قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم بن صبيح أبي الضُحى، عن شتير بن شكل، [عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢٠٦) وسنده منقطع، كما أشار الحافظ ابن كثير.
(٢) تقدم صحته عن زيد بن ثابت.
(٣) في الأصل: "عمرو "والتصويب كسابقه.
(٤) سنده صحيح.
(٥) لم يصح رفعه ولعل زكريا وهم في رفعه.
(٦) ينظر: سنن الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء في صلاة الوسطى أنها العصر ١/ ٣٤٢.
[ ٢ / ٢١٥ ]
صلاة العصر، ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارًا" ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء (^١)، وكذا رواه مسلم من حديث أبي معاوية محمد بن حازم الضرير، والنسائي من طريق عيسى بن يونس كلاهما عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن أبي الضحى، عن شتير بن شكل بن حميد] (^٢)، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ مثله، وقد رواه مسلم أيضًا من طريق شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن يحيى بن الجزار، عن علي بن أبي طالب به (^٣)، وأخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وغير واحد من أصحاب المساند والسنن والصحاح من طرق يطول ذكرها عن عَبيدة السلماني، عن علي به (^٤)، ورواه الترمذي والنسائي من طريق الحسن البصري عن علي به، قال الترمذي: ولا يعرف سماعه منه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عاصم، عن زرّ، قال: قلت لعَبيدة: سل عليًا عن الصلاة الوسطى، فسأله، فقال: كنا نراها الفجر أو الصبح، حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وأجوافهم أو بيوتهم نارًا" (^٥). ورواه ابن جرير عن بُندار، عن ابن مهدي به (^٦). وحديث يوم الأحزاب، وشغل المشركين رسول الله ﷺ وأصحابه عن أداء صلاة العصر يومئذٍ، مروي عن جماعة من الصحابة يطول ذكرهم، وإنما المقصود رواية من نصَّ منهم في روايته، أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. وقد رواه مسلم أيضًا من حديث ابن مسعود والبراء بن عازب ﵄ (^٧).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة الوسطى صلاة العصر" وحدثنا بهز وعفان قالا: حدثنا أبان، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وسماها لنا أنها هي صلاة العصر (^٨). وحدثنا محمد بن جعفر وروح، قالا: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، أن رسول الله ﷺ قال: "هي العصر" قال ابن جعفر: سئل عن صلاة الوسطى (^٩)، ورواه الترمذي من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، وقال: حسن صحيح، وقد سمع منه (^١٠).
(حديث آخر) وقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (ح ٦١٧)، وسنده صحيح.
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(مح) و(حم) والتخريج.
(٣) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (ح ٢٠٥).
(٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] (ح ٤٥٣٣)، وصحيح مسلم، المساجد، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (ح ٢٠٣).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن وأصله في الصحيحين كما تقدم.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه.
(٧) صحيح مسلم، المساجد (ح ٦٢٨ و٦٣٠).
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه ٥/ ٨ وفي سماع الحسن عن سمرة مقال ويشهد له ما تقدم.
(٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه ٥/ ٧.
(١٠) سنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في صلاة الوسطى أنها العصر (ح ١٨٢).
[ ٢ / ٢١٦ ]
التيمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "الصلاة الوسطى صلاة العصر" (^١).
(طريق أخرى، بل حديث آخر) قال ابن جرير: وحدثني المثنى، حدثنا سليمان بن أحمد الجرشي الواسطي، حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني صدقة بن خالد، حدثني خالد بن دهقان، عن خالد بن سبلان، عن كهيل بن حرملة، قال: سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى، فقال: اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها، ونحن بفناء بيت رسول الله ﷺ، وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فقال: أنا أعلم لكم ذلك، فقام فاستأذن على رسول الله ﷺ، فدخل عليه ثم خرج إلينا، فقال: أخبرنا أنها صلاة العصر، غريب من هذا الوجه جدًّا (^٢).
(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد السلام، عن مسلم مولى أبي بصير، حدثني إبراهيم بن يزيد الدمشقي، قال: كنت جالسًا عند عبد العزيز بن مروان، فقال: يا فلان اذهب إلى فلان فقل له: أي شيء سمعت من رسول الله ﷺ في الصلاة الوسطى؟ فقال رجل جالس: أرسلني أبو بكر وعمر، وأنا غلام صغير، أسأله عن الصلاة الوسطى فأخذ أصبعي الصغيرة، فقال: "هذه الفجر"، وقبض التي تليها، فقال: "هذه الظهر" ثم قبض الإبهام، فقال: "هذه المغرب"، ثم قبض التي تليها، فقال: "هذه العشاء"، ثم قال: "أي أصابعك بقيت؟ " فقلت: الوسطى، فقال: "أي الصلاة بقيت؟ " فقلت: العصر، فقال: "هي العصر" غريب أيضًا جدًّا (^٣).
(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عوف الطائي، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: "الصلاة الوسطى صلاة العصر". إسناده لا بأس به (^٤).
(حديث آخر) قال أبو حاتم بن حبان في صحيحه: حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير، حدثنا الجراح بن مخلد، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام بن مورق العجلي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: "صلاة الوسطى صلاة العصر" (^٥).
وقد روى الترمذي من حديث محمد بن طلحة بن مصرف عن زبيد اليامي (^٦)، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "صلاة الوسطى صلاة العصر"، ثم قال: حسن صحيح (^٧)، وأخرجه مسلم في صحيحه من طريق محمد بن طلحة به، ولفظه: "شغلونا عن
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له ما سبق.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكم عليه الحافظ ابن كثير.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكم عليه الحافظ ابن كثير.
(٤) كسابقه.
(٥) الإحسان (صحيح ابن حبان ٥/ ٤١ ح ..) وسنده صحيح.
(٦) في الأصل: "محمد بن طلحة بن مطرف، عن ربيد" والتصويب كسابقه.
(٧) سنن الترمذي، أبواب الصلاة، باب ما جاء أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (ح ١٨١).
[ ٢ / ٢١٧ ]
الصلاة الوسطى صلاة العصر" الحديث (^١).
فهذه نصوص في المسألة لا تحتمل شيئًا، ويؤكد ذلك الأمر بالمحافظة عليها، وقوله ﷺ في الحديث الصحيح من رواية الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر (^٢) أهله وماله" (^٣).
وفي الصحيح أيضًا من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي كثير، عن أبي المهاجر، عن بُريدة بن الحصيب، عن النبي ﷺ، قال: "بكِّروا بالصلاة في يوم الغيم، فإنه من ترك صلاة العصر، فقد حبط عمله" (^٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة، عن أبي تميم، عن أبي نصرة الغفاري، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ في واد من أوديتهم، يقال له: المخمصَّ، صلاة العصر، فقال: "إن هذه الصلاة عرضت على الذين من قبلكم فضيعوها، ألا ومن صلاها ضعف له أجره مرتين، ألا ولا صلاة بعدها حتى تروا الشاهد" ثم قال: رواه عن يحيى بن إسحاق، عن الليث، عن جبير بن نعيم، عن عبد الله بن هبيرة به، وهكذا رواه مسلم والنسائي جميعًا عن قتيبة، عن الليث، ورواه مسلم أيضًا من حديث محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن أبي حبيب كلاهما، عن جبير بن نعيم الحضرمي، عن عبد الله بن هبيرة السبائي به (^٥)، فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد أيضًا حدثنا إسحاق، أخبرني مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولَى عائشة، قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا، قالت: إذا بلغت هذه الآية ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فآذني، فلما بلغتها آذنتها، فأملت عليّ: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين) قالت: سمعتها من رسول الله ﷺ (^٦)، وهكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك به (^٧).
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كان في المصحف عائشة (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر) (^٨)، وهكذا رواه من طريق الحسن البصري أن رسول الله ﷺ قرأها كذلك. وقد روى الإمام مالك أيضًا عن زيد بن أسم، عن عمرو بن رافع، قال: كنت أكتب مصحفًا لحفصة زوج النبي ﷺ، فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فلما بلغتها آذنتها،
_________________
(١) صحيح مسلم، المساجد، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (ح ٦٢٨).
(٢) أي نُقِص يقال وترته إذا نقصته (النهاية ٥/ ١٤٨).
(٣) المصدر السابق (ح ٦٢٦).
(٤) أخرجه البخاري من طريق هشام عن يحيى بن أبي كثير به (الصحيح، مواقيت الصلاة، باب من ترك صلاة العصر ح ٥٥٣).
(٥) المسند ٦/ ٣٩٦ - ٣٩٧)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها (ح ٨٣٠)، وفيه بيان: الشاهد. فقال: "والشاهد: النجم".
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٧٣) وسنده صحيح.
(٧) صحيح مسلم، المساجد، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (ح ٦٢٩).
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه.
[ ٢ / ٢١٨ ]
فأملت عليَّ (حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين) (^١). هكذا رواه محمد بن إسحاق بن يسار فقال: حدثني أبو جعفر محمد بن علي ونافع مولى ابن عمر، أن عمر بن نافع قال … فذكر مثله، وزاد كما حفظتها من النبي ﷺ (^٢).
(طريق أخرى عن حفصة) قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن عبد الله بن يزيد الأزدي، عن سالم بن عبد الله، أن حفصة أمرت إنسانًا أن يكتب لها مصحفًا، فقالت: إذا بلغت هذه الآية ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فآذني، فلما بلغ آذنها، فقالت: اكتب (حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى وصلاة العصر).
(طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله عن نافع، أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفًا، فقالت: إذا بلغت هذه الآية ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها، فلما بلغها أمرته فكتبها (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين). قال نافع: فقرأت ذلك المصحف، فوجدت فيه الواو.
وكذا روى ابن جرير عن ابن عباس وعبيد بن عمير أنهما قرءا كذلك.
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبدة بن سليمان حدثنا محمد بن عمرو، حدثني أبو سلمة، عن عمرو بن رافع مولى عمر، قال: كان في مصحف حفصة (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين) (^٣).
وتقرير المعارضة أنه عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى بواو العطف التي تقتضي المغايرة، فدلَّ ذلك على أنها غيرها، وأجيب عن ذلك بوجوه:
(أحدها): أن هذا إن روي على أنه خبر، فحديث عليٍّ أصحّ وأصرح منه، وهذا يحتمل أن تكون الواو زائدة، كما في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥)﴾ [الأنعام]، ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ [الأنعام]، أو تكون لعطف الصفات لا لعطف الذوات، كقوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب]، وكقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ [الأعلى]، وأشباه ذلك كثيرة وقال الشاعر:
إلى الملك القرم وابن الهمام … وليث الكتيبة في المزدحم
وقال أبو داود الأيادي:
سلط الموت والمنون عليهم … فلهم في صدى المقابر هام (^٤)
_________________
(١) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، صلاة الجماعة، باب الصلاة الوسطى ١/ ١٣٩ ح ٢٦)، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه أبو يعلى (المسند ١٣/ ٥٠ ح ٧١٢٩)، وابن حبان (موارد الظمآن ح ١٧٢٢) كلاهما من طريق ابن إسحاق به، وسنده حسن.
(٣) ذكر الطبري هذه الروايات الخمس بأسانيده، وأصله في الصحيح كما تقدم.
(٤) ذكره ابن منظور في لسان العرب ١٢/ ٦٢٥.
[ ٢ / ٢١٩ ]
والموت هو المنون، قال عدي بن زيد (^١) العبادي:
فقدمت الأديم لراهشيه … فألفى قوله كذبًا ومينا (^٢)
والكذب هو المين، وقد نصَّ سيبويه شيخ النحاة على جواز قول القائل: مررت بأخيك وصاحبك، ويكون الصاحب هو الأخ نفسه، والله أعلم، وأما إن روي على أنه قرآن، فإنه لم يتواتر فلا يثبت بمثل خبر الواحد قرآن، ولهذا لم يثبته أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ في المصحف، ولا قرأ بذلك أحد من القراء الذين تثبت الحجة بقراءتهم، لا من السبعة ولا غيرهم. ثم قد روي ما يدل على نسخ هذه التلاوة المذكورة في هذا الحديث، قال مسلم: حدثنا إسحاق بن راهويه، أخبرنا يحيى بن آدم، عن فضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب، قال: نزلت: (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر) فقرأناها على رسول الله ﷺ ما شاء الله، ثم نسخها الله ﷿، فأنزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فقال له زاهر رجل كان مع شقيق: أفهي العصر؟ قال: قد حدثتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله ﷿. قال مسلم: ورواه الأشجعي عن الثوري، عن الأسود، عن شقيق (^٣).
(قلت): وشقيق هذا لم يرو له مسلم سوى هذا الحديث الواحد، والله أعلم، فعلى هذا تكون هذه التلاوة وهي تلاوة الجادة ناسخة للفظ رواية عائشة وحفصة ولمعناها إن كانت الواو دالّة على المغايرة، وإلا فلفظها فقط، والله أعلم.
وقيل: إن الصلاة الوسطى هي صلاة المغرب، رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وفي إسناده نظر، فإنه رواه عن أبيه، عن أبي الجماهير، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عمه، عن ابن عباس، قال: صلاة الوسطى المغرب (^٤). وحكى هذا القول ابن جرير، عن قبيصة بن ذؤيب، وحكى أيضًا عن قتادة على اختلاف عنه (^٥)، ووجه هذا القول بعضهم بأنها وسطى في العدد بين الرباعية والثنائية، وبأنها وتر المفروضات، وبما جاء فيها من الفضلية، والله أعلم.
وقيل: إنها العشاء الأخير، اختاره علي بن أحمد الواحدي في تفسيره المشهور، وقيل: هي واحد من الخمس لا بعينها وأبهمت فيهن، كما أُبهمت ليلة القدر في الحول أو الشهر أو العشر، ويحكى هذا القول عن سعيد بن المسيب وشريح القاضي ونافع مولى ابن عمر، والربيع بن خيثم، ونقل أيضًا عن زيد بن ثابت واختاره إمام الحرمين الجويني في نهايته.
وقيل: بل الصلاة الوسطى مجموع الصلوات الخمس، رواه ابن أبي حاتم عن ابن عمر (^٦)،
_________________
(١) في الأصل: "زيد بن عدي".
(٢) البيت ورد ذكره في: الشعر والشعراء ٢٢٧.
(٣) أخرجه مسلم بسنده ومتنه (الصحيح، المساجد، باب الدليل لمن قال: الصلاة الوسطى هي صلاة العصر ح ٦٣٠).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه سعيد بن بشير: ضعيف.
(٥) لم أجده عن قتادة في رواية الطبري، أما رواية قبيصة بن ذؤيب فقد أخرجها الطبري بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن قبيصة.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق هشام بن سعد عن نافع مولى ابن عمر عنه، وفي سنده هشام بن سعد: =
[ ٢ / ٢٢٠ ]
وفي صحته أيضًا نظر، والعجب أن هذا القول اختاره الشيخ أبو عمرو بن عبد البر النمري إمام ما وراء البحر، وإنها لإحدى الكُبَر إذا اختار مع اطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا أثر. وقيل: إنها صلاة العشاء وصلاة الفجر. وقيل: بل هي صلاة الجماعة. وقيل: صلاة الجمعة. وقيل صلاة الخوف. وقيل: بل صلاة عيد الفطر. وقيل: بل صلاة الأضحى، وقيل: الوتر. وقيل: الضحى. وتوقف (^١) فيها آخرون لما تعارضت عندهم الأدلة، ولم يظهر لهم وجه الترجيح، ولم يقع الإجماع على قول واحد، بل لم يزل النزاع (^٢) فيها موجودًا من زمان الصحابة وإلى الآن.
قال ابن جرير: حدثني محمد بن بشار وابن المثنى، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا وشبك بين أصابعه (^٣).
وكل هذه الأقوال فيها ضعف بالنسبة إلى التي قبلها، وإنما المدار ومعترك النزاع في الصبح والعصر، وقد ثبت السنة بأنها العصر فتعيَّن المصير إليها. وقد روى الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي - رحمهما الله - في كتاب الشافعي ﵀، حدثنا أبي سمعت حرملة بن يحيى التجيي يقول: قال الشافعي: كل ما قلت فكان عن النبي ﷺ بخلاف قولي مما يصح، فحديث النبي ﷺ أولى ولا تقلدوني، وكذا روى الربيع والزعفراني وأحمد بن حنبل عن الشافعي، وقال موسى أبو الوليد بن أبي الجارود عن الشافعي: إذا صحَّ الحديث وقلت قولًا، فأنا راجع عن قولي وقائل بذلك، فهذا من سيادته وأمانته، وهذا نفس إخوانه من الأئمة ﵏ ورضي الله عنهم أجمعين - آمين، ومن هاهنا قطع القاضي الماوردي بأن مذهب الإمام الشافعي أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر، وإن كان قد نصَّ في الجديد وغيره أنها الصبح لصحة الأحاديث أنها العصر، وقد وافقه على هذه الطريقة جماعة من محدثي المذهب، ولله الحمد والمنة.
ومن الفقهاء في المذهب من ينكر أن تكون هي العصر مذهب الشافعي، وصمموا على أنها الصبح قولًا واحدًا، قال الماوردي: ومنهم من حكى في المسألة قولين ولتقرير المعارضات والجوابات موضع آخر غير هذا وقد أفردناه على حدة، ولله الحمد الحمد والمنة.
وقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي: خاشعين ذليلين مستكينين بين يديه، وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة لمنافاته إياها، ولهذا لما امتنع النبي ﷺ من الرد على ابن مسعود حين سلّم عليه وهو في الصلاة، اعتذر إليه بذلك وقال: "إن في الصلاة لشغلًا" (^٤). وفي صحيح مسلم أنه ﷺ قال لمعاوية بن الحكم السلمي حين تكلم في الصلاة: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وذكر الله" (^٥).
_________________
(١) = صدوق له أوهام ورمي بالتشيع (التقريب ص ٥٧٢).
(٢) في الأصل: "ويتوقف".
(٣) في الأصل: "التنازع".
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٥) متفق عليه أخرجه البخاري، الصحيح، العمل في الصلاة، باب ما ينهى من الكلام في الصلاة (ح ١١٩٩)، وصحيح مسلم، المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة (ح ٥٣٨).
(٦) صحيح مسلم، الموضع السابق (ح ٥٣٧).
[ ٢ / ٢٢١ ]
وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل، حدثني الحارث بن شبيل، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم، قال: كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي ﷺ في الحاجة في الصلاة، حتى نزلت هذه الآية ﷺ فأمرنا بالسكوت (^١)، رواه الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن إسماعيل به، وقد أشكل هذا الحديث على جماعة من العلماء حيث ثبت عندهم أن تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة قبل الهجرة إلى المدينة وبعد الهجرة إلى أرض الحبشة، كما دلَّ على ذلك حديث ابن مسعود الذي في الصحيح، قال: كنا نسلم على النبي ﷺ قبل أن نهاجر إلى الحبشة وهو في الصلاة فيردّ علينا، قال: فلما قدمنا سلمت عليه فلم يردّ عليَّ، فأخذني ما قرب وما بعد، فلما سلَّم قال: "إني لم أرد عليك إلا أني كنت في الصلاة، وإن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة" (^٢)، وقد كان ابن مسعود ممن أسلم قديمًا وهاجر إلى الحبشة، ثم قدم منها إلى مكة مع من قدم فهاجر إلى المدينة، وهذه الآية ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ مدنية بلا خلاف، فقال قائلون: إنما أراد زيد بن أرقم بقوله: كان الرجل يكلم أخاه في حاجته في الصلاة، الإخبار عن جنس الناس، واستدل على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه (^٣) منها، والله أعلم.
وقال آخرون: إنما أراد أن ذلك قد وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها، ويكون ذلك قد أبيح مرتين وحرم مرتين، كما اختار ذلك قوم من أصحابنا وغيرهم، والأول أظهر، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو يعلى: أخبرنا بشر بن الوليد، أخبرنا إسحاق بن يحيى، عن المسيب، عن ابن مسعود، قال: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فمررت برسول الله ﷺ فسلمت عليه، فلم يرد علي، فوقع في نفسي أنه نزل في شيء فلما قضى النبي ﷺ صلاته قال: "وعليك السلام أيها المسلم ورحمة الله، إن الله ﷿ يحدث من أمره ما يشاء، إذا كنتم في الصلاة فاقنتوا ولا تكلموا" (^٤).
وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾، لما أمر تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات والقيام بحدودها، وشدد الأمر بتأكيدها ذكر الحال الذي يشتغل الشخص فيها عن أدائها على الوجه الأكمل، وهي حال القتال والتحام الحرب، فقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي: فصلوا على أي حال كان رجالًا أو ركبانًا؛ يعني مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، كما قال مالك عن نافع: أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها، ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالًا على أقدامهم، أو ركبانًا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها، قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٦٨) وهو متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه، العمل في الصلاة، باب ما ينهى عن الكلام في الصلاة (ح ١٢٠٠)، وصحيح مسلم، المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة (ح ٥٣٩).
(٢) أخرجه البخاري بنحوه (الصحيح، العمل في الصلاة، باب لا يرد السلام في الصلاة ح ١٢١٧).
(٣) في الأصل: "ما فهم".
(٤) يشهد له الحديث المتفق عليه المتقدم عن ابن مسعود.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
النبي ﷺ (^١)، ورواه البخاري وهذا لفظ مسلم (^٢)، ورواه البخاري من وجه آخر عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمرو، عن النبي ﷺ نحوه أو قريبًا منه، ولمسلم أيضًا عن ابن عمر، قال: فإن كان خوف أشد من ذلك، فصل (^٣) راكبًا أو قائمًا تومى إيماءً (^٤)، وفي حديث عبد الله بن أنيس الجهني لما بعثه النبي ﷺ إلى خالد بن سفيان الهذلي ليقتله، وكان نحو عرفة أو عرفات، فلما واجهه حانت صلاة العصر، قال: فخشيت أن تفوتني فجعلت أصلي وأنا أومئ إيماءً. الحديثِ بطوله رواه أحمد وأبو داود (^٥) بإسناد جيد، وهذا من رخص الله التي رخص لعباده ووضعه الأصار والأغلال عنهم، وقد روى ابن أبي حاتم من طريق شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: في هذه الآية يصلي الراكب على دابته والراجل على رجليه، قال: وروي عن الحسن ومجاهد ومكحول والسدي والحكم ومالك والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح، نحو ذلك وزاد: ويومئ برأسه أينما توجه، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا غسان، حدثنا ذؤاد - يعني ابن علية (^٦) - عن مطرف، عن عطية، عن جابر بن عبد الله، قال: إذا كانت المسايفة فليومئ برأسه حيث كان وجهه، فذلك قوله: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، وروي عن الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وعطية والحكم وحماد وقتادة نحو ذلك (^٧)، وقد ذهب الإمام أحمد فيما نص عليه إلى أن صلاة الخوف تفعل في بعض الأحيان ركعة واحدة إذا تلاحم الجيشان، وعلى ذلك ينزل الحديث الذي رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن جرير من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري - زاد مسلم والنسائي وأيوب بن عائذ - كلاهما عن بكير بن الأخنس الكوفي، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة (^٨)، وبه قال: الحسن البصري وقتادة والضحاك وغيرهم.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن مهدي عن شعبة، قال: سألت الحكم وحمادًا وقتادة عن صلاة المسايفة، فقالوا: ركعة (^٩)، وهكذا روى الثوري عنهم سواء.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا المسعودي، حدثنا يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله، قال: صلاة الخوف ركعة (^١٠). واختار هذا القول ابن جرير.
_________________
(١) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، صلاة الخوف ١/ ١٨٤) وهو متفق عليه كما يأتي.
(٢) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] (ح ٤٥٣٥)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف (ح ٣٠٦).
(٣) في الأصل: "فصلي".
(٤) المصدر السابق.
(٥) المسند ٣/ ٤٩٦، وسنن أبي داود، الصلاة، باب صلاة الطالب (ح ١٢٤٩)، وحكم الحافظ بجودة سنده.
(٦) في الأصل: "داود بن علية" والتصويب من (عف) و(حم) والتخريج.
(٧) ذكر ابن أبي حاتم الروايتين وبقية المفسرين بحذف الإسناد، أما رواية ابن عباس فالسند حسن، وأما رواية جابر ففي السند عطية العوفي: ضعيف.
(٨) أخرجه مسلم في صحيح، صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها (ح ٦٨٧).
(٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له حديث ابن عباس المتقدم في صحيح مسلم.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
وقال البخاري: (باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو). وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة، صلوا إيماء كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء أخَّروا الصلاة حتى ينكشف القتال، ويأمنوا فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا لا يجزيهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا. وبه قال مكحول.
وقال أنس بن مالك: حَضرتُ مناهضة حصن تُستَر (^١) عند قضاءة الفجر واشتد اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصلِّ إلا بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى، ففُتح لنا.
قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها (^٢). هذا لفظ البخاري، ثم استشهد على ذلك بحديث تأخيره ﷺ صلاة العصر يوم الخندق بعذر المحاربة إلى غيبوبة الشمس، وبقوله ﷺ بعد ذلك لأصحابه لما جهزهم إلى بني قريظة: "لا يصلينَّ أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" فمنهم من أدركته الصلاة في الطريق فصلوا وقالوا: لم يُرِد منا رسول الله ﷺ إلا تعجيل السير، ومنهم من أدركته فلم يصل إلى أن غربت الشمس في بني قريظة، فلم يعنف واحدًا من الفريقين (^٣)، وهذا يدل على اختيار البخاري لهذا القول، والجمهور على خلافه، ويعولون على أن صلاة الخوف على الصفة التي ورد بها القرآن في سورة النساء، ووردت بها الأحاديث، لم تكن مشروعة في غزوة الخندق، وإنما شرعت بعد ذلك، وقد جاء مصرحًا بهذا في حديث أبي سعيد وغيره، وأما مكحول والأوزاعي والبخاري فيجيبون بأن مشروعية صلاة الخوف بعد ذلك لا تنافي جواز ذلك، لأن هذا حال نادر خاص، فيجوز فيه مثل ما قلنا بدليل صنيع الصحابة زمن عمر في فتح تُستَر وقد اشتهر ولم ينكر، والله أعلم.
وقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أي: أقيموا صلاتكم كما أمرتم، فأتموا ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها وخشوعها وهجودها، ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ أي: مثل ما أنعم عليكم وهداكم وعلمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة فقابلوه بالشكر والذكر، كقوله بعد صلاة الخوف: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] وستأتي الأحاديث الواردة في صلاة الخوف وصفاتها في سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢].
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾.
قال الأكثرون: هذه الآية منسوخة بالتي قبلها، وهي قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ
_________________
(١) بضم التاء وسكون السين وفتح التاء، بلد من بلاد الأهواز في إيران (ينظر: فتح الباري ٢/ ٤٣٥).
(٢) قال الحافظ ابن حجر: وأما قول مكحول فقال عبد بن حميد في تفسيره: أنا عمر بن سعيد الدمشقي، ثنا سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول .. وأما قصة أنس فقال ابن أبي شيبة وابن سعد في الطبقات: حدثنا عثمان بن مسلم، ثنا همام بن يحيى عن قتادة عن أنس (تغليق التعليق ٢/ ٣٧٢) وسنده صحيح.
(٣) صحيح البخاري، كتاب الخوف، باب الصلاة عند مناهضة العدو (ح ٩٤٦).
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. قال البخاري: حدثنا أُمية، حدثنا يزيد بن زريع، عن حبيب، عن ابن أبي مليكة، قال ابن الزبير: قلت لعثمان بن عفان: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها، قال: يا ابن أخي، لا أغير شيئًا منه من مكانه (^١).
ومعنى هذا الإشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان: إذا كان حكمها قد نسخ بالأربعة الأشهر فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها، وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها؟ فأجابه أمير المؤمنين، بأن هذا أمر توقيفي، وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها، فأثبتها حيث وجدتها.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ فكان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة، فتنسخها آية المواريث فجعل لهن الثمن أو الربع مما ترك الزوج (^٢)، ثم قال: وروي عن أبي موسى الأشعري وابن الزبير ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك وزيد بن أسلم والسدي ومقاتل بن حيان وعطاء الخراساني والربيع بن أنس أنها منسوخة (^٣).
وروي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله، ثم أنزل الله بعد ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فهذه عدة المتوفى عنها زوجها، إلا أن تكون حاملًا، فعدتها أن تضع ما في بطنها، وقال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢] فبين ميراث المرأة وترك الوصية والنفقة (^٤).
قال: وروي عن مجاهد والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك والربيع ومقاتل بن حيان، قالوا: نسختها ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. قال: وروي عن سعيد بن المسيب، قال: نسختها التي في الأحزاب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية (^٥) [الأحزاب: ٤٩].
