. فقال: كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؟ قالا: سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء.
فوعدهما يومًا، وغدا يدعو لهما، فدعا لهما؛ فاستجيب له؛ فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه، فقال: ألا تعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد، وفي الدنيا تسع مرات مثلها؟
فأُمرا أن ينزلا ببابل فثم عذابهما.
_________________
(١) في (ج): "ابن جريج" وهو خطأ.
(٢) أخرجه ابن جرير (١٦٨٩) قال: حدثني المثنى بن إبراهيم؛ وأبو الشيخ في "العظمة" (٧٠٠/ ٢١) قال: حدثنا محمد بن زكريا قالا: حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وسياق ابن جرير أطول، وسنده صحيح.
(٣) في (ن): "في النهار".
(٤) كذا في سائر "الأصول"؛ وفي (ل): "شهوتهما" وهو الموافق لما عند "الطبري".
[ ١ / ٥٣١ ]
وزعم أنهما معلقان في الحديد مطويان يصفقان بأجنحتهما.
وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين؛ كمجاهد، والسدي، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وغيرهم؛ وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل؛ إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى.
وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط، ولا إطناب؛ فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى. والله أعلم بحقيقة الحال (^١).
(وقد ورد) (^٢) أثر غريب، وسياق عجيب في ذلك، أحببنا أن ننبه عليه: قال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٣) ﵀ (تعالى) (^٤): حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد، حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: قدمت على امرأة من أهل دومة الجندل جاءت تبتغي رسول الله ﷺ بعد موته حداثة ذلك تسأله عن (شيء) (^٥) دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به؛ قالت عائشة ﵂ لعروة: يا ابن أختي، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله ﷺ فيشفيها، (كانت) (^٦) تبكي حتى إني لأرحمها، وتقول: إني أخاف أن أكون قد هلكت؛ كان لي زوج فغاب عني، فدخلت على عجوز فشكوت ذلك إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيك؛ فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين فركبتُ أحدهما وركبتِ الآخرَ، فلم يكن (شيء) (^٧) حتى وقفنا ببابل، فإذا برجلين معلقين بأرجلهما؛ فقالا: ما جاء بك؟ (فقلنا: نتعلم) (^٨) السحر. فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري، فارجعي، فأبيتُ وقلت: لا. قالا: فاذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت ففزعت ولم أفعل، فرجعت إليهما؛ فقالا: أفعلت؟ فقلت: نعم. فقالا: هل رأيت شيئًا؟ فقلت: لم أر شيئًا. فقالا: لم تفعلي؛ ارجعي إلى بلادك
_________________
(١) في حاشية (ع): "بلغ العرض على المصنف، فسح الله في مدته، معارضًا بأصله".
(٢) في (ن): "وقد ورد في ذلك".
(٣) في "تفسيره" (١٦٩٥). وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠٢٩)؛ والثعلبي في "تفسيره" (ج ١/ ق ٣٩/ ٢ - ٤٠/ ١)؛ والحاكم (٤/ ١٥٥) وعنه البيهقي (٨/ ١٣٦، ١٣٧) من طريق الربيع بن سليمان بسنده سواء. وسنده جيد كما قال المصنف ﵀.
(٤) من (ن).
(٥) كذا في "تفسير الطبري". ووقع في سائر "الأصول": "أشياء"، وإنما أثبت ما عند "الطبري" لأن السياق يدل عليه، فقالت: "دخلت فيه … ولم تعمل به".
(٦) في (ن): "فكانت".
(٧) كذا في (ن). ووقع في بقية "الأصول": "لشيء"؛ وفي "تفسير الطبري": "كشيء" والمقصود: لم يمض وقت يذكر. وفي رواية البيهقي: "فلم يكن كثير حتى وقفنا ببابل" وفي رواية الحاكم: "فلم يكن مكثي" ولعله: فلم يطل مكثي.
(٨) في (ز) و"الطبري": "فقلت: أتعلم".
