قال سعيد بن أبي عروبة، (عن قتادة) (^٥) في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ …﴾ الآية [الحديد: ١٢]. ذكر لنا أن نبي اللّه ﷺ كان يقول: من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن (أبين) (^٦) فصنعاء ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه. رواه ابن جرير (^٧) ورواه ابن أبي حاتم من حديث عمران بن داور القطان، عن قتادة بنحوه.
وهذا كما قال المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد اللّه بن مسعود؛ قال: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم؛ فمنهم من يؤتى نوره كالنخل؛ ومنهم من يؤتى نوره كالرجل القائم؛ وأدناهم نورًا على إبهامه يطفأ مرةً ويتقد مرةً.
وهكذا رواه ابن جرير (^٨)، عن ابن مثنى، عن ابن إدريس، عن أبيه، عن المنهال.
_________________
(١) أخرج هذه الآثار عنهم ابن جرير (٤٥٢، ٤٥٥، ٤٥٦، ٤٥٧، ٤٥٨، ٤٥٩، ٤٦٠) [وهذه الآثار أسانيدها ثابتة سوى سند السدي فضعيف ويتقوى بتلك الآثار].
(٢) ساقط من (ن).
(٣) كذا في (ع) و(هـ) و(ي)؛ وفي (ك): "يمشي"؛ وفي (ج) و(ز) و(ل): "فيمشي".
(٤) من (ز) و(ن).
(٥) ساقط من جميع الأصول ولا بدّ منه.
(٦) ذكر في (ي) أن "أبين" اسم رجل نسبت إليه "عدن".
(٧) في "تفسيره" (٢٧/ ١٢٨) وسنده ضعيف لإعضاله وله شواهد يأتي النظر فيها في تفسير سورة الحديد إن شاء الله تعالى. وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٢٧٥) عن معمر، عن قتادة. قال: بلغنا أن المؤمنين … إلخ ولم يذكر رفعًا، مع أن السيوطي لما عزاه في "الدر المنثور" (٦/ ١٧٢) إلى عبد الرزاق ذكر "الرفع" فلعله تسامح في عزوه هكذا. واللّه أعلم.
(٨) في "تفسيره" (٢٧/ ١٢٨). وأخرجه ابن أبي شيبة (١٣/ ٢٩٩) ومن طريقه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤٧٨) قال: حدثنا عبد اللّه بن إدريس بسنده سواء. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ١٧٢)؛ لابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن مردويه. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين" ووقع في "تلخيص المستدرك" أنه على =
[ ١ / ٢٩٢ ]
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا (علي بن محمد) (^١) (الطنافسي) (^٢)، حدثنا ابن إدريس، سمعت أبي (يذكر) (^٣) عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد اللّه (بن مسعود) (^٤): ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [التحريم: ٨]- قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نورًا من نوره في إبهامه يتقد مرةً ويطفأ أخرى (^٥).
وقال ابن أبي حاتم (أيضًا) (^٦): حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا أبو يحيى الحمَّاني، حدثنا (عتبة) (^٧) بن (اليقطان) (^٨) عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: ليس أحد من أهل التوحيد إلا يعطى نورًا يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره؛ فالمؤمن مشفق مما يرى من إطفاء نور المنافقين، فهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ (^٩) [التحريم: ٨].
وقال الضحاك بن مزاحم: يعطى كل من كان يظهر الإيمان في الدنيا يوم القيامة نورًا؛ فإذا انتهى إلى الصراط طُفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنين أشفقوا فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ (^١٠) [التحريم: ٨].
فإذا تقرر هذا صار الناس أقسامًا: مؤمنون خلص، وهم الموصوفون بالآيات الأربع في أول البقرة. وكفار خلص وهم الموصوفون بالآيتين بعدها. ومنافقون، وهم قسمان: خلص، وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون؛ تارةً يظهر لهم لمع (من) (^١١) الإيمان، وتارةً يخبو؛ وهم أصحاب المثل المائي، وهم أخف حالًا من الذين قبلهم.