(قلت): وروي عن [مقاتل] (^٦) وقتادة أنها منسوخة بآية الميراث.
_________________
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا …﴾ [البقرة: ٢٣٤] ح ٤٥٣٠).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، في سنده عطاء الخراساني صدوق يهم كثيرًا ولم يسمع من ابن عباس شيئًا (المراسيل ١٥٧)، وسنده ضعيف وقد توبع فقد أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه ويشهد له الروايات التالية.
(٣) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول ابن الزبير تقدم في رواية البخاري السابقة، وقول مجاهد وإبراهيم النخعي أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.
(٥) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٦) سقط من الأصل لفظ: "مقاتل"، واستدرك من (عف) و(حم) و(ح).
[ ٢ / ٢٢٥ ]
وقال البخاري: حدثنا إسحاق بن راهويه (^١)، حدثنا روح، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قال: كانت هذه للمعتدة، تعتد عند أهل زوجها واجب. فأنزل الله ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ قال: جعل الله تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة، وصية إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ فالعدة كما هي واجب عليها، زعم ذلك عن مجاهد ﵀.
وقال عطاء: قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت، وهو قول الله تعالى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهلها وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، لقول الله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ﴾ قال عطاء: ثم جاء الميراث، فنسخ السكنى فتعتد حيث شاءت، ولا سكنى لها (^٢). ثم أسند البخاري عن ابن عباس مثل ما تقدم عنه بهذا القول (^٣)، الذي عول عليه مجاهد وعطاء، من أن هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة، كما زعمه الجمهور، حتى يكون ذلك منسوخًا بالأربعة الأشهر وعشر، وإنما دلت على أن ذلك كان من باب الوصاة بالزوجات بأن يمكّنْ من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولًا كاملًا إن اخترن ذلك، ولهذا قال: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ أي: يوصيكم الله بهن وصية كقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية [النساء: ١١]، وقوله: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢] وقيل: إنما انتصب على معنى: فلتوصوا بهن وصية. وقرأ آخرون بالرفع وصية على معنى: كتب عليكم وصية (^٤)، واختارها ابن جرير، ولا يمنعنه من ذلك لقوله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ فأما إذا انقضت عدتهن بالأربعة أشهر والعشر، أو بوضع الحمل، واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل، فإنهن لا يمنعن من ذلك لقوله: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ وهذا القول له اتجاه، وفي اللفظ مساعدة له، وقد اختاره جماعة منهم الإمام أبو العباس بن تيمية ورده آخرون، منهم الشيخ أبو عمر بن عبد البر، وقول عطاء ومن تابعه، على أن ذلك منسوخ بآية الميراث، إن أرادوا ما زاد على الأربعة أشهر والعشر فمسلَّم، وإن أرادوا أن سكنى الأربعة أشهر وعشر لا تجب في تركة الميت، فهذا محل خلاف بين الأئمة وهما قولان للشافعي ﵀، وقد استدلوا على وجوب السكنى في منزل الزوج، بما رواه مالك في موطئه، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة، أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري ﵄، أخبرتها أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا (^٥) حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه، قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة، فإن زوجي لم يتركني في مسكن (^٦) يملكه ولا نفقة، قالت: فقال
_________________
(١) كلمة "راهويه" بياض في الأصل.
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] ح ٤٥٣١).
(٣) المصدر السابق.
(٤) وهي قراءة متواترة أيضًا.
(٥) أي: عبيد له هربوا.
(٦) في الأصل: "منزل"، وما أثبت من (عف) و(حم) والتخريج.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
رسول الله ﷺ: "نعم" قالت: فانصرفت حتى إذا كنت في الحجر ناداني رسول الله ﷺ أو أمر بي فنوديت له فقال: "كيف قلت؟ " فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، فقال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" قالت: فاعتددتُ فيه أربعة أشهر وعشرًا، قالت: فلما كان عثمان بن عفان أرسل إليَّ فسألني عن ذلك، فأخبرته فاتبعه وقضى به (^١). وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث مالك به. ورواه النسائي أيضًا وابن ماجه من طرق عن سعد بن إسحاق به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٢).
وقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لما نزل قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]: قال رجل: إن شئت أحسنت ففعلت، وإن شئت لم أفعل، فأنزل الله هذه الآية ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ (^٣).
وقد استدل بهذه الآية، من ذهب من العلماء، إلى وجوب المتعة لكل مطلقة، سواء كانت مفوضة، أو مفروضًا لها، أو مطلقة قبل المسيس، أو مدخولًا بها، وهو قول عن الشافعي ﵀، وإليه ذهب سعيد بن جبير، وغيره من السلف (^٤)، واختاره ابن جرير، ومن لم يوجبها مطلقًا، يخصص من هذا العموم مفهوم قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة] وأجاب الأولون بأن هذا من باب ذكر بعض أفراد العموم، فلا تخصيص على المشهور المنصوص، والله أعلم.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: في إحلاله وتحريمه وفروضه وحدوده، فيما أمركم ونهاكم عنه، بينه ووضحه وفسره، ولم يتركه مجملًا في وقت احتياجكم إليه ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمون وتتدبرون.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾.
روي عن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف (^٥). وعنه كانوا ثمانية آلاف.
_________________
(١) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الطلاق، باب مقام المتوفى عنها زوجها .. ٢/ ٥٩١ ح ٨٧).
(٢) سنن أبي داود، الطلاق، باب في المتوفى عنها تنتقل (ح ٢٣٠٠)، وسنن الترمذي، الطلاق، باب ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها (ح ١٢٠٤)، وسنن النسائي، الطلاق، باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها (ح ٣٥٢٨)، وسنن ابن ماجه، الطلاق، باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها؟ (ح ٢٠٣١)، وصححه الترمذي، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٦٥١).
(٣) أخرجه الطبري من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد به، وسنده معضل ضعيف.
(٤) تقدم هذا القول في الآية ٣٦، من هذه السورة.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ميسرة النهدي عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عنه.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وقال أبو صالح: تسعة آلاف (^١)، وعن ابن عباس: أربعون ألفًا.
وقال وهب بن منبه (^٢) وأبو مالك: كانوا بضعة وثلاثين ألفًا (^٣).
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: كانوا أهل قرية يقال لها: داوردان (^٤). وكذا قال السدي وأبو صالح وزاد: من قِبَل واسط.
وقال سعيد بن عبد العزيز: كانوا من أهل أذرعات (^٥).
وقال ابن جريج، عن عطاء قال: هذا مثل (^٦). وقال علي بن عاصم: كانوا من أهل داوردان قرية على فرسخ من قِبَل واسط.
وقال وكيع بن الجراح في تفسيره: حدثنا سفيان عن ميسرة بن حبيب النهدي، عن المنهال بن عمرو الأسدي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ قال: كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارًا من الطاعون قالوا: نأتي أرضًا ليس بها موت حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال الله لهم: ﴿مُوتُوا﴾ فماتوا، فمر عليهم نبي من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم، فذلك قوله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ الآية (^٧). وذكر غير واحد من السلف، أن هؤلاء القوم، كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل استوخموا أرضهم، وأصابهم بها وباء شديد، فخرجوا فرارًا من الموت، إلى البرية، فنزلوا واديًا أفيح، فملؤوا ما بين عدوتيه، فأرسل الله إليهم ملكين، أحدهما من أسفل الوادي، والآخر من أعلاه، فصاحا بهم صيحة واحدة، فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد، فحيزوا إلى حظائر، وبني عليهم جدران وقبور، وفنوا (^٨) وتمزقوا وتفرقوا، فلما كان بعد دهر، مرّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل، يقال له: حزقيل، فسأل الله أن يحييهم على يديه، فأجابه إلى ذلك، وأمره أن يقول: أيتها العظام البالية، إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض، ثم أمره فنادى: أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحمًا وعصبًا وجلدًا، فكان ذلك وهو يشاهده، ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح، إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره فقاموا أحياءً ينظرون قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة وهم يقولون: سبحانك لا إله إلا أنت (^٩).
وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة، ولهذا قال:
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه.
(٢) أخرج الطبري بسند حسن عن وهب بن منبه أنهم أربعة آلاف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق السدي عن أبي مالك.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق النضر بن عبد الرحمن عن عكرمة عنه، والنضر متروك (ميزان الاعتدال ٤/ ٢٦٠، والتقريب ٢/ ٣٠٢)، وداوردان بين أنها قرية قريبة من واسط، وهي مدينة جنوب بغداد.
(٥) أذرعات: مدينة قرب عمان في الشام. وهذه الأقوال الثلاثة ذكرها ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إبراهيم بن عبد الله الهروي عن ابن جريج به.
(٧) سنده حسن، وهذه الرواية من الإسرائيليات التاريخية المسكوت عنها في شريعتنا.
(٨) سقط لفظ: "وفنوا"، واستدرك من (عف) و(حم) و(ح).
(٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، والخبر من الإسرائيليات وقد ساقها الحافظ ابن كثير للعبرة والموعظة، إذ صرح بذلك مرتين.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أي: فيما يريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة والدلالات الدامغة ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ أي: لا يقومون بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم. وفي هذه القصة عبرة ودليل، على أنه لن يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، فإن هؤلاء خرجوا فرارًا (^١) من الوباء، طلبًا لطول الحياة، فعوملوا بنقيض قصدهم، وجاءهم الموت سريعًا في آن واحد.
ومن هذا القبيل، الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، أخبرنا مالك وعبد الرزاق، أخبرنا معمر كلاهما، عن الزهري، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن عباس، أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ (^٢)، لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام … فذكر الحديث، فجاءه عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيبًا لبعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علمًا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه" فحمد الله عمر ثم انصرف (^٣)، وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به أبطريق أخرى لبعضه (^٤).
قال أحمد: حدثنا حجاج ويزيد العمى، قالا: أخبرنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سالم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر وهو في الشام، عن النبي ﷺ: "أن هذا السقم عذب به الأُمم قبلكم فإذا سمعتم به في أرض، فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه" قال: فرجع عمر من الشام (^٥). وأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك، عن الزهري بنحوه.
وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)﴾ أي: كما أن الحذر لا يغني من القدر، كذلك الفرار من الجهاد وتجنبه، لا يقرب أجلًا ولا يباعده، بل الأجل المحتوم والرزق المقسوم مقدر مقنن لا يزاد فيه ولا ينقص منه، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾ [آل عمران: ١٦٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء] وروينا عن أمير الجيوش، ومقدم العساكر، وحامي حوزة الإسلام، وسيف الله المسلول على أعدائه: أبي سليمان خالد بن الوليد ﵁، أنه قال وهو في سياق الموت: لقد شهدت كذا وكذا موقفًا، وما من عضو
_________________
(١) في الأصل: "فروا" والمثبت من (عف) و(حم) و(مح).
(٢) سَرْغ - بفتح السين وسكون الراء -: وادي بالقرب من مدينة تبوك يبعد عن المدينة ثلاث عشرة مرحلة (ينظر: فتح الباري ١٠/ ١٨٤).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢١٤ ح ١٦٨٣)، وهو متفق عليه أخرجه البخاري من مالك به (صحيح البخاري، الطب، باب ما يذكر في الطاعون ح ٥٧٣٠)، وصحيح مسلم، السلام (ح ٢٢١٩).
(٤) تقدم تخريجه في الحاشية السابقة.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢١١ ح ١٦٧٨)، وأخرجه الشيخان كما في الحديث السابق المتقدم.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
من أعضائي إلا وفيه رمية [أو طعنة أو ضربة وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء، يعني: أنه يتألم لكونه ما مات قتيلًا في الحرب، ويتأسف على ذلك، ويتألم أن يموت على فراشه.
وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾، يحث تعالى عباده على الإنفاق في سبيل الله، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع، وفي حديث النزول أنه يقول تعالى: "من يقرض غير عديم ولا ظلوم" (^١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود، قال: لما نزلت ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾، قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله ﷿ ليريد منا القرض؟ قال: "نعم يا أبا الدحداح". قال: أرني يدك رسول الله. قال: فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي ﷿ حائطي، قال: وحائط له فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها. قال فجاء أبو الدحداح فنادها: يا أم الدحداح. قالت: لبيك. قال: اخرجي، فقد أقرضته ربي ﷿ (^٢). وقد رواه ابن مردويه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عمر ﵁ مرفوعًا بنحوه (^٣).
وقوله: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ روي عن عمر وغيره من السلف: هو النفقة في سبيل الله (^٤).
وقيل: هو النفقة على العيال (^٥).
وقيل: هو التسبيح والتقديس (^٦).
وقوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]، وسيأتي الكلام عليها.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، قال: أتيت أبا هريرة ﵁، فقلت له: إنه بلغنى أنك تقول: إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة، قال: وما أعجبك من ذلك، لقد سمعته من النبي ﷺ يقول: "إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة" (^٧).
_________________
(١) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (الصحيح، صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر ح ١٧١).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده حميد بن عطاء الأعرج: ضعيف (الجرح والتعديل ٣/ ٢٢٦)، ولقصة أبي الدحداح أصل في صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب ركوب المصلي على الجنازة إذا انصرف (ح ٩٦٥).
(٣) في سنده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ضعيف ويتقوى بما سبق.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن أبي كثير الأنصاري عن عمر بن الخطاب وموسى لم يسمع من عمر، وسنده ضعيف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن زيد بن أسلم، وسنده حسن.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن حيان التيمي عن شيخ لهم.
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (٧٩٣٢)، وصححه أحمد شاكر وضعفه الحافظ ابن كثير، وهو كما قال وقد روي من وجه آخر كما سيأتي.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
هذا حديث غريب، وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير، لكن رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال: حدثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد المؤدب، حدثنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا محمد بن عقبة الرفاعي، عن زياد الجصاص، عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يكن أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني، فقدم قبلي حاجًا، قال: وقدمت بعده، فإذا أهل البصرة يأثرون عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: "إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة" فقلت: ويحكم، والله ما كان أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني، فما سمعت هذا الحديث، قال: فتحملت أريد أن ألحقه فوجدته قد انطلق حاجًا، فانطلقت إلى الحج ألقاه في هذا الحديث، فلقيته لهذا، فقلت: يا أبا هريرة، ما حديث سمعت أهل البصرة يأثرون عنك؟ قال: ما هو؟ قلت: زعموا أنك تقول: إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة، قال: يا أبا عثمان، وما تعجب من ذا، والله يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ ويقول: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]؟ والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله ﷺ، يقول: "إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة" (^١). وفي معنى هذا الحديث ما رواه الترمذي وغيره من طريق عمرو بن دينار، عن سالم، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أن رسول الله ﷺ، قال: "من دخل سوقًا من الأسواق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة" الحديث (^٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة إسماعيل بن إبراهيم بن بسام، حدثنا أبو إسماعيل المؤدب، عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لما نزلت ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ …﴾ [البقرة: ٢٦١] إلى آخرها، فقال رسول الله ﷺ: "ربِّ زد أمتي"، فنزلت ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾. قال: "ربِّ زد أمتي"، فنزلت ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] (^٣). وروى ابن أبي حاتم أيضًا، عن كعب الأحبار: أنه جاءه رجل فقال: إني سمعت رجلًا يقول: من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص] مرة واحدة، بنى الله له عشرة آلاف ألف غرفة من درّ وياقوت في الجنة، أفأصدق بذلك؟ قال: نعم، أو عجبت من ذلك؟ قال: نعم، وعشرين ألف ألف وثلاثين ألف ألف وما لا يحصي ذلك إلا الله، ثم قرأ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ فالكثير من الله لا يحصى (^٤).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ أي: أنفقوا ولا تبالوا، فالله هو الرازق يضيق على من يشاء من
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده زياد بن أبي زياد الجصاص: ضعيف (التقريب ١/ ٢٦٧).
(٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه ثم قال: عمرو بن دينار شيخ بصري وهو ليس بالقوي في الحديث (السنن، الدعوات ح ٣٤٢٩ وضعفه الحافظ ابن حجر في التقريب ص ٤٢١).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عيسى بن المسيب البجلي: وهو ضعيف (ميزان الاعتدال ٣/ ٣٢٣).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق همام بن الحارث عن كعب به.
[ ٢ / ٢٣١ ]
عباده في الرزق، ويوسعه على آخرين، له الحكمة البالغة في ذلك ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم القيامة.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾.
قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: هذا النبي هو يوشع بن نون (^١).
قال ابن جرير: يعني: ابن أفرائيم بن يوسف بن يعقوب.
وهذا القول بعيد لأن هذا كان بعد موسى بدهر طويل، وكان ذلك في زمان داود ﵇، كما هو مصرح به في القصة، وقد كان بين داود وموسى ما ينيف عن ألف سنة، والله أعلم.
وقال السدي: هو شمعون (^٢).
وقال مجاهد: هو شمويل ﵇ (^٣).
وكذا قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: وهو شمويل بن بالي بن علقمة بن برخان بن اليهو بن تهو بن صوف بن علقمة بن ماحث بن عموصا بن عزريا بن صفية بن علقمة بن أبي ياسف بن قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵇ (^٤).
وقال وهب بن منبه وغيره: كان بنو إسرائيل بعد موسى ﵇ على طريق الاستقامة مدة من الزمان، ثم أحدثوا الأحداث، وعبد بعضهم الأصنام، ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويقيمهم على منهج التوراة، إلى أن فعلوا ما فعلوا، فسلط الله عليهم أعداءهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا خلقًا كثيرًا، وأخذوا منهم بلادًا كثيرة، ولم يكن أحد يقاتلهم إلا غلبوه، وذلك أنهم كان عندهم التوراة، والتابوت الذي كان في قديم الزمان، وكان ذلك موروثًا لخلفهم عن سلفهم إلى موسى الكليم ﵊، فلم يزل بهم تماديهم على الضلال حتى استلبه منهم بعض الملوك في بعض الحروب، وأخذوا التوراة من أيديهم، ولم يبق من يحفظها فيهم إلا القليل، وانقطعت النبوة من أسباطهم، ولم يبق من سبط لاوي الذي يكون فيه الأنبياء إلا امرأة حامل من بعلها وقد قتل، فأخذوها فحبسوها في بيت، واحتفظوا بها لعلَّ الله يرزقها غلامًا يكون نبيًا لهم، ولم تزل المرأة تدعو الله ﷿ أن يرزقها غلامًا، فسمع الله لها ووهبها غلامًا، فسمته: شمويل؛ أي سمع الله دعائي، ومنهم من يقول:
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه سنيد بلفظ: شمؤل.
(٤) هذه رواية ابن إسحاق أخرجها الطبري بسند ضعيف فيه محمد بن حميد الرازي. وأما لفظ: "وهب " أخرجه الطبري بلفظ: شمويل. بدون النسب الذي سرده ابن إسحاق.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
شمعون، وهو بمعناه، فشبَّ ذلك الغلام، ونشأ فيهم، أنبته الله نباتًا حسنًا، فلما بلغ سن الأنبياء أوحى الله إليه، وأمره بالدعوة إليه وتوحيده، فدعا بني إسرائيل، فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكًا يقاتلون معه أعداءهم، وكان الملك أيضًا قد باد فيهم، فقال لهم النبي: فهل عسيتم إن أقام الله لكم ملكًا ألا تقاتلوا وتفوا بما التزمتم من القتال معه، ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ أي: وقد أخذت منا البلاد وسبيت الأولاد، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ أي: ما وفوا بما وعدوا بل نكل عن الجهاد أكثرهم، والله عليم بهم (^١).
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾.
أي: لما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكًا منهم، فعين لهم طالوت، وكان رجلًا من أجنادهم، ولم يكن من بيت الملك فيهم، لأن الملك كان في سبط يهوذا، ولم يكن هذا من ذلك السبط، فلهذا قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ أي: كيف يكون ملكًا علينا ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾؟ أي: هو مع هذا فقير لا مال له يقوم بالملك، وقد ذكر بعضهم أنه كان سقاء، وقيل: دباغًا، وهذا اعتراض منهم على نبيهم وتعنت، وكان الأولى بهم طاعة وقول معروف، ثم قد أجابهم النبي قائلًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: اختاره لكم من بينكم، والله أعلم به منكم، يقول: لست أنا الذي عينته من تلقاء نفسي، بل الله أمرني به لما طلبتم مني ذلك، ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ أي: وهو مع هذا، أعلم منكم، وأنبل، وأشكل منكم، وأشد قوة وصبرًا في الحرب ومعرفة بها، أي: أتمّ علمًا وقامة منكم، ومن ههنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: هو الحاكم الذي ما شاء فعل، ولا يُسأل عما يفعل] (^٢) وهم يسألون لعلمه وحكمته ورأفته بخلقه، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: هو واسع الفضل، يختص برحمته من يشاء، عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحقه.
﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾.
يقول لهم نبيهم: إن علامة بركة ملك طالوت عليكم، أن يرد الله عليكم التابوت الذي كان أخذ منكم ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قيل: معناه: فيه وقار وجلالة.
_________________
(١) هذه الرواية من الإسرائيليات التي تنقل عن وهب بن منبه وهو مشهور برواية الإسرائيليات.
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل وهو قدر لوحة واستدرك من (عف) و(حم) و(مح) و(ح) وفي (عف) نصف لوحة فيها بياض.
[ ٢ / ٢٣٣ ]
قال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ أي: وقار (^١).
وقال الربيع: رحمة (^٢)، وكذا روي عن العوفي، عن ابن عباس (^٣).
وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؟ قال: ما يعرفون من آيات الله فيسكنون إليه (^٤)، وقيل: السكينة طست من ذهب، كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء (^٥)، أعطاها الله موسى ﵇، فوضع فيها الألواح، ورواه السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس (^٦).
وقال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن علي، قال: السكينة لها وجه كوجه الإنسان، ثم هي روح هفافة (^٧).
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة وحماد بن سلمة وأبو الأحوص كلهم، عن سماك، عن خالد بن عرعرة، عن علي، قال: السكينة ريح خجوج، ولها رأسان (^٨). وقال مجاهد: لها جناحان وذنب (^٩).
وقال محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: السكينة رأس هرة ميتة إذا صرخت في التابوت بصراخ هرٍ، أيقنوا بالنصر، وجاءهم الفتح (^١٠).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا بكار بن عبد الله، أنه سمع وهب بن منبه يقول: السكينة روح من الله تتكلم، إذا اختلفوا في شيء تكلم، فتخبرهم ببيان ما يريدون (^١١).
وقوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ قال ابن جرير: أخبرنا ابن مثنى، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، في هذه الآية ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ قال: عصاه، ورضاض الألواح (^١٢)، وكذا قال قتادة والسدي والربيع بن أنس وعكرمة (^١٣)، وزاد: والتوراة (^١٣).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ولفظه، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه الطبري بسند فيه شيخ الطبري مبهم ويتقوى بالرواية في الحاشية التالية، والربيع هو ابن أنس.
(٣) هذا القول أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سنيد عن حجاج عن ابن جريج به وسنيد: ضعيف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عيسى بن عمر عن السدي، وهذه الرواية من الإسرائيليات المسكوت عنها.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف جدًّا من طريق الحكم بن ظهير عن السدي به، والحكم بن ظهير متروك ورمي بالرفض واتهمه ابن معين بالكذب (ينظر التقريب ص ١٧٥).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سفيان به، وعلي هو ابن أبي طالب.
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو يخالف سابقه.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(١٠) وهذه من الإسرائيليات التي لا داعي لذكرها إلا على سبيل بيان ضعفها وغرابتها.
(١١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه وهو كسابقه. وفي سنده بكار بن عبد الله قال ابن أبي حاتم: ليس بالقوي. ينظر لسان الميزان (٢/ ٤٣).
(١٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفيه داود بن أبي هند ثقة لكنه لم يجزم أنه عن ابن عباس بل قال: أحسبه عن ابن عباس.
(١٣) هذه الأقوال الأربعة أخرجها الطبري بأسانيد حسان.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
قال أبو صالح: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى﴾ يعني: عصا موسى، وعصا هارون، ولوحين من التوراة، والمن (^١).
وقال عطية بن سعد: عصا موسى، وعصا هارون، وثياب موسى، وثياب هارون، ورضاض الألواح (^٢).
وقال عبد الرزاق: سألت الثوري عن قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾، فقال: منهم من يقول: قفيز من مَنّ، ورضاض الألواح، ومنهم من يقول: العصا والنعلان (^٣).
وقوله: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قال ابن جريج: قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت والناس ينظرون (^٤).
قال السدي: أصبح التابوت في دار طالوت، فآمنوا بنبوة شمعون، وأطاعوا طالوت (^٥).
وقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن بعض أشياخه، جاءت به الملائكة تسوقه على عجلة على بقرة (^٦)، وقيل: على بقرتين (^٧). وذكر غيره: أن التابوت كان بأريحا، وكان المشركون لما أخذوه ووضعوه في بيت آلهتهم تحت صنمهم الكبير فأصبح التابوت على رأس الصنم فأنزلوه فوضعوه تحته، فأصبح كذلك، فسمروه تحته، فأصبح الصنم مكسور القوائم، ملقى بعيدًا، فعلموا أن هذا أمر من الله لا قبل لهم به، فأخرجوا التابوت من بلدهم، فوضعوه في بعض القرى، فأصاب أهلها داء في رقابهم، فأمرتهم جارية من سبي بني إسرائيل أن يردّوه إلى بني إسرائيل حتى يخلصوا من هذا الداء، فحملوه على بقرتين فسارتا به، لا يقربه أحد إلا مات، حتى اقتربتا من بلد بني إسرائيل، فكسرتا النيرين ورجعتا، وجاء بنو إسرائيل فأخذوه، فقيل: إنه تسلّمه داود ﵇، وإنه لما قام إليهما خجل من فرحه بذلك (^٨)، وقيل: شابان منهم، فالله أعلم وقيل: كان التابوت بقرية من قرى فلسطين يقال لها: أزدرد.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ﴾ أي: على صدقي فيما جئتكم به من النبوة، وفيما أمرتكم به من طاعة طالوت ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بالله واليوم الآخر.
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾.
يقول تعالى مخبرًا عن طالوت ملك بني إسرائيل حين خرج في جنوده، ومن أطاعه من ملأ
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح (السنن، التفسير رقم ٤٢٢) وسنده صحيح إلى أبي صالح، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن إسماعيل به.
(٢) أخرجه الطبري من طريق عبد الله بن إدريس عن أبيه عن عطية، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه عبد الرزاق عن الثوري، وسنده صحيح.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وابن جريج لم يدرك ابن عباس.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٦) أخرجه عبد الرزاق عن الثوري به، وسنده صحيح.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن وهب بن منبه.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن وهب، وهذه الرواية من الإسرائيليات.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
بني إسرائيل، وكان جيشه يومئذٍ فيما ذكره السدي ثمانين ألفًا (^١)، فالله أعلم، أنه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ أي: مختبركم بنهر.
قال ابن عباس وغيره: وهو نهر بين الأردن وفلسطين (^٢)، يعني: نهر الشريعة المشهور، ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أي: فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ أي: فلا بأس عليه، قال الله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾.
قال ابن جريج: قال ابن عباس: من اغترف منه بيده روي، ومن شرب منه لم يرو (^٣). وكذا رواه السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس (^٤). وكذا قال قتادة وابن شوذب (^٥).
وقال السدي: كان الجيش ثمانين ألفًا، فشرب منه ستة وسبعون ألفًا، وتبقى معه أربعة آلاف، كذا قال (^٦).
وقد روى ابن جرير من طريق إسرائيل وسفيان الثوري ومسعر بن كدام، عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء بن عازب، قال: كنا نتحدث أن أصحاب محمد ﷺ، الذي كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، وما جازه معه إلا مؤمن. ورواه البخاري عن عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق، عن جده، عن البراء قال: (كنا أصحاب محمد ﷺ نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة) ثم رواه من حديث سفيان الثوري، وزهير عن أبي إسحاق عن البراد بنحوه (^٧)، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ أي: استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوهم لكثرتهم، فشجعهم علماؤهم العالمون بأن وعد الله حق، فإن النصر من عند الله ليس عن كثرة عَدد ولا عُدد. ولهذا قالوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾.
أي: لما واجه حزب الإيمان، وهم قليل من أصحاب طالوت، لعدوهم أصحاب جالوت،
_________________
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه. وتعقبهُ الحافظ ابن كثير فقال: وقول السدي: إن عدة الجيش كانوا ثمانين ألف. فيه نظر، لأن أرض بيت المقدس لا تحتمل أن يجتمع فيها جيش مقاتلته يبلغون ثمانون ألفًا (البداية والنهاية ٢/ ٢٩٥).