[ ١ / ٥٣٢ ]
ولا تكفري (فإنك على رأس أمرك) (^١) (فأربت) (^٢) وأبيت. فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه؛ فذهبت [فاقشعررت وخفت، ثم رجعت إليهما؛ وقلت: قد فعلت، فقالا: فما رأيت؟] (^٣) [قلت: لم أر شيئًا. فقالا: كذبت، لم تفعلي؛ ارجعي إلى بلادك ولا تكفري؛ فإنك على رأس أمرك؛ فأربت وأبيت؛ فقالا: اذهبي إلى التنور فبولي فيه، فذهبت إليه فبلت فيه] (^٤)، فرأيت فارسًا مقنعًا بحديد خرج مني فذهب في السماء وغاب حتى ما أراه؛ فجئتهما، فقلت: قد فعلت. فقالا: فما رأيت؟ قلت: رأيت فارسًا مقنعًا خرج مني فذهب في السماء وغاب حتى ما أراه. فقالا: صدقت؛ ذلك إيمانك خرج منك، اذهبي.
فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئًا، وما قالا لي شيئًا، فقالت: بلى، لم تريدي شيئًا إلا كان. خذي هذا القمح فابذري؛ فبذرت، وقلت: أطلعي فأطلعت، وقلت: (أحقلي) (^٥) فأحقلت. ثم قلت: افركي فأفركت، ثم قلت: أيبسي فأيبست، ثم قلت: اطحني فأطحنت. ثم قلت: اخبزي فأخبزت.
فلما رأيت أني لا أريد شيئًا إلا كان (سقط) (^٦) في يدي، وندمت والله يا أم المؤمنين، ما فعلت شيئًا ولا أفعله أبدًا.
ورواه ابن أبي حاتم، عن الربيع بن سليمان، به مطولًا كما تقدم؛ وزاد بعد قولها: ولا أفعله أبدًا - فسألت أصحاب رسول الله ﷺ حداثة وفاة رسول الله ﷺ، وهم يومئذ متوافرون، فما دَرَوا ما يقولون لها، وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلمه إلا أنه قد قال لها ابن عباس، أو بعض من كان عنده: لو كان أبواك حيين أو أحدهما.
قال هشام: فلو جاءتنا أفتيناها بالضمان.
قال ابن أبي الزناد: وكان هشام يقول: إنهم كانوا من أهل الورع (وخشية من الله) (^٧).
ثم يقول هشام: لو جاءتنا مثلها اليوم لوجدت نوكى أهل حمق وتكلف بغير علم.
فهذا إسناد جيد إلى عائشة ﵂.
وقد استدل بهذا الأثر من ذهب إلى أن الساحر له تمكن في قلب الأعيان؛ لأن هذه المرأة بذرت واستغلت في الحال.
_________________
(١) من (ل) و(ى).
(٢) كذا في سائر "الأصول"؛ وفي (ل): "فأبت وأبيت"؛ وفي "الطبري" ضبطها الشيخ محمود شاكر، رحمه الله تعالى: "فأرببت"، بزيادة باء موحدة، وفسرها في الحاشية بقوله: "وأرب بالمكان: لزمه ولم يبرحه". وما ورد في "الأصول" جاء أيضًا في "تفسير ابن أبي حاتم" و"سنن البيهقي"؛ ومعنى: "أربت"؛ أي: احتجت من قولهم: أرب إليه، يأرب أربًا؛ أي: احتاج، فكأنها قالت: إنني محتاجة إلى هذا الأمر، وأبت أن تبرح مكانها قبل أن تتعلمه. والله أعلم.
(٣) ساقط من (ز) و(ض).
(٤) ساقط من (ز) و(ض).
(٥) احقلي؛ يعني: ازرعي.
(٦) في (ج): "أسقط".
(٧) كذا في (ج) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى)؛ وفي (ز) و(ن): "الخشية من الله"؛ وفي (ل): "وأهل الخشية من الله".
[ ١ / ٥٣٣ ]
وقال آخرون: بل ليس له قدرة إلا على التخييل؛ كما قال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] واستدل به على أن بابل المذكورة في القرآن هي بابل العراق لا بابل ديناوند؛ كما قاله السدي (^١) وغيره.
ثم الدليل على أنها بابل العراق ما قاله ابن أبي حاتم (^٢): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن صالح، حدثني ابن وهب، حدثني ابن لهيعة، ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري - أن علي بن أبي طالب - ﵁ قال: إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي ببابل، فإنها ملعونة (^٣).
وقال أبو داود: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب، (حدثني ابن لهيعة) (^٤) ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري: أن عليًا مر ببابل وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة؛ فلما فرغ قال: إن حبيب ﷺ نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي بأرض بابل؛ فإنها ملعونة.
حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة، عن حجاج بن شداد، عن أبي صالح الغفاري، عن علي بمعنى حديث سليمان بن داود؛ قال: فلما خرج (مكان) (^٥): "برز".