وهذا المقام يشبه من بعض الوجوه ما ذكر في سورة النور، من ضرب مثل المؤمن، وما جعل اللّه في قلبه من الهدى والنور بالمصباح في الزجاجة التي كأنها كوكب دُري؛ وهي قلب المؤمن المفطور على الإيمان، واستمداده من الشريعة الخالصة الصافية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط، كما سيأتي تقريره في موضعه (^١٢) إن شاء الله.
ثم ضرب مثل العُبَّاد من الكفار الذين يعتقدون أنهم على شيء، وليسوا على شيء، وهم أصحاب الجهل المركب في قوله (تعالى) (^١٣): ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ الآية [النور: ٣٩].
_________________
(١) = شرط البخاري! وكلا القولين خطأ فليس هو على شرط أحدهما والمنهال بن عمرو من مفاريد البخاري، وقيس بن السكن من مفاريد مسلم، وهو سند جيد. والله أعلم.
(٢) في (ن): "محمد بن علي بن محمد" و"محمد" الأولى مقحمةٌ.
(٣) في (ز) و(ل): "الطيالسي" وهو خطأ.
(٤) في (ز): "بكر"!!
(٥) من (ن).
(٦) [سنده حسن].
(٧) من (ز) و(ع) و(ن) و(هـ) و(ي).
(٨) في (هـ): "عقبة" بالقاف، وهو خطأ ظاهر.
(٩) في (ز): "القطان" وهو خطأ أيضًا.
(١٠) [سنده ضعيف لضعف عتبة بن يقظان (التقريب ص ٢٣٨١)].
(١١) [يشهد له سابقه].
(١٢) ساقط من (ن).
(١٣) في سورة النور عند الآية [٣٥].
(١٤) من (ن).
[ ١ / ٢٩٣ ]
ثم ضرب مثل الكفار الجهال الجهل البسيط، وهم الذين قال (اللّه) (^١) (تعالى) (^٢) فيهم: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النور].
فقسم الكفار ها هنا إلى قسمين: داعيةٍ ومقلد، كما ذكرهما في أول سورة الحج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣)﴾ [الحج]. وقال (بعده) (^٣): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾ [الحج].
وقد قسَّم اللّه المؤمنين في أول الواقعة وفي آخرها. وفي سورة الإنسان إلى قسمين: سابقون وهم المقربون، وأصحاب يمين وهم الأبرار.
فتلخص من مجموع هذه الآيات الكريمات أن المؤمنين صنفان: مقربون وأبرار، وأن الكافرين صنفان: دعاة ومقلدون، وأن المنافقين أيضًا صنفان: منافق خالص، ومنافق فيه شعبة من نفاق، كما جاء في "الصحيحين" (^٤)، عن عبد اللّه بن عمرو، عن النبي ﷺ: "ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق، حتى يدعها: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان".
استدلوا به على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان وشعبة من نفاق؛ إما عملي لهذا الحديث، أو اعتقادي كما دلت عليه الآية، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض العلماء، كما تقدم وكما سيأتي إن شاء اللّه (تعالى) (^٥).
قال الإمام (^٦) أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية - يعني: شيبان - عن ليث، عن
_________________
(١) من (ج) و(ل) و(هـ).
(٢) من (ن) ووقع في (ز) و(ع) و(ك) و(ي): "قال فيهم".
(٣) من (ز) وحدها ووقع ترتيب الآيتين هكذا في (ك) وأما في (ج) و(ع) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ي) فقد ذكرت الآية الثانية قبل الأولى.