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن ابن عباس، وابن جريج لم يسمع ابن عباس.
(٣) أخرجه الطبري كسابقه.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق رجل مبهم عن السدي به. وسنده ضعيف وهو مخالف لما في الصحيح: ثلاثمائة وبضعة عشر.
(٥) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر، وقول ابن شوذب، أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ضمرة بن ربيعة عنه.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح وأخرجه البخاري من طريق إسرائيل به (الصحيح، المغازي ح ٣٩٥٧).
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وهم عدد كثير ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: أنزل علينا صبرًا من عندك ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي: في لقاء الأعداء، وجنبنا الفرار والعجز ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ ذكروا في الإسرائيليات (^١) أنه قتله بمقلاع كان في يده، رماه به فأصابه فقتله، وكان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوِّجه ابنته، ويشاطره نعمته، ويشركه في أمره، فوفى له ثم آل الملك إلى داود ﵇ مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ الذي كان بيد طالوت ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: النبوة بعد شمويل ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ أي: مما يشاء الله من العلم الذي اختصّ به ﷺ ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ أي: لولاه يدفع عن قوم بآخرين كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ الآية [الحج: ٤٠].
وقال ابن جرير: حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حفص بن سليمان، عن محمد بن سوقة، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء" ثم قرأ ابن عمر: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (^٢) وهذا إسناد ضعيف فإن يحيى بن سعيد هذا، هو ابن العطار الحمصي، وهو ضعيف جدًّا.
ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو حميد الحمصي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده، وولد ولده، وأهل دويرته، ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ﷿، ما دام فيهم" (^٣)، وهذا أيضًا غريب ضعيف لما تقدم أيضًا.
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا علي بن إسماعيل بن حماد، أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد، أخبرنا زيد بن الحباب، حدثني حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان رفع الحديث، قال: "لا يزال فيكم سبعة بهم تُنصرون، وبهم تُمطرون، وبهم تُرزقون، حتى يأتي أمر الله" (^٤).
وقال ابن مردويه أيضًا (^٥): وحدثنا محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن جرير بن يزيد، حدثنا أبو معاذ نهار بن معاذ بن عثمان الليثي، أخبرنا زيد بن الحباب، أخبرني عمر البزار عن عنبسة الخواص، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن عبادة بن الصامت، قال
_________________
(١) ورد هذا الخبر في تفسير عبد الرزاق والطبري من طريق بكار بن عبد الله عن وهب بن منبه. وبكار قال ابن أبي حاتم فيه: ليس بالقوي (ينظر: لسان الميزان ٢/ ٤٣).
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكم عليه الحافظ ابن كثير بضعف الإسناد.
(٣) كسابقه.
(٤) في سنده زيد بن الحباب: وهو كثير الخطأ (ينظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٤٠٤).
(٥) قوله: "وقال ابن مردويه أيضًا"، زيادة من (عف).
[ ٢ / ٢٣٧ ]
رسول الله ﷺ: "الأبدال في أمتي ثلاثون، بهم تُرزقون، وبهم تُمطرون، وبهم تُنصرون" قال قتادة: إني لأرجو أن يكون الحسن منهم (^١).
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي: ذو منّ عليهم ورحمة بهم، يدفع عنهم ببعضهم بعضًا، وله الحكم والحكمة والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله.
ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: هذه آيات الله التي قصصناها عليك من أمر الذين ذكرناهم بالحق، أي: بالواقع الذي كان عليه الأمر المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق الذي يعلمه علماء بني إسرائيل، ﴿وَإِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وهذا توكيد وتوطئة للقسم.
﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾.
يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقال ههنا: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ يعني موسى ومحمد ﷺ، وكذلك آدم كما ورد به الحديث المروي في صحيح ابن حبان عن أبي ذرٍّ ﵁ (^٢).
﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ كما ثبت في حديث الإسراء حين رأى النبي ﷺ، الأنبياء في السماوات بحسب تفاوت منازلهم عند الله ﷿ (^٣)، (فإن قيل): فما الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الثابت في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال اليهودي في قسم يقسمه: لا والذي اصطفى موسى على العالمين. فرفع المسلم يده، فلطم بها وجه اليهودي، فقال: أي خبيث، وعلى محمد ﷺ؟ فجاء اليهودي إلى النبي ﷺ، فاشتكى على المسلم، فقال رسول الله ﷺ: "لا تفضلوني على الأنبياء، فإن الناس يُصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشًا بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟ فلا تفضلوني على الأنبياء" وفي رواية: "لا تفضلوا بين الأنبياء؟ " (^٤).
فالجواب من وجوه:
(أحدها): أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل، وفي هذا نظر.
(الثاني): أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد من طريق الحسن بن ذكوان عن عبد الواحد بن قيس عن عبادة بنحوه ثم قال: وهو منكر (المسند ٣٧/ ٤١٣ ح ٢٢٧٥١).
(٢) سيأتي تخريجه في مطلع سورة الإسراء آية ٥٥.
(٣) سيأتي ذكره في مطلع سورة الإسراء بعدة روايات.
(٤) صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب وفاة موسى، وذكره بعد (ح ٣٤٠٨)، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل (ح ٢٣٧٣).
[ ٢ / ٢٣٨ ]
(الثالث): أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر.
(الرابع): لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية.
(الخامس): ليس مقام التفضيل إليكم، وإنما هو إلى الله ﷿، وعليكم الانقياد والتسليم له، والإيمان به.
وقوله: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الحجج والدلائل القاطعات على صحة ما جاء بني إسرائيل به من أنه عبد الله ورسوله إليهم ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ يعني: أن الله أيده بجبريل ﵇، ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ أي: بل كل ذلك عن قضاء الله وقدره، لهذا قالوا: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾.
يأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم في سبيله، سبيل الخير، ليدّخروا ثواب ذلك عند ربهم ومليكهم، وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ يعني: يوم القيامة ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ أي: لا يباع أحد من نفسه ولا يفادي بمال لو بذله، ولو جاء بملء الأرض ذهبًا، ولا تنفعه خلة أحد، يعني: صداقته بل ولا نسابته، كما قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون: ١٠١] ولا شفاعة: أي: ولا تنفعهم شفاعة الشافعين.
وقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ محصور في خبره، أي: ولا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذٍ كافرًا، وقد روى ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ولم يُقل: والظالمون: هم الكافرون (^١).
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾.
هذه آية الكرسي، ولها شأن عظيم، وقد صحَّ الحديث عن رسول الله ﷺ، بأنها أفضل آية في كتاب الله.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن سعيد الجريري، عن أبي السليل، عن عبد الله بن رباح، عن أُبي هو: ابن كعب، أن النبي ﷺ، سأله: "أي آية في كتاب الله أعظم"؟ قال الله ورسوله أعلم، فردَّدها مرارًا (^٢)، ثم قال: آية الكرسي، قال: "ليهنكَ العلم أبا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق عمر بن سليمان عن عطاء بن دينار.
(٢) في الأصل: "مرر".
[ ٢ / ٢٣٩ ]
المنذر، والذي نفسي بيده، إن لها لسانًا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش" (^١)، وقد رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن الجريري به، وليس عنده زيادة: "والذي نفسي بيده … " إلخ (^٢).
(حديث آخر) عن أبي أيضًا في فضل آية الكرسي، قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا مبشر عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدة بن أبي لبابة، عن عبد الله بن أُبي بن كعب، أن أباه أخبره أنه كان له جُرْن (^٣) فيه تمر، قال: فكان أبي يتعاهده، فوجده ينقص، قال: فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابة شبيه الغلام المحتلم، فسلمت عليه، فردّ السلام، قال: فقلت: ما أنت؟ جنّي أم أنسي؟ قال: جنّي. قال: ناولني يدك، قال: فناولني يده، فإذا يد كلب وشعر كلب، فقلت: هكذا خلق الجنّ. قال: لقد علمت الجنّ ما فيهم أشد مني. قلت: فما حملك على ما صنعت؟ قال: بلغنى أنك رجل تحب الصدقة، فأحببنا أن نصيب من طعامك. قال: فقال له أبي: فما الذي يجيرنا منكم؟ قال: هذه الآية، آية الكرسي، ثم غدا إلى النبي فأخبره، فقال النبي ﷺ: "صدق الخبيث" (^٤)، وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي داود الطيالسي، عن حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي بن لاحق، عن محمد بن عمرو بن أُبي بن كعب، عن جده به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (^٥).
(طريق آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عثمان بن غياث (^٦)، قال: سمعت أبا السليل، قال: كان رجل من أصحاب النبي ﷺ يحدث الناس حتى يكثروا عليه، فيصعد على سطح بيت، فيحدث الناس، قال: قال رسول الله ﷺ الله: "أي آية في القرآن أعظم؟ " فقال رجل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: فوضع يده بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، أو قال: فوضع يده بين ثديي فوجدت بردها بين كتفي، وقال: "ليهنكَ العلم يا أبا المنذر" (^٧).
(حديث آخر) عن الأسقع البكري. قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو يزيد القرطيسي، حدثنا يعقوب بن أبي عباد المكي، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء، أن مولى ابن الأسقع رجل صدق، أخبره عن الأسقع البكري، أنه سمعه يقول:
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٤١، ١٤٢) وسنده صحيح.
(٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي (ح ٨١٠).
(٣) الجُرْن: هو موضع التمر الذي يجفف فيه (مختار الصحاح ص ١٠١).
(٤) قال المنذري: سنده جيد (ينظر: الفتح القدسي في آية الكرسي للبقاعي ص ٥٨)، الحاكم وأخرجه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٥٦٢)، وأخرجه ابن حبان من طريق يحيى بن أبي كثير عن ابن لأبي بن كعب عن أبيه (موارد الظمآن ص ٤٢٦ ح ١٧٢٤).
(٥) المستدرك ١/ ٥٦٢.
(٦) في الأصل: "عتاب".
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٥٨) وفيه أبو السليل وهو: ضُريب القيسي من السادسة (التقريب ص ٢٨٠)، وهو لم يدرك أحدًا من الصحابة فالإسناد منقطع ويشهد له الحديث الأول.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
إن النبي ﷺ في صفة المهاجرين، فسأله إنسان: أي آية في القرن أعظم؟ فقال النبي ﷺ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ …﴾ حتى انقضت الآية (^١).
(حديث آخر) - عن أنس - قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن الحارث، حدثني سلمة بن وردان، أن أنس بن مالك، حدثه أن رسول الله ﷺ سأل رجلًا من صحابته، فقال: "أي فلان هل تزوجت؟ " قال: لا، وليس عندي ما أتزوج به، قال: "أوليس معك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]؟ " قال: بلى، قال: "ربع القرآن". قال: "أليس معكَ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]؟ " قال: بلى. قال: "ربع القرآن". "أليس معكَ إذا زلزلت؟ " قال: بلى. قال: "ربع القرآن" قال: "أليس معك إذا جاء نصر الله؟ " قال: بلى. قال: "ربع القرآن". قال: "أليس معك آية الكرسي الله لا إله إلا هو الحي القيوم"؟ قال: لى. قال: "ربع القرآن" (^٢).
(حديث آخر) عن أبي ذرٍّ جندب بن جنادة. قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع بن الجراح، حدثنا المسعودي، أنبأني أبو عمر الدمشقي، عن عبيد الخشخاش (^٣)، عن أبي ذرٍّ ﵁، قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فجلست، فقال: "يا أبا ذرٍّ، هل صليت؟ " قلت: لا. قال: "قم فصل". قال: فقمت فصليت، ثم جلست، فقال: "يا أبا ذرّ تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجنّ". قال: قلت: يا رسول الله، أوَ للإنس شياطين؟ قال: نعم، قال: قلت: يا رسول الله الصلاة؟ قال: "خير موضوع، من شاء أقل، ومن شاء أكثر" قال: قلت: يا رسول الله فالصوم؟ قال: "فرض مجزي وعند الله مزيد" قلت: يا رسول الله فالصدقة؟ قال: "أضعاف مضاعفة". قلت: يا رسول الله، فأيها أفضل؟ قال: "جهد من مقل، أو سر إلى فقير" قلت: يا رسول الله، أي الأنبياء كان أول؟ قال: "آدم" قلت: يا رسول الله، ونبي كان؟ قال: "نعم نبي مكلَّم" قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: "ثلاثمائة وبضعة عشر جمًّا غفيرًا"، وقال مرة: "وخمسة عشر" قلت: يا رسول الله، أيما ما أنزل عليك أعظم؟ قال: "آية الكرسي" ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (^٤) ورواه النسائي.
(حديث آخر) عن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري ﵁ وأرضاه. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي أيوب، أنه كان في سهوة (^٥) له، وكانت الغول تجيء فتأخذ، فشكاها إلى النبي ﷺ، فقال: "فإذا رأيتها فقل باسم الله، أجيبي رسول الله". قال: فجاءت، فقال لها، فأخذها، فقالت: إني لا أعود،
_________________
(١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١/ ٣٣٤)، وفي سنده مولى ابن الأسقع لم يصرح باسمه ويشهد له الحديث الأول.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٢١) وفي سنده سلمة بن وردان وهو ضعيف.
(٣) في الأصل: "الحسحاس" وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المستد ٥/ ١٧٨)، وأخرجه الحاكم من طريق يعلى بن عبيد عن المسعودي به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٨٢).
(٥) السهوة: هي في البيت كالصفة أو كالخزانة (انظر: جامع الأصول ٨/ ٤٧٨).
[ ٢ / ٢٤١ ]
فأرسلتها (^١)، فجاء فقال له النبي ﷺ: "ما فعل أسيرك"؟ قال: أخذتها، فقالت: إني لا أعود، فأرسلتها، فقال: إنها عائدة، فأخذتها مرتين أو ثلاثًا كل ذلك تقول: لا أعود، فيقول: "إنها عائدة"، فأخذتها (^٢)، فقالت: أرسلني، وأعلمك شيئًا تقوله فلا يقربك شيء، آية الكرسي، فأتى النبي ﷺ. فأخبره، فقال: "صدقت وهي كذوب" (^٣). ورواه الترمذي في فضائل القرآن عن بندار، عن أبي أحمد الزبيري به، وقال حسن غريب (^٤). [والغول في لغة العرب: الجانّ إذا تبدَى في الليل] (^٥).
وقد ذكر البخاري هذه القصة عن أبي هريرة، فقال في كتاب فضائل القرآن، وفي كتاب الوكالة، وفي صفة إبليس من صحيحه، قال عثمان بن الهيثم - أبو عمرو -: حدثنا عوف عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: وكَّلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنكَ إلى رسول الله ﷺ، فقال: إني محتاج وعليّ عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليتُ عنه فأصبحت، فقال النبي ﷺ: "يا أبا هريرة ما فعل أسيركَ البارحة؟ " قال: قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعيالًا، فرحمته وخليت سبيله، قال: "أما إنه قد كذبك وسيعود" فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله ﷺ: "إنه سيعود" فرصدته، فجاء يحثو الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنكَ إلى رسول الله ﷺ قال: دعني فأنا محتاج وعليّ عيال، لا أعود. فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ: "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ " قلت: يا رسول الله، شكا حاجة وعيالًا، فرحمته وخليت سبيله. قال: "أما أنه قد كذبك وسيعود"، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنكَ إلى رسول الله ﷺ، وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود، فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: وما هي؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله ﷺ: "ما فعل أسيرك البارحة؟ " قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله. قال: "وما هي؟ " قال لي: إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النبي ﷺ: "أما صدقكَ وهو كذوب، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ "قلت: لا. قال: "ذاك شيطان". كذا رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم (^٦)، وقد رواه
_________________
(١) في الأصل: "فأرسلها".
(٢) في الأصل: "فأخذها".
(٣) أخرجه الإمام أحمد سنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٢٣)، وأخرجه الترمذي من طريق أبي أحمد الزبيري به (السنن، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي ح ٢٨٨)، وما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة تعليقًا وليس عن أبي أيوب (صحيح البخاري، كتاب الوكالة، باب إذا وكل رجل شيئًا فأجازه الموكل ح ٢٣١)، كما سيأتي في الحديث الآتي.
(٤) السنن، فضائل القرآن (ح. ٢٨٨).
(٥) ما بين معقوفين زيادة (عف) و(حم) و(مح) و(ح).
(٦) الصحيح، الوكالة (ح ٢٣١١)، وصله الإسماعيلي وأبو نعيم والنسائي من عدة طرق (انظر: تغليق التعليق ٣/ ٢٩٦، وفتح الباري ٤/ ٤٨٨).
[ ٢ / ٢٤٢ ]
النسائي في اليوم والليلة عن إبراهيم بن يعقوب، عن عثمان بن الهيثم، فذكره وقد روي من وجه آخر عن أبي هريرة بسياق آخر قريب من هذا، فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن عمرويه الصفار، حدثنا أحمد بن زهير بن حرب، أنبأنا مسلم بن إبراهيم، أنبأنا إسماعيل بن مسلم العبدي، أنبأنا أبو المتوكل الناجي، أن أبا هريرة كان معه مفتاح بيت الصدقة، وكان فيه تمر، فذهب يومًا ففتح الباب، فوجد التمر قد أخذ منه ملءَ كف، ودخل يومًا آخر فإذا قد أخذ منه ملءَ كف، ثم دخل يومًا آخر ثالثًا، فإذا قد أخذ منه مثلَ ذلك، فشكا ذلك أبو هريرة إلى النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: "تحب أن تأخذ صاحبك هذا؟ " قال: نعم. قال: فإذا فتحت الباب فقل: "سبحان من سخرك محمد". فذهب ففتح الباب فقال: "سبحان من سخرك محمد". فإذا هو قائم بين يديه، قال: يا عدو الله، أنت صاحب هذا؟ قال: نعم. دعني فإني لا أعود، ما كنت آخذًا إلا لأهل بيت من الجنِّ فقراء، فخلَّى عنه، ثم عاد الثانية، ثم الثالثة، فقلت: أليس قد عاهدتني ألا تعود؟ لا أدعك اليوم حتى أذهب بك إلى النبي ﷺ، قال: لا تفعل، فإنك إن تدعني علمتك كلمات إذا أنت قلتها، لم يقربك أحد من الجنِّ صغير ولا كبير، ذكر ولا أنثى، قال له: لتفعلن؟ قال: نعم. قال: ما هنّ؟ قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قرأ آية الكرسي حتى ختمها، فتركه فذهب فأبعد، فذكر ذلك أبو هريرة للنبي ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: "أما علمت أن ذلك كذلك" (^١) وقد رواه النسائي عن أحمد بن محمد بن عبيد الله، عن شعيب بن حرب، عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي المتوكل، عن أبي هريرة به (^٢)، وقد تقدم لأُبي بن كعب كائنة مثل هذه أيضًا، فهذه ثلاث وقائع.
(قصة أخرى) قال أبو عبيد في كتاب الغريب: حدثنا أبو معاوية، عن أبي عاصم الثقفي، عن الشعبي، عن عبد الله بن مسعود قال: خرج رجل من الإناس، فلقيه رجل من الجنِّ فقال: هل لك أن تصارعني؟ فإن صرعتني علمتك آية إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخله شيطان، فصارعه فصرعه، فقال: إني أراك ضئيلًا شخيتا (^٣)، كأن ذراعيك ذراعًا كلب، أفهكذا أنتم أيها الجن كلكم، أم أنتَ من بينهم؟ فقال: إني بينهم لضليع، فعاودني فصارعه فصرعه الأنسي فقال: تقرأ آية الكرسي فإنه لا يقرؤها أحد إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان، وله خبخ كخبخ الحمار، فقيل لابن مسعود: أهو عمر؟ فقال من عسى أن يكون إلا عمر.
قال أبو عبيد: الضئيل: النحيف الجسم، والخبخ بالخاء المعجمة، ويقال بالحاء المهملة: الضراط (^٤).
(حديث آخر) عن أبي هريرة. قال الحاكم أبو عبد الله في مستدركه: حدثنا علي بن حمشاذ، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا حكيم بن جبير الأسدي، عن أبي
_________________
(١) أخرجه ابن الضريس من طريق مسلم بن خالد بن إبراهيم به (فضائل القرآن ص ١٥٥ - ١٥٦)، وتشهد رواية البخاري السابقة.
(٢) السنن ٥/ ١٣ - ١٤.
(٣) في الأصل: "ثخينا".
(٤) أخرجه أبو عبيد بسنده ومتنه (غريب الحديث ٢/ ٦٣). وفيه الشعبي لم يسمع من ابن مسعود (المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٦٠).
[ ٢ / ٢٤٣ ]
صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "سورة البقرة فيها آية سيدة (^١) آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه: آية الكرسي"، وكذا رواه من طريق آخر عن زائدة، عن حكيم بن جبير، ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٢)، كذا قال، وقد رواه الترمذي من حديث زائدة، ولفظه "لكل شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي" ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم فيه شعبة وضعفه (^٣).
(قلت): وكذا ضعفه أحمد ويحيى بن معين، وغير واحد من الأئمة، وتركه ابن مهدي وكذبه السعدي.
(حديث آخر) قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع (^٤)، أخبرنا عيسى بن محمد المروزي، أخبرنا عمر بن محمد البخاري، أخبرنا عيسى (^٥) بن موسى بن غنجار، عن عبد الله بن كيسان، حدثنا يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب: أنه خرج ذات يوم إلى الناس وهم سماطات (^٦) فقال: أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن؟ فقال ابن مسعود على الخبير سقطت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أعظم آية في القرآن ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ " (^٧).
(حديث آخر) في اشتماله على اسم الله الأعظم: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر، أنبأنا عبيد الله بن أبي زياد، حدثنا شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في هاتين الآيتين ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ "إن فيهما اسم الله الأعظم" (^٨). وكذا رواه أبو داود، عن مسدد والترمذي، عن علي بن خشرم وابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، ثلاثتهم عن عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي زياد به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٩).
(حديث آخر) في معنى هذا، عن أبي أُمامة ﵁، قال ابن مردويه: أخبرنا عبد الرحمن بن نمير، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل، أخبرنا هشام بن عمار، أنبأنا الوليد بن مسلم،
_________________
(١) في الأصل: "سيد".
(٢) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه (المستدرك ٢/ ٢٥٩)، وحكم عليه الحافظ ابن كثير وضعفه بسبب حكيم بن جبير الأسدي.
(٣) السنن، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي (ح ٢٨٧٨).
(٤) في الأصل: "نافع" والتصويب من (عف) و(مح) و(ح).
(٥) في الأصل: "يحيى" والتصويب كسابقه.
(٦) في سنده عبد الله بن كيسان المروزي: وهو صدوق يخطئ كثيرًا (التقريب ص ٣١٩)، وأخرجه الجوزجاني من طريق عبد الله بن كيسان به (الأباطيل ح ٧١٣).
(٧) سماطات: أي جماعات.
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٦١)، وسنده حسن كما سيأتي في الحاشية التالية:
(٩) سنن أبي داود، الصلاة، الدعاء (ح ١٣٩٦)، وسنن الترمذي، الدعوات (ح ٣٤٧٨)، وسنن ابن ماجه، الدعاء باب اسم الله الأعظم (ح ٣٨٥٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣١١٠)، وفي سنده شهر بن حوشب وثقه الإمام أحمد وقال: ما أحسن حديثه … وذكر أنه روى عن أسماء أحاديث حسانًا (انظر: تهذيب التهذيب ٤/ ٣٧٠).
[ ٢ / ٢٤٤ ]
أخبرنا عبد الله بن العلاء بن زيد، أنه سمع القاسم بن عبد الرحمن يحدث، عن أبي أُمامة يرفعه، قال: "اسم الله الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة، وآل عمران وطه" (^١). وقال هشام وهو ابن عمار خطيب دمشق أما البقرة فـ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وفي آل عمران ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ [آل عمران: ١، ٢] وفي طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١].
(حديث آخر) عن أبي أُمامة في فضل قراءتها بعد الصلاة المكتوبة، قال أبو بكر بن مردويه، حدثنا محمد بن محرز بن مساور الأدمي، أخبرنا جعفر بن محمد بن الحسن، أخبرنا الحسين بن بشر بطرسوس، أخبرنا محمد بن حمير، أخبرنا محمد بن زياد، عن أبي أُمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ دُبَر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت".
وهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة، عن الحسين بن بشر به، وأخرجه ابن حبان في صحيحه، من حديث محمد بن حمير وهو الحمصي، من رجال البخاري أيضًا، فهو إسناد على شرط البخاري (^٢)، وقد زعم أبو الفرج بن الجوزي، أنه حديث موضوع (^٣)، والله أعلم. وقد روى ابن مردويه من حديث علي والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله، نحو هذا الحديث، ولكن في إسناد كل منهما ضعف.
وقال ابن مردويه أيضًا: حدثنا محمد بن الحسن بن زياد المقري، أخبرنا يحيى بن درستويه (^٤) المروزي، أخبرنا زياد بن إبراهيم، أخبرنا أبو حمزة السكري، عن المثنى، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ قال: "أوحى الله إلى موسى بن عمران ﵇ أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، فأنه من يقرؤها في دبر كل صلاة مكتوبة، أجعل له قلبَ الشاكرين، ولسانَ الذاكرين، وثوابَ النبيين، وأعمالَ الصديقين، ولا يواظب على ذلك إلا نبي أو صديق أو عبد امتحنتُ قلبه للإيمان، أو أريدُ قتله في سبيل الله". وهذا حديث منكر جدًّا (^٥).
(حديث آخر) في أنها تحفظ من قرأها في أول النهار وأول الليل. قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا يحيى بن المغيرة أبو سلمة المخزومي المديني، أخبرنا ابن أبي فديك. عن عبد الرحمن المليكي، عن زرارة بن مصعب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ: (حم) المؤمن إلى ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ١ - ٣] وآية الكرسي، حين يصبح، حفظ بهما حتى يُمسي، ومن قرأهما حين يُمسي حفظ بهما حتى يصبح" ثم قال: هذا حديث غريب، وقد
_________________
(١) أخرجه الحاكم من طريق عبد الله بن العلاء به (المستدرك ١/ ٥٠٦)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٧٤٦).
(٢) عمل اليوم والليلة (ح ١٠٠)، وقال المنذري: رواه النسائي والطبراني بأسانيد أحدها صحيح (الترغيب ٢/ ٤٥٣)، وقال الهيثمي: وأحدها جيد (مجمع الزوائد ١٠/ ١٠٢).
(٣) الموضوعات ١/ ٢٤٤.
(٤) في الأصل: "رستويه" والتصويب من (عف) و(مح) و(ح).
(٥) وفيه الحسن البصري لم يسمع من أبي موسى الأشعري.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
تكلم بعض أهل العلم في عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مُليكة المليكي، من قبل حفظه (^١).
وقد ورد في فضلها أحاديث أخر، تركناها اختصارًا لعدم صحتها وضعف أسانيدها كحديث عليٍّ في قراءتها عند الحجامة، إنها تقوم مقام حجامتين. وحديث أبي هريرة في كتابتها في اليد اليسرى بالزعفران سبع مرات، وتُلحس للحفظ وعدم النسيان، أوردهما ابن مردويه، وغير ذلك.
وهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة.
فقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إخبار بأنه المتفرد بالإلهية لجميع الخلائق ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي: الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا، المقيم لغيره. وكان عمر يقرأ القيام (^٢)، فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها، لا قوام لها بدون أمره، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] وقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه خافية، ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم، فقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ﴾ أي: لا تغلبه سنة وهي الوسن والنعاس، ولهذا قال: ولا نوم لأنه أقوى من السنة.
وفي الصحيح عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات، فقال: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمر النهار، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" (^٣).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ أن موسى ﵇ سأل الملائكة: هل ينام الله ﷿ فأوحى الله تعالى إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثًا، فلا يتركوه ينام، ففعلوا، ثم أعطوه قارورتين فأمسكهما، ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما، قال: فجعل ينعس وهما في يده، وفي كل يد واحدة، قال: فجعل ينعس وينبه، وينعس وينبه، حتى نعس نعسة، فضرب إحداهما بالأخرى فكسرهما، قال معمر: إنما هو مثل ضربه الله ﷿، يقول فكذلك السموات والأرض في يده، وهكذا رواه ابن جرير، عن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق … فذكره (^٤)، وهو من أخبار بني إسرائيل، وهو مما يعلم أن موسى ﵇ لا يخفى عليه مثل هذا من أمر الله ﷿، وأنه منزه عنه، وأغرب من هذا كله الحديث الذي رواه ابن جرير: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل. حدثنا هشام بن يوسف، عن أُمية بن شبل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يحكي عن موسى ﵇ على المنبر، قال: "وقع في نفس موسى: هل ينام الله؟ فأرسل إليه ملكًا فأرقه ثلاثًا، ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما قال: فجعل ينام، وكادت يداه تلتقيان، فيستيقظ فيحبس إحداهما (^٥)
_________________
(١) السنن، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي (ح ٢٨٧٩).