وهذا الحديث حسن عند الإمام أبي داود؛ لأنه رواه وسكت (^٦) عليه، ففيه من الفقه كراهية
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٦٩٠).
(٢) في "تفسيره" (١٠١٠). وأخرجه أبو داود (٤٩٠)؛ ومن طريقه البيهقي (٢/ ٤٥١) قال: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب بسنده سواء بأطول مما ذكره ابن أبي حاتم. وقد ذكر المصنف لفظ أبي داود. وهذا سند ضعيف.
(٣) هكذا وقع الحديث مختصرًا في سائر "الأصول" وعند ابن أبي حاتم، أما ناسخ (ن) فنقل سياق أبي داود الآتي كله ونسبه إلى ابن أبي حاتم وأخطأ في ذلك وانتقل بصره، والله أعلم.
(٤) ساقط من (ن) فصار الإسناد عنده: "أخبرنا ابن وهب ويحيى بن أزهر" وهو خطأ فاحش.
(٥) في (ن): "منها".
(٦) يشير المصنف ﵀ إلى ما ذكره أبو داود في "رسالته إلى أهل مكة" يشرح لهم فيها طريقته في تصنيف "سننه" فقال (ص ٢٧، ٢٨): "وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد، فقد بينته، ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض". اهـ. ففهم جماعة من العلماء أن قول أبي داود: "وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح" معناه: أن ما سكت عنه فهو من قبيل الحسن. منهم المنذري، فقال في "الترغيب" (١/ ٨): "وكل حديث عزوته إلى أبي داود وسكت عنه فهو كما ذكر أبو داود، ولا ينزل عن درجة الحسن وقد يكون على شرط الصحيحين أو أحدهما". ومنهم النووي فقد ذكر حديثًا في "المجموع" (٤/ ٢٤١) ثم قال: "رواه أبو داود بإسناد جيد ولم يضعفه، ومذهبه أن ما لم يضعفه فهو عنده حسن". وصرح آخرون بمثل ذلك منهم ابن تيمية والعلائي والزركشي والعراقي، وقد علمنا يقينًا أن أبا داود سكت عن أحاديث منكرة وضعيفة جدًّا وضعيفة ساقطة عن حد الاعتبار بها، فلا يقال: هي صالحة يعني حسنة. وللنووي تفصيل في هذا الأمر فقال: "في"سنن أبي داود" أحاديث ظاهرة الضعف لم يبينها مع أنه متفق على ضعفها. والحق أن ما وجدناه في "سننه" مما لم يبينه، ولم ينص على صحته أو حسنه أحد ممن يعتمد فهو حسن، وإن نص على ضعفه من يعتمد عليه، أو رأى العارف في سنده ما يقتضي =
[ ١ / ٥٣٤ ]
الصلاة بأرض بابل، كما تكره بديار ثمود الذي نهى (^١) رسول الله ﷺ عن الدخول إلى منازلهم إلا أن يكونوا باكين.
قال أصحاب الهيئة: وبُعد ما بين بابل وهي من إقليم العراق عن البحر المحيط الغربي، ويقال له أوقيانوس، سبعون درجةً، ويسمون هذا طولًا، وأما عرضها وهو بُعد ما بينهما وبين وسط الأرض من ناحية الجنوب، وهو المسامت لخط الاستواء، اثنتان وثلاثون درجة. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ قال أبو جعفر (^٢) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس؛ قال: فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشد النهي، وقالا له: إنما نحن فتنة فلا تكفر؛ وذلك أنهما علما الخير والشر، والكفر والإيمان؛ فعرفا أن السحر من الكفر؛ قال: فإذا أبى عليهما أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا، فإذا أتاه عاين الشيطان فعلمه، فإذا تعلمه خرج منه النور، فنظر إليه ساطعًا في السماء؛ فيقول: يا حسرتاه! يا ويله! ماذا أصنع؟
وعن الحسن (^٣) البصري أنه قال في تفسير هذه الآية: نعم، أنزل الملكان بالسحر، ليعلما الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلى به الناس؛ فأخذ عليهما الميثاق ألا يعلما أحدًا حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر. رواه ابن أبي حاتم.
وقال قتادة (^٤): كان أخذ عليهما ألا يعلما أحدًا حتى يقولا إنما نحن فتنة؛ أي: بلاء ابتلينا به؛ فلا تكفر.