(٤) كذا عزاه المصنف ﵀ لـ"الصحيحين" من حديث ابن عمرو بلفظ: "ثلاث" وهو وهم، ولم أر لفظ "ثلاث" في حديث ابن عمرو إلا موقوفًا. أخرجه الفريابي في "صفة المنافق" (١٦، ١٧)؛ وابن جرير في "تفسيره" (١٠/ ١٩٢) بسندين فيهما مقال. أما لفظ حديث ابن عمرو في "الصحيحين" وفي غيرهما: "أربع من كن فيه" أو "أربع خلال من كن فيه" أو "أربعة من كن فيه" وزاد على ما ذكره المصنف: "وإذا خاصم فجر". أخرجه البخاري في "الإيمان" (١/ ٨٩)؛ وفي "المظالم" (٥/ ١٠٧)؛ وفي "الجزية" (٦/ ٢٧٩)؛ ومسلم في "الإيمان" (٥٨/ ١٠٦)؛ وأبو عوانة (١/ ٢٠)؛ وأبو داود (٤٦٨٨)؛ والنسائي (٨/ ١١٦)؛ والترمذي (٢٦٣٢)؛ وأحمد (٢/ ١٨٩، ١٩٨) وآخرون من طرق عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا فذكره. وقد خرَّجته في "الصمت" (٤٧١)؛ لابن أبي الدنيا وعزاه الزبيدي في "الإتحاف" (٢/ ٢٦٩) لابن ماجه وهو وهم.
(٥) من (ج) و(ك) و(ل) و(هـ).
(٦) في "مسنده" (٣/ ١٧)؛ وأخرجه الطبراني في "الصغير" (٢/ ١٠٩، ١١٠) وعنه أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٣٨٥) من طريق أحمد بن خالد الوهبي قال: ثنا شيبان بن عبد الرحمن بسنده سواء. قال الطبراني: "لم يروه عن شيبان إلا أحمد بن خالد الوهبي، ولا يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد". =
[ ١ / ٢٩٤ ]
عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد؛ قال: قال رسول اللّه ﷺ: "القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح؛ فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن (سراجه) (^١) فيه نوره. وأما القلب الأغلف فقلب الكافر [وأما القلب المنكوس فقلب (المنافق) (^٢)] (^٣)، عرف ثم أنكر. وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق. ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب. ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم؛ فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه".
وهذا إسناد جيد حسن.
وقوله (تعالى) (^٤): ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [قال (محمد) (^٥) بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير؛ عن ابن (^٦) عباس - في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ قال: لما تركوا من (الحق) (^٧) بعد معرفته.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾] (^٨): قال (ابن إسحاق) (^٩): أي إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير.
وقال ابن جرير (^١٠): إنما وصف اللّه تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير. ومعنى قدير قادر، كما (أن) (^١١) معنى عليم عالم.
[وذهب ابن جرير (الطبري) (^١٢) ومن تبعه من كثير من المفسرين إلى أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين، وتكون "أو" في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ بمعنى الواو؛ كقوله (تعالى) (^١٣): ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] أو تكون للتخيير؛ أي: اضرب لهم مثلًا بهذا، وإن شئت بهذا] (^١٤).
_________________
(١) = (*) قلت: لم يتفرد به الوهبي كما رأيت، وقد تابعه أيضًا هاشم بن القاسم ثنا شيبان. [قال محققو المسند: إسناد ضعيف لضعف ليث وهو ابن أبي سُليم، ولانقطاعه، أبو البختري، وهو سعيد بن فيروز، لم يدرك أبا سعيد الخدري (المسند ١٧/ ٢٠٨ ح ١١١٢٩)].
(٢) كذا في (ج) و(ز) و(ل) وهو الموافق لما في "المسند"؛ ووقع في (ع) و(ك) و(ن) و(هـ) و(ي): "فسراجه".
(٣) في (ن): "المنافق الخالص"!!
(٤) ساقط من (ج).
(٥) من (ن).
(٦) ساقط من (ك).
(٧) أخرجه ابن جرير (٤٧٠)؛ وابن أبي حاتم (٢١٤) من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق به. [وسنده حسن].