(٢) هي قراءة شاذة ذكرها العكبري في الإملاء ١/ ٦٢، وأبو حيان في البحر المحيط ٢/ ٢٧٧.
(٣) صحيح مسلم، الإيمان، باب في قوله: "إن الله لا ينام" (ح ١٧٩).
(٤) أخرجه الطبري بسنده ولفظه. وفي سنده أُمية بن شبل له حديث منكر، وهو الحديث المذكور (ينظر: لسان الميزان ١/ ٤٦٧).
(٥) في الأصل: "أحديهما".
[ ٢ / ٢٤٦ ]
على الأخرى، حتى نام نومة، فاصطفقت يداه، فانكسرت القارورتان، - قال - ضرب الله ﷿ مثلًا، أن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض" (^١) وهذا حديث غريب جدًّا، والأظهر أنه إسرائيلي لا مرفوع، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، حدثنا أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى، هل ينام ربك؟ قال: اتقوا الله، فناداه ربه ﷿ يا موسى، سألوك هل ينام ربك، فخذ زجاجتين في يديك، فقم الليلة، ففعل موسى، فلما ذهب من الليل ثلث نعس، فوقع لركبتيه، ثم انتعش فضبطهما، حتى إذا كان آخر الليل نعس، فسقطت الزجاجتان فانكسرتا، فقال: يا موسى، لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكت كما هلكت الزجاجتان في يديك. فأنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ آية الكرسي (^٢).
وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه، كقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم].
وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ كقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم] وكقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه ﷿، أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة، كما في حديث الشفاعة: "آتي تحت العرش فأخر ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني. ثم يقال: ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع - قال - فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة" (^٣).
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات، ماضيها وحاضرها ومستقبلها، كقوله إخبارًا عن الملائكة ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم].
وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ أي: لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله ﷿ وأطلعه عليه. ويحتمل أن يكون المراد لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته، إلا بما أطلعهم الله عليه، كقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].
وقوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس، عن مطرف بن طريف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال: علمه، وكذا رواه ابن جرير من حديث
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وحكم عليه الحافظ ابن كثير. وفي سنده أيضًا أُمية بن شبل.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وفي سنده جعفر بن أبي المغيرة وهو صدوق يهم (التقريب ص ١٤١).
(٣) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (الصحيح، تفسير سورة الإسراء، باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ …﴾ [الإسراء: ٣] ح ٤٧١٢).
[ ٢ / ٢٤٧ ]
عبد الله بن إدريس وهشيم، كلاهما عن مطرف بن طريف به، قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير مثله (^١)، ثم قال ابن جرير: وقال آخرون الكرسي موضع القدمين، ثم رواه عن أبي موسى والسدي الضحاك ومسلم البطين (^٢).
وقال شجاع بن مخلد في تفسيره: أخبرنا أبو عاصم، عن سفيان، عن عمار الدُهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: سئل النبي ﷺ عن قول الله ﷿: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾؟ قال: "كرسيه موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره إلا الله ﷿ " كذا أورد هذا الحديث الحافظ أبو بكر بن مردويه من طريق شجاع بن مخلد الفلاس، فذكره وهو غلط (^٣).
وقد رواه وكيع في تفسيره، حدثنا سفيان، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره (^٤). وقد رواه الحاكم في مستدركه عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي، عن محمد بن معاذ، عن أبي عاصم، عن سفيان، وهو الثوري بإسناده عن ابن عباس موقوفًا مثله، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٥). وقد رواه ابن مردويه من طريق الحاكم بن ظهير الغزاري الكوفي، وهو متروك عن السدي، عن أبيه، عن أبي هريرة، مرفوعًا ولا يصحّ أيضًا.
وقال السدي، عن أبي مالك: الكرسي تحت العرش (^٦)، وقال السدي: السموات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش (^٧).
وقال الضحاك: عن ابن عباس: لو أن السموات السبع والأرضين السبع، بسطن ثم وصلن بعضهن إلى بعض، ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة، ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^٨).
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرني ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله: "ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس" قال: وقال أبو ذرٍّ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض" (^٩).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وتعليقه والطبري كذلك، وفي سنديهما جعفر بن أبي المغيرة صدوق يهم كما تقدم في الصفحة السابقة وهذه الرواية عن ابن عباس مخالفة ما ثبت عنه أن الكرسي: موضع القدمين كما سيأتي.
(٢) أخرجه الطبري من طريق عمارة بن عمير عن أبي موسى، وعمارة لم يسمع من أبي موسى، وأخرجه بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وبسند حسن من طريق عمار الدهني عن مسلم البطين.
(٣) وجه الغلط هو رفعه إلى النبي ﷺ والصحيح وقفه على ابن عباس ولعل الذي رفعه شجاع بن مخلد.
(٤) سنده حسن.
(٥) المستدرك ٢/ ٢٨٢.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسرائيل عن السدي به.
(٧) أخرجه الطبرى وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق بشر بن عمارة عن أبي روق عطية عن الضحاك به، وبشر بن عمارة: ضعيف.
(٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وهو ضعيف.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
وقال أبو بكر بن مردويه: أخبرنا سليمان بن أحمد، أخبرنا عبد الله بن وهب الغزي، أخبرنا محمد بن أبي السري العسقلاني، أخبرنا محمد بن عبد الله التميمي، عن القاسم بن محمد الثقفي، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذرّ الغفاري، أنه سأل النبي ﷺ عن الكرسي، فقال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي، إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة" (^١).
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا زهير، حدثنا ابن أبي بُكير، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، عن عمر ﵁، قال: أتت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، قال: فعظم الرب ﵎، وقال: "إن كرسيه وسع السموات والأرض وإن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد من ثقله" (^٢) وقد رواه الحافظ البزار في مسنده المشهور وعبد بن حميد وابن جرير في تفسيريهما، والطبراني وابن أبي عاصم في كتابيّ السنة لهما، والحافظ الضياء في كتابه المختار من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن خليفة، وليس بذاك المشهور، وفي سماعه من عمر نظر. ثم منهم من يرويه عنه عن عمر موقوفًا، ومنهم من يرويه عنه مرسلًا، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة، ومنهم من يحذفها. وأغرب من هذا حديث جبير بن مطعم في صفة العرش كما رواه أبو داود في كتابه السنة من سننه، والله أعلم.
وقد روى ابن مردويه وغيره أحاديث عن بريدة وجابر وغيرهما في وضع الكرسي يوم القيامة لفصل القضاء، والظاهر أن ذلك غير المذكور في هذه الآية، وقد زعم بعض المتكلمين على علم الهيئة من الإسلاميين، إن الكرسي عندهم هو الفلك الثامن، وهو فلك الثوابت الذي فوقه الفلك التاسع، وهو الفلك الأثير ويقال له: الأطلس، وقد رد ذلك عليهم آخرون وروى ابن جرير من طريق جويبر، عن الحسن البصري أنه كان يقول: الكرسي هو العرش (^٣)، والصحيح أن الكرسي غير العرش، والعرش أكبر منه، كما دلّت على ذلك الآثار والأخبار، وقد اعتمد ابن جرير على حديث عبد الله بن خليفة، عن عمر في ذلك، وعندي في صحته نظر، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي: لا يثقله ولا يكرثه حفظ السموات والأرض، ومن فيهما، ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه، يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه متواضعة صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة وهو الغني الفعال لما يريد، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو القاهر لكل شيء، الحسيب على كل شيء، الرقيب العلي العظيم، لا إله غيره، ولا ربَّ سواه،
_________________
(١) في سنده القاسم بن محمد الثقفي وهو مجهول، ومحمد بن أبي السري: وهو صدوق له أوهام كثيرة (التقريب ص ٥٠٤).
(٢) أخرجه الضياء عن طريق أبي يعلى به (ح ١٥١)، وأخرجه ابن أبي عاصم (السنة ١/ ٢٥٢)، وأبو الشيخ (العظمة ح ١٩٣)، والبزار (كشف الأستار ح ٣٩، كلهم من طريق إسرائيل به. وقد حكم عليه الحافظ ابن كثير بالانقطاع بين عبد الله بن خليفة وعمر.
(٣) في سنده جويبر: وهو ابن سعيد الأزدي: متروك كما في التقريب.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
فقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ كقوله: (وهو الكبير المتعال) وهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح الأجود فيها طريقة السلف الصالح، أمروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه.
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾.
يقول تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه (^١) بيّن واضح، جليّ دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونور بصيرته، دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا، وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًا.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت المرأة تكون مقلاة (^٢)، فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله ﷿: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (^٣)، وقد رواه أبو داود والنسائي جميعًا عن بندار به، ومن وجوه أخر عن شعبة به نحوه. وقد رواه ابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه من حديث شعبة به (^٤)، وهكذا ذكر مجاهد وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وغيرهم، أنها نزلت في ذلك.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد الحرشي مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد، عن ابن عباس قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف، يقال له: الحصين، كان له ابنان نصرانيان وكان هو رجلًا مسلمًا، فقال للنبي ﷺ: ألا استكرههما، فإنهما قد أبيا إلا النصرانية، فأنزل الله فيه ذلك، رواه ابن جرير (^٥). وروى السدي نحو ذلك، وزاد: وكانا قد تنصرا على يدي تجار قدموا من الشام يحملون زيتًا، فلما عزما على الذهاب معهم، أراد أبوهما أن يستكرههما، وطلب من رسول الله ﷺ أن يبعث في آثارهما، فنزلت هذه الآية (^٦).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عوف، أخبرنا شَريك، عن أبي هلال، عن أُسق (^٧)، قال: كنت في دينهم مملوكًا نصرانيًا لعمر بن الخطاب، فكان يعرض علي الإسلام، فآبى،
_________________
(١) لفظ: "فإنه " سقط من الأصل.
(٢) المقلاة: المرأة التي لا يعيش لها ولد.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٤) سنن أبي داود، الجهاد، باب في الأسير (ح ٢٦٨٢)، وتفسير ابن أبي حاتم وموارد الظمآن في زوائد ابن حبان (ح ١٧٢٥).
(٥) أخرجه الطبري من طريق ابن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق بلفظه، وفيه محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف، وابن إسحاق لم يصرح بالسماع بل عنعن. وسنده ضعيف.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن إلى السدي لكنه مرسل.
(٧) أُسَّق: بألف مضمومة وسين مشددة مفتوحة مولى عمر بن الخطاب مسكوت عنه (الطبقات الكبرى لابن سعد ٦/ ١٥٨).
[ ٢ / ٢٥٠ ]
فيقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ويقول: يا أسق، لو أسلمت لاستعنَّا بك على بعض أمور المسلمين (^١).
وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء، أن هذه محمولة على أهل الكتاب، ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية (^٢)، وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال (^٣)، وإنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف، دين الإسلام، فإن أبى أحد منهم الدخول فيه، ولم ينقد له أن يبذل الجزية، قوتل حتى يقتل، وهذا معنى الإكراه، قال الله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾ [التوبة].
وفي الصحيح: "عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل" (^٤) يعني: الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإسلام في الوثائق والأغلال والقيود والأكبال، ثم بعد ذلك يسلمون، وتصلح أعمالهم وسرائرهم فيكونون من أهل الجنة.
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن حميد، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال لرجل: "أسلم"، قال: إني أجدني كارهًا، قال: "وإن كنت كارهًا" (^٥) فإنه ثلاثي صحيح، ولكن ليس من هذا القبيل، فإنه لم يكرهه النبي ﷺ على الإسلام، بل دعاه إليه، فأخبره أن نفسه ليست قابلة له، بل هي كارهة، فقال له: أسلم وإن كنت كارهًا، فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص.
وقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: من خلع الأنداد والأوثان، وما يدعو إليه الشيطان من عبادة كل ما يعبد من دون الله، ووحد الله فعبده وحده، وشهد أنه لا إله إلا هو ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي: فقد ثبت في أمره، واستقام على الطريق المثلى، والصراط المستقيم.
قال أبو القاسم البغوي: حدثنا أبو روح البلدي، حدثنا أبو الأحوص سلام بن سليم، عن أبي إسحاق، عن حسان، هو: ابن فائد العبسي قال: قال عمر ﵁: إن الجِبت: السحر، والطاغوت: الشيطان، وإن الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال، يقاتل الشجاع عمّن لا يعرف، ويفرّ الجبان عن أُمه، وإن كرم الرجل دينه، وحسبه خلقه، وإن كان فارسيًا أو نبطيًا. وهكذا رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد العبسي، عن عمر … فذكره (^٦)،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفيه أُسَّق، وشريك هو ابن عبد الله، وهو صدوق يخطئ كثيرًا وتغير كما في التقريب.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن قتادة ومقاتل بن حيان نحوه.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي نحوه.
(٤) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (الصحيح، وسنده صحيح).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٨١).
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق الثوري به، وأخرجه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم عن عمر، وأخرجه ابن رسته في الإيمان من طريق أبي إسحاق به، وقال الحافظ ابن حجر: وإسناده قوي (فتح الباري ٨/ ٢٥٢).
[ ٢ / ٢٥١ ]
ومعنى قوله في الطاغوت: إنه الشيطان، قوي جدًّا، فإنه يشمل كلَّ شرٍّ كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان والتحاكم إليها، والاستنصار بها.
وقوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ أي: فقد استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم، هي في نفسها محكمة مبرمة قوية، وربطها قوي شديد، ولهذا قال: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا …﴾ الآية.
قال مجاهد: العروة الوثقى يعني الإيمان (^١).
وقال السدي: هو الإسلام (^٢).
وقال سعيد بن جبير والضحاك: يعني لا إله إلا الله (^٣).
وعن أنس بن مالك: العروة الوثقى: القرآن (^٤).
وعن سالم بن أبي الجعد قال: هو الحب في الله، والبغض في الله (^٥).
وكل هذه الأقوال صحيحة، ولا تنافي بينها.
وقال معاذ بن جبل في قوله: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ لا انقطاع لها دون دخول الجنة.
وقال مجاهد وسعيد بن جبير: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ ثم قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] (^٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا ابن عون، عن محمد بن قيس بن عباد، قال: كنت في المسجد، فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع، فصلى ركعتين أوجز فيهما، فقال القوم: هذا رجل من أهل الجنة، فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله، فدخلت معه فحدثته، فلما استأنس، قلت له: إن القوم لما دخلت المسجد، قالوا: كذا وكذا، قال: سبحان الله، ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لِمَ؟ إني رأيت رؤيا على عهد رسول الله ﷺ، قصصتها عليه، رأيت كأني في روضة خضراء. قال ابن عون: فذكر من خضرتها وسعتها - وسطها عمود حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلى عروة، فقيل لي: اصعد عليه، فقلت: لا أستطيع، فجاءني منصف - قال ابن عون: هو الوصيف - فرفع ثيابي من خلفي، فقال: اصعد، فصعدت حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسك بالعروة، فاستيقظت وإنها لفي يدي، فأتيت رسول الله ﷺ، فقصصتها عليه فقال: "أما الروضة، فروضة الإسلام، وأما العمود فعمود الإسلام، وأما العروة فهي العروة الوثقى، أنت على الإسلام حتى تموت" قال: وهو عبد الله بن سلام (^٧).
أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون، فقمت إليه. وأخرجه البخاري من وجه
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٣) قول سعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا عن مغيرة بن حسان عن أنس بن مالك.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق مخارق بن ثعلبة عنه.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٥٢)، وسنده صحيح متفق عليه.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
آخر، عن محمد بن سيرين به (^١).
(طريق أخرى وسياق آخر) قال الإمام أحمد: أنبأنا حسن بن موسى وعثمان، قالا: أنبأنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن المسيب بن رافع، عن خرشة بن الحرّ، قال: قدمت المدينة فجلست إلى أشيخةٍ في مسجد النبي ﷺ، فجاء شيخ يتوكأ على عصًا له، فقال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا. فقام خلف سارية فصلى ركعتين فقمت إليه فقلت له (^٢): قال بعض القوم: كذا وكذا، فقال: الجنة لله، يدخلها من يشاء، وإني رأيت على عهد رسول الله ﷺ رؤيا: كأن رجلًا أتاني فقال: انطلق، فذهبت معه فسلك بي منهجًا عظيمًا، فعرضت لي طريق عن يساري، فأردت أن أسلكها، فقال: إنك لست من أهلها، ثم عرضت لي طريق عن يميني، فسلكتها حتى انتهيت إلى جبل زلق، فأخذ بيدي فزجل بي (^٣) فإذا أنا على ذروته فلم أتقارَّ (^٤) ولم أتماسك فإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب فأخذ بيدي فزجل بي حتى أخذت بالعروة فقال: استمسك فقلت: نعم، فضرب العمود برجله، فاستمسكت بالعروة، فقصصتها على رسول الله ﷺ فقال: "رأيت خيرًا، أما المنهج العظيم فالمحشر، وأما الطريق التي عرضت عن يسارك فطريق أهل النار، ولست من أهلها، وأما الطريق التي عرضت عن يمينك فطريق أهل الجنة، وأما الجبل الزلق فمنزل الشهداء، وأما العروة التي استمسكت بها فعروة الإسلام، فاستمسك بها حتى تموت" قال: فإنما أرجو أن أكون من أهل الجنة، قال: وإذا هو عبد الله بن سلام (^٥)، وهكذا رواه النسائي عن أحمد بن سليمان عن عفان، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن الحسن بن موسى الأشيب، كلاهما عن حماد بن سلمة به نحوه، وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث الأعمش، عن سليمان بن مسهر، عن خرشة بن الحر الفزاري به (^٦).
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾.
يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام، فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير، وأن الكافرين إنما وليهم الشيطان، يزين لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات، ويخرجونهم ويحيدون بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ولهذا وحد تعالى لفظ النور، وجمع الظلمات لأن الحق واحد والكفر أجناس كثيرة وكلها باطلة، [كما] (^٧) قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام] وقال تعالى:
_________________
(١) صحيح البخاري، المناقب، باب مناقب الأنصار (ح ٣٨١٢)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن سلام، الحديث الثاني.
(٢) لفظ: "له" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٣) في الأصل: "فدحى بي" والتصويب من صحيح مسلم والمسند ومعنى: زجل بي: أي رفع بي.
(٤) في الأصل بدون نقط.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٥٢ - ٤٥٣) وسنده حسن.
(٦) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن سلام (ح ٢٤٨٤).
(٧) لفظ: "كما" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).
[ ٢ / ٢٥٣ ]
﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨] إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق وانتشار الباطل وتفرده وتشعبه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن ميسرة، حدثنا عبد العزيز بن أبي عثمان، عن موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، قال: يبعث أهل الأهواء، أو قال: تبعث أهل الفتن، فمن كان هواه الإيمان، كانت فتنته بيضاء مضيئة، ومن كان هواه الكفر، كانت فتنته سوداء مظلمة، ثم قرأ هذه الآية ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ (^١).
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾.
هذا الذي حاجَّ إبراهيم في ربه هو: ملك بابل نمرود بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح ويقال: نمرود بن فالخ بن عابر (^٢) بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، والأول قول مجاهد وغيره (^٣)، قال مجاهد: وملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان سليمان بن داود، وذو القرنين، والكافران: نمرود وبختنصر، والله أعلم.
ومعنى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: بقلبك يا محمد ﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ أي: وجود ربه، وذلك أنه أنكر أن يكون ثم إله غيره، كما قال بعده فرعون لملئه ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]. وما حمله على هذا الطغيان والكفر الغليظ والمعاندة الشديدة، إلا تجبره، وطول مدته في الملك، وذلك أنه يقال: أنه مكث أربعمائة سنة في ملكه، ولهذا قال: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ وكان طلب من إبراهيم دليلًا، على وجود الربّ الذي يدعو إليه، فقال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: إنما الدليل على وجوده، حدوث هذه الأشياء، المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها، وهذا دليل على وجود الفاعل المختار، ضرورة، لأنها لم تحدث بنفسها، فلا بد لها من موجد أوجدها، وهو الربّ الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له. فعند ذلك قال المحاجّ - وهو النمرود -: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾.
قال قتادة ومحمد بن إسحاق والسدي، وغير واحد: وذلك أني أوتى بالرجلين، قد استحقا القتل فآمر (^٤) بقتل أحدهما - فيقتل، وآمر بالعفو عن الآخر فلا يقتل (^٥)، فذلك معنى الإحياء والإماتة - والظاهر والله أعلم - أنه ما أراد هذا لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم، ولا في معناه لأنه [غير] (^٦)
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده موسى بن عبيدة وهو ضعيف وأيوب بن خالد: وهو لين، كما في التقريب.
(٢) في الأصل: "عابد" بالدال والتصويب من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٤) لفظ: "فآمر" سقط من الأصل واستدرك من التخريج.
(٥) قول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٦) لفظ: "غير" سقط من الأصل واستدرك من (ح) و(حم).
[ ٢ / ٢٥٤ ]
مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام عنادًا ومكابرة ويوهم أنه الفاعل لذلك، وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] ولهذا قال له إبراهيم، لما ادَّعى هذه المكابرة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ أي: إذا كنت كما تدَّعي من أنك تحيي وتميت، فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته، فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إِلهًا كما ادَّعيت تحيي وتميت، فأتِ بها من المغرب؟ فلما علم عجزه وانقطاعه وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام، بُهت، أي: إخرسَّ، فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يلهمهم حجة ولا برهانًا، بل حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب، ولهم عذاب شديد، وهذا التنزيل على هذا المعنى أحسن مما ذكره كثير من المنطقيين، إن عدول إبراهيم عن المقام الأول إلى المقام الثاني انتقال من دليل إلى أوضح منه، ومنهم من قد يطلق عبارة ردية وليس كما قالوه، بل المقام الأول يكون كالمقدمة للثاني، ويبيّن بطلان ما ادّعاه نمرود في الأول والثاني، ولله الحمد والمنة.
وقد ذكر السدي أن هذه المناظرة. كانت بين إبراهيم ونمرود بعد خروج إبراهيم من النار، ولم يكن اجتمع بالملك إلا في ذلك اليوم فجرت بينهما هذه المناظرة (^١).
وروى عبد الرزاق عن معمر، عن زيد بن أسلم أن النمرود كان عنده طعام وكان الناس يفدون إليه للميرة، فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة، فكان بينهما هذه المناظرة، ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس، بل خرج وليس معه شيء من الطعام، فلما قرب من أهله، عمد إلى كثيب من التراب فملأ منه عدليه، وقال: أشغل أهلي عني إذا قدمت عليهم، فلما قدم وضع رحاله، وجاء فاتكأ فنام، فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعامًا طيبًا، فعملت طعامًا، فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه، فقال: أنى لك هذا؟ قالت: من الذي جئت به، فعرف أنه رزق رزقهم الله ﷿. قال زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكًا، يأمره بالإيمان بالله، فأبى عليه، ثم دعاه الثانية فأبى ثم الثالثة فأبى، وقال: اجمع جموعك وأجمع جموعي، فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس، وأرسل الله عليهم بابًا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس، وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودماءهم، وتركتهم عظامًا بادية، ودخلت واحدة منها في منخري الملك، فمكثت في منخري الملك أربعمائة سنة، عذبه الله بها، فكان يضرب برأسه بالمرازب في هذه المدة، حتى أهلكه الله بها (^٢).
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾.
تقدم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وهو في قوة قوله: هل
_________________
(١) أخرجه الطبري بنحوه بالسند المتقدم عن السدي.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
رأيت مثل الذي حاجَّ إبراهيم في ربه، ولهذا عطف عليه بقوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ اختلفوا في هذا المارّ من هو؟ فروى ابن أبي حاتم، عن عصام بن رواد، عن آدم بن أبي إياس، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي بن أبي طالب، أنه قال: هو عُزير (^١). ورواه ابن جرير عن ناجية نفسه، وحكاه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وسليمان بن بُريدة (^٢)، وهذا القول هو المشهور.
وقال وهب بن منبه وعبد الله بن عبيد بن عمير: هو أرميا بن حلقيا (^٣).
قال محمد بن إسحاق، عمّن لا يتهم عن وهب بن منبه، أنه قال: هو اسم الخضر ﵇ (^٤).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: سمعت سليمان بن محمد السياري الجاري من أهل الجاري ابن عم مطرف، قال: سمعت سلمان يقول: إن رجلًا من أهل الشام يقول: إن الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه اسمه حزقيل بن بورا (^٥).
وقال مجاهد بن جبر: هو رجل من بني إسرائيل (^٦).
([وذكر غير واحد أنه مات وهو ابن أربعين سنة؛ فبعثه الله وهو كذلك، وكان له ابن، فبلغ من السن مائة وعشرين سنة، وبلغ ابن ابنه تسعين وكان الجدُّ شابًا وابنه وابن ابنه شيخان كبيران قد بلغا الهرم، وأنشدني به بعض الشعراء:
واسوَدّ رأس شاب من قبل ابنه … ومن قبله ابن ابنه فهو أكبر
يرى أنه شيخًا يدبُّ علي عصا … ولحيته سوداء والرأس أشعر
وما لابنه حبل ولا فضل قوة … يقوم كما يمشي الصغير فيعثر
وعمر ابنه أربعون أمرها … ولابن ابنه في الناس تسعين غبر]) (^٧)
وأما القرية فالمشهور أنها بيت المقدس، مرّ عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ أي: ليس فيها أحد، من قولهم: خوت الدار، تخوي خويًا.
- وقوله: ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: ساقطة سقوفها وجدرانها على عرصاتها، فوقف متفكرًا فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة، وقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وذلك لما رآى من دثورها وشدة خرابها وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ قال: وعمرت البلدة بعد مضي سبعين سنة من موته، وتكامل ساكنوها، وتراجع بنو إسرائيل إليها، فلما بعثه الله ﷿ بعد موته، كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلي صنع الله فيه: كيف يحيي بدنه، فلما استقل سويًا (قال) الله له، أي بواسطة الملك: ﴿كَمْ لَبِثْتَ
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم مشده ومتنه، وسنده حسن وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٨٢).
(٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٣) قول وهب بن منبه ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول عبد الله بن عبيد بن عمير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق قيس بن الربيع عنه.
(٤) سنده ضعيف لإبهام شيخ ابن إسحاق.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده شيخ سليمان: مبهم.
(٦) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٧) هذا النص زيادة من نسخة (ح).
[ ٢ / ٢٥٦ ]
قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قال: وذلك أنه مات أول النهار، ثم بعثه الله في آخر النهار، فلما رأى الشمس باقية ظنَّ أنها شمس ذلك اليوم، فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ وذلك أنه كان معه فيما ذكر عنب وتين وعصير، فوجده كما تقدم لم يتغيَّر منه شيء، لا العصير استحال، ولا التين حمض ولا أنتن، ولا العنب تعفن ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ أي: كيف يحييه الله ﷿، وأنت تنظر ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: دليلًا على المعاد ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ أي: نرفعها، فيركب بعضها على بعض. وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث نافع بن أبي نُعيم، عن إسماعيل بن حكيم، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي. ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^١) (^٢). وقرئ "نُنشِرُها" (^٣) أي: نحييها، قاله مجاهد (^٤): ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾.
وقال السدي وغيره: تفرقت عظام حماره حوله يمينًا ويسارًا، فنظر إليها وهي تلوح من بياضها، فبعث الله ريحًا فجمعتها من كل موضع من تلك المحلة، ثم ركب كل عظم في موضعه حتى صار حمارًا قائمًا من عظام لا لحم عليها، ثم كساها الله لحمًا وعصبًا وعروقًا وجلدًا، وبعث الله ملكًا فنفخ في منخري الحمار، فنهق بإذن الله ﷿ (^٥)، وذلك كله بمرأى من العزيز، فعند ذلك لما تبين له هذا كله ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: أنا عالم بهذا، وقد رأيته عيانًا، فأنا أعلم أهل زماني بذلك، وقرأ آخرون: (قال اعلم) على أنه أمر له بالعلم.
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾.
ذكروا لسؤال إبراهيم ﵇، أسبابًا، منها: أنه لما قال لنمرود: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أحب أن يترقى من علم اليقين بذلك، إلي عين اليقين، وأن يرى ذلك مشاهدة، فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ﴾ فأما الحديث الذي رواه البخاري عند هذه الآية: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، وسعيد، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "نحن أحقُّ بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ " (^٦). وكذا رواه مسلم عن حرملة بن يحيى، عن وهب به (^٧)، فليس المراد ههنا بالشك، ما
_________________
(١) في الأصل: "صحيح" وباقي العبارة استدركت من المستدرك.