وقال السدي (^٥): إذا أتاهما إنسان يريد السحر وعظاه، وقالا له: لا تكفر؛ إنما نحن فتنة؛ فإذا أبى قالا له: ائت هذا الرماد فبل عليه؛ فإذا بال عليه خرج منه نور فسطع حتى يدخل السماء؛ وذلك الإيمان، وأقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه وكل شيء؛ وذلك غضب الله؛ فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر؛ فذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ …﴾ الآية.
وقال سنيد (^٦)، عن حجاج، عن ابن جريج - في هذه الآية -: لا يجترئ على السحر إلا كافر، وأما الفتنة فهي المحنة والاختبار؛ ومنه قول الشاعر:
_________________
(١) = الضعف ولا جابر له، حكم بضعفه ولا يلتفت إلى سكوت أبي داود". انتهى، وهو تفصيل حسن وإن خالفه النووي في كتبه.
(٢) فأخرج البخاري (١/ ٥٣٠؛ و٨/ ١٢٥، ٣٨١). وأخرجه مسلم (٢٩٨٠/ ٣٨).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠١٧، ١٠٢٨) وقد فرق ابن أبي حاتم هذا المتن في موضعين، وجمعه المصنف في موضع واحد. [وسنده جيد].
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠١٨) وسنده ضعيف.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٥٣) ومن طريقه ابن جرير (١٦٩٨) قال: أخبرنا معمر قال: قال قتادة؛ وأخرجه ابن جرير (١٦٩٧) من طريق يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة وكلاهما صحيح؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١٠١٩) من طريق أبي جعفر الرازي، عن قتادة.
(٦) أخرجه ابن جرير (١٦٩٦). [وسنده حسن].
(٧) أخرجه ابن جرير (١٧٠١).
[ ١ / ٥٣٥ ]
وقد فتن الناس في دينهم … وخلى ابن عفان شرًا طويلًا
وكذلك قوله تعالى، إخبارًا عن موسى ﵇ حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف: ١٥٥] أي: ابتلاؤك واختبارك وامتحانك، ﴿تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾.
وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر، واستشهد له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر (^١) البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن عبد الله؛ قال: "من أتى كاهنًا أو ساحرًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ".
وهذا إسناد (صحيح) (^٢). وله شواهد أخر.
وقوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ أي: فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر ما يتصرفون فيما يتصرفون من الأفاعيل المذمومة، ما إنهم ليفرقون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف.
وهذا من صنيع الشياطين، كما رواه مسلم في "صحيحه" (^٣)، من حديث الأعمش، عن (أبي سفيان) (^٤) طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ؛ قال: "إن الشيطان (يضع) (^٥) عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلةً أعظمهم عنده فتنةً، يجيءُ أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا؛ فيقول إبليس: لا، والله ما صنعت شيئًا! ويجيءُ أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله؛ قال: فيقربه ويدنيه ويلتزمه، ويقول: نعم (أنت) " (^٦).
(٧) [ورجح شيخنا أبو الحجاج المزي فتح النون، وراجعته فثبت على ذلك، والمشهور عند النحاة الكسر، واحتج به بعضهم على جواز كون فاعل "نعم" مضمرًا؛ وهو قليل] (^٧).
وسبب التفريق بين الزوجين بالسحر ما يخيل إلى الرجل أو المرأة من الآخر من سوء منظر، أو خلق أو نحو ذلك، أو عقد أو بغضة أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة.
والمرء: عبارة عن الرجل وتأنيثه امرأة، ويثنى كل منهما ولا يجمعان. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال سفيان (^٨) الثوري: إلا بقضاء الله.
_________________
(١) أخرجه البزار في "مسنده" (١٩٣١ - البحر) عن أبي معاوية؛ وأبو القاسم البغوي في "مسند ابن الجعد" (٢٠٣٤) عن عبيدة بن حميد كلاهما عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن ابن مسعود موقوفًا عليه. وسنده صحيح كما قال المصنف.
(٢) في (ز) و(ض): "جيد".
(٣) في كتاب "صفات المنافقين" (٢٨١٣/ ٦٧) من طريق أبي معاوية، قال: حدثنا الأعمش به وفي آخره: "قال الأعمش": "أراه قال: فيلتزمه".
(٤) في (ن): "عن أبي سفيان عن طلحة بن نافع"؛ وقوله: "عن" زيادة مقحمة؛ لأن أبا سفيان هو طلحة بن نافع.
(٥) في (ن): "ليضع".
(٦) ساقط من (ج).
(٧) ساقط من (ج) و(ع) و(ل).
(٨) أخرجه ابن جرير (١٧٠٤). [وسنده صحيح].