(٨) في (ج): "حق ".
(٩) ساقط من (ك).
(١٠) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ي) و(هـ) وهو الموافق لما في "تفسير ابن أبي حاتم" (٢١٥). ووقع في (ز) و(ن): "ابن عباس"! وهو خطأ.
(١١) في "تفسيره" (١/ ٣٦١).
(١٢) ساقط من (ج).
(١٣) من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).
(١٤) من (ن).
(١٥) ساقط من (ز).
[ ١ / ٢٩٥ ]
[قال القرطبي (^١): "أو" للتساوي، مثل جالس الحسن أو ابن سيرين على ما وجهه الزمخشري (^٢) إن كلا منهما مساوٍ للآخر في إباحة] (^٣) [الجلوس إليه، ويكون معناه على قوله: سواء ضربنا لهم مثلًا بهذا أو بهذا، فهو مطابق لحالهم.
قلت: وهذا يكونُ باعتبار جنس المنافقين؛ فإنهم أصناف، ولهم أحوال وصفات كما ذكرها اللّه (تعالى) (^٤) في سورة (براءة) (^٥)؛ ومنهم؛ ومنهم؛ ومنهم - يذكر أحوالهم وصفاتهم، وما يعتمدونه من الأفعال والأقوال؛ فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقةً لأحوالهم وصفاتهم. واللّه أعلم؛ كما ضرب المثلين في سورة النور لصنفي الكفار الدعاة والمقلدين؛ في قوله (تعالى) (^٦): ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ..﴾ إلى أن قال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ …﴾ الآية [النور: ٣٩: ٤٠]، فالأول للدعاة الذين هم في جهل مركب. والثاني لذوي الجهل البسيط من الأتباع المقلدين. واللّه أعلم بالصواب (^٧)] (^٣).
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾.
شرع (^٨) ﵎ في بيان وحدانية ألوهيته بأنه تعالى هو المنعم على عبيده بإخراجهم من العدم إلى الوجود، وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة، بأن جعل لهم الأرض فراشًا؛ أي: مهدًا كالفراش (مقررةً) (^٩) موطأةً، مثبتةً بالرواسي الشامخات، والسماء بناءً وهو السقف، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ [الأنبياء: ٣٢] وأنزل لهم من السماء ماءً؛ والمراد به السحاب ها هنا في وقته عند احتياجهم إليه؛ فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد، رزقًا لهم ولأنعامهم، كما قرر هذا في غير موضع من القرآن.
ومن أشبه آية بهذه الآية قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤].
_________________
(١) في "الكشاف" (١/ ٣٣).
(٢) ساقط من (ز).
(٣) في "تفسيره" (١/ ٢١٥).
(٤) من (ك) و(ن) و(هـ) و(ي).
(٥) في (ج): "إبراهيم" وهو خطأ.
(٦) من (ن).
(٧) في حاشية (ع): "بلغ مقابلة، قرأه المصنف معارضًا بأصله، فسح اللّه في مدته".
(٨) في حاشية (ج): "حاشية: قال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا محمد بن عبد الملك الواسطي، ثنا طلق بن غنام، ثنا قيس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عكرمة، عن عبد الله قال: كل شيء نزل ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] فهو بمكة، وكل شيء ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] فهو بالمدينة. ثم قال: لا نعلم أحدًا أسنده إلا قيس وغيره يرويه مرسلًا"، وأدخل ناسخ (ل) هذه الحاشية في سياق كلام المصنف وفيه نظر إذ صرح ابن المحب ناسخ (ج) أنها حاشية، ولم يشر أنها من صنع المؤلف لذلك ما وجدتها في أي نسخة مسبوكة في سياق الكتاب واللّه أعلم.
(٩) في (ز): "مقدرة". ومعنى "مقررة": مسواةً مدحوة كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غافر: ٦٤] ويأتي ذكر المؤلف لها قريبًا إن شاء اللّه تعالى.