(٢) المستدرك ٢/ ٢٣٤، وهي قراءة متواترة، وقد تعقبه الذهبي أن إسماعيل بن قيس من ولد زيد بن ثابت ضعفوه. وإسماعيل هذا يرويه عن نافع بن أبي نعيم به.
(٣) وهي قراءة متواترة.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه بنحوه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي بنحوه.
(٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] ح ٤٥٣٧).
(٧) صحيح مسلم، الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب (ح ١٥١).
[ ٢ / ٢٥٧ ]
قد يفهمه من لا علم عنده بلا خلاف، وقد أُجيب عن هذا الحديث بأجوبة أحدها (^١).
وقوله: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ اختلف المفسرون في هذه الأربعة ما هي، وإن كان لا طائل تحت تعيينها، إذ لو كان في ذلك مهم لنصَّ عليه القرآن، فروي عن ابن عباس، أنه قال: هي الغرنوق والطاوس والديك والحمامة، وعنه أيضًا أنه أخذ وزًا ورألًا وهو فرخ النعام، وديكًا وطاوسًا (^٢). وقال مجاهد وعكرمة: كانت حمامة وديكًا وطاوسًا وغرابًا (^٣).
وقوله: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أي: قطعهن، قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو مالك وأبو الأسود الديلي ووهب بن منبه والحسن والسدي وغيرهم (^٤).
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أوثقهن (^٥)، فلما أوثقهن ذبحهن، ثم جعل على كل جبل منهن جزءًا، فذكروا أنه عمد إلى أربعة من الطير، فذبحهن ثم قطعهن ونتف ريشهن ومزقهن وخلط بعضهن ببعض، ثم جزأهن أجزاء، وجعل على كل جبل منهن جزءًا، قيل: أربعة أجبل، وقيل: سبعة، قال ابن عباس: وأخذ رؤوسهن بيده ثم أمره الله ﷿ أن يدعوهنَّ، فدعاهنَّ كما أمره الله ﷿، فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش، والدم إلى الدم، واللَّحم إلى اللَّحم، والأجزاء من كل طائر، يتصل بعضها إلى بعض، حتى قام كل طائر على حدته، وأتينه يمشين سعيًا ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم ﵇، فإذا قدم له غير رأسه يأباه، فإذا قدم إليه رأسه تركب مع بقية جسده بحول الله وقوته، ولهذا قال: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عزيز لا يغلبه شيء، ولا يمتنع من شيء، وما شاء كان بلا ممانع، لأنه العظيم القاهر لكل شيء، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب في قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ قال: قال ابن عباس: ما في القرآن آية أرجى عندي منها (^٦).
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت زيد بن علي يحدث، عن رجل، عن سعيد بن المسيب قال: اتعد عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص أن يجتمعا قال: ونحن شيبة. فقال أحدهما لصاحبه: أي آية في كتاب الله أرجى عندك لهذه الأُمة؟ فقال عبد الله بن عمرو: قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا …﴾ الآية [الزمر: ٥٣]، فقال ابن عباس: أما إن كنتَ تقول هذا، فأنا أقول: أرجى منها لهذه الأُمة، قول إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي
_________________
(١) بعد هذه الفقرة بياض في جميع النسخ.
(٢) الرواية الأولى لم تثبت عن ابن عباس، أخرجها ابن أبي حاتم من طريق فيه بشر بن عمارة وهو ضعيف، والضحاك لم يلق ابن عباس. وأما الرواية الثانية فأخرجها ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن عباس.
(٣) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف.
(٦) في سنده أيوب السختياني لم يسمع من ابن عباس.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (^١).
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني محمد بن أبي سلمة، حدثني ابن المنكدر أنه قال: التقى عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص، فقال ابن عباس لابن عمرو بن العاص: أي آية في القرآن أرجى عندك؟ فقال عبد الله بن عمرو: قول الله ﷿: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا …﴾ الآية [الزمر: ٥٣]، فقال ابن عباس: لكن أنا أقول: قول الله ﷿: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ فرضي من إبراهيم قوله: ﴿بَلَى﴾، قال: فهذا لما يعترض في النفوس ويوسوس به الشيطان (^٢). وهكذا رواه الحاكم في المستدرك عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب بن الأحزم، عن إبراهيم بن عبد الله السعدي، عن بشر بن عمر الزهراني، عن عبد العزيز بن أبي سلمة بإسناده مثله، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (^٣).
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾.
هذا مثل ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
قال سعيد بن جبير: يعني في طاعة الله (^٤).
وقال مكحول: يعني به الإنفاق في الجهاد من رباط الخيل وإعداد السلاح وغير ذلك (^٥). وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: الجهاد والحج يضعف الدرهم فيهما إلى سبعمائة ضعف (^٦).
ولهذا قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ وهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينمِّيها الله ﷿ لأصحابها، كما ينفي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة، وقد وردت السّنّة بتضعيف الحسنة إلى سبعمائة ضعف.
قال الإمام أحمد: حدثنا زياد بن الربيع أبو خداش، حدثنا واصل مولى ابن عيينة، عن بشار بن أبي سيف الجرمي، عن عياض بن غطيف، قال: دخلنا على أبي عبيدة نعوده من شكوى أصابته، وامرأته تُحيفَة قاعدة عند رأسه، قلنا: كيف بات أبو عبيدة؟ قالت: والله لقد
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده رجل مبهم، ويتقوى بالرواية التالية.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) المستدرك ٢/ ٦٠، وصححه وقال الذهبي: فيه انقطاع.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق صبيح مولى بني مروان عنه.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق شبيب به.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
بات بأجر. قال أبو عبيدة: ما بتّ بأجر، وكان مقبلًا بوجهه على الحائط، فأقبل على القوم بوجهه وقال: ألا تسألوني عما قلت؟ قالوا: ما أعجبنا ما قلت فنسألك عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله أو عاد مريضًا أو أماط أذى، فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جنة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله ﷿ ببلاء في جسده فهو له حطة" (^١). وقد روى النسائي في الصوم بعضه من حديث واصل به، ومن وجه آخر موقوفًا (^٢).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن سليمان، سمعت أبا عمرو الشيباني، عن ابن مسعود أن رجلًا تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ: "لتأتين يوم القيامة بسعمائة ناقة مخطومة" (^٣) ورواه مسلم والنسائي من حديث سليمان بن مهران عن الأعمش به، ولفظ مسلم: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: يا رسول الله، هذه في سبيل الله، فقال: "لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة" (^٤).
(حديث آخر) قال أحمد: حدثنا عمرو بن مجمع أبو المنذر الكندي، أخبرنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله جعل حسنة ابن آدم إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم والصوم لي، وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان: [فرحة عند إفطاره، وفرحة يوم القيامة، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" (^٥).
(حديث آخر) قال أحمد: أخبرنا وكيع، أخبرنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "كل عملُّ ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، يقول: الله إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي، وللصائم فرحتان] (^٦): فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، الصوم جنة، الصوم جنة" (^٧)، وكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي سعيد الأشج كلاهما عن وكيع به (^٨).
(حديث آخر) قال أحمد: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن الركين، عن يُسَيْر (^٩) بن عميلة، عن خريم بن فاتك، قال: قال رسول الله ﷺ: "من أنفق نفقة في سبيل الله، تضاعف
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ١٩٥)، وفي سنده بشار بن أبي سيف: مقبول، كما في التقريب ١/ ٩٧، وله شاهد في سنن النسائي من حديث أبي هريرة صححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٢٠٩٢).
(٢) سنن النسائي، الصيام، باب فضل الصيام ٤/ ١٦٧ - ١٦٨.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٢١)، وسنده صحيح.
(٤) صحيح مسلم، الإمارة، باب فضل الصدقة في سبيل الله (ح ١٨٩٢).
(٥) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ٧/ ٢٩٠)، وقال محققوه: صحيح لغيره.
(٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٧٧)، وسنده صحيح.
(٨) صحيح مسلم، الصيام، باب فضل الصيام (ح ١٦١).
(٩) في الأصل و(عف): "بشير" والتصويب من المسند وترجمة يُسير بن عميلة.
[ ٢ / ٢٦٠ ]
بسبعمائة ضعف" (^١).
(حديث آخر) قال أبو داود: أنبأنا محمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن يحيى بن أيوب وسعيد بن أبي أيوب، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الصلاة والصيام والذكر يضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف" (^٢).
(حديث آخر) قال ابن أبي حاتم: أنبأنا أبي، حدثنا هارون بن عبد الله بن مروان، حدثنا ابن أبي فديك، عن الخليل بن عبد الله، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن رسول الله ﷺ، قال: "من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته، فله بكل درهم سبعمائة درهم يوم القيامة، ومن غزا في سبيل الله وأنفق في جهة ذلك، فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم، ثم تلا هذه الآية ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٣)، وهذا حديث غريب، وقد تقدم حديث أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة في تضعيف الحسنة إلى ألفي ألف حسنة، عند قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً …﴾ الآية [البقرة: ٢٤٥].
(حديث آخر) قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن عبيد الله بن العسكري البزاز، أخبرنا الحسن بن علي بن شبيب، أخبرنا محمود بن خالد الدمشقي، أخبرنا أبي عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر: لما نزلت هذه الآية ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال النبي ﷺ: "ربِّ زِد أمتى" قال: فأنزل الله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال: "رب زد أمتي" قال: فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^٤) [الزمر: ١٠]، وقد رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن حاجب بن أركين، عن أبي عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز المقري، عن أبي إسماعيل المؤدب، عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر … فذكره (^٥).
وقوله (^٦) ههنا: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: بحسب إخلاصه في عمله ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: فضله واسع كثير أكثر من خلقه، عليم بمن يستحق ومن لا يستحق، سبحانه وبحمده.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٤٥)، وأخرجه الترمذي من طريق الركين به، وحسنه (السنن، فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل النفقة في سبيل الله ح ١٦٢٥)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٣٢٦).
(٢) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب في تضعيف الذكر في سبيل الله تعالى ح ٣٤٩٨). وفي سنده زبان بن فائد وهو ضعيف (التقريب ص ٢١٣).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده الخليل بن عبد الله: وهو مجهول (التقريب)، وقال الذهبي: لا يعرف (ميزان الاعتدال ١/ ٦٦٧).
(٤) في سنده عيسى بن المسيب: وهو ضعيف (الجرح والتعديل ٢/ ١٥٧، والتقريب ١/ ٦٥).
(٥) موارد الظمآن في زوائد ابن حبان (ح ١٦٤٨). وفي سنده أيضًا عيسى بن المسيب.
(٦) لفظ: "قوله" في الأصل بياض.
[ ٢ / ٢٦١ ]
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾.
يمدح ﵎ الذين ينفقون في سبيله، ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات منًا على من أعطوه، فلا يمنّون به على أحد، ولا يمنون به لا بقول ولا بفعل.
وقوله: ﴿وَلَا أَذًى﴾ أي: لا يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروهًا يحبطون به ما سلف من الإحسان، ثم وعدهم الله تعالى الجزاء الجزيل على ذلك، فقال: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: ثوابهم على الله لا على أحد سواه ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فيما يستقبلونه من أهوال يوم القيامة. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: على ما خلفوه من الأولاد، ولا ما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها لا يأسفون عليها، لأنهم قد صاروا إلى ما هو خير لهم من ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي: من كلمة طيبة ودعاء لمسلم ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: عفو وغفر عن ظلم قولي أو فعلي ﴿خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن فضيل، قال: قرأت على معقل بن عبد الله، عن (^١) عمرو بن دينار، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ: "ما من صدقة أحبّ إلى الله من قول معروف (^٢)، ألم تسمع قوله: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ " (^٣).
﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عن خلقه، ﴿حَلِيمٌ﴾ أي: يحلم ويغفر ويصفح ويتجاوز عنهم، وقد وردت الأحاديث بالنهي عن المن في الصدقة، ففي صحيح مسلم من حديث شعبة، عن الأعمش، عن سليمان بن مسهر، عن خرشة بن الحرّ، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنَّان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب" (^٤).
وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى، أخبرنا عثمان بن محمد الدوري، أخبرنا هشيم بن خارجة، أخبرنا سليمان بن عقبة، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة عاق، ولا منّان، ولا مدمن خمر، ولا مكذب بقدر" (^٥)، وروى أحمد وابن ماجه من حديث يونس بن ميسرة نحوه (^٦). ثم روى ابن مردويه وابن
_________________
(١) في الأصل: "بن" والصويب من (عف) و(ح) والتخريج.
(٢) لفظ: "معروف" سقط من الأصل واستدرك كسابقه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف مرسل.
(٤) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار .. (ح ١٠٦).
(٥) لبعضه شاهد تقدم في صحيح مسلم.
(٦) المسند ٦/ ٤٤١، وسنن ابن ماجه مختصرًا من طريق يونس بن ميسره به، كتاب الأطعمة، باب مدمن الخمر (ح ٣٣٧٦)، وحسنه البوصيري، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٧٢١).
[ ٢ / ٢٦٢ ]
حبان والحاكم في مستدركه، والنسائي من حديث عبد الله بن يسار الأعرج، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن خمر، والمنَّان بما أعطى" (^١)، وقد روى النسائي، عن مالك بن سعد، عن عمه روح بن عبادة، عن عتاب بن بشير، عن خُصيف الجزري، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا عاق لوالديه، ولا منَّان" (^٢).
وقد رواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن المنهال، عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، عن عتّاب، عن خُصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس (^٣)، ورواه النسائي من حديث عبد الكريم بن مالك الجزري (^٤)، عن مجاهد قوله، وقد روي عن مجاهد، عن أبي سعيد، وعن مجاهد، عن أبي هريرة نحوه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ فأخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المنِّ والأذى، فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المنِّ والأذى، ثم قال تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله، وإنما قصده مدح الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم، ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه، ولهذا قال: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ثم ضرب تعالى مثل ذلك المرائي بإنفاقه.
قال الضحاك: والذي يتبع نفقته منًا أو أذى، فقال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ وهو جمع صفوانة، فمنهم من يقول: الصفوان يستعمل مفردًا أيضًا وهو الصفا وهو الصخر الأملس، ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ وهو المطر الشديد ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أي: فترك الوابل ذلك الصفوان صلدًا أي: أملس يابسًا، أي لا شيء عليه من ذلك التراب، بل قد ذهب كله، أي: وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند الله، وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس كالتراب، ولهذا قال: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾.
وهذا مثل المؤمنين المنفقين أموالهم ابتغاء مرضاة الله عنهم في ذلك، ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: وهم متحققون متثبتون أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء، ونظير هذا في معنى قوله ﵇ في الحديث الصحيح المتفق على صحته: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا" (^٥) أي: يؤمن أن الله شرعه ويحتسب عند الله ثوابه.
_________________
(١) المستدرك ٤/ ١٤٦ - ١٤٧، وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) في سنده خُصيف الجزري: وهو صدوق سيء الحفظ، خلط بآخره (التقريب ص ١٩٣).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه أيضًا خُصيف.
(٤) فيه متابعة عبد الكريم لخُصيف.
(٥) صحيح البخاري، الصوم، باب من صام رمضان إيمانا واحتسابًا (ح ١٩٠١)، وصحيح مسلم، الصيام، باب الترغيب في قيام رمضان (ح ٧٦٠).
[ ٢ / ٢٦٣ ]
قال الشعبي: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي تصديقًا ويقينًا (^١)، وكذا قال قتادة وأبو صالح وابن زيد (^٢)، واختاره ابن جرير.
وقال مجاهد والحسن: أي يتثبتون أين يضعون صدقاتهم (^٣).
وقوله: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾، وهو عند الجمهور: المكان المرتفع من الأرض، وزاد ابن عباس والضحاك وتجري فيه الأنهار (^٤).
قال ابن جرير ﵀: وفي الربوة ثلاثة لغات: هن ثلاث قراءات: بضم الراء، وبها قرأ عامة أهل المدينة والحجاز والعراق، وفتحها وهي قراءة بعض أهل الشام، والكوفة، ويقال: إنها لغة تميم، وكسر الراء، ويذكر أنها قراءة ابن عباس (^٥).
وقوله: ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ وهو المطر الشديد، كما تقدم، فآتت ﴿أُكُلَهَا﴾ أي: ثمرتها ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أي: بالنسبة إلى غيرها من الجنان ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ قال الضحاك: هو الرذاذ وهو: اللَّين من المطر (^٦)، أي: هذه الجنة بهذه الربوة لا تمحل أبدًا، لأنها إن لم يصبها وابل فطل، وأيًا ما كان فهو كفايتها، وكذلك عمل المؤمن لا يبور أبدًا، بل يتقبله الله ويكثره وينميه كل عامل بحسبه، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: لا يخفى عليه من أعمال عباده شيء.
﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾.
قال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام هو: ابن يوسف، عن ابن جريج، سمعت عبد الله بن أبي مليكة، يحدث عن ابن عباس، وسمعت أخاه أبا بكر بن أبي مليكة يحدث عن عبيد بن عمير، قال: قال عمر بن الخطاب يومًا لأصحاب النبي ﷺ: فيمن ترون هذه الآية نزلت؟ ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ قالوا: الله أعلم. فغضب عمر، فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك، فقال ابن عباس ﵄: ضربت مثلًا بعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له
_________________
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق أبي موسى الأسدي عن الشعبي، ويشهد له قول قتادة وأبي صالح وابن زيد كما يليه.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن عن قتادة بلفظ: "ثقة من أنفسهم"، وأخرجه أيضًا بسند صحيح عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بلفظ: "يقينا من أنفسهم".
(٣) قول مجاهد أخرجه وابن أبي حاتم بسنده صحيح من طريق عثمان بن الأسود عنه، وقول الحسن ذكره ابن أبي حاتم وأخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن عباس والضحاك بلفظ: "ولا تجري فيه الأنهار".
(٥) ذكره الطبري في تفسيره وقراءة الضم والفتح متواترتان، وقراءة الكسر شاذة (الشواذ لابن خالويه ص ٢٣)، وما ورد عن ابن عباس أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٨٣).
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
الشيطان فعمل بالمعاصي، حتى أغرق أعماله (^١). ثم رواه البخاري عن الحسن بن محمد الزعفراني، عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج … فذكره، وهو من أفراد البخاري ﵀، وفي هذا الحديث كفاية في تفسير هذه الآية، وتبيين ما فيها من المثل بعمل من أحسن العمل أولًا ثم بعد ذلك انعكس سيره فبدل الحسنات بالسيئات عياذًا بالله من ذلك، فأبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدم من الصالح، واحتاج إلى شيء من الأول في أضيق الأحوال، فلم يحصل منه شيء وخانه أحوج ما كان إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾ وهو الريح الشديد ﴿فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ أي: أحرق ثمارها وأباد أشجارها، فأي حال يكون حاله؟
وقد روى ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس، قال: ضرب الله مثلًا حسنًا وكل أمثاله حسن، قال: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ يقول: صنعه في شيبته ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ وولده وذريته ضعاف عند آخر عمره، فجاءه إعصار فيه نار فاحترق بستانه، فلم يكن عنده قوة أن يغرس مثله، ولم يكن عند نسله خير يعودون به عليه، وكذلك الكافر يكون يوم القيامة إذا ردّ إلى الله ﷿، ليس له خير فيستعتب، كما ليس لهذا قوة فيغرس مثل بستانه، ولا يجده قدم لنفسه خيرًا يعود عليه، كما لم يغن عن هذا ولده، وحرم أجره عند أفقر ما كان إليه، كما حرم هذا جنته عندما كان أفقر ما كان إليها عند كبره وضعف ذريته (^٢). وهكذا روى الحاكم في مستدركه أن رسول الله ﷺ كان يقول في دعائه: "اللَّهم اجعل أوسع رزقك على عند كبر سني وانقضاء عمري" (^٣)، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: تعتبرون وتفهمون الأمثال والمعاني وتنزلونها على المراد منها. كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾.
يأمر تعالى عباده المؤمنين بالإنفاق والمراد به الصدقة ههنا، قاله ابن عباس: من طيبات ما رزقهم من الأموال التي اكتسبوها (^٤).
قال مجاهد: يعني التجارة (^٥). بتيسيره إياها لهم.
_________________
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة البقرة، باب قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ …﴾ [البقرة: ٢٦٦] ح ٤٥٣٨).
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف.
(٣) أخرجه الحاكم من طريق عيسى بن ميمون عن القاسم بن محمد عن عائشة مرفوعًا، المستدرك ١/ ٥٤٢، وحسنه الحاكم، وتعقبه الذهبي بأنّ عيسى متهم.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: "تصدقوا من أطيب أموالكم وأنفسه".
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
وقال علي والسدي: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ يعني: الذهب والفضة، ومن الثمار والزروع التي أنبتها لهم من الأرض (^١)، قال ابن عباس: أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه (^٢)، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئه وهو خبيثه، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ أي: تقصدوا الخبيث ﴿مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أي: لو أعطيتموه ما أخذتموه، إلا أن تتغاضوا فيه، فالله أغنى عنه منكم، فلا تجعلوا لله ما تكرهون، وقيل: معناه ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ أي: لا تعدلوا عن المال الحلال وتقصدوا إلى الحرام فتجعلوا نفقتكم منه، ويذكر ههنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد، حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه" قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: "غشه وظلمه، ولا يكسب عبد مالًا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان إلى النار، إن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث" (^٣).
والصحيح القول الأول، قال ابن جرير ﵀: حدثنا الحسين بن عمرو العنقزي، حدثني أبي، عن أسباط، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب ﵁، في قول الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ …﴾ الآية، قال: نزلت في الأنصار، كانت الأنصار إذا كانت أيام جذاذ النخل (^٤) أخرجت من حيطانها البسر فعلقوه على حبل، بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله ﷺ، فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعمد الرجل منهم إلى الحشف (^٥) فيدخله مع أقناء البسر (^٦)، يظن أن ذلك جائز، فأنزل الله فيمن فعل ذلك ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾، ثم رواه ابن جرير وابن ماجه وابن مردويه، والحاكم في مستدركه من طريق السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بنحوه، وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه (^٧).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن
_________________
(١) قول علي بن أبي طالب أخرجه الطبري بسند ضعيف، فيه أبو بكر الهذلي وهو متروك (التقريب ص ٦٢٥)، بلفظ: "من الحب والثمر كل شيء عليه زكاة"، وقول السدي: أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه بلفظ: "من الذهب والفضة".
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٨٧)، ورجاله ثقات إلا الصباح بن محمد: وهو ضعيف.
(٤) جذاذ النخل: أي قطعه.
(٥) الحشف: اليابس الفاسد من التمر، وقيل: الضعيف الذي لا نوى له (النهاية ١/ ٣٩١).
(٦) البسر أوله طلع ثم خَلَال ثم بسر ثم رطب (مختار الصحاح ص ٥١).
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن ماجه من طريق عمرو العنقزي به (السنن، الزكاة، باب النهي أن يخرج في الصدقة شر ماله ح ١٨٢٢)، وصححه البوصيري (مصباح الزجاجة ح ٦٥٥)، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٤٧٥)، وأخرجه الحاكم من طريق عمرو به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٨٥).
[ ٢ / ٢٦٦ ]
أبي مالك، عن البراء ﵁، ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قال: نزلت فينا، كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله بقدر كثرته وقلته، فيأتي الرجل بالقنو فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام فكان أحدهم إذا جاء فضربه بعصاه فسقط منه البسر والتمر، فيأكل، وكان أناس ممن لا يرغبون في الخير يأتي بالقنو (^١) الحشف والشيص (^٢)، فيأتي بالقنو قد انكسر فيعلقه، فنزلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قال: لو أن أحدكم أهدي له مثل ما أعطى ما أخذه إلا على إغماض وحياء، فكنا بعد ذلك يجيء الرجل منا بصالح ما عنده (^٣).
وكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عبيد الله هو ابن موسى العبسي، عن إسرائيل، عن السدي، وهو إسماعيل بن عبد الرحمن، عن أبي مالك الغفاري واسمه غزوان، عن البراء … فذكر نحوه، ثم قال: وهذا حديث حسن غريب [صحيح] (^٤) (^٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا سليمان بن كثير، عن الزهري، عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ، نهى عن لونين من التمر الجعرور (^٦) ولون الحبيق (^٧)، وكان الناس يتيممون شرار ثمارهم، ثم يخرجونها في الصدقة، فنزلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (^٨).
ورواه أبو داود من حديث سفيان بن حسين عن الزهري، ثم قال: أسنده أبو الوليد عن سليمان بن كثير، عن الزهري، ولفظه نهى رسول الله ﷺ عن الجعرور ولون الحبيق أن يؤخذ في الصدقة (^٩)، وقد روى النسائي هذا الحديث من طريق عبد الجليل بن حميد اليحصبي، عن الزهري، عن أبي أُمامة، ولم يقل: عن أبيه، فذكر نحوه، وكذا رواه ابن وهب، عن عبد الجليل (^١٠).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن معقل، في هذه الآية ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قال: كسب المسلم لا يكون خبيثًا، ولكن لا يصدق بالحشف والدرهم الزيف وما لا خير فيه (^١١).
_________________
(١) القنو: العِذق بما فيه من الرطب (النهاية ٤/ ١١٦).
(٢) الشيص: التمر الذي لا يشتد نواه ويقوى (النهاية ٢/ ٥١٨).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن وسيأتي تخريجه.
(٤) لفظ: "صحيح" أضيف من سنن الترمذي.
(٥) السنن، تفسير سورة البقرة (ح ٢٩٨٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٣٨٩).
(٦) الجعرور: نوع من التمر صغار لا ينتفع به (لسان العرب ٤/ ١٤١).
(٧) الحبيق: ضرب من الدقل رديء. وهو مصغر وهو نوع من التمر رديء (لسان العرب ١٠/ ٣٨).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وقد تُكلم في رواية سليمان بن كثير (تهذيب التهذيب ٤/ ٣١٥)، وقد تابعه سفيان بن حسين واليحصبي كما سيأتي.
(٩) سنن أبي داود، الزكاة، باب ما لا يجوز من التمرة في الصدقة (ح ١٦٠٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٤١٨).
(١٠) سنن النسائي، الزكاة، قوله ﷿: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ٥/ ٤٣، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٢٣٣٦).
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الطبري من طريق جرير به.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن حماد هو: ابن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: أتى رسول الله ﷺ بضب، فلم يأكله ولم ينه عنه، قلت: يا رسول الله، نطعمه المساكين؟ قال: "لا تطعموهم مما لا تأكلون" (^١). ثم رواه عن عفان، عن حماد بن سلمة به، فقلت: يا رسول الله، ألا أطعمه المساكين؟ قال: "لا تطعموهم مما لا تأكلون".
وقال الثوري: عن السدي، عن أبي مالك، عن البراء ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يقول: لو كان لرجل على رجل فأعطاه ذلك، لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد نقصه من حقه، رواه ابن جرير (^٢).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يقول: لو كان لكم على أحد حق فجاءكم بحق دون حقكم، لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه، قال: فذلك قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه؟ رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير (^٣)، وزاد: وهو قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (^٤) [آل عمران: ٩٢]، ثم روي عن طريق العوفي وغيره، عن ابن عباس، نحو ذلك (^٥)، وكذا ذكر غير واحد.
وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي: وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها، فهو غني عنها، وما ذاك إلا أن يساوي الغني الفقير، كقوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] وهو غني عن جميع خلقه وجميع خلقه فقراء إليه، وهو واسع الفضل، لا ينفد ما لديه، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب، فليعلم أن الله غني واسع العطاء، كريم جواد، ويجزيه بها، ويضاعفها له أضعافًا كثيرة، من يقرض غير عديم ولا ظلوم، وهو الحميد؛ أي المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.
وقوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن مُرَّة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة، فأما لمة (^٦) الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملَك فإيعاد بالخير والتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان" ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا …﴾ الآية (^٧)، وهكذا رواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننهما جميعًا،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، ورجاله ثقات إلا حماد بن أبي سليمان الأشعري وهو صدوق له أوهام كما في التقريب، والنصف الأول من الحديث له شواهد في الصحيحين، في صحيح البخاري، كتاب الصيد، باب الضب، وصحيح مسلم، الصيد، باب إباحة الضب.
(٢) أخرجه الطبري من طريق سفيان به، وسنده حسن.
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٤) هذه الزيادة وردت في الطبري.
(٥) أخرجه الطبري بعد رواية علي بن أبي طلحة.