[ ١ / ٥٣٦ ]
وقال محمد (^١) بن إسحاق: إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد.
وقال الحسن البصري (^٢): ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال: نعم؛ من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يسلط؛ ولا يستطيعون ضر أحد إلا بإذن الله؛ كما قال الله تعالى.
وفي رواية (^٣) عن الحسن أنه قال: لا يضر هذا السحر إلا من دخل فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ أي: يضرهم في دينهم، وليس له نفع يوازي ضرره.
﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة (الرسول) (^٤) ﷺ لمن فعل فعلهم ذلك - أنه ما له في الآخرة من خلاق، قال ابن (^٥) عباس، ومجاهد (^٦)، والسدي (^٧): من نصيب.
وقال عبد الرزاق (^٨)، عن معمر، عن قتادة: ما له في الآخرة من (حجة) (^٩) عند الله، (وقال) (^١٠): قال الحسن: ليس له دين وقال (سعيد) (^١١)، عن قتادة ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ قال: ولقد علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة (^١٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ يقول تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ﴾ البديل ما استبدلوا به من السحر عوضًا عن الإيمان ومتابعة (الرسل) (^١٣) لو كان لهم علم بما وعظوا به ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أي: ولو أنهم آمنوا بالله ورسله واتقوا المحارم لكان مثوبة الله على ذلك خيرًا لهم مما استخاروا لأنفسهم ورضوا به، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾ [القصص].
وقد (يستدل) (^١٤) بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٢٦).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٢٥) بسند ضعيف.
(٣) وهي عند ابن أبي حاتم أيضًا (١٠٢٤) وسنده صحيح.
(٤) كذا في (ز) و(ع) و(ن) و(ى)؛ ووقع في (ج) و(ض) و(ك) و(ل): "الرسل".
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٣٣).
(٦) أخرجه ابن جرير (١٧٠٧، ١٧٠٩) وسنده قوي لولا أن شيخ الطبري لم أجد له ترجمة.
(٧) أخرجه ابن جرير (١٧٠٦، ١٧١٠) وسنده حسن.
(٨) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٥٤)، ومن طريقه ابن جرير (١٧١٢)؛ وابن أبي حاتم (١٠٣٤). [وسنده صحيح].
(٩) وقع في سائر "الأصول": "جهة" وما أثبته من "تفسير الطبري"، ووقع في "تفسير عبد الرزاق": "جنة".
(١٠) في (ن): "وقال عبد الرزاق"، وإنما الذي قال: قال الحسن؛ هو معمر بن راشد كما في "تفسير عبد الرزاق" و"ابن أبي حاتم".
(١١) في (ن): "سعد" وهو خطأ. وسعيد هو ابن أبي عروبة.
(١٢) أخرجه ابن جرير (١٧٠٥) وسنده صحيح.
(١٣) في (ن): "الرسول".
(١٤) في (ن): "استدل".
[ ١ / ٥٣٧ ]
عن الإمام أحمد بن حنبل وطائفة من السلف. وقيل: بل لا يكفر، ولكن حده ضرب عنقه؛ لما رواه الشافعي (^١)، وأحمد بن حنبل ﵏ (^٢)؛ قالا: أخبرنا سفيان - (هو ابن عيينة) (^٣) -، عن عمرو بن دينار، أنه سمع بجالة بن عبدة يقول: كتب عمر بن الخطاب ﵁ أن اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر.
وقد أخرجه البخاري (^٤) في "صحيحه" أيضًا.
وهكذا صح (^٥) أن حفصة أم المؤمنين سحرتها جارية لها، فأمرت بها فقتلت.
قال الإمام أحمد بن حنبل: (صح عن) (^٦) ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ قتل الساحر.
وروى الترمذي (^٧) من حديث إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب الأزدي أنه قال:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦/ ٢٥٧).
(٢) من (ز) و(ض) و(ك) و(ل)؛ وفي (ج): "﵏".
(٣) من (ن).
(٤) لم يخرج البخاري منه محل الشاهد كما مر بك، فعزو الحديث إلى البخاري فيه تساهل، لكن ابن كثير قصد أن البخاري خرج أصل الحديث كما صرح بذلك الحافظ في "الفتح" (١٠/ ٢٣٦) ويفعله البيهقي كثيرًا. وقد ذكر الحميدي الحديث في مفاريد البخاري في كتابه "الجمع بين الصحيحين" (١/ ١٧٨) وقال بعد ذكر الحديث كاملًا: "اختصره البخاري فأخرج المسند منه: والتفريق بين كل ذي محرم من المجوس فقط، وأخرجه أبو بكر البرقاني بطوله وهو مشهور من حديث ابن عيينة". انتهى.