[ ١ / ٢٩٦ ]
ومضمونه أنه الخالق الرازق، مالك الدار وساكنيها، ورازقهم؛ فبهذا يستحق أن يعبد وحده، ولا يشرك به غيره؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وفي "الصحيحين" (^١)، عن ابن مسعود؛ قال: قلت: يا رسول اللّه أي الذنب أعظم عند اللّه؟ قال: "أن تجعل للّه ندًا وهو خلقك … " الحديث.
وكذا حديث (^٢) معاذ: "أتدري ما حق الله على عباده؟ … أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا … " الحديث.
وفي الحديث (^٣) الآخر: "لا يقولن أحدكم ما شاء اللّه وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء اللّه ثم شاء فلان".
وقال حماد بن (^٤) سلمة: حدثنا عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن الطفيل بن سخبرة أخي عائشة أم المؤمنين لأمها؛ قال: رأيت فيما يرى النائم كأني أتيت على نفر من اليهود؛ فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود. قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن اللّه. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء اللّه وشاء محمد.
قال: ثم مررت بنفر من النصارى [فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى] (^٥) قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن اللّه. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء اللّه وشاء محمد.
فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته؛ فقال: "هل أخبرت بها أحدًا؟ " قلت: نعم، فقام فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد؛ فإن طفيلًا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمةً كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها؛ فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء اللّه وحده".
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨/ ١٦٣؛ و١٠/ ٤٣٣؛ و١٣/ ٤٩١، ٥٠٣)؛ ومسلم (٨٦/ ١٤١)؛ وأبو عوانة (١/ ٥٦)؛ وأبو داود (٢٣١٠)؛ وأحمد (١/ ٤٣٤) وغيرهم من طريق منصور بن المعتمر، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود. ووقع في سنده اختلاف لا يضر، ذكرته في "التسلية".
(٢) أخرجه البخاري (١٠/ ٣٩٧، و١١/ ٦٠، ٦١، ٣٣٧)؛ وفي "الأدب المفرد" (٩٤٣)، ومسلم (٣٠/ ٤٨) واللفظ له.
(٣) أخرجه أبو داود (٤٩٨٠)؛ والنسائي في "اليوم والليلة" (٩٨٥)؛ وأحمد (٥/ ٣٨٤، ٣٩٤، ٣٩٨)؛ وابن أبي الدنيا في "الصمت" (٣٤١)؛ وابن أبي شيبة (٩/ ١١٧؛ و١٠/ ٣٤٦)؛ والطيالسي (٤٣٠)؛ وابن السني في "اليوم والليلة" (٦٧١)؛ والطحاوي في "المشكل" (١/ ٩٠)؛ والبيهقي في "الكبرى" (٣/ ٢١٦)؛ وفي "الأسماء والصفات" (ص ١٤٤)؛ وفي "الاعتقاد" (١٥٦، ١٥٧) من طرق عن شعبة، عن منصور بن المعتمر قال: سمعت عبد اللّه بن يسار، عن حذيفة مرفوعًا فذكره. قال الذهبي في "مهذب سنن البيهقي" (٣/ ١٩٠): "إسناده صالح"!! وصححه النووي في "الأذكار" (ص ٣٠٨)، وهو كما قال. ووقع في سنده اختلاف لا يضره. واللّه أعلم.
(٤) أخرجه أحمد (٥/ ٧٢)؛ وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٧٤٣)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٨/ رقم ٨٢١٤)؛ والحاكم (٣/ ٤٦٣)؛ والخطيب في "الموضح" (١/ ٣٠٣) من طرق، عن حماد بن سلمة بسنده سواء مطولًا ومختصرًا. [وسكت عنه الحاكم والذهبي ويشهد له سابقه].
(٥) ساقط من (ج).
[ ١ / ٢٩٧ ]
هكذا رواه ابن مردويه (^١) في تفسير هذه الآية من حديث حماد بن سلمة، به. وأخرجه ابن ماجه (^٢) من وجه آخر، عن عبد الملك بن عمير، به، بنحوه.