(٦) لمة الشيطان: همه وخطره في القلب (النهاية ٤/ ٢٧٣).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، والرواية الآتية الموقوفة على ابن مسعود أصح.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
عن هناد بن السري. وأخرجه ابن حبان في صحيحه، عن أبي يعلى الموصلي، عن هناد به، وقال الترمذي: حسن غريب، وهو حديث أبي الأحوص، يعني: سلام بن سليم، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديثه (^١)، كذا قال: وقد رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عبد الله بن رسته، عن هارون الفروي، عن أبي ضمرة، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود مرفوعًا نحوه ولكن رواه مسعر عن عطاء بن السائب، عن أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة، عن ابن مسعود، فجعله من قوله، والله أعلم، ومعنى قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ أي: يخوفكم الفقر لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقوه في مرضاة الله. ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: مع نهيه إياكم عن الإنفاق خشية الإملاق، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخلاق، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ أي: في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء ﴿وَفَضْلًا﴾ أي: في مقابلة ما خوفكم الشيطان من الفقر ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني المعرفة بالقرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله (^٢).
وروى جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعًا "الحكمة: القرآن" يعني: تفسيره، قال ابن عباس: فإنه قد (^٣) قرأه البر والفاجر، رواه ابن مردويه (^٤).
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: يعني بالحكمة: الإصابة في القول (^٥).
وقال ليث بن أبي سُليم (^٦)، عن مجاهد: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ ليست بالنبوة، ولكنه العلم والفقه والقرآن (^٧).
وقال أبو العالية: الحكمة خشية الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة (^٨).
وقد روى ابن مردويه من طريق بقية عن عثمان بن زفر الجهني، عن أبي عمار الأسدي، عن ابن مسعود مرفوعًا: "رأس الحكمة مخافة الله" (^٩).
وقال أبو العالية في رواية عنه: الحكمة: الكتاب والفهم.
وقال إبراهيم النخعي: الحكمة: الفهم (^١٠).
وقال أبو مالك: الحكمة السنة (^١١).
_________________
(١) سنن الترمذي، التفسير (ح ٩٨٨)، وتفسير النسائي (ح ٧١)، ومسند أبي يعلى ٨/ ٤١٧ (ح ٤٩٩٩)، والإحسان ٣/ ٢٧٨ (ح ٩٩٧)، وضعفه الألباني في ضعيف (ح ٥٧٢).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده الثابت عن علي به.
(٣) لفظ: "قد" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٤) في سنده جويبر: وهو ابن سعيد الأزدي متروك.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الثوري عن ابن أبي نجيح به.
(٦) في الأصل: "ليث عن أبي سليم" وهو تصحيف.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف ليث به.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه.
(٩) في سنده بقية لم يصرح بالسماع، وعثمان بن زفر الجهني مجهول (التقريب ص ٣٨٣).
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه أبو حمزة ميمون القصاب وهو ضعيف كما في التقريب.
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق السدي عنه.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
وقال ابن وهب، عن مالك، قال زيد بن أسلم: الحكمة العقل، قال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هو الفقه في دين الله، وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلًا في أمر الدنيا إذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفًا في أمر دنياه، عالمًا بأمر دينه بصيرًا به، يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة: الفقه في دين الله (^١).
وقال السدي: الحكمة النبوة (^٢).
والصحيح أن الحكمة كما قال الجمهور: لا تختص بالنبوة بل هي أعمُّ منها، وأعلاها النبوة، والرسالة أخصّ، ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع، كما جاء في بعض الأحاديث: "من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحى إليه" رواه وكيع بن الجراح في تفسيره، عن إسماعيل بن رافع، عن رجل لم يسمه، عن عبد الله بن عمرو (^٣)، قوله. وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع ويزيد، قالا: حدثنا إسماعيل - يعني: ابن أبي خالد - عن قيس وهو ابن أبي حازم، عن ابن مسعود، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: "لا حسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها" (^٤). وهكذا رواه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه من طرق متعددة عن إسماعيل أبي خالد به (^٥).
وقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: وما ينتفع بالموعظة والتذكار إلا من له لبٌّ وعقل، يعي به الخطاب ومعنى الكلام.
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾.
يخبر تعالى بأنَّه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات، وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين لذلك ابتغاء وجهه ورجاء موعوده، وتوعد من لا يعمل بطاعته، بل خالف أمره، وكذب خبره، وعبد معه غيره، فقال: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي: يوم القيامة ينقذونهم من عذاب الله ونقمته.
وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ أي: إن أظهرتموها فنعم شيء هي.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها، لأنه أبعد عن الرياء إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية، وقال رسول الله ﷺ: "الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي الطاهر أحمد بن عمرو عن ابن وهب به.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٣) سنده ضعيف بسبب الرجل المبهم.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٤٣٢)، وسنده صحيح.
(٥) صحيح البخاري، العلم، باب الاغتباط في العلم والحكمة (ح ٧٣)، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه (ح ٨١٦).
[ ٢ / ٢٧٠ ]
بالقرآن كالمسر بالصدقة" (^١)، والأصل أن الإسرار أفضل لهذه الآية، ولما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظلَّ إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" (^٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ، قال: "لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها، فاستقرت، فتعجبت الملائكة من خلق الجبال، فقالت: يا ربِّ هل في خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم الحديد. قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم النار، قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم الماء. قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم الريح؟ قالت: يا ربِّ فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله" (^٣).
وقد ذكرنا في فضل آية الكرسي عن أبي ذرّ، قال: قلت: يا رسول الله، [أي الصدقة أفضل] (^٤)؟ قال: "سر إلى فقير أو جهد من مقلّ" رواه أحمد (^٥)، ورواه ابن أبي "حاتم من طريق علي بن يزيد، عن القاسم، عن أُبي أمامة، عن أبي ذرّ … فذكره وزاد: ثم نزع في هذه الآية ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ …﴾ الآية (^٦).
وفي الحديث المروي: "صدقة السر تطفئ غضب الربِّ ﷿ " (^٧).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن زياد المحاربي مؤدب محارب، أنا موسى بن عمير، عن عامر الشعبي في قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال: أنزلت في أبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهما -، أما عمر فجاء بنصف ماله حتى دفعه إلى النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: "ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر؟ " قال: خلفت لهم نصف مالي، وأما أبو بكر فجاء بماله كله يكاد أن يخفيه من نفسه، حتى دفعه إلى النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: "ما خلفت وراءك لأهلك يا أبا بكر؟ " فقال: عدة الله
_________________
(١) أخرجه الترمذي من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا، قال: حسن غريب (السنن، فضائل القرآن ح ٢٩١٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٣٣١).
(٢) صحيح البخاري، الآذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة (ح ٦٦٠)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة (ح ١٠٣١).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٢٤)، أخرجه الترمذي من طريق يزيد بن هارون به، ثم قال؛ هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (السنن، التفسير ح ٣٣٦٩).
(٤) ما بين قوسين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٥) المسند ٥/ ١٧٨، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٨٢).
(٦) في سنده علي بن يزيد الألباني صاحب القاسم: وهو ضعيف (التقريب ص ٤٠٦).
(٧) أخرجه الطبراني من طريق علي بن يزيد به (المعجم الكبير ٨/ ٢٦٩)، وسنده كسابقه.
[ ٢ / ٢٧١ ]
وعدة رسوله، فبكى عمر ﵁ وقال: بأبي أنت وأُمي يا أبا بكر، والله ما استبقنا إلى باب خير قط إلا كنتَ سابقًا (^١).
وهذا الحديث روي من وجه آخر عن عمر ﵁، وإنما أوردناه ههنا لقول الشعبي: إن الآية نزلت في ذلك، ثم إن الآية عامة في أن إخفاء الصدقة أفضل، سواء كانت مفروضة أو مندوبة، لكن روى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسيره هذه الآية، قال: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها، فقال: بسبعين ضعفًا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها، فقال: بخمسة وعشرين ضعفًا (^٢).
وقوله: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: بدل الصدقات ولا سيما إذا كانت سرًا، يحصل لكم الخير في رفع الدرجات ويكفر عنكم السيئات وقد قرئ: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾ بالضم، وقرئ: ويكفرْ بالجزم عطفًا على محل جواب الشرط وهو قوله: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ كقوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ﴾ [المنافقون: ١٠]، ﴿وَأَكُنْ﴾.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: لا يخفى عليه من ذلك شيء وسيجزيكم عليه.
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾.
قال أبو عبد الرحمن النسائي: أنبأنا محمد بن عبد السلام بن عبد الرحيم، أنبأنا الفريابي، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا (^٣) لأنسابهم من المشركين، فسألوا فرخص لهم، فنزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾ (^٤). وكذا رواه أبو حذيفة وابن المبارك وأبو أحمد الزبيدي وأبو داود الحفري (^٥) عن سفيان، وهو الثوري به.
وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن - يعني:
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه موسى بن عمير القرشي، وهو متروك كما في التقريب، فالإسناد ضعيف جدًّا.
(٢) أخرجه الطبري بسنده الثابت عنه بلفظه.
(٣) رضخ له من ماله: أعطاه القليل منه.
(٤) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، التفسير قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢] ح ٧٢)، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٥٦، ١٥٧).
(٥) في الأصل: "الحيري" والتصويب من (عف) و(ح).
[ ٢ / ٢٧٢ ]
الدشتكي -، حدثني أبي، عن أبيه، حدثنا أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه كان يأمر بأن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ …﴾ إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين (^١).
وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ …﴾ الآية [الممتحنة: ٨]، حديث أسماء بنت الصديق في ذلك.
وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦] ونظائرها في القرآن كثيرة.
وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ قال الحسن البصري: نفقة المؤمن لنفسه ولا ينفق المؤمن إذا أنفق إلا ابتغاء وجه الله (^٢).
وقال عطاء الخراساني: يعني إذا عطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله (^٣). وهذا معنى حسن وحاصله أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله، فقد وقع أجره على الله، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب برّ أو فاجر أو مستحق أو غيره، وهو مثاب على قصده، ومستند هذا تمام الآية ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ …﴾ والحديث المخرج في الصحيحين من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "قال رجل: لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق على زانية، فقال: اللَّهم لك الحمد على زانية، لأتصدقنَّ الليلة بصدقة فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني، قال: اللَّهم لك الحمد على غني، لأتصدقنَّ الليلة بصدقة، فخرج فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق، فقال: اللَّهم لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق، فأتي فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت، وأما الزانية فلعلها أن تستعفف بها عن زنا، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن يستعفّ بها عن سرقته" (^٤).
وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: المهاجرين الذين انقطعوا إلى الله وإلى رسوله وسكنوا المدينة، وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم و﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: سفرًا للتسبب في طلب المعاش والضرب في الأرض هو السفر. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] وقال تعالى] (^٥) ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ …﴾ الآية [المزمل: ٢٠].
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الضياء المقدسي من طريق أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي به (المختارة ١٠/ ١١٥ ح ١١٣).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن محلم عن أبي بكر الحنفي عن عباد بن منصور عن الحسن. وموسى لم أقف على ترجمة له.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي شيبة عن عطاء الخراساني.
(٤) صحيح البخاري، الزكاة، باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم (ح ١٤٢١) وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب ثبوت أجر المتصدق .. (ح ١٠٢٢).
(٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).
[ ٢ / ٢٧٣ ]
وقوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ أي: الجاهل بأمرهم وحالهم يحسبهم أغنياء من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم، وفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس المسكين بهذا الطوّاف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللّقمة واللّقمتان: [والأكلة والأكلتان] (^١)، ولكن المسكين الذي لا يجد غنًى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا" (^٢). رواه أحمد من حديث ابن مسعود أيضًا (^٣).
وقوله: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ أي: بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم، كما قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] وفي الحديث الذي في السنن: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ [الحجر] (^٤).
وقوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ أي: لا يلحون في المسألة ويكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن سأل وله ما يغنيه عن المسألة، فقد ألحق في المسألة.
قال البخاري: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شَريك بن أبي نمر، أن عطاء بن يسار وعبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، قالا: سمعنا أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللّقمة واللّقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرؤوا إن شئتم؛ يعني قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (^٥). وقد رواه مسلم من حديث إسماعيل بن جعفر المديني، عن شَريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار وحده، عن أبي هريرة به (^٦)، وقال أبو عبد الرحمن النسائي: أخبرنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل، أخبرنا شَريك وهو ابن أبي نمر، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة به، عن النبي ﷺ قال: "ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، واللّقمة واللّقمتان، إنما المسكين المتعفف، اقرؤوا إن شئتم ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا …﴾ وروى البخاري من حديث شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .. نحوه (^٧).
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي ذئب، عن أبي الوليد، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "ليس المسكين بالطوَّاف عليكم فتطعمونه لقمة لقمة، إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافًا" (^٨).
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).
(٢) صحيح البخاري، التفسير، سورة البقرة، باب ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] (ح ٤٥٣٩)، وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب المسكين الذي لا يجد غنى (ح ١٠٣٩).
(٣) المسند ١/ ٣٨٤.
(٤) أخرجه الترمذي من طريق عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا ثم قال: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه (السنن، تفسير القرآن، باب ومن سورة الحجر ح ٣١٢٧)، وفي سنده عطية العوفي وهو ضعيف.
(٥) تقدم تخريجه في الحديث قبل السابق.
(٦) تقدم في الحديث قبل السابق.
(٧) صحيح البخاري، الزكاة (ح ١٤٧٦).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
وقال ابن جرير: حدثني معتمر عن [أيمن بن نابل] (^١)، عن صالح بن سويد، عن أبي هريرة، قال: ليس المسكين بالطوَّاف الذي ترده الأكلة والأكلتان، ولكن المسكين المتعفف في بيته لا يسأل الناس شيئًا تصيبه الحاجة، اقرؤوا إن شئتم ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.
وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن رجل من مُزينة أنه قالت له أُمه: ألا تنطلق فتسأل رسول الله ﷺ كما يسأله الناس؟ فانطلقت أسأله فوجدته قائمًا يخطب، وهو يقول: "ومن استعفَّ أعفَّه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن يسأل الناس وله عدل خمس أواق، فقد سأل الناس إلحافًا" (^٢)، فقلت بيني وبين نفسي لناقة: لهي خير من خمس أواق، ولغلامه ناقة أخرى فهي خير من خمس أواق، فرجعت ولم أسأل (^٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن عمارة بن غزية (^٤)، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، قال: سرحتني أُمي إلى رسول الله ﷺ أسأله، فأتيته فقعدت، قال: فاستقبلني فقال: "من استغنى أغناه الله، ومن استعفَّ أعفَّه الله، ومن استكف كفاه الله، ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف"، قال: فقلت: ناقتي الياقوتة خير من أوقية، فرجعت فلم أسأله (^٥). وهكذا رواه أبو داود والنسائي كلاهما عن قتيبة، زاد أبو داود وهشام بن عمار كلاهما، عن عبد الرحمن بن أبي الرجال بإسناده .. نحوه (^٦).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن عمارة بن غزية، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، قال: قال أبو سعيد الخدري، قال رسول الله ﷺ: "من سأل وله قيمة أوقية فهو مُلِحف". والأوقية: أربعون درهمًا (^٧).
وقال أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد، قال: قال رسول الله ﷺ: "ومن سأل أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا" (^٨).
وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "من سأل وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم القيامة خدوشًا أو كدوحًا في وجهه" قالوا: يا رسول الله وما غناه؟
_________________
(١) في الأصل: "الحسن بن ماتك" والتصويب من (عف) و(ح) و(م) والتخريج.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأصله في الصحيحين كما تقدم.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٣٨)، ورجاله ثقات إلا عبد الحميد بن جعفر: صدوق ربما وهم، وجهالة رجل من مزينة لا تضر لأنه صحابي، وله شاهد رواه أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري (السنن، الزكاة، باب من يعطي من الصدقة وحد الغنى ح ١٦٢٨).
(٤) في الأصل: "عرفه" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(م) والتخريج.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٩) وسنده حسن.
(٦) سنن أبي داود، الزكاة، باب مَنْ يُعطي من الصدقة؟ (ح ١٦٢٧)، وسنن النسائي، الزكاة، باب مَنْ المُلحِف؟ ٥/ ٩٨، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن النسائي ح ٢٤٣٢) وحسنه الأرناؤوط في جامع الأصول ١٠/ ١٥٣.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٦)، وسنده صحيح.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
قال: "خمسون درهمًا أو حسابها من الذهب" (^١). وقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث حكيم بن جبير الأسدي الكوفي، وقد تركه شعبة بن الحجاج، وضعفه غير واحد من الأئمة من جراء (^٢) هذا الحديث.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أبو حصين (^٣) عبد الله بن أحمد بن يونس، حدثني أبي، حدثنا أبو بكر بن عياش عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، قال: بلغ الحارث رجلًا كان بالشام من قريش، أن أبا ذرٍّ كان به عَوَز فبعث إليه ثلاثمائة دينار، فقال: ما وجد عبدًا لله أهون عليه مني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سأل وله أربعون فقد ألحف" ولآل أبي ذرٍّ أربعون درهمًا وأربعون شاة وماهنان، قال أبو بكر بن عياش: يعني: خادمين (^٤).
وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا إبراهيم بن محمد، أنبأنا عبد الجبار، أخبرنا سفيان، عن داود بن شابور، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ، قال: "من سأل وله أربعون درهمًا فهو مُلِحف وهو مثل سفّ الملة" يعني: الرمل، ورواه النسائي عن أحمد بن سليمان، عن أحمد بن آدم، عن سفيان وهو: ابن عيينة بإسناده نحوه (^٥).
قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء منه وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه يوم القيامة أحوج ما يكون إليه.
وقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ هذا مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليل ونهار، والأحول من سر وجهر، حتى أن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضًا، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لسعد بن أبي وقاص حين عاده مريضًا عام الفتح، وفي رواية: عام حجة الوداع: "وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة حتى ما تجعل في فيّ امرأتك" (^٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وبهز، قال: حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٨٨)، وحكم عليه الحافظ ابن كثير بالضعف، وقد أخرجه الترمذي وحسنه (السنن، الزكاة، باب ما جاء من تحل له الزكاة ح ٦٥٠)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٥/ ٢٩٨، والأرناؤوط في جامع الأصول ١٠/ ١٥١.
(٢) في الأصل: "جرى" وهو تصحيف.
(٣) في الأصل: "أبو حصن" والتصويب من (عف) و(ح) والتخريج.
(٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢/ ١٥٠)، وفي سنده أبو بكر بن عياش الكوفي: وهو ثقة إلا إنه لما كبر ساء حفظه (التقريب ص ٦٢٤).
(٥) سنن النسائي، الزكاة، باب الإلحاف في المسألة ٥/ ٩٧، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن النسائي ح ٢٤٣١).
(٦) صحيح البخاري، الإيمان (ح ٥٦)، وصحيح مسلم، الوصية (ح ١٦٢٨).
[ ٢ / ٢٧٦ ]
قال: سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري يحدث عن أبي مسعود ﵄، عن النبي ﷺ، أنه قال: "إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة" (^١). أخرجاه من حديث شعبة به (^٢)، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن شعيب، قال: سمعت سعيد بن سنان، عن يزيد بن عبد الله بن عريب المليكي، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ، قال: نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في أصحاب الخيل (^٣).
وقال حنش الصنعاني، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله، رواه ابن أبي حاتم ثم قال: وكذا روى عن أبي أُمامة وسعيد بن المسيب ومكحول (^٤).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا يحيى بن يمان، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن ابن جُبير، عن أبيه، قال: كان لعلي أربعة دراهم، فأنفق درهمًا ليلًا ودرهمًا نهارًا ودرهمًا سرًا ودرهمًا علانية، فنزلت: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ (^٥)، وكذا رواه ابن جرير من طريق عبد الوهاب بن مجاهد (^٦)، وهو ضعيف، ولكن رواه ابن مردويه من وجه آخر عن ابن عباس، أنها نزلت في علي بن أبي طالب (^٧).
وقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطاعات ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ تقدم تفسيره.
﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾.
لما ذكر تعالى الأبرار المؤدين النفقات، المخرجين الزكوات، المتفضلين بالبر والصدقات لذوي الحاجات والقرابات في جميع الأحوال والأوقات، شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها، إلى بعثهم ونشورهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٢٢)، وسنده صحيح.
(٢) صحيح البخاري، الإيمان، باب إنما الأعمال بالنيات (ح ٥٥) وصحيح مسلم، الزكاة، باب فضل النفقة (ح ١٠٠٢).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده سعيد بن سنان وهو متروك كما في التقريب ورماه الدارقطني وغيره بالوضع (تهذيب التهذيب ٤/ ٤٦).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم سنده ومتنه وتعليقه، وسنده حسن.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف.
(٧) أخرجه الطبراني من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس به (المعجم الكبير ١١/ ٩٧ ح ١١١٦٤)، وفي سنده عبد الوهاب بن مجاهد وهو ضعيف وهو كسابقه.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه، وتخبط الشيطان له، وذلك أنه يقوم قيامًا منكرًا.
وقال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا يخنق، رواه ابن أبي حاتم (^١)، قال:
وروي عن عوف بن مالك وسعيد بن جبير والسدي والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان نحو ذلك (^٢)، وحكي عن عبد الله بن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان أنهم قالوا، في قوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾: يعني لا يقومون يوم القيامة (^٣). وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد والضحاك وابن زيد (^٤).
وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن ابن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أنه كان يقرأ: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس يوم القيامة) (^٥).
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا ربيعة بن كلثوم، حدثنا أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، وقرأ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ وذلك حين يقوم من قبره (^٦).
وفي حديث أبي سعيد في الإسراء، كما هو مذكور في سورة سبحان، أنه ﵇ مر ليلتئذ بقوم لهم أجواف مثل البيوت، فسأل عنهم، فقيل: هؤلاء أكلة الربا. رواه البيهقي مطولًا (^٧).
وقال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي الصلت، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات تجري من خارج بطونهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا" (^٨). ورواه الإمام أحمد، عن حسن وعفان وكلاهما عن حماد بن سلمة به (^٩)، وفي إسناده ضعف.
وقد روى البخاري، عن سمرة بن جندب في حديث المنام الطويل: فأتينا على نهر، حسبت
_________________
(١) أخرجه بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.
(٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٣) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند إلا قول سعيد بن جبير أخرجه بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه.
(٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح، وقول عبد الرحمن بن زيد، أخرجه الطبري بسند صحيح، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف كما في التقريب.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه ربيعة بن كلثوم: وهو صدوق يهم، وأبوه كلثوم وهو ابن جبر، وهو مقبول كما في التقريب.
(٧) سيأتي في تفسير أول آية من سورة الإسراء.
(٨) سنن ابن ماجه، التجارات، باب التغليظ في الربا (ح ٢٢٧٣)، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان: وهو ضعيف.
(٩) المسند ٢/ ٣٥٣، وسنده ضعيف كسابقه.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
أنه كان يقول: أحمر مثل الدم، وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح، ثم يأتي الذي قد جمع الحجارة عنده، فيفغر له فاه فيلقمه حجرًا، وذكر في تفسيره أنه آكل الربا (^١).
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ أي: إنما جوزوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه، وليس هذا قياسًا منهم للربا على البيع، لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن ولو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع، وإنما قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ أي: هو نظيره، فلم حُرِّم هذا وأبيح هذا؟ وهذا اعتراض منهم على الشرع، أي: هذا مثل هذا، وقد أحلَّ هذا وحرم هذا، وقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ يحتمل أن يكون من تمام كلام الله (^٢) ردًّا عليهم، أي: على ما قالوه من الاعتراض، مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حكمًا، وهو العليم الحكيم الذي لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها وما ينفع عباده فيبيحه لهم، وما يضرهم ينهاهم عنه، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: من بلغه نهي الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه، فله ما سلف من المعاملة، لقوله: "عفا الله عما سلف" وكما قال النبي ﷺ يوم فتح مكة: "وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدميّ هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس" (^٣)، ولم يأمرهم بردِّ الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية بل عفا عما سلف، كما قال تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾.
قال سعيد بن جبير والسدي: فله ما سلف ما كان أكل من الربا قبل التحريم (^٤).
وقال ابن أبي حاتم: قُرئ على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أُم يونس - يعني امرأته العالية بنت أيفع -، أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت لها أُم محبة أُم ولد لزيد بن أرقم: يا أُم المؤمنين أتعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم، قالت: فإني بعته عبدًا إلى العطاء بثمانمائة، فأحتاج إلى ثمنه، فاشتريته قبل محل الأجل بستمائة، فقالت: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ، إن لم يتب، قال: فقلت: أرأيت إن تركت المائتين وأخذت الستمائة؟ قالت: نعم ﴿فَمَنْ (^٥) جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (^٦)، وهذا الأثر مشهور وهو دليل لمن حرَّم مسألة العينة، مع ما جاء فيها من الأحاديث المذكورة المقررة في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة.
_________________
(١) صحيح البخاري، التعبير، باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح (ح ٧٠٤٧).
(٢) سقط لفظ: "الجلالة"، واستدرك من (عف) و(ح) و(م).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر الطويل كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ (ح ١٢١٨).
(٤) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه، وقول السدي أخرجه الطبري من طريق أسباط عن السدي بسند حسن.
(٥) في الأصل: "من" والتصويب من التخريج.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وقال عنه الحافظ ابن كثير: مشهور.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ أي: إلى الربا ففعله بعد بلوغه نهي الله عنه، فقد استوجب العقوبة، وقامت عليه الحجّة، ولهذا قال: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وقد قال أبو داود: حدثنا يحيى أبو داود، حدثنا يحيى بن معين، أخبرنا عبد الله بن رجاء المكي، عن عبد الله بن عثمان خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ قال رسول الله ﷺ: "من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله" (^١). ورواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن خثيم، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه (^٢).
وإنما حرمت المخابرة وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض والمزابنة: وهي اشتراء الرطب في رؤوس النخل وبالتمر على وجه الأرض، والمحاقلة وهي اشتراء الحبّ في سنبله في الحقل بالحبّ على وجه الأرض، إنما حُرِّمت هذه الأشياء وما شاكلها [حسمًا لمادة الربا] (^٣)، لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف، ولهذا قال الفقهاء: الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة، ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى الربا والوسائل الموصلة إليه، وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب الله لكل منهم من العلم، وقد قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] وباب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ عهد إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا (^٤) - يعني بذلك بعض المسائل التي فيها شائبة الربا - والشريعة شاهدة بأن كل حرام فالوسيلة إليه مثله، لأن ما أفضى إلى الحرام حرام، كما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبين ذلك أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه (^٥). وفي السنن عن الحسن بن علي ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (^٦) وفي الحديث الآخر: "الإثم ما حاك في القلب وتردَّدت فيه النفس، وكرهت أن يطلع عليه الناس" وفي رواية: "استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك" (^٧).
_________________
(١) سنن أبي داود، البيوع، باب في المخابرة (ح ٣٤٠٦)، وقد عرّف الحافظ ابن كثير: المخابرة. ولم يذكره الألباني في صحيح سنن أبي داود.
(٢) المستدرك ٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(م).
(٤) متفق عليه أخرجه البخاري في صحيحه، الأشربة، باب ما جاء في أن الخمر من خامر العقل من الشراب (ح ٥٥٨٨)، ومسلم في صحيحه، التفسير (ح ٣٠٣٢).
(٥) صحيح البخاري، الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه (ح ٥٢)، وصحيح مسلم، كتاب المساقاة (ح ١٥٩٩).
(٦) أخرجه الترمذي، السنن، صفة القيامة (ح ٢٦٥٠)، وصححه أحمد شاكر، والألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٠٤٥).
(٧) أخرج الإمام أحمد بسند ضعيف من حديث وابصة بن معبد الأسدي: البر ما انشرح له صدرك، والإثم ما =
[ ٢ / ٢٨٠ ]
وقال الثوري، عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس، قال: آخر ما نزل على رسول الله ﷺ، آية الربا، رواه البخاري عن قبيصة عنه (^١).
وقال أحمد: عن يحيى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، أن عمر قال: من آخر ما نزل آية الربا، وإن رسول الله ﷺ قبض قبل أن يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة (^٢)، رواه ابن ماجه (^٣) وابن مردويه. وروى ابن مردويه من طريق هياج بن بسطام، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: خطبنا عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إني لعلّي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم، وآمركم بأشياء لا تصلح لكم، وإن من آخر القرآن نزولًا آية الربا، وإنه قد مات رسول الله ﷺ ولم يبيّنه لنا، فدعوا ما يريبكم، إلى ما لا يريبكم (^٤).
