(الحديث الأول): قال البخاري: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: "من قرأ بالآيتين" وحدثنا أبو
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ …﴾ [غافر: ٥١] (ح ٤٦٨٥)، وصحيح مسلم، التوبة، باب قبول توبة القاتل (ح ٢٧٦٨).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان: فيه مقال، كما ذكر الحافظ ابن كثير.
(٤) السنن، التفسير (ح ٢٩٩١).
[ ٢ / ٣٠٣ ]
نعيم: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ بالآيتين - من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه" (^١). وقد أخرجه بقية الجماعة عن طريق سليمان بن مهران الأعمش بإسناده مثله (^٢). وهو في الصحيحين من طريق الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن عنه به (^٣)، وهو في الصحيحين أيضًا عن عبد الرحمن، عن علقمة، عن ابن مسعود، قال عبد الرحمن: ثم لقيت أبا مسعود فحدثني به، وهكذا رواه أحمد بن حنبل، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، عن علقمة، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلته كفتاه" (^٤).
(الحديث الثاني): قال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا شيبان، عن منصور، عن ربعي، عن خرشة بن الحرّ، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ: "أُعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي قبلي" (^٥) قد رواه ابن مردويه من حديث الأشجعي، عن الثوري، عن منصور، عن ربعي، عن زيد بن ظبيان، عن أبي ذرّ، قال: قال رسول الله ﷺ: "أُعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش".
(الحديث الثالث): قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أُسامة، حدثنا مالك بن مغول (ح) وحدثنا ابن نمير (^٦) وزهير بن حرب، جميعًا، عن عبد الله بن نمير، وألفاظهم متقاربة، قال ابن نمير: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن مغول، عن الزبير بن عدي، عن طلحة، عن مُرَّة، عن عبد الله، قال: لما أُسري برسول الله ﷺ، انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السابعة، إليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها، قال: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ [النجم] قال: فراش من ذهب، قال: أُعطي رسول الله ﷺ ثلاثًا: أُعطي الصلوات الخمس، وأُعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك باللّه من أُمته شيئًا المقحمات (^٧).
(الحديث الرابع): قال أحمد: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، حدثني محمد بن إسحاق، عن يزيد أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليزني (^٨)، عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ: "اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة فإني أُعطيتهما من تحت العرش" (^٩). هذا إسناد حسن ولم يخرجوه في كتبهم.
_________________
(١) صحيح البخاري، فضائل القرآن، باب فضل سورة البقرة (ح ٥٠٠٨).
(٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة (ح ٨٠٨).
(٣) صحيح البخاري، الباب السابق (ح ٥٠٠٩)، وصحيح مسلم، الباب السابق ٨٠٧.
(٤) المسند ٤/ ١١٨، وهو متفق عليه كما سبق.
(٥) المسند ٥/ ١٥١، قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٣١٢)، وأخرجه الحاكم من طريق جبير بن نفير عن أبي ذر وقال: والحديث له شاهد من حديث حذيفة أخرجه مسلم (المستدرك ١/ ٥٦٢ - ٥٦٣)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ٣/ ٤٧١.
(٦) في الأصل: "بن يعمر" وهو تصحيف والتصويب من صحيح مسلم.
(٧) صحيح مسلم، الإيمان، باب في ذكر سدرة المنتهى (ح ١٧٣).
(٨) في الأصل: "يزيد بن عبد الله المزني" وهو تصحيف والتصحيح من المسند.
(٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٤٧)، وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٦/ ٣١٢)، وصححه =
[ ٢ / ٣٠٤ ]
(الحديث الخامس): قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، أخبرنا مروان (^١)، أنبأنا ابن عوانة، عن أبي مالك، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ: "فضلنا على الناس بثلاث أُوتيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز تحت العرش، لم يعطاها أحد قبلي، ولا يعطها أحد بعدي" ثم رواه من حديث نعيم بن أبي هند، عن ربعي، عن حذيفة بنحوه (^٢).
(الحديث السادس): قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع، أنبأنا إسماعيل بن الفضل، أخبرنا محمد بن بزيع، أخبرنا جعفر بن عون، عن مالك بن مغول، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: لا أرى أحدًا عقل الإسلام ينام حتى يقرأ خواتيم سورة البقرة، فإنها من كنز أُعطيه نبيكم ﷺ من تحت العرش (^٣). ورواه وكيع في تفسيره عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمير بن عمرو المخارقي، عن علي، قال: ما أرى أحدًا يعقل، بلغه الإسلام، ينام حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، فإنها من كنز تحت العرش.