وقال سفيان بن سعيد الثوري، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس؛ قال: قال رجل للنبي ﷺ: ما شاء اللّه وشئت. فقال: "أجعلتني للّه ندًا؟ (قل) (^٣): ما شاء اللّه وحده". رواه ابن مردويه، وأخرجه النسائي (^٤)، وابن ماجه، من حديث عيسى بن يونس عن الأجلح، به.
وهذا كله صيانة وحماية لجناب التوحيد. والله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق (^٥): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين؛ أي: وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم.
وبه (^٦) عن ابن عباس: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لا تشركوا بالله غيره من
الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم (يرزقكم) (^٧) غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول ﷺ من (توحيده) (^٨) هو الحق الذي لا شك فيه؛ وهكذا قال قتادة.
وقال ابن أبي (^٩) حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، حدثنا أبي عمرو، حدثنا أبي الضحاك بن مخلد أبو عاصم، حدثنا شبيب بن بشر، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس - في قول اللّه ﷿: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ - قال الأنداد: هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: واللّه وحياتك يا فلان، وحياتي. ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة. ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه ما شاء اللّه وشئت. وقول الرجل لولا اللّه وفلان - لا تجعل فيها "فلان"؛ هذا كله به شرك.
_________________
(١) هكذا عزاه المصنف لابن مردويه وحده، وفيه قصور لا يخفى، فقد أخرجه من طريق حماد بن سلمة أحمد وغيره كما مر آنفًا.
(٢) في "سننه" (٢/ ٢١١٨) قال: حدثنا عبد الملك بن محمد بن أبي الشوارب، ثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير به مختصرًا. [وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٧٢١)].
(٣) من (ن). وفي (ل): "بل"!
(٤) أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" (٩٨٨)؛ وابن ماجه (٢١١٧)؛ والبخاري في "الأدب المفرد" (٧٨٣)؛ وأحمد (١/ ٢١٤، ٢٢٤، ٢٨٣، ٣٤٧)؛ وابن أبي شيبة (٩/ ١١٧، ١١٨؛ و١٠/ ٣٤٦)؛ وابن أبي الدنيا في "الصمت" (٣٤٢)؛ وابن السني في "اليوم والليلة" (٦٧٢)؛ والطحاوي في "المشكل" (١/ ٩٠)؛ والطبراني في "الكبير" (١٣٠٠٥، ١٣٠٠٦)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٩٩)؛ والبيهقي (٣/ ٢١٧) من طرق عن الأجلح عن يزيد الأصم، عن ابن عباس مرفوعًا. وسنده حسن. [وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٦٠١)].
(٥) أخرجه ابن إسحاق، كما في "الدر المنثور" ومن طريقه ابن جرير (٤٧٢)؛ وابن أبي حاتم (٢١٦).
(٦) أخرجه ابن جرير (٤٨٦)؛ وابن أبي حاتم (٢٣٢) [سنده حسن].
(٧) ساقط من (ج) و(ل).
(٨) في (ن): "التوحيد".
(٩) في "تفسيره" (٢٣٠) وسنده جيد، وأخرجه الطبري (٤٨٥) عن عكرمة قوله.
[ ١ / ٢٩٨ ]
وفي الحديث (^١) أن رجلًا قال لرسول اللّه ﷺ: ما شاء اللّه وشئت. قال: "أجلعتني لله ندًا". وفي الحديث الآخر (^٢): "نعم القوم أنتم لولا أنكم تنددون: تقولون: ما شاء اللّه وشاء فلان". قال أبو العالية (^٣): فلا تجعلوا لله أندادًا؛ أي: عدلاء شركاء.
وهكذا قال الربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، وأبو مالك، وإسماعيل بن أبي خالد.
وقال مجاهد (^٤): ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، قال: تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.