وقد قال ابن ماجه: حدثنا عمرو بن علي الصيرفي، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن زبيد، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عبد الله، هو ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "الربا ثلاثة وسبعون بابًا" (^٥). ورواه الحاكم في مستدركه: من حديث عمرو بن علي الفلاس بإسناده مثله، وزاد: "أيسرها أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم" وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٦).
وقال ابن ماجه: حدثنا عبد الله بن سعيد، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن أبي (^٧) معشر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "الربا سبعون حوبًا، أيسرها أن ينكح الرجل أُمه" (^٨).
وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، عن عباد بن راشد، عن سعيد بن أبي خيرة، حدثنا الحسن منذ نحو أربعين أو خمسين سنة، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا"، قال: قيل له: الناس كلهم؟ قال: "من لم يأكله منهم ناله من غباره" (^٩). وكذا
_________________
(١) = حاك في صدرك وإن أفتاك الناس (المسند ٢٩/ ٥٢٣ ح ١٧٩٩٩)، ويشهد لبعض حديثه النواس بن سمعان: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس" (المسند ح ١٧٦٣١)، وسنده صحيح.
(٢) صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] (ح ٤٥٤٤).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٦١ ح ٢٤٦)، وحسنه محققوه. لكن سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر (المراسيل لابن أبي حاتم ص ٧١، ٧٢).
(٤) أخرجه من طريق ابن أبي عروبة به (السنن، التجارات، باب التغليظ في الربا ح ٢٢٦٧)، وصحح إسناده البوصيري (مصباح الزجاجة ٢/ ١٩٨).
(٥) في سنده: هياج بن بسطام وهو ضعيف جدًّا (ميزان الاعتدال ٤/ ٣١٨).
(٦) السنن، التجارات، باب التغليظ في الربا (ح ٢٢٧٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٨٤٧).
(٧) المستدرك ٢/ ٣٧.
(٨) في الأصل: "بن" وهو تصحيف.
(٩) السنن، التجارات، باب التغليظ في الربا (ح ٢٢٧٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٨٤٤).
(١٠) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٩٤)، وفي سنده سعيد بن أبي خيرة: وهو مقبول، وعباد بن راشد: وهو صدوق له أوهام (التقريب ١/ ٢٩٤، ٣٩١)، والحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة.
[ ٢ / ٢٨١ ]
رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، من غير وجه، عن سعيد بن أبي خيرة، عن الحسن به (^١)، ومن هذا القبيل تحريم الوسائل المفضية إلى المحرمات، الحديث الذي رواه الإمام أحمد، حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عائشة، قالت: لما نزلت الآيات من آخر سروة البقرة في الربا خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فقرأهن، فحرم التجارة في الخمر (^٢). وقد أخرجه الجماعة، سوى الترمذي، من طرق عن الأعمش به، وهكذا لفظ رواية البخاري عند تفسير هذه الآية، فحرم التجارة، وفي لفظ له عن عائشة، قالت: لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا، قرأها رسول الله ﷺ على الناس، ثم حرَّم التجارة في الخمر (^٣). قال بعض من تكلم على هذا الحديث من الأئمة: لما حرم الربا ووسائله حرم الخمر وما يفضي إليه من تجارة ونحو ذلك، كما قال ﵇ في الحديث المتفق عليه: "لعن الله اليهود حُرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها" (^٤).
وقد تقدم في حديث علي وابن مسعود وغيرهما، عند لعن المحلّل في تفسير قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] قوله ﷺ: "لعن الله آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه" (^٥)، قالوا: وما يشهد عليه ويكتب إلا إذا أظهر في صورة عقد شرعي، ويكون داخله فاسدًا، فالاعتبار بمعناه لا بصورته، لأن الأعمال بالنيات، وفي الصحيح: "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنَّما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (^٦).
وقد صنف الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية كتابًا في إبطال التحليل، تضمن النهي عن تعاطي الوسائل المفضية إلى كل باطل، وقد كفى في ذلك، وشفى، فرحمه الله، ورضي عنه.
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾.
يخبر الله تعالى أنه يمحق الربا، أي يذهبه إما بأن يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعتدمه به في الدنيا ويعاقبه عليه يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠] وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى (^٧) بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ [الأنفال: ٣٧] وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا
_________________
(١) سنن أبي داود، البيوع، باب في اجتناب الشبهات (ح ٣٣٣١)، وسنن النسائي، البيوع، باب في اجتناب الشبهات في الكسب ٧/ ٢٤٣، وسنن ابن ماجه، التجارات، باب التغليظ في الربا (ح ٢٢٧٨)، وحكمه كسابقه.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٦)، وسنده صحيح.
(٣) صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (ح ٤٥٤٠)، وصحيح مسلم المساقاة، باب تحريم بيع الخمر ١٥٨.
(٤) صحيح البخاري، البيوع، باب لا يذاب شحم الميتة (ح ٢٢٢٣)، وصحيح مسلم، كتاب المساقاة، باب لعن أكل الربا (ح) ١٥٨٢.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر، كتاب المساقاة، باب لعن أكل الربا وموكله (ح ١٥٩٨).
(٦) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، الصحيح، كتاب البر والصلة (ح ٢٥٦٤).
(٧) في الأصل: "فوق" وهو سبق متأثرًا بالمعنى.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [الروم: ٣٩]، وقال ابن جرير في قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾: وهذا نظير الخبر الذي روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الربا وإن كَثُر فإن عاقبته تصير إلى قلّ (^١).
وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد في مسنده، فقال: حدثنا حجاج. حدثنا شريك، عن الركين بن الربيع، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: "إن الربا وإن كَثُر فإن عاقبته تصير (^٢) إلى قلّ" (^٣)، وقد رواه ابن ماجه: عن العباس بن جعفر، عن عمرو بن عون، عن يحيى بن زائدة، عن إسرائيل، عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ، أنه قال: "ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قل" (^٤).
وهذا من باب المعاملة، بنقيض المقصود، كما قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا الهيثم بن نافه الظاهري، حدثني أبو يحيى رجل من أهل مكة، عن فروخ مولى عثمان، أن عمر وهو يومئذٍ أمير المؤمنين، خرج من المسجد فرأى طعامًا منثورًا، فقال: ما هذا الطعام؟ فقالوا: طعام جلب إلينا، قال: بارك الله فيه وفيمن جلبه، قيل: يا أمير المؤمنين إنه قد احتكر، قال: من احتكره؟ قالوا: فروخ مولى عثمان وفلان مولى عمر، فأرسل إليهما، فقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ قالا: يا أمير المؤمنين نشتري بأموالنا ونبيع، فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالإفلاس أو بجُذام"، فقال فروخ عند ذلك: أعاهد الله وأعاهدك أن لا أعود في طعام أبدًا، وأما مولى عمر فقال: إنما نشتري بأموالنا ونبيع، قال أبو يحيى: فلقد رأيت مولى عمر مجذومًا (^٥)، ورواه ابن ماجه من حديث الهيثم بن رافع به، ولفظه: "من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالإفلاس والجذام" (^٦).
وقوله: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ قُرِئ بضم الياء والتخفيف، من ربا الشيء يربو وأرباه يربيه، أي كثره ونماه ينميه، وقُرِئ: "يُربي" بالضم والتشديد من التربية (^٧).
كما قال البخاري: حدثنا عبد الله بن المنير (^٨)، سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يُربي أحدكم فلوه، حتى يكون مثل الجبل" كذا رواه في كتاب الزكاة (^٩)، وقال في
_________________
(١) أخرجه بحذف الإسناد ٥/ ٤٥، وهو حديث صحيح.
(٢) في الأصل: "فإن كثر فإلى قل"، والتصويب من التخريج.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٣٧٥٤)، وصححه أحمد شاكر.
(٤) السنن، التجارات، باب التغليظ في الربا (ح ٢٢٧٩)، وصحح إسناده البوصيري (مصباح الزجاجة ٢/ ١٩٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٨٤٨).
(٥) أخرجه الإمام أحمد سنده ومتنه (المسند ح ١٣٥)، وصححه أحمد شاكر.
(٦) السنن، التجارات، باب الحكرة والجلب (ح ٢١٥٥)، وصحح إسناده البوصيري (مصباح الزجاجة ٢/ ١٦٤).
(٧) القراءة الأولى متواترة والثانية بالتشديد شاذة تفسيرية.
(٨) في الأصل: "بن كثير" والتصويب من (عف) و(حم) و(م) والتخريج.
(٩) صحيح البخاري، الزكاة، باب الصدقة من كسب طيب (ح ١٤١٠).
[ ٢ / ٢٨٣ ]
كتاب التوحيد: وقال خالد بن مخلد بن سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار … فذكره بإسناده نحوه (^١)، وقد رواه مسلم في الزكاة، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن خالد بن مخلد، فذكره (^٢)، قال البخاري ورواه مسلم بن أبي مريم، وزيد بن أسلم، وسهيل، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ.
قلت: أما رواية مسلم بن أبي مريم، فقد تفرد البخاري بذكرها، وأما طريق زيد بن أسلم، فرواها مسلم في صحيحه، عن أبي الطاهر بن السرح، عن أبي وهب، عن هشام بن سعيد، عن زيد بن أسلم به، وأما حديث سهيل، فرواه مسلم، عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سُهيل به، والله أعلم (^٣)، قال البخاري: وقال ورقاء، عن ابن دينار، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ (^٤).
وقد أسند هذا الحديث من هذا الوجه الحافظ أبو بكر البيهقي، عن الحاكم وغيره، عن الأصم، عن العباس المروزي، عن أبي النضر، هاشم بن القاسم، عن ورقاء وهو: ابن عمر اليشكري، عن عبد الله بن دينار، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه فيربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلّوه، حتى يكون مثل أُحد" (^٥) وهكذا روى هذا الحديث مسلم والترمذي والنسائي جميعًا، عن قتيبة، عن الليث بن سعد، عن سعد المقبري، وأخرجه النسائي من رواية مالك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ومن طريق يحيى القطان، عن محمد بن عجلان، ثلاثتهم عن سعيد بن يسار أبي الحباب المدني، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، فذكره (^٦).
وقد روي عن أبي هريرة من وجه آخر، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي (^٧)، حدثنا وكيع، عن عباد بن منصور، حدثنا القاسم بن محمد قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "إن الله ﷿ يقبل الصدقة، ويأخذها بيمينه فيريبها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره أو فلوه، حتى إن اللقمة لتصير مثل أُحد" وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (^٨) وكذا رواه أحمد، عن وكيع، وهو في تفسير وكيع (^٩)، ورواه الترمذي، عن أبي كريب عن وكيع به، وقال: حسن صحيح (^١٠)، وكذا رواه الثوري عن عباد بن منصور به، ورواه أحمد أيضًا عن خلف بن الوليد، عن ابن المبارك، عن عبد الواحد بن ضمرة وعباد بن
_________________
(١) صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] (ح ٧٤٣٠).
(٢) صحيح مسلم، الزكاة، باب قبول الصدقة (ح ١٠١٤).
(٣) المصدر السابق بعد الحديث المذكور.
(٤) ذكره البخاري في الكتابين السابقين: الزكاة والتوحيد.
(٥) السنن الكبرى ٤/ ١٧٦ ويشهد له ما سبق.
(٦) صحيح مسلم في الباب السابق.
(٧) في الأصل: "الأزدي" وهو تصحيف، والتصويب من (عف) و(م) و(حم) والتخريج.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٩) المسند ٢/ ٤٧١ ويشهد له ما سبق.
(١٠) السنن، الزكاة، باب ما جاء في فضل الصدقة (ح ٦٦٢).
[ ٢ / ٢٨٤ ]
منصور، كلاهما عن القاسم (^١) به (^٢)، وقد رواه ابن جرير، عن محمد بن عبد الملك بن إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن القاسم بن محمد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن العبد إذا تصدق من طيب يقبلها الله منه، فيأخذها بيمينه ويربيها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، وإن الرجل ليتصدق باللقمة فتربو في يد الله - أو قال: في كفِّ الله - حتى تكون مثل أُحد، فتصدقوا" (^٣). وهكذا رواه أحمد: عن عبد الرزاق (^٤)، وهذا طريق غريب صحيح الإسناد، ولكن لفظه عجيب، والمحفوظ ما تقدم، وروي عن عائشة أُم المؤمنين، فقال الإمام أحمد، حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد عن ثابت، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة كما يربي أحدكم فلوَّه أو فصيله حتى يكون مثل أُحد" (^٥) تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقال البزار: حدثنا يحيى بن المعلى بن منصور، حدثنا إسماعيل، حدثني أبي، عن يحيى بن سعيد، عن عَمرة، عن عائشة، عن النبي ﷺ وعن الضحاك بن عثمان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن الرجل ليتصدق بالصدقة من الكسب الطيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فيتلقاها الرحمن بيده، فيربيها كما يربي أحدكم فلوَّه أو وصيفه" أو قال: "فصيله"، ثم قال: لا نعلم أحدًا رواه عن يحيى بن سعيد عن عمرة إلا أبا أويس (^٦).
وقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ أي: لا يحب كفور القلب أثيم القول والفعل، ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من الكسب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل - ثم قال تعالى مادحًا للمؤمنين بربهم، المطيعين أمره المؤدين شكره، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مخبرًا عما أعد لهم من الكرامة، وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنون فقال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾.
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، ناهيًا لهم عما يقربهم إلى سخطه ويبعدهم عن رضاه،
_________________
(١) في الأصل: "عن أبي نضرة" والتصويب من (عف) و(م) و(ح) والتخريج من المسند.
(٢) المسند ٢/ ٤٠٤.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٤) المسند ٢/ ٢٦٨.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٥١)، ويشهد له ما سبق.
(٦) في سنده أبو أويس: عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي: وهو صدوق يهم (التقريب ص ٣٠٩)، وقد توبع في الروايات السابقة.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: خافوه وراقبوه فيما تفعلون ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ أي: اتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رؤوس الأموال، بعد هذا الإنذار ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بما شرع الله لكم من تحليل البيع وتحريم الربا وغير ذلك، وقد ذكر زيد بن أسلم، وابن جريج (^١) ومقاتل بن حيان والسدي، أن هذا السياق نزل في بني عمرو بن عمير من ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه، طلبت ثقيف أن تأخذه منهم، فتشاورا وقالت بني المغيرة: لا نؤدي الربا في الإسلام بكسب الإسلام، فكتب في ذلك عتاب بن أُسيد، نائب مكة إلى رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول الله ﷺ إليه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فقالوا: نتوب إلى الله، ونذر ما بقي من الربا، فتركوه كلهم (^٢).
وهذا تهديد ووعيد أكيد، لمن استمر على تعاطى الربا بعد الإنذار قال ابن جريج: قال ابن عباس:، ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ أي: استيقنوا بحرب من الله ورسوله (^٣)، وتقدم من رواية ربيعة بن كلثوم، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، ثم قرأ ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^٤).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فمن كان مقيمًا على الربا لا ينزع عنه، كان حقًّا على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلَّا ضرب عنقة (^٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن بشار (^٦)، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن وابن سيرين، أنهما قالا: والله إن هؤلاء الصيارفة لأكلة الربا، وإنهم قد أذنوا بحرب من الله ورسوله، ولو كان على الناس إمام عادل لاستتابهم، فإن تابوا وإلا وضع فيه السلاح (^٧).
وقال قتادة: أوعدهم الله بالقتل كما يسمعون، وجعلهم بهرجًا أين ما أتوا، فإياكم ومخالطة هذه البيوع من الربا، فإن الله قد أوسع الحلال وأطابه، فلا يلجئنكم إلى معصيته فاقة. رواه ابن أبي حاتم (^٨).
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن ابن جريج، وأخرجه بسند حسن عن السدي بنحوه وهو مرسل ويتقوى برواية مقاتل بن حيان التالية.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل لكنه مرسل، وهذا القول مع قول السدي يقوي أحدهما الآخر.
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن جريج به، وابن جريج لم يلق ابن عباس ويشهد له قول قتادة والربيع والحسن وابن سيرين كما سيأتي.
(٤) تقدم في تفسير الآية ٢٧٥ وتبين أنه ضعيف الإسناد.
(٥) أخرجه الطبرى وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق على بن أبي طلحة به.
(٦) في الأصل: "ابن يسار" وهو تصحيف والتصويب من التخريج.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وقال الربيع بن أنس: أوعد الله آكل الربا بالقتل. رواه ابن جرير (^١).
وقال السهيلي: ولهذا قالت عائشة لأُم محبة مولاة زيد بن أرقم في مسألة العينة: أخبريه أن جهاده مع النبي ﷺ قد بطل إلا أن يتوب، فخصَّت الجهاد لأنه ضد قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: وهذا المعنى ذكره ابن بطال (^٢)، قال: ولكن هذا إسناده إلى عائشة ضعيف.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ أي: بأخذ الزيادة ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ أي: بوضع رؤوس الأموال أيضًا، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحسين بن أشكاب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن شبيب بن غرقدة البارقي، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، عن أبيه، قال: خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فقال: "ألا إن كل ربًا كان في الجاهلية موضوع عنكم كله، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وأول ربا موضوع ربا العباس بن عبد المطلب، موضوع كله" وكذا وجدته: سليمان بن الأحوص (^٣).
وقال ابن مردويه: حدثنا الشافعي، حدثنا معاذ بن المثنى، أخبرنا مسدد، أخبرنا أبو الأحوص، حدثنا شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ألا إن كلّ ربا من ربا الجاهلية موضوع، فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون" وكذا رواه من حديث حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي حرة الرقاشي، عن عمر وهو: ابن خارجة … فذكره (^٤).
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ يأمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء، فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه إذا حلَّ عليه الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي، ثم يندب إلى الوضع عنه، ويعد على ذلك الخير والثواب الجزيل، فقال: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: وأن تتركوا رأس المال بالكلية وتضعوه عن المدين، وقد وردت الأحاديث من طرق متعددة عن النبي ﷺ بذلك.
(فالحديث الأول) عن أبي أُمامة أسعد بن زرارة. قال الطبراني (^٥): حدثنا عبد الله بن محمد بن شعيب الرجاني، حدثنا يحيى بن حكيم المقوم، حدثنا محمد بن بكر البرساني، حدثنا عبد الله بن
_________________
(١) أخرجه الطبري من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع.
(٢) في الأصل: "كثير" والتصويب من (ح) و(م).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه سليمان بن عمرو بن الأحوص: مقبول كما في التقريب، ولبعضه شاهد في صحيح مسلم من حديث جابر: في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ (ح ١٢١٨).
(٤) الطريق الأول أخرجه أبو داود (السنن، البيوع، باب في وضع الربا ح ٣٣٣٤)، والترمذي (السنن، التفسير، سورة التوبة ح ٣٥٨٧)، وقال: حسن صحيح، وصححه ابن عبد البر (الاستيعاب في حاشية الإصابة ٢/ ٥١٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٨٥٢)، أما الطريق الثاني ففيه علي بن زيد بن جدعان: ضعيف كما في التقريب.
(٥) في الأصل: "الطبري" وهو تصحيف والتصويب من التخريج.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
أبي زياد، حدثني عاصم بن عبيد الله، عن أبي أُمامة أسعد بن زرارة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من سرَّه أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله، فلييسر على معسر أو ليضع عنه" (^١).
(حديث آخر) عن بريدة. قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الوارث، حدثنا محمد بن جحادة، عن سليمان بن بَريدة، عن أبيه، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة" قال: ثم سمعته يقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثلاه صدقة" قلت: سمعتك يا رسول الله تقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة". ثم سمعتك تقول: "من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثلاه صدقة"، قال: "له لكل يوم مثله صدقة قبل أن يحلَّ الدين، فإذا حلَّ الدين فانظره، فله بكل يوم مثلاه صدقة" (^٢).
(حديث آخر) عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري، قال أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو جعفر الخطمي، عن محمد بن كعب القرظي، أن أبا قتادة كان له دين على رجل، وكان يأتيه يتقاضاه فيختبى منه، فجاء ذات يوم فخرج صبي، فسأله عنه، فقال: نعم هو في البيت يأكل خزيرة (^٣)، فناداه، فقال: يا فلان، اخرج فقد أخبرت أنك هاهنا، فخرج إليه، فقال: ما يغيبك عني؟ فقال: إني معسر وليس عندي شيء، قال: آلله أنك معسر؟ قال: نعم، فبكى أبو قتادة، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نفّس عن غريمه، أو محا عنه، كان في ظل العرش يوم القيامة" (^٤)، ورواه مسلم في صحيحه (^٥).
(حديث آخر) عن حذيفة بن اليمان، قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا الأخنس أحمد بن عمران، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن ربعي بن خراش، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ: "أتى الله بعبد من عبيده يوم القيامة قال: ماذا عملت في الدنيا؟ فقال: ما عملت لك يا رب مثقال ذرة في الدنيا أرجوك بها - قالها ثلاث مرات - قال العبد عند آخرها: يا رب إنك كنت أعطيتني فضل مال، وكنت رجلًا أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز، فكنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر، قال: فيقول الله ﷿: أنا أحق من ييسر، ادخل الجنة". وقد أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجه من طرق عن ربعي بن حراش، عن حذيفة. زاد مسلم وعقبة بن عامر وأبي مسعود البدري عن النبي ﷺ … بنحوه (^٦)، ولفظ البخاري (^٧).
_________________
(١) المعجم الكبير ١/ ٣٠٤، وفي مسنده عاصم بن عبيد الله بن عاصم العدوي: وهو ضعيف (التقريب ص ٢٨٥).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٦٠)، وأخرجه الترمذي من حديث ابن مسعود وأبي هريرة وصححهما (السنن، البيوع، باب ما جاء في إنظار المعسر ح ١٣٠٦، ١٣٠٧)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٥/ ٢٦١.
(٣) الخزيرة: طعام من لحم يقطع صغارًا ويُصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذرَّ عليه الدقيق (النهاية ٢/ ٢٨).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٠٨)، وأخرجه الدارمي من طريق عفان به (السنن، الاستئذان، باب فيمن انظر: معسرًا ٢/ ٢٦١)، ورجاله ثقات إلا أبا جعفر الخطمي وهو عمير بن يزيد بن عمير وهو صدوق، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٥/ ٣٦٤.
(٥) صحيح مسلم، المساقاة، باب فضل إنظار المعسر (ح ١٥٦٣).
(٦) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (ح ٣٤٥١)، وصحيح مسلم، المساقاة، باب فضل إنظار المعسر (ح ١٥٦١).
(٧) كذا في النسخ الخطية ولم يذكره البخاري بلفظه.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
(حديث آخر) عن سهل بن حنيف، قال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، حدثنا عمرو بن ثابت، حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عبد الله بن سهل بن حنيف، أن سهلًا حدثه: أن رسول الله ﷺ، قال: "من أعان مجاهدًا في سبيل الله أو غازيًا أو غارمًا في عسرته أو مكاتبًا في رقبته أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^١).
(حديث آخر) عن عبد الله بن عمر، قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، عن يوسف بن صهيب، عن زيد العمي، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته، فليفرج عن معسر" (^٢). انفرد به أحمد.
(حديث آخر) عن أبي مسعود عقبة بن عمرو. قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أبو مالك، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة أن رجلًا أتى به الله ﷿، فقال: ماذا عملت في الدنيا؟ فقال له الرجل: ما عملت مثقال ذرة من خير، فقال ثلاثًا، وقال في الثالثة: إني كنت أعطيتني فضلًا من المال في الدنيا، فكنت أبايع الناس، فكنت أيسر على الموسر، وأنظر المعسر. فقال ﵎: نحن أولى بذلك منك، تجاوزا عن عبدي، فغفر له. قال أبو مسعود: هكذا سمعت من النبي ﷺ (^٣)، وهكذا رواه مسلم من حديث أبي مالك سعد بن طارق به (^٤).
(حديث آخر) عن عمران بن حصين. قال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي داود، عن عمران بن حصين قال، قال: رسول الله ﷺ: "من كان له على رجل حق فأخره، كان له بكل يوم صدقة" (^٥)، غريب من هذا الوجه، وقد تقدم عن بُريدة … نحوه.
(حديث آخر) عن أبي اليسر كعب بن عمرو. قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، قال: حدثنا أبو اليسر، أن رسول الله ﷺ، قال: "من أنظر معسرًا أو وضع عنه، أظله الله ﷿ في ظله يوم لا ظل إلا ظله" (^٦).
وقد أخرجه مسلم في صحيحه ومن وجه آخر من حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله ﷺ، ومعه غلام له معه ضمامة من صحف، وعلى أبي
_________________
(١) المستدرك ٢/ ٢١٧، وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: بل عمرو رافضي متروك.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٤٧٤٩)، وقال أحمد شاكر: في إسناده نظر وأرجح أن يكون منقطعًا، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير ٥/ ١٥٩، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٤/ ١٣٣).
(٣) أخرجه الإمام أحمد سنده ومتنه (المسند ٤/ ١١٨)، وسنده صحيح.
(٤) صحيح مسلم، المساقاة، باب فضل أنظار المعسر (ح ١٥٦٠).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤٤٢)، وفي سنده أبو داود، واسمه نفيع بن الحارث: وهو متروك، كما في التقريب، وقال الهيثمي: كذاب (مجمع الزوائد ٤/ ١٣٥).
(٦) المسند ٣/ ٤٢٧، ويشهد له ما سبق.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
اليسر بُردة ومعافري (^١)، وعلى غلامة بُردة ومعافري، فقال له أبي: يا عمِّ، إني أرى في وجهك سفعة (^٢) من غضب، قال: أجل كان لي على فلان بن فلان - الحرامي - مال، فأتيت أهله، فسلمت فقلت: أثم هو؟ قالوا: لا، فخرج عليّ ابن له جفر (^٣)، فقلت: أين أبوك؟ فقال: سمع صوتك فدخل أريكة أُمي، فقلت: اخرج إليَّ، فقد علمت أين أنت، فخرج، فقلت: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك، خشيت والله أن أحدثك فأكذبك أو أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول الله، وكنت والله معسرًا. قال: قلت: آلله؟ قال: الله، ثم قال: فأتى بصحيفته فمحاها بيده، ثم قال: فإن وجدت قضاء فاقضني وإلا فأنت في حل، فأشهد بصر عيناي هاتان - ووضع أصبعيه على عينيه - وسمع أذناي هاتان، ووعاه قلبي - وأشار إلى نياط قلبه -، رسول الله ﷺ وهو يقول: "من أنظر معسرًا أو وضع عنه، أظله الله في ظله … ". وذكر تمام الحديث (^٤).
(حديث آخر) عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبو يحيى البزاز محمد بن عبد الرحمن، حدثنا الحسن بن أسد بن سالم الكوفي، حدثنا العباس بن الفضل الأنصاري، عن هشام بن زياد القرشي، عن أبيه، عن محجن مولى عثمان، عن عثمان، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أظل الله عينًا في ظله يوم لا ظل إلا ظله، من أنظر معسرًا، أو ترك لغارم" (^٥).
(حديث آخر) عن ابن عباس، قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا نوح بن جعونة السلمي الخراساني، عن مقاتل بن حيان، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد وهو يقول بيده هكذا، وأومأ عبد الرحمن بيده إلى الأرض: "من أنظر معسرًا أو وضع عنه، وقاه الله من فيح جهنم ألا إن عمل الجنة حزن بربوة - ثلاثًا - ألا إن عمل النار سهل بسهوة، والسعيد من وقي الفتن، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانًا" (^٦) تفرد به أحمد.
(طريق آخر) قال الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد البوراني قاضي الحديبية من ديار ربيعة، حدثنا الحسن بن علي الصدائي، حدثنا الحكم بن الجارود، حدثنا ابن أبي المتئد خال ابن عيينة، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عباس قال رسول الله ﷺ: "من أنظر معسرًا إلى ميسرته أنظره الله بذنبه إلى توبته" (^٧).
ثم قال تعالى يعظ عباده، ويذكرهم زوال الدنيا، وفناء ما فيها من الأموال وغيرها، وإتيان الآخرة، والرجوع إليه تعالى، ومحاسبته تعالى خلقه على ما عملوا، ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر، ويحذرهم عقوبته، فقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ
_________________
(١) البردة: كسا مخطط، ومعافري نوع من الثياب.
(٢) السفعة: العلامة.
(٣) الجفر: هو الذي قارب البلوغ كما في حاشية صحيح مسلم.
(٤) وهو حديث طويل (صحيح مسلم، الزهد والرقائق، باب حديث جابر الطويل ح ٣٠٠٦).