(الحديث السابع): قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا بُندار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن أشعث بن عبد الرحمن الجرمي، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ، قال: "إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، أنزله منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرأ بهنَّ في دار ثلاث ليال فيقرّ بها شيطان" ثم قال: هذا حديث غريب (^٤)، وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث حماد بن سلمة به وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه (^٥).
(الحديث الثامن): قال ابن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن مدين، أخبرنا الحسن بن الجهم، أخبرنا إسماعيل بن عمرو، أخبرنا ابن أبي مريم، حدثني يوسف بن أبي الحجاج، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ سورة البقرة وآية الكرسي ضحك وقال: "إنهما من كنز الرحمن تحت العرش" وإذا قرأ: (ومن يعمل سوءًا يجز به) ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ [النجم] استرجع واستكان (^٦).
(الحديث التاسع): قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن محمد بن كوفي، حدثنا أحمد بن
_________________
(١) = الألباني في صحيح الجامع الصغير ١/ ٣٧٩.
(٢) في الأصل: "سرور" وهو تصحيف والتصحيح من (عف) و(ح) و(م).
(٣) أخرجه ابن خزيمة في الصحيح (١/ ١٣٣ ح ٢٦٤)، وابن حبان في الإحسان (١٤/ ٣١٠ ح ٦٤٠٠)، كلاهما من طريق أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن خراش به.
(٤) في سنده الحارث الأعور: وهو ضعيف كما في التقريب وقد توبع، فقد أخرجه ابن الضريس من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن عمير بن سعيد، عن علي (ص ١٤٨ ح ١٧٧)، وعمير بن سعيد: ثقة، كما في التقريب. وفي رواية وكيع التالية متابعة عمير بن عمرو للحارث الأعور.
(٥) السنن، فضائل القرآن (ح ٢٨٨٢)، ورجاله ثقات ولكن حماد بن سلمة تغير حفظه بآخرة كما في التقريب، ورواية الحاكم من طريقه أيضًا.
(٦) المستدرك ١/ ٥٦٢.
(٧) في سنده ابن أبي مريم، وهو عبد الله الغساني: وهو ضعيف كما في التقريب.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
يحيى بن حمزة، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي مليح، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ: "أعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش والمفصل نافلة" (^١).
(الحديث العاشر): قد تقدم في فضائل الفاتحة من رواية عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بينا رسول الله ﷺ وعنده جبريل إذ سمع نقيضًا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد فتح من السماء، ما فتح قط. قال: فنزل منه ملك فأتى النبي ﷺ، فقال له: أبشر بنورين قد أُوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفًا منهما إلا أُوتيته، رواه مسلم والنسائي وهذا لفظه (^٢).
فقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ إخبار عن النبي ﷺ بذلك، قال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة، قال: ذُكر لنا أن رسول الله ﷺ، قال لما نزلت عليه هذه الآية: "ويحق له أن يؤمن" (^٣). وقد روى الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو النضر الفقيه، حدثنا معاذ بن نجدة القرشي، حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا أبو عقيل عن يحيى بن أبي كثير، عن أنس بن مالك، قال: لما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ قال النبي ﷺ: "حق له أن يؤمن"، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٤).
وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على الرسول، ثم أخبر عن الجميع، فقال: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، ولا ربَّ سواه. ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارّون راشدون مهديون هادون إلى سبيل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله حتى نسخ الجميع بشرع محمد ﷺ، خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين، وقوله: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي: سمعنا قولك يا ربنا وفهمناه، وقمنا به وامتثلنا العمل بمقتضاه، ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ سؤال للمغفرة والرحمة واللطف.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ قال: قد غفرت لكم (^٥).
﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآب يوم الحساب.
قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن بيان، عن حكيم بن جابر، قال: لما
_________________
(١) في سنده عبيد الله بن أبي حميد: متروك، كما في التقريب.
(٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل الفاتحة (ح ٨٠٦).
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو مرسل ضعيف.
(٤) المستدرك ٢/ ٢٨٧، وتعقبه الذهبي بأن سنده منقطع.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
نزلت على رسول الله ﷺ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ قال جبريل: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه، فسأل ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا …﴾ إلى آخر هذه الآية (^١).
وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: لا يكلف أحدًا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة في قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] أي: هو وإن حاسب وسأل، لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها، فهذا لا يكلف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السيئة من الإيمان، وقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أي: من خير ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أي: من شر، وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف. ثم قال تعالى مرشدًا عباده إلى سم إله، وقد تكفّل لهم بالإحابة كما أرشدهم وعلمهم أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ أي: إن تركنا فرضًا على جهة النسيان، أو فعلنا حرامًا كذلك، أو أخطأنا؛ أي الصواب في العمل جهلًا منا بوجهه الشرعي. وقد تقدم في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، قال: "قال الله: نعم" ولحديث ابن عباس، قال الله: "قد فعلت". وروى ابن ماجه في سننه وابن حبان في صحيحه من حديث أبي عمرو الأوزاعي، عن عطاء. قال ابن ماجه في روايته: عن ابن عباس، وقال الطبراني وابن حبان: عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله وضع عن أُمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (^٢). وقد روي من طريق آخر وأعله أحمد وأبو حاتم (^٣)، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبو بكر الهذلي، عن شهر، عن أُم الدرداء، عن النبي ﷺ، قال: "إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث: عن الخطأ والنسيان، والاستكراه" قال أبو بكر: فذكرت ذلك للحسن، فقال: أجل، أما تقرأ بذلك قرآنًا ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (^٤).
وقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ أي: لا تكلفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها كما شرعته للأُمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم، التي بعثت نبيك محمدًا ﷺ، نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به من الدين الحنيفي السهل السمح، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، قال:
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق جرير به، وسنده مرسل لأن حكيم بن جابر تابعي.
(٢) سنن ابن ماجه، الطلاق، باب طلاق المكره والناسي (ح ٢٠٤٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٦٦٤).
(٣) أعلّه ابن أبي حاتم بأن الأوزاعي لم يسمع هذا الحديث من عطاء (العلل ١/ ٤٣١ ح ١٢٩٦).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو بكر الهذلي: متروك، كما في التقريب، وأم الدرداء تابعية، ويشهد له سابقه.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
قال الله: "نعم" (^١)، وعن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ أنه قال: قال الله قد فعلت وجاء في الحديث من طرق عن رسول الله ﷺ أنه قال: "بُعثتُ بالحنيفية السمحة" (^٢).
وقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِنَ﴾ أي: من التكليف والمصائب والبلاء لا تبتلنا بما لا قبل لنا به.
وقد قال مكحول في قوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: الغربة والغلمة، رواه ابن أبي حاتم (^٣)، قال الله: "نعم".
وفي الحديث الآخر: "قال الله: قد فعلت" (^٤).
وقوله: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ أي: فيما بيننا وبينك مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾ أي: فيما بيننا وبين عبادك فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة ﴿وَارْحَمْنَا﴾ أي: فيما يستقبل فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر، ولهذا قالوا: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره.
وقد تقدم في الحديث أن الله قال: "نعم".
وفي (^٥) الحديث الآخر: قال الله: قد فعلت.
وقوله: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ أي: أنت ولينا وناصرنا، وعليك توكلنا، وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولا حول لنا ولا قوة إلا بك، ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك ورسالة نبيك، وعبدوا غيرك وأشركوا معك من عبادك، فانصرنا عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة، قال الله: نعم.
وفي الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عباس، قال الله: قد فعلت (^٦).
وقال ابن جرير: حدثني مثنى بن إبراهيم، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق أن معاذًا ﵁، كان إذا فرغ من هذه السورة ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: آمين (^٧). ورواه وكيع عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن رجل، عن معاذ بن جبل، أنه كان إذا ختم البقرة قال: آمين (^٨).
آخر تفسير سورة البقرة، ولله الحمد والمنة.
_________________
(١) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان أنه ﷾ لن يكلف إلا ما يطاق (ح ١٩٧).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسند حسن (المسند ٤١/ ٣٤٩ ح ٢٤٨٥٥).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم عن مكحول - والغلمة بضم الغيْن وسكون اللام -: شهوة النكاح (لسان العرب ١٢/ ٤٣٩).
(٤) هذه الجملة أراها مكررة، فقد ذكرت قبل قول مكحول وبعده أيضًا بخمسة أسطر.
(٥) (^٦) تقدم في صحيح مسلم في الصفحة السابقة.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أبو إسحاق وهو السبيعي لم يلق معاذًا ﵁. وسنده منقطع.
(٧) في سنده رجل مبهم وهو الواسطة بين أبي إسحاق ومعاذ.
[ ٢ / ٣٠٨ ]