(٥) أخرجه مالك في "الموطأ" (٢/ ٨٧١/ ١٤) عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة أنه بلغه أن حفصة زوج النبي ﷺ قتلت جارية لها سحرتها، وقد كانت دبرتها فأمرت بها فقتلت. ووصله البيهقي (٨/ ١٣٦) من طريق سعدان بن نصر، ثنا أبو معاوية عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن حفصة بنت عمر ﵂ سحرتها جارية لها، فأقرت بالسحر وأخرجته، فقتلتها، فبلغ ذلك عثمان ﵁، فغضب، فأتاه ابن عمر ﵄، فقال: جاريتها سحرتها، وأقرت بالسحر وأخرجته قال: فكف عثمان ﵁، قال: وكأنه إنما كان غضبه لقتلها إياها بغير أمره. وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٩/ ٤١٦؛ و١٠/ ١٣٥، ١٣٦) قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر بسنده سواء. وسنده صحيح.
(٦) من (ز) و(ن). ووقع في بقية "الأصول": "فثلاثة من أصحاب النبي ﷺ "وكأن في العبارة سقطًا، واستشكلها ناسخ (ى)، فقال: "كذا" وكتب بخط دقيق بعد قوله: "أصحاب النبي ﷺ" كلمة "شرعوا" حتى يستقيم له المعنى.
(٧) في "سننه" (١٤٦٠). وأخرجه الحاكم (٤/ ٣٦٠)؛ وابن عدي في (الكامل) (١/ ٢٨٢)؛ والدارقطني (٣/ ١١٤)؛ وابن قانع في "معجم الصحابة" (ق ٢٥/ ١)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٢/ رقم ١٦٦٥)؛ والبيهقي (٨/ ١٣٦)؛ والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٥٩٠)؛ وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١١/ ٣٠٩، ٣١٠) من طريق إسماعيل بن مسلم المكي، عن الحسن البصري عن جندب بن عبد الله مرفوعًا. (*) قلت: وإسماعيل بن مسلم واه، فلذلك لم يصب الحاكم حين قال: "صحيح الإسناد، وإن كان الشيخان تركا إسماعيل بن مسلم، فإنه غريب صحيح" ولم يتفرد به المكي كما يشعر كلام الترمذي فتابعه خالد العبد عن الحسن، عن جندب مرفوعًا مثله؛ أخرجه الطبراني في "الكبير" (ج ٢/ رقم ١٦٦٦)؛ وأبو سهل بن القطان في "حديثه" (ق ٣٠/ ١) من طريق محمد بن الحسن بن سيار، عن خالد العبد. قال شيخنا الألباني في "الضعيفة" (١٤٤٦): "ولكنها متابعة واهية، فإن خالدًا هذا لم أجد له ترجمةً، وكذلك الراوي عنه، فلا يعتضد بها، على أن مدار الطريقين على الحسن، وهو مدلس وقد عنعن، ولذلك فمن رام تحسين الحديث فما أحسن". اهـ. =
[ ١ / ٥٣٨ ]
قال رسول الله ﷺ: "حد الساحر ضربة بالسيف"، ثم قال: "لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم يضعف في الحديث. والصحيح عن الحسن، عن جندب (موقوف) " (^١).
قلت: قد رواه الطبراني من وجه آخر عن الحسن، عن جندب مرفوعًا. والله أعلم.
وقد روي (^٢) من طرق متعددة أن الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه فكان يضرب رأس الرجل ثم يصيح به فيرد إليه رأسه؛ فقال الناس: سبحان الله! يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان من الغد جاء مشتملًا على سيفه؛ وذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه، فضرب عنق الساحر؛ وقال: إن كان (ساحرًا) (^٣) فليحي نفسه؛ وتلا قوله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣] فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك، فسجنه ثم أطلقه. والله أعلم.
وقال (الإمام) (^٤) أبو بكر الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثني أبو إسحاق، عن حارثة؛ قال: كان عند بعض الأمراء رجل يلعب، فجاء جندب (مشتملًا) (^٥) على سيفه فقتله. قال: أُراه كان ساحرًا (^٦).
وحمل الشافعي ﵀ قصة عمر وحفصة على سحر يكون شركًا. والله أعلم.