(٥) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في المسند بلفظه ومتنه، وذكر المحققون أن إسناده ضعيف جدًّا بسبب العباس بن الفضل الأنصاري الواقفي (المسند ١/ ٥٤٨ ح ٥٣٢).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وضعفه أحمد شاكر بسبب نوح بن جعونة (المسند ح ٣٠١٧).
(٧) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ١٥١)، وفي سنده الحكم بن الجارود ضعفه الأزدي، وقال أبو حاتم: مجهول (لسان الميزان ٢/ ٣٣٢).
[ ٢ / ٢٩٠ ]
وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾، وقد روي أن هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن العظيم، فقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: آخر ما نزل من القرآن كله ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾، وعاش النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، رواه ابن أبي حاتم (^١).
وقد رواه ابن مردويه من حديث المسعودي عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ وقد رواه النسائي من حديث يزيد النحوي، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس، قال: آخر شيء نزل من القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ (^٢)، وكذا رواه الضحاك والعوفي عن ابن عباس (^٣).
وروى الثوري عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: آخر آية نزلت: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ فكان بين نزولها وموت النبي ﷺ واحد وثلاثون يومًا (^٤).
وقال ابن جريج: قال ابن عباس: آخر آية نزلت: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية (^٥).
وقال ابن جريج: يقولون: إن النبي ﷺ عاش بعدها تسع ليال وبدء يوم السبت ومات يوم الاثنين، رواه ابن جرير (^٦) ورواه عطية عن أبي سعيد، قال آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ (^٧).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾.
هذه الآية الكريمة أطول آية في القرآن العظيم، وقد قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وهو مرسل.
(٢) في سنده المسعودي وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة: وهو صدوق اختلط (التقريب ص ٣٤٤)، وأخرجه الطبراني من طريق المسعودي (المعجم الكبير ١٢/ ٢٣ ح ١٢٣٥٧)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات (مجمع الزوائد ٦/ ٣٢٧)، وقد توبع كما سيأتي في رواية النسائي.
(٣) السنن الكبرى، التفسير (ح ٧٧).
(٤) في سنده الكلبي وهو محمد بن السائب، قد صرح بأن كل ما رواه عن أبي صالح عن ابن عباس، فهو كذب، كما في ترجمته في تهذيب التهذيب.
(٥) سنده منقطع، لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده معضل.
(٧) في سنده عطية وهو العوفي: وهو ضعيف، كما في التقريب.
[ ٢ / ٢٩١ ]
يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس عن ابن شهاب، قال: حدثني سعيد بن المسيب أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين (^١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس أنه قال لما نزلت آية الدين: قال رسول الله ﷺ: "إن أول من جحد آدم ﵇، إن الله لما خلق آدم مسح ظهره، فأخرج منه ما هو ذار إلى يوم القيامة، فجعل يعرض ذريته عليه فرأى فيهم رجلًا يزهر، فقال: أي ربِّ من هذا؟ قال: هو ابنك داود، قال: أي ربِّ، كم عمره، قال: ستون عامًا، قال: ربِّ زد في عمره، قال: لا إلّا أن أزيده من عمرك، وكان عمر آدم ألف سنة، فزاده أربعين عامًا، فكتب عليه بذلك كتابًا وأشهد عليه الملائكة، فلما احتضر آدم وأتته الملائكة، قال: إنه بقي من عمري أربعون عامًا، فقيل له: إنك وهبتها لابنك داود، قال: ما فعلت، فأبرز الله عليه الكتاب وأشهد عليه الملائكة". وحدثنا أسود بن عامر، عن حماد بن سلمة … فذكره وزاد فيه: "فأتمها الله لداود مائة وأتمها لآدم ألف سنة" (^٢). وكذا رواه ابن أبي حاتم عن يونس (^٣) بن حبيب، عن أبي داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة (^٤). هذا حديث غريب جدًّا، وعلي بن زيد بن جدعان في أحاديثه نكارة، وقد رواه الحاكم في مستدركه بنحوه من حديث الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب (^٥)، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ومن رواية أبي داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن أبي هريرة، ومن طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ومن حديث تمام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ … فذكره بنحوه (^٦).
فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها، ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها، وقد نبه على هذا في آخر الآية حيث قال: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾.
وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ قال: أنزلت في السلم إلى أجل غير معلوم.
وقال قتادة: عن أبي حسان الأعرج، عن ابن عباس، قال: أشهد السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحلَّه وأذن فيه، ثم قرأ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، رواه البخاري (^٧).
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٥١، ٢٥٢)، وفيه علي بن زيد بن جدعان: ضعيف، كما في التقريب.
(٣) في الأصل: "يوسف" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(م) والتخريج.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وحكم الحافظ عليه.
(٥) في الأصل: "وثاب" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(حم) والتخريج.
(٦) المستدرك ١/ ٦٤، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٧) هذه الرواية لم أجدها في صحيح البخاري، وسنده حسن.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وثبت في الصحيحين من رواية سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس، قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال رسول الله ﷺ: "من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" (^١).
وقوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ أمر منه تعالى بالكتابة لتوثقة والحفظ، فإن قيل: فقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "إنا أُمة أُمية لا نكتب ولا نحسب" (^٢) فما الجمع بينه وبين الأمر بالكتابة؟ فالجواب: أن الدين من حيث هو غير مفتقر إلى كتابة أصلًا، لأن كتاب الله قد سهل الله ويسر حفظه على الناس، والسنن أيضًا محفوظة عن رسول الله ﷺ، والذي أمر الله بكتابته إنما هو أشياء جزئية تقع بين الناس، فأمروا أمر إرشاد لا أمر إيجاب كما ذهب إليه بعضهم.
قال ابن جريج: من أدان فليكتب، ومن ابتاع فليشهد (^٣).
وقال قتادة: ذُكر لنا أن أبا سليمان المرعشي كان رجلًا صحب كعبًا، فقال ذات يوم لأصحابه: هل تعلمون (^٤) مظلومًا دعا ربه فلم يستجب له؟ فقالوا: وكيف يكون ذلك؟ قال: رجل باع بيعًا إلى أجل فلم يشهد ولم يكتب فلما حلّ ماله جحده صاحبه، فدعا ربه فلم يستجب له، لأنه قد عصى ربه (^٥).
وقال أبو سعيد والشعبي والربيع بن أنس والحسن وابن جريج وابن زيد وغيرهم: كان ذلك واجبًا، ثم نسخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (^٦) [البقرة: ٢٨٣]. والدليل على ذلك أيضًا الحديث الذي حكي عن شرع من قبلنا مقررًا في شرعنا ولم ينكر عدم الكتابة والإشهاد. قال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا ليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، أنه ذكر أن رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بشهداء أشهدهم. قال: كفى بالله شهيدًا، قال: ائتني بكفيل قال: كفى بالله كفيلًا. قال: صدقت، فدفعها إلى أجل مسمى فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركبًا يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركبًا فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة معها إلى صاحبها، ثم زجَّج موضعها، ثم أتى بها البحر، ثم قال: اللَّهم إنك قد علمت أني استسلفت فلانًا ألف دينار، فسألني كفيلًا، فقلت:
_________________
(١) صحيح البخاري، السلم، باب السلم في كيل معلوم ح ٢٢٤٠)، وصحيح مسلم، المساقاة (ح ١٦٠٤).
(٢) صحيح البخاري، الصوم، باب قول النبي ﷺ: "لا نكتب ولا نحسب" (ح ١٩١٣)، وصحيح مسلم، الصيام، باب وجوب صوم رمضان (ح ١٥).
(٣) أخرجه الطبري من طريق الحسين بن داود وهو: سنيد عن حجاج عنه، وسنيد ضعيف.
(٤) في الأصل: "لغلمون" وهو تصحيف.
(٥) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، ولم يصرح قتادة باسم شيخه.
(٦) قول الشعبي أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن عنه، وقول عبد الرحمن بن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح عنه.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
كفى بالله كفيلًا، فرضي بذلك وسألني شهيدًا، فقلت: كفى بالله شهيدًا، فرضي بذلك وإني قد جهدت أن أجد مركبًا أبعث بها إليه بالذي أعطاني فلم أجد مركبًا وإني استودعتكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يطلب مركبًا إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعلَّ مركبًا يجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبًا، فلما كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه، فأتاه بألف دينار وقال: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إليّ بشيء؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل الذي جئت فيه؟ قال: فإن الله قد أدّى عنك الذي بعثت به في الخشبة، فانصرف بألفك راشدًا (^١). وهذا إسناد صحيح وقد رواه البخاري في سبعة مواضع من صحيحه معلقًا بصيغة الجزم، فقال: وقال الليث بن سعد … فذكره (^٢)، ويقال: إنه في بعضها عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه.
وقوله: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ أي: بالقسط والحق ولا يجر في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان. وقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ أي: ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سئل أن يكتب للناس ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علمه الله ما لم يكن يعلم، فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة وليكتب، كما جاء في الحديث: "إن من الصدقة أن تعين ضائعًا أو تصنع لأخرق" (^٣) وفي الحديث الآخر: "من كتم علمًا يعلمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار" (^٤).
قال مجاهد وعطاء: واجب على الكاتب أن يكتب (^٥).
وقوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ أي: وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين وليتق الله في ذلك ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ أي: صغيرًا، أو مجنونًا ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ محجورًا عليه بتبذير ونحوه: ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ أي: صغيرًا، أو مجنونًا ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ إما لعي أو جهل بموضع صواب ذلك من خطئه ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾.
وقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أمر بالإشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ وهذا إنما يكون في الأموال، وما يقصد به المال، وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة، كما قال مسلم في صحيحه: حدثنا قتيبة، حدثنا إسماعيل بن
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩)، وصحح إسناده الحافظ ابن كثير.
(٢) صحيح البخاري، الكفالة، باب الكفالة في القرض ٢٢٩١.
(٣) أخرجه البخاري من حديث أبي ذر، العتق، باب أي الرقاب أفضل؟ (ح ٢٥١٨)، ومسلم في صحيحه، الإيمان، بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال (ح ٨٤) بلفظ: "تعين صانعًا"، وقد رجحه الدارقطني (ينظر: فتح الباري ٥/ ١٤٩).
(٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة بلفظ: "من سئل عن علم فكتمه أُلجم بلجام من نار يوم القيامة" وصححه محققوه (المسند ١٣/ ١٨ ح ٧٥٧١).
(٥) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقول عطاء أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن جريج.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، أنه قال: "يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكنَّ أكثر أهل النار"، فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبّ منكن" قالت: يا رسول الله ما نقصان العقل والدين؟ قال: "أما نقصان عقلها، فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين" (^١).
وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ فيه دلالة على اشتراط العدالة في الشهود، وهذا مقيد حكم به الشافعي على كل مطلق في القرآن من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط وقد استدل من ردَّ المستور بهذه الآية الدالَّة على أن يكون الشاهد عدلًا مرضيًا. وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ يعني: المرأتين إذا نسيت الشهادة ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ أي: يحصل لها ذكر بما وقع به من الإشهاد، وبهذا قرأ آخرون فتذكر بالتشديد من التذكار، ومن قال: إن شهادتها معها تجعلها كشهادة ذكر، فقد أبعد. والصحيح الأول، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ قيل: معناه إذا دعوا للتحمل فعليهم الإجابة، وهو قول قتادة والربيع بن أنس (^٢). وهذا كقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ ومن ههنا استفيد أن تحمل الشهادة فرض كفاية، وقيل مذهب الجمهور، والمراد بقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ للأداء، لحقيقة قوله الشهداء، والشاهد حقيقة فيمن تحمل، فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت وإلا فهو فرض كفاية، والله أعلم.
وقال مجاهد وأبو مِجلز وغير واحد: إذا دعيت لتشهد فأنت بالخيار، وإذا شهدت فدعيت فأجب (^٣). وقد ثبت في صحيح مسلم والسنن من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن زيد بن خالد، أن رسول الله ﷺ، قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها" (^٤)، فأما الحديث الآخر في الصحيحين: "ألا أخبركم بشر الشهداء؟ الذين يشهدون قبل أن يستشهدوا" وكذا قوله: "ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم، وتسبق شهادتهم أيمانهم" (^٥) وفي رواية: "ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون" (^٦) وهؤلاء شهود الزور، وقد روي عن ابن عباس والحسن البصري أنها تعمُّ الحالين التحمل، والأداء.
وقوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ هذا من تمام الإرشاد وهو الأمر
_________________
(١) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات (ح ٧٩).
(٢) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه بنحوه، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن بلفظ: "فكان هذا واجبًا".
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جابر الجعفي عن مجاهد والشعبي بنحوه.
(٤) صحيح مسلم، الأقضية (ح ١٧١٩).
(٥) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، فضل الصحابة ثم الذين يلونهم (ح ٢٥٣٣).
(٦) صحيح البخاري، الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا (ح ٦٤٢٨)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٣٥٣٥).
[ ٢ / ٢٩٥ ]
بكتابة الحق صغيرًا كان أو كبيرًا، فقال: ولا تسأموا أي تملوا أن تكتبوا الحق على أي حال كان من القلة والكثرة إلى أجله، وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ أي: هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلًا هو أقسط عند الله، أي أعدل وأقوم للشهادة، أي أثبت للشاهد إذا وضع خطه لم رآه تذكر به الشهادة، لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه، كما هو الواقع غالبًا ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ وأقرب إلى عدم الريبة بل ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه فيفصل بينكم بلا ريبة.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ أي: إذا كان البيع بالحاضر يدًا بيد، فلا بأس بعدم الكتابة لانتفاء المحذور في تركها.
فأما الإشهاد على البيع، فقد قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكر، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ يعني: أشهدوا على حقكم إذا كان في أجل أو لم يكن فيه أجل، فأشِهدوا على حقكم على كلِّ حال (^١). قال: وروي عن جابر بن زيد ومجاهد وعطاء والضحاك نحو ذلك (^٢).
وقال الشعبي والحسن: هذا الأمر منسوخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وهذا الأمر محمول عند الجمهور على الإرشاد والندب لا على الوجوب، والدليل على ذلك حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري، وقد رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، حدثني عمارة بن خزيمة الأنصاري، أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي ﷺ. أن النبي ﷺ، ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي ﷺ وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي ﷺ، فنادى الأعرابي النبي ﷺ، فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس فابتعه وإلا بعته، فقال النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي، قال: أوليس قد ابتعته منك؟ قال الأعرابي: لا والله ما بعتك، فقال النبي ﷺ: "بل قد ابتعته منك" (^٣) فطفق الناس يلوذون بالنبي ﷺ، والأعرابي، وهما يتراجعان فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا يشهد أني بايعتك، فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك إن النبي ﷺ لم يكن يقول إلا حقًّا حتى جاء خزيمة فاستمع لمراجعة النبي ﷺ ومراجعة الأعرابي يقول: هلمَّ شهيدًا يشهد أني بايعتك، قال خزيمة: أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي ﷺ على خزيمة، فقال: "بمَ تشهد"؟ فقال: بتصديقك يا رسول الله ﷺ، فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين (^٤). وهكذا رواه أبو داود من حديث شعيب والنسائي من رواية محمد بن الوليد الزبيدي،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده مختصرًا، وسنده حسن.
(٢) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.
(٣) قول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح، وقول الشعبي ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢١٥ - ٢١٦)، وسنده ثابت.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
وكلاهما عن الزهري به نحوه (^١)، ولكن الاحتياط هو الإرشاد لما رواه الإمامان الحافظ أبو بكر بن مردويه، والحاكم في مستدركه من رواية معاذ بن معاذ العنبري، عن شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ، قال: "ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ، ورجل أقرض رجلًا مالًا فلم يُشِهد" ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط الشيخين، قال: ولم يخرجاه لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى، وإنما أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإسناد "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين" (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ قيل: معناه لا يضارّ الكاتب ولا الشاهد، فيكتب هذا خلاف ما يُملي، ويشهد هذا بخلاف ما سمع أو يكتمها بالكلية، وهو قول الحسن وقتادة وغيرهما (^٣). وقيل: معناه لا يضربهما.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أُسيد بن عاصم، حدثنا الحسين يعني ابن حفص، حدثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مِقسم، عن ابن عباس، في هذه الآية: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ قال: يأتي الرجل فيدعوهما إلى الكتاب والشهادة، فيقولان: إنا على حاجة، فيقول: إنكما قد أمرتما أن تجيبا، فليس له أن يضارَّهما (^٤). قال: ورُوي عن عكرمة ومجاهد وطاوس وسعيد بن جبير والضحاك وعطية ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك (^٥).
وقوله: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أي: إن خالفتم ما أمرتم به أو فعلتم ما نهيتم عنه، فإنه فسق كائن بكم، أي لازم لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون عنه، وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: خافوه وراقبوه واتبعوا أمره واتركوا زجره ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ﴾ كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] وكقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد:٢٨].
وقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: هو عالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها فلا يخفى عليه شيء من الأشياء بل علمه محيط بجميع الكائنات.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾.
يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي: مسافرين وتداينتم إلى أجل مسمى ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾
_________________
(١) أخرجه أبو داود من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع به (السنن، الأقضية، باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد ح ٣٦٠٧)، والنسائي، السنن، البيوع، باب التسهيل في ترك الإشهاد على البيع ٧/ ٣٠١، ٣٠٢، وحسنه الأرناؤوط (جامع الأصول ١٠/ ١٩٦)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٠٧٣).
(٢) المستدرك ٢/ ٣٠٢.
(٣) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه يزيد بن أبي زياد: وهو ضعيف كما في التقريب. ويشهد له أقوال التابعين التالية.
(٥) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم، بحذف السند، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند صحيح.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
يكتب لكم، قال ابن عباس. أو وجدوه ولم يجدوا قرطاسًا أو دواة أو قلمًا (^١). ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أي: فليكن بدل الكتابة رهان مقبوضة؛ أي في يد صاحب الحق، وقد استدل بقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ على أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض كما هو مذهب الشافعي والجمهور، واستدلَّ بها آخرون على أنه لا بد أن يكون الرهن مقبوضًا في يد المرتهن، وهو رواية عن الإمام أحمد، وذهب إليه طائفة، واستدلَّ آخرون من السلف بهذه الآية، على أنه لا يكون الرهن مشروعًا إلا في السفر، قاله مجاهد وغيره، وقد ثبت في الصحيحين عن أنس أن رسول الله ﷺ، توفي ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقًا من شعير رهنها قوتًا لأهله (^٢). وفي رواية: من يهود المدينة. وفي رواية الشافعي: عند (^٣) أبي الشحم اليهودي، وتقرير هذه المسائل في كتاب "الأحكام الكبير"، ولله الحمد والمنة، وبه المستعان.
وقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ روى ابن أبي حاتم بإسناد جيد عن أبي سعيد الخدري أنه قال: هذه نسخت ما قبلها (^٤).
وقال الشعبي: إذا ائتمن بعضكم بعضًا فلا بأس أن لا تكتبوا أو لا تشهدوا (^٥).
وقوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ يعني: المؤتمن كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من رواية قتادة، عن الحسن عن سمرة أن رسول الله ﷺ، قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (^٦).
قوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ أي: لا تخفوها وتغلوها، ولا تظهروها.
قال ابن عباس وغيره: شهادة الزور من أكبر الكبائر وكتمانها كذلك، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (^٧).
قال السدي: يعني فاجر قلبه (^٨)، وهذه كقوله تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ [النساء] وهكذا قال ههنا: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
_________________
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عكرمة عنه.
(٢) صحيح البخاري، الرهن، باب الرهن في الحضر (ح ٢٥٠٨)، وأخرجه مسلم من حديث عائشة (الصحيح، المساقاة، باب الرهن وجوازه في الحضر ح ١٦٠٣).
(٣) في الأصل: "عن" وهو تصحيف.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق المنذر بن مالك عن أبي سعيد الخدري. وجود إسناده الحافظ ابن كثير.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الله بن شبرمة عن الشعبي.
(٦) المسند ٣٣/ ٢٧٦ (ح ٢٠٠٨٦) وقال محققوه: حسن لغيره، وسنن الترمذي، البيوع، باب ما جاء في العارية مؤداة (ح ١٢٦٦)، وقال: حسن صحيح، وسنن أبي داود، البيوع، باب في تضمين العارية (ح ٣٥٦١).
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾.
يخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر والضمائر وإن دقت وخفيت، وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كما قال: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [آل عمران] وقال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، والآيات في ذلك كثيرة جدًّا، وقد أخبر في هذه بمزيد على العلم وهو المحاسبة على ذلك، ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة ﵃، وخافوا منها، ومن محاسبة لله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم.
قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثني أبو عبد الرحمن يعني: العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ، ثم جثوا على الركب وقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها. فقال رسول الله ﷺ: "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير" فلم! أقرّ بها القوم وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في أثرها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة] فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا …﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلى آخرها (^١). ورواه مسلم منفردًا به من حديث يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر مثله ولفظه، فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل الله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: نعم (^٢).
(حديث ابن عباس في ذلك) قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن آدم بن سليمان، سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، قال: فقال رسول الله ﷺ: "قولوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا" فألقى الله الإيمان في قلوبهم،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٩٣٣٣)، وسنده صحيح.
(٢) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان أنه ﷾ لا يكلف إلا ما يطاق (ح ١٩٧).
[ ٢ / ٢٩٩ ]
فأنزل الله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ إلى قوله: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (^١).
وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع به، وزاد: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: قد فعلت ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: قد فعلت (^٢).
(طريق أخرى) عن ابن عباس. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن حُميد الأعرج، عن مجاهد، قال: دخلت على ابن عباس، فقلت: يا أبا عباس، كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الآية فبكى، قال: أية آية؟ قلت: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال ابن عباس: إن هذه الآية حين (^٣) أنزلت، غمت أصحاب رسول الله ﷺ غمًا شديدًا وغاظتهم غيظًا شديدًا، وقالوا: يا رسول الله هلكنا إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله ﷺ: "قولوا: سمعنا وأطعنا" فقالوا: سمعنا وأطعنا، قال: فنسختها هذه الآية ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فتجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال (^٤).
(طريق أخرى) عنه. قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة، سمعه يحدث: أنه بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ …﴾ الآية، فقال: والله لئن وأخذنا الله بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سمع نشيجه، قال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما قال ابن عمر وما فعل حين تلاها، فقال ابن عباس: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر، فأنزل الله بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا …﴾ إلى آخر السورة. قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله ﷿ أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل (^٥).
(طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يزيد بن هارون، عن
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٠٧٠)، وسنده صحيح.
(٢) صحيح مسلم، الإيمان، باب بيان أنه سبحانه لم يكلف إلا ما يطاق (ح ٢٠٠).
(٣) لفظ: "حين" سقط، واستدرك من (عف) و(حم) و(م) والتخريج.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٣٢)، وأخرجه البخاري من حديث ابن عمر بمعناه (الصحيح، التفسير آخر سورة البقرة ح ٤٥٤٦).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الزهري به. وذكر بعد هذا الأثر أنها طرق صحيحة عن ابن عباس، وأنه ثبت عنه.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، أن أباه قرأ ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فدمعت عيناه، فبلغ صنيعه ابن عباس فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد صنع كما صنع رسول الله ﷺ حين أنزلت، فنسختها الآية التي بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^١).
فهذه طرق صحيحة عن ابن عباس، وقد ثبت عن ابن عمر كما ثبت عن ابن عباس قال البخاري: حدثنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا شعبة، عن خالد الحذاء، عن مروان الأصغر، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أحسبه ابن عمر ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال: نسختها الآية التي بعدها (^٢). وهكذا روي عن عليّ وابن مسعود وكعب الأحبار والشعبي والنخعي ومحمد بن كعب القرظي وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة، أنها منسوخة بالتي بعدها، وقد ثبت بما رواه الجماعة في كتبهم الستة من طريق قتادة، عن زرارة بن أبي أوفى عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل" (^٣).
وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله: إذا همّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا همَّ بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرًا" (^٤) لفظ مسلم وهو في إفراده من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، قال: "قال الله: إذا همَّ عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها له عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، وإذا همَّ بسيئة فلم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة" (^٥). وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ، قال: "قال الله: إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإن عملها فأنا أكتبها له بمثلها". وقال رسول الله ﷺ: "قالت الملائكة: ربِّ وذاك أن عبدك، يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به، فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، وإنما تركها من جراي". وقال رسول الله ﷺ: "إذا أحسن أحد إسلامه، فإن له بكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله ﷿" تفرد به مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق (^٦) بهذا السياق واللفظ، وبعضه في صحيح البخاري. وقال مسلم أيضًا: حدثنا أبو كريب، حدثنا خالد الأحمر، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وصححه الحافظ ابن كثير.
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة البقرة، باب ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ ح ٤٥٤٦).
(٣) صحيح البخاري، الإيمان والنذور، باب إذا حنث ناسيًا في الإيمان (ح ٦٦٦٤)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس (ح ٢٠١).
(٤) صحيح مسلم، باب إذا همّ العبد بحسنة (ح ١٢٨).
(٥) المصدر السابق، باب إذا همّ العبد بحسنة (ح ١٢٨).
(٦) أخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق به (الصحيح، الإيمان، الباب السابق (ح ١٢٩).
[ ٢ / ٣٠١ ]
حسنة، ومن همَّ بحسنة فعملها كتبت له عشرًا (^١) إلى سبعمائة، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب له، وإن عملها كتبت" تفرد به مسلم دون غيره من أصحاب الكتب (^٢). [وقال مسلم أيضًا] (^٣): حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا عبد الوارث، عن الجعد أبي عثمان، حدثنا أبو رجاء العطاردي، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه تعالى، قال: "إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيَّن ذلك، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة، وإن همّ بها فعملها، كتبها الله عنده سيئة واحدة" ثم رواه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان في هذا الإسناد بمعنى حديث عبد الرزاق، زاد: "ومحاها الله ولا يهلك على الله إلا هالك" وفي حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله ﷺ، فسألوه فقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: "وقد وجدتموه؟ " قالوا: نعم، قال: "ذاك صريح الإيمان" لفظ مسلم (^٤)، وهو عند مسلم أيضًا من طريق الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ به (^٥)، وروى مسلم أيضًا من حديث مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة، قال: "تلك محض (^٦) الإيمان" (^٧).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾: فإنها لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول: إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم يطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ يقول: يخبركم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، وهو قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ وهو قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] أي: من الشك والنفاق (^٨). وقد روى العوفي (^٩) والضحاك عنه قريبًا من هذا.
وروى ابن جرير عن مجاهد والضحاك نحوه (^١٠)، وعن الحسن البصري أنه قال: هي محكمة لم تنسخ (^١١)، واختار ابن جرير ذلك واحتجَّ على أنه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة، وأنه تعالى
_________________
(١) لفظ: "عشرًا" سقط من النسخ الخطية، واستدرك من صحيح مسلم.
(٢) صحيح مسلم، الإيمان، الباب السابق ١٣٠، وما بعده بحديثين.
(٣) قوله: وقال مسلم أيضًا سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(م) و(ح).
(٤) (^٥) صحيح مسلم، الإيمان باب بيان الوسوسة في الإيمان (ح ٢٠٩ و٢١٠).
(٥) في الأصل: "صريح" والتصويب من صحيح مسلم، كما سيأتي في التخريج ومن نسخة (عف) و(م).
(٦) صحيح مسلم، الإيمان، الباب السابق (ح ١٣٣).
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة به.
(٨) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.
(٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الضحاك عن ابن عباس.
(١٠) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
قد يحاسب ويغفر، وقد يحاسب ويعاقب، بالحديث الذي رواه عند هذه الآية قائلًا: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد بن هشام (ح) وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا ابن هشام، قالا جميعًا في حديثهما، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، قال: بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف، إذ عرض له رجل فقال: يا ابن عمر، ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يدنو المؤمن من ربه ﷿ حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، فيقول له: هل تعرف كذا؟ فيقول: ربِّ أعرف، مرتين، حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم، قال: فيعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] " (^١). وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق متعددة عن قتادة به (^٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أُمية، قالت: سألت عائشة عن هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله ﷺ عنها، فقالت: هذه مبايعة الله العبد وما يصيبه من الحمى والنكبة، والبضاعة يضعها في يد كمه فيفقدها، فيفزع لها ثم يجدها في ضبنته حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر (^٣). وكذا رواه الترمذي وابن جرير من طريق حماد بن سلمة به، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديثه (^٤).
(قلت): وشيخه علي بن جدعان ضعيف يغرب في رواياته، وهو يروي هذا الحديث عن امرأة أبيه، أُم محمد أُمية بنت عبد الله، عن عائشة، وليس لها عنها في الكتب سواه.
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾.