صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين.
قالي محمد بن إسحاق بن يسار في "السيرة" (^٨):
ولما بلغ رسول الله ﷺ خمسًا وثلاثين سنة، (اجتمعت) (^٩) قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يهمون (بذلك) (^١٠) ليسقفوها، ويهابون هدمها، وإنما كانت رضمًا (^١١) فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفرًا سرقوا كنز الكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة، وكان الذي وجد عنده الكنز دويك، مولى بني مليح بن عمرو من خزاعة، فقطعت قريش يده. ويزعم الناس أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك. وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جُدة، لرجل من تجار
_________________
(١) يقصد: أن مسلمًا لم يروه.
(٢) في "كتاب الحج" (١٣٣٣/ ٣٩٨).
(٣) في (ل): "الكعبة".
(٤) يعني: مسلمًا. وقد أخرجه (١٣٣٣/ ٣٩٨). وقد أخرجه أحمد (٦/ ٥٧)؛ وأبو نعيم في "المستخرج" من طريق ابن أبي شيبة، قالا: حَدَّثَنَا عبد الله بن نمير بهذا الإسناد.
(٥) هذا وهم من المصنف ﵀. فقد أخرجه البخاري في "كتاب الحج" (٣/ ٤٣٩) قال: حَدَّثَنَا عبيد بن إسماعيل، ثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة بهذا الإسناد سواء.
(٦) يعني: مسلمًا، وهو عنده (١٣٣٣/ ٤٠١).
(٧) في (ل): "عهدهم".
(٨) انظر: "سيرة ابن إسحاق" (ص ٨٣ - ٨٩) و"التمهيد" (١٠/ ٣٥ - ٤٥).
(٩) في (ج) و(ض) و(ل): "أجمعت".
(١٠) في (ل): "لذلك".
(١١) الرضم: هي الصخور بعضها على بعض.
[ ١ / ٦٣٥ ]
الروم، فتحطمت، فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها. وكان بمكة رجل قبطي نجار، فهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كانت (تطرح) (^١) فيها ما يهدى لها كل يوم، (فتتشرق) (^٢) على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون. وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا (احزألت) (^٣) وكشت (^٤) وفتحت فاها، فكانوا يهابونها، فبينا هي يومًا (تتشرق) (^٥) على جدار الكعبة، كما كانت تصنع، بعث الله إليها طائرًا فاختطفها، فذهب بها. فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا، عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحية.
فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنيانها، قام (أبو وهب) (^٦) بن عمرو بن عائذ بن عبد عمران بن مخزوم، فتناول من الكعبة حجرًا، فوثب من يده حتَّى رجع إلى موضعه. فقال: يا معشر قريش، لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبًا، لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس.
قال ابن إسحاق: والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة بن (عبد الله بن عمر) (^٧) بن مخزوم.
قال: ثم إن قريشًا تجزأت الكعبة، فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جُمح وسهم، وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن قصي، ولبني أسد بن عبد العزى بن قصي، ولبني عدي بن كعب بن لؤي، وهو الحطيم.
ثم إن الناس هابوا هدمها (وفرقوا) (^٨) منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها: فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع، اللهم إنا لا نريد إلا الخير. ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئًا، ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا. فأصبح الوليد من ليلته غاديًا على عمله، فهدم وهدم الناس معه، حتَّى (إذا) (^٩) انتهى الهدم (بهم) (^١٠) إلى الأساس، أساس إبراهيم ﵇، أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة آخذ بعضها بعضًا.
قال (محمد بن إسحاق) (^١١): فحدثني بعض من يروي الحديث: أن رجلًا من قريش، ممن كان يهدمها، أدخل عتلةً بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك الحجر تنقضت مكة بأسرها، فانتهوا عن ذلك الأساس.
_________________
(١) في (ج): "يطرح".
(٢) في (ل): "فتشرف". وتتشرق؛ يعني: تتعرض للشمس.
(٣) في (ج) و(ل): "اخزالت". واحزألت: اجتمعت واستوفزت للوثوب ومنه قول الطرماح: ولو خرج الدجال ينشر دينه … لزافت تميم حوله واحزألت يعني: اجتمعت إليه كما في "لسان العرب" (ص ٨٥٩).
(٤) كشيش الأفعى: صوت جلدها، وصوت فمها، هو: الفحيح. ومنه قول الراجز: كشيش أفعى أجمعت لعض … فهي تحك بعضها ببعض
(٥) في (ج) و(ل): "تشرف".
(٦) كتب ابن المحب ناسخ (ج): "حاشية: أبو وهب كان خال والد النَّبِيّ ﷺ، وكان شريفًا ممدحًا". انتهى.
(٧) في (ك): "عمر بن عبد الله".
(٨) في (ل): "خافوا" وهو بمعنى.
(٩) ساقط من (ز) و(ض).
(١٠) ساقط من (ز) و(ض).
(١١) من (ج) و(ل).
[ ١ / ٦٣٦ ]
قال ابن إسحاق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بنوها، حتَّى بلغ البنيان موضع الركن - يعني: الحجر الأسود - فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتَّى تحاوروا وتخالفوا، وأعدوا للقتال. فقربت بنو الدار جفنةً مملوءةً دمًا، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا: لعقة الدم. فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسًا. ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا.
فزعم بعض أهل الرواية: أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم - وكان عامئذ أسن قريش كلهم - (قال) (^١): يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد، يقضى بينكم فيه. ففعلوا، فكان أول داخل رسول الله ﷺ. فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال (رسول الله) (^٢) ﷺ: "هلم إلي ثوبًا" (^٣) فأتى به، فأخذ الركن - يعني: الحجر الأسود - فوضعه فيه بيده، ثم قال: "لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب"، ثم (قال) (^٤): "ارفعوه جميعًا". ففعلوا، حتَّى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده ﷺ، ثم بنى عليه.
وكانت قريش تسمى رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحي: الأمين. فلما فرغوا من البنيان وبنوها على ما أرادوا، قال الزبير بن عبد المطلب، فيما كان من أمر الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها:
(عجبت لما) (^٥) تصوبت العقاب … إلى الثعبان وهي لها اضطراب
وقد كانت يكون لها كشيش … وأحيانًا يكون لها وثاب
إذا قمنا إلى (التأسيس) (^٦) شدت … تهيبنا البناء وقدتهاب
فلما أن خشينا الزجر جاءت … عقاب (تتلئب) (^٧) لها انصباب
فضمتها إليها ثم خلَّت … لنا البنيان ليس له حجاب
فقمنا حاشدين (إلى) (^٨) بناء … لنا منه القواعد والتراب
غداة نرفع التأسيس منه … وليس على مسوينا (^٩) ثياب
أعز به المليك بني لؤى … فليس لأصله منهم ذهاب
_________________
(١) في (ج) و(ل): "فقال".
(٢) من (ل).
(٣) لا يصح هذا الحديث مع شهرته، وتداول الخطباء إياه، ولم أقف له على إسناد متصل يصح به. واللّه أعلم.
(٤) ساقط من (ز) و(ض) و(ك) و(ن) و(ى).
(٥) كذا في سائر "الأصول" وهو الموافق لما في "سيرة ابن إسحاق" و"التمهيد" لابن عبد البر. ووقع في (ج): "عجبت لها لما" وهو خطأ ينكسر به الوزن؛ وفي (ل): "عجبت لها".
(٦) كذا في "الأصول" و"التمهيد". وفي "سيرة ابن إسحاق": "البنيان".
(٧) في "السيرة": "قد يطل". وتتلئب: تتتابع في انقضاضها.
(٨) في "السيرة": "على".
(٩) مسوينا: أي مسوى البنيان، والمقصود: بيان الجد والتشمير في بنيانها.
[ ١ / ٦٣٧ ]
وقد حشدت هناك بنو عدي … ومرة قد تقدمها كلاب
فبزأما المليك بذاك عزا … وعند الله يلتمس الثواب
قال ابن إسحاق: وكانت الكعبة على عهد النَّبِيّ ﷺ ثمانية عشر ذراعًا، وكانت تكسى القباطي، ثم كسيت بعد البرود، وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف.
قلت: ولم تزل على بناء قريش حتَّى (احترقت) (^١) في أول إمارة عبد الله بن الزبير (بعد) (^٢) سنة ستين. وفي (آخر) (^٣) ولاية يزيد بن معاوية، لما حاصروا ابن الزبير، فحينئذٍ نقضها ابن الزبير إلى الأرض وبناها على قواعد إبراهيم، عليه (الصلاة و) (^٤) السلام، وأدخل فيها الحجر وجعل لها بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا ملصقين بالأرض، كما سمع ذلك من خالته عائشة أم المؤمنين، (﵂) (^٥) عن رسول الله ﷺ. ولم تزل كذلك مدة إمارته حتَّى قتله الحجاج، فردها إلى ما كانت عليه بأمر عبد الملك بن مروان له بذلك، كما قال مسلم بن الحجاج في "صحيحه" (^٦).
حَدَّثَنَا هناد بن السري، حَدَّثَنَا ابن أبي زائدة، (أخبرنا) (^٧) ابن أبي سليمان، عن عطاء، قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام، وكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتَّى قدم الناس الموسم يريد أن (يجرئهم) (^٨) - (أو يحربهم) (^٩) - على أهل الشام، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس، أشيروا علي في الكعبة، أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وه منها؟ قال ابن عَبَّاس: (فإني) (^١٠) قد (فرق) (^١١) لي رأي فيها، أرى أن تصلح ما وهى منها، وتدع بيتًا أسلم الناس [عليه، وأحجارًا أسلم الناس] (^١٢) عليها، وبعث عليها النَّبِيّ ﷺ. فقال ابن الزبير: لو كان أحدهم احترق بيته ما رضى حتَّى يجدده، فكيف بيت ربكم ﷿؛ إني مستخير ربي ثلاثًا ثم عازم على أمري. فلما مضت ثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها. فتحاماها الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء، حتَّى صعده رجل، فألقى منه حجارةً، فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا، فنقضوه حتَّى بلغوا به الأرض. فجعل ابن الزبير أعمدةً فستر عليها الستور، حتَّى ارتفع بناؤه. وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة رينقا، تقول: إن النَّبِيّ ﷺ، قال:
_________________
(١) كذا في سائر "الأصول"؛ وفي (ز) و(ض): "أحرقت".
(٢) في (ج) و(ل): "في".
(٣) ساقط من (ز) و(ض).
(٤) من (ض).
(٥) من (ز) و(ض).
(٦) في "كتاب الحج" (١٣٣٣/ ٤٠٢).
(٧) في "الصحيح": "أخبرني".
(٨) في (ل): "يخرجهم". وسقط من (ض).
(٩) كذا في (ج) و(ض) و(ك) و(ى). ووقع في (ز): "يحزبهم" بزاي بعدها باء موحدة؛ وفي (ن): "يجيرونهم"!! وفي "صحيح مسلم": "يحربهم" بالحاء المهملة بعدها راء مشددة مكسورة بعدها باء موحدة. قال السيوطي في "الديباج" (٣/ ٣٨١): "أي يغيظهم بما يرونه فعل بالبيت، من قولهم: حربت الأسد: إذا أغضبته، أو يحملهم على الحرب ويحضهم عليها. وروى بالحاء المهملة والزاي والباء الموحدة؛ أي: يجعلهم حزبًا له وناصرين له على مخالفيه".
(١٠) في (ل): "فإنه".
(١١) في سائر "الأصول": "خرق" بالخاء المعجمة، بعدها راء ثم قاف! وفرق، بضم الفاء؛ أي: كشف وبين. قال السيوطي في "الديباج": "وضبطه الحميدي بفتح الفاء، وفسره بمعنى: خاف". وغلطوه في ضبطه وتفسيره.
(١٢) ساقط من (ل).
[ ١ / ٦٣٨ ]
"لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يقويني على بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحجر (خمسة) (^١) أذرع، ولجعلت له بابًا يدخل الناس منه، وبابًا (يخرجون منه) (^٢) ". قال: فأنا أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس. قال: فزاد فيه (خمس) (^٣) أذرع من الحجر، حتَّى أبدى له (أُسًا) (^٤) نظر الناس إليه فبنى عليه البناء. وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعًا، فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله (عشرة) (^٥) أذرع، وجعل له بابين: أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه. فلما قتل ابن الزبير كتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء على أُسٍّ نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاده في طوله فأقره. وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه، وسد الباب الذي فتحه. فنقضه وأعاده إلى بنائه.
وقد رواه النسائي في "سننه" عن هناد، عن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن الزبير، عن عائشة بالمرفوع منه. ولم يذكر القصة، وقد كانت السنة إقرار ما فعله عبد الله بن الزبير ﵁؛ لأنَّهُ هو الذي ودَّه رسول الله ﷺ. ولكن خشي أن تنكره قلوب بعض الناس لحداثة عهدهم بالإسلام وقرب عهدهم من الكفر. ولكن خفيت هذه السُّنة على عبد الملك؛ (ولهذا) (^٦) لما تحقق ذلك عن عائشة أنها روت ذلك عن رسول الله ﷺ، قال: وددنا أنا تركناه وما تولى. كما قال مسلم (^٧):
حدثني محمد بن (حاتم) (^٨)، حَدَّثَنَا محمد بن (بكر) (^٩)، أخبرنا ابن جريج، سمعت عبد الله بن عبيد بن عمير والوليد بن عطاء، يحدثنا عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، قال عبد الله بن عبيد: وفد الحارث بن عبد الله على عبد الملك بن مروان في خلافته، فقال عبد الملك: ما أظن أبا خبيب - يعني: ابن الزبير - سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها. قال الحارث: بلى، أنا سمعته منها. قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول الله ﷺ: "إن قومك استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت ما تركوا منه، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه". فأراها قريبًا من (سبعة) (^١٠) أذرع.
هذا حديث عبد الله بن عبيد (بن عمير) (^١١). وزاد عليه الوليد بن عطاء: قال النَّبِيّ ﷺ: "ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض شرقيًا وغربيًا، وهل تدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ " قالت:
_________________
(١) كذا في سائر "الأصول"؛ وفي "مسلم": "خمس" وكلاهما صحيح.
(٢) في (ل): "يخرج الناس منه".
(٣) كذا في (ج) و(ل) و(ى) وهو الموافق لما في "الصحيح". ووفع في (ز) و(ض) و(ك) و(ن): "خمسة".
(٤) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ن) و(ى) وهو الموافق لما في "الصحيح"؛ وفي (ل): "أساسًا"؛ وفي (ك): "أشياء"!!
(٥) في (ل): "عشر".
(٦) في (ك): "ولكن".
(٧) في "كتاب الحج" (١٣٣٣/ ٤٠٣).
(٨) في (ل): "بكر حاتم" وفي (ك): "محمد بن أبي حاتم"!
(٩) في (ك): "بكير"!
(١٠) كذا في (ز) و(ن) وهو الموافق لما في "الصحيح"؛ وفي (ج) و(ض) و(ك) و(ل) و(ى): "سبع" وكلاهما صحيح. وفي الذراع لغتان فتذكر وتؤنث.
(١١) من (ن) و(ى).
[ ١ / ٦٣٩ ]
قلت: لا. قال: "تعززًا ألا يدخلها إلا من أرادوا. فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها، يدعونه (حتَّى) (^١) يرتقي، حتَّى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط". قال عبد الملك: فقلت للحارث: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم. قال: فنكت ساعةً بعصاه، ثم قال: وددت أنى تركته وما تحمَّل.
قال مسلم (^٢): وحدثناه محمد بن عمرو بن جبلة، حَدَّثَنَا أبو عاصم (ح)، وحدثنا عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرزاق، كلاهما عن ابن جريج بهذا الإسناد، مثل حديث (ابن بكر) (^٣).
قال (^٤): وحدثني محمد بن حاتم، حَدَّثَنَا عبد الله بن بكر السهمي، حَدَّثَنَا حاتم بن أبي صغيرة، عن أبي قزعة أن عبد الملك بن مروان بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل الله ابن الزبير حيث يكذب على أم المؤمنين، يقول: سمعتها تقول: قال رسول الله ﷺ: "يا عائشة، لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت البيت حتَّى أزيد (فيه) (^٥) من الحجر، فإن قومك قصروا في البناء". فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فأنا سمعت أم المؤمنين تحدث هذا. قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه لتركته على ما بنى ابن الزبير.
فهذا الحديث كالمقطوع به إلى عائشة أم المؤمنين؛ لأنَّهُ قد روي عنها من طرق صحيحة متعددة عن الأسود بن يزيد، والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير (^٦). فدل هذا على صواب ما فعله ابن الزبير. فلو ترك لكان جيدًا.
ولكن بعدما رجع الأمر إلى هذا الحال، فقد كره بعض العلماء أن يغير عن حاله، كما ذكر عن أمير المؤمنين هارون الرشيد - (أو أبيه) (^٧) المهدي -: أنه سأل الإمام مالكًا عن هدم الكعبة وردها إلى ما فعله ابن الزبير. فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا تجعل كعبة الله مَلْعَبَةً للملوك، لا يشاء (أحد) (^٨) أن يهدمها إلا هدمها. فترك (^٩) ذلك الرشيد.
_________________
(١) في (ض) و(ى): "حين"، وكلا اللفظين ليسا في رواية "الصحيح".
(٢) (١٣٣٣/ ٤٠٣).
(٣) في (ك): "أبي بكر" وهو خطأ. و"ابن بكر" هو محمد.
(٤) يعني: مسلمًا. وهو فيه (١٣٣٣/ ٤٠٤).
(٥) في (ز) و(ن): "فيها".
(٦) وقد رواه عن عائشة ﵂ آخرون منهم مرجانة، وهي أم علقمة. فأخرجه أبو داود (٢٠٢٨)؛ والنسائي (٥/ ٢١٩)؛ والترمذي (٨٧٦)؛ وأحمد (٦/ ٩٢، ٩٣)؛ وأبو يعلى (ج ٨/ رقم ٤٦١٥) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه مرجانة، عن عائشة مرفوعًا نحوه. قال الترمذي: "حسن صحيح" وقد توبع الدراوردي، تابعه عبد الرحمن بن أبي الزناد، فرواه عن علقمة بسنده سواء. أخرجه ابن خزيمة (٣٠١٨). ولكن رواه ابن خزيمة (٣٠١٩) من طريق ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن عائشة مرفوعًا. ولعل هذا من سوء حفظ ابن أبي الزناد. والوجه الأول أقوى. وقد أشرت إلى بعض طرقه فيما مضى والحمد للّه.
(٧) كذا في (ز) و(ن) و(ك). ووقع في (ج) و(ض) و(ى): "أو أبوه" وأشار ناسخ (ى) إلى أنه وقع في نسخة "أو أبيه" وسقط هذا اللفظ من (ل).
(٨) في (ك): "الله"!!
(٩) ولعل مالكًا ﵀ استأنس في ذلك بقول ابن عباس لما استشار ابن الزبير الناس في هدم الكعبة، قال ابن عباس: "أرى أن تصلح ما وهي منها، وتدع بيتًا أسلم الناس عليه، وأحجارًا أسلم الناس عليها، وبعث عليها النبي ﷺ ". اهـ. =
[ ١ / ٦٤٠ ]
نقله عياض والنواوي، ولا تزال - والله أعلم - هكذا إلى آخر الزمان، إلى أن يخربها ذو السويقتين من الحبشة، كما ثبت ذلك في "الصحيحين" (^١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يخرِّب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة". أخرجاه.
وعن عبد الله بن عباس ﵄، عن النبي ﷺ، قال: "كأني به أسود أفحج، يقلعها حجرًا حجرًا". رواه البخاري (^٢).
وقال الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" (^٣): حدثنا أحمد بن عبد الملك الحراني، حدثنا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، رضي الله (عنهما) (^٤)، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة، (ويسلبها) (^٥) حليتها ويجردها من كسوتها. ولكأني أنظر إليه أصيلع أفيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله".
الفدع: زيغ بين القدم وعظم الساق.
وهذا - والله أعلم - إنما يكون بعد خروج يأجوح ومأجوج، لما جاء في " (صحيح) (^٦) البخاري" (^٧)، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "ليحجن البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج".
وقوله تعالى حكايةً لدعاء إبراهيم وإسماعيل ﵇: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾.
_________________
(١) = ومن الأصول المشهورة عند المالكية: قاعدة سد الذرائع، وهذا منها. والله أعلم.
(٢) أخرجه البخاري في "الحج" (٣/ ٤٥٤).
(٣) في "كتاب الحج" (٣/ ٤٦٠) قال: حدثنا عمرو بن علي، ثنا يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله بن الأخنس، عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس مرفوعًا.
(٤) (٢/ ٢٢٠) ولا يصح مرفوعًا. وأخرجه الفاكهي في "أخبار مكة" (٧٤٣) قال: حدثنا عبد الله بن منصور، قال: ثنا محمد بن مهران الرازي، قال: ثنا محمد بن سلمة بهذا الإسناد سواء. وسنده ضعيف لتدليس ابن إسحاق ولكن تابعه سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح بهذا الإسناد مرفوعًا وزاد فيه: "قال مجاهد: فلما هدم ابن الزبير ﵁ الكعبة جئت أنظر إليه؛ هل أرى الصفة التي قال عبد الله بن عمرو، فلم أرها. أخرجه الفاكهي (٧٤٤) أيضًا قال: حدثنا محمد بن أبي عمر، قال: ثنا سفيان. وهذا إسناد ظاهره الجودة، ولكن خولف ابن أبي عمر فيه خالفه عبد الرزاق في "مصنفه" (ج ٥/ رقم ٩١٨٠)؛ وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٥/ ٤٧، ٤٨) كلاهما عن ابن عيينة بهذا الإسناد موقوفًا على عبد الله بن عمرو بآخره. وتابعهما أحمد بن محمد بن الوليد قال: حدثنا ابن عيينة بسنده سواء موقوفًا؛ أخرجه الأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ٢٧٦) فهؤلاء ثلاثة من الثقات خالفوا ابن أبي عمر فيه. ويؤيد وقفه على عبد الله بن عمرو ما أخرجه عبد الرزاق (٩١٧٩) عن ابن جريج قال: سمعت سليمان الأحول يحدث عن مجاهد وغيره أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "كأني أنظر إليه أصيلع أفيدع قد علاها بمسحاته. قال ابن جريج: وسمعت غيره من أشياخنا وأهل البلد أن الحبشة مخربوها. وسنده صحيح؛ وأخرجه ابن أبي شيبة (١٥/ ٤٨) قال: حدثنا إسحاق الأزرق. والأزرقي (١/ ٢٧٦)؛ ونعيم بن حماد في "الفتن" (ص ٤٠٦)؛ والفاكهي (٧٤٧) عن ابن عيينة كلاهما عن هشام بن حسان، عن حفصة بنت سيرين عن أبي العالية، عن علي بن أبي طالب نحوه موقوفًا. وسنده صحيح.
(٥) في (ل): "عنه".
(٦) في (ل): "قال: ويسلبها".
(٧) في (ل): "حديث".
(٨) في "كتاب الحج" (٣/ ٤٥٤).
[ ١ / ٦٤١ ]
قال ابن جرير (^١): يعنيان بذلك: واجعلنا (مستسلمين) (^٢) لأمرك، خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدًا سواك، ولا في العبادة غيرك.
وقال ابن أبي حاتم (^٣): حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن رجاء بن حيان الحصني القرشي، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عبد الكريم: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ قال: مخلصين لك، ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ قال: مخلصةً.
وقال أيضًا (^٤): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا المقدمي، حدثنا سعيد بن عامر، عن سلام بن أبي مطيع في هذه الآية: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ﴾ قال: كانا مسلمين، ولكنهما سألاه الثبات.
وقال عكرمة (^٥): ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ قال الله: قد فعلت ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ قال الله: قد فعلت.
وقال السدي (^٦): ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ يعنيان العرب.
قال ابن جرير: والصواب أنه يعم العرب وغيرهم؛ لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف].
قلت: وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي؛ فإن تخصيصهم بذلك لا ينفى من عداهم، والسياق إنما هو في العرب؛ ولهذا قال بعده: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾ الآية [البقرة]، والمراد بذلك محمد ﷺ، وقد بُعث فيهم كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود، (لقوله) (^٧) تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وغير ذلك من الأدلة القاطعة.
وهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل ﵇، كما أخبر الله تعالى عن عباده المتقين المؤمنين، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤] وهذا القدر مرغوب فيه شرعًا، فإن من تمام محبة عبادة الله تعالى أن يحب أن يكون من صلبه من يعبد الله وحده لا شريك له؛ ولهذا لما قال الله تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] (وقوله) (^٨): ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] وقد ثبت في "صحيح مسلم" (^٩)، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال:
_________________
(١) في "تفسيره" (٣/ ٧٢، ٧٣).
(٢) في (ك) و(ل): "مسلمين"!
(٣) في "تفسيره" (١٢٥٥، ١٢٥٨) ولا بأس بإسناده. وإسماعيل بن رجاء وثقه العجلي والحاكم وقال أبو حاتم: "صدوق" وضعفه العقيلي والدارقطني والساجي.
(٤) رقم (١٢٥٣) وسنده قوي. أما محقق "تفسير ابن أبي حاتم" فقال: "ضعيف الإسناد ففيه سلام بن أبي مطيع. فيه مقال". وهذا نقد عجيب، وما دخل سلام في الإسناد وهو صاحب القول؟ إنما الشأن في الإسناد إليه. والله المستعان.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٥٤) وسنده جيد. وعنده "قال: نعم" بدل "قد فعلت".
(٦) أخرجه ابن جرير (٢٠٦٢) بسند حسن.
(٧) في (ج): "كقوله".
(٨) في (ز) و(ض): "وهو قوله".
(٩) في "كتاب الوصية" (١٦٣١/ ١٤).
[ ١ / ٦٤٢ ]
"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ قال ابن جريج (^١)، عن عطاء: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ أخرجها لها (علِّمناها) (^٢).
وقال مجاهد (^٣): ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ مذابحنا. وروي عن عطاء (^٤) أيضًا، وقتادة نحو ذلك.
وقال سعيد بن منصور (^٥): حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن مجاهد، قال: قال إبراهيم: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ فأتاه جبرائيل، فأتى به البيت، فقال: ارفع القواعد. فرفع القواعد وأتم البنيان، ثم أخذ بيده فأخرجه فانطلق به إلى الصفا، قال: هذا من شعائر الله. ثم انطلق به إلى المروة، فقال: وهذا من شعائر الله، ثم انطلق به (نحو) (^٦) منى، فلما كان من العقبة إذا إبليس قائم عند الشجرة، فقال: كبر وارمه. فكبر ورماه. (ثم انطلق) (^٧) إبليس فقام عند الجمرة الوسطى، فلما (حاذى به) (^٨) جبريل وإبراهيم قال له: كبر وارمه. فكبر ورماه. فذهب إبليس وكان الخبيث أراد أن يدخل في الحج شيئًا فلم يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام، فقال: هذا المشعر الحرام. فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات. قال: قد عرفت ما أريتك؟ قالها: ثلاث مرار. قال: نعم. وروى عن أبي مجلز (^٩) وقتادة نحو ذلك. وقال أبو داود الطيالسي (^١٠): حدثنا حماد بن
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٢٠٦٨)؛ وابن أبي حاتم (١٢٥٩) من طريقين عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج. [وسنده حسن].
(٢) في (ج) و(ل) و(ى): "وعلمناها".
(٣) أخرجه ابن جرير (٢٠٦٧)؛ وابن أبي حاتم (١٢٦١) من طرق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وهو في "تفسير مجاهد" (ص ٢١٤) من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح. [وسنده صحيح].
(٤) أخرجه ابن جرير (٢٠٦٦، ٢٠٦٧).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٦٢) قال: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، ثنا سعيد بن منصور وهذا في "تفسيره" (٢٢٠) قال: حدثنا عتاب بن بشير بهذا الإسناد. وعتاب بن بشير يروى عن خصيف أحاديث مناكير، ولكن تابعه عثمان بن ساج، أخبرنا خصيف بن عبد الرحمن فذكر مثله؛ أخرجه الأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ٦٩؛ ٢/ ١٧٥، ١٧٦) قال: حدثني جدي، قال: حدثنا سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج. وسعيد بن سام ذكره ابن حبان في "الثقات" (٦/ ٣٥٥) وذكر له حديثًا في إسناده إليه عبد الوهاب بن الضحاك وهو متروك بل كذبه جماعة. وعثمان بن ساج ترجمه البخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ٢٢٧/٢)؛ وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٣/ ١/ ١٥٣) ولم يذكرا فيه شيئًا. وخصيف بن عبد الرحمن ضعيف الحديث. قال ابن حبان: "تركه جماعة من أئمتنا" فهذا إسناد ضعيف أو واه.
(٦) في (ك): "إلى".
(٧) في (ل): "فانطلق".
(٨) كذا في "الأصول" وهو الموافق لما في "تفسير سعيد بن منصور"؛ وفي (ز): "جاز له" وفي (ك): "حاذاه".
(٩) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" فقال: "روى عن أبي مجلز نحو ذلك غير أنه لم يذكر ذكر القواعد، وعن قتادة نحو ذلك، وزاد فيه: وأراه حلق الرأس".
(١٠) في "مسنده" (٢٦٩٧) بهذا الإسناد. وأخرجه بطوله: أحمد في "المسند" (١/ ٢٩٧) قال: حدثنا سريج؛ يعني: ابن يونس، ويونس؛ يعني: ابن محمد، والطبراني في "الكبير" (ج ١٠/ رقم ١٠٦٢٨) من طريق حجاج بن منهال والبيهقي في "الشعب" (ج ٣/ رقم ٤٠٧٧) من طريق ابن عائشة، وهو عبيد الله، أربعتهم قالوا: ثنا حماد بن سلمة بهذا الإسناد وعندهم من الزيادة على رواية الطيالسيّ. =
[ ١ / ٦٤٣ ]
سلمة، عن أبي (عاصم) (^١) الغنوي، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، قال: إن إبراهيم لما (أري) (^٢) أوامر المناسك، عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه إبراهيم، ثم انطلق به جبريل حتى (أتى به) (^٣) منى، فقال: مناخ الناس هذا. فلما انتهى إلى جمرة العقبة (فعرض) (^٤) له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، [ثم أتى به (إلى جمرة) (٦) الوسطى، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب] (^٥)، ثم أتى به (إلى جمرة) (^٦) القصوى، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، فأتى به جمعًا. فقال: هذا المشعر. ثم أتى به عرفة. فقال: هذه عرفة. فقال له جبريل: أعرفت؟
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾.
يقول تعالى إخبارًا عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم - أن يبعث الله فيهم رسولًا منهم؛ أي: من ذرية إبراهيم. وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في تعيين محمد - (صلوات الله وسلامه عليه) (^٧) - رسولًا في الأميين إليهم، إلى سائر الأعجمين، من الإنس والجن، كما قال الإمام أحمد (^٨): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن سعيد بن سويد الكلبي، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ: "إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات (النبيين) (^٩) يرين".
(وكذا) (^١٠) رواه ابن وهب، والليث، وكاتبه عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، وتابعه أبو بكر بن أبي مريم، عن سعيد بن سويد، به.
وقال الإمام أحمد (^١١) أيضًا: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج، حدثنا لقمان بن عامر:
_________________
(١) = قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٣٥٩): "رجاله ثقات" وقال في موضع آخر (٨/ ٢٠٠، ٢٠١): "رجاله رجال الصحيح غير أبي عاصم الغنوي وهو ثقة". (*) قلت: أبو عاصم هذا وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: "لا أعرفه" ولم يحدث عنه سوى حماد بن سلمة. فالإسناد ضعيف، ولكن له شواهد وطرق أخرى. وقد أخرج مسلم (١٢٦٤/ ٢٣٧) بعضه من وجه آخر عن أبي الطفيل به.
(٢) في (ز) و(ن): "العاصم".
(٣) في (ج): "رأى".
(٤) في (ج) و(ل): "أراه".
(٥) في (ز): "تعرض".
(٦) ساقط من (ز) و(ض).
(٧) في (ن): "الجمرة".
(٨) في (ل): " ﷺ ".
(٩) في "المسند" (٤/ ١٢٧) ومن طريقه ابنه عبد الله في "السنة" (٨٦٥)؛ وأبو نعيم في "الدلائل" (٩). وتقدم تخريجه تحت الآية (١٢٦).
(١٠) في (ك): "المؤمنين"!!
(١١) كذا في (ج) و(ض) و(ك) و(ل) و(ى)؛ وفي (ز) و(ن): "وكذلك".
(١٢) في "المسند" (٥/ ٢٦٢) وتقدم تخريجه عند الآية (١٢٦).
[ ١ / ٦٤٤ ]
سمعت أبا أمامة قال: قلت: يا رسول الله، ما كان أول بدء أمرك؟ قال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بي، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام".
والمراد أن أول من نوه بذكره وشهره في الناس، (إبراهيم) (^١) ﵇. ولم يزل ذكره في الناس مذكورًا مشهورًا سائرًا حتى أفصح باسمه خاتم أنبياء بني إسرائيل نسبًا، وهو عيسى ابن مريم ﵇ حيث قام في بني إسرائيل خطيبًا، وقال: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ [مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ] (^٢) وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] ولهذا قال في هذا الحديث: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ابن مريم".
وقوله: "ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام" قيل: كان منامًا رأته حين حملت به، وقصته على قومها فشاع فيهم واشتهر بينهم، وكان ذلك توطئةً. وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه وثبوته ببلاد الشام، ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلًا للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى ابن مريم (^٣) إذا نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها. ولهذا جاء في "الصحيحين" (^٤): "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك". وفي "صحيح البخاري": "وهم بالشام".
قال أبو جعفر الرازي (^٥)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ يعني: أمة محمد ﷺ. فقيل له: قد استجيبت لك، وهو كائن في آخر الزمان. وكذا قال السدي (^٦) وقتادة (^٧).
وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ يعني: القرآن: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني: السنة، قاله الحسن (^٨)، وقتادة (^٩)، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك وغيرهم. وقيل (^١٠): الفهم في الدين. ولا منافاة.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة (^١١)، عن ابن عباس: يعني: طاعة الله، والإخلاص.
وقال محمد بن إسحاق (^١٢) ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قال: يعلمهم الخير فيفعلوه. والشر
_________________
(١) في (ل): "إبراهيم الخليل".
(٢) من (ن) و(ى).
(٣) يشير إلى حديث النواس بن سمعان ﵁ وهو حديث طويل فيه خبر الدجال. أخرجه مسلم (٢١٣٧/ ١١١).
(٤) أخرجه البخاري (٦/ ٦٣٢؛ و١٣/ ٤٤٢).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٦٥) قال: حدثنا عصام بن رواد العسقلاني، ثنا آدم، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية. وسنده حسن؛ وأخرجه ابن جرير (٢٠٧٦) بسند ضعيف عن الربيع بن أنس.
(٦) أخرجه ابن جرير (٢٠٧٤) وسنده حسن.
(٧) أخرجه ابن جرير (٢٠٧٥) وسنده صحيح.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٧٢) وفي إسناده أبو بكر الهذلي وهو ضعيف جدًّا.
(٩) أخرجه ابن جرير (٢٠٧٨) وسنده صحيح.
(١٠) أخرجه ابن جرير (٢٠٨٠) قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، نا ابن وهب قال: قلت لمالك: ما الحكمة؟ قال: المعرفة بالدين، والفقه في الدين، والاتباع له. [وسنده صحيح].
(١١) أخرجه ابن جرير (٢٠٨١) قال: حدثني المثنى بن إبراهيم؛ وابن أبي حاتم (١٢٧٥) قال: حدثنا أبي قالا: ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة. [وسنده ثابت].
(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٧١) ولا بأس بسنده.
[ ١ / ٦٤٥ ]
فيتقوه، ويخبرهم برضاه عنهم إذا أطاعوه (وليستكثروا) (^١) من طاعته، (ويجتنبوا) (^٢) ما سخط من معصيته.
وقوله: ﴿أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز الذي لا يعجزه شيء، وهو قادر على كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياء في محالها؛ لعلمه وحكمته وعدله.
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾.
يقول ﵎ ردًا على الكفار فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله، المخالف لملة إبراهيم الخليل، إمام الحنفاء، فإنه جرد توحيد ربه ﵎، فلم يدع معه غيره، ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، وخالف في ذلك سائر قومه، حتى تبرأ من أبيه، فقال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٨، ٧٩] (^٣) [وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]] (١) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة: ١١٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٢] ولهذا وأمثاله قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: عن طريقته ومنهجه. فيخالفها ويرغب عنها ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أي: ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطفى في الدنيا للهداية والرشاد، من حداثة (سنه) (^٤) إلى أن اتخذه الله خليلًا، وهو في الآخرة من الصالحين السعداء - فترك طريقه هذا ومسلكه وملته واتبع طرق الضلالة والغي، فأي سفهٍ أعظم من هذا؟ أم أي ظلم أكبر من هذا؟ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
وقال أبو العالية (^٥) وقتادة (^٦): (نزلت هذه الآية) (^٧) في اليهود؛ أحدثوا طريقًا ليست من عند الله وخالفوا ملة إبراهيم فيما (أحدثوه) (^٨)، ويشهد لصحة هذا القول قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ [آل عمران: ٦٧، ٦٨].
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ أي: أمره (الله) (^٩)
_________________
(١) في (ز) و(ض): "استكثروا".
(٢) في (ز) و(ض): "تجنبوا".
(٣) ساقط من (ج) و(ز) و(ض) و(ك) و(ل). والآية ثابتة في (ن) و(ى).
(٤) في (ك): "بنيته".
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٨٠). [وسنده جيد].
(٦) أخرجه ابن جرير (٢٠٨٣). [وسنده صحيح].
(٧) ساقط من (ج).
(٨) في (ز) و(ض): "أخذوه".
(٩) لفظ الجلالة من (ز) و(ن).
[ ١ / ٦٤٦ ]
(تعالى) (^١) بالإخلاص له والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعًا وقدرًا، وقوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ أي: (وصى) (^٢) بهذه (الملة) (^٣)، وهي الإسلام لله (^٤) [أو يعود الضمير على الكلمة وهي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾] (^٥). لحرصهم عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها إلى حين الوفاة ووصوا أبناءهم بها من بعدهم؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] وقد قرأ بعض السلف "ويعقوب" بالنصب عطفًا، على بنيه، كأن إبراهيم وصى بنيه وابن ابنه يعقوب بن إسحاق وكان حاضرًا ذلك، وقد ادعى القشيري فيما حكاه القرطبي (^٦) عنه أن يعقوب إنما ولد بعد وفاة إبراهيم، ويحتاج مثل هذا إلى دليل صحيح؛ والظاهر، والله أعلم، أن إسحاق ولد له يعقوب في حياة الخليل وسارة؛ لأن البشارة وقعت بهما في قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] وقد قرئ بنصب "يعقوب" ههنا على نزع الخافض، فلو لم يوجد يعقوب في حياتهما لما كان لذكره من بين ذرية إسحاق كبير فائدة، وأيضًا فقد قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾ الآية [العنكبوت] وقال في الآية الأخرى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ [الأنبياء: ٧٢] وهذا يقتضى أنه وجد في حياته، وأيضًا فإنه باني بيت المقدس، كما نطقت بذلك الكتب المتقدمة، وثبت في "الصحيحين" (^٧) من حديث أبي ذر قلت: يا رسول الله؛ أي: مسجد وضع أول؟ قال: "المسجد الحرام"، قلت: ثم أي؟ قال: "بيت المقدس"، قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنةً" الحديث. فزعم ابن حبان أن بين سليمان الذي اعتقد أنه باني بيت المقدس - وإنما كان جدده بعد خرابه وزخرفه - وبين إبراهيم أربعين سنةً، وهذا مما أنكر على ابن حبان، فإن المدة بينهما تزيد على ألوف سنين (^٨)، والله أعلم، وأيضًا فإن ذكر وصية يعقوب لبنيه سيأتي ذكرها قريبًا، وهذا يدل على أنه ههنا من جملة الموصين.
وقوله: ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: أحسنوا في حال الحياة والزموا هذا (ليرزقكم) (^٩) الله الوفاة عليه. فإن المرء يموت غالبًا على ما كان عليه، ويبعث على ما (مات) (^١٠) عليه. وقد أجرى الله الكريم عادته بأن من قصد الخير وفق له ويُسر
_________________
(١) لم ترد في (ز).
(٢) في (ك): "رضى"!
(٣) في (ك): "المسألة"!
(٤) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).
(٥) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).
(٦) في "تفسيره" (٢/ ١٣٦) وقال: "وهو بعيد، لأن يعقوب لم يكن حينئذ بين أولاد إبراهيم لما وصاهم، ولم ينقل أن يعقوب أدرك جده إبراهيم، وإنما ولد بعد موت إبراهيم، وأن يعقوب أوصى بنيه أيضًا كما فعل إبراهيم". اهـ.
(٧) أخرجه البخاري في "كتاب الأنبياء" (٦/ ٤٠٧)؛ ومسلم في "كتاب المساجد" (٥٢٠/ ١).
(٨) قال ابن القيم في "زاد المعاد" (١/ ٤٩): "وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد به، فقال: معلوم أن سليمان بن داود هو الذي بنى المسجد الأقصى، وبينه وبين إبراهيم أكثر من ألف عام، وهذا جهل من هذا القائل، فإن سليمان إنما كان له من المسجد الأقصى تجديده لا تأسيسه، والذي أسسه يعقوب بن إسحاق صلى الله عليهما وآلهما وسلم بعد بناء إبراهيم الكعبة بهذا المقدار". اهـ.
(٩) في (ل): "يرزقكم".
(١٠) في (ل): "كان".
[ ١ / ٦٤٧ ]
عليه. ومن نوى صالحًا ثبت عليه. وهذا لا يعارض ما جاء في الحديث (الصحيح) (^١): "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار (فيدخل النار) (^٢) وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة (^٣) [فيدخلها" (^٤)؛ لأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث (^٥): "فيعمل بعمل أهل الجنة] (^٦) فيما يبدو للناس، و(يعمل) (^٧) بعمل أهل النار فيما يبدو للناس. وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠] ".
﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾.
يقول تعالى محتجًا على المشركين من العرب أبناء إسماعيل، وعلى الكفار من بني إسرائيل - وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليهم) (^٨) السلام - (بأن يعقوب) (^٩) لما حضرته الوفاة وصى بنيه بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال لهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ وهذا من باب التغليب لأن إسماعيل عمه.
قال النحاس: والعرب تسمى العم أبًا، نقله القرطبي (^١٠)؛ وقد استدل بهذه الآية من جعل الجد أبًا وحجب به الإخوة، كما هو قول الصديق ﵁ حكاه البخاري (^١١) عنه من طريق ابن عباس وابن الزبير، ثم قال البخاري (^١٢): ولم يختلف عليه، وإليه ذهبت عائشة أم المؤمنين، وبه يقول الحسن البصري وطاوس وعطاء، وهو مذهب أبي حنيفة وغير واحد من علماء السلف والخلف؛ وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه أنه يقاسم الإخوة؛ وحكى مالك، عن
_________________
(١) ساقط من (ز) و(ض).
(٢) كذا في (ج) و(ك) و(ل) و(ى)؛ وفي (ز) و(ض) و(ن): "فيدخلها".
(٣) ساقط من (ز) و(ض).
(٤) أخرجه البخاري (٦/ ٣٠٣؛ و١١/ ٤٧٧؛ و١٣/ ٤٤٠)؛ ومسلم (٢٦٤٣/ ١).
(٥) أخرجه البخاري في "كتاب الجهاد" (٦/ ٨٩ - ٩٠)؛ ومسلم في "كتاب الإيمان" (١١٢/ ١٧٩).
(٦) ساقط من (ز) و(ض).
(٧) ساقط من (ز) و(ض).
(٨) في (ج) و(ض): "عليه".
(٩) ساقط من (ز) و(ض).
(١٠) في "تفسيره" (٢/ ١٣٨).
(١١) في "كتاب الفرائض" (١٢/ ١٨) معلقًا. وقد ورد موصولًا بأسانيد صحيحة عن جماعة من الصحابة عن أبي بكر الصديق. منهم: ابن عباس؛ أخرجه الدارمي (٢/ ٢٥٥)؛ وأخرجه البيهقي (٦/ ٢٤٦)؛ وسنده صحيح كما قال الحافظ في "الفتح" (١٢/ ١٩).
(١٢) ولفظ البخاري: "ولم يذكر أن أحدًا خالف أبا بكر في زمانه، وأصحاب النبي ﷺ متوافرون". قال الحافظ: "كأنه يريد بذلك تقوية حجة القول المذكور، فإن الإجماع السكوتي حجة، وهو حاصل في هذا". اهـ.
[ ١ / ٦٤٨ ]
عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وجماعة من السلف والخلف، واختاره صاحبا أبي حنيفة القاضي: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، ولتقريرها موضع آخر.
وقوله (^١): ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: نوحده بالألوهية، ولا نشرك به شيئًا غيره ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي: مطيعون خاضعون كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبةً، وإن تنوعت شرائعهم واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] والآيات في هذا كثيرة والأحاديث، فمنها قوله (ﷺ) (^٢): "نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد" (^٣).
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ أي: مضت ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي: إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا لم تفعلوا خيرًا يعود نفعه عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم: ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وقال أبو العالية (^٤)، والربيع، وقتادة: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ يعني: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط (^٥) [و(قد) (^٦) جاء في الأثر (^٧): "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه"] (٤).
﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾.
قال محمد بن إسحاق (^٨): حدثني محمد بن أبي محمد، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله ﷺ: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد (تهتد) (^٩). وقالت النصارى مثل ذلك. فأنزل الله ﷿: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾.
_________________
(١) في هامش (ج): "قال القرطبي" (٢/ ١٣٨): قرأ الحسن، ويحيى بن يعمر والجحدري؛ وأبو رجاء العطاردي: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ [البقرة: ١٣٣] فقيل: أريد: إبراهيم؛ أي: جمع سلامة على ما حكى سيبويه: "أب" و"أبون" كما قال الشاعر: فلما تبيَّن أصواتنا … بَكَيْنَ وفديننا بالأبينا
(٢) في (ج) و(ل): "﵇".
(٣) كذا وقع لفظ الحديث. وكأن المصنف ﵀ كتبه من حفظه، وقد كرره بهذا اللفظ في مواضع شتى من "تفسيره"؛ في "سورة المائدة" (٣/ ١٢١)؛ وفي "الأنعام" (٣/ ٣٧٣، ٣٧٨)؛ وفي "يونس" (٤/ ٢١٩)؛ وفي "الأنبياء" (٥/ ٣٦٦)؛ وفي "الشورى" (٧/ ١٨٣). والغريب أنه قال في "تفسير المائدة": "ثبت في "صحيح البخاري … " ثم ذكر الحديث باللفظ الذي أثبته في هذه المواضع، ولا أصل له بهذا اللفظ في "صحيح البخاري".
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٩٧). وأشار إلى الأثرين الآخرين، ولم أقف عليهما.
(٥) ساقط من (ز) و(ض).
(٦) في (ن) و(ى): "ولهذا".
(٧) هذا جزء من حديث طويل أخرجه مسلم (٢٦٩٩/ ٣٨) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
(٨) أخرجه ابن جرير (٢٠٩٠)؛ وابن أبي حاتم (١٣٠٠) من طريقين عن ابن إسحاق به. [وسنده حسن].
(٩) ساقط من (ك)؛ وفي (ج) و(ك) و(ى): "تهتدى" بإثبات الياء.
[ ١ / ٦٤٩ ]
وقوله: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي: لا نريد ما دعوتم إليه من اليهودية والنصرانية، بل نتبع ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي: مستقيمًا. قاله محمد بن كعب القرظي (^١)، وعيسى بن جارية (٩).
وقال خصيف (^٢)، (عن مجاهد) (^٣): مخلصًا. وروى علي بن أبي طلحة (^٤)، عن ابن عباس: حاجًا. وكذا روى عن الحسن (^٥) والضحاك، وعطية، والسدي (^٦).
وقال أبو العالية (^٧): الحنيف: الذي يستقبل البيت بصلاته، ويرى أن حجه عليه إن استطاع إليه سبيلًا.
وقال مجاهد (^٨): والربيع بن أنس: حنيفًا؛ أي: متبعًا. وقال أبو قلابة (^٩): الحنيف: الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم.
وقال قتادة (^١٠): الحنيفية: شهادة أن لا إله إلا الله. يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات والخالات والعمات وما حرم الله ﷿ (^١١)، والختان.
﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾.
أرشد الله (تعالى) (^١٢) عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمد ﷺ مفصلًا، وبما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملًا، ونص على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) (^١٣)، (وأنهم) (^١٤) لا يفرقوا بين أحد منهم، بل يؤمنوا بهم كلهم، ولا يكونوا كمن قال الله فيهم: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ الآية [النساء: ١٥٠، ١٥١].
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٠٣) من طريق عثمان بن صالح، ثنا ابن لهيعة، عن أبي صخر عن محمد بن كعب وعيسى بن جارية. وسنده لين.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٠٥) بسند جيد عن خصيف قوله. ولم أجده من طريق خصيف عن مجاهد.
(٣) من (ن).
(٤) أخرجه ابن جرير (٢٠٩٧)؛ وابن أبي حاتم (١٣٠١). [وسنده ثابت].
(٥) هذا الأثر وما بعده عند ابن جرير (٢٠٩١، ٢٠٩٢، ٢٠٩٣، ٢٠٩٥). [أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق كثير أبي سهل عن الحسن].
(٦) [أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سفيان عن السدي].
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٠٦). [وسنده جيد].
(٨) أخرجه ابن جرير (٢٠٩٩)؛ وابن أبي حاتم (١٣٠٢). [وسنده صحيح].
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٠٤) وسنده ضعيف.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٠٧) بسند صحيح.
(١١) في (ل): "تعالى".
(١٢) ساقط من (ك).
(١٣) من (ض).
(١٤) كذا في (ج) و(ك) و(ل) و(ض) و(ى). ووقع في (ز) و(ن): "وأن".
[ ١ / ٦٥٠ ]
وقال البخاري (^١): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عثمان بن عمر، أخبرنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا (وما أنزل إليكم) " (^٢).
وقد روى مسلم (^٣) وأبو داود والنسائي من حديث عثمان بن حكيم، عن سعيد بن يسار، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ أكثر ما يصلي الركعتين اللتين قبل الفجر بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية، والأخرى بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢].
وقال أبو العالية (^٤) والربيع (^٥) وقتادة (^٦): الأسباط: بنو يعقوب (اثنا) (^٧) عشر رجلًا؛ (ولد) (^٨) كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا الأسباط.
وقال الخليل بن أحمد وغيره: الأسباط في بني إسرائيل؛ كالقبائل في بني إسماعيل؛ وقال الزمخشري في "الكشاف" (^٩): الأسباط: حفدة يعقوب وذراري أبنائه الاثنى عشر، وقد نقله الرازي (^١٠) عنه، وقرره ولم يعارضه. وقال البخاري: الأسباط: قبائل بني إسرائيل، وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط ها هنا شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله تعالى من الوحي على الأنبياء الموجودين منهم، كما قال موسى لهم: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] وقال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] وقال القرطبي (^١١): وسموا الأسباط من السبط، وهو التتابع، فهم جماعة متتابعون. وقيل: أصله من السبط، بالتحريك، وهو الشجر؛ أي: هم في الكثرة بمنزلة الشجر الواحدة سبطة. قال الزجاج: ويبين لك هذا: ما حدثنا محمد بن جعفر الأنباري، حدثنا أبو نجيد الدقاق (^١٢)، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلى عشرة: نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام. قال القرطبي: والسبط: الجماعة والقبيلة، الراجعون إلى أصل واحد.
_________________
(١) أخرجه البخاري في "كتاب الشهادات" (٥/ ٢٩١) معلقًا، ووصله في "كتاب التفسير" (٨/ ١٧٠)؛ وفي "كتاب الاعتصام" (١٣/ ٣٣٣)؛ وفي "كتاب التوحيد" (١٣/ ٥١٦).
(٢) من (ج) و(ل) وهي موافقة لما في "الصحيح" في "كتاب الاعتصام" ولم يذكرها في الموضعين الآخرين. ووقع في (ض) و(ك) و(ن) و(ى): "وما أنزل الله"!
(٣) أخرجه مسلم (٧٢٧/ ٩٩).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣١٠) و(٩٠٥ - آل عمران). [وسنده جيد].
(٥) أخرجه ابن جرير (٢١٠٦). [وسنده جيد].
(٦) [أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة].
(٧) في (ض) و(ن) ت "اثنى"!
(٨) في (ل): "وكذا".
(٩) (١/ ٩٧).
(١٠) في "التفسير الكبير" (٤/ ٩١).
(١١) في "تفسيره" (٢/ ١٤١).
(١٢) أما أبو نجيد فما عرفته، فليحرر. وبقية رجال السند معروفون، ورواية إسرائيل عن سماك، كانت بأخره.
[ ١ / ٦٥١ ]
وقال قتادة (^١): أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا به، ويصدقوا بكتبه كلها وبرسله.
وقال سليمان بن حبيب (^٢): إنما أمرنا أن نؤمن بالتوراة والإنجيل، ولا نعمل بما فيهما.
وقال ابن أبي حاتم (^٣): حدثنا محمد بن محمد بن مصعب الصورى، حدثنا مؤمل، حدثنا عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ: "آمنوا بالتوراة والزبور والإنجيل، وليسعكم القرآن".
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾.
يقول تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا﴾ (أي) (^٤): الكفار من أهل الكتاب وغيرهم ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ أيها المؤمنون، من الإيمان بجميع كتب الله ورسله، ولم يفرقوا بين أحد منهم ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: فقد أصابوا الحق وأرشدوا إليه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: عن الحق إلى الباطل، بعد قيام الحجة عليهم ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: فسينصرك عليهم ويظفرك بهم ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (^٥): قرئ على يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثنا زياد بن يونس، حدثنا نافع بن أبي نعيم، قال: أرسل إليَّ بعض الخلفاء مصحف عثمان بن عفان ليصلحه. قال زياد: فقلت له: إن الناس يقولون: إن مصحفه كان في حجره حين قتل، فوقع الدم على ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فقال نافع: بصرت عيني بالدم على هذه الآية وقد قَدُم.
وقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قال الضحاك (^٦)، عن ابن عباس: دين الله وكذا روي عن مجاهد (^٧)، وأبي العالية (^٨)، وعكرمة، وإبراهيم، والحسن، وقتادة (^٩)، والضحاك، وعبد الله بن
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣١٥) بسند صحيح.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣١٣) وفي إسناده كلثوم بن زياد، ضعفه النسائي.
(٣) في "تفسيره" (١٣١٢) وإسناده ضعيف جدًّا، وعبيد الله بن أبي حميد تركه النسائي وقال أحمد: "ترك الناس حديثه". وقال البخاري: "منكر الحديث، يروى عن أبي المليح العجائب".
(٤) في (ن) و(ى): "يعني".
(٥) في "تفسيره" (١٣٢١) وسنده صحيح.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٢٢)؛ وابن جرير (٢١٢٣) من وجهين عن ابن عباس وكلاهما ضعيف.
(٧) أخرجه ابن جرير (٢١١٨، ٢١١٩، ٢١٢٠). [وسنده صحيح].
(٨) أخرجه ابن جرير (٢١١٦). [وسنده جيد].
(٩) أخرجه ابن جرير (٢١١٥) من طريق عبد الرزاق وهذا في "تفسيره" (١/ ٦٠) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة. وسنده صحيح؛ وأخرجه ابن جرير (٢١١٤) من طريق يزيد بن زريع، والدينوري في "المجالسة" (١٤٦٤) من طريق يزيد بن هارون قالا ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: إن اليهود تصبغ أبناءها يهود، والنصارى تصبغ أبناءها نصارى وإن صبغة الله الإسلام فلا صبغة أحسن من الإسلام ولا أطهر، وهو دين الله ﷿ الذي بعث به نوحًا والأنبياء من بعده. وسنده صحيح.
[ ١ / ٦٥٢ ]
كثير (^١)، وعطية العوفي (^٢)، والربيع بن أنس (^٣)، والسدي (^٤)، نحو ذلك.
وانتصاب ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ إما على الإغراء؛ كقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] أي: الزموا ذلك عليكموه. وقال بعضهم: بدل من قوله: ﴿مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وقال سيبويه: هو مصدر مؤكد انتصب عن قوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] كقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٣٦].
وقد (ورد) (^٥) في حديث رواه ابن أبي حاتم (^٦) وابن مردويه، من رواية أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن نبي الله (ﷺ) (^٧) قال: "إن بني إسرائيل قالوا: يا موسى، هل يصبغ ربك؟ فقال: اتقوا الله. فناداه ربه: يا موسى، سألوك هل يصبُغ ربك؟ فقال: نعم، أنا أصبُغ الألوان: الأحمر والأبيض والأسود، والألوان كلها من صبغي". وأنزل الله على نبيه ﷺ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾.
كذا وقع في رواية ابن مردويه مرفوعًا، وهو في رواية ابن أبي حاتم موقوف، وهو أشبه، إن صح إسناده، (^٨) [﵎ أعلم] (٤).
﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾.
يقول الله تعالى مرشدًا نبيه (صلوات الله وسلامه عليه) (^٩) إلى درء مجادلة المشركين: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ أي: أتناظروننا في توحيد الله والإخلاص له والانقياد، واتباع أوامره وترك
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٢١٢٨)؛ والدينوري في "المجالسة" (١٤٦٥) من طريق حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج قال: قال لي عبد الله بن كثير: "صبغة الله" قال: دين الله ومن أحسن من الله دينًا، قال: هي فطرة الإسلام. وسنده صحيح.
(٢) أخرجه ابن جرير (٢١٢١) وسنده جيد.
(٣) أخرجه ابن جرير (٢١١٧). [وسنده جيد].
(٤) أخرجه ابن جرير (٢١٢٢). [وسنده حسن].
(٥) في (ل): "روى".
(٦) أما الحديث المرفوع: فأخرجه ابن مردويه، ومن طريقه الضياء في "المختارة" (١٠/ ١١٠، ١١١) قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، ثنا محمد بن الفضل بن موسى، ثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الدشتكي، ثنا أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا. ومحمد بن الفضل بن موسى هو القسطاني ترجمه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٤/ ١/ ٦٠) وقال: "هو صدوق". وقد خالفه أحمد بن القاسم بن عطية، فرواه عن أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي بهذا الإسناد موقوفًا. أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٢٣)، وعنه أبو الشيخ في "كتاب العظمة" (٢/ ٤٥٢، ٤٥٣/ ١٣٨) وسياق أبي الشيخ مطول؛ وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٣٠٢) من طريق عبد الله بن عمر بن أبان، ثنا زياد بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ قال: أيصبغ ربك؟ قال: "نعم صبغًا لا ينقض، أحمر، وأصفر، وأبيض". وهذا سند ضعيف ورفعه منكر. وزياد هو البكائي كان رديء الحفظ، وعطاء هو ابن السائب؛ كان اختلط.
(٧) من (ج) و(ك) و(ل) و(ن) و(ى).
(٨) ساقط من (ك).
(٩) من (ل).
[ ١ / ٦٥٣ ]
زواجره ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ المتصرف فينا وفيكم، المستحق لإخلاص الإلهية له وحده لا شريك له! ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ أي: نحن برآء منك، وأنتم برآء منا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ [يونس: ٤١] وقال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾ [آل عمران: ٢٠] وقال تعالى إخبارًا عن إبراهيم ﵇ (^١): ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾ [الأنعام: ٨٠] وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٨].
وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أي: (نحن) (^٢) برآء منكم كما أنتم برآء منا، ونحن له مخلصون؛ أي: في العبادة والتوجه. ثم أنكر تعالى عليهم في دعواهم أن إبراهيم ومن ذكر بعده من الأنبياء والأسباط كانوا على ملتهم، إما اليهودية (وإما) (^٣) النصرانية، فقال؛ ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ يعني: بل الله أعلم، وقد أخبر أنهم لم يكونوا هودًا ولا نصارى، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ الآية والتي بعدها: [آل عمران].
وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ قال الحسن البصري (^٤): كانوا يقرؤون في كتاب الله أتاهم: إن الدين (الإسلام) (^٥)، وإن محمدًا رسول الله، وإن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا برآء من اليهودية والنصرانية، فشهد الله بذلك، وأقروا به على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك.
وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (فيه) (^٦) تهديد ووعيد شديد؛ أي: (أن) (^٧) علمه محيط بعملكم، وسيجزيكم عليه.
ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ أي: قد مضت ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي: لهم أعمالهم ولكم أعمالكم ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وليس يغني عنكم انتسابكم إليهم، من غير متابعة منكم لهم، ولا تغتروا بمجرد النسبة إليهم حتى تكونوا مثلهم منقادين لأوامر الله واتباع رسله، الذين بعثوا مبشرين ومنذرين، فإنه من كفر بنبي واحد فقد كفر بسائر الرسل، ولا سيما من كفر بسيد الأنبياء، وخاتم المرسلين ورسول رب العالمين إلى جميع الإنس والجن من سائر المكلفين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله أجمعين [أبدًا دائمًا إلى يوم الدين ورضي الله عن أصحابه وأصحابهم المتبعين إلى يوم الحشر واليقين] (^٨).
_________________
(١) في (ل): " ﷺ ".
(٢) في (ج) و(ل): "ونحن".
(٣) في (ج) و(ل): "أو". ووقع في (ن): (و).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣٢٩) بسند ضعيف؛ وأخرجه ابن جرير (٢١٣٤) من وجه آخر لا بأس به بنحوه.
(٥) في (ج) و(ل): "عند الله الإسلام".
(٦) من (ج) و(ل).
(٧) ساقط من (ز) و(ض).
(٨) من (ك).
[ ١ / ٦٥٤ ]
﷽
﴿* سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾.
[قيل: المراد بالسفهاء هنا مشركو العرب. قاله الزجاج (^١).
وقيل: أحبار يهود. قاله مجاهد (^٢).
وقيل: المنافقون. قاله السدي (^٣).
والآية عامة في هؤلاء كلهم (^٤)، والله أعلم] (^٥).
قال البخاري: حدثنا أبو نُعيم، سمع زُهيرًا، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁ أن النبي ﷺ صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَلَ البيت، وإنه صلّى أول صلاة صلّاها صلاة العصر، وصلّى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلّى معه، [فمَّر] (^٦) على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صلّيت مع النبي ﷺ قِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَل البيت. وكان الذي مات على القبلة قبل أن تُحَوّل قِبَلَ البيت رجالًا قُتلوا لم ندرِ ما نقول فيهم، فأنزل الله ﷿ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٧).
انفرد به البخاري من هذا الوجه، ورواه مسلم من وجه آخر.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان رسول الله ﷺ يصلّي نحو بيت المقدس، ويكثر النظر إلى السّماء، ينتظر أمر الله، فأنزل الله ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فقال رجال من المسلمين: وددنا لو علمنا من مات منّا قبل أن نُصرف إلى القبلة، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس؟ فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، وقال السفهاء من الناس، وهم أهل الكتاب: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾، فأنزل الله ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ …﴾ إلى آخر الآية (^٨).
_________________
(١) معاني القرآن ١/ ٢١٨.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وصححه الحافظ ابن حجر (الفتح ٨/ ١٧١).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٤) وقول الحافظ ابن كثير وافقه جمع من المفسرين والمحدثين كابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٢، والقرطبي في جامعه ٢/ ١٠، والرازي في تفسيره ٤/ ١٢٠٩١، والبيضاوي في تفسيره ١/ ٨٦، وابن جزي في التسهيل ١/ ٦٢.
(٥) ما بين معقوفتين سقط من (حم) و(عف) والأصل، وأُثبت من (عش) و(ح).
(٦) في الأصل بلفظ: "يمر" والتصويب من رواية الصحيح وبقية النسخ.
(٧) أخرجه البخاري، الصحيح، التفسير، باب ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ …﴾ [البقرة: ١٤٢] (ح ٤٤٨٦).
(٨) سنده حسن. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق ابن إسحاق به.
[ ٢ / ٥ ]
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا الحسن بن عطية، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان رسول الله ﷺ قد صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يحب أن يوجَّه نحو الكعبة، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] قال: فوجّه نحو الكعبة. وقال السفهاء من الناس، وهم اليهود: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^١).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يحب قِبلة إبراهيم، فكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله ﷿: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] أي: نحوه، فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ فأنزل الله ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٢).
وقد جاء في هذا الباب أحاديث كثيرة، وحاصل الأمر أنه قد كان رسول الله ﷺ أمر باستقبال الصخرة من بيت المقدس فكان بمكة يصلي بين الركنين، فتكون بين يديه الكعبة وهو مستقبل صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تعذر الجمع بينهما، فأمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس، [قاله ابن عباس والجمهور، ثم اختلف هؤلاء هل كان الأمر به بالقرآن أو بغيره؟ على قولين، وحكى القرطبي في تفسيره عن عكرمة وأبي العالية والحسن البصري أن التوجه إلى بيت المقدس كان باجتهاده ﵇ (^٣). والمقصود أن التوجه إلى بيت المقدس بعد مقدمه ﷺ المدينة] (^٤)، واستمر الأمر على ذلك بضعة عشر شهرًا، وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يُوجه إلى الكعبة التي هي قِبلة إبراهيم، فأُجيب إلى ذلك، وأُمر بالتوجه إلى البيت العتيق، فخطب رسول الله ﷺ الناس، فأعلمهم بذلك، وكان أول صلاة صلّاها إليها: صلاة العصر، كما تقدم في الصحيحين من رواية البراء، ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلّى: أنها الظهر، [وقال: كنت أنا وصاحبي أول من صلّى إلى الكعبة (^٥).
وذكر غير واحد من المفسرين وغيرهم أن تحويل القبلة نزل على رسول الله ﷺ وقد صلّى ركعتين من الظهر، وذلك في مسجد بني سلمة، فسمي: مسجد القبلتين.
وفي حديث نويلة بنت أسلم (^٦) أنهم جاءهم الخبر بذلك وهم في صلاة الظهر، قالت: فتحوّل
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره وسنده حسن.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره وسنده ثابت، وتشهد له الروايات الثلاث السابقة.
(٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٥٠.
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم) و(عش).
(٥) أخرجه النسائي من طريق مروان بن عثمان أن عبيد بن حُنين أخبره عن أبي سعيد بن المعلّى مطولًا (السنن الكبرى ح ١٠٩٣٧) وفي سنده: مروان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلى ضعيف (التقريب ص ٥٢٦).
(٦) كذا في نسخة (عش)، وفي (حم): "توليه" والتصويب من الإصابة (٤/ ٤٢٠)، وأسد الغابة (٥/ ٥٥٦)، وما ورد عن ابن عبد البر ذكره من طريق جعفر بن محمود عن جدته أم أبيه نويلة بنت أسلم … فذكره (الاستيعاب ٤/ ٤١٨ في حاشية الإصابة). وأخرجه ابن مردويه من طريق إسحاق بن إدريس عن إبراهيم بن =
[ ٢ / ٦ ]
الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال. ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري] (^١). وأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثاني كما جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵁ أنه قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول الله ﷺ[قد أُنزل عليه الليلة قرآن] (^٢) وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة (^٣).
وفي هذا دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله وإبلاغه، لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء، والله أعلم.
ولما وقع هذا حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود ارتياب وزيغ عن الهدى وتخبيط وشك، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ أي: قالوا: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟ فأنزل الله جوابهم في قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] و﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: الشأن كله في امتثال أوامر الله، فحيثما وجّهنا توجّهنا، فالطاعة في امتثال أمره، ولو وجّهنا في كل يوم مرات إلى جهات متعدّدة، فنحن عبيده وفي تصرُّفه، وخدّامه حيثما وجّهنا توجّهنا، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمد ﷺ وأُمته عناية عظيمة، إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم خليل الرحمن، وجعل توجُّههم إلى الكعبة المبنيّة على اسمه تعالى وحده لا شريك له، أشرف بيوت الله في الأرض إذ هي بناية إبراهيم الخليل ﵇، ولهذا قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقد روى الإمام أحمد عن علي بن عاصم، عن حصين بن عبد الرحمن (^٤)، عن عمر بن قيس (^٥)، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ يعني في أهل الكتاب -: "إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها، وضلّوا عنها وعلى القبلة التي هدانا الله لها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين" (^٦).
_________________
(١) = جعفر عن أبيه عن جدته نويلة به، كما سيأتي في تفسير آية (١٤٤) من هذا التفسير المبارك. وفي سنده إسحاق بن إدريس وهو الأسوادي البصري متهم بالكذب (انظر: ميزان الاعتدال ١/ ١٨٤).
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل و(عف) و(ع)، وأثبت في نسخة (عش) و(حم) و(ح).
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل و(عف) والمثبت من عش (حم) و(ح).
(٤) أخرجه البخاري، الصحيح، التفسير باب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا …﴾ [البقرة: ١٤٣] (ح ٤٤٨٨)، ومسلم، الصحيح، المساجد، باب تحويل القبلة (ح ٥٢٦).
(٥) حصين بن عبد الرحمن. كذا في مسند أحمد ٤١/ ٤٨١ (ح ٢٥٠٢٩)، والنسخ كلها إلا في الأصل فضيل بن عبد الرحمن وهو تصحيف.
(٦) عمر بن قيس. كذا في المسند (ح ٢٥٠٢٩)، وفي كل النسخ ورد بلفظ: "عمرو بن قيس" وهو تصحيف لأن عمر بن قيس ورد ذكره في المسند، وكذا ورد في ترجمته أنه روى عن محمد بن الأشعث (تهذيب الكمال ٢١/ ٤٨٥).
(٧) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤١/ ٤٨١ ح ٢٥٠٢٩) وسنده صحيح.
[ ٢ / ٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ يقول تعالى: "إنما حَوّلناكم إلى قِبلة إبراهيم ﵇، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأُمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأُمم، لأن الجميع معترفون لكم بالفضل"، والوسط ههنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها، وكان رسول الله ﷺ وسطًا في قومه، أي: أشرفهم نسبًا، ومنه الصلاة الوسطى التي هي أفضل الصلوات وهي: العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأُمة وسطًا خصّها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأصح (^١) المذاهب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال الإمام أحمد: [حدثنا] (^٢) وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: "يُدعى نوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلَّغت؟ فيقول: نعم. فيُدعى قومه، فيقال لهم: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد. فيُقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمدٌ وأمته. قال: فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. قال: والوسط: العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم". رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن الأعمش (^٣).
وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "يجيء النبي يوم القيامة ومعه رجلان وأكثر من ذلك، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلّغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلّغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأُمته. فيُدعى محمد وأُمته، فيقال لهم: هل بلّغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبيّنا فأخبرنا أن الرُّسل قد بلّغوا، فذلك قوله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عدلًا، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ " (^٤).
وقال أحمد أيضًا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: "عدلًا" (^٥).
وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه وابن أبي حاتم من حديث عبد الواحد بن زياد، عن أبي مالك الأشجعي، عن المغيرة بن عتيبة بن نهاس (^٦)، حدثني مُكتب لنا، عن جابر بن عبد الله،
_________________
(١) كذا في الأصل (مح) و(ح) و(حم) وفي (عش) بلفظ: "وأوضح" وما أثبت أقوى.
(٢) كذا في المسند ونسخة (عش) و(ح) و(عف) وفي الأصل بلفظ: "عن".
(٣) أخرجه البخاري من طريق الأعمش به (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ح ٤٤٨٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٣/ ٥٨، وسنده صحيح ويشهد له ما سبق وما لحق.
(٥) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٣/ ٥٨، وسنده صحيح وتقدم تخريجه في الصحيح.
(٦) المغيرة بن عتيبة بن نهاس، وفي الأصل: "المغيرة عن عتيبة بن بناس" والصواب كما في بقية النسخ، وترجمته في الجرح والتعديل ٨/ ٢٢٧، وكذا أخرجه الطبري وابن أبي حاتم في تفسيريهما.
[ ٢ / ٨ ]
عن النبي ﷺ قال: "أنا وأُمتي يوم القيامة على كوم (^١) مشرفين على الخلائق، ما من الناس إلا ودّ أنه مِنّا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه قد بلغ رسالة ربه ﷿" (^٢).
وروى الحاكم في مستدركه وابن مردويه أيضًا، واللفظ له من حديث مصعب بن ثابت، عن محمد بن كعب القرظي، عن جابر بن عبد الله قال: شهد رسول الله ﷺ جنازة في بني سلمة، وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ فقال بعضهم: والله يا رسول الله لِنَعْم المرء كان، لقد كان عفيفًا مسلمًا، وكان: وأثنوا عليه خيرًا، فقال رسول الله ﷺ: "أنت بما تقول". فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك، فقال النبي ﷺ: "وجبت"، ثم شهد جنازة في بني حارثة، وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ، فقال بعضهم: يا رسول الله، بئس المرء كان، إن كان لَفظًّا غليظًا، فأثنوا عليه شرًا، فقال رسول الله ﷺ لبعضهم: "أنت بالذي تقول؟ ". فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر فأمّا الذي بدا لنا منه فذاك. فقال رسول الله ﷺ: "وجبت". قال مصعب بن ثابت: فقال لنا عند ذلك محمد بن كعب: صدق رسول الله ﷺ، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن عبد الله بن بُريدة، عن أبي الأسود أنه قال: أتيت المدينة فوافقتها، وقد وقع بها مرض، فهم يموتون موتًا ذريعًا، فجلست إلى عمر بن الخطاب فمرّت به جنازة، فأُثنى على صاحبها خيرًا، فقال: وجبت، وجبت، ثم مرّ بأخرى فأُثنى عليها شرًا، فقال عمر: وجبت. فقال أبو الأسود: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال رسول الله ﷺ: "أيما مسلم شَهِد له أربعة بخير أدخله الله الجنة". قال: فقلنا: وثلاثة؟ قال: فقال: "وثلاثة". قال: فقلنا: واثنان؟ قال: "واثنان". ثم لم نسأله عن الواحد.
وكذا رواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث داود بن أبي الفرات به (^٤).
وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى، حدثنا أبو قلابة الرقاشي، حدثني أبو الوليد، حدثنا نافع بن عمر، حدثني أمية بن صفوان، عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي [عن أبيه] (^٥) قال: سمعت رسول الله ﷺ بالنَّباوة (^٦) يقول: "يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم". قالوا: بمَ يا رسول الله؟ قال: "بالثناء الحسن والثناء السيئ، أنتم شهداء الله في الأرض" (^٧).
_________________
(١) قال ابن الأثير: وأصل الكوم: من الارتفاع والعلو (النهاية ٤/ ٢١٠).
(٢) في سنده شيخ المغيرة مجهول، ويشهد له ما تقدم وما تأخر من الروايات.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: مصعب ليس بالقوي (المستدرك ٢/ ٢٦٨)، ويشهد له حديث عمر الذي يليه كما سيأتي تخريجه.
(٤) أخرجه البخاري، الصحيح، الجنائز، باب ثناء الناس على الميت (ح ١٣٦٨).
(٥) كذا في نسخة (عش) و(عف) و(ح) و(مح). وفي الأصل: "عن لبيد" وهو تصحيف كما سيأتي في التخريج.
(٦) وفي سنن ابن ماجه: والنباوة من الطائف (ح ٤٢٢١).
(٧) أخرجه ابن ماجه، السنن، الزهد، باب الثناء الحسن (ح ٤٢٢١)، وأحمد في المسند ٣/ ٤١٦، والحاكم =
[ ٢ / ٩ ]
ورواه ابن ماجه عن (أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، ورواه الإمام أحمد، عن يزيد بن هارون، وعبد الملك بن عمرو وشريح، عن نافع، عن ابن عمر به) (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾. يقول تعالى: إنما شرعنا لك يا محمد التوجُّه أولًا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنه إلى الكعبة، ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما توجهت ممن ينقلب على عقبيه؛ أي: مرتدًا عن دينه.
﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي: هذه الفعلة وهو: صرف التوجُّه عن بيت المقدس إلى الكعبة، أي: وإن كان هذا لأمرًا عظيمًا في النفوس إلا على الذين هدى الله قلوبهم، وأيقنوا بتصديق الرسول، وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. فله أن يكلف عباده بما شاء، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة، والحجة البالغة في جميع ذلك، بخلاف الذين في قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكًا كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]. ولهذا كان من ثبت على تصديق الرسول ﷺ واتباعه في ذلك وتوجّه حيث أمره الله من غير شك ولا ريب من سادات الصحابة.
وقد ذهب بعضهم إلى أن [السابقين] (^٢) الأولين من المهاجرين والأنصار هم الذين صلوا القبلتين.
وقال البخاري في تفسير هذه الآية: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: بينا الناس يصلون الصبح في مسجد قباء، إذ جاء جاءٍ فقال: قد أنزل على النبي ﷺ قرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها فتوجّهوا إلى الكعبة (^٣).
وقد رواه مسلم من وجه آخر عن ابن عمر (^٤)، ورواه الترمذي من حديث سفيان الثوري، وعنده أنهم كانوا ركوعًا فاستداروا كما هم إلى الكعبة وهم ركوع (^٥)، وكذا روى مسلم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس مثله (^٦).
_________________
(١) = كلهم من طريق نافع بن عمر به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٢٠) وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة ٣/ ٣٠١، وحسّنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٤٠٠).
(٢) ما بين قوسين بياض في الأصل و(حم)، وسقط من نسخة (مح) و(عف)، وأثبت في نسخة (عش) و(ح) وهو الصواب كما في التخريج المذكور في الحاشية السابقة.
(٣) في الأصل: "للسابقين".
(٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا …﴾ [البقرة: ١٤٣] (ح ٤٤٨٨).
(٥) صحيح مسلم، المساجد، باب تحويل القبلة (ح ٥٢٦).
(٦) السنن، أبواب الصلاة، باب ما جاء في ابتداء القبلة (ح ٣٤١) وصححه الترمذي.
(٧) صحيح مسلم، المساجد، باب تحويل القبلة (ح ٥٢٧).
[ ٢ / ١٠ ]
وهذا يدل على كمال طاعتهم لله ولرسوله وانقيادهم لأوامر الله ﷿ ﵃ أجمعين.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك ما كان يضيع (^١) ثوبها عند الله.
وفي الصحيح من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن البراء قال: مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فقال الناس: ما حالهم في ذلك؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^٢).
[ورواه الترمذي عن ابن عباس وصححه] (^٣).
وقال [ابن إسحاق] (^٤): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: بالقبلة الأولى وتصديقكم نبيّكم واتباعه إلى القبلة الأخرى؛ أي: ليعطيكم أجرهما جميعًا ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٥).
وقال الحسن البصري: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: ما كان الله ليضيع محمدًا ﷺ وانصرافكم معه حيث انصرف ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٦).
وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد فرّق بينها وبين ولدها، فجعلت كلما وجدت صبيًا من السبي أخذته فألصقته بصدرها وهي تدور على ولدها، فلما وجدته ضمّته إليها وألقمته ثديها. فقال رسول الله ﷺ: "أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على أن لا تطرحه؟ " قالوا: لا يا رسول الله. قال: "فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها" (^٧).
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، وكان يحب قِبلة إبراهيم، فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢] وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. وقال الله تعالى:
_________________
(١) في (عش) و(ح) وفي الأصل: "لا يضيع".
(٢) تقدم تخريجه في مطلع تفسير الآية (١٤٢).
(٣) السنن، التفسير، سورة البقرة (ح ٢٩٦٤) وصححه. وما بين معقوفين سقط من الأصل.
(٤) في الأصل بياض.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به، ويشهد له ما سبق.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عباد بن منصور عن الحسن، ويشهد له ما سبق.
(٧) أخرجه البخاري، الصحيح، التفسير، باب رحمة الولد (ح ٥٩٩٩).
[ ٢ / ١١ ]
﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ (^١) [البقرة: ١٤٣].
وروى ابن مردويه من حديث القاسم العمري، عن عمه عبيد الله بن عمر، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء، فأنزل الله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى الكعبة إلى الميزاب يؤم به جبرائيل ﵇ (^٢).
وروى الحاكم في مستدركه من حديث شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن (^٣) يحيى بن قمطة قال: رأيت عبد الله بن عمرو جالسًا في المسجد الحرام بإزاء الميزاب، فتلا هذه الآية: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قال: نحو ميزاب الكعبة.
ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن عرفة، عن هشيم، عن يعلى بن عطاء به (^٤).
وهكذا قال غيره. وهو أحد قولي الشافعي ﵀: أن الغرض إصابة عين الكعبة.
والقول الآخر: وعليه الأكثرون أن المراد المواجهة (^٥) كما رواه الحاكم من حديث أبي إسحاق، عن عمير بن زياد الكندي، عن علي بن أبي طالب ﵁ (^٦): ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: شطره: قِبَله.
ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٧).
وهذا قول أبي العالية (^٨) ومجاهد (^٩) وعكرمة (^١٠) وسعيد بن جبير (^١١) وقتادة (^١٢) والربيع بن أنس (^١٣) وغيرهم، وكما تقدم في الحديث الآخر: "ما بين المشرق والمغرب قبلة" (^١٤).
_________________
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم في تفسيريهما والنحاس (الناسخ والمنسوخ ١/ ٥٨ - ٥٩)، والبيهقي (السنن الكبرى ٢/ ١٢ - ١٣) وسنده ثابت.
(٢) في سنده داود بن الحصين ثقة، لكن روايته عن عكرمة فيها مقال (انظر: التقريب ص ١٩٨) وله شواهد إلا قوله: يؤم به جبرائيل ﵇.
(٣) في الأصل: "عطاء بن يحيى بن قطمة" وهو تصحيف والتصويب من (عش) و(ح) ورواية الحاكم. المستدرك وصححه ووافقه الذهبي ٢/ ٢٦٩ وفي سنده يحيى بن قمطة، وسكت عنه البخاري (التاريخ الكبير ٨/ ٢٩٩، وابن أبي حاتم (الجرح ٨/ ١٨١)، وذكره ابن حبان في الثقات ٥/ ٥٢٩).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره برقم (٥٦).
(٥) في (عش): "الوجهة".
(٦) كذا في (ح) وفي الأصل و(عش) عن علي ﵁.
(٧) المستدرك وصححه ووافقه الذهبي ٢/ ٢٦٩.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره برقم (٦٠) من طريق داود بن أبي هند عنه.
(٩) أخرجه الطبري في تفسيره بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(١٠) و(^١١) ذكرهما ابن أبي حاتم في تفسيره برقم (٦٤، ٦٥).
(١١) أخرجه الطبري بسند حسن في تفسيره من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(١٢) أخرجه الطبري بسند حسن في تفسيره من طريق أبي جعفر الرازي عنه.
(١٣) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة وصححه (السنن، أبواب الصلاة، باب ما جاء أن ما بين المشرق والمغرب قبلة ح ٣٤٣، ٣٤٤) وصححه أحمد شاكر في تحقيقه للسنن، والألباني في صحيح السنن (ح ٢٨٣)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٢٠٥).
[ ٢ / ١٢ ]
[وقال القرطبي (^١): روى ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "البيت قِبلة لأهل المسجد، والمسجد قِبلة لأهل الحرم، والحرم قِبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أُمتي"] (^٢).
وقال أبو نعيم الفضل بن دكين: حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء أن النبي ﷺ صلّى قِبل بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه قبلته قِبل البيت، وأنه صلّى صلاة العصر وصلّى معه قوم، فخرج رجل ممن كان يصلّي معه فمرّ على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صلّيت مع رسول الله ﷺ قِبل مكة. فداروا كما هم قِبل البيت (^٣).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يُحوَّل نحو الكعبة، فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فصرف إلى الكعبة (^٤).
وروى النسائي عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله ﷺ فنصلي فيه، فمررنا يومًا ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر، فقلت: لقد حدث أمر، فجلست. فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ حتى فرغ من الآية، فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله ﷺ فنكون أول من صلّى، فتوارينا فصليناهما، ثم نزل النبي ﷺ وصلّى للناس الظهر يومئذ (^٥).
وكذا روى ابن مردويه عن ابن عمر: أن أول (^٦) صلاة صلّاها رسول الله ﷺ إلى الكعبة صلاة الظهر، وأنها الصلاة الوسطى (^٧).
والمشهور أن أول صلاة صلّاها إلى الكعبة صلاة العصر، ولهذا تأخر الخبر عن أهل قباء إلى صلاة الفجر.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا الحسين بن إسحاق التُستَري، حدثنا رجاء بن محمد السقطي، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا إبراهيم بن جعفر،
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٥٩.
(٢) ما بين معقوفين زيادة من (عش). وهذا الحديث أخرجه القاسم بن سلام (الناسخ والمنسوخ ح ٢١ ص ١٤٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره، والحاكم (المستدرك ٢/ ٢٦٧) كلهم من طريق ابن جريج به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٣) أخرجه البخاري عن أبي نعيم به (الصحيح، التفسير، باب ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] ح ٤٤٨٦).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق الحسن بن عطية عن إسرائيل به.
(٥) أخرجه النسائي من طريق مروان بن عثمان أن عبيد بن حنين أخبره عن أبي سعيد المعلى (السنن الكبرى ح ١٠٩٣٧) وفي سنده مروان ضعيف (التقريب ص ٥٢٦).
(٦) في (عش): "أول" وهو تصحيف.
(٧) هذه الرواية مخالفة لما في الصحيح: إن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر كما سيأتي عند قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى …﴾ [البقرة: ٢٣٨].
[ ٢ / ١٣ ]
حدثني أبي، عن جدّته أُم أبيه نويلة بنت مسلم (^١) قالت: صلينا الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء، فصلّينا ركعتين، ثم جاء من يحدثنا أن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت الحرام، فتحوّل النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلّينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام، فحدّثني رجل من بني حارثة أن النبي ﷺ قال: "أولئك رجال يؤمنون بالغيب" (^٢).
وقال ابن مردويه أيضًا: حدثنا محمد بن علي بن دُحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا قيس، عن زياد بن علاقة، عن عمارة بن أوس قال: بينما نحن في الصلاة نحو بيت المقدس ونحن ركوع إذ أتى منادٍ بالباب: أن القبلة قد حوّلت إلى الكعبة. قال: فأشهد على إمامنا أنه انحرف فتحوّل هو والرجال والصبيان وهم ركوع نحو الكعبة (^٣).
وقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر، فإنه يصليها حيثما توجه قالبه وقلبه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلّي على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده وإن كان مخطئًا في نفس الأمر، لأن الله تعالى لا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها.
[مسألة: وقد استدل المالكية بهذه الآية على أن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده، كما ذهب إليه الشافعي وأحمد وأبو حنيفة قال المالكية لقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فلو نظر إلى موضع سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء، وهو ينافي كمال القيام. وقال بعضهم: ينظر المصلي في قيامه إلى صدره.
وقال شريك القاضي: ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده كما قال جمهور الجماعة، لأنه أبلغ في الخضوع وآكد في الخشوع، وقد ورد به الحديث. وأما في حال ركوعه فإلى موضع قدميه، في حال سجوده إلى موضع أنفه، وفي حال قعوده إلى حجره] (^٤).
وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: واليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة، وانصرافكم عن بيت المقدس يعلمون أن الله تعالى سيوجهك إليها بما في كتبهم عن أنبيائهم من النعت والصفة لرسول الله ﷺ وأمته وما خصّه الله تعالى به وشرفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدًا وكفرًا وعنادًا، ولهذا يهددهم الله تعالى (^٥) بقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.
_________________
(١) نويلة بنت مسلم: قال الحافظ ابن حجر: نويلة بنت أسلم أو مسلم الأنصارية الحارثية (الإصابة ٤/ ٤٢٠).
(٢) في سنده إسحاق بن إدريس الأسواري البصري، متهم بالكذب (ميزان الاعتدال ١/ ١٨٤).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق قيس به (المصنف ١/ ٣٣٥) وسنده صحيح.
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).
(٥) في (عش) و(ح): "تهددهم تعالى".
[ ٢ / ١٤ ]
﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾.
يخبر تعالى عن كفر اليهود وعنادهم ومخالفتهم ما يعرفونه من شأن رسول الله ﷺ (^١) وأنه لو أقام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به لما اتبعوه وتركوا أهواءهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧]. ولهذا قال هاهنا: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ إخبار عن شدة متابعة الرسول ﷺ لما أمره الله تعالى به، وأنه كما هم مستمسكون بآرائهم [وأهوائهم] (^٢) فهو أيضًا متمسك بأمر الله وطاعته واتباع مرضاته وأنه لا يتبع أهواءهم في جميع أحواله وما كان (^٣) متوجّهًا [إلى بيت المقدس لكونها] (^٤) قبلة اليهود، وإنما ذلك عن أمر الله تعالى، ثم حذّر تعالى عن مخالفة الحق الذي يعلمه العالم إلى الهوى، فإن العالم الحجة عليه أقوم من غيره، ولهذا قال مخاطبًا للرسول والمراد الأمة: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾.
يخبر تعالى أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول ﷺ كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا، كما جاء في الحديث أن رسول الله ﷺ قال لرجل معه صغير: "ابنك هذا؟ " قال: نعم يا رسول الله أشهد به. قال: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه" (^٥).
[قال القرطبي: ويُروى (^٦) عن عمر أنه قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدًا كما تعرف ولدك؟ قال: نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته، وإني لا أدري ما كان من أمه. قلت: وقد يكون المراد ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ من بين أبناء الناس. لا يشك أحد ولا يمتري في معرفة ابنه إذا رآه من بين أبناء الناس كلهم] (^٧)، ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقق والإيقان العلمي ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ أي: ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي ﷺ ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) في الأصل بعض الكلمات غير واضحة.
(٢) في الأصل: "وأعوانهم"، وما أثبت من (عش) و(ح) أفصح.
(٣) كذا في الأصل وفي (عش) و(ح): "ولا كان".
(٤) كذا في (عش) و(ح) وفي الأصل: "لبيت المقدس لأنها".
(٥) أي لا يطالب الأب بجناية ابنه، ولا يطالب الابن بجناية أبيه (انظر: النهاية ١/ ٣٠٩). وأخرجه الإمام أحمد من حديث أبي رمثة في المسند (١١/ ٦٧٦ ح ٧١٠٦) وصححه محققوه، وأخرجه أبو داود، السنن، الديات، باب لا يؤخذ أحد بجريرة أخيه أو أبيه (ح ٤٤٩٥)، وصححه الألباني في صحيح (السنن ح ٣٧٧٣).
(٦) في تفسير القرطبي: "رُوي" (الجامع ٢/ ١٦٣)؛ أي بصيغة التمريض.
(٧) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).
[ ٢ / ١٥ ]
ثم ثبّت تعالى نبيه ﷺ والمؤمنين، وأخبرهم بأن ما جاء به الرسول ﷺ هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك فقال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾.
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾.
قال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ يعني بذلك: أهل الأديان، يقول: لكل قبيلة قِبلة يرضونها، ووجهة الله حيث توجه المؤمنون (^١)، وقال أبو العالية: لليهودي وجهة هو موليها، وللنصراني وجهة هو موليها، وهداكم أنتم أيتها الأمة القبلة التي هي القبلة (^٢). وروي عن مجاهد (^٣) وعطاء (^٤) والضحاك (^٥) والربيع بن أنس (^٦) والسدي نحو هذا (^٧).
وقال مجاهد في الرواية الأخرى (^٨) والحسن (^٩): أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة.
وقرأ ابن عباس وأبو جعفر الباقر وابن عامر: (ولكل وجهة هو مولاها) (^١٠)، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ] (^١١) فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٤٨]. وقال هاهنا: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: هو قادر على جمعكم من الأرض وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم.
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾.
هذا أمر ثالث من الله تعالى باستقبال المسجد الحرام من جميع أقطار الأرض.
[وقد اختلفوا في حكمة هذا التكرار ثلاث مرات: فقيل: تأكيد، لأنه أول ناسخ وقع في
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند مسلسل بالضعفاء.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بسند جيد.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد وسنده صحيح.
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره بسند فيه الحسين وهو سنيد.
(٥) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره.
(٦) أخرجه الطبري في تفسيره بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.
(٧) أخرجه الطبري في تفسيره بسند حسن من طريق أسباط عنه بلفظ: "لكل قول قبلة قد ولّوها".
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بسند ضعيف من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد بلفظ: "أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة".
(٩) في الأصل: "ولكن" والتصويب من (عش) و(ح) و(عف) ومن رواية ابن أبي حاتم في تفسيره فقد صرح بقول الحسن.
(١٠) وهذه القراءة متواترة سبعية.
(١١) ما بين معقوفين سقط من الأصل و(عش) و(ح).
[ ٢ / ١٦ ]
الإسلام على ما نصَّ عليه ابن عباس وغيره (^١).
وقيل: بل هو مُنزل على أحوال، فالأمر الأول: لمن هو مشاهد الكعبة. والثاني: لمن هو في مكة غائبًا عنها. والثالث: لمن هو في بقية البلدان. هكذا وجهه فخر الدين الرازي (^٢).
وقال القرطبي: الأول: لمن هو بمكة، والثاني: لمن هو في بقية الأمصار، والثالث: لمن خرج في الأسفار، ورجح هذا الجواب القرطبي (^٣).
وقيل: إنما ذكر ذلك لتعلُّقه بما قبله أو بعده من السياق فقال أولًا: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤] فذكر في هذا المقام إجابته إلى طلبته، وأمره بالقبلة التي كان يَود التوجه إليها ويرضاها.
وقال في الأمر الثاني: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾ فذكر أنه الحق من الله وارتقاءه المقام الأول حيث كان موافقًا لرضا الرسول ﷺ فبيّن أنه الحق أيضًا من الله يحبه ويرتضيه وذكر في الأمر الثالث حكمة قطع حجة المخالف من اليهود الذين كانوا يتحججون باستقبال الرسول إلى قبلتهم، وقد كانوا يعلمون بما في كتبهم أنه سيصرف إلى قبلة إبراهيم ﵇ إلى الكعبة، وكذلك مشركو العرب انقطعت حجتهم لما صرف الرسول ﷺ عن قبلة اليهود إلى قبلة إبراهيم التي هي أشرف، وقد كانوا يعظمون الكعبة، وأعجبهم استقبال الرسول إليها.
وقيل غير ذلك من الأجوبة عن حكمة التكرار، وقد بسطها الرازي وغيره، والله ﷾ أعلم] (^٤).
وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي: أهل الكتاب فإنهم يعلمون من صفة هذه الأمة التوجه إلى الكعبة، فإذا فقدوا ذلك من صفتها ربما احتجوا بها على المسلمين، ولئلا يحتجوا بموافقة المسلمين إياهم في التوجه إلى بيت المقدس وهذا أظهر.
قال أبو العالية: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ يعني به: أهل الكتاب حين قالوا: صرف محمد إلى الكعبة، وقالوا: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه. وكان حجتهم على النبي ﷺ[انصرافه] (^٥) إلى البيت الحرام أن قالوا: سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا (^٦).
قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعطاء والضحاك والربيع بن أنس وقتادة والسدي نحو هذا (^٧)، وقال هؤلاء في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ يعني: مشركي قريش (^٨).
_________________
(١) قول ابن عباس ثبت عنه كما تقدم في مطلع تفسير الآية (١٤٤).
(٢) التفسير الكبير المجلد الثاني.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ١٦٨.
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).
(٥) في الأصل: "الصرافة" وما أثبت من (عش) و(ح) وهو أفصح.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه.
(٧) ذكره تفسير ابن أبي حاتم، وقول مجاهد وقتادة، أخرجهما الطبري بأسانيد ثابتة في تفسيره.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده الجيد عن أبي العالية، وبنحوه أخرجه الطبري في تفسيره بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
[ ٢ / ١٧ ]
ووجه بعضهم حجة الظلمة وهي داحضة أن قالوا: إن هذا الرجل يزعم أنه على دين إبراهيم، فإن كان توجُّهه إلى البيت المقدس على ملة إبراهيم فلم رجع عنه؟
والجواب: أن الله تعالى اختار له التوجه إلى بيت المقدس أولًا، لما له تعالى في ذلك من الحكمة، فأطاع ربه تعالى في ذلك، ثم صرفه إلى قبلة إبراهيم وهي: الكعبة، فامتثل أمر الله في ذلك أيضًا، فهو صلوات الله وسلامه عليه مطيع لله في جميع أحواله، لا يخرج عن أمر الله طرفة عين، وأُمته تبع له.
وقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ أي: لا تخشوا شبه الظلمة المتعنتين، وأفرِدوا الخشية لي، فإنه تعالى هو أهل أن يخشى منه، وقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ عطف على ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ لأتم نعمتي عليكم فيما شرعت لكم من استقبال الكعبة، لتكمل لكم الشريعة من جميع وجوهها ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: إلى ما ضلّت عنه الأُمم هديناكم إليه وخصصناكم به، ولهذا كانت هذه الأُمة أشرف الأُمم وأفضلها.
﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾.
يذكّر تعالى عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثه الرسول محمد ﷺ إليهم يتلو عليهم آيات الله مبينات ويزكيهم؛ أي: يطهرهم من رذائل الأخلاق ودنس النفوس وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعلمهم الكتاب وهو: القرآن والحكمة، وهي: السنّة، ويعلّمهم ما لم يكونوا يعلمون، فكانوا في الجاهلية (^١) الجهلاء يسفهون بالقول الفِرى (^٢)، فانتقلوا ببركة رسالته ويمن سفارته إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء، فصاروا أعمق الناس علمًا، وأبرّهم قلوبهم، [وأقلّهم تكلُّفًا، وأصدقهم لهجة] (^٣). وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ الآية [آل عمران]، وذمّ من لم يعرف قدر هذه النعمة، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾ [إبراهيم: ٢٨].
قال ابن عباس: يعني: بنعمة الله محمدًا (^٤) ﷺ، ولهذا ندب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة، ومقابلتها بذكره وشكره وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾.
قال مجاهد في قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ يقول: كما فعلت فاذكروني (^٥).
قال عبد الله بن وهب، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم أن موسى ﵇ قال: "يا ربِّ
_________________
(١) في الجاهلية: بياض في (عش).
(٢) الفرى: جمع فرية وهي الكذبة (النهاية ٣/ ٤٤٣).
(٣) في الأصل: "وأقلها تكلفًا، وأصدقها" والتصويب من (عش) و(ح).
(٤) في الأصل: "يعني: محمدًا ﷺ" والمثبت من (عش) و(ح).
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
[ ٢ / ١٨ ]
كيف أشكرك؟ قال له ربه: تذكرني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني" (^١).
قال الحسن البصري (^٢) وأبو العالية (^٣) والسدي (^٤) والربيع بن أنس (^٥): إن الله يذكر من ذكره، ويزيد من شكره، ويعذّب من كفره (^٦).
وقال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، قال: هو أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا عمارة الصيدلاني، أخبرنا مكحول الأزدي، قال: قلت لابن عمر: أرأيت قاتل النفس وشارب الخمر والسارق والزاني يذكر الله وقد قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾؟ قال: إذا ذكر الله هذا ذكره الله بلعنته حتى يسكت (^٧).
وقال الحسن البصري في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال: اذكروني فيما افترضت عليكم أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي (^٨).
وعن سعيد بن جبير: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي، وفي رواية: برحمتي (^٩).
وعن ابن عباس في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال: ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه (^١٠).
وفي الحديث الصحيح: يقول الله تعالى: "من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه" (^١١).
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس قال رسول الله ﷺ: "قال الله ﷿: يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ من الملائكة - أو قال: في ملأ خير منهم -، وإن دنوتَ مني شبرًا دنوتُ منك ذراعًا، وإن دنوتَ مني ذراعًا دنوتُ منك باعًا، وإن أتيتني تمشي أتيتك أهرول" (^١٢).
صحيح الإسناد أخرجه البخاري من حديث قتادة، وعنده قال قتادة: الله أقرب
_________________
(١) سنده حسن، وهو من أخبار بني إسرائيل.
(٢) ذكره ابن أبي حاتم.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده الجيد من طريق الربيع بن أنس عنه.
(٤) و(^٥) ذكرهما ابن أبي حاتم.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، وسنده حسن.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق جسر اليمامي عن الحسن.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه باللفظين.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس.
(١٠) متفق عليه. أخرجه البخاري، الصحيح، التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] (ح ٧٤٠٥)، وصحيح مسلم، الذكر، باب الحث على ذكر الله تعالى (ح ٢٦٧٥).
(١١) المسند ٣/ ١٣٨، وأخرجه البخاري من طريق قتادة به (الصحيح، التوحيد، باب ذكر النبي ﷺ وروايته عن ربه ح ٧٥٣٦).
[ ٢ / ١٩ ]
بالرحمة (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ أمر الله تعالى بشكره، ووعد على شكره بمزيد الخير فقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾ [إبراهيم: ٧].
وقال الإمام أحمد: حدثنا رَوح، حدثنا شعبة، عن الفضيل بن فضالة رجل من قيس، حدثنا أبو رجاء العطاردي، قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف من خزّ (^٢) لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "من أنعم الله عليه نعمة، فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه". وقال رَوح مرة: "على عبده" (^٣).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ (^٤).
لما فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر شرع في بيان الصبر والإرشاد إلى الاستعانة بالصبر والصلاة، فإن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكر عليها أو في نقمة فيصبر عليها، كما جاء في الحديث: "عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له قضاءً إلا كان خيرًا له، إن أصابته سرّاء فشكر كان خيرًا له، وإن إصابته ضرّاء فصبر كان خيرًا له" (^٥).
وبيَّن تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمُّل المصائب: الصبر والصلاة، كما تقدم في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥]. وفي الحديث: كان رسول الله ﷺ إذا حزَبهُ أمر صلّى (^٦).
والصبر: صبران: فصبر على ترك المحارم والمآثم، وصبر على فعل الطاعات والقربات. والثاني أكثر ثوابًا، لأنه المقصود كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: [الصبر] (^٧) في بابين: الصبر لله بما أحب وإن ثقل على الأنفس والأبدان، والصبر لله عما كره وإن نازعت إليه الأهواء، فمن كان هكذا فهو من الصابرين الذين يسلم عليهم إن شاء الله (^٨).
وقال علي بن الحسين زين العابدين: إذا جمع الله الأوّلين والآخرين ينادي منادٍ: أين
_________________
(١) قول قتادة لم أجده في رواية البخاري، وإنما ورد في المسند بلفظ: "فالله ﷿ أسرع بالمغفرة" (المسند ٣/ ١٣٨).
(٢) الخزّ: ثياب ينسج باطنها من صوف وظاهرها من حرير (انظر: النهاية ٢/ ٢٨، وفتح الباري ١٠/ ٢٩٥).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٣٣/ ١٥٩ (ح ١٩٩٣٤) وصححه محققوه.
(٤) بجوار الآية وفوقها حواشي منقولة من تفسير ابن كمال والأصفهاني.
(٥) أخرجه مسلم، الصحيح، كتاب الزهد، باب المؤمن أمره كله خير (ح ٢٩٩٩).
(٦) أخرجه أبو داود من حديث حذيفة (السنن، الصلاة، باب وقت قيام النبي ﷺ من الليل ح ١٣١٩، وحسّنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ح ١١٧١).
(٧) سقطت من الأصل وأثبتت من (عش) و(ح).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وسنده صحيح ولا يضر ضعف عبد الرحمن لأنه من تفسيره وليس من روايته.
[ ٢ / ٢٠ ]
الصابرون ليدخلوا الجنة قبل الحساب؟ قال: فيقوم عنق من الناس فتتلقاهم الملائكة؟ فيقولون: إلى أين يا بني آدم؟ فيقولون: إلى الجنة. فيقولون: قبل الحساب؟ قالوا: نعم. قالوا: ومن أنتم؟ قالوا: الصابرون. قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا على طاعة الله، وصبرنا على معصية الله حتى توفانا الله. قالوا: أنتم كما قلتم، ادخلوا الجنة فنِعْم أجر العاملين (^١).
قلت: ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
وقال سعيد بن جبير: الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو متجلد، لا يرى منه إلا الصبر (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون، كما جاء في صحيح مسلم: أن أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ ثم عاد إليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا، قالوا: نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أخرى، لما يرون من ثواب الشهادة. فيقول الرب ﷻ: "إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون" (^٣).
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد، عن الإمام الشافعي، عن الإمام مالك، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه" (^٤).
ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضًا، وإن كان الشهداء قد خصصوا بالذكر في القرآن تشريفًا لهم وتكريمًا وتعظيمًا.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾.
أخبر تعالى أنه يبتلي عباده، أي: يختبرهم ويمتحنهم كما قال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ [محمد: ٣١]. فتارة بالسرّاء وتارة بالضرّاء من خوف وجوع كما قال تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه، ولهذا قال: ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ (^٥)، وقال هاهنا: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ أي: بقليل
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين، وأبو حمزة هو ثابت بن أبي صفية الكوفي، ضعيف رافضي (تهذيب التهذيب ٢/ ٧) فسنده ضعيف.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه.
(٣) أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود (الصحيح، الإمارة، بيان أن أرواح الشهداء في الجنة ح ١٨٨٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد عن الشافعي به (٢٥/ ٥٧ ح ١٥٧٧٨) وصححه محققوه.
(٥) في الأصل: "الجوع والخوف والجوع".
[ ٢ / ٢١ ]
من ذلك ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ أي: ذهاب بعضها ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ كموت الأصحاب والأقارب والأحباب، ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ أي: لا تغلّ الحدائق والمزارع كعادتها، كما قال بعض السلف: فكانت بعض النخيل لا تثمر غير واحدة (^١).
وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده، فمن صبر أثابه، ومن قنط أحلَّ به عقابه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. وقد حكى بعض المفسرين: أن المراد من الخوف هاهنا: خوف الله، وبالجوع: صيام رمضان.
وبنقص الأموال: الزكاة، والأنفس: الأمراض، والثمرات: الأولاد. وفي هذا نظر، والله أعلم.
ثم بيَّن تعالى من الصابرين الذين شكرهم فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ أي: تسلَّوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنهم مُلك لله يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة، ولهذا أخبر تعالى عما أعطاهم على ذلك فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ أي: ثناء من الله عليهم ورحمة.
قال سعيد بن جبير: أي: أمنة من العذاب (^٢).
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: نِعم العدلان ونعمت العلاوة. ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ فهذان العدلان، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فهذه العلاوة، وهي: ما توضع بين العدلين، وهي: زيادة في الحمل، فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضًا.
وقد ورد في ثواب الاسترجاع وهو قول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ عند المصائب أحاديث كثيرة. فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث، يعني: ابن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أُم سلمة قالت: أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله ﷺ فقال: لقد سمعت من رسول الله ﷺ قولًا سررت به. قال: "لا يصيب أحدًا من المسلمين مصيبة، فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللَّهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها، إلا فعل ذلك به". قالت أُم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة، استرجعت وقلت: اللَّهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منه، ثم رجعت إلى نفسي، فقلت: من أين لي خير من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدتي استأذن عليّ رسول الله ﷺ وأنا أدبغ إهابًا (^٣) لي، فغسلت يدي من القرظ (^٤)، وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، فقعد عليها فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله ما بي أن لا يكون
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن رجاء بن حيوة.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه.
(٣) الإهاب: هو الجلد قبل الدبغ (انظر: النهاية ١/ ٨٣).
(٤) القرظ: ما يصبغ به.
[ ٢ / ٢٢ ]
بك الرغبة ولكنني امرأة في غيّرة شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن، وأنا ذات عيال، فقال: أما ما ذكرت من الغيرة فسوف يذهبها الله ﷿ عنك، وأما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي. قالت: فقد سلَّمت لرسول الله ﷺ. فتزوجها رسول الله ﷺ فقالت أُم سلمة بعد: أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه رسول الله ﷺ.
وفي صحيح مسلم عنها أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللَّهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها إلا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها". قالت: فلما توفي أبو سَلمة قلت: كما أمرني رسول الله ﷺ، فأخلف الله لي خيرًا منه رسول الله ﷺ (^١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد وعباد بن عباد قالا: حدثنا هشام بن أبي هشام، حدثنا عباد بن زياد، عن أُمه، عن فاطمة ابنة الحسين، عن أبيها الحسين بن علي، عن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها - وقال عباد: قدم عهدها - فيحدث لذلك استرجاعًا إلا جدّد الله له عند ذلك، فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب" (^٢). ورواه ابن ماجه في سننه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام بن زياد، عن أُمه، عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها (^٣). وقد رواه إسماعيل بن علية ويزيد بن هارون، عن هشام بن زياد، عن أبيه، كذا عن فاطمة، عن أبيها وقال الإمام أحمد: أنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، أنا حماد بن سلمة، عن أبي سنان قال: دفنت ابنًا لي، فإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة - يعني: الخولاني -، فأخرجني وقال لي: ألا أبشرك؟ قلت: بلى. قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزَب (^٤)، عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله: يا ملك الموت قبضت ولد عبدي قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده، قال: [نعم، قال:] (^٥) فما قال؟ قال: حمدك واسترجع، قال: ابنوا له بيتًا في الجنة وسموه: بيت الحمد" (^٦).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد عن يونس به (المسند ٤/ ٢٧، ٢٨) ورجاله ثقات إلا المطلب وهو ابن عبد الله بن المطلب المخزومي: صدوق كثير التدليس والإرسال (التقريب ٢/ ٢٥٤) وقد عنعن ولم يصرح بالسماع، وقد تابعه عمرو بن أبي سلمة عن أم سلمة في رواية ابن ماجه (السنن، الجنائز، باب ما جاء في الصبر على المصيبة ح ١٥٩٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٢٩٩).
(٢) سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(ح) ورواية الصحيح.
(٣) أخرجه الإمام أحمد عن يزيد وعباد به (المسند ح ١٧٣٤) وفيه هشام بن أبي هشام متروك (التقريب ص ٥٧٢)، وأخرجه ابن ماجه من طريق هشام بن زياد وهو هشام بن أبي هشام نفسه عن أمه به (السنن، الجنائز، باب ما جاء في الصبر على المصيبة ح ١٦٠٠) وإسناده ضعيف جدًّا.
(٤) في الأصل: "الضحاك عن عبد الرحمن عن عزرب"، والتصويب من (عش) و(ح) والمسند كما في التخريج.
(٥) سقط من الأصل و(عش) و(ح) واستدرك من المسند كما في التخريج.
(٦) أخرجه الإمام أحمد عن يحيى بن إسحاق به (المسند ٣٢/ ٥٠٠ ح ١٩٧٢٥) وفي سنده أبو سنان وهو عيسى بن سنان القسملي، لين الحديث (التقريب ص ٤٣٨).
[ ٢ / ٢٣ ]
ثم رواه عن علي بن إسحاق، عن عبد الله بن المبارك … فذكره (^١).
وهكذا رواه الترمذي عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك به. وقال: حسن غريب، واسم أبي سنان: عيسى بن سنان (^٢).
﴿* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾.
قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، أنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قال: قلت: أرأيتَ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؟ قلت: فوالله ما على أحد جناح أن لا يتطوف بهما. فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي إنها لو كانت على ما أوّلتها عليه كانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المُشَلَّل (^٣)، وكان من أهلّ لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنا كنّا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قالت عائشة: ثم قد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما. أخرجاه في الصحيحين (^٤).
وفي رواية عن الزهري أنه قال: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال [لي: وإن هذا] (^٥) العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالًا من أهل العلم يقولون: إن الناس إلا من ذكرت عائشة كانوا يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية، وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فلعلها نزلت في هؤلاء وهؤلاء (^٦). ورواه البخاري من حديث مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بنحو ما تقدم (^٧).
قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عاصم بن سليمان، قال: سألت أنسًا عن الصفا والمروة قال: كنا نرى ذلك من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد عن علي بن إسحاق به (المسند ح ١٩٧٢٦).
(٢) أخرجه الترمذي عن سويد به (السنن، الجنائز، باب فضل المصيبة إذا احتسب ح ١٠٢١).
(٣) المشلل: بضم الميم وفتح الشين وتشديد اللام الأولى وفتحها موضع بين مكة والمدينة.
(٤) أخرجه البخاري، الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [البقرة: ١٥٨] (ح ٤٤٩٥)، وأخرجه مسلم، الصحيح، الحج، باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن (ح ١٢٧٧).
(٥) في الأصل: "لي وهذا" والتصويب من (عش) و(ح).
(٦) قول الزهري يرويه أبي بكر بن عبد الرحمن أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح (السنن، التفسير، ح ٢٩٦٥).
(٧) أخرجه البخاري، الصحيح، العمرة، باب يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج (ح ١٧٩٠).
[ ٢ / ٢٤ ]
فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (^١) [وذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس قال: كانت الشياطين تتفرق (^٢) بين الصفا والمروة الليل كله، وكانت بينهما آلهة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية.
وقال الشعبي: كان أساف على الصفا، وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونهما، فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما فنزلت هذه الآية] (^٣).
قلت: ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة: أن أسافًا ونائلة كانا بشرين، فزنيا داخل الكعبة، فمسخا حجرين فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عبدا ثم حولا إلى الصفا والمروة فنصبا هنالك فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما، ولهذا يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة:
وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم … لمفضي السيول من إساف ونائل
وفي صحيح مسلم من حديث جابر الطويل وفيه: أن رسول الله ﷺ لما فرغ من طوافه بالبيت عاد إلى الركن، فاستلمه ثم خرج من باب الصفا وهو يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ثم قال: "أبدأ بما بدأ الله به" (^٤). وفي رواية النسائي: "ابدؤوا بما بدأ الله به".
وقال الإمام أحمد: حدثنا سريج، حدثنا عبد الله بن المؤمل، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تجْرَاة قالت: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره وهو يقول: اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي (^٥).
ثم رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن واصل مولى أبي عيينة، عن موسى بن عبيدة، عن صفية بنت شيبة أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي ﷺ بين الصفا والمروة يقول: "كتب عليكم السعي فاسعوا" (^٦).
وقد استدلّ بهذا الحديث على مذهب من يرى أن السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج كما هو مذهب الشافعي ومن وافقه [ورواية عن أحمد وهو المشهور عن مالك] (^٧) وقيل: إنه واجب وليس بركن [فإن تركه عمدًا أو سهوًا جبره بدم، وهو رواية عن أحمد، وبه يقول طائفة] (^٨)، وقيل: بل مستحب [وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين ورُوي عن أنس وابن عمر وابن عباس، وحكى عن مالك في العتيبة.
قال القرطبي: واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾] (^٩).
_________________
(١) أخرجه البخاري عن محمد بن يوسف به (الصحيح، التفسير، ح ٤٤٩٦).
(٢) كذا في (عش) و(ح) وفي تفسير القرطبي: تعزف ٢/ ١٧٩.
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (عش) و(ح) وتفسير القرطبي ٢/ ١٧٩.
(٤) أخرجه مسلم (الصحيح، الحج، باب حجة النبي ﷺ ح ١٢١٨).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤٥/ ٣٦٣ ح ٢٧٣٦٧ وفي سنده عبد الله بن المؤمل: ضعيف.
(٦) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤٥/ ٤٥٥ ح ٢٧٤٦٣ وفي سنده موسى بن عبيدة الربذي: ضعيف.
(٧) (^٨) (^٩) ما بين معقوفين سقط من الأصل وأثبت من (عش) و(ح).
[ ٢ / ٢٥ ]
والقول الأول: أرجح لأنه ﵇ طاف بينهما وقال: "لتأخذوا عني مناسككم"، فكل ما فعله في حجته تلك واجب لا بد من فعله في الحج إلّا ما خرج بدليل، والله أعلم.
[وقد تقدم قوله ﵇: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي"] (^١)، فقد بيّن الله تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله؛ أي: مما شرع الله تعالى لإبراهيم الخليل في مناسك الحج، وقد تقدم في حديث ابن عباس: أن أصل ذلك مأخوذ من تطواف هاجر، وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لما نفذ ماؤهما وزادهما حين تركهما إبراهيم ﵇ هنالك، وليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت الضيعة على ولدها هنالك ونفذ ما عندهما قامت تطلب الغوث من الله ﵇، فلم تزل تتردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة، متذلّلة، خائفة، وجِلة، مضطرة، فقيرة إلى الله ﵇ حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرّج شدتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها طعام طعم، وشفاء سقم، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذلّه وحاجته إلى الله، في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه. وأن يلتجئ إلى الله ﵇ ليزيح ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم، وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي، إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة كما فعل بهاجر ﵍.
[وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قيل: زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب، ثامنة وتاسعة ونحو ذلك، وقيل: يطوف بينهما في حجة تطوع أو عمرة تطوع، وقيل: المراد تطوع خيرًا في سائر العبادات، حكى ذلك الرازي، وعزى الثالث إلى الحسن البصري، والله أعلم.
وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي: يُثيب على القليل بالكثير، عليم بقدر الجزاء فلا يبخس أحدًا ثوابه، و﴿لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]] (^٢).
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾.
هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البيّنة على المقاصد الصحيحة، والهدى النافع للقلوب من بعد ما بيّنه الله تعالى لعباده من كتبه التي أنزلها على رسله. قال أبو العالية: نزلت في أهل الكتاب، كتموا صفة محمد ﷺ، ثم أخبر أنهم يلعنهم كل شيء على صنيعهم ذلك، فكما أن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء، والطير في الهواء، فهؤلاء بخلاف العلماء، فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.
وقد ورد في الحديث المسند من طرق يشدُّ بعضها بعضًا عن أبي هريرة وغيره، أن
_________________
(١) سقط من الأصل وأثبت من (عش) و(ح).
(٢) ما بين معقوفين زيادة من نسخة (عش) و(ح).
[ ٢ / ٢٦ ]
رسول الله ﷺ قال: "من سئل عن علم فكتمه، أُلجم يوم القيامة بلجام من نار" (^١). والذي في الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب الله، ما حدثت أحدًا شيئًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الآية (^٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عمار بن محمد، عن ليث بن أبي سُليم، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان أبي عمرو، عن البراء بن عازب، قال: كنّا مع النبي ﷺ في جنازة، فقال: "إن الكافر يضرب ضربة بين عينيه، يسمعها كل دابة غير الثقلين، فتلعنه كل دابة سمعت صوته، فذلك قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ يعني: دواب الأرض" (^٣).
[ورواه ابن ماجه عن محمد بن الصباح، عن عامر بن محمد به] (^٤).
وقال عطاء بن أبي رباح: كل دابة والجن والإنس (^٥).
وقال مجاهد: إذا أجدبت الأرض، قال البهائم: هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم (^٦).
وقال أبو العالية (^٧) والربيع بن أنس (^٨) وقتادة (^٩): ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ يعني: تلعنهم ملائكة الله والمؤمنون.
[وقد جاء في الحديث: "أن العالم يستغفر له كل شيء، حتى الحيتان في البحر" (^١٠)، وجاء في هذه الآية: أن كاتم العلم يلعنه الله والملائكة والناس أجمعون واللاعنون أيضًا، وهم كل فصيح وأعجمي، إما بلسان المقال، أو الحال، أن لو كان له عقل ويوم القيامة، والله أعلم] (^١١).
ثم استثنى الله تعالى من هؤلاء من تاب إليه، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ أي: رجعوا عما كانوا فيه وأصلحوا أعمالهم وبيّنوا للناس ما كانوا يكتمونه ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (المسند ١٣/ ١٨ ح ٧٥٧١) وصححه محققوه.
(٢) أخرجه مسلم في الصحيح، فضائل الصحابة، باب فضائل أبي هريرة (ح ٢٤٩٢).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، وفي سنده ليث بن أبي سليم صدوق اختلط جدًّا ولم يتميز حديثه فترك (التقريب ص ٤٦٤).
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عنه.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه.
(٩) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(١٠) حديث ثابت أخرجه ابن حبان (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ١/ ٢٨٩)، وأخرجه أبو داود (السنن، كتاب العلم ح ٣٦٤١)، وحسّنه السيوطي (فيض القدير ٦/ ١٥٤ وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٥/ ٣٠٢).
(١١) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).
[ ٢ / ٢٧ ]
التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وفي هذا دلالة على أن الداعية إلى كفر، أو بدعة إذا تاب إلى الله تاب الله عليه، وقد ورد أن الأمم السالفة لم تكن التوبة تقبل من مثل هؤلاء منهم، ولكن هذا من شريعة نبي التوبة ونبي الرحمة - صلوات الله وسلامه عليه.
ثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمر به الحال إلى مماته بأنّ ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في اللّعنة البالغة (^١) لهم إلى يوم القيامة ثم المصاحبة لهم في نار جهنم التي ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ فيها؛ أي: [لا] (^٢) ينقص عما هم فيه ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة ولا يغير بل هو متواصل دائم، فنعوذ بالله من ذلك.
وقال أبو العالية وقتادة: إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه الناس أجمعون (^٣).
[فصل: لا خلاف في جواز لعن الكفار، وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ ومن بعده من الأئمة، يلعنون الكفرة في القنوت وغيره (^٤)، فأما الكافر المعين، فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يلعن لأنّا لا ندري بما يختم الله له، واستدل بعضهم بالآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾ وقالت طائفة أخرى: بل يجوز لعن الكافر المعين، واختاره الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي، ولكنه احتج بحديث فيه ضعف (^٥)، واستدل غيره بقوله ﵇ في قصة الذي كان يؤتى به سكران فيحده، فقال رجل: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به، فقال رسول الله ﷺ: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" (^٦)، فدلّ على أن من لا يُحب الله ورسوله يُلعن، والله أعلم] (^٧).
﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾.
يخبر تعالى عن تفرُّده بالإلهية، وأنه لا شريك له ولا عديل له، بل هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا إله إلا هو، وأنه الرحمن الرحيم، وقد تقدم تفسير هذين الاسمين في أول [الفاتحة] (^٨). وفي الحديث عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، عن
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي نسخة (عش) بلفظ: "التابعة"، وفي نسخة (ح): "الباقية" وكلها متقاربة.
(٢) "لا" سقطت من الأصل.
(٣) ينظر تخريح الآثار السابقة عن أبي العالية وقتادة.
(٤) هذا الحديث رواه البراء مرفوعًا: "اللَّهم إن عمرو بن العاص هجاني وهو يعلم أني لست بشاعر فاهجه والعنه". ذكره الذهبي وقال: منكر (ميزان الاعتدال ٣/ ٣١٨).
(٥) احتج ابن العربي بحديث صحيح آخر في صحيح مسلم عن عائشة ﵂: دخل على النبي ﷺ رجلان فكلّماه بشيء فأغضباه فلعنهما، وإنما كان ذلك لعلمه بمآلهما. وهو في صحيح مسلم، البر والصلة، باب من لعنه النبي ﷺ .. (ح ٢٦٠٠). وانظر: أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٥٠.
(٦) أخرجه البخاري من حديث عمر بن الخطاب ﵁، الصحيح، الحدود، باب ما يكره من لعن شارب الخمر (ح ٦٧٨٠).
(٧) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).
(٨) في الأصل: "السورة" وما أثبت من (عش) و(ح).
[ ٢ / ٢٨ ]
رسول الله ﷺ، أنه قال: "اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾، ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ [آل عمران: ١، ٢] " (^١).
ثم ذكر الدليل على تفرُّده بالإلهية بتفرُّده بخلق السموات والأرض وما فيهما وما بين ذلك مما ذرأ وبرأ من المخلوقات الدالة على وحدانيته، فقال:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تلك في [لطافتها] (^٢) وارتفاعها واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع، واختلاف الليل والنهار. هذا يجيء ثم يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه، لا يتأخر عنه لحظة، كما قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٤٠]، وتارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتقارضان، كما قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج: ٦١] أي: يزيد من هذا في هذا، ومن هذا في هذا، ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ أي: في تسخير البحر بحمل السفن من جانب إلى جانب لمعايش (^٣) الناس والانتفاع بما عند أهل ذلك الإقليم، ونقل هذا إلى هؤلاء وما عند أولئك إلى هؤلاء ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ [يس: ٣٣ - ٣٦].
﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ أي: على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه، لا يخفى عليه من ذلك شيء، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ أي: فتارة تأتي بالرحمة، وتارة تأتي بالعذاب، وتارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرّقه، وتارة تصرفه.
[ثم تارة تأتي من الجنوب وهي الشامية، وتارة تأتي من ناحية اليمن وتارة صبًا، وهي الشرقية التي تصدم وجه الكعبة، وتارة دبورًا وهي: غربية تنفذ من ناحية دبر الكعبة. وقد صنّف الناس في الرياح والمطر والأنواء كتبًا كثيرة فيما يتعلق بلغاتها وأحكامها، وبسط ذلك يطول ههنا، والله أعلم] (^٤).
_________________
(١) حديث ثابت فصلت تخريجه وشواهده في التفسير الصحيح ١/ ٢٦٧ عند تفسير الآية نفسها.
(٢) سقط في الأصل واستدرك من نسخة (عش) و(ح).
(٣) كذا في (عش) و(ح) وفي الأصل: "لمعاش".
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).
[ ٢ / ٢٩ ]
﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: سائر بين السماء والأرض، يسخر (^١) إلى ما يشاء الله من الأراضي والأماكن، كما يصرفه تعالى.
﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: في هذه الأشياء دلالات بيّنة على وحدانية الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١]. [وقال] (^٢) الحافظ أبو بكر بن مردويه: أخبرنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أبو سعيد الدشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أتت قريش محمدًا ﷺ فقالوا: يا محمد، إنا نريد أن تدعو ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا فنشتري به الخيل والسلاح، فنؤمن بك ونقاتل معك. قال: "أوثقوا لي لئن دعوت ربي فجعل لكم الصفا ذهبًا لتؤمننَّ بي"، فأوثقوا له، فدعا ربه، فأتاه جبريل فقال: إن ربك قد أعطاهم الصفا ذهبًا على أنهم إن لم يؤمنوا بك عذّبهم عذابًا لم يعذّبه أحدًا من العالمين، قال محمد ﷺ: "رب لا بل دعني وقومي فلأدعهم يومًا بيوم"، فأنزل الله هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ الآية (^٣). ورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن جعفر بن أبي المغيرة به، وزاد في آخره: وكيف يسألونك عن الصفا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم من الصفا (^٤)؟ وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل عن [ابن أبي نجيح] (^٥)، عن عطاء، قال: نزلت على النبيَّ ﷺ بالمدينة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣] فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٦).
فبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء، وخالق كل شيء.
وقال وكيع: حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضُحى، قال: لما نزلت: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلى آخر الآية. قال المشركون: إن كان هكذا، فليأتنا بآية، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله: ﴿يَعْقِلُونَ﴾ (^٧).
ورواه آدم ابن أبي إياس، عن أبي جعفر هو الرازي، عن سعيد بن مسروق والد سفيان، عن أبي الضُحى به (^٨).
_________________
(١) كذا في الأصل، وفي (ح): "مسخرًا"، وفي (عش): "مسخر".
(٢) في الأصل: بياض، والمثبت من (عش) و(ح).
(٣) في سنده جعفر بن أبي المغيرة ليس بالقوي في روايته عن سعيد بن جبير (انظر: تهذيب التهذيب ٢/ ١٠٨).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره.
(٥) في الأصل: "عن أبي نجيح" والتصويب من (عش) و(ح) وتفسير ابن أبي حاتم.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم وسنده مرسل لأن عطاء تابعي.
(٧) أخرجه الطبري عن سفيان بن وكيع عن وكيع به، وهو مرسل، وسفيان بن وكيع ضعيف.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم عن عصام بن رواد عن آدم به، وسنده مرسل لأن أبا الضحى وهو مسلم بن صبيح تابعي.
[ ٢ / ٣٠ ]
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾.
يذكر تعالى حال المشركين (^١) به في الدنيا وما لهم في الدار الآخرة حيث جعلوا [له] (^٢) أندادًا؛ أي أمثالًا ونظراء، يعبدونهم معه ويحبونه كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له، ولا ندّ له، ولا شريك معه. وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود، قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك" (^٣).
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ولحبهم لله وتمام معرفتهم به وتوقيرهم وتوحيدهم، له، لا يشركون به شيئًا بل يعبدونه وحده، ويتوكلون عليه، ويلجأون في جميع أمورهم إليه. ثم توعد تعالى المشركين به الظالمين لأنفسهم بذلك، فقال: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ قال بعضهم: تقدير الكلام، لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذٍ أن القوة لله جميعًا؛ أي أن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ كما قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)﴾ [الفجر]، يقول: لو علموا ما [يعانونه] (^٤) هنالك، وما يحل بهم من الأمر الفظيع المنكر الهائل على شركهم وكفرهم لانتهوا عمَّا هم فيه من الضلال.
ثم أخبر عن كفرهم بأوثانهم وتبري المتبوعين من التابعين، فقال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ تبرأت منهم الملائكة الذين كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم في الدار الدنيا، فيقول الملائكة: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] ويقولون: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١]، والجن أيضًا تتبرأ منهم، ويتنصلون من عبادتهم لهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ [الأحقاف: ٥، ٦]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ [مريم: ٨١، ٨٢]، وقال الخليل لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ
_________________
(١) (خ) و(ح): المشرك.
(٢) سقط من الأصل وأثبت من (عش) و(ح).
(٣) أخرجه البخاري الصحيح، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢] (ح ٤٤٧٧)، ومسلم في الصحيح، الإيمان، باب كون الشرك أقبح الذنوب (ح ١٤١، ١٤٢).
(٤) كذا في (عش)، وفي الأصل "يفتنونه" وفي (ح): "ما يعاينوه".
[ ٢ / ٣١ ]
اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾ [سبأ]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ [إبراهيم].
وقوله: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ أي: عاينوا عذاب الله وتقطعت بهم الحيل وأسباب الخلاص، ولم يجدوا عن النار معدلًا ولا مصرفًا.
قال عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: المودة (^١).
وكذا قال مجاهد في رواية ابن أبي نجيح (^٢).
وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ أي: لو أن لنا عودة إلى الدار الدنيا حتى نتبرأ من هؤلاء ومن عبادتهم، فلا نلتفت إليهم بل نوحّد الله وحده بالعبادة، وهم كاذبون في هذا، بل لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه كما أخبر تعالى عنهم بذلك، ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [أي: تذهب وتضمحل كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ الآية [إبراهيم: ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ الآية [النور: ٣٩]، ولهذا قال تعالى:] (^٣) ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾.
لما بيّن تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه المستقل بالخلق، شرع يبين أنه الرزاق لجميع خلقه، فذكر [في] (^٤) مقام: الامتنان أنه أباح لهم أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالًا من الله طيبًا؛ أي مستطابًا في نفسه غير ضار للأبدان ولا للعقول، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان وهي طرائقه ومسالكه فيما أضلّ اتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها، مما كان زيّنه لهم في جاهليتهم، كما في حديث عياض بن حمَار الذي في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يقول الله تعالى: إن كل [مال] (^٥) منحته عبادي فهو لهم حلال - وفيه: - وإني خلقتُ عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللتُ لهم" (^٦).
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن عيسى بن شيبة
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم وسنده حسن.
(٢) أخرجه الطبري وسنده صحيح.
(٣) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).
(٤) زيادة من (عش) و(ح).
(٥) في الأصل: "ما" والتصويب من (عش) و(ح)، والتخريج التالي.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه، الجنة، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (ح ٢٨٦٥).
[ ٢ / ٣٢ ]
المصري، حدثنا الحسين بن عبد الرحمن الاحتياطي، حدثنا أبو عبد الله الجوزجاني رفيق إبراهيم بن أدهم، حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: تليت هذه الآية عند النبي ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ فقام سعد بن أبي وقاص فقال: "يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال: "يا سعد أطب مطعمك، تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، [إن الرجل ليقذف] (^١) اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يومًا، وأيما عبد نبت لحمه من السُّحت والربا فالنار أولى به" (^٢).
وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تنفير عنه وتحذير منه، كما قال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦]. وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ [الكهف: ٥٠].
وقال قتادة (^٣) والسدي (^٤) في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قال: كل معصية لله فهي من خطوات الشيطان.
وقال عكرمة: هي نزغات الشيطان.
وقال مجاهد: خطاه أو قال: خطاياه (^٥).
وقال أبو مجلز: هي النذور في المعاصي (^٦).
وقال الشعبي: نذر رجل أن ينحر ابنه، فأفتاه مسروق بذبح كبش، وقال: هذا من خطوات الشيطان (^٧).
وقال أبو الضُّحى، عن مسروق أتى عبد الله بن مسعود بضرع وملح، فجعل يأكل فاعتزل رجل من القوم فقال ابن مسعود: ناولوا صاحبكم، فقال: لا أريده، فقال: أصائم أنت؟ قال: لا، قال: فما شأنك؟ قال: حرمت أن آكل ضرعًا أبدًا، فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان، فاطعم وكفّر عن يمينك. رواه ابن أبي حاتم (^٨).
وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري، عن سليمان التيمي، عن أبي رافع، قال: غضبت [يومًا] (^٩) على امرأتي، فقالت: هي يومًا يهودية ويومًا نصرانية، وكل مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك، فأتيت عبد الله بن عمر فقال: إنما هذه من خطوات الشيطان،
_________________
(١) سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(ح).
(٢) ضعفه المنذري في الترغيب ٢/ ٥٤٧، والألباني في السلسلة الضعيفة ٤/ ٢٩٢ (ح ٦٦٤٠).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق القاسم بن الوليد الهمداني عنه.
(٤) ذكره ابن أبي حاتم وأخرج الطبري بسنده الحسن من طريق أسباط عن السدي قال: طاعته.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: "خطيئته"، وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق آخر عن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: "خطاياه".
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سليمان التيمي عنه.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن داود بن أبي هند عن الشعبي به.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم، وسنده حسن.
(٩) سقط من الأصل، واستدرك من (عش) وتفسير ابن أبي حاتم.
[ ٢ / ٣٣ ]
وكذلك قالت زينب بنت أُم سلمة، وهي يومئذ أفقه امرأة في المدينة، وأتيت عاصمًا وابن عمر فقالا مثل ذلك (^١).
وقال عبد بن حميد (^٢): حدثنا أبو نعيم عن شريك، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ما كان من يمين أو نذر في غضب، فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين (^٣).
وقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ أي: إنما يأمركم عدوكم الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها الفاحشة؛ كالزنا ونحوه، وأغلظ من ذلك، وهو القول على الله بلا علم، فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتاع أيضًا.
[وقال سنيد بن داود في تفسيره: حدثنا عباد بن عباد المهلبي عن عاصم الأحول، عن عكرمة في رجل قال لغلامه: إن لم أجلدكَ مائةَ سوطٍ فامرأته طالق، قال: لا يجلد غلامه، ولا تطلق امرأته، هذا من خطوات الشيطان] (^٤).
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾.
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ﴾ لهؤلاء الكفرة من المشركين: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ على رسوله، واتركوا ما أنتم عليه من الضلال والجهل، قالوا في جواب ذلك: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا﴾ أي: وجدنا ﴿عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي: من عبادة الأصنام والأنداد، قال الله تعالى منكرًا عليهم: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ أي: الذين يقتدون بهم ويقتفون أثرهم ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ أي: ليس لهم فهم ولا هداية.
وروى ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنها نزلت في طائفة من اليهود دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾، فأنزل الله هذه الآية (^٥).
ثم ضرب لهم تعالى مثلًا، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ [النحل: ٦٠] فقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: فيما هم فيه من الغي والضلال والجهل، كالدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها: بل إذا نعق بها راعيها - أي: دعاها إلى ما يرشدها - لا تفقه ما يقول
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم وسنده حسن.
(٢) في الأصل: "عبد".
(٣) سنده حسن.
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (عف) وحاشية نسخة (عش): وهذه الرواية ذكرها ابن القيم (إغاثة اللهفان ٢/ ٨٩)، وفي الصواعق المرسلة ٢/ ٦١، وصحح سندها في إعلام الموقعين ٣/ ٦٠. وصرح الذهبي أنه من تفسير سنيد (ميزان الاعتدال ٥/ ١١٩). وبعد هذا النص يوجد نقص في نسخة (عش) مقدار تفسير (٢٠) آية من آية ١٧٠ - ١٩٠ من سورة البقرة.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن.
[ ٢ / ٣٤ ]
ولا تفهمه، بل إنما تسمع صوته فقط. هكذا روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع بن أنس نحو هذا (^١). [وقيل: إنما هذا مثل ضرب لهم في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئًا واختاره ابن جرير (^٢)، والأول أولى، لأن الأصنام لا تسمع شيئًا ولا تعقله ولا تبصره ولا بطش لها ولا حياة فيها] (^٣). وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ أي: صم عن سماع الحق، بُكْمٌ لا يتفوّهون به، عميٌ عن رؤية طريقه ومسلكه ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون شيئًا ولا يفهمونه، [كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾ [الأنعام: ٣٩] (^٤).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾.
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى، وأن يشكروه تعالى على ذلك إن كانوا عبيده، والأكل من الحلال سبب لتقبّل الدعاء والعبادة، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة. كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا [الفضيل] (^٥) بن مرزوق، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أيها الناس إن الله طيب لا يقبل، إلا طيبًا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنّى يستجاب لذلك؟ " (^٦). ورواه مسلم في صحيحه (^٧) والترمذي من ذلك حديث فضيل بن مرزوق (^٨).
ولما امتنَّ الله تعالى عليهم برزقه وأرشدهم إلى الأكل من طيبه، ذكر أنه لم يحرم عليهم من ذلك إلا الميتة، وهي التي تموت حتف أنفها من غير تذكية، وسواء كانت منخنقة أو موقوذة أو متردية أو نطيحة أو قد عدا عليها السبع، [وقد خصص الجمهور من ذلك ميتة البحر لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦] على ما سيأتي إن شاء الله، وحديث العنبر في
_________________
(١) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عطية العوفي عنه، وهو ضعيف الإسناد، ويشهد له أقوال التابعين، وقد ذكرها ابن أبي حاتم كلها.
(٢) تفسير الطبري ٣/ ٣١٣، ط. أحمد شاكر.
(٣) الزيادة من نسخة (ح) و(حم).
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٥) في الأصل: "الفضل"، وانظر: التقريب ص ٤٤٨.
(٦) المسند (ح ٨٣٣٠) سورة المؤمنون آية ٥١.
(٧) صحيح مسلم، الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب (ح ١٠١٥).
(٨) أخرجه الترمذي في السنن، التفسير سورة البقرة (ح ٢٩٨٩).
[ ٢ / ٣٥ ]
الصحيح وفي المسند والموطأ والسنن قوله ﵇ في البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (^١). وروى الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني حديث ابن عمر مرفوعًا: "أحل لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال" (^٢). وسيأتي تقرير ذلك - إن شاء الله - في سورة المائدة.
مسألة (^٣): ولبن الميتة وبيضها المتصل بها نجس عند الشافعي وغيره؛ لأنه جزء منها. وقال مالك في رواية: هو طاهر إلا أنه ينجس بالمجاورة، وكذلك أنفحة الميتة فيها الخلاف، والمشهور عندهم أنها نجسة، وقد أوردوا على أنفسهم أكل الصحابة من جبن المجوس، فقال القرطبي في التفسير ههنا يخالط اللبن منها يسير، ويعف عن قليل النجاسة إذا خالط الكثير من المائع (^٤).
وقد روى ابن ماجه من حديث سيف بن هارون عن سليمان التميمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان ﵁: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء، قال: "الحلال ما أحلَّ الله في كتابه، والحرام ما حرَّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه"] (^٥).
وكذلك حرم عليهم لحم الخنزير سواء ذكي أم مات حتف أنفه، ويدخل شحمه في حكم لحمه إما تغليبًا أو أن اللحم يشمل ذلك أو بطريق القياس على رأي، [وكذلك] (^٦) حرم عليهم ما أهلّ به لغير الله، وهو ما ذبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام ونحو ذلك مما كانت الجاهلية ينحرون له. [وذكر القرطبي عن ابن عطية أنه نقل عن الحسن البصري: أنه سئل عن امرأة عملت عرسًا للعبها فنحرت فيه جزورًا، فقال: لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم (^٧)، وأورد القرطبي عن عائشة ﵂: أنها سئلت عما يذبحه العجم لأعيادهم فيهدون منه للمسلمين فقالت: ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه، وكلوا من أشجارهم] (^٨).
ثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها عند فقد غيرها من الأطعمة، فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ أي: في غير بغي ولا عدوان، وهو مجاوزة الحد ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: في أكل ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقال مجاهد: فمن اضطر غير باغ ولا عاد، قاطعًا للسبيل أو مفارقًا للأئمة، أو خارجًا في
_________________
(١) أخرجه الإمام مالك، الموطأ، كتاب الطهارة، باب الطهور (ح ١١)، وأخرجه الترمذي، السنن، الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر (ح ٦٩) وصححه وأخرجه الحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، (المستدرك ١/ ١٤٠) وقال البغوي: متفق على صحته (شرح السنة ٢/ ١٥٥).
(٢) أخرجه الشافعي في ترتيب مسنده ٢/ ١٧٣، وأحمد في المسند ٢/ ٩٧، والموقوف على ابن عمر أصح وله حكم الرفع، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١١١٨).
(٣) الزيادة من (حم).
(٤) الجامع لأحكام القرآن (٢/ ٢٢٠).
(٥) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم)، سنن ابن ماجه، الأطعمة، باب الجبن والسمن (ح ٣٣٦٧) وفي سنده سيف بن هارون: ضعيف (التقريب ص ٢٦٢).
(٦) سقط من الأصل وأثبت من (ح) و(عف) و(حم).
(٧) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٢٤، فقد ذكره بمعناه.
(٨) ما بين معقوفين من (ح) والنص في الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٢٤.
[ ٢ / ٣٦ ]
معصية الله، فله الرخصة، ومن خرج باغيًا أو عاديًا أو في معصية الله، فلا رخصة له وإن اضطر إليه (^١)، وكذا روي عن سعيد بن جبير (^٢).
وقال سعيد - في رواية عنه - ومقاتل بن حيان: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾؛ يعني: غير مستحله (^٣).
وقال السدي: غير باغ، يبتغي فيه شهوة (^٤).
وقال [آدم بن أبي إياس: حدثنا ضمرة عن عثمان بن عطاء وهو الخراساني، عن أبيه] (^٥) في قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ قال: لا يشوي من الميتة ليشتهيه، ولا يطبخه، ولا يأكل إلا العلقة (^٦)، ويحمل معه ما يبلغه الحلال، فإذا بلغه ألقاه (^٧). [وهو قوله: ﴿وَلَا عَادٍ﴾ ويقول: لا يعدو به الحلال] (^٨).
وعن ابن عباس: لا يشبع منها (^٩).
وفسّره السدي بالعدوان (^١٠).
وعن ابن عباس: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قال: غير باغ في الميتة ولا عاد في أكله (^١١).
وقال قتادة: فمن اضطر غير باغ ولا عاد، [قال: غير باغ في الميتة؛ أي] (^١٢) في أكله أن يتعدى حلالًا إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة (^١٣).
[وحكى القرطبي عن مجاهد في قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أي: أكره على ذلك بغير اختياره (^١٤).
ذكر القرطبي إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير بحيث لا قطع فيه ولا أذى، فإنه لا يحل له أكل الميتة بل يأكل طعام الغير بغير خلاف - كذا قال -، ثم قال: وإذا أكله، والحالة هذه، هل يضمن أم لا؟ فيه قولان هما روايتان عن مالك، ثم أورد من سنن ابن ماجه من حديث شعبة عن
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بروايتين بإسنادين صحيحين أحدهما من طريق القاسم بن أبي بزة، والآخر من طريق ابن أبي نجيح.
(٢) أخرج ابن أبي حاتم من طريق سالم بن عجلان الأموي عنه، وسنده حسن.
(٣) رواية سعيد أخرجها ابن أبي حاتم بسند حسن، من طريق عطاء بن دينار عنه، ورواية مقاتل ذكرها ابن أبي حاتم بدون سند.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسباط بن نصر عنه.
(٥) في الأصل (وح): "وقال عطاء الخراساني" بدون إسناد والزيادة من (عف).
(٦) العلقة: ما يتبلغ من الطعام وإن لم يكن تامًّا (لسان العرب ١٠/ ٢٦٣).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم عن عصام بن رواد عن آدم به، وفي سنده: عثمان عطاء الخراساني، ضعيف كما في التقريب.
(٨) الزيادة من (عف) و(مح ١).
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس والحكم، ضعيف كما في التقريب.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط.
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عطية العوفي عنه وسنده ضعيف، ويشهد له قول قتادة ومجاهد.
(١٢) زيادة من (ح) و(حم).
(١٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(١٤) ينظر: الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٢٥، فقد ذكره بمعناه.
[ ٢ / ٣٧ ]
أبي إياس جعفر بن أبي وحشية: سمعت عباد بن شرحبيل الغبري قال: أصابتنا عامًا مخمصة، فأتيت المدينة، فأتيت حائطًا، فأخذت سنبلًا ففركته وأكلته، وجعلت منه في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال للرجل: "ما أطعمته إذ كان جائعًا ولا ساغبًا، ولا علمته إذ كان جاهلًا" فأمره فردّ إليه ثوبه، فأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق (^١). إسناد صحيح قوي جيد وله شواهد كثيرة: من ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: سئل رسول الله ﷺ عن الثمر المعلق، فقال: "من أصاب منه من ذي حاجة بفيه غير متخذ خبنة، فلا شيء عليه … " الحديث (^٢)] (^٣).
وقال مقاتل بن حيان في قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: فيما أكل من اضطرار، وبلغنا، والله أعلم. أنه لا يزاد على ثلاث لقم (^٤).
وقال سعيد بن جبير: غفور لما أكل من الحرام، رحيم إذ أحلّ له الحرام في الاضطرار (^٥).
وقال وكيع: أخبرنا الأعمش عن أبي الضُحى، عن مسروق، قال: من اضطر فلم يأكل ولم يشرب ثم مات، دخل النار (^٦)، [وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة، قال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا الهراسي رفيق الغزالي في "الاشتغال"، وهذا هو الصحيح عندنا (^٧)، كالإفطار للمريض ونحو ذلك] (^٨).
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني: اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ كتبهم التي بأيديهم مما يشهد له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلّا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم، فخشوا - لعنهم الله - إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاء على ما كان يحصل لهم من ذلك وهو نزر يسير، فباعوا أنفسهم بذلك واعتاضوا عن الهدى واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن الله، بذلك النزر اليسير، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الله أظهر
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه السنن، التجارات، باب من مر على ماشية قوم أو حائط هل يصيب منه (ح ٢٢٩٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٨٦١)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٣٣).
(٢) أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، كتاب الحدود، باب من سرق من الحرز (ح ٢١٠٤).
(٣) ما بين معقوفين زيادة من (ح)، ونحو هذا النص في الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٢٢٦.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عنه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن، عطاء بن دينار عنه.
(٦) إسناده صحيح إلى مسروق.
(٧) أحكام القرآن للكيا الهراسي ١/ ٤٢.
(٨) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
[ ٢ / ٣٨ ]
لعباده صدق رسوله بما نصبه وجعله معه من الآيات الظاهرات والدلائل القاطعات، فصدقه الذين كانوا يخافون أن يتبعوه، وصاروا عونًا له على قتالهم، وباءوا بغضب على غضب، وذمهم الله في كتابه في غير ما وضع فمن ذلك هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وهو: عرض الحياة الدنيا ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ أي: إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق، نارًا تأجج في بطونهم يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء]. وفي الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" (^١).
وقوله: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ [وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]﴾ (^٢) وذلك لأنه تعالى غضبان عليهم، لأنهم كتموا وقد علموا، فاستحقوا الغضب، فلا ينظر إليهم ولا يزكيهم، أي: يثني عليهم ويمدحهم، بل يعذبهم عذابًا أليمًا.
وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن مردويه، ههنا حديث الأعمش عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ: "ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر" (^٣).
ثم قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ أي: اعتاضوا عن الهدى، وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به من كتب الأنبياء واتباعه وتصديقه، استبدلوا عن ذلك واعتاضوا عنه بالضلالة وهو تكذيبه والكفر به وكتمان صفاته في كتبهم.
﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ أي: اعتاضوا عن المغفرة بالعذاب، وهو ما تعاطوه من أسبابه المذكورة.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ يخبر تعالى أنهم في عذاب شديد عظيم هائل، يتعجب (^٤) من رآهم فيها من صبرهم على ذلك من شدة ما هم فيه من العذاب والنكال والأغلال، عياذًا بالله من ذلك، [وقيل: معنى قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ أي: فما أدومهم لعمل المعاصي التي تفضي بهم إلى النار] (^٥)،
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي: إنما استحقوا هذا العذاب الشديد، لأن الله تعالى أنزل على رسوله محمد ﷺ وعلى الأنبياء قبله كتبه بتحقيق الحق وإبطال الباطل، وهؤلاء اتخذوا آيات الله هزوًا، فكتابهم يأمرهم بإظهار العلم ونشره فخالفوه وكذبوه، وهذا الرسول الخاتم يدعوهم إلى الله تعالى ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهم يكذبونه ويخالفونه ويجحدونه ويكتمون صفته، فاستهزؤوا بآيات الله المنزلة على
_________________
(١) متفق عليه أخرجه البخاري من حديث أم سلمة في صحيحه، كتاب الأشربة، باب آنية الفضة (ح ٥٦٣٤)، ومسلم في صحيحه، اللباس والزينة (ح ٢٠٦٥).
(٢) زيادة من (ح) و(عف).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار (ح ١٧٢).
(٤) كذا في (ح) و(عف)، وفي الأصل: يعجب.
(٥) ما بين معقوفين زيادة من نسخة (ح) و(حم).
[ ٢ / ٣٩ ]
رسله، فلهذا استحقوا العذاب والنكال، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾.
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾.
اشتملت هذه الآية على جمل عظيمة وقواعد عميمة، وعقيدة مستقيمة، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبيد بن هشام الحلبي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عامر بن شفي، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن أبي ذر: أنه سأل رسول الله ﷺ: ما الإيمان؟ فتلا عليه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ …﴾ إلى آخر الآية، قال: ثم سأله أيضًا، فتلاها عليه، ثم سأله فقال: "إذا عملت حسنة أحبها قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها قلبك" (^١).
وهذا منقطع، فإن مجاهدًا لم يدرك أبا ذرٍّ، فإنه مات قديمًا.
وقال المسعودي: حدثنا القاسم بن عبد الرحمن قال: جاء رجل إلى أبي ذرٍّ، فقال: ما الإيمان؟ فقرأ عليه هذه الآية: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ حتى فرغ منها، فقال الرجل: ليس عن البر سألتك، فقال أبو ذرّ: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عما سألتني فقرأ عليه هذه الآية فأبى أن يرضى، كما أبيت أن ترضى، فقال له رسول الله ﷺ وأشار بيده -: "المؤمن إذا عمل حسنة سرّته ورجا ثوابها، وإذا عمل سيئة أحزنته وخاف عقابها" ورواه ابن مردويه، وهذا أيضًا منقطع (^٢)، والله أعلم.
وأما الكلام على تفسير هذه الآية، فإن الله تعالى لما أمر المؤمنين أولًا بالتوجه إلى بيت المقدس ثم حولهم إلى الكعبة، شقّ ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك وهو: أن المراد إنما هو طاعة الله ﷿، وامتثال أوامره، والتوجه حيثما وجّه واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق أو المغرب برّ ولا طاعة إن لم يكن عن أمر الله وشرعه، ولهذا قال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية، كما قال في الأضاحي والهدايا: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].
وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا، فهذا حين تحول من مكة إلى المدينة، ونزلت الفرائض والحدود، فأمر الله بالفرائض والعمل بها (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره وسنده ضعيف بسبب الانقطاع المذكور أعلاه. وأخرجه الحاكم وصححه وتعقبه الذهبي فقال: كيف وهو منقطع؟ (المستدرك ٢/ ٢٧٢).
(٢) أخرجه المروزي من طريق المسعودي به (تعظيم قدر الصلاة ح ٤٠٨)، والقاسم بن عبد الرحمن هو المسعودي لم يدرك أبا ذرّ، (انظر: التقريب ص ٤٥٠).
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند مسلسل بالضعفاء عنه ويشهد له الآثار التالية.
[ ٢ / ٤٠ ]
وروي عن الضحاك ومقاتل نحو ذلك (^١).
وقال أبو العالية: كانت اليهود تقبل قبل المغرب، وكانت النصارى تقبل قبل المشرق، فقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ يقول: هذا كلام الإيمان [وحقيقة] (^٢) العمل.
وروي عن الحسن والربيع بن أنس مثله (^٣).
وقال مجاهد: ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله ﷿ (^٤).
وقال الضحاك: ولكن البر والتقوى أن تؤدوا الفرائض على وجوهها (^٥).
وقال الثوري: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية، قال: هذه أنواع البر كلّها (^٦).
وصدق ﵀، فإن من اتصف بهذه الآية، فقد دخل في عرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله، وهو الإيمان بالله وأنه لا إله إلا هو، وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين الله ورسله.
﴿وَالْكِتَابِ﴾ وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء، حتى ختمت بأشرفها وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب الذي انتهى إليه كل خير، واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة ونسخ به كل ما سواه من الكتب قبله، وآمن بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
وقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أي: أخرجه وهو محب له راغب فيه، نصَّ على ذلك ابن مسعود وسعيد بن جبير وغيرهما من السلف والخلف، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر" (^٧).
وقد روى الحاكم في مستدركه من حديث شعبة والثوري عن منصور، عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أن تعطيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش وتخشى الفقر" ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (^٨).
(قلت): وقد رواه وكيع عن الأعمش، وسفيان عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود موقوفًا (^٩)، وهو أصح، والله أعلم.
_________________
(١) قول الضحاك ومقاتل هو ابن حيان ذكرهما ابن أبي حاتم وقول الضحاك، أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان عنه.
(٢) في الأصل: "وحقيقته" والتصويب من (ح) ورواية ابن أبي حاتم فقد أخرجه بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عن أبي العالية.
(٣) وهو رواية الربيع عن أبي العالية كما تقدم.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق رجل مبهم عن الضحاك وسنده ضعيف ويشهد له ما تقدم.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي عمر العدني عنه.
(٧) صحيح البخاري، الزكاة، باب فضل صدقة الشحيح (ح ١٤١٩)، وصحيح مسلم، الزكاة، (٣١ ح ١٠٣٢).
(٨) المستدرك ٢/ ٢٧٢.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم عن عمرو بن عبد الله الأودي والأحمسي، عن وكيع به.
[ ٢ / ٤١ ]
وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان].
[وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]] (^١)، وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] نمط آخر أرفع من هذا، وهو أنهم آثروا بما هم مضطرون إليه وهؤلاء أعطوا وأطعموا ما هم محبون له.
وقوله: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ وهم قرابات الرجل وهم أولى من أعطي من الصدقة كما ثبت في الحديث: "الصدقة على المساكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة، فهم أولى الناس بك وببرك وإعطائك" (^٢)، وقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهم في غير موضع من كتابه العزيز.
﴿وَالْيَتَامَى﴾ هم الذين لا كاسب لهم، وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب.
وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن جويبر، عن الضحاك عن [النزال] (^٣) بن سبرة، عن علي، عن رسول الله ﷺ قال: "لا يُتم بعد حلم" (^٤).
﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾ وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون ما تسد به حاجتهم وخلتهم.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ، قال: "ليس المسكين [بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين] (^٥) الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه" (^٦).
﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ وهو المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته فيعطَى ما يوصله إلى بلده، وكذا الذي يريد سفرًا في طاعة فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه، ويدخل في ذلك الضيف، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين (^٧)، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو جعفر الباقر والحسن وقتادة والضحاك والزهري والربيع بن أنس
_________________
(١) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(عف) و(حم).
(٢) أخرجه الترمذي من حديث سلمان بن عامر وحسن، والسنن، الزكاة (ح ٦٥٨)، وابن حبان في الإحسان ٨/ ١٣٢، (ح ٣٣٤٤)، وابن خزيمة في صحيحه ٣/ ٢٧٨ (ح ٢٠٦٧)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٠٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.
(٣) في الأصل: "المنهال" والتصويب من (ح) و(حم) و(عف).
(٤) سنده ضعيف بسبب جويبر، أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن بن أبي الربيع، عن عبد الرزاق به، وأخرجه أبو داود من طريق آخر (السنن، الوصايا، باب ما جاء متى ينقطع اليتم ٣/ ١١٥ ح ٢٨٧٣)، وصححه الألباني بالشواهد والمتابعات في صحيح الجامع الصغير ٦/ ٦١٣، وإرواء الغليل ٥/ ٧٩ - ٨٣.
(٥) ما بين معقوفين سقط واستدرك من نسخة (ح) و(حم) و(عف) ورواية الصحيحين.
(٦) أخرجه البخاري، الصحيح، الزكاة، باب قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] (ح ١٤٧٦)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب المسكين الذي لا يجد غنى (ح ١٠٣٩).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم وسنده ثابت.
[ ٢ / ٤٢ ]
ومقاتل بن حيان (^١).
﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ وهم الذين يتعرضون للطلب فيعطون من الزكوات والصدقات، كما قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن قالا: حدثنا سفيان عن مصعب بن محمد، عن يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت الحسين (^٢)، عن أبيها - قال عبد الرحمن: حسين بن علي - قال: قال رسول الله ﷺ: "للسائل حق وإن جاء على فرس" (^٣) رواه أبو داود (^٤).
﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وهم المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم، وسيأتي الكلام على كثير من هذه الأصناف في آية الصدقات من براءة - إن شاء الله تعالى.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، حدثتني فاطمة بنت قيس، أنها سألت رسول الله ﷺ: أفي المال حق سوى الزكاة؟ قالت: فتلا عليّ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ (^٥)، ورواه ابن مردويه من حديث آدم بن أبي إياس ويحيى بن عبد الحميد كلاهما عن شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس، قالت: قال رسول الله ﷺ: "في المال حق سوى الزكاة" ثم قرأ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ - إلى قوله: - ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [وأخرجه ابن ماجه (^٦) والترمذي (^٧)، وضعف أبا حمزة ميمونًا الأعور، قال: وقد رواه بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي] (^٨)، وقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ أي: وأتمّ أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي.
وقوله: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ (^٩) يحتمل أن يكون المراد به: زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة (^١٠) الرذيلة كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس]، وقول موسى لفرعون: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩)﴾ [النازعات]، وقوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت].
ويحتمل أن يكون المراد زكاة المال (^١١)، كما قاله سعيد بن جبير (^١٢) ومقاتل بن حيان (^١٣)، ويكون المذكور من إعطاء هذه الجهات والأصناف المذكورين، إنما هو التطوع والبر والصلة،
_________________
(١) ذكرهم جميعهم ابن أبي حاتم.
(٢) في الأصل: "حسين".
(٣) أخرجه أحمد عن وكيع وعبد الرحمن به، (المسند ح ٨١٧٢)، وصححه محققه أحمد شاكر، وقال العراقي: إسناد جيد (انظر: القول المسدد ص ٦٥).
(٤) السنن، الزكاة، باب حق السائل (ح ١٦٦٥).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفي إسناده أبو حمزة وهو ميمون الأعور: ضعيف (التقريب ص ٥٥٦).
(٦) السنن، الزكاة، باب ما أدى زكاته فليس بكنز (ح ١٧٨٩).
(٧) السنن، الزكاة، باب ما جاء أن في المال حقًّا سوى الزكاة (ح ٦٥٩).
(٨) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٩) في الأصل: "وآتى المال الزكاة".
(١٠) كذا في الأصل و(حم) وفي نسخة (ح): "الذميمة" وكلاهما صحيح.
(١١) كذا في الأصل و(عف) و(حم)، وفي نسخة (ح): "الملك".
(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه.
(١٣) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره.
[ ٢ / ٤٣ ]
ولهذا تقدم في الحديث عن فاطمة بنت قيس: إن في المال حقًّا سوى الزكاة، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾، كقوله: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠)﴾ [الرعد]، وعكس هذه الصفة النفاق كما صح في الحديث: "آية المنافق [ثلاث] (^١): إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" (^٢). وفي الحديث الآخر: "وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" (^٣).
وقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أي: في حال الفقر وهو البأساء، وفي حال المرض والأسقام: وهو الضراء.
﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أي: في حال القتال والتقاء الأعداء، قاله ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومرة الهمداني ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وأبو مالك والضحاك (^٤) وغيرهم، وإنما نصب ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] على المدح والحث على الصبر في هذه الأحوال لشدته وصعوبته، والله أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الأوصاف (^٥) هم الذين صدقوا في إيمانهم، لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾.
يقول تعالى: كتب عليكم العدل في القصاص أيها المؤمنون، فاقتلوا حركم بحركم، وعبدكم بعبدكم، وأنثاكم بأنثاكم، ولا تتجاوزوا وتعتدوا كما اعتدى من قبلكم وغيروا حكم الله فيهم، وسبب ذلك قريظة والنضير، كانت بنو النضير قد غزت قريظة في الجاهلية وقهروهم، فكان إذا قتل النضري (^٦) القرظي لا يقتل به، بل يفادى بمائة وسق من التمر، وإذا قتل القرظي النضري (^٧) قتل، وإن فادوه فدوه بمائتي وسق من التمر ضعف دية قريظة، فأمر الله بالعدل في القصاص، ولا يتبع سبيل [المفسدين المجرمين المخالفين] (^٨) لأحكام الله فيهم كفرًا وبغيًا (^٩)، فقال تعالى:
_________________
(١) لفظ ثلاث سقط من الأصل.
(٢) متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه، الإيمان، باب علامة المنافق (ح ٣٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه، الإيمان (ح ١٠٧).
(٣) أخرجه مسلم في الصحيح، الإيمان (ح ١٠٦).
(٤) ذكرهم جميعًا ابن أبي حاتم وقول ابن مسعود، أخرجه بسند حسن.
(٥) كذا في الأصل: وفي نسخة (ح) و(عف) بلفظ: "الصفات".
(٦) كذا في الأصل: و(عف)، وفي نسخة (ح) و(حم): النضيري.
(٧) انظر: التعليق السابق.
(٨) في الأصل: "المحرفين المخالفين" والزيادة والتصويب من (ح) و(عف) و(حم).
(٩) كذا في الأصل و(عف) و(حم)، وفي نسخة (ح): "لهوًا ولعبًا".
[ ٢ / ٤٤ ]
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ وذكر في [سبب] (^١) نزولها ما رواه الإمام [أبو] (^٢) محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، يعني: إذا كان عمدًا الحر بالحر، وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات [حتى] (^٣) قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منّا الحر منهم، والمرأة منّا الرجل منهم، فنزل فيهم: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ منها منسوخة نسختها ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (^٤) [المائدة: ٤٥].
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، فأنزل الله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: ٤٥]، فجعل الأحرار في القصاص والعبيد سواء فيما بينهم من العمد رجالهم ونساؤهم في النفس وفيما دون النفس، وجعل العبيد مستويين فيما بينهم من العمد في النفس وفيما دون النفس رجالهم ونساؤهم (^٥).
وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله: النفس بالنفس (^٦).
[مسألة: مذهب أبي حنيفة إلى أن الحر يقتل بالعبد لعموم آية المائدة، وإليه ذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود، وهو مروي عن علي وابن مسعود وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وقتادة والحكم، قال البخاري وعلي بن المديني وإبراهيم النخعي والثوري في رواية عنه: ويقتل السيد بعبده، لعموم حديث الحسن عن سمرة: "ومن قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، ومن خصاه خصيناه". وخالفهم الجمهور وقالوا: لا يقتل الحر بالعبد، لأن العبد سلعة لو قتل خطأ لم يجب فيه دية، وإنما تجب فيه قيمته ولأنه لا يقاد بطرفه ففي النفس الأولى، وقد حكى أبو ثور الإجماع على أنه لا يقاد الحر بطرف العبد، وقد خرق هذا الإجماع أبو داود الظاهري لقوله ﵇: "المسلمون تتكافأ دماؤهم". وذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر، كما ثبت في البخاري عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ: "ولا يقتل مسلم بكافر". ولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا، وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه يقتل به لعموم آية المائدة.
مسألة: قال الحسن وعطاء: لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية، وخالفهم الجمهور لآية المائدة ولقوله ﵇: "المسلمون تتكافأ دماؤهم". وقال الليث: إذا قتل الرجل امرأته لا يُقتل بها خاصة.
مسألة: ومذهب الأئمة الأربعة والجمهور أن الجماعة يقتلون (^٧) بالواحد، قال عمر في غلام قتله سبعة فقتلهم، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم ولا يعرف له في زمانه مخالف من
_________________
(١) لفظ: "سبب" سقط من الأصل.
(٢) لفظ: "أبو "سقط من الأصل.
(٣) في الأصل: قد والتصويب من (ح) و(عف) و(حم) ورواية ابن أبي حاتم.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم وسنده مرسل.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم وسنده ثابت.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق السدي عنه.
(٧) سقط من (ح).
[ ٢ / ٤٥ ]
الصحابة، وذلك كالإجماع، وحكي عن الإمام أحمد رواية: أن الجماعة لا يقتلون بالواحد، ولا تقتل بالنفس إلا نفس واحدة، وحكاه ابن المنذر عن معاذ وابن الزبير وعبد الملك بن مروان والزهري ومحمد بن سيرين وحبيب بن أبي ثابت، ثم قال ابن المنذر: وهذا أصح، ولا حجة لمن أباح قتل الجماعة بواحد، وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه، وإذا اختلف الصحابة فسبيله النظر] (^١).
وقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ فالعفو أن يقبل الدية في العمد. قال مجاهد عن ابن عباس: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾، فالعفو أن يقبل الدية في العمد (^٢)، وكذا روي عن أبي العالية وأبي الشعثاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء والحسن وقتادة مقاتل بن حيان (^٣). وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ يقول: فمن ترك له من أخيه [شيء] (^٤) يعني: أخذ الدية بعد استحقاق الدم، وذلك العفو (^٥).
﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [يقول: فعلى الطالب اتباع بالمعروف] (^٦) إذا قبل الدية.
﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يعني: من القاتل من غير ضرر ولا معك يعني المدافعة، وروى الحاكم من حديث سفيان عن عمرو، عن مجاهد، عن ابن عباس: ويؤدي المطلوب بإحسان (^٧). وكذا قال سعيد بن جبير وأبو الشعثاء جابر بن زيد والحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان (^٨).
مسألة: قال مالك ﵀ في رواية ابن القاسم عنه وهو المشهور، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي في أحد قوليه: ليس لولي الدم أن يعفو على الدية إلا برضا القاتل. وقال الباقون: له أن يعفو عليها وإن لم يرض.
وذهب طائفة من السلف إلى أنه للنساء عفو، منهم: الحسن وقتادة والزهري وابن شبرمة والليث والأوزاعي، وخالفهم الباقون] (^٩).
وقوله: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾. يقول تعالى: إنما شرع لكم أخذ الدية في العمد تخفيفًا من الله عليكم ورحمة بكم مما كان محتومًا على الأمم قبلكم من القتل أو العفو، كما قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أخبرني مجاهد، عن ابن عباس قال: كتب على بني إسرائيل القصاص في القتلى، ولم يكن فيهم العفو، فقال الله لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالعفو أن يقبل الدية في العمد (^١٠) ذلك تحقيق مما كتب على من كان قبلكم ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ وقد
_________________
(١) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح، من طريق عمرو بن دينار، عن مجاهد به.
(٣) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٤) الزيادة من (ح) و(حم).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم وإسناده منقطع لأن الضحاك لم يدرك ابن عباس ويشهد له ما تقدم من الآثار.
(٦) الزيادة من (ح) و(عف) و(حم).
(٧) وسنده صحيح.
(٨) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٩) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(١٠) أخرجه أبي حاتم عن يونس بن عبد الأعلى، عن سفيان بن به، وسنده صحيح.
[ ٢ / ٤٦ ]
رواه غير واحد عن عمرو، وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن عمرو بن دينار به (^١). [وقد رواه البخاري والنسائي عن ابن عباس] (^٢) ورواه جماعة عن مجاهد، عن ابن عباس بنحوه.
وقال قتادة: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ رحم الله هذه الأُمة وأطعمهم الدية ولم تحل لأحد قبلهم فكان أهل التوراة إنما هو القصاص وعفو ليس بينهم أرش وكان أهل الإنجيل إنما هو عفو أمروا به، وجعل لهذه الأُمة القصاص والعفو والأرش (^٣).
وهكذا روي عن سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس نحو هذا (^٤).
وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقول تعالى: فمن قَتلَ بعد أخذ الدية أو قبولها، فله عذاب من الله أليم موجع شديد، وهكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وقتادة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان أنه هو الذي يَقتِل بعد أخذ الدية (^٥).
كما قال محمد بن إسحاق عن الحارث بن فضيل، عن سفيان بن أبي العوجاء، عن أبي شريح الخزاعي، أن النبي ﷺ قال: "من أُصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة، فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدًا فيها" رواه أحمد (^٦). وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا أعافي رجلًا قتل بعد أخذ الدية" (^٧) يعني: لا أقبل منه الدية، بل أقتله.
وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ [حَيَاةٌ] (^٨)﴾. يقول تعالى: وفي شرع القصاص لكم، وهو قتل القاتل حكمة عظيمة لكم وهي بقاء المهج وصونها، لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل انكف عن صنيعه، فكان في ذلك حياة للنفوس، وفي الكتب المتقدمة: القتل أنفى للقتل فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح وأبلغ وأوجز ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾.
قال أبو العالية: جعل الله القصاص حياة، كم من رجل يريد أن يقاتل فتمنعه مخافة أن يقتل (^٩).
_________________
(١) الإحسان في تقريب، صحيح ابن حبان ٧/ ٦٠١.
(٢) ما بين معقوفين زيادة من (ح) وهو كما قال فقد أخرجه البخاري عن الحميدي، عن سفيان، عن عمرو بن دينار به، (الصحيح، تفسير سورة البقرة ح ٤٤٩٨).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٤) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٥) وردت عنهم أسانيد ثابتة في ثفسيري الطبري وابن أبي حاتم، إلا قول مقاتل بن حيان ذكره ابن أبي حاتم بدون سند.
(٦) أخرجه الإمام أحمد من طريق ابن إسحاق به (المسند ٤/ ٣١ ح ١٦٤٢٧)، وأخرجه أبو داود (السنن، الدباب، باب الإمام يأمر بالعفو في الدم ح ٤٤٩٦)، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به، وفيه علتان: ابن إسحاق لم يصرح بالسماع وسفيان بن أبي العوجاء، ضعيف كما في التقريب.
(٧) أخرجه البيهقي عن الحسن مرسلًا (السنن الكبرى ٨/ ٥٤)، وأما المرفوع ففيه الحسن لم يسمع من سمرة، (المراسيل لابن أبي حاتم ص ٣٣).
(٨) الزيادة من (ح).
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد، من طريق الربيع بن أنس عنه.
[ ٢ / ٤٧ ]
وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي مالك والحسن وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان (^١).
[مسألة: ذهب مالك وأبو حنيفة والأوزاعي والليث وحماد بن أبي سليمان إلى أنه إذا قتل الرجل أو المرأة، وله أولاد كبار وصغار أن للكبار أن يقتلوا القاتل ولا يُنتظر بلوغ الصغار، لأن الحسن بن علي قتل عبد الرحمن بن ملجم ولم ينتظر بلوغ أولاد علي الصغار، وقال الشافعي وأحمد في المشهور عنه، وطائفة من العلماء: بل ينتظر بلوغ الصغار لأن لهم حقًّا وربما عفى بعضهم، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ …﴾ الآية.
مسألة: إذا عفي ولي الدم عن القصاص والدية أطلق القاتل في مذهب الشافعي وأحمد والجمهور. وقال مالك والليث والأوزاعي: بل يضرب مائة ويحبس سنة. وقال أبو ثور: إن كان مشهورًا بالشر أدبه الإمام بحبسه، وقد استحسن قول أبي ثور القرطبي في تفسيره] (^٢).
﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يقول: يا أولي العقول والأفهام والنهى، لعلكم تنزجرون (^٣) وتتركون محارم الله ومآثمه، والتقوى اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾.
اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين، وقد كان ذلك واجبًا على أصح القولين قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض (^٤) نسخت هذه، وصارت المواريث المقدرة فريضة من الله يأخذها أهلوها حتمًا من غير وصية ولا تحمل منة الموصي، ولهذا جاء في الحديث الذي في السنن وغيرها عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب وهو يقول: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" (^٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية، عن يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين، قال: جلس ابن عباس فقرأ سورة البقرة حتى أتى هذه الآية: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ فقال: نسخت هذه الآية (^٦). وكذا رواه سعيد بن منصور، عن هشيم، عن
_________________
(١) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم، وقول مجاهد، أخرجه الطبري بسند صحيح.
(٢) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٣) في الأصل: "تبرحون" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).
(٤) كذا في الأصل و(حم) وفي (عف) و(ح): "الميراث" وكلاهما صحيح.
(٥) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٢٩/ ٦٢٣ ح ١٨٠٨٣)، وقال محققوه: صحيح لغيره، وأخرجه الترمذي (السنن، الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث ح ٢٢١٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٧٢٢).
(٦) لم أجده في المسند، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٧٣)، ويشهد له ما سيأتي من الروايات.
[ ٢ / ٤٨ ]
يونس به، ورواه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرطهما.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ قال: كان لا يرث مع الوالدين غيرهما إلا وصية للأقربين، فأنزل الله آية الميراث (^١)، فبيّن ميراث الوالدين وأقرّ وصية الأقربين في ثلث مال الميت (^٢).
وقال ابن أبي حاتم (^٣): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: نسختها هذه الآية: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء] ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر وأبي موسى وسعيد بن [المسيب] (^٤) والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين وعكرمة وزيد بن أسلم والربيع بن أنس وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وطاوس وإبراهيم النخعي وشريح والضحاك والزهري: أن هذه الآية منسوخة، نسختها آية الميراث (^٥).
والعجب من أبي عبد الله محمد بن عمر بن الرازي ﵀، كيف حكى في تفسيره الكبير عن أبي مسلم الأصفهاني (^٦) أن هذه الآية غير منسوخة وإنما هي مفسرة بآية المواريث، ومعناه: كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] قال: وهو أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء، قال: ومنهم من قال: إنها منسوخة فيمن يرث ثابتة فيمن لا يرث، وهو مذهب ابن عباس والحسن ومسروق وطاوس والضحاك ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد (^٧).
(قلت): وبه قال أيضًا سعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان، ولكن على قول هؤلاء لا يسمى هذا نسخًا في اصطلاحنا المتأخر، لأن آية الميراث إنما رفعت حكم بعض أفراد ما دلّ عليه عموم آية الوصاية، لأن الأقربين أعم ممن يرث ولا يرث، فرفع حكم من يرث بما عيّن له، وبقي الآخر على ما دلّت عليه الآية الأولى، وهذا إنما يتأتى على قول بعضهم: إن الوصاية في ابتداء الإسلام إنما كانت ندبًا حتى نسخت، فأما من يقول: إنها كانت واجبة وهو الظاهر من سياق الآية، فيتعين أن تكون منسوخة بآية الميراث كما قاله أكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء، فإن وجوب الوصية للوالدين والأقربين [الوارثين] (^٨) منسوخ بالإجماع، بل منهي عنه
_________________
(١) صرح الطبري بالآية في قوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾. [النساء: ١١].
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت عنه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، ويشهد له ما تقدم وما تأخر من أقوال الصحابة والتابعين.
(٤) في الأصل: سعيد بن أطيب.
(٥) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم في تفسيره دون إسناد، وذكر الطبري بعض رواياتهم مسنده بأسانيد ثابتة.
(٦) أبو مسلم الأصفهاني من كبار المعتزلة الذين ينكرون النسخ.
(٧) أخرجه الطبري وابن الجوزي (نواسخ القرآن ص ١٦٤ - ١٦٥) بأسانيد ثابتة عن ابن عباس وقتادة والحسن البصري.
(٨) سقط من الأصل وأثبت من (ح) و(عف) و(حم).
[ ٢ / ٤٩ ]
للحديث المتقدم: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" (^١)، فآية الميراث حكم مستقل ووجوب من عند الله لأهل الفروض والعصبات، رفع بها حكم هذه بالكلية.
بقي الأقارب الذين لا ميراث لهم يستحب له أن يوصي لهم من الثلث استئناسًا بآية الوصية وشمولها، ولما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده". قال ابن عمر: ما مرت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك إلا وعندي وصيتي (^٢).
والآيات والأحاديث بالأمر ببرّ الأقارب والإحسان إليهم كثيرة جدًّا.
وقال عبد بن حُميد في مسنده: أخبرنا عبيد الله، عن مُبارك بن حسان، عن نافع قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله تعالى: يابن آدم ثنتان لم يكن لك واحدة منهما: جعلت لك نصيبًا في مالك حين أخذت بكظمك لأُطهرك به وأزكّيك، وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك" (^٣).
وقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أي: مالًا، قاله ابن عباس (^٤) ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبو العالية وعطية العوفي والضحاك والسدي والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وقتادة (^٥) وغيرهم.
ثم منهم من قال: الوصية مشروعة سواء قلّ المال أو كَثُر كالوراثة (^٦).
ومنهم من قال: إنما يوصي إذا ترك مالًا جزيلًا، ثم اختلفوا في مقداره، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قيل لعلي ﵁: إن رجلًا من قريش قد مات وترك ثلثمائة دينار أو أربعمائة ولم يوص؟ قال: ليس بشيء إنما قال الله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (^٧). وقال [أيضًا] (^٨): وحدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبده، يعني: ابن سليمان، عن هشام بن عروة عن أبيه: إن عليًا دخل على رجل من قومه يعوده، فقال له: أوصِ؟ فقال له علي: إنما قال الله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ إنما ترك شيئًا يسيرًا فاتركه لولدك (^٩).
وقال [الحكم بن أبان] (^١٠): حدثني عن عكرمة عن ابن عباس ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ قال ابن عباس:
_________________
(١) تقدم تخريجه في الحديث السابق.
(٢) صحيح البخاري، الوصايا، باب الوصايا وقول النبي ﷺ: "وصية الرجل مكتوبة عنده" (ح ٢٧٢٨)، وصحيح مسلم، الوصية (ح ١٦٢٧).
(٣) في مسنده مبارك بن حسان، لين الحديث (التقريب ص ٥١٨).
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت، من طريق علي بن أبي طلحة عنه.
(٥) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم دون سند، وأخرج الطبري بعض رواياتهم بأسانيد ثابتة كرواية مجاهد وقتادة والسدي.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح عن الزهري.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم سندًا ومتنًا، وسنده صحيح.
(٨) الزيادة من (عف).
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم، سندًا ومتنًا، وسنده صحيح.
(١٠) في الأصل و(ح) والتصويب من (عف) و(حم)، وترجمته، فهو من تلاميذ عكرمة، والتصويب أيضًا من تفسير ابن أبي حاتم.
[ ٢ / ٥٠ ]
من لم يترك ستين دينارًا لم يترك خيرًا. قال [الحكم] (^١): قال طاوس: لم يترك خيرًا من لم يترك ثمانين دينارًا (^٢). وقال قتادة: كان يقال: ألفًا فما [فوقه] (^٣) وقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالرفق والإحسان، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن [بشار] (^٤)، حدثني سرور بن المغيرة عن عباد بن منصور، عن الحسن قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ فقال: نعم الوصية حق على كل مسلم أن يوصي إذا حضره الموت بالمعروف غير المنكر (^٥).
والمراد بالمعروف أن يوصي لأقربيه وصية لا تجحف بورثته من غير إسراف ولا تقتير، كما ثبت في الصحيحين أن سعدًا قال: يا رسول الله، إن لي مالًا ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: "لا" قال: فبالشطر؟ قال: "لا" قال: فالثلث؟ قال: "الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" (^٦).
وفي صحيح البخاري أن ابن عباس قال: لو أن الناس غضّوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله ﷺ قال: "الثلث والثلث كثير" (^٧).
وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد مولى [بني] (^٨) هاشم عن ذيال بن عتبة بن حنظلة: سمعت حنظلة بن جذيم بن حنيفة: أن جده حنيفة أوصى ليتيم في حجره بمائة من الإبل، فشق ذلك على بنيه فارتفعوا إلى رسول الله ﷺ فقال حنيفة: إني أوصيت ليتيم لي بمائة من الإبل [كنا نسميها] (^٩) المطيبة، فقال النبي ﷺ: "لا لا لا، الصدقة خمس، وإلا فعشر، وإلا فخمس عشرة، وإلا فعشرون، وإلا فخمس وعشرون، وإلا فثلاثون، وإلا فخمس وثلاثون، فإن كثرت فأربعون … " وذكر الحديث بطوله.
وقوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ يقول تعالى: فمن بدّل الوصية وحرفها، فغيّر حكمها وزاد فيها أو نقص، ويدخل في ذلك الكتمان لها بطريق الأولى.
﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: وقد وقع أجر الميت على الله، وتعلق الإثم بالذين بدّلوا ذلك (^١٠).
_________________
(١) كسابقه.
(٢) وفي سند الروايتين الحكم بن أبان ضعيف، والرواية الأولى أخرجها ابن أبي حاتم من طريق الحكم به.
(٣) في الأصل: "فوقها" والتصويب من رواية ابن أبي حاتم فقد أخرجه عن قتادة بسند حسن.
(٤) في الأصل: "بن يسار" وفي (ح): "ابن دينار" والتصويب من (عف) و(حم) ومن رواية ابن أبي حاتم.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم سندًا ومتنًا وسنده حسن.
(٦) أخرجه البخاري، الصحيح الجنائز، باب رثاء ابني سعد بن سعد بن خولد (ح ١٣٩٦)، ومسلم في صحيحه، الوصية (ح ١٦٢٨).
(٧) أخرجه البخاري، الصحيح، الوصايا، باب الوصية بالثلث (ح ٢٧٤٣).
(٨) في الأصل: "أبي" والتصويب من رواية الإمام أحمد وبقية النسخ.
(٩) الزيادة من (ح) و(عف) ورواية الإمام أحمد في المسند فقد أخرجه سندًا ومتنًا (المسند ٣٤/ ٢٦٢ ح ٢٠٦٦٥)، وصححه محققوه.
(١٠) أخرجه الطبري بسند، ثابت من طريق ابن أبي طلحة، عن ابن عباس.
[ ٢ / ٥١ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: قد اطلع على ما أوصى به الميت وهو عليم بذلك وبما بدّله الموصى إليهم.
وقوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ قال ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس والسدي: الجنف: الخطأ (^١).
وهذا يشمل أنواع الخطأ كلها بأن زادوا وارثًا بواسطة أو وسيلة، كما إذا أوصى ببيعة الشيء الفلاني محاباة أو أوصى لابن ابنته ليزيدها أو نحو ذلك من الوسائل، إما مخطئًا غير عامد بل بطبعه وقوة شفقته من غير تبصر، أو متعمدًا آثمًا في ذلك، فللوصي والحالة هذه، أن يصلح القضية ويعدل في الوصية على الوجه الشرعي، ويعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء إليه وأشبه الأمور به جمعًا بين مقصود الموصي والطريق الشرعي، وهذا الإصلاح والتوفيق، ليس من التبديل في شيء، ولهذا عطف هذا فبينه على النهي [عن ذلك] (^٢) ليعلم أن هذا ليس من ذلك بسبيل، والله أعلم.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد قراءة، أخبرني أبي، عن الأوزاعي، قال الزهري: حدثني عن عروة (^٣)، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: "يرد من صدقة الجانف في حياته ما يرد من وصية (^٤) المجنف عند موته"، وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه من حديث العباس بن الوليد. قال ابن أبي حاتم: وقد أخطأ فيه الوليد بن مزيد، وهذا الكلام إنما هو عن عروة فقط، وقد رواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي فلم يجاوز به عروة (^٥).
وقال ابن مردويه أيضًا: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عمر بن المغيرة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "الجنف في الوصية من الكبائر" وهذا في رفعه أيضًا نظر (^٦).
وأحسن ما ورد في هذا ما قال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة". قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩] (^٧).
_________________
(١) أخرج الطبري أقوالهم بأسانيد ثابتة إلا إسناد الضحاك فمن طريق جويبر، وسنده ضعيف وتشهد له تلك الأقوال.
(٢) في الأصل: "لذلك" والتصويب من (ح) و(عف).
(٣) كذا في الأصل: "حدثني عن عروة" وكذا في تفسير ابن أبي حاتم وفي نسخة (عف) وفي (ح) و(حم): "عن عروة".
(٤) كذا في الأصل وفي رواية ابن أبي حاتم و(حم) و(عف)، وفي نسخة (ح): "من صدقة".
(٥) ذكره ابن أبي حاتم بعد ذكره للرواية سندًا ومتنًا وقد حكم بالضعف على الرواية المرفوعة.
(٦) وأخرجه البيهقي من طريق داود بن أبي هند بن موقوفًا، ثم قال: هذا هو الصحيح موقوف (السنن الكبرى ٦/ ٢٧١).
(٧) أخرجه الترمذي من طريق شهر بن حوشب به، وقال: حسن صحيح غريب (السنن، الوصايا، باب الضرار في الوصية ح ٢١١٧)، وفي سنده شهر بن حوشب كثير الإرسال والأوهام (التقريب ص ٢٦٩).
[ ٢ / ٥٢ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾.
يقول تعالى مخاطبًا للمؤمنين من هذه الآية، وآمرًا لهم بالصيام وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع، بنية خالصة لله ﷿ لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة، وذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم فلهم فيه أسوة، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ الآية [المائدة: ٤٨]، ولهذا قال ههنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان، ولهذا ثبت (^١) في الصحيحين (^٢): "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء".
ثم بيّن مقدار الصوم وأنه ليس في كل يوم، لئلا يشق على النفوس فتضعف عن حمله وأدائه بل في أيام معدودات. وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، يصومون من كل شهر ثلاثة أيام، ثم نسخ بصوم شهر رمضان كما سيأتي بيانه. وقد روي أن الصيام أولًا (^٣) كما كان عليه الأمم قبلنا من كل شهر ثلاثة أيام عن معاذ (^٤) وابن مسعود (^٥) وابن عباس (^٦) وعطاء (^٧) وقتادة (^٨) والضحاك بن مزاحم وزاد: لم يزل هذا مشروعًا من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان (^٩).
وقال عباد بن منصور، عن الحسن البصري: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ فقال: نعم، والله لقد كتب الصيام على كل أُمة قد خلت، كما كتب علينا شهرًا كاملًا وأيامًا معدودات عددًا معلومًا (^١٠). وروي عن السدي نحوه (^١١).
_________________
(١) كذا في (ح) و(عف) و(حم)، وفي الأصل: "جاء".
(٢) صحيح البخاري، الصوم، باب الصوم لمن خاف على نفسه (ح ١٩٠٥)، وصحيح مسلم، النكاح، (ح ١٤٠٠).
(٣) في (ح): "كان أولًا".
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن المسعودي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ، وأخرجه الحاكم من طريق المسعودي به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٧٤).
(٥) ذكره ابن أبي حاتم بدون سند.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي، عن ابن عباس وتشهد له بقية الآثار.
(٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق نصر بن مشارس عنه.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم وسنده حسن.
(١١) ذكره ابن أبي حاتم من دون سند.
[ ٢ / ٥٣ ]
وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي عبد الرحمن المقري، حدثني سعيد بن أبي أيوب، حدثني عبد الله بن الوليد، عن أبي الربيع رجل من أهل المدينة، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم … " في حديث طويل اختصر منه ذلك (^١).
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس عمن حدثه، عن ابن عمر قال: أنزلت ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ كتب عليهم إذا صلى [أحدهم] (^٢) العتمة ونام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها (^٣).
قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس وأبي العالية وعبد الرحمن بن أبي ليلى ومجاهد وسعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس وعطاء الخراساني نحو ذلك (^٤). وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني بذلك: أهل الكتاب (^٥). وروي عن الشعبي والسدي وعطاء الخراساني مثله (^٦).
ثم بيّن حكم الصيام على ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام فقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أي: المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر، لما في ذلك من المشقة عليهما بل يفطران ويقضيان بعد ذلك من أيام أُخر. وأما الصحيح المقيم الذي يطيق الصيام فقد كان مخيرًا بين الصيام وبين الإطعام، إن شاء صام وإن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينًا، فإن أطعم أكثر من مسكين عن كل يوم فهو خير، وإن صام فهو أفضل من الإطعام، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد (^٧) [وطاوس ومقاتل بن حيان] (^٨) وغيرهم من السلف (^٩)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا المسعودي، حدثنا عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل ﵁، قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال، فأما أحوال الصلاة فإن النبي ﷺ قدم المدينة وهو يصلي سبعة عشر شهرًا إلى بيت المقدس، ثم إن الله ﷿ أنزل عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] الآية، فوجهه الله إلى مكة هذا حول، قال: وكانوا يجتمعون للصلاة ويُؤذِنُ بها بعضهم بعضًا، حتى نقسوا أو كادوا ينقسون (^١٠)، ثم إن رجلًا من الأنصار يقال له:
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وفي سنده رجل مجهول.
(٢) الزيادة من (ح) و(عف) ورواية ابن أبي حاتم.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وفي سنده شيخ الربيع مبهم.
(٤) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بدون سند.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف لأن عطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس.
(٦) ذكرهم ابن أبي حاتم من غير سند.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق مجاهد عن ابن عباس.
(٨) الزيادة من (ح) و(عف) و(حم).
(٩) ذكرهم ابن أبي حاتم وسمى غيرهم من السلف وهم: عطاء والحسن والسدي بدون سند.
(١٠) أي كادوا أن يستعملوا الناقوس ولم يفعلوا.
[ ٢ / ٥٤ ]
عبد الله بن زيد أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيت فيما يرى النائم، ولو قلت: إني لم أكن نائمًا لصدقت، إني بينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصًا عليه ثوبان أخضران فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله - مثنى مثنى (^١) - حتى فرغ من الأذان، ثم أمهل ساعة ثم قال مثل الذي قال، غير أنه يزيد في ذلك قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، قال رسول الله ﷺ: "علّمها بلالًا فليؤذن بها" فكان بلال أول من أذن بها، قال: وجاء عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله، إنه قد طاف بي مثل الذي طاف به، غير أنه سبقني فهذان حالان، قال: وكانوا يأتون الصلاة قد سبقهم النبي ﷺ ببعضها، فكان الرجل يشير إلى رجل إذن كم صلى؟ فيقول: واحدة أو اثنتين فيصليهما، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم، قال: فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبدًا إلا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني، قال: فجاء وقد سبقه النبي ﷺ ببعضها، قال: فثبت معه فلما قضى رسول الله ﷺ قام فقضى، فقال رسول الله ﷺ: "إنه قد سنّ لكم معاذ فهكذا فاصنعوه" فهذه ثلاثة أحوال.
وأما أحوال الصيام فإن رسول الله ﷺ قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصام عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام، وأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينًا، فأجزأ ذلك عنه، ثم إن الله ﷿ أنزل الآية الأخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حولان، قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلًا من الأنصار يقال له: صرمة، كان يعمل صائمًا حتى أمسى فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام، فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائمًا، فرآه رسول الله وقد جهد جهدًا شديدًا، فقال: "ما لي أراك قد جهدت جهدًا شديدًا؟ " قال: يا رسول الله، إني عملت أمس فجئت حين جئت، فألقيت نفسي فنمت، فأصبحت حين أصبحت صائمًا، قال: وكان عمر قد أصاب من النساء بعدما نام فأتى النبي ﷺ فذكر له ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ - إلى قوله: - ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وأخرجه أبو داود في سننه، والحاكم في مستدركه من حديث المسعودي (^٢) به.
وقد أخرج البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عروة، عن عائشة أنها قالت: كان عاشوراء يصام، فلما نزل رمضان، كان من شاء صام ومن شاء أفطر (^٣)، وروى البخاري عن ابن عمر
_________________
(١) في الأصل: "مثنى". مرة واحدة، والزيادة من رواية الإمام أحمد.
(٢) أخرجه الإمام أحمد عن أبي النضر به، (المسند ٣٦/ ٤٣٦ ح ٢٢١٢٤)، وأخرجه ابن خزيمة في الصحيح ١/ ٩٧ - ٩٩ (ح ٣٨١). وأخرجه أبو داود، السنن، الصلاة، باب كيف الأذان (ح ٥٠٧) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٧٩). وأخرجه الحاكم من طريق المسعودي به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٧٤).
(٣) صحيح البخاري، التفسير، سورة البقرة (ح ٤٤٠٤) وصحيح مسلم، الصيام (ح ١١٢٥).
[ ٢ / ٥٥ ]
وابن مسعود مثله (^١).
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كما قال معاذ ﵁: كان في ابتداء الأمر من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينًا، وهكذا روى البخاري عن سلمة بن الأكوع أنه قال لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: كان من أراد أن يفطر يفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها (^٢). وروي أيضًا من حديث عبيد الله عن [نافع عن] (^٣) ابن عمر قال: هي منسوخة (^٤).
وقال السدي، عن مُرة، عن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: يقول: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: يتجشمونه. قال عبد الله: فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا، ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ قال: يقول: أطعم مسكينًا آخر ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا (^٥) خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فكانوا كذلك حتى نسختها ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٦) [البقرة: ١٨٥].
وقال البخاري أيضًا: أخبرنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا عمرو بن دينار، عن عطاء: سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ﴾ [يطوّقونه] (^٧) ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال ابن عباس: ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا. وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه (^٨).
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم، ثم ضعف فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكينًا (^٩).
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا الحسن بن محمد بن بهرام المخرمي، حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد بن عبد الله، عن ابن أبي ليلى، قال: دخلت على عطاء في رمضان وهو يأكل، فقال: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا ثم نسخت الأولى إلى الكبير الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينًا وأفطر (^١٠).
فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ
_________________
(١) صحيح البخاري، التفسير (ح ٤٥٠١ و٤٥٠٣).
(٢) الصحيح، التفسير (ح ٤٥٠٧).
(٣) سقط من الأصل وأثبت من (ح) و(عف).
(٤) صحيح البخاري، التفسير، سورة البقرة (ح ٤٥٠٦).
(٥) في الأصل: "تصدقوا".
(٦) سنده حسن إلى عبد الله بن مسعود ويشهد له ما يليه.
(٧) في الأصل: "يطيقونه" والتصويب من (عف) ورواية الصحيح فقد أخرجه البخاري بسنده ومتنه (التصحيح، التفسير، سورة البقرة ح ٤٥٠٥).
(٨) أخرجه الطبري من طريق عزرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ويشهد له ما سبق.
(٩) في سنده أشعث بن سوار: ضعيف كما في التقريب ويشهد له ما سبق.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره وابن الجوزي كلاهما من طريق ابن جريج عن عطاء به، (نواسخ القرآن ص ١٧٢).
[ ٢ / ٥٦ ]
مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وأما الشيخ الفاني الهرم الذي لا يستطيع الصيام، فله أن يفطر ولا قضاء عليه، لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه [إذا أفطر] (^١) أن يطعم عن كل يوم مسكينًا إذا كان ذا جدة؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما لا يجب عليه إطعام لأنه ضعيف عنه لسنه، فلم يجب عليه فدية كالصبي، لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها وهو أحد قولي الشافعي والثاني، وهو الصحيح وعليه أكثر العلماء: أنه يجب عليه فدية عن كل يوم، كما فسّره ابن عباس وغيره من السلف على قراءة من قرأ: (وعلى الذين [يطوَّقونه] (^٢» أي: يتجشمونه، كما قاله ابن مسعود وغيره (^٣)، هو اختيار البخاري فإنه قال: وأما الشيخ الكبير إذا لم يطق الصيام، فقد أطعم أنس بعدما كبر عامًا أو عامين كل يوم، مسكينًا، خبزًا ولحمًا وأفطر (^٤).
وهذا الذي علّقه البخاري قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده فقال: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا عمران، عن أيوب بن أبي تميمة، قال: ضعف أنس عن الصوم، فصنع جفنة من ثريد، فدعا ثلاثين مسكينًا فأطعمهم (^٥).
ورواه عبد بن حميد عن روح بن عبادة، عن عمران وهو ابن حُدير، عن أيوب به. ورواه عبد أيضًا من حديث ستة من أصحاب أنس [عن أنس] (^٦) بمعناه، ومما يلتحق بهذا المعنى الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، ففيهما خلاف كثير [بين] (^٧) العلماء، فمنهم من قال: يفطران ويفديان ويقضيان، وقيل: يفديان فقط ولا قضاء، وقيل: يجب القضاء بلا فدية، وقيل: يفطران ولا فدية ولا قضاء، وقد بسطنا هذه المسألة مستقصاة من كتاب الصيام الذي أفردناه، ولله الحمد والمنّة.
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾.
يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم، وكما اختصه بذلك قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء.
_________________
(١) الزيادة من (ح) و(عف).
(٢) في الأصل: يطيقونه والتصويب من (عف) ورواية البخاري المتقدمة عن ابن عباس.
(٣) ذكر ابن حجر أن مسعود كان يقرأ يطوّقونه (فتح الباري ٨/ ١٨٠).
(٤) ذكر البخاري تعليقًا في صحيحه، التفسير، باب ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، قبل حديث رقم ٤٥٠٥.
(٥) مسند أبي يعلى ٧/ ٢٠٤ (ح ٤١٩٤)، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح ولكنه منقطع (مجمع الزوائد ٣/ ١٦٤) والانقطاع هو بين أيوب وأنس، فقد ذكر ابن حبان أنه لا يصح أيوب من أنس (المقصد العلي ح ٥١٤). ولا يضر هذا الانقطاع لأن الحافظ بن كثير أشار إلى رواية عبد بن حميد، من حديث ستة من أصحاب أن وفي ذلك متابعة، والإسناد صحيح إذ توبع أيوب بواسطة النضر بن أنس وحُميد الطويل وثابت البناني ذكر ذلك ابن حجر بروايات مسندة (انظر: تغليق التعليق ٤/ ١٧٧ - ١٧٨).
(٦) الزيادة من (عف) و(ح) و(حم).
(٧) في الأصل: "من" والتصويب من (ح) و(عف) و(حم).
[ ٢ / ٥٧ ]
قال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عمران أبو العوام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة - يعني: ابن الأسقع -: أن رسول الله ﷺ قال: "أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، [وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان] (^١) وأنزل الله القرآن: لأربع وعشرين خلت من رمضان" (^٢).
وقد روي من حديث جابر بن عبد الله وفيه: أن الزبور نزل لاثنتي عشرة خلت من رمضان، والإنجيل لثماني عشرة، والباقي كما تقدم، رواه ابن مردويه (^٣).
وأما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل، فنزل كل منها على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة، وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، وكان ذلك في شهر رمضان في ليلة القدر منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ [القدر] وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣] ثم نزل بعد مفرقًا بحسب الوقائع على رسول الله ﷺ، هكذا روي من غير وجه عن ابن عباس، كما قال إسرائيل عن السدي، عن محمد بن أبي المجالد، عن مقسم، عن ابن عباس: أنه سأل عطية بن الأسود فقال: وقع في قلبي الشك، قول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ وقد أنزل في شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي المحرم، وصفر، وشهر ربيع، فقال ابن عباس: إنه أنزل في رمضان في ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم ترتيلًا في الشهور والأيام، رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه وهذا لفظه (^٤).
وفي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى سماء الدنيا، فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على رسول الله ﷺ في عشرين سنة لجواب كلام الناس (^٥). وفي رواية عكرمة عن ابن عباس، قال: نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر، إلى هذه السماء الدنيا جملة واحدة، وكان الله يحدث لنبيه ما شاء ولا يجيء المشركون بمثل يخاصمون به إلا جاءهم الله بجوابه، وذلك قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان] (^٦).
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) ورواية المسند.
(٢) المسند ٤/ ١٠٧، وحسنه السيوطي (فيض القدير شرح الجامع الصغير ٣/ ٥٧)، والألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٥٧٥).
(٣) أخرجه أبو يعلى الموصل عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن عبيد الله، عن أبي مليح، عن جابر به (المسند ٤/ ١٣٥ ح ٢١٩٠)، وفي سنده سفيان بن وكيع فيه مقال، وعبيد الله هو ابن أبي حميد متروك فالإسناد ضعيف جدًّا.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل به، وسنده حسن.
(٥) أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا عن سعيد بن جبير به.
(٦) سورة الفرقان آية ٣٢، ٣٣، والأثر أخرجه الطبري من طريق داود، عن عكرمة به مختصرًا، وداود إن كان بن الحصين فالسند ضعيف، وإن كان ابن أبي هند فالسند حسن.
[ ٢ / ٥٨ ]
وقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾ أي: دلائل وحجج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، والرشد المخالف للعمي، ومفرقًا بين الحق والباطل والحلال والحرام.
وقد روي عن بعض السلف: أنه كره أن يقال: إلا شهر رمضان، ولا يقال: رمضان. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بكار بن الريان، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي وسعيد - هو المقبري - عن أبي هريرة قال: لا تقولوا: رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا: شهر رمضان (^١).
قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن مجاهد ومحمد بن كعب نحو ذلك، ورخص فيه ابن عباس وزيد بن ثابت (^٢).
(قلت): أبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن المدني إمام المغازي والسير، ولكن فيه ضعف، وقد رواه ابنه محمد عنه فجعله مرفوعًا عن أبي هريرة، وقد أنكره عليه الحافظ ابن [عدي] (^٣) وهو جدير بالإنكار، فإنه متروك، وقد وهم في رفع هذا الحديث، وقد انتصر البخاري ﵀ في كتابه لهذا فقال: باب يقال: رمضان. وساق أحاديث [في ذلك] (^٤) منها: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه" (^٥)، ونحو ذلك.
وقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ هذا إيجاب حتم على من شهد استهلال الشهر، أي: كان مقيمًا في البلد حتى دخل شهر رمضان، وهو صحيح في بدنه أن يصوم لا محالة، ونسخت هذه الآية الإباحة المتقدمة لمن كان صحيحًا مقيمًا أن يفطر ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم كما تقدم بيانه.
ولما حتّم الصيام أعاد ذكر الرخصة للمريض وللمسافر أن يفطر بشرط القضاء، فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ معناه: ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه أو يؤذيه، أو كان على سفر؛ أي في حالة السفر، فله أن يفطر، فإذا أفطر فعليه عدة ما أفطره في السفر من الأيام، ولهذا قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ أي: إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض والسفر مع تحتمه في حق المقيم الصحيح تيسيرًا عليكم ورحمة بكم.
وههنا مسائل تتعلق بهذه الآية:
(إحداها): أنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أن من كان مقيمًا في أول الشهر ثم سافر في
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم سندًا ومتنًا وفي سنده أبو معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن ضعيف مختلط (التقريب ٢/ ٢٩٨).
(٢) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم من غير إسناد ورواية مجاهد أخرجها الطبري بسند صحيح من طريق سفيان عن مجاهد.
(٣) في الأصل بياض ومثبت من (عف) و(ح).
(٤) الزيادة من (عف) و(ح).
(٥) صحيح البخاري، الإيمان، باب صوم رمضان احتسابًا (ح ٣٨).
[ ٢ / ٥٩ ]
أثنائه، فليس له الإفطار بعذر السفر والحالة هذه لقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وإنما يباح الإفطار لمسافر استهلّ الشهر وهو مسافر، وهذا القول غريب، نقله أبو محمد بن حزم في كتابه المحلى عن جماعة من الصحابة والتابعين (^١)، وفيما حكاه عنهم نظر، والله أعلم، فإنه قد ثبتت السنّة عن رسول الله ﷺ أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح، فسار حتى بلغ "الكديد" ثم أفطر، وأمر الناس بالفطر. أخرجه صاحبا الصحيح (^٢).
(الثانية): ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر لقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
والصحيح قول الجمهور: أن الأمر في ذلك على التخيير وليس بحتم، لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان، قال: فمنّا الصائم ومنّا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم، فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر عليهم الصيام، بل الذي ثبت من فعل رسول الله ﷺ أنه كان في مثل هذه الحالة صائمًا لما ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ[في شهر رمضان] (^٣) في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة (^٤).
(الثالثة): قالت طائفة - منهم الشافعي: - الصيام في السفر أفضل من الإفطار لفعل النبي ﷺ كما تقدم.
وقالت طائفة: بل الإفطار أفضل أخذًا بالرخصة ولما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الصوم في السفر، فقال: "من أفطر فحسن، ومن صام فلا جناح عليه" (^٥). وقال في حديث آخر: "عليكم برخصة الله التي رخص لكم" (^٦).
وقالت طائفة: هما سواء لحديث عائشة أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: يا رسول الله، إني كثير الصيام أفأصوم في السفر؟ فقال: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر" وهو في الصحيحين (^٧).
وقيل: إن شق الصيام فالإفطار أفضل، لحديث جابر: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا قد ظلل عليه فقال: "ما هذا؟ " قالوا: صائم، فقال: "ليس من البر الصيام في السفر" أخرجاه (^٨).
_________________
(١) ينظر: المحلى ٦/ ٢٥٩.
(٢) أخرجه البخاري، الصحيح، الصوم، باب لم يعب أصحاب النبي ﷺ بعضهم بعضًا في الصوم (ح ١٩٤٧) ومسلم في الصحيح، الصيام باب أجر المفطر في السفر (ح ١١١٩).
(٣) سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) والصحيحين.
(٤) صحيح البخاري، الصوم، باب ٣٥ (ح ١٩٤٥) وصحيح مسلم، الصيام، (ح ١١٢٢).
(٥) أخرجه مسلم من حديث حمزة بن عمرو الأسلمي، الصحيح، الصيام، باب التخيير في الصوم، والفطر في السفر (ح ١١٢١ م).
(٦) أخرجه مسلم من حديث جابر، الصحيح، الصيام، باب الصوم والفطر في شهر رمضان بعد حديث (١١١٥) بحديثين.
(٧) أخرجه البخاري، الصحيح، الصوم، باب الصوم في السفر (ح ١٩٤٣) وصحيح مسلم الصيام، باب التخيير في الصوم والفطر (ح ١١٢١).
(٨) صحيح البخاري، الصوم، باب ليس من البر الصوم في السفر (ح ١٩٤٦)، وصحيح مسلم، الصيام (ح ١١١٥).
[ ٢ / ٦٠ ]
فأما إن رغب عن السنّة ورأى أن الفطر مكروه إليه، فهذا يتعين عليه الإفطار، ويحرم عليه الصيام، والحالة هذه لما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره عن ابن عمر وجابر وغيرهما: "من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة" (^١).
(الرابعة): القضاء هل يجب متتابعًا أو يجوز فيه التفريق؟ فيه قولان:
(أحدهما): أنه يجب التتابع، لأن القضاء يحكي الأداء.
(والثاني): لا يجب التتابع بل إن شاء فرق وإن شاء تابع، وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر، فأما بعد انقضاء رمضان، فالمراد صيام أيام عدة ما أفطر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا [أبو] (^٢) هلال، عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي قتادة، عن الأعرابي الذي سمع النبي ﷺ يقول: "إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره" (^٣).
وقال أحمد أيضًا: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عاصم بن هلال، حدثنا [غاضرة] (^٤) بن عروة الفقيمي، حدثني أبي - عروة - قال: كنا ننتظر النبي ﷺ فخرج يقطر رأسه من وضوء أو غسل، فصلى، فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه: علينا حرج في كذا؟ فقال رسول الله ﷺ: "إن دين الله في يسر" ثلاثًا يقولها (^٥).
ورواه الإمام أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث مسلم بن إبراهيم، عن عاصم بن هلال به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة قال: قال أبو التياح: سمعت أنس بن مالك يقول: إن رسول الله ﷺ قال: "يسّروا ولا تعسّروا وسكِّنوا ولا تنفّروا" أخرجاه في الصحيحين (^٦). وفي الصحيحين أيضًا: أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن: "بشّرا ولا تنفّرا، ويسّرا ولا تعسّرا، وتطاوعا ولا تختلفا" (^٧).
وفي السنن والمسانيد: أن رسول الله ﷺ قال: "بُعثت بالحنيفية السمحة" (^٨).
_________________
(١) أخرجه أحمد من حديث ابن عمر (المسند ح ٥٣٩٢)، وفي سنده ابن لهيعة وضعفه الألباني في ضعف الجامع الصغير ٥/ ٢٥٠.
(٢) في الأصل: "ابن" والتصويب من رواية المسند ونسخة (عف) و(حم).
(٣) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٧٩)، ورجاله ثقات إلا أبا هلال وهو محمد بن سليم الراسبي: صدوق فيه لين (التقريب ٢/ ١٦٦)، والرواية التالية وشواهدها تقويه إلى درجة الحسن.
(٤) في الأصل: "عناضرة" والتصويب من رواية المسند و(عف) و(ح).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/ ٦٩، وفي إسناده عاصم بن هلال فيه لين كما في التقريب.
(٦) المسند ٣/ ٢٠٩، وأخرجه البخاري، الصحيح، العلم، باب العلم قبل القول والعمل (ح ٦٩)، وصحيح مسلم (ح ١٧٣٤).
(٧) صحيح البخاري، المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن (ح ٤٣٤١)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب الأمر بالتيسر (ح ١٧٣٣).
(٨) أخرجه الإمام أحمد من حديث عائشة (المسند ٤١/ ٣٤٩ ح ٢٤٨٥٥) وسنده حسن.
[ ٢ / ٦١ ]
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا أبو مسعود الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن محجن بن الأدرع: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي فتراءاه ببصره ساعة، فقال: "أتراه يصلي صادقًا؟ " قال: قلت: يا رسول الله، هذا أكثر أهل المدينة صلاة، فقال رسول الله ﷺ: "لا تسمعه فتهلكه"، وقال: "إن الله إنما أراد بهذه الأُمة اليسر ولم يرد بهم العسر" (^١).
ومعنى قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أي: إنما أرخص (^٢) لكم في الإفطار للمرض والسفر ونحوهما من الأعذار لإرادته بكم اليسر وإنما أمركم بالقضاء لتكملوا عدة شهركم.
وقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أي: ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم، كما قال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، [وقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء]] (^٣). وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ [الجمعة]، وقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾ [ق]. ولهذا جاءت السنّة باستحباب التسبيح والتحميد والتكبير بعد الصلوات المكتوبات. وقال ابن عباس: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير.
ولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الآية: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إلى وجوبه في عيد الفطر لظاهر الأمر في قوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة ﵀ أنه لا يشرع التكبير في عيد الفطر، والباقون على استحبابه على اختلاف في تفاصيل بعض الفروع بينهم.
وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته بأداء فرائضه وترك محارمه وحفظ حدوده فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك.
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن عبدة بن أبي برزة السجستاني، عن الصلت بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده، أن أعرابيًا قال: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي ﷺ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ إذا أمرتهم أن
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند ١/ ٣١٢، والبخاري في الأدب المفرد (ح ٣٤١) كلاهما من طريق عبد الله بن شقيق به، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٢٦٠) وذكره في السلسلة الصحيحة (ح ١٦٣٥).
(٢) كذا في (عف) و(ح) وفي الأصل: "رخص" وكلاهما صحيح.
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح).
[ ٢ / ٦٢ ]
يدعوني فدعوني استجبت لهم (^١).
ورواه ابن جرير عن محمد بن حميد الرازي، عن جرير به] (^٢).
ورواه ابن مردويه وأبو الشيخ الأصبهاني من حديث محمد بن أبي حميد عن جرير به (^٣).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا جعفر بن سليمان، عن عوف، عن الحسن قال: سأل أصحاب رسول الله ﷺ النبي ﷺ: أين ربنا؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية (^٤).
وقال ابن جريج، عن عطاء أنه بلغه لما نزلت ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قال الناس: لو نعلم أي ساعة ندعو؟ فنزلت ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (^٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، حدثنا خالد الحذاء، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى الأشعري، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة، فجعلنا لا نصعد شرفًا ولا نعلو شرفًا ولا نهبط واديًا، إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، قال: فدنا منّا، فقال: "يا أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، يا عبد الله بن قيس، ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله" أخرجاه في الصحيحين (^٦) وبقية الجماعة من حديث أبي عثمان النهدي واسمه: عبد الرحمن بن [مُلِ عنه] (^٧) بنحوه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا شعبة، حدثنا قتادة، عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني" (^٨).
وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله، أنبأنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثنا إسماعيل بن عبيد الله، عن كريمة بنت حسحاس [المزنية] (^٩)، قالت: حدثنا أبو
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم سندًا ومتنًا وفي سنده عبده بن أبي برزة سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٦/ ٩٠) والصلت: مجهول (الجرح ٤/ ٤٤١، ولسان الميزان ٣/ ١٩٥).
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) وهو في تفسير ابن جرير الطبري بهذا الإسناد دون ذكر المتن (ح ٢٩٠٤).
(٣) وهذا الطريق فيه العلل المتقدمة في سند ابن أبي حاتم.
(٤) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده مرسل.
(٥) أخرجه الطبري من طريق سنيد عن حجاج، عن ابن جريج به، وسنيد فيه مقال وعطاء رواه بلاغًا.
(٦) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤٠٢)، والبخاري في صحيحه، الجهاد، باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير (ح ٢٩٩٢)، ومسلم في صحيحه، الذكر والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر (ح ٢٧٠٤).
(٧) في الأصل بياض واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).
(٨) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤٠٢)، وأخرجه البخاري من طريق شعبة به (الصحيح، التوحيد، باب ذكر النبي ﷺ ح ٧٥٣٦).
(٩) في الأصل: "المدنية" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).
[ ٢ / ٦٣ ]
هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه" (^١).
(قلت): وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل]، وقوله لموسى وهارون ﵉: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. والمراد من هذا أنه تعالى لا يخيب دعاء داع، ولا يشغله عنه شيء، بل هو سميع الدعاء، ففيه ترغيب في الدعاء، وأنه لا يضيعه لديه تعالى، كما قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا رجل: أنه سمع أبا عثمان هو النهدي، يحدث عن سلمان - يعني الفارسي ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرًا فيردهما خائبتين" - قال يزيد: سموا لي هذا الرجل، فقالوا: جعفر بن ميمون - (^٢). وقد رواه أبو داود (^٣) والترمذي (^٤) وابن ماجه (^٥) من حديث جعفر بن ميمون صاحب الأنماط به، وقال الترمذي: حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه. قاله الشيخ الحافظ أبو الحجاج المزي ﵀ في أطرافه، وتابعه أبو همام محمد بن الزبرقان، عن سليمَان التيمي، عن أبي عثمان النهدي به (^٦).
وقال أحمد أيضًا: حدثنا أبو عامر، حدثنا علي بن داؤود أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم يدعو الله ﷿ بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الأخرى، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها" قالوا: إذًا نكثر؟ قال: "الله أكثر" (^٧).
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن منصور الكوسج، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا [ابن] (^٨) ثوبان عن أبيه، عن مكحول، عن جُبير بن نفير أن عبادة بن الصامت حدثهم أن النبي ﷺ قال: "ما على ظهر الأرض من رجل مسلم يدعو الله ﷿ بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو كفَّ عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة" (^٩).
_________________
(١) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٦/ ٥٧٢ ع ٩٧٦)، وصححه محققوه وأخرجه وعلقه البخاري في صحيحه، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦]، ووصله في كتاب: خلق أفعال العباد من طريق عبد الرحمن بن يزيد به (ح ٤٣٦)، وأخرجه الحاكم من طريق إسماعيل به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٦٩).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٣٨)، ورجاله ثقات إلا جعفر بن ميمون صدوق يخطئ (كما في التقريب)، وقد توبع كما سيأتي وسنده حسن.
(٣) السنن، الصلاة، باب الدعاء (ح ١٤٨٨).
(٤) السنن، الدعوات، باب ١٠٥ (ح ٣٥٥٦).
(٥) السنن، الدعاء، باب رفع اليدين في الدعاء (ح ٣٨٦٥).
(٦) تحفة الأشراف ٤/ ٢٩.
(٧) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٨)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (ح ٧١٠) وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٥٤٧)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٩٣).
(٨) في الأصل: "أبو "والتصويب من رواية المسند ونسخة (عف) و(ح).
(٩) أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائده على المسند بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٢٩)، وفي سنده ابن ثوبان وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان: صدوق يخطئ وتغير بآخره ويشهد له سابقه.
[ ٢ / ٦٤ ]
ورواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن ابن ثوبان وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان به، وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
وقال الإمام مالك، عن ابن شهاب، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي" (^١).
أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به (^٢)، وهذا لفظ البخاري ﵀ وأثابه الجنة.
وقال مسلم أيضًا: حدثني أبي الطاهر، حدثنا أبو وهب، أخبرني معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل" قيل: يا رسول الله، وما الاستعجال؟ قال: "يقول: قد دعوت وقد دعوت، فلم أرَ يستجاب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع (^٣) الدعاء" (^٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو هلال، عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل" قالوا: وكيف يستعجل؟ قال: "يقول: قد دعوت ربي فلم يستجب لي" (^٥).
وقال الإمام أبو جعفر الطبري في تفسيره: حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر أن يزيد بن عبد الله بن قسيط حدثه عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، أنها قالت: ما من عبد مؤمن يدعو الله بدعوة فتذهب حتى تعجل له في الدنيا أو تدخر له في الآخرة إذا هو لم يعجل أو يقنط. قال عروة: قلت: يا أماه كيف عجلته وقنوطه؟ قالت: يقول: سألت فلم أُعطَ، ودعوت فلم أجب. قال ابن قسيط: وسمعت سعيد بن المسيب يقول كقول عائشة سواء (^٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا بكر بن عمرو، عن أبي عبد الرحمن الحبلى، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: "القلوب أوعية، وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله أيها الناس، فاسألوه وأنتم موقنون (^٧) بالإجابة، فإنه لا يستجيب لعبد دعاه
_________________
(١) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه في موطئه، كتاب القرآن، باب ما جاء في الدعاء (ح ٢٩).
(٢) صحيح البخاري، الدعوات، باب يستجاب للعبد ما لم يعجل (ح ٦٨٤٠)، وصحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل (ح ٢٧٣٥).
(٣) في الأصل: ويترك، والمثبت من (عف) و(ح)، وصحيح مسلم الذكر والدعاء (ح ٢٧٣٥) وما ورد في الأصل بالمعنى.
(٤) صحيح مسلم، الذكر والدعاء (ح ٢٧٣٥).
(٥) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٩٣)، قال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه والبزار والطبراني في الأوسط، وفيه أبو هلال الراسبي وهو ثقة وفيه خلاف، وبقية رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠/ ١٤٧)، ويشهد له ما تقدم في الصحيحين من حديث أبي هريرة.
(٦) لم أجده في تفسير الطبري في جميع الطبعات، وهذا يدل أن ابن كثير نقل ذلك من نسخة فيها زوائد على النسخ المعتمدة في تحقيق تفسير الطبري. ويشهد له ما تقدم في الصحيحين من حديث أبي هريرة.
(٧) في الأصل: "مؤمنون" والمثبت من (عف) و(ح).
[ ٢ / ٦٥ ]
عن ظهر قلب غافل" (^١).
وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إسحاق بن أيوب، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن أبي نافع بن معدي كرب ببغداد، حدثني أبي بن نافع، حدثني أبي - نافع بن معدي كرب -، قال: كنت أنا وعائشة سألت رسول الله ﷺ عن آية: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ قال: "يا رب: مسألة عائشة" فهبط جبريل فقال: "الله يقرؤك السلام هذا عبدي الصالح بالنية الصادقة وقلبه نقي يقول: يا رب. فأقول: لبيك فأقضي حاجته" وهذا حديث غريب من هذا الوجه (^٢).
وروى ابن مردويه من حديث الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس، حدثني جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم أمرت بالدعاء وتوكلت بالإجابة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، أشهد أنك فرد أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وأشهد أن وعدك حق، ولقاءك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنت تبعث من في القبور" (^٣).
وقال الحافظ أبو بكر البزار: وحدثنا الحسن بن يحيى الأزدي ومحمد بن يحيى القطعي (^٤)، قالا: حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا صالح المري، عن الحسن، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "يقول الله تعالى: يا ابن آدم واحدة لك وواحدة لي وواحدة فيما بيني وبينك، فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئًا، وأما التي لك فما عملت من شيء وفيتكه، وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعليَّ الإجابة" (^٥).
وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام، إرشاد إلى اجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر، كما رواه الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا أبو محمد المليكي عن عمرو، هو ابن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة"، فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا (^٦).
وقال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في سننه: حدثنا هشام بن عمار، أخبرنا الوليد بن مسلم، عن [إسحاق بن عبيد الله المدني] (^٧)، عن عبيد الله بن أبي مُليكة، عن عبد الله بن عمرو،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٢٣٥ ح ٦٦٥٥)، وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ١٠/ ١٤٨، والمنذري في الترغيب ٢/ ٤٩١).
(٢) ووجه الغرابة بل النكارة في قوله: يا ربِّ مسألة عائشة.
(٣) في سنده الكلبي وقد صرح بأن ما رواه عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب. كما في ترجمته في تهذيب التهذيب.
(٤) كذا في (عف) وفي الأصل: "النطعي"، وفي (ح): "المقطعي".
(٥) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ١٩) وفي سنده صالح المري وهو ضعيف (التقريب ص ٢٧١).
(٦) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه المسند (ح ٢٢٦٢).
(٧) في الأصل: إسحاق بن عبد الله المدني وكذا في (ح) و(عف) و(حم) والتصويب من رواية ابن ماجه ومن ترجمته إذ ذكره ابن حجر مع الحديث المروي نفسه (تهذيب التهذيب ١/ ٢٤٣).
[ ٢ / ٦٦ ]
قال: قال النبي ﷺ: "إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد". قال عبيد الله بن أبي مُليكة: سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي (^١).
وفي مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم، يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة وتفتح لها أبواب السماء، يقول: بعزتي لأنصرنّك ولو بعد حين" (^٢).
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾.
هذه رخصة من الله تعالى للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة، فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة، والرفث هنا هو: الجماع، قاله ابن عباس (^٣) وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وطاوس وسالم بن عبد الله وعمرو بن دينار والحسن وقتادة والزهري والضحاك وإبراهيم النخعي والسدي وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان (^٤).
وقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ قال ابن عباس (^٥) ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان: يعني هنّ سكن لكم وأنتم سكن لهن (^٦).
وقال الربيع بن أنس: هنّ لحاف لكم وأنتم لحاف لهنَّ (^٧).
_________________
(١) السنن، الصوم، باب في الصائم لا ترد دعوته (ح ١٧٥٣) وقال البوصيري: إسناده صحيح وأخرجه الحاكم من طريق إسحاق به، وصححه وتردد الذهبي فقال: إن كان إسحاق مولى زائدة فقد روى له مسلم وإن كان ابن أبي فروة فواهٍ (المستدرك ١/ ٤٢٢)، بل جزم الحافظ ابن حجر بأنه ليس هذا ولا ذاك إذ قال: قلت: الذي رأيته في عدة نسخ من ابن ماجه: حدثنا إسحاق بن عبيد الله المدني (التهذيب ١/ ٢٤٣).
(٢) أخرجه أحمد (المسند ١٥/ ٤٦٣ ح ٩٧٤٣) وصححه محققوه بطرقه وشواهده، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (ح ١٩٠١) وحسنه السيوطي في الجامع الصغير (انظر: فيض القدير ٣/ ٣٢٤)، وأخرجه الترمذي وحسنه (السنن، الدعوات، باب في العفو والعافية ح ٣٥٩٨).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.
(٤) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بدون سند، وأقوال مجاهد وسالم والسدي أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق طاوس عن ابن عباس.
(٦) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بدون سند، وأقوال مجاهد وقتادة والسدي أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع.
[ ٢ / ٦٧ ]
وحاصله: أن الرجل والمرأة كل منهما يخالط الآخر ويماسه ويضاجعه، فناسب أن يرخص لهم في المجامعة في ليل رمضان لئلا يشق ذلك عليهم ويحرجوا.
قال الشاعر (^١):
إذا ما الضجيع ثنى جيدها … تداعت فكانت عليه لباسا (^٢)
وكان السبب في نزول هذه الآية كما تقدم في حديث معاذ الطويل (^٣).
وقال أبو إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: كان أصحاب النبي ﷺ إذا كان الرجل صائمًا فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا (وكان يومه ذلك) (^٤) يعمل في أرضه، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، فغلبته عينه فنام، وجاءت امرأته، فلما رأته نائمًا قالت: خيبة لك أنمت؟ فلما انتصف النهار غشي عليه فذكر ذلك للنبي ﷺ، فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ ففرحوا بها فرحًا شديدًا (^٥).
ولفظ البخاري ههنا من طريق أبي إسحاق: سمعت البراء قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (^٦).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء، حرم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إن أناسًا من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ (^٧). وكذا روى العوفي عن ابن عباس (^٨).
وقال موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، قال: إن الناس كانوا قبل أن ينزل في الصوم ما نزل فيهم، يأكلون ويشربون ويحل لهم شأن النساء، فإذا نام أحدهم لم يطعم ولم يشرب ولا يأتي أهله حتى يفطر من القابلة، فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعدما نام ووجب عليه الصوم وقع على أهله، ثم جاء إلى النبي ﷺ فقال: أشكو إلى الله وإليك الذي صنعت. قال:
_________________
(١) الشاعر هو: نابغة بن جعدة، صرح بذلك الطبري (التفسير ٣/ ٤٩٠).
(٢) ذكره أبو عبيدة في مجاز القرآن ص ٦٧، وابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن ص ١٠٧.
(٣) تقدم في الآية ١٨٣ من هذه السورة.
(٤) في الأصل: "وذلك يومه ذاك" والتصويب من (عف).
(٥) أخرجه الطبري بإسناد ثابت من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به، وهو في صحيح البخاري مختصرًا كما سيأتي في الرواية التالية.
(٦) صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] (ح ٤٥٠٨).
(٧) أخرجه الطبري بسند ثابت عنه.
(٨) أخرجه الطبري وإن أبي حاتم بسند ضعيف عنه ويتقوى بسابقه.
[ ٢ / ٦٨ ]
"وما إذا صنعت؟ " قال: إني سوّلت لي نفسي، فوقعت على أهلي بعدما نمت، وأنا أريد الصوم، فزعموا أن النبي ﷺ قال: "ما كنت خليقًا أن تفعل "فنزل الكتاب: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (^١).
وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة في قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ - إلى قوله: - ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ قال: كان المسلمون قبل أن تنزل هذه الآية إذا صلوا العشاء الآخرة، حرم عليهم الطعام والشراب والنساء حتى يفطروا، وأن عمر بن الخطاب أصاب أهله بعد صلاة العشاء، وأن صرمة بن قيس الأنصاري غلبته عيناه بعد صلاة المغرب، فنام ولم يشبع من الطعام، ولم يستيقظ حتى صلى رسول الله ﷺ العشاء، فقام فأكل وشرب، فلما أصبح أتى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فأنزل الله عند ذلك: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (^٢). يعني بالرفث: مجامعة النساء ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾.
يعني: تجامعون النساء وتأكلون وتشربون بعد العشاء.
﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ يعني: جامعوهنّ ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني: الولد.
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فكان ذلك عفوًا من الله ورحمة.
وقال هشيم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: قام عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا رسول الله، إني أردت أهلي البارحة على ما يريد الرجل أهله، فقالت: إنها قد نامت فظننتها تعتل فواقعتها، فنزل في عمر: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (^٣). وهكذا رواه شعبة عن عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى به (^٤).
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني المثنى، حدثنا سويد، أخبرنا ابن المبارك، عن أبي لهيعة، حدثني موسى بن جبير مولى بني سلمة، أنه سمع عبد الله بن كعب بن مالك يحدث عن أبيه قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي ﷺ ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت: إني قد نمت، فقال: ما نمت، ثم وقع بها، وصنع كعب بن مالك مثل ذلك، فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي ﷺ فأخبره فأنزل الله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ …﴾ الآية (^٥). وهكذا روي عن مجاهد وعطاء
_________________
(١) سنده صحيح.
(٢) رجاله ثقات وسنده صحيح.
(٣) أخرجه الطبري من طريق حصين به، ويشهد له ما سبق من الروايات.
(٤) أخرجه الطبري من طريق شعبة به، ويشهد له ما سبق من الروايات.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام أحمد من طريق ابن المبارك به (المسند ٢٥/ ٨٦ ح ١٥٧٩٥) وسنده حسن لأن ابن لهيعة يروي عن عبد الله بن المبارك وروايته عنه قبل احتراق كتب ابن لهيعة. وحسنه محققو المسند، ويشهد له ما سبق من الروايات.
[ ٢ / ٦٩ ]
وعكرمة وقتادة وغيرهم في سبب نزول هذه الآية في عمر بن الخطاب ومن صنع كما صنع، وفي صرمة بن قيس، فأباح الجماع والطعام والشراب في جميع الليل رحمة ورخصة ورفقًا (^١).
وقوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. قال أبو هريرة وابن عباس (^٢) وأنس وشريح القاضي ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء والربيع بن أنس والسدي وزيد بن أسلم والحكم بن عتبة ومقاتل بن حيان والحسن البصري والضحاك وقتادة وغيرهم (^٣): يعني: الولد.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني: الجماع (^٤).
وقال عمرو بن مالك النكري: عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال: ليلة القدر، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٥).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، قال: قال قتادة: ابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم، وقال سعيد عن قتادة: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يقول: ما أحل الله لكم (^٦).
وقال عبد الرزاق أيضًا: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قلت لابن عباس: كيف تقرأ هذه الآية: ﴿وَابْتَغُوا﴾ أو اتبعوا؟ قال: أيتهما شئت، عليك بالقراءة الأولى (^٧).
واختار ابن جرير أن الآية أعم من هذا كله (^٨).
وقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ أباح تعالى الأكل والشرب مع ما تقدم من إباحة الجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل، وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود، ورفع اللبس بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أبو عبد الله البخاري: حدثني ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف، حدثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعده: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فعلموا أنه يعني: الليل والنهار (^٩).
_________________
(١) ذكر ابن أبي حاتم هذه الرواية عن هؤلاء التابعين وغيرهم بغير إسناد، ورواياتهم مراسيل يقوي بعضها بعض.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه عبد الله بن خراش وهو ضعيف، وبعضهم كذبه (التقريب ١/ ٤١٢) وأخرجه الطبري من طريق عطية العوفي عن ابن عباس وسنده ضعيف أيضًا ويتقوى بالآثار التي تليه.
(٣) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم من غير سند، وأما أقوال مجاهد والحسن والربيع بن أنس والسدي فقد أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري والإمام أحمد في العلل ص ٤٠٢ كلهم من طريق عمرو بن مالك وهو النكري صدوق له أوهام كما في التقريب، وأخشى أن تكون هذه الرواية من أوهامه.
(٦) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح.
(٧) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح.
(٨) التفسير ٣/ ٥٠٩.
(٩) أخرجه البخاري بسنده ومتنه في صحيحه، التفسير، باب ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا …﴾ [البقرة: ١٨٧] (ح ٤٥١١).
[ ٢ / ٧٠ ]
وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، عن الشعبي، أخبرني عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ عمدت إلى عقالين: أحدهما أسود والآخر أبيض، قال: فجعلتهما تحت وسادتي، قال: فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله فأخبرته بالذي صنعت، فقال: "إن وسادك إذًا لعريض إنما ذلك بياض النهار من سواد (^١) الليل" (^٢). أخرجاه في الصحيحين من غير وجه عن عدي (^٣).
ومعنى قوله: إن وسادك إذًا لعريض؛ أي: إن كان ليسع لوضع الخيط الأسود والأبيض المرادين من هذه الآية تحتها، فإنهما بياض النهار وسواد الليل، فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب، وهكذا وقع في رواية البخاري مفسرًا بهذا، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة عن حصين، عن الشعبي، عن عدي، قال: أخذ عدي عقالًا أبيض وعقالًا أسود، حتى كان بعض الليل نظر فلم يستبينا، فلما أصبح قال: يا رسول الله جعلت تحت وسادتي، قال: "إن وسادك إذًا لعريض، إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك" (^٤).
وجاء في بعض الألفاظ: "إنك لعريض القفا" ففسّره بعضهم بالبلادة (^٥)، وهو ضعيف، بل يرجع إلى هذا لأنه إذا كان وساده عريضًا فقفاه أيضًا عريض، والله أعلم. ويفسره رواية البخاري أيضًا حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن مطرف، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أهما الخيطان؟ قال: "إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين"، ثم قال: "لا بل هو سواد الليل وبياض النهار" (^٦).
وفي إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر دليل على استحباب السحور، لأنه من باب الرخصة والأخذ بها محبوب، ولهذا وردت السنّة الثابتة عن رسول الله ﷺ. بالحث على السحور. ففي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "تسحروا فإن في السحور بركة" (^٧).
وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر" (^٨).
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى هو: ابن الطباع، حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن
_________________
(١) في الأصل: "وسواد" والتصويب من (عف) والتخريج.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٧٧ والعلل ص ٣٢٤)، وأخرجه الشيخان من طريق حصين به (صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧] ح ٤٥٠٩)، وصحيح مسلم، الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (ح ١٠٩٠).
(٣) انظر: صحيح البخاري (ح ٤٥١٠).
(٤) صحيح البخاري (ح ٤٥٠٩).
(٥) وهو في الكشاف للزمخشري، ولا يليق بمقام صحابي.
(٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه في صحيحه، تفسير سورة البقرة (ح ٤٥١٠).
(٧) صحيح البخاري، الصوم، باب بركة السحور (ح ١٩٢٣) وصحيح مسلم، الصيام، باب فضل السحور (ح ١٠٩٥).
(٨) صحيح مسلم الباب السابق (ح ١٠٩٦).
[ ٢ / ٧١ ]
أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: "السحور أكلة بركة فلا تدعوه، ولو أن أحدكم تجرع جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين" (^١).
وقد ورد في الترغيب في السحور أحاديث كثيرة حتى ولو بجرعة ماء تشبهًا بالآكلين، ويستحب تأخيره إلى وقت انفجار الفجر، كما جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك، عن زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ ثم قمنا إلى الصلاة، قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية (^٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن سالم بن غيلان، عن سليمان بن أبي عثمان، عن عدي بن حاتم الحمصي، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخّروا السحور" (^٣).
وقد ورد في أحاديث كثيرة أن رسول الله ﷺ سماه: الغذاء المبارك.
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من رواية حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زرِّ بن حُبيش، عن حذيفة، قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ، وكان النهار إلّا أن الشمس لم تطلع (^٤). وهو حديث تفرد به عاصم بن أبي النجود، قاله النسائي (^٥). وحمله على أن المراد: قرب النهار.
كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] أي: قاربن انقضاء العدة فإما إمساك بمعروف أو ترك للفراق، وهذا الذي قاله هو المتعين حمل الحديث عليه أنهم تسحروا ولم يتيقنوا طلوع الفجر، حتى إن بعضهم ظن طلوعه وبعضهم لم يتحقق ذلك، وقد روي عن طائفة كثيرة من السلف، أنهم تسامحوا في السحور عند مقاربة الفجر، روي مثل هذا عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت، وعن طائفة كثيرة من التابعين منهم: محمد بن علي بن الحسين وأبو مجلز وإبراهيم النخعي وأبو الضحى وأبو وائل وغيره من أصحاب ابن مسعود وعطاء والحسن والحكم بن عيينة ومجاهد وعروة بن الزبير وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وإليه ذهب الأعمش ومعمر بن راشد (^٦)، وقد حررنا أسانيد ذلك في كتاب الصيام المفرد، ولله الحمد.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٧/ ٤٨٥ ح ١١٣٩٦) وصححه محققوه بشواهده ويشهد له سابقه.
(٢) صحيح البخاري، الصوم، باب قدر كم بين السحور وصلاة الفجر؟ (ح ١٩٢١) وصحيح مسلم، الصيام، الباب السابق (ح ١٠٩٧).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٤٧) وصححه الألباني في إرواء الغليل (٧/ ١٣٦).
(٤) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٣٨/ ٣٨٢ ح ٢٣٣٦١)، والنسائي (السنن، الصيام، باب تأخير السحور ح ٢١٥٢)، وابن ماجه (السنن الكبرى، الصيام، باب تأخير السحور ح ٢٤٧٣)، كلهم من طريق عاصم بن بهدلة به، وفي سنده عاصم صدوق له أوهام. وقد تفرد به، وقد خولف في رفعه فقد أخرجه النسائي من طريق عدي عن زر موقوفًا (السنن الكبرى ح ٢٤٧٤).
(٥) قال النسائي: لا نعلم أحدًا رفعه غير عاصم (انظر: تحفة الأشراف ٣/ ٣٢).
(٦) ذكر بعض أقوالهم الطبري في تفسيره بالأسانيد وبعضها صحيح الإسناد كرواية ابن مسعود وحذيفة وأبي مجلز، وساق عن غيرهم أسانيد ضعيفة.
[ ٢ / ٧٢ ]
وحكى أبو جعفر بن جرير في تفسيره عن بعضهم أنه إنما يجب الإمساك من طلوع الشمس كما يجوز الإفطار بغروبها.
(قلت): وهذا القول ما أظن أحدًا من أهل العلم يستقر له قدم عليه، لمخالفته نص القرآن في قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وقد ورد في الصحيحين من حديث القاسم، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يمنعكم أذان بلال عن سحوركم، فإنه ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أُم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر" لفظ البخاري (^١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "ليس الفجر المستطيل في الأفق ولكن المعترض الأحمر" (^٢).
ورواه أبو داود والترمذي ولفظهما: "كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر" (^٣).
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن شيخ من بني قشير، سمعت سمرة بن جندب يقول: قال رسول الله ﷺ: "لا يغرنّكم نداء بلال وهذا البياض حتى ينفجر الفجر أو يطلع الفجر" (^٤).
ثم رواه من حديث شعبة وغيره، عن سوادة بن حنظلة، عن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكنه الفجر المستطير في الأفق".
قال: وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن عبد الله بن سوادة القشيري، عن أبيه، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يغرنَّكم أذان بلال ولا هذا البياض - لعمود (^٥) الصبح - حتى يستطير".
رواه مسلم في صحيحه عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن إبراهيم - هو ابن علية - مثله سواء (^٦).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا ابن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يمنعنَّ أحدكم أذان بلال عن سحوره، أو قال: نداء بلال، فإن بلالًا يؤذن - أو قال: ينادي - لينبه نائمكم وليرجع قائمكم، وليس
_________________
(١) أخرجاه من حديث ابن مسعود، صحيح البخاري، الصوم، باب قول النبي ﷺ: "لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال" (ح ١٩١٨) وصحيح مسلم، الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (ح ١٠٩٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه، وحسن سنده محققوه (المسند ٢٦/ ٢١٨ ح ١٦٢٩١).
(٣) سنن أبي داود، الصوم، باب وقت السحور (ح ٢٣٤٨)، وسنن الترمذي، الصوم باب ما جاء في بيان الفجر (ح ٧٠٥). قال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٢٠٥٨).
(٤) هذه الرواية لم ترد في طبعات تفسير الطبري كلها بل ورد من طريقين آخرين صرح باسم الشيخ من قشير وهو سوادة بن حنظلة عن سمرة. وهذا يدل أن الحافظ ابن كثير اطلع على نسخة فيها ما ليس في النسخ التي اعتمدت في التحقيق المنشور لتفسير الطبري.
(٥) في الأصل: "تعمدوا" والتصويب من (عف) و(حم) والتخريج.
(٦) أخرجه الطبري من طريق شعبة وأبي هلال عن سوادة عن سمرة، وسنده صحيح أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن سوادة به (الصحيح، الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر ح ١٠٩٤).
[ ٢ / ٧٣ ]
الفجر أن يقول هكذا وهكذا حتى يقول هكذا" (^١). ورواه من وجه آخر عن التيمي (^٢) به.
وحدثني الحسن بن الزبرقان النخعي، حدثني أبو أسامة، عن محمد بن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: "وإنما هو المستطير الذي يأخذ الأفق فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام (^٣) " (^٤).
وهذا مرسل جيد.
قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج عن عطاء، سمعت ابن عباس يقول: هما فجران، فأما الذي يسطع في السماء فليس يحل ولا يحرم شيئًا، ولكن الفجر الذي يستنير على رؤوس الجبال هو الذي يحرم الشراب، وقال عطاء: فأما إذا سطع سطوعًا في السماء، وسطوعه أن يذهب في السماء طولًا، فإنه لا يحرم به شراب الصائم ولا صلاة ولا يفوت به الحج، ولكن إذا انتشر على رؤوس الجبال، حرم الشراب للصيام وفات الحج (^٥).
وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس وعطاء، وهكذا روي عن غير واحد من السلف ﵏.
مسألة: ومن جَعلِه تعالى الفجر غاية لإباحة الجماع والطعام والشراب لمن أراد الصيام يستدل على أنه من أصبح جنبًا فليغتسل وليتم صومه ولا حرج عليه، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا، لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة وأم سلمة ﵄ أنهما قالتا: كان رسول الله ﷺ يصبح جنبًا من جماع غير احتلام، ثم يغتسل ويصوم. وفي حديث أم سلمة عندهما: ثم لا يفطر ولا يقضي (^٦). وفي صحيح مسلم عن عائشة، أن رجلًا قال: يا رسول الله، تدركني الصلاة وأنا جُنُب فأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ: "وأنا تدركني الصلاة وأنا جُنُب فأصوم". فقال: لست مثلنا يا رسول الله، فقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" (^٧).
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا نودي للصلاة صلاة الصبح وأحدكم جُنُب فلا يصم
_________________
(١) أخرجه مسلم من حديث أبي مسعود، الصحيح، الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (ح ١٠٩٣). معنى: "ليرجع قائمكم" أي وفي حاشيته: لينام غفوة ليصبح نشيطًا أو ليتأهب للصبح.
(٢) أي رواه مسلم، صحيحه فيما بعد (ح ١٠٩٣).
(٣) في الأصل: "الصيام" والتصويب من (عف) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه ورواه الحاكم موصولًا من طريق ابن ثوبان عن جابر مرفوعًا وصححه (المستدرك ١/ ١٩١) وصرح البيهقي أن الأصح إرساله (السنن الكبرى ١/ ٣٧٧) وقد حكم الحافظ ابن كثير بأنه مرسل جيد كما هو أعلاه.
(٥) رواية عبد الرزاق لم أجدها في تفسيره ولا في تفسيري الطبري وابن أبي حاتم، وقد صححه الحافظ ابن كثير وكفى.
(٦) صحيح البخاري، الصوم، باب الصائم يصبح جنبًا (ح ١٩٢٥، ١٩٢٦) وصحيح مسلم، الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب (ح ١١٠٩).
(٧) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ١١١٠).
[ ٢ / ٧٤ ]
يومئذ" (^١)، فإنه حديث جيد الإسناد على شرط الشيخين كما ترى، وهو في الصحيحين عن أبي هريرة، عن [الفضل بن عباس، عن النبي ﷺ (^٢).
وفي سنن النسائي عنه عن أُسامة بن زيد و] (^٣) الفضل بن عباس ولم يرفعه (^٤): فمن العلماء من علّل هذا الحديث بهذا، ومنهم من ذهب إليه، ويحكى هذا عن أبي هريرة وسالم وعطاء وهشام بن عروة والحسن البصري، ومنهم من ذهب إلى التفرقة بين أن يصبح جنبًا نائمًا فلا عليه، لحديث عائشة وأم سلمة، أو مختارًا فلا صوم له، لحديث أبي هريرة، يحكى هذا عن عروة وطاوس والحسن، ومنهم من فرّق بين الفرض فيتم فيقضيه، وأما النفل فلا يضره، رواه الثوري عن منصور، عن إبراهيم النخعي وهو رواية عن الحسن البصري أيضًا.
ومنهم من ادعى نسخ حديث أبي هريرة بحديثي عائشة وأُم سلمة، ولكن لا تاريخ معه، وادعى ابن حزم أنه منسوخ بهذه الآية الكريمة، وهو بعيد أيضًا إذ لا تاريخ بل الظاهر من التاريخ خلافه.
ومنهم من حمل حديث أبي هريرة على نفي الكمال فلا صوم له، لحديث عائشة وأم سلمة الدالين على الجواز، وهذا المسلك أقرب الأقوال وأجمعها، والله أعلم.
﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ يقتضي الإفطار عند غروب الشمس حكمًا شرعيًا، كما جاء في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أقبل الليل من ههنا، وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم" (^٥).
وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" أخرجاه أيضًا (^٦). وقال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثنا قُرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: "يقول الله ﷿: إن أحبَّ عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا" (^٧).
ورواه الترمذي من غير وجه عن الأوزاعي به، وقال: هذا حديث حسن غريب (^٨).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٣/ ٤٩٠ ح ٣١٤) وسنده صحيح.
(٢) انظر تخريجه قبل الحديثين السابقين.
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٤) سرد النسائي طرق الحديث مرفوعًا وموقوفًا (السنن الكبرى، صيام من أصبح جنبًا ح ٢٩٣٦، ٣٠١٤).
(٥) صحيح البخاري، الصوم، باب متى يحل فطر الصائم (ح ١٩٥٤)، وصحيح مسلم، الصيام، باب بيان وقت انقضاء الصوم (ح ١١٠٠).
(٦) صحيح البخاري، الصوم، باب تعجيل الإفطار (ح ١٩٥٧)، وصحيح مسلم، الصيام، باب فضل السحور (ح ١٠٩٨).
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٢/ ١٨٢ ح ٧٢٤١)، وفي سنده قُرة بن عبد الرحمن المعافري: له مناكير (التقريب ص ٤٥٥) وقد تفرد به، إذ أخرجه (والسنن، الصوم، باب ما جاء في تعجيل الإفطار ح ٧٠٠)، وابن خزيمة (الصحيح ح ١٠٦٢)، وابن حبان في (الإحسان ح ٣٥٠٧)، والبيهقي (السنن الكبرى ٤/ ٢٣٧)، كلهم من طريق قرة به، وإسناده ضعيف.
(٨) تقدم ذكره في تخريجه في الحاشية السابقة.
[ ٢ / ٧٥ ]
وقال أحمد أيضًا: حدثنا عفان، حدثنا عبيد الله بن إياد (^١)، سمعت إياد بن لقيط، سمعت ليلى امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة، فمنعني بشير وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عنه وقال: "يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله وأتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا" (^٢). [وروى الحافظ ابن عساكر: حدثنا بكر بن سهل، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا يحيى بن حمزة، عن ثور بن يزيد، عن علي بن أبي طلحة، عن عبد الملك بن أبي ذرٍّ، عن أبيه أن رسول الله ﷺ واصل يومين وليلة، فأتاه جبريل فقال: إن الله قد قبل وصالك، ولا يحل لأحد بعدك، وذلك بأن الله قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فلا صيام بعد الليل، وأمرني بالوتر قبل الفجر. وهذا إسناد لا بأس به أورده في ترجمة عبد الملك بن أبي ذرٍّ في تأريخه] (^٣).
ولهذا ورد في الأحاديث الصحيحة النهي عن الوصال وهو أن يصلَ يومًا بيوم ولا يأكل بينهما شيئًا، قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تواصلوا" قالوا: يا رسول الله إنك تواصل، قال: "فإني لست مثلكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني" قال: فلم ينتهوا عن الوصال فواصل بهم النبي ﷺ يومين وليلتين ثم رأوا الهلال، فقال: "لو تأخّر الهلال لزدتكم" كالمنكل لهم (^٤). وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به (^٥)، وكذلك أخرجا النهي عن الوصال من حديث أنس وابن عمر (^٦).
وعن عائشة ﵄، قالت: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل، قال: "إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني" (^٧).
فقد ثبت النهي عنه من غير وجه وثبت أنه من خصائص النبي ﷺ وأنه كان يقوى على ذلك ويعان، والأظهر أن ذلك الطعام والشراب في حقه إنما كان معنويًا لا حسيًا، وإلا فلا يكون مواصلًا مع الحسي، ولكن كما قال الشاعر:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها … عن الشراب وتلهيها عن الزاد
وأما من أحبّ أن يمسك بعد غروب الشمس إلى وقت السحر فله ذلك، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر" قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله ﷺ، قال: "إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني" أخرجاه في الصحيحين أيضًا.
_________________
(١) في الأصل: "عبيد الله بن زياد" والتصويب من (عف) و(حم) والتخريج.
(٢) أخرجه أحمد بسنده ومتنه بنحوه (المسند ٥/ ٢٢٥) ورجاله ثقات إلا عبيد الله بن إياد صدوق فالإسناد حسن ويشهد لبعضه ما سيأتي.
(٣) ما بين معقوفين زيادة من نسخة (ح).
(٤) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٧٧٧٣) وهو في الصحيحين كما سيأتي.
(٥) صحيح البخاري، الصوم، باب التنكيل لمن أكثر الوصال (ح ١٩٦٥)، وصحيح مسلم، باب النهي عن الوصال (ح ١١٠٣).
(٦) صحيح البخاري (ح ١٩٦١، ١٩٦٢)، وصحيح مسلم (ح ١٠٥٧ و١١٠٢) كما في الأبواب السابقة.
(٧) أخرجه البخاري (ح ١٩٦٢)، وصحيح مسلم (ح ١١٠٥) كما في الأبواب السابقة.
[ ٢ / ٧٦ ]
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو نعيم، حدثنا أبو إسرائيل العبسي، عن أبي بكر بن حفص، عن أُم ولد حاطب بن أبي بلتعة أنها مرَّت برسول الله ﷺ وهو يتسحّر فدعاها إلى الطعام، فقالت: إني صائمة، قال: وكيف تصومين. فذكرت ذلك للنبي ﷺ، فقال: أين أنت من وصال آل محمد من السحر إلى السحر" (^١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن محمد بن علي، عن علي أن النبي ﷺ كان يواصل من السحر إلى السحر (^٢).
وقد روى ابن جرير عن عبد الله بن الزبير (^٣) وغيره من السلف (^٤): أنهم كانوا يواصلون الأيام المتعددة، وحمله منهم على أنهم كانوا يفعلوا ذلك رياضة لأنفسهم لا أنهم كانوا يفعلونه عبادة، والله أعلم. ويحتمل أنهم كانوا يفهمون من النهي أنه إرشاد من باب الشفقة، كما جاء في حديث عائشة: رحمة لهم، فكان ابن الزبير وابنه عامر (^٥) ومن سلك سبيلهم يتجشمون ذلك ويفعلونه، لأنهم كانوا يجدون قوة عليه، وقد ذكر عنهم أنهم كانوا أول ما يفطرون على السمن والصبر لئلا تتخرق الأمعاء بالطعام أولًا، وقد روي عن ابن الزبير أنه كان يواصل سبعة أيام ويصبح في اليوم السابع أقواهم وأجلدهم (^٦).
وقال أبو العالية: إنما فرض الله الصيام بالنهار، فإذا جاء الليل فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل (^٧).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان أو في غير رمضان، فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلًا أو نهارًا حتى يقضي اعتكافه (^٨).
وقال الضحاك: كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ أي: لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره (^٩).
وكذا قال مجاهد وقتادة وغير واحد: أنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت هذه الآية (^١٠).
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له سابقه ولاحقه.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٧٨ ح ١١٩٤) وقال محققوه: حسن لغيره.
(٣) أخرجه الطبري من طريق حفص عن هشام بن عروة عنه به، أنه كان يواصل سبعة أيام فلما كبر جعلها خمسًا … وفيه مبالغة والله أعلم.
(٤) أخرج الطبري بسند عن ابن أبي يَعَمر أنه كان يفطر في كل شهر مرة. وهذا أشد مبالغة.
(٥) ذكر الطبري وصالهما في تفسيره وتقدم الكلام عن وصال ابن الزبير، وأما وصال ابنه عامر فقد أخرجه الطبري بأنه كان يواصل ليلة ست عشرة وليلة سبع عشرة. وهذا ليس فيه مبالغة كسابقه.
(٦) تقدم في الحاشية قبل السابقتين.
(٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود بن أبي هند عن أبي العالية.
(٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.
(٩) أخرجه الطبري بأسانيد عن الضحاك يقوي بعضها بعضًا ويشهد له ما يليه.
(١٠) قول مجاهد وقتادة أخرجهما الطبري بأسانيد صحاح.
[ ٢ / ٧٧ ]
قال ابن أبي حاتم: روي عن ابن مسعود ومحمد بن كعب ومجاهد وعطاء والحسن وقتادة والضحاك والسدي والربيع بن أنس ومقاتل، قالوا: لا يقربها وهو معتكف (^١).
وهو الذي حكاه عن هؤلاء هو الأمر المتفق عليه عند العلماء أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفًا في مسجده، ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بدّ منها فلا يحلّ له أن يثبت فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك من قضاء الغائط أو الأكل، وليس له أن يقبّل امرأته ولا أن يضمّها إليه، ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه، ولا يعود المريض لكن يسأل عنه وهو مارّ في طريقه، وللاعتكاف أحكام مفصلة في بابها، منها ما هو مجمع عليه بين العلماء ومنها ما هو مختلف فيه، وقد ذكرنا قطعة صالحة من ذلك في آخر كتاب الصيام، ولله الحمد والمنة.
ولهذا كان الفقهاء المصنفون يتبعون كتاب الصيام بكتاب الاعتكاف اقتداء بالقرآن العظيم، فإنه نبّه على ذكر الاعتكاف بعد ذكر الصوم. وفي ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام إرشاد وتنبيه على الاعتكاف في الصيام أو في آخر شهر الصيام، كما ثبتت في السنّة عن رسول الله ﷺ أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله ﷿، ثم اعتكف أزواجه من بعده، أخرجاه من حديث عائشة أم المؤمنين ﵂ (^٢). وفي الصحيحين أن صفية بنت حيي كانت تزور النبي ﷺ وهو معتكف في المسجد، فتحدثت عنده ساعة ثم قامت لترجع إلى منزلها، وكان ذلك ليلًا، فقام النبي ﷺ ليمشي معها حتى تبلغ دارها، وكان منزلها في دار أُسامة بن زيد في جانب المدينة، فلما كان ببعض الطريق لقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، وفي رواية: تواريا؛ أي حياء من النبي ﷺ لكون أهله معه، فقال لهما ﷺ: "على رسلكما إنها صفية بنت حُيي" أي: لا تسرعا واعلما أنها صفية بنت حيي أي: زوجتي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، فقال ﷺ: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا - أو قال: شرًا - " (^٣).
قال الشافعي ﵀: أراد ﵇ أن يعلّم أمته التبري من التهمة في محلها، لئلا يقعا في محذور، وهما كانا أتقى لله من أن يظنا بالنبي ﷺ شيئًا، والله أعلم.
ثم المراد بالمباشرة إنما هو الجماع ودواعيه من تقبيل ومعانقة ونحو ذلك، فأما معاطاة الشيء ونحوه فلا بأس به، فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يدني إليّ رأسه فأرجله وأنا حائض، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، قالت عائشة: ولقد كان المريض يكون في البيت، فما أسأل عنه، إلا وأنا مارّة (^٤).
_________________
(١) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد وقتادة والسدي والربيع أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة.
(٢) صحيح البخاري، الاعتكاف، باب اعتكاف النساء (ح ٢٠٣٣)، وصحيح مسلم، الصيام، باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان ما بعد (ح ١١٧١) بأربعة أحاديث.
(٣) صحيح البخاري، الاعتكاف، باب هل يخرج المعتكف لحوائجه؟ (ح ٢٠٣٥)، وصحيح مسلم، كتاب السلام (ح ٢١٧٥).
(٤) صحيح البخاري، الاعتكاف، باب لا يدخل البيت إلا لحاجة (ح ٢٠٢٩) وصحيح مسلم، كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها (ح ٢٩٧) وما بعده.
[ ٢ / ٧٨ ]
وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: هذا الذي بينّاه وفرضناه وحددناه من الصيام وأحكامه وما أبحنا فيه وما حرمنا وذكرنا غاياته ورخصه وعزائمه، حدود الله؛ أي شرّعها الله وبيّنها بنفسه، فلا تقربوها؛ أي لا تجاوزوها وتتعدوها. وكان الضحاك ومقاتل يقولان في قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي المباشرة في الاعتكاف (^١).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، يعني: هذه الحدود الأربعة (^٢)، ويقرأ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ - حتى بلغ - ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ قال: وكان أبي وغيره من مشيختنا يقولون هذا ويتلونه علينا.
قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾ أي: كما بيّن الصيام وأحكامه وشرائعه وتفاصيله كذلك يبين سائر الأحكام على لسان عبده ورسوله محمد ﷺ: ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: يعرفون كيف يهتدون وكيف يطيعون، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩)﴾ [الحديد].
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بيّنة، فيجحد المال ويخاصم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم آكل الحرام (^٣).
وكذا روي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم (^٤).
وقد ورد في الصحيحين عن أُم سلمة أن رسول الله ﷺ، قال: "ألا إنما أنا بشر وإنما يأتيني الخصم فلعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من نار فليحملها أو ليذرها" (^٥).
فدلَّت هذه الآية الكريمة وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغيّر الشيء في نفس الأمر، فلا يحل في نفس الأمر حرامًا هو حرام، ولا يحرم حلالًا هو حلال، وإنما هو ملزم في الظاهر، فإن طابق في ما نفس الأمر فذاك وإلا فللحاكم أجره وعلى المحتال وزره، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا﴾ [أي: طائفة] (^٦) ﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجونه في كلامكم.
_________________
(١) أخرجهما ابن أبي حاتم وسند كل واحد منهم حسن.
(٢) الحدود الأربعة هي: جواز الأكل والشرب والجماع وعدم جواز الجماع أثناء الاعتكاف.
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت.
(٤) ذكره ابن أبي حاتم وقول مجاهد وقتادة وعكرمة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة.
(٥) صحيح البخاري، الشهادات، باب من أقام البينة (ح ٢٦٨٠) وصحيح مسلم، الأقضية، باب الحكم بالظاهر (١٧١٣).
(٦) الزيادة من (ح).
[ ٢ / ٧٩ ]
قال قتادة: اعلم يا ابن آدم أن قضاء القاضي لا يحل لك حرامًا ولا يحق لك باطلًا، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى وتشهد به الشهود، والقاضي بَشر يخطئ ويصيب، واعلموا أن من قضي له بباطل أن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبطل للمحق بأجود مما قضى به للمبطل على المحق في الدنيا (^١).
[وقال أبو حنيفة: حكم الحاكم بطلاق الزوجة إذا شهد عنده شاهدا زور في نفس الأمر، ولكنهما عدلان عنده يحلها للأزواج حتى للشاهدين، ويحرمها على زوجها الذي حكم بطلاقها منه، وقالوا: هذا كلِعان المرأة، إنه يبينها من زوجها ويحرمها عليه، وإن كانت كاذبة في نفس الأمر، ولو علم الحاكم بكذبها لحدها ولما حرمها وهذا أولى.
مسألة: قال القرطبي: أجمع أهل السنّة على أن من أكل مالًا حرامًا ولو ما يصدُق عليه اسم المال أنه يفسق. وقال بشر بن المعتمر في طائفة من المعتزلة: لا يفسق إلا بأكل مائتي درهم فما زاد، ولا يفسق بما دون ذلك. وقال الجبائي: يفسق بأكل درهم فما فوقه إلا بما دونه] (^٢).
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾.
قال العوفي، عن ابن عباس: سأل الناس رسول الله عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ يعلمون بها حل دينهم وعدة نسائهم ووقت حجهم (^٣).
وقال أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله لِمَ خلقت الأهلّة؟ فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ يقول: جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين وإفطارهم وعدة نسائهم ومحل دينهم (^٤).
كذا روي عن عطاء والضحاك وقتادة والسدي والربيع بن أنس نحو ذلك (^٥).
وقال عبد الرزاق: عن عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فعدّوا ثلاثين يومًا" (^٦).
ورواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن أبي رواد به، وقال: كان ثقة عابدًا مجتهدًا شريف النسب، فهو صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٧).
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظه.
(٢) ما بين معقوفين زيادة من (ح).
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف عن عطية العوفي به، وتشهد له الآية نفسها وأقوال التابعين التالية.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر به.
(٥) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم من غير سند وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح عنه.
(٦) سنده حسن. وأخرجه الحاكم من طريق عبد العزيز به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٢٣).
(٧) المستدرك ١/ ٤٢٣.
[ ٢ / ٨٠ ]
وقال محمد بن جابر، عن قيس بن طلق عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "جعل الله الأهلة [مواقيت للناس] (^١) فإذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" (^٢).
وكذا روي من حديث أبي هريرة (^٣) ومن كلام علي بن أبي طالب ﵁.
وقوله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ قال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية، أتوا البيت من ظهره فأنزل الله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (^٤).
وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كانت الأنصار إذا قدموا من سفر، لم يدخل الرجل من قبل بابه، فنزلت هذه الآية (^٥).
وقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر: كانت قريش تدعى: الحُمُس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام، فبينا رسول الله ﷺ في بستان، إذ خرج من بابه، وخرج معه قطبة بن عامر من الأنصار فقالوا: يا رسول الله، إن قطبة بن عامر رجل [فاجر] (^٦)، وإنه خرج معك من الباب فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: رأيتك فعلته، ففعلت كما فعلت، فقال: إني أحمس، قال له: فإن ديني دينك. فأنزل الله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ رواه ابن أبي حاتم (^٧).
ورواه العوفي عن ابن عباس بنحوه (^٨)، وكذا روي عن مجاهد والزهري وقتادة وإبراهيم النخعي والسدي والربيع بن أنس (^٩).
وقال الحسن البصري: كان أقوام من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرًا، وخرج من بيته يريد سفره الذي خرج له، ثم بدا له بعد خروجه أن يقيم ويدع سفره، لم يدخل البيت من بابه، ولكن
_________________
(١) ما بين قوسين سقط من الأصل واستدرك من (ح) والتخريج.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/ ٢٣، وابن أبي حاتم كلاهما من طريق محمد بن جابر به، وفيه محمد بن جابر بن سيار الحنفي صدوق ذهبت كتبه فساء حفظه وخلط كثيرًا وعمي فصار يُلقن (التقريب ص ٤٧١)، ويشهد لآخر الحديث ما ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة صحيح البخاري، الصوم، باب إذا رأيتم الهلال فصوموا (ح ١٩٠٩)، وصحيح مسلم، الصيام (ح ١٠٨١).
(٣) أخرجاه الشيخان كما في الحاشية السابقة.
(٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] (ح ٤٥١٢).
(٥) مسند الطيالسي (ح ٧١٧) وسنده صحيح.
(٦) في الأصل: "تاجر" والتصويب من (ح) والتخريج.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عمار بن زريق عن الأعمش به.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عنه وله شواهد سابقة ولاحقة.
(٩) أقوال مجاهد والزهري أخرجها الطبري بأسانيد صحيحة، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن. وقول الربيع أخرجه الطبري بسند ضعيف.
[ ٢ / ٨١ ]
يتسوَّره من قبل ظهره، فقال الله تعالى [لذلك] (^١): ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ الآية (^٢). وقال محمد بن كعب: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت، فأنزل الله هذه الآية (^٣). وقال عطاء بن أبي رباح: كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم دخلوا منازلهم (^٤) من ظهورها، ويرون أن ذلك أدنى إلى البر، فقال الله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ (^٥). وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: اتقوا الله، فافعلوا ما أمركم به واتركوا ما نهاكم عنه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ غدًا إذا وقفتم بين يديه فيجازيكم بأعمالكم على التمام والكمال.
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾.
قال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ قال: هذه أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله ﷺ يقاتل من قاتله، ويكف [عمن] (^٦) كف عنه، حتى نزلت سورة براءة (^٧).
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، حتى قال: هذه منسوخة بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] (^٨).
وفي هذا نظر، لأن قوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، أي: كما يقاتلونكم فقاتلوهم أنتم، كما قال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] ولهذا قال في هذه الآية: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي: لتكن همتكم منبعثة على قتالهم، كما همتهم منبعثة على قتالكم، وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها قصاصًا.
[وقد حُكي عن أبي بكر الصديق ﵁ أن أول آية نزلت في القتال بعد الهجرة: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا …﴾ [الحج: ٣٩] الآية. وهو الأشهر وبه ورد الحديث] (^٩).
_________________
(١) كذا في (ح) وفي الأصل ليس ذلك.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عباد بن منصور عن الحسن.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب ويشهد له ما تقدم.
(٤) قوله: "دخلوا منازلهم" في الأصل بياض واستدرك من (ح).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي شيبة شعيب بن زريق عنه.
(٦) في الأصل: "من" والتصويب من (ح) والتخريج.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد إلى أبي العالية لكنه مرسل.
(٨) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.
(٩) ما بين معقوفين زيادة من (ح).
[ ٢ / ٨٢ ]
وقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: قاتلوا في سبيل الله، ولا تعتدوا في ذلك ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي، كما قاله الحسن البصري (^١). من المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ، الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة، كما قال ذلك ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان وغيرهم (^٢)، ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن بُريدة أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اغزوا في سبيل الله [قاتلوا] (^٣) من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا" (^٤).
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال: "اخرجوا باسم الله قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله لا تعتدوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوِلدان ولا أصحاب الصوامع" رواه الإمام أحمد (^٥)، ولأبي داود عن أنس مرفوعًا نحوه (^٦).
وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وجدت امرأة في بعض مغازي النبي ﷺ مقتولة، فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان (^٧).
وقال الإمام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأجلح، عن قيس بن أبي مسلم، عن ربعي بن حراش، قال: سمعت حذيفة يقول: ضرب لنا رسول الله ﷺ أمثالًا واحدًا وثلاثة وخمسة وسبعة وتسعة، وأحد عشر، فضرب لنا رسول الله ﷺ منها مثلًا وترك سائرها، قال: "إن قومًا كانوا أهل ضعف ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعِداء، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم وسلّطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه" (^٨). هذا حديث حسن الإسناد، ومعناه: أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء فاعتدوا عليهم فاستعملوهم فيما لا يليق بهم، فأسخطوا الله عليهم بسبب هذا الاعتداء، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدًّا.
ولما كان الجهاد فيه إزهاق النفوس وقتل الرجال، نبّه تعالى على أن ما هم مشتملون عليه من
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عاصم عن الحسن بلفظ: "أن تأتوا ما نهيتم عنه".
(٢) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وبقية الأقوال ذكرها ابن أبي حاتم بدون سند، وقول عمر بن عبد العزيز أخرجه الطبري بسندين يقوي أحدهما الآخر.
(٣) سقط من الأصل واستدرك من (ح) والتخريج.
(٤) كذا في (عف) و(حم) وفي الأصل (وح): "وليدًا ولا أصحاب الصوامع" والصواب حذف ولا أصحاب الصوامع، لأن الرواية في صحيح مسلم بدون ذلك. كتاب الجهاد، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، الحديث الثالث.
(٥) أخرجه الإمام أحمد من طريق ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحُصين، عن عكرمة عنه (المسند ٤/ ٤٦٠ ح ٢٧٢٨) وفي سنده علتان: أولاهما داود بن الحُصين ثقة إلا في عكرمة، والثانية ابن أبي حبيبة: هو إبراهيم بن إسماعيل ضعيف كما في التقريب. ولشقه الأول شاهد تقدم في صحيح مسلم.
(٦) السنن، الجهاد، باب في دعاء المشركين (ح ٢٦١٤) بدون لفظ: "ولا أصحاب الصوامع".
(٧) صحيح البخاري، الجهاد، باب قتل الصبيان في الحرب (ح ٣٠١٤)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب تحريم قتل النساء (ح ١٧٤٤).
(٨) المسند ٥/ ٤٠٧ وحسنه الحافظ ابن كثير.
[ ٢ / ٨٣ ]
الكفر بالله والشرك به والصدّ عن سبيله، أبلغ وأشدّ وأعظم وأطم من القتل، ولهذا قال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ قال أبو مالك: أي ما أنتم مقيمون عليه أكبر من القتل (^١).
وقال أبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس في قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾: يقول: الشرك أشد من القتل (^٢).
وقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ كما جاء في الصحيحين: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار وإنها ساعتي هذه، حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره ولا يختلي خلاه، فإن أحد ترخّص بقتال رسول الله ﷺ، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم" (^٣)، يعني بذلك صلوات الله وسلامه عليه قتاله أهلها يوم فتح مكة، فإنه فتحها عنوة وقتلت رجال منهم عند الخندمة، وقيل: صلحًا لقوله: "من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن". [وقد حكى القرطبي إن النهي عن القتال عند المسجد الحرام منسوخ. قال قتادة: نسخها قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. قال مقاتل بن حيان: نسخها قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وفي هذا نظر] (^٤).
وقوله: ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ يقول تعالى: ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدؤوكم بالقتال فيه، فلكم حينئذ قتالهم وقتلهم دفعًا للصيال، كما بايع النبي ﷺ أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال، لما تألبت عليه بطون قريش ومن مالأهم من أحياء ثقيف والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال بينهم فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤]. وقال: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥].
وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢)﴾ أي: فإن تركوا القتال في الحرم وأنابوا إلى الإسلام والتوبة، فإن الله غفور رحيم (^٥) يغفر ذنوبهم ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله فإنه تعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب منه إليه.
ثم أمر الله بقتال الكفار: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: شرك. قاله ابن عباس (^٦) وأبو العالية
_________________
(١) ذكره ابن أبي حاتم من غير سند.
(٢) قول أبي العالية أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس، وبقية التابعين ذكرهم ابن أبي حاتم من غير سند، وقول مجاهد وقتادة أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة.
(٣) صحيح البخاري، الحج، باب لا يحل القتال بمكة (ح ١٨٣٤)، وصحيح مسلم الحج، باب تحريم مكة (ح ١٣٥٣).
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).
(٥) قوله: "غفور رحيم" زيادة من (ح).
(٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه.
[ ٢ / ٨٤ ]
ومجاهد والحسن وقتادة والربيع ومقاتل بن حيان والسدي وزيد بن أسلم (^١).
﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ أي: يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء؛ أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (^٢).
وفي الصحيحين: "أُمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" (^٣).
وقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ يقول تعالى: فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك وقتال المؤمنين فكفوا عنهم، فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم ولا عدوان إلا على الظالمين، وهذا معنى قول مجاهد (^٤): لا يقاتل إلا من قاتل أو يكون تقديره: فإن انتهوا فقد تخلصوا من الظلم وهو الشرك، فلا عدوان عليهم بعد ذلك، والمراد بالعدوان ههنا: المعاقبة والمقاتلة، كقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] ولهذا قال عكرمة وقتادة: الظالم الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله (^٥).
وقال البخاري: قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ …﴾ الآية، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس ضيعوا وأنت ابن عمر وصاحب النبي ﷺ فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي، قالا: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله.
وزاد عثمان بن صالح عن ابن وهب، قال: أخبرني فلان وحيوة بن شريح، عن بكر بن عمر المعافري، أن بكير بن عبد الله حدثه عن نافع، أن رجلًا أتى ابن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عامًا وتعتمر عامًا وتترك الجهاد في سبيل الله ﷿، وقد علمت ما رغب الله فيه؟ فقال: يا ابن أخي بني الإسلام على خمس: الإيمان بالله ورسوله والصلوات الخمس وصيام رمضان وأداء الزكاة وحج البيت. قال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ قال: فعلنا على عهد رسول الله ﷺ وكان الإسلام قليلًا، فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه أو عذبوه،
_________________
(١) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم من دون سند، وقول مجاهد وقتادة أخرجهما الطبري بإسنادين صحيحين.
(٢) صحيح البخاري، العلم، من سأل وهو قائم (ح ١٢٣)، وصحيح مسلم، الإمارة (ح ١٩٠٤).
(٣) صحيح البخاري، الإيمان، باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [التوبة: ٥] (ح ٢٥) وصحيح مسلم، الإيمان (ح ٣٦).
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم.
(٥) ذكرهما ابن أبي حاتم من غير إسناد بعد أن رواه بسند جيد عن أبي العالية.
[ ٢ / ٨٥ ]
حتى كَثُر الإسلام فلم تكن فتنة. قال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أما عثمان فكان الله عفا عنه، وأما أنتم فكرهتم أن يعفو عنه، وأما علي فابن عمّ رسول الله ﷺ وختنه، فأشار بيده، فقال: هذا بيته [حيث] (^١) ترون (^٢).
﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾.
قال عكرمة: عن ابن عباس (^٣)، والضحاك والسدي وقتادة ومقسم والربيع بن أنس وعطاء وغيرهم (^٤)، لما سار رسول الله ﷺ، معتمرًا في سنة ست من الهجرة وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت وصدوه بمن معه من المسلمين، في ذي القعدة وهو شهر حرام حتى قاضاهم على الدخول من قابل، فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان معه من المسلمين، وأقصه الله منهم، فنزلت في ذلك هذه الآية: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾. وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام، إلا أن يغزى وتغزوا، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ (^٥). هذا إسناد صحيح.
ولهذا لما بلغ النبي ﷺ، وهو مُخيم بالحديبية أن عثمان قتل (^٦)، وكان قد بعثه في رسالة إلى المشركين، بايع أصحابه وكانوا ألفًا وأربعمائة تحت الشجرة، على قتال المشركين، فلما بلغه أن عثمان لم يقتل، كف عن ذلك وجنح إلى المسالمة والمصالحة، فكان ما كان. وكذلك لما فرغ من قتال هوازن يوم حُنين، وتحصن فلّهمُ بالطائف، عدل إليها فحاصرها، ودخل ذو القعدة وهو محاصرها (^٧) بالمنجنيق، واستمر عليه إلى كمال أربعين يومًا كما ثبت في الصحيحين عن أنس، فلما كَثُرَ القتل في أصحابه انصرف عنها ولم تفتح، ثم [كر] (^٨) راجعًا إلى مكة واعتمر من الجعرانة حيث قسم غنائم حُنين، وكانت عمرته هذه في ذي القعدة أيضًا، عام ثمان صلوات الله
_________________
(١) في الأصل: "حين" والتصويب من التخريج و(عف) و(عش) و(ح).
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وطوله في صحيحه، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] (ح ٤٥١٣ - ٤٥١٥).
(٣) أخرجه الطبري من طريق يوسف بن خالد السمتي عن نافع بن مالك عن عكرمة به مختصرًا، وفي سنده يوسف السمتي تركوه كما في التقريب وما يليه من مراسيل تقويه وأخرجه الطبري بسند صحيح عن مجاهد لكنه مرسل.
(٤) قول السدي وقتادة ومقسم والربيع أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة وقول الضحاك وعطاء بأسانيد ضعيفة تتقوى بما سبق.
(٥) في الأصل: "انسلخ" والتصويب من (عش) و(عف) والرواية في المسند إذ أخرجه الإمام أحمد في المسند ٣/ ٣٤٥ بسنده ومتنه.
(٦) هكذا في (عش)، وفي الأصل: "قد قتل".
(٧) كذا في الأصل وفي (عش) يحاصرها، وفي (عف): "فحاصرح".
(٨) في الأصل: "كبر" والتصويب من (عش) و(عف).
[ ٢ / ٨٦ ]
وسلامه عليه (^١).
وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ أمر بالعدل حتى في المشركين، كما قال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أن قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، نزلت بمكة حيث لا شوكة ولا جهاد، ثم نسخ بآية القتال (^٢) بالمدينة (^٣).
وقد ردَّ هذا القول ابن جرير. وقال: بل هذه الآية مدنية بعد عمرة القضية وعزا ذلك إلى مجاهد ﵀ (^٤). [وقد أطلق ههنا الاعتداء على الاقتصاص من باب المقابلة كما قال عمرو بن أم كلثوم:
ألا لا يجهلن أحدٌ علينا … فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وقال ابن دُريد:
لي استواءٌ إن مولّى استوا … لي التواءٌ إن معادي التوا
وقال غيره:
ولي فرس للحلم بالحلم مُلجمٌ … ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
ومن رام تقويمي فإنه مقوم … ومن رام تعويجي فإني معوج] (^٥)
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أمر لهم بطاعة الله وتقواه، وإخباره بأنه تعالى مع الذين اتقوا بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة.
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾.
قال البخاري: حدثنا إسحاق، أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة عن سليمان، سمعت أبا وائل، عن حذيفة ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: نزلت في النفقة (^٦).
ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن أبي معاوية، عن الأعمش به، مثله قال: وروي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان نحو ذلك (^٧)، وقال الليث بن سعد: عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم
_________________
(١) ينظر: صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة الطائف (ح ٤٣٢٤) فيه ذكر حصار الطائف و(ح ٤٣٣٧) وفيه ذكر قتال هوازن يوم حنين، وصحيح مسلم، الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم (ح ١٠٥٩) وما بعده.
(٢) كذا في (عش) وفي الأصل: "بآية الجهاد".
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به بنحوه.
(٤) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو سنيد: فيه مقال.
(٥) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(ح).
(٦) صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ …﴾ (ح ٤٥١٦).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم من الطريق نفسه ثم ذكر ابن عباس ومن بعده من التابعين من غير سند، وأقوال مجاهد وقتادة والسدي والحسن أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة، وأما قول الضحاك وعكرمة فأخرجه الطبري بأسانيد ضعيفة تتقوى بما سبق.
[ ٢ / ٨٧ ]
أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله ﷺ وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر، اجتمعنا معشر الأنصار نجيًا فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه ﷺ ونصره، حتى فشا الإسلام وكَثُر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها فنرجع إلى أهلينا وأولادنا، فنقيم فيهما، فنزلت فينا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد (^١).
رواه أبو داود والترمذي والنسائي وعبد بن حميد في تفسيره، وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه والحافظ أبو يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، كلهم من حديث يزيد بن أبي حبيب به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وقال الحاكم: على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
ولفظ أبي داود عن أسلم أبي عمران: كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام رجل يُريدُ فضالةَ بن عبيد، فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، فصففنا لهم فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا فصاح الناس إليه، فقالوا: سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة! فقال أبو أيوب: يا أيها الناس، إنكم لتتأوّلون هذه الآية على غير التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار، إنا لما أعزّ الله دينه وكَثُر ناصروه، قلنا فيما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها، فأنزل الله هذه الآية (^٢).
وقال أبو بكر بن عياش: عن أبي إسحاق السبيعي، قال: قال رجل للبراء بن عازب، إن حملت على العدو وحدي فقتلوني، أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال: لا، قال الله لرسوله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤] وإنما هذه في النفقة.
رواه ابن مردويه وأخرجه الحاكم في مستدركه، من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق به، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (^٣)، ورواه الثوري وقيس بن الربيع، عن أبي إسحاق، عن البراء، فذكره وقال بعد قوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤]: ولكن التهلكة أن يذنب الرجل الذنب فيلقي بيده إلى التهلكة ولا يتوب (^٤).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في السنن، الجهاد، باب قول الله تعالى: ﴿… وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] (ح ٢٥١٢)، والترمذي في السنن، تفسير سورة البقرة (ح ٢٩٧٢)، والنسائي في التفسير (ح ٤٨ و٤٩)، وابن حبان كما موارد الظمآن (ح ١٦٦٧)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٧٥) كلهم من طريق يزيد بن أبي حبيب به، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٣٧٣).
(٢) تقدم تخريجه في الرواية السابقة.
(٣) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤/ ٢٨١) ورجاله ثقات وسنده صحيح ولا يضر سوء حفظ أبي بكر بن عياش لأن الرواية ثابتة في صحيح البخاري كما تقدم. وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق السبيعي به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٧٥).
(٤) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وسنده صحيح ٣/ ٥٨٨.
[ ٢ / ٨٨ ]
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، [حدثني الليث] (^١)، حدثنا عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، أخبره أنهم حاصروا دمشق فانطلق رجل من أزدشنوءة، فأسرع إلى العدو وحده ليستقبل، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه عمرو فردَّه، وقال عمرو: قال الله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (^٢).
وقال عطاء بن السائب: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ليس ذلك في القتال، إنما هو في النفقة أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله ولا تلق بيدك إلى التهلكة (^٣).
قال حماد بن سلمة، عن داود، عن الشعبي، عن الضحاك، عن أبي جُبير، قال: كانت الأنصار يتصدقون وينفقون من أموالهم، فأصابتهم سنة فأمسكوا عن النفقة في سبيل الله، فنزلت ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (^٤).
وقال الحسن البصري: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: هو البخل (^٥).
وقال سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾: أن يذنب الرجل الذنب فيقول: لا يغفر لي، فأنزل الله: ﴿اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٦) رواه ابن مردوية.
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عَبيدة السلماني والحسن وابن سيرين وأبي قلابة نحو ذلك، يعني: نحو قول النعمان بن بشير، أنها في الرجل يذنب الذنب فيعتقد أنه لا يغفر له، فيلقي بيده إلى التهلكة، أي: يستكثر من الذنوب فيهلك (^٧). ولهذا (^٨) روى علي بن أبي طلحة (^٩)، عن ابن عباس: التهلكة عذاب الله (^١٠).
وقال ابن أبي حاتم وابن جرير، جميعًا: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن القرظي محمد بن كعب، أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: كان
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(ح) و(عف) ورواية ابن أبي حاتم الآتية.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) أخرجه الطبري وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق هدبة عن حماد به، ورجاله ثقات، وسنده صحيح.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عوف الأعرابي عن الحسن وسنده صحيح.
(٦) أخرجه الواحدي من طريق حماد بن سلمة عن سماك به (أسباب النزول ص ٤٧)، وذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجالهما رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٣٢٠).
(٧) ذكرهم ابن أبي حاتم من غير إسناد، وأقوال عَبيدة السلماني وابن سيرين والحسن أخرجها الطبري بأسانيد صحيحة.
(٨) كذا في (عش)، وفي الأصل: "ولذا".
(٩) في الأصل: "عن أبي طلحة" والتصويب من (عش) والتخريج.
(١٠) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.
[ ٢ / ٨٩ ]
القوم في سبيل الله، فيتزود الرجل، فكان أفضل زادًا من الآخر، أنفق الباقين من زاده حتى لا يبقى من زاده شيء، أحبّ أن يواسي صاحبه فأنزل الله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (^١)، وبه قال ابن وهب أيضًا: أخبرني عبد الله بن عياش (^٢)، عن زيد بن أسلم في قول الله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وذلك أن رجالًا كانوا يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله ﷺ، بغير نفقة، فإما أن يقطع بهم وإما كانوا عيالًا، فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة أن يهلك رجال من الجوع والعطش أو من المشي. وقال لمن بيده فضل: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٣).
ومضمون الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله، في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات، وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء، وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم، والإخبار عن ترك ذلك بأنه هلاك ودمار [لمن] (^٤) لزمه واعتاده، ثم عطف بالأمر بالإحسان، وهو أعلى مقامات الطاعة، فقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾.
لما ذكر تعالى أحكام الصيام، وعطف بذكر الجهاد، شرع في بيان المناسك فأمر بإتمام الحج والعمرة، وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما، ولهذا قال بعده: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أي: صددتم عن الوصول إلى البيت، ومنعتم من إتمامهما، ولهذا اتفق العلماء، على أن الشروع في الحج والعمرة ملزم، سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها، كما هما قولان للعلماء، وقد ذكرناهما بدلائلهما في كتابنا الأحكام، مستقصى ولله الحمد والمنة.
وقال شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي أنه قال في هذه الآية: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، قال: أن تحرم من دويرة أهلك (^٥). وكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس (^٦)، وعن سفيان الثوري أنه قال تمامهما (^٧) أن تحرم من أهلك، لا تريد إلا الحج والعمرة وتهل من الميقات، ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة، حتى إذا كنت قريبًا من مكة، قلت: لو حججتُ أو اعتمرت، وذلك يجزئ، ولكن التمام أن تخرج له ولا تخرج لغيره (^٨).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم عن يونس به، وسنده حسن.
(٢) في الأصل: "وقال ابن وهب أيضًا أخبرني عبد الله بن عباس" والتصويب من "عش" والتخريج.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب به، وسنده حسن.
(٤) في الأصل: "إن" التصويب من (عش) و(عف).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق وكيع عن شعبة به.
(٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند. وقول سعيد بن جبير وطاوس أخرجهما الطبري بسندين صحيحين.
(٧) كذا في الأصل (وعف) ورواية الطبري وفي (عش): "إتمامهما".
(٨) أخرجه الطبري من طريق رجل عن سفيان به، ولم يصرح باسم الرجل.
[ ٢ / ٩٠ ]
وقال مكحول: إتمامهما إنشاؤهما جميعًا من الميقات (^١).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري، قال: بلغنا أن عمر قال في قول الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ لِلَّهِ﴾: من تمامهما أن تفرد كل واحد منهما من الآخر، وأن تعتمر في غير أشهر الحج، إن الله تعالى يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (^٢) [البقرة: ١٩٧].
وقال هشيم: عن ابن عون: سمعت القاسم بن محمد يقول: إن العمرة في أشهر الحج ليست بتامة، فقيل له: فالعمرة في المُحَرَّم (^٣)؟ قال: كانوا يرونها تامة (^٤).
وكذا روي عن قتادة بن دِعامة رحمهما الله (^٥).
وهذا القول فيه نظر، لأنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ، اعتمر أربع عُمر، كلها في ذي القعدة، عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معًا في ذي القعدة سنة عشر ولا اعتمر قط في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال [لتلك المرأة] (^٦): "عمرة في رمضان تعدل حجة معي"، وما ذاك إلا لأنها كانت قد عزمت على الحج معه ﵇، فاعتاقت عن ذلك بسبب الطهر، كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري ونصَّ سعيد بن جبير على أنه من خصائصها، والله أعلم.
وقال السدي في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: أي أقيموا الحج والعمرة (^٧). وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، يقول: من أحرم بحج أو بعمرة فليس له أن يحلّ، حتى يتمهما تمام الحج يوم النحر، إذا رمى جمرة العقبة، وزار البيت [وطاف] (^٨) بالصفا والمروة فقد حلَّ (^٩).
وقال قتادة، عن زرارة، عن ابن عباس أنه قال: الحج عرفة، والعمرة الطواف (^١٠).
وكذا روى الأعمش: عن إبراهيم، عن علقمة في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، قال: هي قراءة عبد الله ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إلى البيت﴾ لا يجاوز بالعمرة البيت قال إبراهيم: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير، فقال كذلك قال ابن عباس (^١١). وقال سفيان عن الأعمش، عن إبراهيم،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن مكحول.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم عن أحمد بن منصور الرمادي عن عبد الرزاق به، وبين الزهري وعمر انقطاع.
(٣) كذا في (عش) و(عف)، وفي الأصل: "اليوم".
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة عن هشيم به (المصنف ٤/ ٤٦) وسنده صحيح.
(٥) أخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة، عنه وسنده صحيح.
(٦) كذا في (عش) و(ح) و(عف) و(حم)، وفي الأصل: "لأم هانئ" والصواب ما أثبتنا، لأن البخاري صرح باسمها وهي أم سنان الأنصارية الصحيح، كتاب جزاء الصيد، باب حج النساء (ح ١٨٦٣).
(٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسباط عن السدي.
(٨) قوله: "وطاف" من نسخة (عف).
(٩) أخرجه الطبري بسنده الثابت من طريق علي بن أبي طلحة به وأطول.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شعبة عن قتادة به.
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي معاوية عن الأعمش به، وسنده صحيح. وهي قراءة شاذة تفسيرية.
[ ٢ / ٩١ ]
عن علقمة أنه قرأ (وأقيموا الحج والعمرة) إلى البيت (^١)، [وكذا روى الثوري أيضًا، عن منصور، عن إبراهيم، أنه قرأ: (وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت)] (^٢)، وقرأ الشعبي: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ برفع العمرة (^٣)، وقال: ليست بواجبة. وروي عنه خلاف ذلك (^٤).
وقد وردت أحاديث كثيرة من طرق متعددة، عن أنس وجماعة من الصحابة، أن رسول الله ﷺ جمع في إحرامه بحج وعمرة، وثبت عنه في الصحيح أنه قال لأصحابه: "من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة" (^٥)، وقال: في الصحيح أيضًا: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة" (^٦).
وقد روى الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية حديثًا غريبًا، فقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عبد الله الهروي، حدثنا غسان الهروي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عطاء، عن صفوان بن أُمية، أنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ متضمخ بالزعفران، عليه جبة، فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ قال: فأنزل الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فقال رسول الله ﷺ: "أين السائل عن العمرة"؟ فقال: ها أنا ذا، فقال له: "ألق عنك ثيابك ثم اغتسل واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت [صانعًا] (^٧) في حجك فاصنعه في عمرتك" (^٨).
هذا حديث غريب وسياق عجيب، والذي ورد في الصحيحين عن يعلى بن أُمية في قصة الرجل الذي سأل النبي ﷺ وهو بالجعرانة، فقال: كيف ترى في رجل أحرم بالعمرة وعليه جبة وخلوق؟ فسكت رسول الله ﷺ، ثم جاءه الوحي ثم رفع رأسه فقال: "أين السائل؟ " فقال: ها أنا ذا، فقال: "أما الجبة فانزعها، وأما الطيب الذي بك فاغسله، ثم ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك" (^٩).
ولم يذكر فيه الغسل والاستنشاق، ولا ذكر نزول هذه الآية، وهو عن يعلى بن أُمية لا صفوان بن أمية، فالله أعلم.
وقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ذكروا أن هذه الآية نزلت في سنة ست؛ أي عام الحديبية حين حال المشركون بين رسول الله ﷺ وبين الوصول إلى البيت، وأنزل الله في ذلك
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان به. وهي قراءة شاذة تفسيرية.
(٢) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(عف).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عون عن الشعبي وسنده صحيح. وهي قراءة شاذة تفسيرية.
(٤) أي أنها واجبة وقد ثبت ذلك فيما رواه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن عمر بن الخطاب، ثم نقل ذلك عن جمع من التابعين بحذف السند.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أسماء بنت أبي بكر بلفظ: "من كان معه هدي فليقم على إحرامه … " (كتاب الحج، باب ما يلزم من طاف بالبيت وسعى ح ١٢٣٦).
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر الطويل (كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ ح ١٢١٨).
(٧) سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(عف) التخريج.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وهو مخالف لما في الصحيحين كما سيأتي، وحكم عليه الحافظ ابن كثير بالغرابة.
(٩) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب جزاء الصيد، باب إذا أحرم جاهلًا وعليه قميص (ح ١١٤٧) مختصرًا وأخرجه مسلم في صحيحه، الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة (ح ١١٨٠) كاملًا.
[ ٢ / ٩٢ ]
سورة الفتح بكمالها، وأنزل لهم رخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي، وكان سبعين بدنة، [وأن يحلقوا رؤوسهم] (^١) وأن يتحللوا من إحرامهم، فعند ذلك أمرهم ﵇ أن يحلقوا رؤوسهم وأن يتحللوا، فلم يفعلوا انتظارًا للنسخ، حتى خرج فحلق رأسه ففعل الناس، وكان منهم من قصَّر رأسه ولم يحلقه، فلذلك قال ﷺ: "رحم الله المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ فقال في الثالثة: "والمقصرين" (^٢). وقد كانوا اشتركوا في هديهم ذلك كل سبعة في بدنة، وكانوا ألفًا وأربعمائة، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم، وقيل: بل كانوا على طرف الحرم، فالله أعلم.
ولهذا اختلف العلماء: هل يختص الحصر بالعدو؟ فلا يتحلل إلا من حصره عدو لا مرض ولا غيره على قولين:
فقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، وابن طاوس، عن أبيه عن ابن عباس، وابن أبي نجيح، عن ابن عباس، أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو، فأما من أصابه مرض أو وجع أو ضلال فليس عليه شيء، إنما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ فليس الأمن حصرًا (^٣). قال: وروي عن ابن عمر وطاوس والزهري وزيد بن أسلم نحو ذلك (^٤)، والقول الثاني: إن الحصر أعم من أن يكون بعدو أو مرض أو ضلال، وهو التوهان عن الطريق أو نحو ذلك، قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حجاج بن الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري، قال: سمعت رسول الله ﷺ: "من كسر أو عرج فقد حلَّ وعليه حجة أخرى" قال: فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق (^٥).
وأخرجه أصحاب الكتب الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثير به (^٦)، [وفي رواية لأبي داود وابن ماجه: "من عرج أو كسر أو مرض"، فذكر معناه] (^٧).
ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عُلية، عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف به، ثم قال: وروي عن ابن مسعود وابن الزبير وعلقمة وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ومجاهد والنخعي وعطاء ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: الإحصار من عدو أو
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل و(عش) و(ح) واستدرك من (عف).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمر، الحج، باب تفضيل الحلق على التقصير (ح ١٣٠١).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفي هذه الرواية الثلاثة طرق الأول والثاني أسانيد ثابتة والثالث ابن أبي نجيح لم يدرك ابن عباس إلا أنه متابع بعمرو بن دينار وطاوس.
(٤) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٥٠) وهو حديث صحيح كما يلي.
(٦) أخرجه أبو داود في سننه، الحج، باب الإحصار (ح ١٨٨٢) والنسائي في سننه، مناسك الحج، باب فيمن أحصر بعدو ٥/ ١٨٩، والترمذي في سننه المناسك، باب المحصر (ح ٣٠٧٧)، والترمذي في سننه، الحج، باب في الذي يهل بالحج (ح ٩٤٠) كلهم من طريق حجاج بن الصواف به، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٧٠).
(٧) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(عف) و(ح).
[ ٢ / ٩٣ ]
مرض أو كسر (^١).
وقال الثوري: الإحصار من كل شيء آذاه (^٢).
وثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله ﷺ دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال: "حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني".
ورواه مسلم عن ابن عباس بمثله.
فذهب من ذهب من العلماء إلى صحة الاشتراط في الحج لهذا الحديث، وقد علَّق الإمام محمد بن إدريس الشافعي القول بصحة هذا المذهب على صحة هذا الحديث، قال البيهقي وغيره من الحفاظ: وقد صحَّ ولله الحمد.
وقوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال الإمام مالك: عن جعفر بن حمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، أنه كان يقول: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ شاة (^٣).
وقال ابن عباس: الهدي من الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والمعز والضأن (^٤).
وقال الثوري، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: شاة (^٥).
وكذا قال عطاء ومجاهد وطاوس وأبو العالية ومحمد بن علي بن الحسين وعبد الرحمن بن القاسم والشعبي والنخعي والحسن وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم مثل ذلك (^٦). وهو مذهب الأئمة الأربعة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة وابن عمر: أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل والبقر (^٧).
قال: وروي عن سالم والقاسم وعروة بن الزبير وسعيد بن جبير نحو ذلك (^٨).
(قلت): والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية، فإنهم لم ينقل عن أحد منهم
_________________
(١) وأخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وذكر أقوال هؤلاء الصحابة والتابعين بحذف السند.
(٢) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٣) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه ثم قال: وذلك أحب ما سمعت إليّ في ذلك (الموطأ، الحج، باب ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ح ١٥٨)، ورجال ثقات ولكن والد جعفر: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لم يسمع من جده علي ﵁. وينظر: المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٨٥. وله شواهد تقويه كما سيأتي. وهذه الأثر معمول به.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق وكيع به، وسنده صحيح.
(٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وعليه العمل في المذاهب الأربعة.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٨) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
[ ٢ / ٩٤ ]
أنه ذبح في تحلله ذلك شاة، وإنما ذبحوا الإبل والبقر، [ففي الصحيحين عن جابر، قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر] (^١) كل سبعة منّا في بقرة (^٢).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: بقدر يسارته (^٣).
وقال العوفي: عن ابن عباس: إن كان موسرًا فمن الإبل، وإلا فمن البقر، وإلا فمن الغنم (^٤).
وقال هشام بن عروة، عن أبيه ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: إنما ذلك فيما بين الرخص والغلاء (^٥).
والدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجزاء ذبح الشاة في الإحصار أن الله أوجب ذبح ما استيسر من الهدي؛ أي: مهما تيسّر مما يسمى هديًا، والهدي من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، كما قاله الحبر البحر ترجمان القرآن وابن عمِّ رسول الله ﷺ، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين ﵄ قالت: أهدى النبي ﷺ مرة غنمًا (^٦).
وقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ وليس معطوفًا على قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ كما زعمه ابن جرير ﵀، لأن النبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارنًا، أو من فعل أحدهما إن كان مفردًا أو متمتعًا، كما ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا من العمرة، ولم تحلّ أنت من عمرتك؟ فقال: "إني لبدت رأسي وقلدت هدي، فلا أحلّ حتى أنحر" (^٧).
وقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني: سمعت عبد الله بن معقل قال: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد - يعني مسجد الكوفة - فسألته عن فدية من صيام، فقال: حملت إلى النبي ﷺ، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: "ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا، أما تجد شاة؟ " قلت: لا، قال: "صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط، واستدرك من (عش) و(عف).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، الحج، باب الاشتراك في الهدي (ح ١٣١٨).
(٣) سنده حسن.
(٤) أخرجه الطبري وسنده ضعيف وأخرجه من طرق أخرى تقويه منها ما سبق.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يحيى بن سليم عن هشام به، ويحيى صدوق سيء الحفظ ويشهد له ما تقدم.
(٦) صحيح البخاري، الحج، باب تقليد الغنم (ح ١٧٠١ - ١٧٠٢)، وصحيح مسلم، الحج، باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم بعد (ح ١٣٢١) بستة أحاديث برقم ٣٦٥.
(٧) صحيح البخاري، الحج، باب من لبد رأسه عند الإحرام (ح ١٧٢٥) وصحيح مسلم، الحج، باب بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاجّ المفرد (ح ١٢٢٩).
[ ٢ / ٩٥ ]
من طعام، واحلق رأسك" فنزلت فيّ خاصة وهي لكم عامة (^١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: أتى عليّ النبي ﷺ وأنا أُوقد تحت قدر والقمل يتناثر على وجهي، أو قال: حاجبي، فقال: "يؤذيك هوام رأسك؟ " قال: نعم، قال: "فاحلقه، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو أنسك نسيكة". قال أيوب: لا أدري بأيتهن بدأ (^٢).
وقال أحمد أيضًا: حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية ونحن محرمون وقد حصره المشركون، وكانت لي وفرة، فجعلت الهوام تساقط على وجهي، فمر بي النبي ﷺ فقال: "أيؤذيك هوام رأسك؟ " فأمره أن يحلق، قال: ونزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (^٣)، وكذا رواه [عفان] (^٤) عن شعبة، عن أبي بشر وهو جعفر بن إياس به، وعن شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به وعن شعبة، عن داود عن الشعبي، عن كعب بن عجرة نحوه.
ورواه الإمام مالك عن [حميد] (^٥) بن قيس، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، فذكره نحوه (^٦).
وقال سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أبان بن صالح، عن الحسن البصري: أنه سمع كعب بن عجرة يقول: فذبحت شاة، ورواه ابن مردويه (^٧).
وروي أيضًا من حديث عمر بن قيس مندل وهو ضعيف عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "النسك شاة، والصيام ثلاثة أيام، والطعام فرق بين ستة" (^٨). وكذا روي عن علي ومحمد بن كعب وعكرمة وإبراهيم ومجاهد وعطاء والسدي والربيع بن أنس (^٩).
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا عبد الله بن وهب، أن مالك بن أنس حدثه، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة: أنه كان مع رسول الله ﷺ فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق رأسه، وقال: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، مُدَّين مُدَّين لكل إنسان، أو أنسك شاة،
_________________
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه في صحيحه، تفسير سورة البقرة، باب ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا …﴾ [البقرة: ١٨٤] (ح ٤٥١٧).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٤١ - ٢٤٢)، وأخرجه مسلم من طريق أيوب به، وصحيح مسلم، الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى (ح ١٢٠١)، وأيوب السختياني.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٤١) وسنده صحيح، وأخرجه مسلم كما في سابقه.
(٤) في الأصل: "عيان" والتصويب من (عف) و(ح) و(مح) ٤/ ١ و(عش).
(٥) في الأصل بياض واستدرك من (عف) و(عش) و(ح).
(٦) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الحج، باب فدية من حلق قبل أن ينحر ح ٢٣٧) وسنده صحيح.
(٧) يشهد له ما سبق من المرفوع.
(٨) ويشهد له ما سبق وما لحق.
(٩) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند. والتخيير في هذه الفدية معمول به.
[ ٢ / ٩٦ ]
أي ذلك فعلتَ أجزأ عنك" (^١). وهكذا روى ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: إذا كان ﴿أَوْ﴾ فأيه أخذت أجزأ عنك (^٢).
قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعكرمة وعطاء وطاوس والحسن وحميد الأعرج وإبراهيم والنخعي والضحاك نحو ذلك (^٣).
(قلت): وهو مذهب الأئمة الأربعة، وعامة العلماء أنه مُخير في هذا المقام، إن شاء صام وإن شاء تصدق بفَرق، وهو ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع وهو مدان، وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء أيّ ذلك فعل أجزأه، ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ولما أمر النبي ﷺ كعب بن عجرة بذلك، أرشده إلى الأفضل فالأفضل، فقال: "أنسك شاة، أو أطعم ستة مساكين، أو صم ثلاثة أيام"، فكل حسن في مقامه، ولله الحمد والمنة.
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: ذكر الأعمش، قال: سأل إبراهيمُ سعيدَ بن جبير عن هذه الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فأجابه بقول يحكم عليه طعام، فإن كان عنده اشترى شاة، وإن لم يكن قومت الشاة دراهم وجعل مكانها طعام فتصدق، وإلا صام لكل نصف صاع يومًا، قال إبراهيم: كذلك سمعت علقمة يذكر، قال: لما قام قال لي سعيد بن جبير: من هذا ما أظرفه؟ قال: قلت: هذا إبراهيم، فقال: ما أظرفه كان يجالسنا؛ قال: فذكرت ذلك لإبراهيم، قال: فلما قلت: يجالسنا انتفض منها (^٤).
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا ابن أبي عمران، حدثنا عبد الله بن معاذ، عن أبيه، عن أشعث، عن الحسن في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه، حلق وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء، والصيام عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين، كل مسكين مكوكين: مكوكًا (^٥) من تمر، ومكوكًا من برّ، والنسك شاة (^٦).
وقال قتادة: عن الحسن وعكرمة (^٧) في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: إطعام عشرة مساكين.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام مالك عن عبد الكريم بن مالك به، وسنده صحيح (الموطأ، الحج، باب فدية من حلق ح ٢٣٧).
(٢) أخرجه الطبري من طريق ليث به، وليث فيه مقال ولد شواهد آتية تقويه.
(٣) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من ابن أبي نجيح عنه، وقول عطاء أخرجه الطبري بستد صحيح من طريق ابن جريج عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود عنه.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٥) المكوك: هو المد، وهو مكيال لأهل العراق (انظر: لسان العرب: م ك ك).
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه سعيد بن منصور من طريق منصور بن عباد عن الحسن (التفسير رقم ٢٩٥) وسنده حسن.
(٧) أخرجه الطبري من طريق شعبة عن قتادة عن الحسن وعكرمة، وسنده حسن. وأخرجه ابن حزم من طريق شعبة به (المحلى ٧/ ٣١٧).
[ ٢ / ٩٧ ]
وهذان القولان من سعيد بن جبير وعلقمة والحسن وعكرمة، قولان غريبان فيهما نظر، لأنه قد ثبتت السنّة في حديث كعب بن عجرة: الصيام ثلاثة أيام لا [عشرة و] (^١) ستة، أو إطعام ستة مساكين، أو نسك شاة، وأن ذلك على التخيير كما دلّ عليه سياق القرآن، وأما هذا الترتيب فإنما هو معروف في قتل الصيد كما هو نصُّ القرآن وعليه أجمع الفقهاء هناك بخلاف هذا، والله أعلم.
وقال هشيم: أخبرنا ليث، عن طاوس أنه كان يقول: ما كان من دمٍ أو طعامٍ فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء (^٢). وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن.
وقال هشيم: أخبرنا حجاج وعبد الملك وغيرهما، عن عطاء أنه كان يقول: ما كان من دمٍ فبمكة، وما كان من طعامٍ وصيامٍ فحيث شاء (^٣).
وقال هشيم: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد، أخبرنا أبو أسماء مولى ابن جعفر، قال: حجَّ عثمان بن عفان ومعه علي والحسين بن علي فارتحل عثمان، قال أبو أسماء: وكنت مع ابن جعفر فإذا نحن برجل نائم وناقته عند رأسه، قال: فقلت: أيها النؤوم، فاستيقظ فإذا الحسين بن علي، قال: فحمله ابن جعفر حتى أتينا به السقيا، قال: فأرسل إليّ علي ومعه أسماء بنت عميس، قال: فمرضناه نحوًا من عشرين ليلة، قال: قال علي للحسين: ما الذي تجد؟ قال: فأومأ بيده إلى رأسه، قال: فأمر به عليّ فحلق رأسه، ثم دعا ببدنة فنحرها (^٤).
فإن كانت هذه الناقة عن الحلق، ففيه أنه نحرها دون مكة، وإن كانت عن التحلل فواضح.
وقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: فإذا تمكنتم من أداء المناسك فمن كان منكم متمتعًا بالعمرة إلى الحج، وهو يشمل من أحرم بهما، أو أحرم بالعمرة أولًا، فلما فرغ منها أحرم بالحج، [وهذا هو] (^٥) التمتع الخاص، وهو المعروف في كلام الفقهاء، والتمتع العام يشمل القسمين، كما دلّت عليه الأحاديث الصحاح، فإن من الرواة من يقول: تمتع رسول الله ﷺ.
وآخر يقول: قرن ولا خلاف أنه ساق هديًا، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: فليذبح ما قدر عليه من الهدي، وأقله شاة، وله أن يذبح البقر، لأن رسول الله ﷺ ذبح عن نسائه البقر.
وقال الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة (^٦)، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ
_________________
(١) سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(ح).
(٢) أخرجه الطبري من طريق يعقوب بن إبراهيم عن هشيم به، وسنده حسن. ولعل الحافظ ابن كثير ينقل من تفسير هشيم فهو هشيم بن بشير صاحب تفسير شهير.
(٣) أخرجه الطبري عن يعقوب بن إبراهيم عن هشيم به، وسنده صحيح.
(٤) أخرجه الطبري عن يعقوب بن إبراهيم عن هشيم به، وسنده صحيح، وأخرجه الإمام مالك عن يحيى بن سعيد به (الموطأ، الحج، باب جامع الهدي ١/ ٣٨٨ ح ١٦٥)، وسنده صحيح.
(٥) في الأصل: "وهو غير" والتصويب من (عش) و(عف) و(ح).
(٦) في الأصل: "أبو مسلم" والتصويب من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.
[ ٢ / ٩٨ ]
ذبح البقر عن نسائه وكُنَّ متمتعات (^١)، رواه أبو بكر بن مردويه.
وفي هذا دليل على مشروعية التمتع، كما جاء في الصحيحين عن عمران بن حُصين، قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله وفعلناها مع رسول الله ﷺ، ثم لم ينزل قرآن يحرمها ولم ينهَ عنها، حتى مات، قال لرجل برأيه ما شاء (^٢).
قال البخاري: يقال: إنه عمر، وهذا الذي قاله البخاري قد جاء مصرحًا به أن عمر كان ينهى الناس عن التمتع ويقول: إن نأخذ بكتاب فإن الله يأمر بالتمام، يعني قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^٣)، وفي نفس الأمر لم يكن عمر ﵁ ينهى عنها محرمًا لها، إنما كان ينهى عنها ليكثر قصد الناس للبيت حاجين ومعتمرين، كما قد صرح به ﵁.
وقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ يقول تعالى: فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج؛ أي: في أيام المناسك.
قال العلماء: والأولى أن يصومها قبل يوم عرفة في العشر، قاله عطاء (^٤)، أو من حين يحرم، قاله ابن عباس وغيره لقوله: ﴿فِي الْحَجِّ﴾، ومنهم من يجوز صيامها من أول شوال، قاله طاوس ومجاهد (^٥) وغير واحد، وجوّز الشعبي صيام يوم عرفة وقبله يومين، وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والسدي وعطاء وطاوس والحكم والحسن وحماد وإبراهيم وأبو جعفر الباقر والربيع ومقاتل بن حيان (^٦)، وقال العوفي عن ابن عباس: إذا لم يجد هديًا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإذا كان يوم عرفة الثالث، فقد تمّ صومه، وسبعة إذا رجع إلى أهله (^٧)، وكذا روى أبو إسحاق عن [وبرة] (^٨)، عن ابن عمر قال: يصوم يومًا قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة (^٩)، وكذا روى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي أيضًا (^١٠).
فلو لم يصمها أو بعضها قبل العيد، فهل يجوز أن يصومها في أيام التشريق؟ فيه قولان للعلماء وهما للإمام الشافعي أيضًا، القديم منهما: أنه يجوز له صيامها لقول عائشة. وعن عائشة
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه من طريق الوليد عن الأوزاعي به، المناسك، باب في هدي البقر (ح ٧٥١)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٥٤٠).
(٢) صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] (ح ٤٥١٨) وصحيح مسلم، الحج، باب جواز التمتع (ح ١٢٢٦).
(٣) أخرجه البخاري عن أبي موسى الأشعري عن عمر ﵄، الصحيح، الحج، باب من أهلّ في زمن النبي ﷺ (ح ١٥٥٩).
(٤) أخرجه سفيان الثوري في تفسير ص ٦٢ عن ابن جريج عن عطاء به، وسنده صحيح.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد وطاوس.
(٦) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن عطية العوفي عنه.
(٨) في الأصل بياض واستدرك من (عش) و(عف) و(ح).
(٩) في سنده: وبرة مستور، وهو معروف بالرواية عن ابن عمر وبرواية أبي إسحاق السبيعي عنه (تهذيب التهذيب ١١/ ١١١).
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حاتم بن إسماعيل عن جعفر به، في سنده محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لم يسمع من علي ﵁، كما في المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٨٥.
[ ٢ / ٩٩ ]
وابن عمر في صحيح البخاري: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لا يجد الهدي (^١).
هكذا رواه مالك عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. وعن سالم، عن ابن عمر، وإنما قالوا ذلك لعموم قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾، وقد روي من غير وجه عنهما (^٢).
ورواه سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي، أنه كان يقول: من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج، صامهن أيام التشريق (^٣).
وبهذا يقول عُبيد بن عمير الليثي، عن عكرمة والحسن البصري وعروة بن الزبير (^٤)، والجديد من القولين أنه لا يجوز صيامها أيام التشريق لما رواه مسلم عن نبيشة الهذلي ﵁.
قال: قال رسول الله ﷺ: "أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر الله ﷿ " (^٥).
وقوله: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ فيه قولان:
(أحدهما): إذا رجعتم إلى رحالكم في الطريق، ولهذا قال مجاهد: هي رخصة إذا شاء صامها في الطريق (^٦).
وكذا قال عطاء بن أبي رباح (^٧).
والقول (الثاني): إذا رجعتم إلى أوطانكم.
قال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن سالم، سمعت ابن عمر قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ قال: إذا رجع إلى أهله (^٨).
وكذا روي عن سعيد بن جبير وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وقتادة والزهري والربيع بن أنس (^٩).
وحكى على ذلك أبو جعفر بن جرير الإجماع (^١٠).
وقد قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن ابن عمر قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق [معه] (^١١) الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﷺ فأهلّ بالعمرة ثم أهلّ بالحج فتمتع الناس مع النبي ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم النبي ﷺ مكة قال للناس: "من كان منكم أهدى فإنه لا يحل بشيء حرم منه
_________________
(١) صحيح البخاري، الصوم، باب صيام أيام التشريق (ح ١٩٩٧).
(٢) الموطأ، الحج، باب صيام التمتع (ح ٢٥٥).
(٣) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٤) قول عبيد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن، وذكر قول عروة بحذف السند.
(٥) صحيح مسلم، الحج، باب تحريم صوم أيام التشريق (ح ١١٤١).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق منصور بن المعتمر عنه.
(٧) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرجه الطبري عن سفيان بن وكيع عن وكيع عن فطر عن عطاء، وفي سنده: سفيان بن وكيع: ضعيف ولا يضر لأن العمل على هذا القول.
(٨) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره وابن أبي حاتم من طريق عبد الرزاق به، وسنده صحيح.
(٩) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(١٠) ذكره في تفسيره.
(١١) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(عش) و(ح) والتخريج.
[ ٢ / ١٠٠ ]
حتى يقضي حجه ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهلّ بالحج، فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله" وذكر تمام الحديث. قال الزهري: وأخبرني عروة، عن عائشة بمثل ما أخبرني سالم عن أبيه، والحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري (^١) به.
وقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قيل: تأكيد، كما تقول العرب: رأيت بعيني، وسمعت بأذني، وكتبت بيدي، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٣٨] وقال: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، وقال: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] وقيل: معناهُ كاملة الأمر بإكمالها وإتمامها، اختاره ابن جرير، وقيل: معنى ﴿كَامِلَةٌ﴾: أي مجزئة عن الهدي (^٢).
قال هشيم: عن عباد بن راشد، عن الحسن البصري في قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قال: من الهدي (^٣).
وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال ابن جرير: واختلف أهل التأويل فيمن عنى بقوله: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بعد إجماع جميعهم على أن أهل الحرم معنيون به وأنه لا متعة لهم، فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم خاصة دون غيرهم، حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان - هو الثوري - قال ابن عباس ومجاهد: هم أهل الحرم. وكذا روى ابن المبارك عن الثوري، وزاد الجماعة عليه (^٤)، وقال قتادة: ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة، لا متعة لكم، أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم، إنما يقطع أحدكم واديًا، أو قال: يجعل بينه وبين الحرم واديًا، [ثم] (^٥) يهلّ بعمرة (^٦).
وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: المتعة للناس لا لأهل مكة، من لم يكن أهله من الحرم. وذلك قول الله ﷿: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس (^٧).
وقال آخرون: هم أهل الحرم ومن بينه وبين المواقيت، كما قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن رجل، عن عطاء، قال: من كان أهله دون المواقيت فهو كأهل مكة لا يتمتع (^٨).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه بسنده بتمامه، الحج، باب من ساق البدن معه (ح ١٦٩١)، ومسلم في صحيحه، الحج، باب وجوب الدم على المتمتع (ح ١٢٢٧).
(٢) ذكره الطبري في تفسيره دون تسمية.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق هشيم به، وسنده حسن.
(٤) أي قوله: هم أهل الحرم، والجماعة عليه، كذا ذكره الطبري بسنده ولفظه، وفيه انقطاع بين الثوري وابن عباس ومجاهد فإنه لم يدركهما.
(٥) سقط في من الأصل واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.
(٦) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة به، وأخرجه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به، وقتادة لم يسمع من ابن عباس (المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٦٨).
(٧) أخرجه الطبري بسنده ولفظه وسنده إلى طاوس حسن.
(٨) في سنده رجل مبهم، وهكذا أخرجه عبد الرزاق والطبري في تفسيريهما.
[ ٢ / ١٠١ ]
وقال عبد الله بن المبارك: عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن مكحول في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: من كان دون الميقات (^١).
وقال ابن جريج: عن عطاء ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: عرفة ومرّ (^٢) وعرنة (^٣) والرجيع (^٤) وضجنان (^٥) (^٦).
وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر سمعت الزهري يقول من كان أهله على يوم أو نحوه تمتع (^٧).
وفي رواية عنه: اليوم واليومين (^٨)، واختار ابن جرير في ذلك مذهب الشافعي أنهم أهل الحرم، ومن كان منه على مسافة لا يقصر فيها الصلاة، لأن من كان كذلك يعد حاضرًا لا مسافرًا، والله أعلم (^٩).
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: فيما أمركم ونهاكم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: لمن خالف أمره وارتكب ما عنه زجره.
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾.
اختلف أهل العربية في قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فقال بعضهم: تقديره الحج حج أشهر معلومات، فعلى هذا التقدير يكون الإحرام بالحج فيها أكمل من الإحرام فيما عداها وإن كان ذاك صحيحًا، والقول بصحة الإحرام بالحج في جميع السنة مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وبه يقول إبراهيم النخعي والثوري والليث بن سعد واحتج لهم بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] وبأنه أحد النسكين، فصحَّ الإحرام به في جميع السنة كالعمرة.
وذهب الشافعي ﵀، إلى أنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره، فلو أحرم به قبلها لم ينعقد إحرامه، بل. وهل ينعقد عمرة؟ فيه قولان عنه. والقول بأنه لا يصح الإحرام بالحج إلا في أشهره مروي عن ابن عباس وجابر، وبه يقول عطاء وطاوس ومجاهد ﵏، والدليل عليه قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [وظاهره التقدير الآخر الذي ذهب إليه النحاة (^١٠)، وهو أن وقت
_________________
(١) أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن ابن المبارك به، وسنده صحيح.
(٢) منطقة تبعد عن مكة خمسة أميال (معجم البلدان ٤/ ٤٩٣).
(٣) عرنة الوادي الذي يحد عرفة من جهة مكة.
(٤) الرجيع: ماء لبني هذيل قرب الهدي بين مكة والطائف (معجم البلدان ٢/ ٧٥٦).
(٥) ضجنان: جبل بناحية مكة كذا مكتوب في (عف).
(٦) أخرجه الطبري بإسنادين يقوي بعضهما بعضًا من طريق سفيان الثوري عن ابن جريج به، وأخرجه ابن أبي حاتم بإسناد صحيح من طريق الثوري عن ابن جريج به.
(٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره عن معمر به، بلفظ: "أو نحو فهو كأهل مكة". وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، كما هو مثبت في الأصل، وسنده صحيح.
(٨) أخرجه الطبري من طريق ابن المبارك عن معمر عن الزهري وسنده صحيح.
(٩) ذكره الطبري مطولًا في صفحة كاملة.
(١٠) ينظر: معاني القرآن للفراء ١/ ١١٩.
[ ٢ / ١٠٢ ]
الحج أشهر معلومات] (^١)، فخصصه بها من بين سائر شهور السنة، فدل على أنه لا يصح قبلها كميقات الصلاة.
وقال الشافعي ﵀: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في شهور الحج من أجل قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن يحيى بن مالك السوسي، عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج (^٢) به.
ورواه ابن مردويه في تفسيره من طريقين عن حجاج بن أرطاة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس أنه قال: من السنّة لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج.
وقال ابن خزيمة في صحيحه: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، [فإن من سنّة الحج أن يحرم في أشهر الحج] (^٣) (^٤). وهذا إسناد صحيح، وقول الصحابي: من السنة كذا في حكم المرفوع عند الأكثرين، ولا سيّما قول ابن عباس تفسيرًا للقرآن وهو ترجمانه. وقد ورد فيه حديث مرفوع.
قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع، حدثنا الحسن بن المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج" (^٥) وإسناده لا بأس به.
لكن رواه الشافعي والبيهقي من طرق عن ابن جريج، عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل: أيهلّ بالحج قبل أشهر الحج؟ فقال: لا، وهذا الموقوف أصح وأثبت من المرفوع، ويبقى حينئذٍ مذهب صحابي يتقوى بقول ابن عباس من السنة: أن لا يحرم بالحج إلا في أشهره، والله أعلم.
وقوله: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ قال البخاري: قال ابن عمر: هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة (^٦).
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(عش) و(مح) ٤/ ١.
(٢) أخرجه الشافعي بسنده ومتنه (الأم ٢/ ١٣٦)، وأخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفي سنديهما عمر بن عطاء وهو وراز: ضعيف (التقريب ص ٤١٦)، وقد توبع كما سيأتي في رواية ابن مردويه وابن خزيمة فالإسناد يرقى إلى الحسن لغيره.
(٣) صحيح ابن خزيمة، المناسك، باب النهي عن الإحرام بالحج في غير أشهر الحج ٤/ ١٦١ (ح ٢٥٩٦) وأخرجه الحاكم من طريق ابن خزيمة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٤٨).
(٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(عش) و(مح) ٤/ ١.
(٥) في سنده أبو حذيفة وهو: موسى ابن مسعود النهدي: صدوق سيء الحفظ وكان يصحف (التقريب ص ٥٥٤) ولعله هو الذي رفعه لأنه كما قال أن الموقوف أصح وأثبت من المرفوع.
(٦) الصحيح، الحج، باب قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ …﴾ [البقرة: ١٩٧] قبل (ح ١٥٦٥).
[ ٢ / ١٠٣ ]
وهذا الذي علّقه البخاري بصيغة الجزم، رواه ابن جرير، حدثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة، حدثنا أبو نعيم، حدثنا ورقاء، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ قال: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة (^١).
إسناد صحيح، وقد رواه الحاكم أيضًا في مستدركه عن الأصم، عن الحسن بن علي بن عفان، عن عبد الله بن نمير، [عن عبيد الله] (^٢) عن نافع، عن ابن عمر … فذكره وقال: هو على شرط الشيخين (^٣).
(قلت): وهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود وعبد الله بن الزبير وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد وإبراهيم النخعي والشعبي والحسن وابن سيرين ومكحول وقتادة والضحاك بن مزاحم والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان (^٤).
وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وأبي يوسف وأبي ثور ﵏، واختار هذا القول ابن جرير، قال: وصحّ إطلاق الجمع (^٥) على شهرين وبعض الثالث للتغليب، كما تقول العرب: زرته العام ورأيته اليوم، وإنما وقع ذلك في بعض العام واليوم (^٦).
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وإنما تعجل في يوم ونصف.
وقال الإمام مالك بن أنس [والشافعي - في القديم] (^٧): هي شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله. وهو رواية عن ابن عمر أيضًا.
قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة (^٨).
وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني ابن جريج، قال: قلت لنافع: أسمعت عبد الله بن عمر يسمي شهور الحج. قال: نعم، كان عبد الله يسمي شوالًا وذا القعدة وذا الحجة. قال ابن جريج: وقال ذلك ابن شهاب وعطاء وجابر بن عبد الله صاحب النبي ﷺ (^٩).
وهذا إسناد صحيح إلى ابن جريج، وقد حكى هذا أيضًا عن طاوس ومجاهد وعروة بن الزبير والربيع بن أنس وقتادة (^١٠).
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه. وصححه الحافظ ابن كثير.
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عش) وعف و(ح) والتخريج.
(٣) المستدرك (٢/ ٢٧٦)، وصححه ووافقه الذهبي.
(٤) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٥) كذا في الأصل وفي (ح) و(عش) بلفظ: "الجميع".
(٦) ذكره الطبري في تفسيره بنحوه وأطول.
(٧) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(عش) و(ح).
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه سعيد بن منصور (التفسير)، وابن أبي شيبة (المصنف ٤/ ٢١٨) كلاهما من طريق شريك به، وفيه شريك وإبراهيم بن المهاجر كلاهما فيهما مقال إلا إنهما توبعا في الرواية التالية إذ رواه ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن نافع عن ابن عمر وصححه الحافظ ابن كثير كما سيأتي.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وصحح سنده الحافظ ابن كثير إلى ابن جريج.
(١٠) ذكر ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.
[ ٢ / ١٠٤ ]
وجاء فيه حديث مرفوع لكنه موضوع، رواه الحافظ ابن مردويه من طريق حُصين بن مخارق، وهو متهم بالوضع، عن يونس بن عبيد، عن شهر بن حوشب، عن أبي أُمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾: شوال وذو القعدة وذو الحجة" وهذا كما رأيت لا يصح رفعه، والله أعلم.
وفائدة مذهب مالك: أنه إلى آخر ذي الحجة بمعنى أنه مختص بالحج، فيكره الاعتمار في بقية ذي الحجة، لا أنه يصح الحج بعد ليلة النحر.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: قال عبد الله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، ليس فيها عمرة (^١). وهذا إسناد صحيح.
قال ابن جرير: وإنما أراد من ذهب إلى أن أشهر الحج: شوال وذو القعدة وذو الحجة أن هذه الأشهر ليست أشهر العمرة إنما هي للحج وإن كان عمل الحج قد انقضى بانقضاء أيام منى، كما قال محمد بن سيرين: ما أحد من أهل العلم يشك في أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج. وقال ابن عون: سألت القاسم بن محمد عن العمرة في أشهر الحج فقال: كانوا لا يرونها تامة (^٢).
(قلت): وقد ثبت عن عمر وعثمان ﵄، أنهما كان يحبان الاعتمار في غير أشهر الحج وينهيان عن ذلك في أشهر الحج، والله أعلم.
وقوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أي: أوجب بإحرامه حجًا، فيه دلالة على لزوم الإحرام بالحج والمضي فيه.
قال ابن جرير: أجمعوا على أن المراد من الفرض ههنا الإيجاب والإلزام، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ يقول: من أحرم بحج أو عمرة (^٣).
وقال عطاء: الفرض الإحرام (^٤). وكذا قال إبراهيم والضحاك وغيرهم (^٥). وقال [ابن جُريج] (^٦): أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ فلا ينبغي أن يلبي بالحج ثم يقيم بأرض (^٧).
قال ابن أبي حاتم: روي عن ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير ومجاهد وعطاء وإبراهيم
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه وسنده صحيح كما قال الحافظ.
(٢) قول ابن عون أخرجه الطبري من إسحاق بن يوسف عن ابن عون به.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة به، وقول الطبري ورد مطولًا.
(٤) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق ليث عن عطاء به.
(٥) قول إبراهيم النخعي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق المغيرة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري من طريق حسين بن عقيل الخراساني عنه ولم أقف على ترجمة حسين بن عقيل ويشهد له ما سبق.
(٦) في الأصل: "ابن جرير" والتصويب من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج به، وفي سنده عمر بن عطاء ضعيف، ويشهد له الآثار التي تليه.
[ ٢ / ١٠٥ ]
النخعي وعكرمة والضحاك وقتادة وسفيان الثوري والزهري ومقاتل بن حيان: نحو ذلك. وقال طاوس والقاسم بن محمد: هو التلبية (^١).
وقوله: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ أي: من أحرم بالحج أو العمرة فليجتنب الرفث، وهو الجماع، كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك، وكذا التكلم به بحضرة النساء.
قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس: أن نافعًا أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقول: الرفث إتيان النساء والتكلم بذلك للرجال والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم (^٢).
قال ابن وهب: وأخبرني أبو صخر عن محمد بن كعب مثله (^٣).
قال ابن جرير: وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن رجل، عن أبي العالية الرياحي، عن ابن عباس، أنه كان يحدو وهو محرم، وهو يقول:
وهنّ يمشين بنا هَميسا … إن تصدُقِ الطيرُ نَنِكْ لَميسا (^٤)
قال أبو العالية: فقلت: تتكلم بالرفث وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث ما قيل عند النساء (^٥).
ورواه الأعمش عن زياد بن حصين عن أبي العالية عن ابن عباس … فذكره (^٦).
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، قال: حدثني زياد بن حصين قال: حدثني أبي حصين بن قيس، قال: أصعدت مع ابن عباس في الحاج، وكنت خليله، فلما كان بعد إحرامنا وقال ابن عباس: فأخذ بذنب بعيره فجعل يلويه ويرتجز ويقول:
وهنّ يمشين بنا هَميسا … إن تصدُقِ الطيرُ نَنِكْ لَميسا
قال: فقلت: أترفث وأنت محرم؟ فقال: إنما الرفث ما قيل عند النساء (^٧).
وقال عبد الله بن طاوس، عن أبيه: سألت ابن عباس عن قول الله ﷿: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾؟ قال: الرفث: التعريض بذكر الجماع، وهي العرابة في كلام العرب، وهو أدنى الرفث (^٨).
_________________
(١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بالسند نفسه وبمتنه. وسنده صحيح.
(٣) أخرجه الطبري من طريق يونس الأيلي عن ابن وهب به.
(٤) ورد هذا الرجز بدون نسبة وكذا في المحرر الوجيز ١/ ٥٥٥، والبحر المحيط ٢/ ٢٧، والهميس هو صوت نقل خفاق الإبل. واللميس: المرأة الناعمة الملمس، كما في لسان العرب (ل م س).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفي سنده رجل مبهم فالسند ضعيف.
(٦) أخرجه الطبري من طريق محمد بن حميد الرازي عن جرير عن الأعمش به. ومحمد بن حميد: ضعيف وقد توبع فقد أخرجه الحاكم من طريق إسحاق بن إبراهيم عن جرير به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٧٦).
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحصين بن قيس لم أجد له ترجمة. وأخرجه سعيد بن منصور من طريق عوف به (التفسير ٣٤٥).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سفيان الثوري عن ابن طاوس به، وسنده حسن.
[ ٢ / ١٠٦ ]
وقال عطاء بن أبي رباح: الرفث: الجماع وما دونه من قول الفحش (^١). وكذا قال عمرو بن دينار (^٢).
وقال عطاء: كانوا يكرهون العرابة، وهو التعريض وهو محرم (^٣).
وقال طاوس: هو أن يقول للمرأة: إذا حللت أصبتك (^٤)، وكذا قال أبو العالية.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الرفث: غشيان النساء والقبلة والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك (^٥).
وقال ابن عباس أيضًا وابن عمر: الرفث: غشيان النساء (^٦).
وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وإبراهيم وأبو العالية عن عطاء ومكحول [وعطاء الخراساني، (^٧) وعطاء بن يسار وعطية وإبراهيم النخعي والربيع والزهري والسدي ومالك بن أنس ومقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم (^٨).
وقوله: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ قال مقسم وغير واحد، عن ابن عباس هي: المعاصي (^٩).
وكذا قال عطاء ومجاهد وطاوس وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة وإبراهيم النخعي والزهري ومكحول والربيع بن أنس وعطاء بن يسار وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان (^١٠).
وقال محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الفسوق ما أصيب من معاصي الله صيدًا أو غيره (^١١).
وكذا روى ابن وهب، عن يونس، عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم (^١١).
وقال آخرون: الفسوق ههنا السباب. قاله ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ومجاهد والسدي
_________________
(١) أخرجه الطبري من طريق محمد بن بكر البرساني عن ابن جريج عن عطاء وسنده حسن.
(٢) أخرجه الطبري من طريق محمد بن بكر البرساني عن ابن جريج عن عمرو وسنده حسن.
(٣) أخرجه الطبري من علقمة بن مرثد عن عطاء وسنده صحيح.
(٤) أخرجه الطبري من الحسن بن مسلم عن طاوس وسنده صحيح.
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.
(٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا، وقول ابن عمر أخرجه الطبري من طريق محمد بن إسحاق قال: عن نافع عن ابن عمر، وفي سنده ابن إسحاق لم يصرح بالسماع، وأخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق به (المستدرك ٢/ ٢٧٦) وصححه ووافقه الذهبي.
(٧) في الأصل: "أن أبان" والتصويب من (عش) و(عف) و(ح).
(٨) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف الأسانيد.
(٩) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق خُصيف عن مقسم به، وسنده حسن.
(١٠) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف الأسانيد وأغلب هذه الأقوال أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.
(١١) أخرجه الحاكم من طريق محمد بن إسحاق به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٧٦)، وقد توبع ابن إسحاق فأخرجه الطبري من طريق يونس عن نافع به.
[ ٢ / ١٠٧ ]
وإبراهيم والحسن (^١). وقد يتمسك هؤلاء بما ثبت في الصحيح: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (^٢) [ولهذا رواه ههنا الحبر أبو محمد بن أبي حاتم ﵀ من حديث سفيان الثوري عن زبيد، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ، قال: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" (^٣).
وروي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، ومن حديث أبي إسحاق، عن محمد بن سعد، عن أبيه] (^٤).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الفسوق ههنا الذبح للأصنام. قال الله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (^٥) [الأنعام: ١٤٥].
وقال الضحاك: الفسوق: التنابز بالألقاب (^٦).
والذين قالوا: الفسوق ههنا: هو جميع المعاصي معهم الصواب، كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم، وإن كان في جميع السنّة منهيًا عنه، إلا أنه في الأشهر الحرم آكد، ولهذا قال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]. وقال في الحرم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
واختار ابن جرير أن الفسوق ههنا ارتكاب ما نهى عنه في الإحرام من قتل الصيد وحلق الشعر وقلم الأظفار ونحو ذلك، كما تقدم عن ابن عمر، وما ذكرناه أولى، والله أعلم، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي حازم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من حجَّ هذا البيت، فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (^٧).
وقوله: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فيه قولان:
(أحدهما): ولا مجادلة في وقت الحج وفي مناسكه، وقد بيّنه الله أتم بيان، ووضحه أكمل إيضاح، كما قال وكيع: عن العلاء بن عبد الكريم: سمعت مجاهدًا يقول: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قد بيّن الله أشهر الحج فليس فيه جدال بين الناس (^٨).
وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: لا شهر ينسأ ولا جدال في
_________________
(١) قول ابن عمر أخرجه الطبري بإسنادين يقوي بعضهما بعضًا. وقول ابن عباس أخرجه الطبري بإسنادين يقوي بعضهما بعضًا، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند ضعيف يشهد له ما سبق، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسباط عنه.
(٢) صحيح البخاري، الإيمان، باب خوف المؤمن إن يحبط عمله وهو لا يشعر (ح ٤٨)، وصحيح مسلم، الإيمان، بيان قول النبي ﷺ: "سباب المسلم فسوق" (ح ٦٤).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري به، وتقدم تخريجه في الصحيحين.
(٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) و(مح).
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٦) أخرجه الطبري من طريق حسين بن عقيل عنه.
(٧) صحيح البخاري، الحج، باب فضل الحج المبرور (ح ١٥٢١) وصحيح مسلم، الحج، باب فضل الحج والعمرة (ح ١٣٥٠) وما بعده.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق وكيع به، وسنده صحيح.
[ ٢ / ١٠٨ ]
الحجِّ قد تبيّن ثم ذكر كيفية ما كان المشركون يصنعون في النسيء الذي ذمهم الله به (^١).
وقال الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع (^٢)، عن مجاهد في قوله: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: قد استقام الحج، فلا جدال فيه (^٣). وكذا قال السدي (^٤).
وقال هشيم: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: المراء في الحج (^٥).
وقال عبد الله بن وهب: قال مالك: قال الله تعالى: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فالجدال في الحج - والله أعلم - أن قريشًا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة، وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة، وكانوا يتجادلون يقول هؤلاء: نحن أصوب ويقول هؤلاء: نحن أصوب، فهذا فيما نرى، والله أعلم (^٦).
وقال ابن وهب: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم، فقطعه [الله حين] (^٧) أعلم نبيه بالمناسك (^٨).
وقال ابن وهب: عن أبي صخر، عن محمد بن كعب، قال: كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء: حجنا أتمُّ من حجِّكم، وقال هؤلاء: حجُّنا أتمُّ من حجِّكم (^٩).
وقال حماد بن سلمة، عن جُبير بن حبيب، عن القاسم بن محمد أنه قال: الجدال في الحجِّ أن يقول بعضهم: الحجُّ غدًا، ويقول بعضهم: الحجُّ اليوم (^١٠).
وقد اختار ابن جرير مضمون هذه الأقوال، وهو قطع التنازع في مناسك الحجِّ.
(والقول الثاني): أن المراد بالجدال ههنا المخاصمة. قال ابن جرير: حدثنا عبد الحميد بن بيان، حدثنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه (^١١). وبهذا الإسناد إلى أبي إسحاق، عن التميمي، سألت ابن عباس، عن الجدال، قال: المراء تماري صاحبك حتى تغضبه (^١٢). وكذلك
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عيسى بن ميمون عن ابن أبي نجيح به.
(٢) في الأصل صحف إلى "ربيع".
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري به.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسباط عن السدي به.
(٥) أخرجه الطبري من طريق سنيد عن هشيم به وفي سُنده سُنيد فيه مقال وقد توبع في رواية ابن أبي حاتم فأخرجه من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري عن خصيف عن مقسم عن ابن عباس، فالإسناد حسن.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب به، وسنده صحيح.
(٧) في الأصل: "إنه" من والتصويب من (عش) و(عف) و(ح) و(مح).
(٨) أخرجه الطبري عن يونس عن ابن وهب به، وسنده صحيح.
(٩) أخرجه الطبري عن يونس عن ابن وهب به، وسنده صحيح.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق حجاج الأنماطي عن حماد به، وسنده صحيح.
(١١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده حسن.
(١٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه التميمي وهو أربدة: ضعيف وقد تابعه مقسم وعلي أبي طلحة، ويشهد له =
[ ٢ / ١٠٩ ]
روى مقسم والضحاك عن ابن عباس (^١).
وكذا قال أبو العالية وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وجابر بن زيد وعطاء الخراساني ومكحول والسدي ومقاتل بن حيان وعمرو بن دينار والضحاك والربيع بن أنس وإبراهيم النخعي وعطاء بن يسار والحسن وقتادة والزهري (^٢).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، المِراء والملاحاة حتى تغضب أخاك وصاحبك فنهى الله عن ذلك (^٣)، وقال إبراهيم النخعي: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ قال: كانوا يكرهون الجدال.
وقال محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الجدال في الحج السباب والمنازعة (^٤). وكذا روى ابن وهب عن يونس، عن نافع أن ابن عمر كان يقول: الجدال في الحج السباب والمراء والخصومات (^٥). وقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن الزبير والحسن وإبراهيم وطاوس ومحمد بن كعب، قالوا: الجدال المراء (^٦).
وقال عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن بشر، عن عكرمة ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ والجدال: الغضب، أن تغضب عليك مسلمًا إلا أن تستعتب مملوكًا فتغضبه من غير أن تضربه، فلا بأس عليك. إن شاء الله (^٧).
(قلت): ولو ضربه لكان جائزًا سائغًا (^٨)، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن إدريس، حدثنا محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ حجاجًا حتى إذا كنا بالعرج (^٩) نزل رسول الله ﷺ فجلست عائشة إلى جنب رسول الله ﷺ وجلست إلى جانب أبي، وكانت زمالة (^١٠) أبي بكر وزمالة رسول الله ﷺ واحدة مع غلام أبي بكر، فجلس أبو بكر ينتظره إلى أن يطلع عليه، فاطلع وليس مع بعيره، فقال: أين بعيرك؟ فقال: أضللته البارحة، فقال أبو بكر: بعير واحد تضله؟ فطفق يضربه ورسول الله ﷺ يبتسم ويقول: "انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع".
وهكذا أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن إسحاق (^١١).
_________________
(١) = ما سيأتي من آثار من تلاميذ ابن عباس كسعيد بن جبير وعكرمة.
(٢) أخرجهما الطبري، والضحاك لم يلق ابن عباس، وسند مقسم عن ابن عباس حسن.
(٣) ذكر كلهم ابن أبي حاتم بحذف الأسانيد.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.
(٥) أخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٧٦)، وقد توبع ابن إسحاق كما سيأتي في الرواية التالية.
(٦) أخرجه الطبري من طريق يونس عن ابن وهب به، وسنده صحيح.
(٧) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٨) أخرجه الطبري من طريق سويد عن ابن المبارك به، وسنده حسن.
(٩) استدل الحافظ على جواز الضرب بدليل ضعيف كما سيأتي.
(١٠) قال السندي: قرية جامعة من عمل الفرع على أيام من المدينة (نقلا عن حاشية المسند ٤٤/ ٤٨٥).
(١١) زمالة: أدوات السفر وآلاته (المصدر السابق).
(١٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤/ ٤٨٥ ح ٢٦٩١٦)، وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب =
[ ٢ / ١١٠ ]
ومن هذا الحديث حكى بعضهم عن بعض السلف أنه قال: من تمام الحج ضرب الجمال، ولكن يستفاد من قول النبي ﷺ عن أبي بكر ﵁: "انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع" كهيئة الإنكار اللطيف أن الأولى ترك ذلك، والله أعلم.
وقد قال الإمام عبد بن حميد في مسنده: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيد الله، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: "من قضى نسكه وسلم المسلمون من لسانه ويده، غفر له ما تقدم من ذنبه" (^١).
وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ لما نهاهم عن إتيان القبيح قولًا وفعلًا، حثهم على فعل الجميل وأخبرهم أنه عالم به، وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة.
وقوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ قال العوفي عن ابن عباس: كان أناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة، يقولون: نحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فقال الله: تزوّدوا ما يكف وجوهكم عن الناس (^٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري (^٣)، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة أن ناسًا كانوا يحجون بغير زاد فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (^٤). وكذا رواه ابن جرير عن عمرو وهو الفلاس، عن ابن عيينة. قال ابن أبي حاتم: وقد روى هذا الحديث ورقاء عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: وما يرويه ابن عيينة أصح.
(قلت): قد رواه النسائي، عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: كان ناس يحجون بغير زاد، فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (^٥). وأما حديث ورقاء فأخرجه [البخاري عن يحيى بن بشر، عن شبابة، وأخرجه] (^٦) أبو داود (^٧)، عن أبي مسعود أحمد بن الفرات الرازي ومحمد بن عبد الله المخزومي عن شبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (^٨).
_________________
(١) = المناسك، باب المحرم يؤدب غلامه (ح ١٨١٨)، وابن ماجه في سننه، كتاب المناسك، باب التوقي في الإحرام (ح ٢٩٣٣) كلهم من طريق ابن إسحاق به، وفيه عنعنه ابن إسحاق وهو من المدلسين الذين لا تقبل روايتهم إلا إذا صرحوا بالسماع، والإسناد ضعيف.
(٢) المنتخب من مسند عبد الله بن حميد (ح ١١٤٨)، وفي سنده موسى بن عبيدة وهو الربذي: ضعيف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس وقد توبع كما سيأتي في رواية البخاري.
(٤) في الأصل: "المصري" وهو تصحيف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وهو إسناد صحيح لكنه مرسل ويشهد له ما سيأتي في الصحيح.
(٦) السنن، الحج (ح ١١٠٣٣).
(٧) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(عش) و(ح) و(مح).
(٨) السنن، الحج (ح ١٧٣٠).
(٩) أخرجه البخاري عن يحيى بن بشر عن شبابه به، الصحيح، الحج، باب قول الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] (ح ١٥٢٣).
[ ٢ / ١١١ ]
ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن شبابة، ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث شبابة به، وروى ابن جرير وابن مردويه من حديث عمرو بن عبد الغفار، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم رموا بها واستأنفوا زادًا آخر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتزودوا الدقيق والسويق والكعك (^١). وكذا قال ابن الزبير وأبو العالية ومجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي وسالم بن عبد الله وعطاء الخراساني وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان (^٢).
وقال سعيد بن جبير: فتزودوا الدقيق والسويق والكعك (^٣).
وقال وكيع بن الجراح في تفسيره: حدثنا سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ قال: الخشكنانج (^٤) والسويق (^٥). قال وكيع أيضًا: حدثنا إبراهيم المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: إن من كرم الرجل طيب زاده في السفر (^٦). وزاد فيه حماد بن سلمة، عن أبي ريحانة أن ابن عمر كان يشترط على من صحبه الجودة.
وقوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا أرشدهم إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها، كما قال: ﴿وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] لما ذكر اللباس الحسي نبّه مرشدًا إلى اللباس المعنوي، وهو الخشوع والطاعة والتقوى، وذكر أنه خير من هذا وأنفع.
قال عطاء الخراساني في قوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ يعني: زاد الآخرة (^٧).
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبدان، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "من يتزوّد في الدنيا ينفعه في الآخرة" (^٨).
وقال مقاتل بن حيان لما نزلت هذه الآية ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾: قام رجل من فقراء المسلمين فقال: يا رسول الله، ما نجد زادًا نتزوّده، فقال رسول الله ﷺ: "تزوّد ما تكفّ به وجهك عن الناس، وخير ما تزوّدتم التقوى" رواه ابن أبي حاتم (^٩).
_________________
(١) أخرجه الطبري من طريق عمرو بن عبد الغفار عن محمد بن سوقة عن نافع به، له شاهد في الصحيح تقدم قبله.
(٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف الأسانيد.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق محمد بن سوقه عن سعيد بن جبير.
(٤) الخشكنانج: هو خبزة تصنع من خالص دقيق الحنطة وتملأ بالسكر واللوز أو الفستق وتقلى (الوسيط باب: خ ش ك).
(٥) سنده صحيح وأخرجه الطبري من طريق وكيع به.
(٦) في سنده إبراهيم المكي وهو ابن يزيد الخوزي: متروك (التقريب ص ٩٥).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه به، وعثمان: ضعيف.
(٨) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٢/ ٣٠٥) وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠/ ٣١١)، وصحح إسناده أحمد شاكر في عمدة التفسير ١/ ٦٥، ولكن في سنده مروان بن معاوية كان يدلس أسماء الشيوخ (التقريب ص ٥٢٦)، ولم يصرح باسم والد شيخه إسماعيل.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان وسنده معضل لأن مقاتلًا من أتباع التابعين.
[ ٢ / ١١٢ ]
وقوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ يقول: واتقوا عقابي ونكالي وعذابي لمن خالفني ولم يأتمر بأمري، يا ذوي العقول والأفهام.
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾.
قال البخاري: حدثنا محمد، أخبرني ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس، قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقًا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في الموسم، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج (^١).
وهكذا رواه عبد الرزاق (^٢) وسعيد بن منصور (^٣) وغير واحد عن سفيان بن عيينة به (^٤). ولبعضهم فلما جاء الإسلام تأثموا أن يتجروا، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية. وكذا رواه ابن جريج عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: كان متجر الناس في الجاهلية عكاظ ومجنة وذو المجاز، فلما كان الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت هذه الآية (^٥).
وروى أبو داود وغيره من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج، يقولون: أيام ذكر، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^٦).
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج (^٧).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده (^٨)، وهكذا روى العوفي عن ابن عباس (^٩).
وقال وكيع: حدثنا طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء، عن ابن عباس أنه كان يقرأ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج (^١٠).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه بسنده ومتنه، التفسير، باب ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] (ح ٤٥١٩).
(٢) تفسير عبد الرزاق ١/ ٧٨.
(٣) تفسير سعيد بن منصور (ح ٣٤٧).
(٤) لفظ: "به" سقط من الأصل.
(٥) أخرجه الطبري من طريق علي بن مسهر عن ابن جريج به، وهو بنحو رواية البخاري المتقدمة.
(٦) أخرجه أبو داود من طريق يزيد به (السنن، المناسك، باب التجارة في الحج ح ١٧٣١)، وتشهد له رواية البخاري المتقدمة.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه ويشهد له ما سبق.
(٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.
(٩) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي به، وتشهد له رواية علي بن أبي طلحة.
(١٠) أخرجه الطبري عن ابن حميد، عن يحيى بن واضح عن طلحة بن عمرو الحضرمي به، وفي سنده علتان: ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي وهو ضعيف. وطلحة بن عمرو الحضرمي: وهو متروك (التقريب ص ٢٨٣)، فالإسناد ضعيف جدًّا.
[ ٢ / ١١٣ ]
[وقال عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد: سمعت ابن الزبير يقول: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج] (^١). ورواه عبد بن حميد، عن محمد بن الفضل، عن حماد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي يزيد: سمعت ابن الزبير يقرأ … فذكر مثله سواء. وهكذا فسّرها مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة ومنصور بن المعتمر وقتادة وإبراهيم النخعي والربيع بن أنس وغيرهم، وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا شعبة، عن أبي أميمة، قال: سمعت ابن عمر سئل عن الرجل يحج ومعه تجارة، فقرأ ابن عمر: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهذا موقوف (^٢). وهو قوي جيد.
وقد روي مرفوعًا، قال أحمد: حدثنا أسباط، حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي، عن أبي أُمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إنا نكري فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعرف، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قال: قلنا: بلى، فقال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فسأله عن الذي سألتني، فلم يجبه حتى نزل عليه جبريل بهذه الآية ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فدعاه النبي ﷺ، فقال: "أنتم حجاج" (^٣).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن العلاء بن المسيب، عن رجل من بني تميم، قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنا نقوم نكري ويزعمون أنه ليس لنا حج، قال: ألستم تحرمون كما يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما يرمون؟ قال: بلى، قال: فأنت حاج، ثم قال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عما سألت عنه، فنزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^٤). ورواه عبد بن حميد في تفسيره، عن عبد الرزاق به، وهكذا روى هذا الحديث أبو حذيفة عن الثوري مرفوعًا (^٥)، وهكذا روي من غير هذا الوجه مرفوعًا، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عباد بن العوام، عن العلاء بن المسيب، عن أبي أُمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إنا أناس نكري في هذا الوجه إلى مكة، وإن أناسًا يزعمون أنه لا حجَّ لنا، فهل ترى لنا حجًّا؟ قال: ألستم تحرمون وتطوفون بالبيت وتقضون المناسك؟ قال: قلت: [بلى] (^٦)، قال: "فأنتم حُجَّاج" ثم قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الذي سألت فلم يدر ما يعود عليه، أو قال: فلم يرد عليه شيئًا حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فدعا الرجل فتلاها عليه، وقال: "أنتم
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(عف) و(ح).
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكم عليه الحافظ بالجودة والقوة.
(٣) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٦٤٣٤)، أخرجه أبو داود في سننه، المناسك، باب الكرى (ح ١٧٣٣)، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (ح ٣٠٥٢)، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٤٩٩، كلهم من طريق إسباط به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٥٢٥).
(٤) في سنده رجل مبهم وقد صرح باسمه في رواية أحمد أنه أبو أمامة التيمي، وفي رواية ابن أبي حاتم التالية.
(٥) في مسنديهما رجل مبهم وقد صرح باسمه في رواية أحمد أنه أبو أمامة التيمي.
(٦) قوله: "بلى" سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) و(مح).
[ ٢ / ١١٤ ]
حُجَّاج" (^١)، وكذا رواه مسعود بن سعد وعبد الواحد بن زياد وشريك القاضي، عن العلاء بن المسيب به مرفوعًا.
وقال ابن جرير: حدثني طليق بن محمد الواسطي، حدثنا أسباط هو: ابن محمد، أخبرنا الحسن بن عمرو هو الفقيمي، عن أبي أُمامة التيمي، قال: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري، فهل لنا من حج؟ فقال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعرف، وترمون الجمار، وتحلقون رؤوسكم؟ قلنا: بلى، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الذي سألتني عنه، فلم يدر ما يقول له حتى نزل جبريل ﵇ بهذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ …﴾ إلى آخر الآية، وقال النبي ﷺ: "أنتم حجاج" (^٢).
وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا مِنْدل، عن عبد الرحمن بن المهاجر، عن أبي صالح مولى عمرو قال: قلت: يا أمير المؤمنين، كنتم تتجرون في الحج؟ قال: وهل كانت معايشهم إلا في الحج (^٣)؟.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ إنما صرف عرفات وإن كان علمًا على مؤنث، لأنه في الأصل جمع كمسلمات ومؤمنات، سمى به بقعة معينة فروعي فيه الأصل فصرف، اختاره ابن جرير (^٤)، وعرفة موضع الوقوف في الحجِّ، وهي عمدة أفعال الحجِّ، ولهذا روى الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح عن الثوري، عن بكير، عن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الحجُّ عرفات - ثلاثًا - فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك، وأيام منى ثلاثة، فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه" (^٥).
ووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر، لأن النبي ﷺ وقف في حجة الوداع بعد أن صلى الظهر إلى أن غربت الشمس، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم" (^٦). وقال في هذا الحديث: "فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك" (^٧)، وهذا مذهب مالك
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عباد بن العوام: صدوق يدلس وتغير. وقد توبع كما تقدم في رواية الإمام أحمد.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وتقدم تخريجه وصحته في رواية الإمام أحمد.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده منزل: ضعيف كما في التقريب.
(٤) ذكره الطبري بنحوه (التفسير ٣/ ٥١١).
(٥) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٠٩)، وأخرجه أبو داود في سننه، المناسك، باب من لم يدرك عرفة (ح ١٩٤٩)، والترمذي في سننه، الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع (ح ٨٨٩)، والنسائي في سننه، المناسك، باب الوقوف بعرفة ٥/ ٢٥٦، وابن ماجه في سننه، المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر (ح ٣٠١٥)، والحاكم (المستدرك ١/ ٤٦٤)، وابن خزيمة في صحيحه (ح ٢٨٢٢)، كلهم من طريق الثوري به، قال الترمذي عن ابن عيينة: وهذا أجود حديث رواه الثوري. وقال ابن ماجه: قال محمد بن يحيى: ما أرى للثوري حديثًا أشرف منه. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه الألباني في إرواء الغليل ٤/ ٢٥٦ (ح ١٠٦٤).
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه، الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة (ح ١٢٩٧).
(٧) أي الحديث قبل السابق وهو حديث الثوري.
[ ٢ / ١١٥ ]
وأبي حنيفة والشافعي، ﵏، وذهب الإمام أحمد إلى أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة، واحتجوا بحديث الشعبي، عن عروة بن مضرس بن حارثة بن لام الطائي، قال: أتيت رسول الله ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة فقلت: يا رسول الله، إني جئت من جبل طيء، أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل [لي] (^١) من حج؟ فقال رسول الله ﷺ: "من شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تمّ حجه وقضى تفثه" رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي (^٢).
ثم قيل: إنما سميت عرفات لما رواه عبد الرزاق: أخبرني ابن جريج، قال: قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: بعث الله جبريل ﵇ إلى إبراهيم ﵇ فحجَّ به، حتى إذا أتى عرفة قال: عرفت، وكان قد أتاها مرة قبل ذلك، فلذلك سميت عرفة (^٣).
وقال ابن المبارك، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: إنما سميت عرفة لأن جبريل كان يري إبراهيم المناسك فيقول: عرفت عرفت، فسميت عرفات (^٤).
وروي نحوه عن ابن عباس وابن عمرو وأبي مِجلز (^٥)، فالله أعلم.
وتسمى عرفات المشعر الحرام، والمشعر الأقصى، وإلال على وزن هلال، ويقال للجبل في وسطها: جبل الرحمة، قال أبو طالب في قصيدته المشهورة:
وبالمشعر الأقصى إذا قصدوا … له إلال إلى تلك الشراج القوابل (^٦)
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا حماد بن الحسن بن عنبسة، حدثنا أبو عامر، عن زمعة هو: ابن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة حتى إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كأنها العمائم على رؤوس الرجال دفعوا، فأخّر رسول الله ﷺ الدفعة من عرفة حتى غربت الشمس (^٧).
ورواه ابن مردويه من حديث زمعة بن صالح وزاد: ثم وقف بالمزدلفة وصلّى الفجر بغلس، حتى إذا أسفر كل شيء وكان في الوقت الآخر دفع، وهذا حسن الإسناد.
_________________
(١) قوله: "لي" بياض في الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.
(٢) أخرجه الإمام أحمد من طريق زكريا عن الشعبي به (المسند ٤/ ١٥)، وأخرجه الترمذي من طريق الشعبي به، وقال: حديث حسن صحيح (السنن، الحج، باب فيمن أدرك الإمام ح ٨٩١)، وأخرجه ابن حبان في موارد الظمآن (ح ١٠١٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي وإرواء الغليل (ح ١٠٦٦).
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه مطولًا (المصنف ٥/ ٩٦)، وسنده صحيح.
(٤) وسنده حسن وأخرجه الطبري من طريق سويد عن ابن المبارك به.
(٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري من طريق ابن طهفة عن أبي الطفيل عن ابن عباس ويشهد له ما سبق عن علي وما سيأتي عن ابن عمرو. وقول ابن عمرو - وهو عبد الله - أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سالم بن أبي الجعد عنه، وأبو مجلز ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٦) ذكره ابن هشام (السيرة ١/ ٢٧٤)، والشراج: جمع شرجه وهي مسيل الماء، من الحرة إلى المسيل (النهاية: ش ر ج).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وحسنه الحافظ كما سيأتي.
[ ٢ / ١١٦ ]
وقال ابن جريج، عن محمد بن قيس، عن المسور بن مخرمة، قال: خطبنا رسول الله ﷺ وهو بعرفات، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد - وكان إذا خطب خطبة قال: أما بعد - فإن هذا اليوم الحج الأكبر، ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس إذا كانت الشمس في رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفًا هدينا هدي أهل الشرك"، هكذا رواه ابن مردويه، وهذا لفظه، والحاكم في مستدركه، كلاهما من حديث عبد الرحمن بن المبارك العيشي، عن عبد الوارث بن سعيد، عن ابن جريج، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^١)، وقد صحَّ وثبت بما ذكرناه سماع المسور من رسول الله ﷺ: لا كما يتوهمه رعاع أصحابنا أنه ممن له رؤية بلا سماع.
وقال وكيع، عن شعبة، عن إسماعيل بن [الزبيدي] (^٢) عن المعرور بن سويد، قال: رأيت عمر ﵁ حين دفع من عرفة كأني أنظر إليه رجل أصلع على بعير له يوضع وهو يقول: إنا وجدنا الإفاضة هي الإيضاع (^٣).
وفي حديث جابر بن عبد الله الطويل الذي في صحيح مسلم، قال فيه: فلم يزل واقفًا - يعني عرفة - حتى غربت الشمس، وبدت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص، وأردف أُسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: "أيها الناس السكينة السكينة" كلما أتى جبلًا من الجبال أرخى لها قليلًا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر، حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله وكبّره وهلّله ووحّده، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس (^٤).
وفي الصحيحين عن أُسامة بن زيد أنه سئل: كيف كان يسير رسول الله ﷺ حين دفع؟ قال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نصَّ. والعنق هو انبساط السير، [والنص] (^٥) فوقه (^٦).
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو محمد ابن بنت الشافعي فيما كتب إليّ عن أبيه أو عمه، عن سفيان بن عيينة قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ وهي الصلاتين جميعًا (^٧).
_________________
(١) أخرجه الحاكم (المستدرك ٢/ ٢٧٧)، والبيهقي (السنن الكبرى ٥/ ١٢٥)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٢) زيادة من (عف).
(٣) رجاله ثقات وسنده صحيح، ولعله من تفسير وكيع.
(٤) صحيح مسلم، الحج، باب حجة النبي ﷺ (ح ١٢١٨).
(٥) قوله: "والنص" وفي الأصل بلفظ: "والعنق" والتصويب من (عش) و(عف).
(٦) صحيح البخاري، الحج، باب السير إذا دفع من عرفة (ح ١٦٦٦)، وصحيح مسلم، الحج، باب الإفاضة من عرفات (ح ١٢٨٦).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه.
[ ٢ / ١١٧ ]
وقال أبو إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون: سألت عبد الله بن عمرو عن المشعر الحرام، فسكت حتى إذا هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة، قال: أين السائل عن المشعر الحرام، هذا المشعر الحرام (^١).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سالم، قال: قال ابن عمر: المشعر الحرام المزدلفة كلها (^٢).
وقال هشيم، عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر: أنه سئل عن قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ قال: فقال: هو الجبل وما حوله (^٣).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: فرآهم ابن عمر يزدحمون على قزح، فقال: على ما يزدحم هؤلاء، كل ههنا مشعر (^٤). وروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والسدي والربيع بن أنس والحسن وقتادة أنهم قالوا: هو ما بين الجبلين (^٥).
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أين المزدلفة؟ قال: إذا أفضت من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر، قال: وليس المأزمان مأزما عرفة من المزدلفة، ولكن مفاضاهما، قال: فقف بينهما إن شئت، قال: وأحب أن تقف دون قُزَح (^٦) هلمّ إلينا من أجل طريق الناس (^٧).
(قلت): والمشاعر هي المعالم الظاهرة، وإنما سميت المزدلفة المشعر الحرام، لأنها داخل الحرم، وهل الوقوف بها ركن في الحج لا يصح إلا به، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض أصحاب الشافعي منهم: القفال وابن خزيمة لحديث عروة بن مضرس (^٨)؟ أو واجب كما هو أحد قولي الشافعي يجبر بدم؟ أو مستحب لا يجب بتركه شيء كما هو القول الآخر؟ في ذلك ثلاثة أقوال للعلماء لبسطها موضع آخر غير هذا، والله أعلم.
وقال عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال: "عرفة كلها موقف، وارفعوا عن عرنة، وجمع كلها موقف إلا محسرًا" هذا حديث مرسل، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، حدثني سليمان بن موسى، عن جبير بن مُطعِم، عن النبي ﷺ، قال: "كل عرفات موقف، وارفعوا عن عرنة (^٩)، وكل مزدلفة موقف، وارفعوا عن محسر، وكل فجاج مكة منحر، وكل أيام التشريق ذبح" (^١٠) (^١١). وهذا أيضًا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الجراح بن مليح وإسرائيل عن أبي إسحاق به، وسنده صحيح.
(٢) سنده صحيح، وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به.
(٣) سنده حسن، ويشهد له سابقه ولاحقه.
(٤) سنده حسن.
(٥) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف الأسانيد وبعض الأقوال أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة؛ كسند مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والسدي.
(٦) قَزَح: موقف قريش في الجاهلية (المعجم البلدان ٤/ ٨٤).
(٧) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي زائدة عن ابن جريج به، وسنده صحيح.
(٨) حديث صحيح تقدم في بداية تفسير ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ …﴾ [البقرة: ١٩٨].
(٩) في الأصل: "عرنات" والمثبت من (عش) و(ح) والتخريج، وكلاهما صحيح (انظر: الدرر ٢/ ٤٠٩).
(١٠) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٧/ ٣١٦ ح ٦٧٥١)، وصححه محققوه بالشواهد ولمزيد من الشواهد والوصل ينظر: التمهيد لابن عبد البر ٢٤/ ٤١٧.
(١١) أخرجه الطبري من طريق سويد بن نصر عن ابن المبارك به، وأخرجه الإمام مالك بلاغًا (الموطأ، الحج، =
[ ٢ / ١١٨ ]
منقطع، فإن سليمان بن موسى هذا، وهو الأشدق، لم يدرك جبير بن مطعم، ولكن رواه الوليد بن مسلم وسويد بن عبد العزيز، عن سليمان، فقال الوليد: عن جبير بن مطعم، عن أبيه، وقال سويد: عن نافع بن جبير، عن أبيه، عن النبي ﷺ … فذكره، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ تنبيه لهم على ما أنعم الله به عليهم من الهداية والبيان والإرشاد إلى مشاعر الحج على ما كان عليه إبراهيم الخليل ﵇، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ قيل: من قبل هذا الهدى، وقيل: القرآن، وقيل: الرسول، والكل متقارب ومتلازم وصحيح.
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾.
ثم - ههنا - لعطف خبر على خبر وترتيبه عليه، كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة ليذكر الله عند المشعر الحرام، وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات، كما كان جمهور الناس يصنعون، يقفون بها إلا قريشًا فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحِلّ، ويقولون: نحن أهل الله في بلدته وقُطّان (^١) بيته.
قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن حازم، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكانت سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (^٢). وكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والسدي وغيرهم (^٣)، واختاره ابن جرير وحكى عليه الإجماع، ﵏.
وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: أضللت بعيرًا لي بعرفة فذهبت أطلبه، فإذا النبي ﷺ واقف، قلت: إن هذا من الحمس ما شأنه ههنا (^٤)؟ أخرجاه في الصحيحين (^٥)، ثم رواه البخاري من حديث موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس: ما يقتضي أن المراد بالإفاضة ههنا هي: الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار (^٦). فالله أعلم.
_________________
(١) = باب الوقوف بعرفة ح ١٦٦). وسنده مرسل كما قال الحافظ: ولكنه له شواهد تقويه منها ما رواه مسلم من حديث جابر وفيه: وعرفة كلها موقف (الصحيح، الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف ح ١٤٩)، وهذا شاهد لمطلع الحديث، وأما بقية الشواهد تأتي الإشارة إليها في الحديث التالي.
(٢) أي سكان.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه بسنده ومتنه، التفسير، باب ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩] (ح ٤٥٢٠).
(٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري من طريق عكرمة عنه ويشهد له رواية البخاري وقول مجاهد وقتادة والسدي أخرجه بأسانيد ثابتة، وقول عطاء أخرجه بسند ضعيف ويشهد له ما سبق.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (٢٧/ ٣٠٠ ح ١٦٧٣٧)، وهو متفق عليه كما يلي.
(٦) صحيح البخاري، الحج، باب الوقوف بعرفة (ح ١٦٦٤)، وصحيح مسلم، الحج باب في الوقوف (ح ١٢٢٠).
(٧) أخرجه البخاري من طريق فضيل بن سليمان عن موسى بن عقبة به (الصحيح، التفسير، باب ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ح ١٥٢١).
[ ٢ / ١١٩ ]
وحكاه ابن جرير، عن الضحاك بن مزاحم (^١) فقط. قال: والمراد بالناس إبراهيم ﵇، وفي رواية عنه: الإمام (^٢). قال ابن جرير: ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح (^٣).
وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كثيرًا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات، ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ، كان إذا فرغ من الصلاة، يستغفر الله ثلاثًا (^٤). وفي الصحيحين: أنه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثًا وثلاثين، ثلاثًا وثلاثين (^٥).
وقد روى ابن جرير ههنا حديث ابن عباس (^٦) بن مرداس السلمي، في استغفاره ﷺ لأمته عشية عرفة، وقد أوردناه في جزء جمعناه في فضل يوم عرفة (^٧).
وأورد ابن مردويه ههنا الحديث الذي رواه البخاري عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، [أعوذ بك من شر ما صنعت] (^٨)، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة، ومن قالها في يومه فمات دخل الجنة" (^٩).
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو أن أبا بكر قال: يا رسول الله، علّمني دعاء أدعو به في صلاتي، فقال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم" (^١٠).
والأحاديث في الاستغفار كثيرة.
_________________
(١) أخرجه الطبري من طريق مروان بن معاوية الفزاري عن أبي بسطام عن الضحاك. وفي سنده مروان بن معاوية الفزاري ثقة لكنه كان يدلس أسماء الشيوخ (التقريب ص ٥٢٦)، ولم يصرح باسم أبي بسطام.
(٢) أي: عن الضحاك، والإمام: إبراهيم - علمه الصلاة والسلام - ولم أجده في الطبري ولا في الدر المنثور.
(٣) ذكره الطبري بمعناه (التفسير ٣/ ٥٣١).
(٤) صحيح مسلم، المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة (ح ٥٩١).
(٥) صحيح البخاري، الأذان، باب الذكر بعد الصلاة (ح ٨٤٣)، وصحيح مسلم، المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة (٥٩٥).
(٦) كذا في الأصل وفي تفسير الطبري بلفظ العباس بن مرداس.
(٧) هذا الحديث اضطربت فيه أقوال النقاد فمنهم من ضعفه كابن عدي في الكامل ٦/ ٢٠٩٤، ومنهم من قواه بالشواهد كالحافظ ابن حجر في الحديث السابع من القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد، ومنهم من جعله في عداد الموضوعات كابن الجوزي، والحق أنه ضعيف فيه نكارة إذ فيه أن الله استجاب لدعاء النبي ﷺ بأنه غفر للظالم من أمته. كما في المسند ٢٦/ ١٣٦ (ح ١٦٢٠٧)، وهذا يخالف ما في الصحيح: "من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلّه منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم … " (صحيح البخاري، المظالم، باب "من كانت له مظلمة … " ح ٢٤٤٩). ولو كان قوي السند لحكم عليه الحافظ ابن كثير الذي صرح بأنه جمع جزءً في فضل عرفة.
(٨) ما بين معقوفين سقط واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.
(٩) صحيح البخاري، الدعوات، باب فضل الاستغفار (ح ٦٣٠٦).
(١٠) صحيح البخاري، التوحيد، باب ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤] (ح ٧٣٨٧)، وصحيح مسلم، الذكر والدعاء، باب استحباب خفض الصوت بالذكر (ح ٢٧٠٥).
[ ٢ / ١٢٠ ]
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾.
يأمر تعالى بذكره والإكثار منه بعد قضاء المناسك وفراغها، وقوله: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ اختلفوا في معناه:
فقال ابن جريج، عن عطاء: هو كقول الصبي أبه أمه (^١). يعني: كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمه، فكذلك أنتم فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك، وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس (^٢).
وروى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه (^٣)، وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات [ويحمل الديات] (^٤)، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله على محمد ﷺ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ (^٥).
قال ابن أبي حاتم: وروي عن أنس بن مالك وأبي وائل وعطاء بن أبي رباح في أحد قوليه وسعيد بن جبير وعكرمة في أحد رواياته، ومجاهد والسدي وعطاء الخراساني والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب ومقاتل بن حيان نحو ذلك (^٦).
وهكذا حكاه ابن جرير عن جماعة (^٧)، والله أعلم.
والمقصود منه الحثّ على كثرة الذكر لله ﷿، ولهذا كان انتصاب قوله، أو أشد ذكرًا على التمييز، تقديره كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا، و﴿أَوْ﴾ - ههنا - لتحقيق المماثلة في الخبر كقوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]، وقوله: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧]، ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ [الصافات]، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم] فليست ههنا للشك قطعًا، وإنما هي لتحقيق [المخبر] (^٨) عنه بأنه كذلك أو أزيد منه.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الملك عن عطاء، وأخرجه الطبري من طريق سنيد عن حجاج عن ابن جريج به، وفيه سنيد: ضعيف وقد توبع في رواية ابن أبي حاتم.
(٢) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك، وقول الربيع بن أنس أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي.
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن العوفي ويشهد له ما سبق من قول عطاء والربيع.
(٤) قوله: "ويحمل الديات" سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) و(مح).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير به.
(٦) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف الأسانيد، وقد أسند بعضها الطبري كما سيأتي في الحاشية الآتية.
(٧) فقد أخرج نحوه بإسناد صحيح عن مجاهد، وبإسناد حسن عن أبي وائل، وبإسناد حسن عن قتادة، وبإسناد حسن عن سعيد بن جبير وعكرمة.
(٨) في الأصل: "الخبر" وما أثبت من (عش) و(عف).
[ ٢ / ١٢١ ]
ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره فإنه مظنة الإجابة، وذم من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه، فقال: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: من نصيب ولا حظ، وتضمن هذا الذم والتنفير عن التشبُّه بمن هو كذلك.
قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللَّهم اجعله عام غيث، وعام خصب، وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئًا، فأنزل الله فيهم: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، وكان يجيء بعدهم آخرون [من المؤمنين] (^١) فيقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ فأنزل الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (^٢).
ولهذا مدح من يسأله الدنيا والأخرى، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا وصرفت كل شر، فإن الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هني، وثناء جميل إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة، فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام.
وقال القاسم بن عبد الرحمن: من أعطي قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وجسدًا صابرًا، فقد أُوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار (^٣).
ولهذا وردت السنّة بالترغيب في هذا الدعاء، فقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي ﷺ يقول: "اللَّهم ربنا اتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" (^٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، [قال: سأل قتادة أنسًا: أي دعوة] (^٥) كان أكثر ما يدعوها النبي ﷺ؟ قال: يقول: "اللَّهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" [وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا
_________________
(١) قوله: "من المؤمنين" سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير به.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يحيى بن الحارث عنه.
(٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً …﴾ [البقرة: ٢٠١] ح ٤٥٢٢).
(٥) ما بين معقوفين من (عف) وجاء في الأصل: "عن أنس قال" والصواب ما أثبت كما سيأتي في صحيح مسلم.
[ ٢ / ١٢٢ ]
أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه] (^١) (^٢) ورواه مسلم (^٣). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد السلام بن شداد - يعني: أبا طالوت -، قال: كنت عند أنس بن مالك، فقال له ثابت: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم، فقال: "اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار" وتحدثوا ساعة، حتى إذا أرادوا القيام قال: يا أبا حمزة، إن إخوانك يريدون القيام، فادع الله لهم، فقال: أتريدون أن أشقق لكم الأمور إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ووقاكم عذاب النار، فقد آتاكم الخير كله (^٤).
وقال أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن ثابت، عن أنس أن رسول الله ﷺ عاد رجلًا من المسلمين قد صار مثل الفرخ، فقال له رسول الله ﷺ: "هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟ " قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجّله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ: "سبحان الله لا تطيقه - أو لا تستطيعه -، فهلا قلت: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ قال: فدعا الله فشفاه (^٥).
انفرد بإخراجه مسلم، فرواه من حديث ابن أبي عدي (^٦) به (^٧).
وقال الإمام الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم القداح، عن ابن جريج، عن يحيى بن عبيد مولى السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن السائب أنه سمع النبي ﷺ يقول فيما بين الركن اليماني والركن الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (^٨).
ورواه الثوري عن ابن جريج كذلك. وروى ابن ماجه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحو ذلك (^٩). وفي سنده ضعيف، والله أعلم.
وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، أخبرنا أحمد بن القاسم بن مساور، حدثنا سعيد بن
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) وصحيح مسلم.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٠١)، وهو في الصحيح كما يلي.
(٣) أخرجه مسلم من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن علية به (الصحيح، كتاب الذكر والدعاء، باب فضل التهليل (ح ٢٦٩٠).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٠٧)، وأخرجه مسلم من طريق ابن أبي عدي به (الصحيح، الذكر والدعاء، باب كراهية الدعاء بتعجيل العقوبة ح ٢٦٨٨).
(٦) في الأصل: "أبي عدي" والتصويب من (عف) و(عش) ورواية مسلم.
(٧) تقدم عزوه في تخريج رواية الإمام أحمد السابقة.
(٨) أخرجه الشافعي في مسنده بسنده ومتنه (ترتيب مسند الشافعي، كتاب الحج، باب فيما يلزم الحاج بعد دخول مكة ١/ ٣٤٧ ح ٨٩٨)، وسنده حسن. أخرجه الإمام أحمد (المسند ٣/ ٤١١)، وابن أبي شيبة (المصنف ٤/ ١٠٨)، وابن حبان (موارد الظمآن ح ١٠٠١)، كلهم من طريق يحيى بن سعيد عن ابن جريج به، وأخرجه أبو داود من طريق عيسى بن يونس عن ابن جريج به (السنن، المناسك، باب الدعاء في الطواف ح ١٨٩٣)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٦٦٦)، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان عن ابن جريج وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٧٧).
(٩) سنن ابن ماجه، المناسك، باب أفضل الطواف (ح ٢٩٥٧)، وفي سنده حميد بن أبي سويد: مجهول (التقريب ص ١٨١)، فهو كما قال الحافظ: في سنده ضعف.
[ ٢ / ١٢٣ ]
سليمان، عن إبراهيم بن سليمان، عن عبد الله بن هرمز، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "ما مررت على الركن إلا رأيت عليه ملكًا يقول: آمين، فإذا مررتم عليه فقولوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ " (^١).
وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو زكريا العنبري، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني أجرت نفسي من قوم على أن يحملوني، ووضعت لهم من أجرتي على أن يدعوني أحج معهم، أفيجزي ذلك؟ فقال: أنت من الذين قال الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾. ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجا (^٢).
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾.
قال ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق، والأيام المعلومات أيام العشر (^٣).
وقال عكرمة: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ يعني: التكبير أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات: الله أكبر الله أكبر (^٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن علي، عن أبيه، قال: سمعت عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: "يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب" (^٥).
وقال أحمد أيضًا: حدثنا هُشيم، أخبرنا خالد، عن أبي المليح، عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله" (^٦) ورواه مسلم أيضًا (^٧)، وتقدم حديث جبير بن مطعم: "عرفة كلها موقف، وأيام التشريق كلها ذبح" (^٨). وتقدم أيضًا حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي: "وأيام منى ثلاثة فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخّر فلا إثم عليه" (^٩).
_________________
(١) في سنده عبد الله بن هرمز - وهو المكي - ضعيف (التقريب ص ٣٢٣).
(٢) ووافقه الذهبي على تصحيحه (المستدرك ٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨).
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس بدون ذكر الأيام المعلومات.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٥٢ - ١٥٣)، وصححه أحمد شاكر برقم (٧١٣٤ و٩٠٠٨)، وأخرجه الترمذي من طريق موسى بن علي به، وقال: حسن صحيح (السنن، الصوم، باب ما جاء في كراهية الصوم في أيام التشريق ح ٧٧٣) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٦٢٠).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٧٥ - ٧٦)، وهو في الصحيح كما يلي.
(٧) صحيح مسلم، الصيام، باب تحريم صوم أيام التشريق (ح ١١٤١).
(٨) وهو حديث صحيح تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ …﴾ [البقرة: ١٩٨].
(٩) وهو حديث صحيح أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٧٨).
[ ٢ / ١٢٤ ]
وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم وخلّاد بن أسلم قالا: حدثنا هشيم، عن عمرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ[قال: "أيام التشريق أيام طعم وذكر الله"، وحدثنا خلّاد بن أسلم، حدثنا روح، حدثنا صالح، حدثني ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ] (^١) بعث عبد الله بن حذافة يطوف في مِنَى: "لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله ﷿" (^٢). وحدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الزهري قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن حذافة فنادى في أيام التشريق فقال: "إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله إلا من كان عليه صوم من هدي" زيادة حسنة ولكن مرسلة (^٣). وبه قال هشيم عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عمرو بن دينار أن رسول الله ﷺ بعث بشر بن سحيم فنادى في أيام التشريق فقال: "إن هذه أيام أكل وشرب وذكر الله" (^٤).
وقال هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة قالت: نهى رسول الله ﷺ عن صوم أيام التشريق، قال: "وهي أيام أكل وشرب وذكر الله" (^٥).
وقال محمد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، عن مسعود بن الحكم الزرقي، عن أمه قالت: [لكأني] (^٦) أنظر إلى عليّ على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء حتى وقف على شعب الأنصار وهو يقول: يا أيها الناس، إنها ليست بأيام صيام، إنما هي أيام أكل وشرب وذكر (^٧).
وقال مقسم، عن ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق؛ أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده (^٨).
وروي عن ابن عمر وابن الزبير وأبي موسى وعطاء ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي مالك وإبراهيم النخعي [ويحيى بن أبي كثير] (^٩) والحسن وقتادة والسدي والزهري والربيع بن أنس والضحاك ومقاتل بن حيان وعطاء الخراساني ومالك بن أنس وغيرهم مثل ذلك (^١٠).
وقال علي بن أبي طالب: هي ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده اذبح في أيهن شئت، وأفضلها
_________________
(١) ما بين المقعوفين سقط من الأصل واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) ورواية الطبري.
(٢) أخرجهما الطبري بسنديهما ومتنهما ويشهد له ما تقدم من حديث نبيشة في صحيح مسلم.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه. وهو مرسل ولشطره الأول شاهد تقدم من حديث نبيشة في الصحيح.
(٤) أخرجه الطبري عن يعقوب عن هشيم به، وهو مرسل.
(٥) أخرجه الطبري عن يعقوب عن هشيم وأخرجه الطحاوي من طريق هشيم به (شرح معاني الآثار ٢/ ٢٤٤ وله شواهد تقدمت.
(٦) في الأصل: "فكأني" وما أثبت من (عف) و(عش) و(ح).
(٧) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (ح ٢١٤٧)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٣٤ - ٤٣٥)، كلهم من طريق ابن إسحاق به، وفيه عنعنة ابن إسحاق وقد صرح بالسماع في رواية للإمام أحمد فأخرجه من طريق ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي سلمة عن مسعود بن الحكم به (المسند ٢/ ١١٦ ح ٧٠٨)، وسنده حسن. وما تقدم يشهد له.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الحكم عن مقسم به.
(٩) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(عش) و(ح).
(١٠) ذكرهم كلهم أبي حاتم بحذف الأسانيد، وأخرج الطبري بأسانيد ثابتة عن مجاهد وإبراهيم وقتادة والسدي وشعبة وعطاء نحوه.
[ ٢ / ١٢٥ ]
أولها (^١).
والقول الأول هو المشهور، وعليه دلّ ظاهر الآية الكريمة حيث قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ فدلّ على ثلاثة بعد النحر ويتعلق بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ ذكر الله على الأضاحي وقد تقدم، وأن الراجح في ذلك مذهب الشافعي ﵀ وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق ويتعلق به. أيضًا الذكر المؤقت خلف الصلوات، والمطلق في سائر الأحوال وفي وقته أقوال للعلماء أشهرها الذي عليه العمل أنه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وهو آخر النفر الآخر، وقد جاء فيه حديث رواه الدارقطني لكن لا يصح مرفوعًا (^٢)، والله أعلم. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يكبر في قبته فيكبر أهل السوق بتكبيره حتى ترتج منًى تكبيرًا، ويتعلق بذلك أيضًا التكبير وذكر الله عند رمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره: "إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله ﷿ " (^٣).
[ولما ذكر الله تعالى النفر الأول والثاني وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والموقف، قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩)﴾ [المؤمنون: ٧٩]] (^٤).
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾.
قال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، جاء إلى رسول الله ﷺ، وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك (^٥).
وعن ابن عباس، أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم، فأنزل الله ذم المنافقين ومدح خبيب وأصحابه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (^٦).
وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم، وهذا قول قتادة ومجاهد والربيع بن أنس وغير واحد (^٧)، وهو الصحيح.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق المنهال بن عمرو عن زرٍّ بن حبيش عنه.
(٢) أخرجه الدارقطني من حديث جابر من عدة طرق كلها عن عمرو بن شمر (السنن، كتاب العيدين ٢/ ٤٩ - ٥٠ ح ٢٦ - ٢٩)، ونقل أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي أقوال النقاد في تكذيب عمرو بن شمر. وذكر الحافظ أنه لا يصح مرفوعًا.
(٣) السنن، المناسك، باب في الرمي (ح ١٨٨٨).
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(عش) و(ح).
(٥) أخرجه الطبري من طريق أسباط عنه به، وسنده مرسل.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير أو عكرمة عنه.
(٧) قول قتادة ومجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح، وقول الربيع بن أنس يرويه عن أبي العالية أخرجه ابن أبي =
[ ٢ / ١٢٦ ]
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نوف وهو البكالي وكان ممن يقرأ الكتب، قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قوم يحتالون الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصبر، يلبسون للناس مسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب، فعليّ يجترئون وبي يغترون، حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران، قال القرظي: تدبرتها في القرآن فإذا هم المنافقون فوجدتها ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ …﴾ الآية (^١).
وحدثني محمد بن أبي معشر: أخبرني أبو معشر نجيح، قال: سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد: إن في بعض الكتب: إن لله عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين، يجترئون الدنيا بالدين، قال الله تعالى: عليّ تجترئون وبي تغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران، فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله، فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، فقال سعيد: قد عرفت فيمن أُنزلت هذه الآية؟ فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد (^٢).
وهذا الذي قاله القرظي، حسن صحيح.
وأما قوله: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ فقرأه ابن محيصن (وَيشهد اللهُ) بفتح الياء وضم الجلالة (^٣).
﴿عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناها هذا وإن أظهر لكم الجميل لكن الله يعلم من قلبه القبيح كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون] وقراءة الجمهور بضم الياء ونصب الجلالة (^٤)، ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناه أنه يظهر للناس الإسلام ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق [كقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ١٠٨]] (^٥) هذا معنى ما رواه ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس (^٦).
وقيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف وأشهد الله لهم أن الذي في قلبه موافق للسانه، وهذا المعنى صحيح، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٧)، واختاره ابن جرير وعزاه
_________________
(١) = حاتم بسند جيد.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده حسن.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه أبو معشر نجيح: ضعيف كما في التقريب واستحسن متنه الحافظ.
(٤) وهي قراءة شاذة.
(٥) وهي قراءة متواترة.
(٦) الزيادة من (عش) و(عف) و(ح).
(٧) إسناده حسن، وهذا الأثر هو الذي تقدم تخريجه في تفسير الطبري وابن أبي حاتم.
(٨) رواية عبد الرحمن بن زيد أخرجها الطبري من طريق ابن وهب عنه مرفوعًا، وسنده معضل لأن عبد الرحمن تابع تابعي.
[ ٢ / ١٢٧ ]
إلى ابن عباس وحكاه عن مجاهد (^١)، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ الألَد في اللغة الأعوج ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] أي: عوجًا، وهكذا المنافق في حال خصومته، يكذب ويزور عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" (^٢).
وقال البخاري: حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان عن ابن جريج، عن ابن مليكة، عن عائشة ترفعه، قال: "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" (^٣). قال: وقال عبد الله بن يزيد: حدثنا سفيان، حدثنا ابن جريج عن ابن مليكة عن عائشة عن النبي ﷺ (^٤)، وهكذا رواه عبد الرزاق عن معمر في قوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ، قال: "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" (^٥).
وقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ أي: هو أعوج المقال سيء الفعال، فذلك قوله وهذا فعله، كلامه كذب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة، والسعي - ههنا - هو القصد، كما قال إخبارًا عن فرعون: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ [النازعات]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] أي: اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي إلى الصلاة منهي عنه بالسنة النبوية: "إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار" (^٦)، فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض وإهلاك الحرث، وهو محل نماء الزروع والثمار والنسل، وهو نتاج الحيوانات الذين لا قوام للناس إلا بهما.
وقال مجاهد: إذا سعى في الأرض فسادًا، منع الله القطر فهلك الحرث والنسل (^٧).
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي: لا يحب من هذه صفته، ولا من يصدر منه ذلك.
وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ أي: إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتقِ الله وانزع عن قولك وفعلك وارجع إلى الحق، امتنع وأبى وأخذته الحمية والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ
_________________
(١) عزاه إلى ابن عباس أي الرواية المتقدمة من رواية ابن إسحاق، وما حكاه عن مجاهد فقد أخرجه أيضًا بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو، المظالم، باب إذا خاصم فجر (ح ٢٤٥٩)، وصحيح مسلم، الإيمان، بيان خصال المنافق (ح ٥٨).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه بسنده ومتنه، التفسير، باب ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤] (ح ٤٥٢٣).
(٤) صحيح البخاري، الأحكام، باب الألد الخصم (ح ٧١٨٨).
(٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (التفسير ١/ ٩٧).
(٦) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا بعدة ألفاظ (الصحيح، المساجد، باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة ح ٦٠٢) وما بعده.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق النضر بن عربي عنه.
[ ٢ / ١٢٨ ]
﴿آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾ [الحج]، ولهذا قال في هذه الآية: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ أي: هي كافيته عقوبة في ذلك.
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذكر صفات المؤمنين الحميدة فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعكرمة وجماعة: نزلت في صُهيب بن سنان الرومي، وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة وقالوا له: ربح البيع فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم وما ذاك؟ فأخبره أن الله أنزل فيه هذه الآية (^١).
ويروَى أن رسول الله ﷺ قال له: "ربح البيع صهيب ربح البيع صهيب" (^٢). قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد الله بن رستة، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا جعفر بن سليان الضبعي، حدثنا عوف، عن أبي عثمان النهدي، عن صُهيب، قال: لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي ﷺ قالت لي قريش: يا صُهيب قدمت إلينا، ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك! والله لا يكون ذلك أبدًا، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟ قالوا: نعم، فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "رَبح صُهيب رَبح صُهيب" مرتين (^٣).
وقال حماد بن سلمة: عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، قال: أقبل صُهيب مهاجرًا نحو النبي ﷺ فاتبعه نفر من قريش، فنزل [عن] (^٤) راحلته وأنثل ما في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش قد علمتم أني من أرماكم رجلًا، وأنتم والله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل (^٥) سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي بمكة وخليتم سبيلي، قالوا: نعم، فلما قدم على النبي ﷺ قال: "ربح البيع ربح البيع" قال: ونزلت ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ (^٦).
_________________
(١) أخرجه الحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مختصرًا وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٩٨)، وأخرجه ابن سعد (الطبقات ٣/ ٢٢٨)، الحارث بن أبي أُسامة (بغية الباحث ح ٦٧٩)، وابن أبي حاتم كلهم من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن صهيب وعلي بن زيد هو ابن جدعان: ضعيف. وله شواهد سابقة ولاحقة. وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن عكرمة بنحوه.
(٢) لفظ رواية الحاكم: "أبا يحيى ربح البيع".
(٣) سنده حسن إذا سمع أبو عثمان النهدي من صهيب. وإذا لم يسمع فسنده حسن لغيره بما سبق. وقد أخرجه ابن سعد من طريق أبي عثمان قال: بلغني أن صهيبًا .. (الطبقات الكبرى ٢/ ٢٢٧).
(٤) في الأصل: "من".
(٥) في الأصل: "كل".
(٦) في سنده علي بن زيد تقدم الكلام عنه في الرواية قبل السابقة.
[ ٢ / ١٢٩ ]
وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله كما قال تعالى: ﴿* إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ [التوبة].
ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين أنكر عليه بعض الناس، فردَّ عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما، وتلوا هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ (^١).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾.
يقول الله تعالى آمرًا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره، ما استطاعوا من ذلك، قال العوفي، عن ابن عباس ومجاهد وطاوس والضحاك وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد في قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ يعني: الإسلام (^٢).
وقال الضحاك، عن ابن عباس وأبو العالية والربيع بن أنس ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ يعني: الطاعة (^٣).
وقال قتادة أيضًا: [الموادعة] (^٤).
وقوله (^٥): ﴿كَافَّةً﴾ قال ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة والضحاك: جميعًا، وقال مجاهد: أي: اعملوا بجميع الأعمال ووجوه البر.
وزعم عكرمة أنها نزلت في نفر ممن أسلم من اليهود وغيرهم كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة وطائفة استأذنوا رسول الله ﷺ في أن يسبتوا وأن يقوموا بالتوراة ليلًا، فأمرهم الله بإقامة شعائر الإسلام والاشتغال بها عما عداها (^٦).
_________________
(١) أخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن المغيرة بن شعبة أن عمر بن الخطاب كتب نحو ما ذكر دون تسمية هشام بن عامر. ورواية أبي هريرة أخرجها الطبري وفيها تسمية هشام بن عامر.
(٢) رواية العوفي عن ابن عباس أخرجها الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف لكنه يتقوى برواية مجاهد التي رواها الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح، ورواية قتادة أخرجها عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، ورواية السدي أخرجها الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، ورواية ابن زيد أخرجها الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه، ورواية الضحاك أخرجها الطبري بسند حسن من طريق عبيد بن سليمان.
(٣) قول الضحاك عن ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف، لأن الضحاك لم يلق ابن عباس. وقول أبي العالية والربيع بن أنس ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٤) قوله: "الموادعة" سقط من الأصل، واستدرك من (ح) و(عش) و(عف).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٦) أخرجه الطبري من طريق سنيد عن حجاج عن ابن جريج عن عكرمة مرسلًا. وسُنيد: ضعيف.
[ ٢ / ١٣٠ ]
وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر، إذ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه وبطلانه والتعويض عنه بأعياد الإسلام.
ومن المفسرين من يجعل قوله: ﴿كَافَّةً﴾ حالًا من الداخلين؛ أي: ادخلوا في الإسلام كلكم والصحيح الأول، وهو أنهم أمروا [كلهم] (^١) أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام وهي كثيرة جدًّا ما استطاعوا منها، كما قال ابن أبي حاتم: أخبرنا علي بن الحسين، أخبرنا أحمد بن الصباح، أخبرني الهيثم بن يمان، حدثنا إسماعيل بن زكريا، حدثني محمد بن عون، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ كذا قرأها بالنصب، يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمور التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم، فقال الله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد ﷺ ولا تدعوا منها شيئًا وحسبكم الإيمان بالتوراة وما فيها (^٢).
وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: اعملوا الطاعات واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان فـ ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة] و﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
قال مطرف: أغشّ عباد الله لعبيد الله الشيطان (^٣).
وقوله: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: عدلتم عن الحق بعدما قامت عليكم الحجج، فاعلموا أن الله عزيز؟ أي: في انتقامه لا يفوته هارب ولا يغلبه غالب حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه، ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس: عزيز في نقمته حكيم في أمره (^٤). وقال محمد بن إسحاق: العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء الحكيم في عذره وحجته إلى عباده (^٥).
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾.
يقول تعالى مهددًا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ يعني: يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كل عامل بعمله إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾ [الفجر] وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨].
_________________
(١) قوله: "كلهم" سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم سنده ومتنه وفيه محمد بن عون: متروك كما في التقريب. فالإسناد ضعيف جدًّا.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق قتادة عن مطرف.
(٤) قول أبي العالية أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وذكر قتادة بدون سند.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل.
[ ٢ / ١٣١ ]
وقد ذكر الإمام أبو جعفر بن جرير - ههنا - حديث الصور بطوله من أوله عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد وغيرهم، وفيه: أن الناس إذا اهتموا لموقفهم في العرصات تشفعوا إلى ربهم بالأنبياء واحدًا واحدًا من آدم فمن بعده فكلهم يحيد عنها حتى ينتهوا إلى محمد ﷺ، فإذا جاؤوا إليه قال: "أنا لها أنا لها" فيذهب فيسجد لله تحت العرش، ويشفع عند الله في أن يأتي بفصل القضاء بين العباد فيشفعه الله ويأتي في ظلل من الغمام بعدما تنشق السماء الدنيا وينزل من فيها من الملائكة، ثم الثانية، ثم الثالثة، إلى السابعة، وينزل حملة العرش والكروبيون، قال: وينزل الجبار ﷿ في ظلل من الغمام والملائكة، ولهم زجل من تسبيحهم يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ربِّ العرش (^١) ذي الجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطان والعظمة، سبحانه أبدًا أبدًا (^٢).
وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه - ههنا - أحاديث فيها غرابة، والله أعلم. فمنها ما رواه من حديث المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن مسروق، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: "يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي" (^٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو بكر بن عطاء بن مقدم، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت عبد الجليل القيسي يحدث عن عبد الله بن عمرو ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ الآية. قال: يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب، منها النور والظلمة والماء فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتًا تنخلع له القلوب (^٤).
قال: وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد. قال: سألت زهير بن محمد عن قول الله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال: ظلل من الغمام منظوم بالياقوت، مكلل بالجوهر والزبرجد (^٥).
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في ظلل من الغمام، قال: هو غير السحاب ولم يكن قط إلا
_________________
(١) كذا في الأصل و(عش)، وفي (عف) و(ح): "ذي العرش".
(٢) أخرجه الطبري مطولًا وفي سنده رجل مبهم من الأنصار، وإسماعيل بن رافع المدني ضعيف (الكامل لابن عدي ١/ ٢٧٨).
(٣) أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب (المسند ص ٢٠٦)، والحاكم في (المستدرك ٢/ ٣٧٦)، كلاهما من طريق المنهال بن عمرو به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وذكره المنذري عن مسعود مطولًا قال: رواه ابن أبي الدنيا والطبراني من طرق أحدها صحيح واللفظ له (الترغيب ٤/ ٣٩١ - ٣٩٥)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني من طرق ورجال أحدهما رجال الصحيح غير أبي خالد الدالي وهو ثقه (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٤٣)، وصححه الذهبي في كتاب العلو، والألباني في مختصر العلو ص ١١١ (ح ٩٦).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وزهير بن محمد التميمي ضعيف (انظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٣٤٨)، وهو منقطع لأن هذه الأمور الغيبية تؤخذ عن النبي ﷺ والصحابة ﵃.
[ ٢ / ١٣٢ ]
لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا (^١).
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ يقول: والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله تعالى يجيء فيما يشاء، وهي في بعض القراءة (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام) وهي كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ [الفرقان] (^٢).
﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾.
يقول تعالى مخبرًا عن بني إسرائيل: كم شاهدوا مع موسى من آية بينة؛ أي: حجة قاطعة بصدقه فيما جاءهم به، كيده وعصاه وفلقه البحر وضربه الحجر، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر، ومن إنزال المن والسلوى، وغير ذلك من الآيات الدالات على وجود الفاعل المختار، وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه، ومع هذا أعرض كثير منهم عنها وبدلوا نعمة الله [كفرًا] (^٣)؛ أي: استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها والإعراض عنها ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، كما قال تعالى إخبارًا عن كفار قريش: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم] ثم أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين الذي رضوا بها، واطمأنوا إليها وجمعوا الأموال ومنعوها من مصارفها التي أمروا بها، مما يرضي الله عنهم وسخروا من الذين آمنوا، الذين أعرضوا عنها، وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم، وبذلوه ابتغاء وجه الله، فلهذا فازوا بالمقام الأسعد والحظ الأوفر يوم معادهم، فكانوا فوق أولئك في محشرهم ومنشرهم ومسيرهم ومأواهم، فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين، وخلد أولئك في الدركات في أسفل سافلين،
ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: يرزق من يشاء من خلقه ويعطيه عطاء كثيرًا جزيلًا بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث "ابن آدم أَنفق أُنفق عليك" (^٤).
وقال النبي ﷺ: "أنفق بلالًا ولا تخش من ذي العرش إقلالًا" (^٥).
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عيسى بن ميمون عن ابن أبي نجيح به.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد عن أبي جعفر به، وما ورد من القراءة فهي شاذة. وأخرجه الطبري بسند حسن أنها قراءة أُبي بن كعب ﵁ ولعلها من القراءة المنسوخة.
(٣) قوله: "كفرًا" سقط من الأصل، واستدرك من (عف) و(عش) و(ح).
(٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] (ح ٤٦٨٤)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب الحث على النفقة (ح ٩٩٣).
(٥) أخرجه الطبراني من طريق قيس بن الربيع عن أبي حصين عن يحيى بن وثاب عن مسروق عن ابن مسعود مرفوعًا (المعجم الكبير ١٠/ ١٩١ - ١٩٢، ح ١٠٣٠٠)، قال الهيثمي: وفيه قيس بن الربيع وثقه شعبة والثوري وفيه كلام، وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٣/ ١٢٦)، وقد توبع قيس إذ أخرجه الأصبهاني في الترغيب=
[ ٢ / ١٣٣ ]
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩]، وفي الصحيح: "إن ملكين [ينزلان من السماء صبيحة] (^١) كل يوم فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خَلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا" (^٢).
وفي الصحيح: "يقول ابن آدم: مالي مالي. [وهل لك من] (^٣) مالك إلا ما أكلت فأفنيت، وما لبست فأبليت، وما تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس" (^٤).
وفي مسند الإمام أحمد عن النبي ﷺ أنه قال: "الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له" (^٥).
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾.
قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، أخبرنا همام عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان بين (^٦) نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله (كان الناس أمةً واحدةً فاختلفوا) (^٧). ورواه الحاكم في مستدركه من حديث بندار محمد بن بشار ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (^٨)، كذا روى أبو جعفر الرازي عن أُبي العالية، عن أُبي بن كعب أنه كان
_________________
(١) = والترهيب ٢/ ٨٣٧ (ح ٢٠٤٩)، من طريق مفضل بن صالح عن الأعمش عن طلحة بن مصرف عن مسروق به، وله شاهد أخرجه البزار والطبراني في الكبير برقم (١٠٢٠)، وفي الأوسط وحسنه المنذري (الترغيب ٢/ ٥١)، وحسنه السخاوي في المقاصد الحسنة ص ١٠٤.
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.
(٣) صحيح البخاري، الزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ [الليل] (ح ١٤٤٢)، وصحيح مسلم الزكاة، باب من المنفق والممسك (ح ١٠١٠).
(٤) في الأصل: وإن والتصويب من (عف) و(عش) و(ح) والتخريج.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق (ح ٢٩٥٩).
(٦) أخرجه الإمام أحمد من طريق دويد عن أبي إسحاق، عن زرعة، عن عائشة مرفوعًا (المسند ٤/ ٤٨٠، ح ٢٤٤١٩)، وضعفه محققوه والألباني من ضعيف الجامع الصغير ٣/ ١٦٠، وقال السخاوي: ورجاله ثقات (المقاصد الحسنة ص ٢١٧)، وجود إسناده المنذري في الترغيب ٤/ ٧٧، والعراقي في تخريج الإحياء ٣/ ٢٠٣، وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير دويد وهو ثقة (مجمع الزوائد ١٠/ ٢٨٨)، ودويد مقبول وكان يرسل كما في التقريب، لذلك جُود إسناده فلا يضعف ولا يوثق، وكم من المقبولين أخرج لهم أرباب الصحاح.
(٧) في الأصل: "كان فيما بين" وما أثبت من (عف) و(عش) و(ح) ورواية الطبري.
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده صحيح، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق شيبان بن فروخ عن همام به، وأخرجه الحاكم من طريق محمد بن بشار به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٤٦)، ولعل قراءة ابن مسعود من القراءة المنسوخة فقد ثبت أيضًا عن أُبي.
(٩) المستدرك ٢/ ٥٤٦.
[ ٢ / ١٣٤ ]
يقرؤها (كان الناس أمة واحدةً فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين) (^١).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: كانوا على الهدى جميعًا فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين فكان أول من بعث نوحًا (^٢). وهكذا قال مجاهد، كما قال ابن عباس أولًا (^٣).
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يقول: كانوا كفارًا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (^٤).
والقول الأول عن ابن عباس أصح سندًا ومعنى، لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا ﵇، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي: من بعد ما قامت الحجج عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾، قال: قال النبي ﷺ: "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولًا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع فغدًا لليهود وبعد غد للنصارى" (^٥)، ثم رواه عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة (^٦).
وقال ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ فاختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمد ﷺ ليوم الجمعة واختلفوا في القبلة فاستقبلت النصارى المشرق واليهود بيت المقدس فهدى الله أمة محمد للقبلة واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أُمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق آدم بن أبي إياس عن أبي جعفر به.
(٢) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في تفسيره، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده ضعيف.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره بسنده ومتنه، وهو متفق عليه أخرجه البخاري من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة (الصحيح، الجمعة، باب فرض الجمعة ح ٨٧٦)، وأخرجه مسلم من طريق الأعرج وأبي صالح وهمام كلهم عن أبي هريرة به (الصحيح، الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة ح ٨٥٥).
(٦) سنده صحيح.
[ ٢ / ١٣٥ ]
إبراهيم ﵇، فقالت اليهود: كان يهوديًا، وقالت النصارى: كان نصرانيًا، وجعله الله حنيفًا مسلمًا، فهدى الله أُمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى ﵇، فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتانًا عظيمًا، وجعلته النصارى إلهًا وولدًا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أُمة محمد ﷺ للحق من ذلك (^١).
وقال الربيع بن أنس في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ أي: عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله ﷿ وحده، وعبادته لا شريك له، هاقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف واعتزلوا الاختلاف وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة شهداء على قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وآل فرعون، أن رسلهم قد بلغوهم، وأنهم قد كذبوا رسلهم، وفي قراءة أُبي بن كعب: (وليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)، وكان أبو العالية يقول في هذه الآية: المخرج من الشبهات والضلالات والفتن (^٢).
وقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بعلمه بهم وبما هداهم له، قاله ابن جرير (^٣):
﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من خلقه ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: وله الحكمة (^٤) والحجة البالغة، وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة: أن رسول الله ﷺ، كان إذا قام من الليل يصلي يقول: "اللَّهم ربِّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" (^٥).
وفي الدعاء المأثور: "اللَّهم أرنا الحق حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إمامًا" (^٦).
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾.
يقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ قبل أن تبتلوا وتخبروا وتمتحنوا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم، ولهذا قال: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ وهي الأمراض والأسقام والآلام والمصائب والنوائب.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب به، وفي سنده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ضعيف.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق آدم بن أبي إياس، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب.
(٣) ذكره الطبري، بلفظ: "بعلمه بهم لما هداهم له" (التفسير ٣/ ٦٣٣).
(٤) في الأصل: "الحكم" وما أثبت من (عف) و(عش) و(ح).
(٥) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين (ح ٧٧٠).
(٦) ذكره العراقي بلفظ: "اللهم أرني الحق حقًّا فأتبعه" (المغني عن حمل الأسفار ٢/ ٣٦٦).
[ ٢ / ١٣٦ ]
قال ابن مسعود وابن عباس وأبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير ومرة الهمداني والحسن وقتادة والضحاك والربيع والسدي ومقاتل بن حيان (^١): ﴿الْبَأْسَاءِ﴾ الفقر.
قال ابن عباس: ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ السقم ﴿وَزُلْزِلُوا﴾ خوفًا من الأعداء زلزالًا شديدًا، وامتحنوا امتحانًا عظيمًا (^٢)، كما جاء في الحديث الصحيح عن خبَّاب بن الأرت، قال: قلنا: يا رسول اللّه، ألا تستنصر لنا، ألا تدعو اللّه لنا؟ فقال: "إن من كان قبلكم [كان أحدهم] (^٣) يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، لا يصرفه ذلك عن دينه"، ثم [قال] (^٤): "واللّه ليتمنَّ اللّه هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا اللّه والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" (^٥).
وقال اللّه تعالى ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت]، وقد حصل من هذا جانب عظيم للصحابة - رضي اللّه تعالى عنهم - في يوم الأحزاب، كما قال اللّه تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ الآيات [الأحزاب]. ولما سأل هِرَقل أبا سفيان: هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: فكيف كانت (^٦) الحرب بينكم؟ قال: سجالًا، يدال علينا وندال عليه. قال: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة (^٧).
وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: سنتهم كما قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾ [الزخرف]، وقوله: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ أي يستفتحون على أعدائهم ويدعون بقرب الفرج والمخرج عند ضيق الحال والشدة، قال اللّه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [كما قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح]، وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها، ولهذا قال: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ وفي حديث أبي رزين: "عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيثه، فينظر إليهم قنطين، فيظل يضحك يعلم أن فرجهم قريب … " الحديث (^٨)] (^٩).
_________________
(١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا رواية ابن مسعود أخرجها بسند حسن.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.
(٣) قوله: "كان أحدهم" سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.
(٤) قوله: "قال" سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.
(٥) صحيح البخاري، المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (ح ٣٦١٢ و٦٩٤٣).
(٦) في الأصل: "كان" والتصويب (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.
(٧) صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي (ح ٧).
(٨) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٢٦/ ١٠٦، ح ١٦١٨٧)، وضعفه محققوه.
(٩) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(عف) و(ح).
[ ٢ / ١٣٧ ]
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾.
قال مقاتل بن حيان: هذه الآية في نفقة التطوع (^١). وقال السدي: نسختها الزكاة (^٢)، وفيه نظر، ومعنى الآية: يسألونك كيف ينفقون؟ قاله ابن عباس ومجاهد (^٣)، فبيَّن لهم تعالى ذلك، فقال: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أي اصرفوها في هذه الوجوه. كما جاء الحديث: "أُمكَ وأباكَ وأُختك وأخاك، ثم أناك أناك" (^٤).
وتلا ميمون بن مِهران هذه الآية، ثم قال: هذه مواضع النفقة ما ذكر فيها طبلًا ولا مزمارًا ولا تصاوير الخشب ولا كسوة الحيطان (^٥).
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي: مهما صدر منكم من فعل معروف، فإن اللّه يعلمه وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء، فإنه لا يظلم مثقال ذرة.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾.
هذا إيجاب من اللّه تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفُّوا شرَّ الأعداء عن حوزة الإسلام.
وقال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر، وإن لم يحتج إليه قعد (^٦).
(قلت): ولهذا ثبت في الصحيح: "من مات ولم يغزُ ولم يحدِّث نفسه بالغزو، مات ميتة جاهلية" (^٧)، وقال ﵇ يوم الفتح: "لا هجرة ولكن جهاد وفية، وإذا استنفرتم فانفروا" (^٨).
وقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أي: شديد عليكم ومشقة وهو كذلك، فإنه إما أن يقتل أو يجرح مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء. ثم قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء والاستيلاء على بلادهم وأموالهم وذراريهم وأولادهم. ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ وهذا عام في الأمور كلها قد يحب المرء شيئًا وليس له فيه خيرة ولا مصلحة، ومن ذلك القعود عن القتال قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عنه.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٣) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند معلق، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٤) أخرجه الإمام أحمد من حديث رجل من بني يربوع (المسند ٢٧/ ١٥٩، ح ٦٦١٣)، وصححه محققوه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي المليح عن ميمون به.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكر بن عمرو المعافري عن الزهري به.
(٧) أخرجه مسلم، الصحيح، الإمارة، باب (ح ١٩١٠).
(٨) البخاري، الصحيح، جزاء الصيد، باب لا يحل القتال بمكة (ح ١٨٣٤)، وأخرجه مسلم، الصحيح، الحج (ح ١٣٥٣).
[ ٢ / ١٣٨ ]
ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: هو أعلم بعواقب الأمور منكم، وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم، فاستجيبوا له وانقادوا لأمره، لعلكم ترشدون.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، حدثني الحضرمي، عن أبي السوار، عن جُندب بن عبد الله، أن رسول اللّه ﷺ بعث رهطًا، وبعث عليهم [أبا عبيدة بن الجراح أو أبا عبيدة بن الحارث] (^١)، فلما ذهب ينطلق بكى صبابة إلى رسول اللّه ﷺ فجلس فبعث عليهم مكانه عبد اللّه بن جحش، وكتب له كتابًا وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: "لا تكرهنَّ أحدًا على السير معك من أصحابك" فلما قرأ الكتاب استرجع، وقال: سمعًا وطاعة للّه ولرسوله، فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان وبقي بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجب أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام! فأنزل اللّه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية (^٢).
وقال السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرَّة، عن ابن مسعود: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وذلك أن رسول اللّه ﷺ بعث سرية، وكانوا سبعة نفر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم: عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي حليف [لبني] (^٣) نوفل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب، وكتب لابن جحش كتابًا وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل بطن ملل، فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب فإذا فيه: "أن سِرْ حتى تنزل بطن نخلة". فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص، فإنني موصٍ وماضٍ لأمر رسول اللّه ﷺ، فسار، فتخلف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة، أضلا راحلة لهما فأتيا يجوبان يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هو بالحكم بن كيسان والمغيرة بن عثمان وعبد الله بن المغيرة، وانفلت وقتل عمرو، قتله واقد بن عبد اللّه، فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب رسول اللّه ﷺ، فلما رجعوا إلى المدينة بأسيرين وما أصابوا من المال، أراد أهل مكة
_________________
(١) ما بين معقوفين زيادة من (عش) و(عف) و(ح) ورواية ابن أبي حاتم.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن. وحسنه الحافظ ابن حجر في العجاب في بيان الأسباب (ل ٨٧ ب).
(٣) في الأصل: "أبي" والتصويب من (عف) و(عف) و(ح) والتخريج.
[ ٢ / ١٣٩ ]
أن يفادوا الأسيرين [وعاب] (^١) عليه المشركون. وقالوا: إن محمدًا يزعم أنه يتبع طاعة اللّه وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب، فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى، وقتل في أول رجب وآخر ليلة من جمادى، وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب، وأنزل اللّه يعير أهل مكة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام حين كفرقم بالله وصددتم عن محمد ﷺ وأصحابه، وإخراج أهل المسجد الحرام منه حين أخرجوا محمدًا ﷺ، أكبر من القتل عند الله (^٢).
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وذلك أن المشركين صدوا رسول اللّه ﷺ وردوه عن المسجد في شهر حرام، ففتح اللّه على نبيه في شهر حرام من العام المقبل، فعاب المشركون على رسول اللّه ﷺ القتال في شهر حرام، فقال اللّه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ﴾ من القتال فيه، وأن محمدًا ﷺ بعث سرية، فلقوا عمرو بن الحضرمي وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى [وأول ليلة من رجب وأن أصحاب محمد ﷺ، كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى] (^٣)، وكانت أول رجب، ولم يشعروا، فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه، وإن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فقال اللّه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وغير ذلك أكبر منه ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد ﷺ، والشرك أشد منه (^٤).
وهكذا روى أبو سعيد [البقال] (^٥) عن عكرمة، عن ابن عباس، أنها نزلت في سرية عبد الله بن جحش وقتل عمرو بن الحضرمي.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ …﴾ إلى آخر الآية (^٦)، وقال عبد الملك بن هشام راوي السيرة، عن زياد بن عبد اللّه البكائي، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني ﵀، في كتاب السيرة له، إنه قال: وبعث - يعني: رسول الله ﷺ عبد اللّه بن جحش بن رباب الأسدي في رجب مقفله من بدر الأولى، وبعث معه
_________________
(١) قوله: "وعاب" في الأصل بياض، واستدرك من (عف) و(ح) والتخريج أما في (عش) فغير واضحة.
(٢) أخرجه الطبري بسنده عن السدي مرسلًا، وسند السدي الذي ذكره ابن كثير ضعيف فيه خلط وتشهد له الرواية السابقة.
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح) والتخريج.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف وتشهد له رواية جندب السابقة.
(٥) في الأصل: "المنهال" والتصويب من (عش) و(عف) و(ح) وأبو سعيد البقال هو: سعيد بن المرزبان: ضعيف (التقريب ص ٢٤١)، وتشهد له رواية جندب السابقة.
(٦) في سنده: "الكلبي" وقد صرح بأن كل ما رواه عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب، ولكن هذه الرواية مشهورة. وقد وردت في الروض الأنف ٣/ ٢٢.
[ ٢ / ١٤٠ ]
ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابًا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه فيمضي كما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدًا، وكان أصحاب عبد اللّه بن جحش من المهاجرين، ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش، وهو أمير القوم، وعكاشة بن محصن بن حرثان أحد بني أسد بن خزيمة حليف لهم، ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان بن جابر حليف لهم ومن بني زهرة بن كلاب سعد بن أبي وقاص ومن بني عدي بن كعب: عامر بن ربيعة، حليف لهم، من عنز بن وائل، وواقد بن عبد اللّه بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع، أحد بني تميم حليف لهم، [وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم] (^١)، ومن بني الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء، فلما سار عبد الله بن جحش يومين، فتح الكتاب فنظر فيه فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا، فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف ترصد بها قريشًا وتعلم لنا من أخبارهم، فلما نظر عبد اللّه بن جحش الكتاب، قال: سمعًا وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول اللّه ﷺ، أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشًا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدًا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول اللّه ﷺ، فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد، فسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له: بحران، أضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبًا وأدمًا وتجارة من تجارة قريش، فيها عمرو بن الحضرمي، واسم الحضرمي عبد اللّه بن عباد أحد الصدف وعثمان بن عبد اللّه بن المغيرة وأخوه نوفل بن عبد اللّه المخزوميان والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة، فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا وقالوا: عمار لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم، فليمتنعن منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فتردد القوم وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد اللّه التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر (^٢) عثمان بن عبد اللّه والحكم بن كيسان، وأفلت القوم نوفل بن عبد اللّه فأعجزهم، وأقبل عبد اللّه بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول اللّه ﷺ المدينة.
قال ابن إسحاق: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول اللّه ﷺ مما غنمنا الخمس، وذلك قبل أن يفرض اللّه الخمس من المغانم، فعزل لرسول اللّه ﷺ خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه، قال ابن إسحاق: فلما قدموا على
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(عش) و(ح).
(٢) في الأصل صُحف إلى "واستأمر".
[ ٢ / ١٤١ ]
رسول الله ﷺ، قال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام" فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئًا، فلما قال ذلك رسول اللّه ﷺ، أسقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال فقال من يرد عليه من المسلمين ممن كان بمكة؛ إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان، وقالت يهود: تفاءلوا بذلك على رسول اللّه ﷺ عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، عمرو عمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، وواقد بن عبد اللّه وقدت الحرب، فجعل اللّه عليهم ذلك لا لهم، فلما أكثر الناس في ذلك أنزل اللّه على رسول اللّه ﷺ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام، فقد صدوكم عن سبيل اللّه مع الكفر به، وعن المسجد الحرام وإخراجكم منه وأنتم أهله ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ من قتل من قتلتم منهم ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي قد كانوا يفتنون المسلم في دينه حتى يردّوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند اللّه من القتل ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ أي: ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين.
قال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا من الأمر وفرَّج اللّه عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق، قبض رسول اللّه ﷺ العير والأسيرين، وبعثت (^١) إليه قريش في فداء عثمان بن عبد اللّه والحكم بن كيسان، فقال رسول اللّه ﷺ: "لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا" يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان، فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم، فقدم سعد وعتبة، ففداهما رسول الله ﷺ منهم، فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه، وأقام عند رسول اللّه ﷺ قتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأما عثمان بن عبد اللّه فلحق بمكة فمات بها كافرًا، قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه (حين) (^٢) نزل القرآن طمعوا في الأجر فقالوا: يا رسول اللّه، أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟
فأنزل اللّه ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ فوضع اللّه من ذلك على أعظم الرجاء.
قال ابن إسحاق: والحديث في هذا عن الزهري ويزيد بن رومان، عن عروة، وقد روى يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قريبًا من هذا السياق (^٣)، وروى موسى بن عقبة، عن الزهري نفسه نحو ذلك، وروى شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن عروة بن الزبير نحوًا من هذا أيضًا، وفيه فكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين
_________________
(١) في الأصل: "وبعث" والتصويب من (عش) و(عف) و(ح).
(٢) قوله: "حين" سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و(عف) و(ح).
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف ولبعضه شواهد وأخرج بعضه ابن أبي حاتم. وينظر: سيرة ابن هشام ١/ ٦٠١ - ٦٠٥، والروض الأنف ٣/ ٢٢ - ٢٣، ودلائل النبوة للبيهقي ٣/ ١٨ - ١٩، وهذه الرواية وردت بمراسيل يقوي بعضها بعضًا.
[ ٢ / ١٤٢ ]
المسلمين والمشركين، فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على رسول اللّه ﷺ بالمدينة، فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل اللّه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الآية (^١).
وقد استقصى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة (^٢).
ثم قال ابن هشام، عن زياد، عن ابن إسحاق: وقد ذكر عن بعض آل عبد اللّه أن عبد اللّه قسم الفيء بين أهله، فجعل أربعة أخماسه لمن أفاءه، وخمسًا إلى اللّه ورسوله، فوقع على ما كان عبد اللّه بن جحش صنع في تلك العير (^٣).
قال ابن هشام: وهي أول غنيمة غنمها المسلمون، وعمرو بن الحضرمي أول من قتل المسلمون، وعثمان بن عبد اللّه والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون.
قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق ﵁ في غزوة عبد اللّه بن جحش، ويقال: بل عبد اللّه بن جحش قالها حين قالت قريش: قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام فسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه المال وأسروا فيه الرجال.
قال ابن هشام: هي لعبد اللّه بن جحش:
تعدون قتلًا في الحرام عظيمة … وأعظم منه لو يرى الرشد راشد
صدودكم عما يقول محمد … وكفر به واللّه راء وشاهد
وإخراجكم من مسجد اللّه أهله … ليلًا يرى للّه في البيت ساجد
فإنا وإن عيَّرتمونا بقتله … وأرجف بالإسلام باغٍ وحاسد
سفينا من ابن الحضرمي في رماحنا … بنخلة لما أوقد الحرب واقد
دمًا وابن عبد الله عثمان بيننا … ينازعه غُلُّ من القدِّ عائد (^٤)
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾.
قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر أنه قال: لما نزل تحريم الخمر، قال: اللَّهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت هذه الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فدعي عمر، فقرئت عليه فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في النساء: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة نادى: أن لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر، فقرئت عليه فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا،
_________________
(١) هذه مراسيل يقوي بعضها بعضًا.
(٢) دلائل النبوة ٣/ ١٨ - ١٩.
(٣) السيرة النبوية ١/ ٦٠٥.
(٤) الروض الأنف ٣/ ٢٥، والسيرة النبوية ١/ ٦٠٥. إلى هنا تنتهي القطعة من نسخة تشستربتي المرموز لها: (عش).
[ ٢ / ١٤٣ ]
فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر، فقرئت عليه فلما بلغ ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؟ قال عمر: انتهينا انتهينا (^١).
هكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، وكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني الكوفي، عن عمر وليس له عنه سواه، لكن قد قال أبو زرعة: لم يسمع منه، واللّه أعلم. وقال علي بن المديني: هذا إسناد صالح، وصححه الترمذي، وزاد ابن أبي حاتم بعد قوله: انتهينا: إنها تذهب المال وتذهب العقل (^٢)، وسيأتي هذا الحديث أيضًا مع ما رواه أحمد من طريق أبي هريرة أيضًا عند قوله في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الآيات [المائدة: ٩٠]، فقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ أما الخمر، فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: إنه كل ما خامر العقل (^٣)، كما سيأتي بيانه في سورة المائدة، وكذا الميسر وهو القمار.
وقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية من حيث إن فيها نفع البدن وتهضيم الطعام وإخراج الفضلات وتشحيذ بعض الأذهان ولذة الشدة المطربة التي فيها، كما قال حسان بن ثابت في جاهليته:
ونشربها فتتركنا ملوكًا … وأُسدًا لا يُنَهنهُنا (^٤) اللقاء (^٥)
وكذا بيعها والانتفاع بثمنها، وما كان يقمشه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله، ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة، لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا قال اللّه تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾، ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرضة، ولهذا قال عمر ﵁ لما قرئت عليه: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، حتى نزل التصريح [بتحريمها] (^٦) في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة] وسيأتي الكلام على ذلك في سورة المائدة - إن شاء اللّه تعالى وبه الثقة.
قال ابن عمر والشعبي ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٣٧٨)، وصححه محققه أحمد شاكر وأخرجه الترمذي من طريق محمد بن يوسف عن إسرائيل به، وصححه (السنن، التفسير سورة المائدة ح ٣٠٤٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٤٢)، وأخرجه أبو داود من طريق وكيع عن إسرائيل به. وقال: هذا أصح من حديث محمد بن يوسف (السنن - الأشربة - باب تحريم الخمر ح ٣٦٧٠).
(٢) أخرجه ابن ابن أبي حاتم من طريق الثوري عن أبي إسحاق به. وقد نقله الحافظ ابن كثير ونقل عن ابن المديني: أن إسناده صالح.
(٣) ثبت عن عمر كما تقدم في رواية ابن أبي حاتم السابقة.
(٤) أي: لا يزجرنا.
(٥) ديوان حسان بن ثابت ص ٢٧.
(٦) في الأصل: "بها" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).
[ ٢ / ١٤٤ ]
أول آية نزلت في الخمر: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، ثم نزلت الآية التي في سورة النساء، ثم نزلت الآية التي في المائدة فحرمت الخمر (^١).
قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ قرئ بالنصب وبالرفع وكلاهما حسن متجه قريب (^٢).
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان، حدثنا يحيى، أنه بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول اللّه ﷺ، فقالا: يا رسول الله، إن لنا أرقاء وأهلين من أموالنا فأنزل اللّه: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ (^٣).
وقال الحكم (^٤)، عن مقسم عن ابن عباس: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ قال: ما يفضل عن أهلك (^٥).
كذا روي عن ابن عمر ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن وقتادة والقاسم وسالم وعطاء الخراساني والربيع بن أنس وغير واحد، أنهم قالوا في قوله: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾: يعني الفضل (^٦).
وعن طاوس: اليسير من كل شئ (^٧).
وعن الربيع أيضًا: أفضل مالك وأطيبه (^٨). والكل يرجع إلى الفضل.
وقال عبد بن حميد في تفسيره: حدثنا هوذة بن خليفة، عن عوف، عن الحسن، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ قال: ذلك ألا تجهد (^٩) مالك ثم تقعد تسأل الناس (^١٠).
ويدل على ذلك ما رواه ابن جرير: حدثنا علي بن مسلم، حدثنا أبو عاصم، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رجل: يا رسول اللّه، عندي دينار، قال: "أنفقه على نفسك" قال: عندي آخر، قال: "أنفقه على أهلك" قال: عندي آخر: قال: "أنفقه على ولدك" قال: عندي آخر، قال: "فأنت أبصر" وقد رواه مسلم في صحيحه (^١١)، وأخرجه مسلم أيضًا عن
_________________
(١) قول ابن عمر أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ضعيف من طريق محمد بن أبي حميد، عن أبي طعمه المصري عنه، ومحمد وأبو طعمه فيهما مقال. ويتقوى بالمراسيل التي يقوي بعضها بعضًا فقد ثبت ذلك عن مجاهد وقتادة وعن عبد الرحمن بن زيد فيما رواه الطبري عنهم.
(٢) كلتاهما قراءتان متواترتان.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده منقطع بين يحيى ومعاذ.
(٤) في الأصل: "الحاكم" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٥) أخرجه سعيد بن منصور في سننه (ح ٣٦٥) في التفسير وابن أبي حاتم والطبري بسند حسن من طريق ابن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة به.
(٦) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأقوال عطاء وقتادة والسدي وابن زيد والحسن أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن طاوس.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر عن الربيع بن أنس.
(٩) في الأصل: "تجهل" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(١٠) سنده حسن، وعوف هو الأعرابي، والحسن هو البصري.
(١١) بل رواه أحمد في المسند ٢/ ٢٥١، والنسائي في سننه، الزكاة، باب تفسير ذلك ٥/ ٦٢، وأبو داود في سننه، الزكاة، باب صلة الرحم (ح ١٦٧٥)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن النسائي ح ٢٣٧٥)، =
[ ٢ / ١٤٥ ]
جابر، أن رسول اللّه ﷺ قال لرجل: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا" (^١). وعنده عن أبي هريرة ﵁. قال: قال رسول اللّه ﷺ: "خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول" (^٢).
وفي الحديث أيضًا: "ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف" (^٣).
ثم قد قيل: إنها منسوخة بآية الزكاة، كما رواه علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس (^٤)، وقاله عطاء الخراساني والسدي (^٥)، وقيل: مبينة بآية الزكاة، قاله مجاهد (^٦) وغيره، وهو أوجه.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: كما فصل لكم هذه الأحكام وبينها وأوضحها كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه ووعده ووعيده، لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبنائها (^٧).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو أسامة، عن الصعق التميمي، قال: شهدت الحسن وقرأ هذه الآية من البقرة ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قال: هي والله لمن تفكر فيها ليعلم أن الدنيا دار بلاء ثم دار فناء، وليعلم أن الآخرة دار جزاء ثم دار بناء" (^٨).
وهكذا قال قتادة وابن جريج وغيرهما، وقال عبد الرزاق: عن معمر، عن قتادة: لتعلموا فضل الآخرة على الدنيا (^٩). وفي رواية عن قتادة: فآثروا الآخرة على الأولى.
وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ﴾ الآية.
قال ابن جرير: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]
_________________
(١) = وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤١٥).
(٢) صحيح مسلم، الزكاة، باب الابتداء في النفقة بالنفس ثم أهله ٢/ ٦٩٢ (ح ٩٩٧).
(٣) بل هو عنده من حديث حكيم بن حزام، صحيح مسلم، الزكاة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى (ح ١٠٣٤)، وأخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، الصحيح، الزكاة، باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى (ح ١٤٢٨).
(٤) أخرجه مسلم من حديث أبي أمامة مرفوعًا (الصحيح، الزكاة، الباب السابق ح ١٠٣٦).
(٥) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه.
(٦) قول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق إسباط عنه، وقول عطاء الخراساني ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٧) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(١٠) أخرجه عبد الرزاق وسنده صحيح.
[ ٢ / ١٤٦ ]
و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]،
انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول اللّه ﷺ فأنزل اللّه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم (^١).
وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طرق عن عطاء بن السائب به (^٢).
وكذا رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٣)، وكذا رواه السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرَّة، عن ابن مسعود بمثله (^٤)، وهكذا ذكر غير واحد في سبب نزول هذه الآية كمجاهد وعطاء والشعبي وابن أبي ليلى وقتادة وغير واحد من السلف والخلف.
قال وكيع بن الجراح: حدثنا هشام صاحب الدستوائي، عن حماد، عن إبراهيم، قال: قالت عائشة ﵂: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي على حدة، حتى أخلط طعامه بطعامي، وشرابه بشرابي (^٥).
فقوله: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ أي: على حدة، ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: وإن خلطتم طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم فلا بأس عليكم، لأنهم إخوانكم في الدين، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ أي: يعلم من قصده ونيته الإفساد أو الإصلاح.
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: ولو شاء اللّه لضيق عليكم وأحرجكم، ولكنه وسع عليكم، وخفف عنكم، وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، بل قد جوّز الأكل منه للفقير بالمعروف، إما بشرط ضمان البدل لمن أيسر، أو مجانًا كما سيأتي بيانه في سورة النساء، إن شاء اللّه وبه الثقة.
﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾.
هذا تحريم من اللّه ﷿ على المؤمنين، أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان، ثم [إن] (^٦)
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده سفيان بن وكيع: ضعيف، وقد توبع فقد أخرجه الطبري وأحمد (المسند ح ٣٠٠٢)، وأبو داود (السنن، الوصايا، باب مخالطة اليتيم ح ٢٨٧١)، والنسائي (السنن، الوصايا، باب ما للموصي من مال ٥/ ٢٥٦)، وصححه أحمد شاكر في تحقيقه للمسند، وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٣٤٣٠)، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٢٧٨، وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) تقدم تخريجه في سابقه.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت عنه.
(٤) سنده اختلط على السدي ويشهد له ما سبق والآثار اللاحقة.
(٥) أخرجه الطبري من طريق وكيع به، وفيه إبراهيم النخعي لم يسمع من عائشة.
(٦) قوله: "إن" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).
[ ٢ / ١٤٧ ]
كان عمومها مرادًا، وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية، فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة: ٥] قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾: استثنى اللّه من ذلك نساء أهل الكتاب (^١).
وهكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومكحول والحسن والضحاك وزيد بن أسلم والربيع بن أنس وغيرهم (^٢).
وقيل: بل المراد بذلك المشركون من عبدة الأوثان (^٣)، ولم يرد أهل الكتاب بالكلية، والمعنى قريب من الأول، واللّه أعلم.
فأما ما رواه ابن جرير: حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا أبي، حدثني عبد الحميد بن بهرام الفزاري، حدثنا شهر بن حوشب، قال: سمعت عبد اللّه بن عباس يقول: نهى رسول الله ﷺ عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات وحرم كل ذات دين غير الإسلام. قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]، وقد نكح طلحة بن عبيد اللّه يهودية، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية، فغضب عمر بن الخطاب غضبًا شديدًا حتى همَّ أن يسطو عليهما فقالا: نحن نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب فقال: لئن حلَّ طلاقهنَّ لقد حلَّ نكاحهن، ولكني أنتزعهنَّ منكم صغرة قمأة (^٤). فهو حديث غريب جدًّا، وهذا الأثر عن عمر غريب أيضًا (^٥).
قال أبو جعفر بن جرير ﵀ بعد حكايته الإجماع على إباحة تزويج الكتابيات: وإنما كره عمر ذلك لئلا يزهد الناس في المسلمات أو لغير ذلك من المعاني (^٦). كما حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إدريس، حدثنا الصلت بن بهرام، عن شفيق، قال: تزوج حذيفة يهودية، فكتب إليه عمر: خلِّ سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام، فأخلي سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات منهن (^٧)، وهذا إسناد صحيح. وروى الخلال عن محمد بن إسماعيل، عن وكيع، عن الصلت، نحوه.
وقال ابن جرير: حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي (^٨)، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا
_________________
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه وزيادة: فقال: "والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب … ".
(٢) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم سوى مجاهد. وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن سعيد بن جبير.
(٤) قمأة: أي أذلة.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ثم قال: وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ من القول خلاف ذلك بإسناد هو أصح منه. ثم ذكر رواية موسى المسروقي بعد التالية.
(٦) نص الطبري: وإنما كره عمر لطلحة وحذيفة - رحمة الله عليهم - نكاح اليهودية والنصرانية حذرًا من أن يقتدى بهما الناس في ذلك فيزهدوا في المسلمات (التفسير ٣/ ٧١٦).
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح إسناده الحافظ ابن كثير. وأخرجه عبد الرزاق من طريق الصلت به (المصنف رقم ١٢٦٧٠).
(٨) في الأصل: "المروي" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).
[ ٢ / ١٤٨ ]
سفيان بن سعيد، عن يزيد بن أبي زياد، عن زيد بن وهب، قال: قال عمر بن الخطاب: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة (^١). قال: وهذا أصح إسنادًا من الأول، ثم قال: وقد حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق الأزرق عن شريك، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا" ثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به لإجماع الجميع من الأمة عليه، كذا قال ابن جرير ﵀ (^٢).
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر، أنه كره نكاح أهل الكتاب، وتأول ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (^٣).
وقال البخاري: وقال ابن عمر: لا أعلم شركًا أعظم من أن تقول: ربها عيسى (^٤).
وقال أبو بكر الخلال الحنبلي: حدثنا محمد بن هارون، حدثنا إسحاق بن إبراهيم وأخبرني محمد بن علي، حدثنا صالح بن أحمد، أنهما سألا أبا عبد اللّه أحمد بن حنبل عن قول اللّه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ قال: مشركات العرب الذين يعبدون الأصنام (^٥).
وقوله: ﴿وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ قال السدي: نزلت في عبد اللّه بن رواحة، كانت له أمة سوداء فغضب عليها فلطمها، ثم فزع فأتى رسول اللّه ﷺ فأخبره خبرها، فقال له: "ما هي؟ " قال: تصوم وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إلا اللّه، وأنك رسول اللّه، فقال: "يا عبد اللّه هذه مؤمنة". فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنها ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين وقالوا: نكح أمته وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله: ﴿وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ (^٦).
وقال عبد بن حميد: حدثنا جعفر بن عوف، حدثنا عبد الرحمن بن زياد الأفريقي عن [عبد اللّه بن يزيد، عن] (^٧) عبد اللّه بن عمرو، عن النبي ﷺ، قال: "لا تنكحوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تنكحوهن على أموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، وأنكوهن على الدين، فلأمة سوداء جرداء ذات دين أفضل" (^٨) والأفريقي ضعيف.
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق من طريق سفيان به (المصنف رقم ١٠٠٥٨).
(٢) ذكره الطبري وزاد: أولى من خبر عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب (التفسير ٣/ ٧١٦).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٤) أخرجه البخاري بلفظه وأطول (الصحيح، الطلاق، باب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ …﴾ [البقرة: ٢٢١] ح ٥٢٨٥).
(٥) في الأصل "الأوثان".
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٧) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) والتخريج.
(٨) أخرجه عبد بن حميد في مسنده بسنده ومتنه (المنتخب ح ٣٢٨)، وفي سنده عبد الرحمن الإفريقي ضعيف كما قال الحافظ ابن كثير.
[ ٢ / ١٤٩ ]
وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال: "تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين، تربت يداك" (^١). ولمسلم عن جابر مثله (^٢)، وله عن ابن عمرو أن رسول اللّه ﷺ قال: "الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة" (^٣).
وقوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ أي: لا تزوجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات، كما قال تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ثم قال تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ أي ولرجل مؤمن - ولو كان عبدًا حبشيًا - خير من مشرك، وإن كان رئيسًا سريًا ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: معاشرتهم ومخالطتهم، تبعث على حبِّ الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ أي: بشرعه وما أمر به وما نهى عنه، ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي ﷺ، فأنزل اللّه ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ حتى فرغ من الآية، فقال رسول اللّه ﷺ: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا، إلا خالفنا فيه، فجاء أُسيد بن حضير وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله، إن اليهود قالت: كذا وكذا، أفلا نجامعهنَّ؟ فتغير وجه رسول اللّه ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى رسول اللّه ﷺ، فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليهما (^٤). رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به (^٥).
فقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ يعني الفرج، لقوله: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" ولهذا ذهب كثير من العلماء أو أكثرهم، إلى أنه يجوز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج، قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن أيوب، عن عكرمة، عن بعض أزواج النبي ﷺ، كان إذا أراد من الحائض شيئًا يلقي على فرجها ثوبًا (^٦).
_________________
(١) صحيح البخاري، النكاح، باب الأكفاء في الدين (ح ٥٠٩٠)، وصحيح مسلم، الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين (ح ١٤٦٦).
(٢) صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين (ح ٥٤ بعد ١٤٦٦).
(٣) صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة (ح ١٤٦٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند، الطهارة، باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع (ح ٢٧٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٢).
(٥) أخرجه مسلم من حماد بن سلمة به (الصحيح، الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ح ٣٠٢).
(٦) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطهارة، باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع ح ٢٧٢)،=
[ ٢ / ١٥٠ ]
وقال أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد اللّه - يعني: ابن عمر بن غانم (^١) -، عن عبد الرحمن - يعني: ابن زياد -، عن عمارة بن غراب، أن عمة له (^٢) حدثته أنها سألت عائشة قال: إحدانا تحيض وليس لها ولزوجها فراش إلا فراش واحد، قالت: أخبرك بما صنع رسول اللّه ﷺ، دخل فمضى إلى مسجده، قال أبو داود: تعني مسجد بيتها فما انصرف حتى غلبتني عيني فأوجعه البرد فقال: "ادني مني" فقلت: إني حائض، فقال: "اكشفي عن فخذيك" فكشفتُ فخذي، فوضع خده وصدره على فخذي وحفيت عليه [حتى دفئ] (^٣) ونام (^٤) ﷺ.
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب، عن كتاب أبي قلابة، أن مسروقًا ركب إلى عائشة فقال: السلام على النبي وعلى أهله، فقالت عائشة: مرحبًا مرحبًا، فأذنوا له فدخل فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحي، فقالت: إنما أنا أمك وأنت ابني، فقال: ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقالت له: كل شيء إلا فرجها (^٥). ورواه أيضًا عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، عن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، عن مروان الأصفر، عن مسروق قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قالت: كل شيء إلا الجماع (^٦).
وهذا قول ابن عباس ومجاهد والحسن وعكرمة (^٧)، وروى ابن جرير أيضًا عن أبي كريب عن ابن أبي زائدة، عن الحجاج، عن ميمون بن مِهران، عن عائشة، قالت: له ما فوق الأزار (^٨).
قلت (^٩): ويحلُّ مضاجعتها ومواكلتها بلا خلاف.
قالت عائشة: كان رسول اللّه ﷺ، يأمرني فأغسل رأسه وأنا حائض، وكان يتكئ في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن (^١٠).
وفي الصحيح عنها، قالت: كنت أتعرق العرق وأنا حائض فأعطيه النبي ﷺ، فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه، وأشرب الشراب فأناوله فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب (^١١).
_________________
(١) = وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٢).
(٢) لفظ: "غانم" بياض في الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(مح) و(حم) والتخريج.
(٣) لفظ: "عمة له" بياض في الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(مح) و(حم) والتخريج.
(٤) في الأصل: "بردتي" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٥) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطهارة، باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع ح ٢٧٠). وفي سنده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي: ضعيف، وعمارة: مجهول.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وله طرق أخرى لاحقة، وأخرجه عبد الرزاق من طريق معمر عن أيوب به (المصنف رقم ١٢٦٠)، وسنده صحيح.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه زيادة طرق لما تقدم.
(٨) قول ابن عباس أخرجه الطبري من طرق يقوي بعضها بعضًا، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح عنه، وكذا قول عكرمة.
(٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه ويشهد له ما سبق.
(١٠) قوله: "قلت" سقط من الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(١١) أخرجه البخاري، الصحيح، الحيض (ح ٢٩٧).
(١٢) أخرجه مسلم، الصحيح، الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها (ح ٣٠٠).
[ ٢ / ١٥١ ]
وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن جابر بن صبح، سمعت خلاسًا الهجري قال: سمعت عائشة تقول: كنت أنا ورسول اللّه ﷺ نبيت في الشعار الواحد وأنا حائض طامث، فإن أصابه مني شيء غسل مكانه لم يعده وإن أصابه - يعني ثوبه - شيء غسل مكانه لم يعده ثم صلى فيه (^١)، فأما ما رواه أبو داود حدثنا سعيد بن عبد الجبار، حدثنا عبد العزيز - يعني ابن محمد، عن أبي اليمان، ثم أم ذرة، عن عائشة أنها قالت: كنت إذا حضت نزلت عن المثال (^٢) على الحصير، فلم نقرب رسول اللّه ﷺ ولم ندن منه حتى نطهر (^٣). فهو محمول على التنزه والاحتياط. وقال آخرون: إنما تحل له مباشرتها فيما عدا ما تحت الإزار، كما ثبت في الصحيحين عن ميمونة بنت الحارث الهلالية قالت: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض (^٤). وهذا لفظ البخاري، ولهما عن عائشة نحوه (^٥).
وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث العلاء بن الحارث، عن حزام بن حكيم، عن عمه عبد اللّه بن سعد الأنصاري أنه سأل رسول اللّه ﷺ: ما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: لك ما فوق الإزار (^٦). ولأبي داود أيضًا عن معاذ بن جبل، قال: سألت رسول اللّه ﷺ عما يحلُّ لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: ما فوق الإزار والتعفف عن ذلك أفضل" (^٧)، وهو رواية عن عائشة كما تقدم وابن عباس وسعيد بن المسيب وشريح.
فهذه الأحاديث وما شابهها حجة من ذهب إلى أنه يحلُّ ما فوق الإزار منها، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي ﵀، الذي رجحه كثير من العراقيين وغيرهم، ومأخذهم أنه حريم الفرج فهو حرام لئلا يتوصل إلى تعاطي ما حرم الله ﷿ الذي أجمع العلماء على تحريمه وهو المباشرة في الفرج، ثم من فعل ذلك فقد أثم، فيستغفر اللّه ويتوب إليه، وهل يلزمه مع ذلك كفارة أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم، لما رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض، يتصدق بدينار أو نصف دينار (^٨)، وفي لفظ للترمذي: "إذا كان دمًا أحمر
_________________
(١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطهارة، باب في الرجل يصيب منها ما دون الجماع ح ٢٦٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤١).
(٢) قوله: "المثال" بياض في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٢٧١)، وفي سنده أم ذرة مقبولة (التقريب ص ٧٥٦).
(٤) صحيح البخاري، الحيض، باب مباشرة الحائض (ح ٣٠٣)، وصحيح مسلم، الحيض، باب مباشرة الحائض فوق الإزار (٢٩٤).
(٥) صحيح البخاري، الحيض، باب مباشرة الحائض (ح ٣٠٠)، وصحيح مسلم، الحيض، باب مباشرة الحائض فوق الإزار (ح ٢٩٣).
(٦) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/ ٣٤٢، وأبو داود في السنن، الطهارة، باب في المذي ح ٢١٢)، والترمذي في السنن، الطهارة (ح ١٣٣)، وابن ماجه (ح ٦٥١)، كلهم من طريق العلاء به، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩٧).
(٧) أخرجه أبو داود، السنن، الطهارة، باب في المذي (ح ٢١٣)، وقال أبو داود: وليس هو - يعني الحديث - بالقوي، ولا شك أن فيه بقية بن الوليد وقد رواه عنعنة.
(٨) أخرجه الإمام أحمد مرفوعًا وموقوفًا (المسند ح ٢٠٣٢ و٢١٢١ و٢٤٥٨ و٢٥٩٥ و٢٧٨٩ و٧٤٧٣)، وكذا =
[ ٢ / ١٥٢ ]
فدينار، وإن كان دمًا أصفر فنصف دينار" (^١). وللإمام أحمد أيضًا عنه أن رسول الله ﷺ، جعل في الحائض تصاب دينارًا، فإن أصابها وقد أدبر الدم (^٢) عنها ولم تغتسل، فنصف دينار.
والقول الثاني: وهو الصحيح الجديد من مذهب الشافعي وقول الجمهور أنه لا شيء في ذلك، بل يستغفر اللّه ﷿ لأن لم يصح عندهم رفع هذا الحديث، فإنه قد روي مرفوعًا كما تقدم، وموقوفًا وهو الصحيح عند كثير من أئمة الحديث.
فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ تفسير قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ وهي عن قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجودًا، ومفهومه حله إذا انقطع. [وقد قال به طائفة من السلف.
قال القرطبي: وقال مجاهد وعكرمة وطاوس: انقطاع الدم يحلها لزوجها ولكن بأن تتوضأ] (^٣).
[قال الإمام أبو عبد اللّه أحمد بن محمد بن حنبل فيما أملاه في الطاعة: وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ فالطهر يدل على أن يقربها، فلما قالت ميمونة وعائشة: كانت إحدانا إذا حاضت اتَّزرت ودخلت مع رسول اللّه ﷺ في شعاره (^٤)، دلَّ ذلك على أنه إنما أراد الجماع] (^٥).
وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فيه ندب وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال، وذهب ابن حزم إلى وجوب الجماع بعد كل حيضة لقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ وليس له في ذلك مستند، لأن هذا أمر بعد الحظر. وفيه أقوال لعلماء الأصول منهم من يقول: إنه على الوجوب كالمطلق، هؤلاء يحتاجون إلى جواب ابن حزم.
ومنهم من يقول: إنه للإباحة، ويجعلون تقدم النهي عليه قرينة صارفة له عن الوجوب، وفيه نظر، والذي ينهض عليه الدليل أنه يرد عليه الحكم إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي، فإن كان واجبًا، فواجب كقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، أو مباحًا فمباح كقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] وعلى هذا القول تجتمع الأدلة، وقد حكاه الغزالي وغيره، فاختاره بعض أئمة المتأخرين وهو الصحيح، وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء أو تتيمم إن تعذر ذلك عليها بشرطه، إلا أن أبا حنيفة ﵀ يقول: فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض وهو عشرة أيام عنده: أنها تحل بمجرد الانقطاع ولا تفتقر إلى غسل، والله أعلم.
وقال ابن عباس: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: من الدم ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: بالماء (^٦)، وكذا قال مجاهد
_________________
(١) = أخرجه أبو داود في سننه، الطهارة، باب إتيان الحائض (ح ٢٦٤ - ٢٦٦)، وأخرجه الترمذي وصححه محققه أحمد شاكر بعد أن ساق له خمسين طريقًا (السنن الطهارة، باب ما جاء في الكفارة ١/ ٢٤٤ - ٢٥٤)، وصحح وقفه الحافظ ابن كثير عن كثير من النقاد، وله حكم الرفع.
(٢) ينظر التخريج السابق.
(٣) لفظ: "الدم" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(مح) و(ح) والتخريج.
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (ح).
(٥) قول ميمونة وعائشة تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(٦) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(مح).
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه.
[ ٢ / ١٥٣ ]
وعكرمة والحسن ومقاتل بن حيان والليث بن سعد وغيرهم (^١).
وقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني الفرج.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يقول: في الفرج ولا تعدوه (^٢) إلى غيره، فمن فعل شيئًا من ذلك فقد اعتدى (^٣). وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: تعتزلوهن (^٤). وفيه دلالة حينئذٍ على تحريم الوطء في الدبر، كما سيأتي تقريره قريبًا. وقال أبو رزين وعكرمة والضحاك وغير واحد: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يعني: طاهرات غير حيّض (^٥).
ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ أي من الذنب وإن تكرر غشيانه ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ أي المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نهوا عنه من إتيان الحائض أو في غير المأتى.
وقوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس: الحرث موضع الولد (^٦).
﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: كيف شئتم مقبلة ومدبرة في صمام واحد كما ثبتت بذلك الأحاديث قال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن ابن المنكدر قال: سمعت جابرًا قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ورواه مسلم (^٧) وأبو داود من حديث سفيان الثوري به (^٨).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس وابن جريج وسفيان بن سعيد الثوري: أن محمد بن المنكدر حدثهم: أن جابر بن عبد الله أخبره أن اليهود قالوا للمسلمين: من أتى امرأة وهي مدبرة جاء الولد أحول، فأنزل اللّه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال ابن جريج في الحديث: فقال رسول اللّه ﷺ: "مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج" (^٩).
وفي حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده، أنه قال: يا رسول اللّه، نساؤنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: "حرثك ائت حرثك أنى شئت، غير أن لا تضرب الوجه، ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت" الحديث، رواه أحمد وأهل السنن (^١٠).
_________________
(١) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح.
(٢) في الأصل: "ولا يعده" والتصويب من التخريج و(عف) و(ح) و(حم).
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت عنه.
(٤) أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم.
(٥) قول أبي رزين أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الأعمش عنه، وقول عكرمة والضحاك أسندهما الطبري. ويشهد لهما ما تقدم.
(٦) أخرجه الطبري من طريق عكرمة عن ابن عباس، وسنده صحيح.
(٧) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ …﴾ [البقرة: ٢٢٣] (ح ٤٥٢٨)، وصحيح مسلم، النكاح، باب جواز جماعه امرأته في قبلها (ح ١٤٣٥).
(٨) لفظ: "به" سقط من الأصل.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وهو متفق عليه كما تقدم.
(١٠) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٣ وأبو داود في سننه، النكاح، باب حق المرأة على زوجها (ح ٢١٤٣)، والترمذي في سننه، الأدب، باب ما جاء في حفظ العورة (ح ٢٧٦٩)، وحسنه الترمذي، وقال الألباني:=
[ ٢ / ١٥٤ ]
(حديث آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عامر بن يحيى، عن حنش بن عبد اللّه، عن عبد اللّه بن عباس، قال: أتى ناس من حمير إلى رسول اللّه ﷺ، فسألوه عن أشياء، فقال له رجل: إني أجبّ (^١) النساء فكيف ترى في؟ فأنزل اللّه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^٢) [ورواه الإمام أحمد، حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، حدثني الحسن بن ثوبان، عن عامر بن يحيى المعافري، عن حنش، عن ابن عباس، قال: أنزلت هذه الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ في أناس من الأنصار أتوا النبي ﷺ فسألوه، فقال النبي ﷺ: "ائتها على كل حال إذا كان في الفرج"] (^٣) (^٤).
(حديث آخر) قال أبو جعفر الطحاوي في كتابه مشكل الحديث: حدثنا أحمد بن داود بن موسى، حدثنا يعقوب بن كاسب، حدثنا عبد اللّه بن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن رجلًا أصاب امرأة في دبرها، فأنكر الناس عليه ذلك، فأنزل اللّه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية (^٥).
ورواه ابن جرير [عن يونس] (^٦) عن يعقوب، [ورواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن الحارث بن شريح، عن عبد الله بن نافع به] (^٧) (^٨).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا عبيد اللّه بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط، قال: دخلت على حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت: إني لسائلك عن أمر وأنا أستحي أن أسألك، قالت: فلا تستحي يا ابن أخي، قال: عن إتيان النساء في أدبارهن؟ قالت: حدثتني أُم سلمة أن الأنصار كانوا يجبّون النساء وكانت اليهود تقول: إنه من جبّا امرأته، كان ولده أحول، فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار فجبّوهن، فأبت امرأة أن تطيع زوجها وقالت: لن تفعل ذلك حتى أتي رسول اللّه ﷺ، فدخلت على أُم سلمة فذكرت لها ذلك، فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول اللّه ﷺ، فلما جاء رسول الله ﷺ، استحت الأنصارية أن تسأله، فخرجت فحدثّت أُم سلمة، فقال: ادعي
_________________
(١) = حسن صحيح. صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٧٧).
(٢) أي: يأتي امرأته من فرجها وهي منكبَّة على وجهها.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٤١٤)، وفي سنده رشدين: ضعيف، ويشهد له ما تقدم وما تأخر.
(٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(مح) والتخريج.
(٦) أخرجه الطحاوي بسنده ومتنه في شرح معاني الآثار ٣/ ٤٠، وفي مشكل الآثار (ح ٦١١٨)، قال الحافظ ابن حجر: وهذا السبب في نزول الآية مشهور (فتح الباري ٨/ ١٩١)، وحسنه السيوطي في (الدر المنثور ١/ ٦٣٧).
(٧) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(مح) والتخريج.
(٨) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(مح) والتخريج.
(٩) مسند أبي يعلى ٢/ ٣٥٤ (ح ١١٠٣) وفي سنده شيخ أبي يعلى: الحارث بن سريج متهم بسرقة الحديث (الكامل ٢/ ٦١٥، وميزان الاعتدال ١/ ٤٣٣) وقال الهيثمي: ضعيف كذاب (مجمع الزوائد ٦/ ٣١٩).
[ ٢ / ١٥٥ ]
"الأنصارية" فدعيت، فتلا عليها هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ "صمامًا واحدًا" ورواه الترمذي عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي خثيم به، وقال: حسن (^١).
(قلت): وقد روي من طريق حماد بن أبي حنيفة عن أبيه، عن ابن خثيم، عن يوسف بن ماهك، عن حفصة أُم المؤمنين أن امرأة أتتها، فقالت: إن زوجي يأتيني مجبية ومستقبلة فكرهته، فبلغ ذلك رسول اللّه ﷺ، فقال: "لا بأس إذا كان في صمام واحد" (^٢).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا يعقوب - يعني القمي -، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جاء عمر بن الخطاب إلى رسول اللّه ﷺ، فقال: يا رسول اللّه هلكت، قال: "ما الذي أهلكك؟ " قال: حولت رحلي البارحة، قال: فلم يردّ عليه شيئًا. قال: فأوحى اللّه إلى رسول اللّه ﷺ هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ "أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة". ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن حسن بن موسى الأشيب به، وقال: حسن غريب (^٣) (^٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا رشدين حدثني الحسن عن ثوبان عن عامر بن يحيى المعافري عن حنش عن ابن عباس قال: أنزل اللّه هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ في أناس من الأنصار أتوا النبي ﷺ فسألوه، فقال النبي ﷺ: (ائتهما على كل حال إذا كان في الفرج).
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحارث بن سريح، حدثنا عبد اللّه بن نافع، حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: أثفر رجل امرأته علي عهد رسول اللّه ﷺ فقالوا: أثفر فلان امرأته، فأنزل اللّه ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^٥).
قال أبو داود: حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ، قال: حدثني محمد - يعني ابن سلمة -، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد عن ابن عباس، قال: إن ابن عمر - واللّه يغفر له - أوهم وإنما كان الحي من الأنصار، وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود، وهم أهل كتاب، وكانوا يرون لهم فضلًا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحًا منكرًا، ويتلذذون بهنَّ مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة، تزوج رجل منهم امرأة
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٣٠٥)، وأخرجه الترمذي من طريق سفيان به، وحسنه (السنن، تفسير سورة البقرة ٢٩٧٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٣٨٠).
(٢) أخرجه الإمام أبو حنيفة بسنده ومتنه (المسند ح ١٠٢)، ويشهد له ما تقدم.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٧٠٣)، وصححه محققه أحمد شاكر، وأخرجه الترمذي من طريق عبد بن حميد عن حسن به (السنن، التفسير سورة البقرة ح ٢٩٧٩، ٢٩٨٠)، وقال: حسن غريب، وصححه الحافظ ابن حجر (الفتح ٨/ ١٩١)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٣٨١).
(٤) في الأصل ورد حديث الإمام أحمد عن يحيى بن غيلان المتقدم في الصفحة السابقة وأُثبت حسب ترتيب نسخة (عف) و(مح).
(٥) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٥٤، ح ١١٠٣)، وفي سنده: الحارث بن سريج فيه مقال قادح تقدم في الصفحة السابقة.
[ ٢ / ١٥٦ ]
من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه، وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف، فأصنع ذلك، وإلا فاجتنبني، فسرى أمرهما فبلغ رسول اللّه ﷺ، فأنزل اللّه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات يعني بذلك موضوع الولد (^١). تفرد به أبو داود، ويشهد له بالصحة ما تقدم من الأحاديث ولا سيما رواية أُم سلمة، فإنها مشابهة لهذا السياق.
وقد روى هذا الحديث الحافظ أبو القاسم الطبراني من طريق محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، قال: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها، حتى انتهيت إلى هذه الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فقال ابن عباس: إن هذا الحي من قريش كانوا يشرحون النساء بمكة ويتلذذون بهن، فذكر القصة بتمام سياقها (^٢)، وقول ابن عباس إن ابن عمر - واللّه يغفر له - أوهم، كأنه يشير إلى ما رواه البخاري: حدثنا إسحاق حدثنا النشر بن شميل، أخبرنا ابن عون، عن نافع، قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذت عنه يومًا فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان قال: أتدري فيم أنزلت؟ قلت: لا. قال: أنزلت في كذا وكذا، ثم مضى (^٣).
وعن عبد الصمد قال: حدثني أبي، حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال: أن يأتيها في [] (^٤) هكذا رواه البخاري، وقد تفرد به من هذا الوجه (^٥). وقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا ابن عون، عن نافع، قال: قرأت ذات يوم ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فقال ابن عمر: أتدري فيم نزلت؟ قلت: لا. قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن وحدثني أبو قلابة. حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال: في الدبر (^٦). وروي من حيث مالك عن نافع، عن ابن عمر ولا يصح. وروى النسائي عن محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم،
_________________
(١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن - النكاح - باب في جامع النكاح ح ٢١٦٤)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٩٠)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٩٦)، وذكر له الحافظ ابن كثير شواهد.
(٢) المعجم الكبير ١١/ ٧٧، وقوله: عرضت المصحف على ابن عباس … أخرجه الحاكم من طريق ابن إسحاق به، مصرحًا بالسماع عن أبان (المستدرك ٢/ ٢٧٩) وسنده حسن.
(٣) صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ (ح ٤٥٢٦).
(٤) ذكر الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ١٣٠)، والعيني (عمدة القاري ١٨/ ١١٧) أن هذا البياض وقع في جميع نسخ البخاري وإنه وقع في كتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي: يأتيها في [الفرج]. وقد اطلعت على ما قاله الحميدي عن ابن عمر قال: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ يأتيها فيه؛ يعني في الفرج (الجمع بين الصحيحين ٢/ ٢٨٠)، وقالوا: هو من عنده حسب ما فهمه. ولكن ذكر العيني توجيهًا سديدًا فذكر أن صنيع الحميدي نظرًا إلى حال البخارى أنه لا يرى خلافه، ولو كان الحميدي علم من حال البخاري أنه يبيح الإتيان في أدبار النساء لم يقدر هذا بل كان يقدر: يأتيها في أي موضع شاء كما صرح في رواية ابن جرير في نفس حديث عبد الصمد: يأتيها في دبرها (العمدة ١٨/ ١١٧).
(٥) صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] (ح ٤٥٢٧).
(٦) أخرجه الطبري بسنديهما ومتنهما، وإيراد الحافظ هذه الرواية بعد رواية البخاري. لتأييد ما ذهب إليه الحميدي والعيني وأن الرواية المخالفة المنسوبة إلى ابن عمر لا تصح كما سيأتي (وانظر للمزيد: فتح الباري ٨/ ١٩٠ - ١٩١).
[ ٢ / ١٥٧ ]
عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر، أن رجلًا أتى امرأته في دبرها فوجد في نفسه من ذلك وجدًا شديدًا، فأنزل اللّه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^١).
قال أبو حاتم الرازي: لو كان هذا عند زيد بن أسلم، عن ابن عمر، لما أولع الناس بنافع (^٢)، وهذا تعليل منه لهذا الحديث. وقد رواه عبد اللّه بن نافع، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عمر … فذكره (^٣).
وهذا الحديث محمول على ما تقدم وهو أنه يأتيها في قبلها من دبرها، لما رواه النسائي عن علي بن عثمان النفيلي، عن سعيد بن عيسى، عن الفضل بن فضالة، عن عبد الله بن سليمان الطويل، عن كعب بن علقمة، عن أبي النضر، أنه أخبره أنه قال لنافع مولى ابن عمر: أنه قد أكثر عليك القول، أنك تقول عن ابن عمر أنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن، قال: كذبوا عليّ، ولكن سأحدثك كيف كان الأمر، إن ابن عمر عرض المصحف يومًا وأنا عنده حتى بلغ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فقال: يا نافع، هل تعلم من أمر هذه الآية؟ قلت: لا، قال: إنا كنا معشر قريش نجبي النساء، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردن منها مثل ما كنا نريد، فإذا هُنَّ قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل اللّه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^٤)، وهذا إسناد صحيح، وقد رواه ابن مردويه عن الطبراني، عن الحسين بن إسحاق، عن زكريا بن يحيى كاتب العمري، عن مفضل بن فضالة، عن عبد الله بن عياش، عن كعب بن علقمة … فذكره، وقد روينا عن ابن عمر خلاف ذلك صريحًا، وأنه لا يباح ولا يحل كما سيأتي، وإن كان قد نسب هذا القول إلى طائفة من فقهاء المدينة وغيرهم، وعزاه بعضهم إلى الإمام مالك في كتاب "السر"، وأكثر الناس ينكر أن يصحَّ ذلك عن الإمام مالك ﵀. وقد وردت الأحاديث المروية من طرق متعددة بالزجر عن فعله وتعاطيه، فقال الحسن بن عرفة: حدثنا إسماعيل بن عياش، عن سهيل بن أبي صالح، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "استحيوا إن الله لا يستحي من الحق، لا يحل أن تأتوا النساء في حشوشهن" (^٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن شداد، عن خزيمة بن ثابت، أن رسول اللّه ﷺ نهى أن يأتي الرجل امرأته في دبرها (^٦).
طريق أخرى: قال أحمد: حدثنا يعقوب، سمعت أبي يحدث عن يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن
_________________
(١) أخرجه النسائي بسنده ومتنه ثم قال: خالفه هشام بن سعد فرواه عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار (السنن الكبرى، عشرة النساء ح ٨٩٣٢).
(٢) (^٣) أخرجه ابن أبي حاتم وحكم على الحديث من هذا الطريق بأنه منكر (العلل ١/ ٤٠٩).
(٣) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى، عشرة النساء ح ٨٩٢٩)، وصحح إسناده الحافظ ابن كثير.
(٤) أخرجه الدارقطني من طريق ابن عرفة به (السنن ٣/ ٢٨٨ ح ١٦٠)، وفي سنده: سُهيل بن أبي صالح في حفظه مقال وله شواهد لاحقة.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢١٣)، وله طرق أخرى يصح بها سنده كما سيأتي.
[ ٢ / ١٥٨ ]
الهاد، أن عبيد اللّه بن الحصين الوالبي حدثه أن هرمي بن عبد الله الواقفي، حدثه أن خزيمة بن ثابت الخطمي، حدثه أن رسول اللّه ﷺ، قال: "لا يستحي اللّه من الحق، لا يستحي من الحق - ثلاثًا - لا تأتوا النساء في أعجازهن" (^١) رواه النسائي وابن ماجه من طرق عن خزيمة بن ثابت وفي إسناده اختلاف كثير (^٢).
(حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي والنسائي: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "لا ينظر اللّه إلى رجل أتى رجلًا أو امرأة في الدبر" ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب (^٣)، وهكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه (^٤)، وصححه ابن حزم أيضًا (^٥)، ولكن رواه النسائي أيضًا عن هناد، عن وكيع، عن الضحاك به موقوفًا (^٦).
وقال عبد (^٧): أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ابن طاوس، عن أبيه، أن رجلًا سأل ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها، قال: تسألني عن الكفر. إسناده صحيح (^٨)، وكذا رواه النسائي من طريق ابن المبارك عن معمر به نحوه (^٩)، [وقال عبد أيضًا في تفسيره: حدثنا إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة، قال: جاء رجل إلى ابن عباس وقال: كنت آتي أهلي في دبرها، وسمعت قول اللّه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فظننت أن ذلك لي حلال، فقال: يا لكع إنما قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة في أقبالهن لا تعدوا ذلك إلى غيره] (^١٠) (^١١).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ، قال: "الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى" (^١٢)، وقال عبد اللّه بن أحمد: حدثني هدبة، حدثنا همام، قال: سُئل قتادة عن الذي يأتي امرأته في
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٥١٥)، وأخرجه ابن ماجه من طريق عبد الله بن هرمي به (السنن، النكاح، باب النهي عن إتيان النساء في أدبارهن ح ١٩٢٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٥٦١). وقال الهثيمي: رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير والبزار ورجال أبي يعلى رجال الصحيح خلا يعلى بن يمان (مجمع الزوائد ٤/ ٢٩٩).
(٢) السنن الكبرى للنسائي ٨/ ١٩١ ح ٨٩٣٣ - ٨٩٣٩، وسنن ابن ماجه في الحديث المذكور سابقًا ومن الاختلاف في الإسناد قلب اسم هرمي بن عبد اللّه فسماه حجاج بن أرطأة: عبد اللّه بن هرمي وهو خطأ (انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ١٩٧).
(٣) سنن الترمذي، النكاح (ح ١١٦٥)، والسنن الكبرى للنسائي ٨/ ١٩٧ ح ٨٩٥٢.
(٤) موارد الظمآن في زوائد ابن حبان (ح ١٣٠٢).
(٥) المحلى ١٠/ ٧٠.
(٦) السنن الكبرى للنسائي ٨/ ١٩٧ (ح ٨٩٥٣).
(٧) هو ابن حميد صاحب التفسير وما رواه عن عبد الرزاق هو في مصنف عبد الرزاق برقم ٢٠٩٥٣.
(٨) قوله: "إسناد صحيح" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٩) السنن الكبرى ٨/ ١٩٧ (ح ٨٩٥٥).
(١٠) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(١١) يشهد له ما سبق وما لحق.
(١٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٦٩٦٧)، وذكره الهيثمي ونسبه إلى أحمد والبزار والطبراني في المعجم الأوسط وقال: ورجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٤/ ٢٩٨).
[ ٢ / ١٥٩ ]
دبرها، فقال قتادة: أخبرنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ، قال: "هي اللوطية الصغرى" (^١).
قال قتادة: وحدثني عقبة بن وساج عن أبي الدرداء قال: وهل يفعل ذلك إلا كافر (^٢)؟ وقد روي هذا الحديث عن يحيى بن سعيد القطان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قوله، وهذا أصح، واللّه أعلم. وكذلك رواه عبد بن حميد، عن يزيد بن هارون، عن حميد الأعرج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد اللّه بن عمرو موقوفًا من قوله (^٣).
(طريق أخرى): قال جعفر الفريابي: عن قُتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ويقول: ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل والمفعول به، والناكح يده، وناكح البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، وجامع بين المرأة وابنتها، والزاني بحليلة جاره، ومؤذي جاره حتى يلعنه" ابن لهيعة وشيخه ضعيفان (^٤).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن عاصم، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق، قال: نهى رسول اللّه ﷺ أن تؤتى النساء في أدبارهن، فإن الله لا يستحي من الحق (^٥). وأخرجه أحمد أيضًا عن أبي معاوية (^٦)؛ وأبو عيسى الترمذي من طريق أبي معاوية أيضًا، عن عاصم الأحول به، وفيه زيادة، وقال: هو حديث حسن (^٧)، ومن الناس من يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب كما وقع في مسند الإمام أحمد بن حنبل (^٨)، والصحيح أنه علي بن طلق.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن سهيل بن أبي صالح، عن الحارث بن مخلد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ، قال: "إن الذي يأتي امرأته في دبرها لا ينظر اللّه إليه" (^٩). و[قال أحمد أيضًا] (^١٠): حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا سهيل عن الحارث بن مخلد، عن أبي هريرة يرفع، قال: "لا ينظر اللّه إلى رجل جامع امرأته في
_________________
(١) المسند (ح ٢٧٠٦)، وأخرجه النسائي من طريق همام به (السنن الكبرى ح ٨٩٤٨).
(٢) أخرجه معمر عن قتادة به (الجامع رقم ٢٠٩٥٧)، وقتادة لم يدرك أبا الدرداء.
(٣) ينظر طرقه في: السنن الكبرى (٨/ ١٩٥ ح ٨٩٤٧ - ٨٩٥١).
(٤) العلة في عبد الرحمن بن زياد وليست في ابن لهيعة لأن رواية قتيبة عنه مستقيمة.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩/ ٤٦٨ ح ٠٠٠/ ٣٤)، وقال محققوه: صحيح لغيره. وهو كما قالوا: لأن مسلم بن سلام فيه مقال ويتقوى بالشواهد السابقة واللاحقة.
(٦) المسند (٣٩/ ٤٧٠ ح ٠٠٠/ ٣٣).
(٧) سنن الترمذي (ح ١١٦٤).
(٨) ينظر: المسند (ح ٦٥٥)، في مسند علي بن أبي طالب.
(٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٧٢)، وأخرجه النسائي من طريق عبد الرزاق به (السنن الكبرى ٨/ ٢٠١ ح ٨٩٦٥)، وأخرجه أبو داود من طريق سفيان عن سهيل به (السنن، النكاح، باب في جامع النكاح ح ٢١٦٢)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٩٥).
(١٠) سقط في الأصل، أو لم يُذكر اختصارًا.
[ ٢ / ١٦٠ ]
دبرها" (^١)، وكذا رواه ابن ماجه من طريق سهيل (^٢)، و[قال أحمد أيضًا:] (^٣) حدثنا وكيع، عن سهيل بن أبي صالح، عن الحارث بن مخلد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "ملعون من أتى امرأته في دبرها" (^٤)، وهكذا رواه أبو داود والنسائي من طريق وكيع به.
طريق أخرى: قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: أخبرنا أحمد بن القاسم بن الريان، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي، حدثنا هناد ومحمد بن إسماعيل واللفظ له، قالا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "ملعون من أتى امرأة في دبرها" ليس هذا الحديث هكذا في سنن النسائي، وإنما الذي فيه عن سهيل، عن الحارث بن مخلد كما تقدم، قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ورواية أحمد بن القاسم بن الريان هذا الحديث بهذا السند، وهم منه وقد ضعفوه (^٥).
طريق أخرى: رواها (^٦) مسلم بن خالد الزنجي عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "ملعون من أتى النساء في أدبارهن" ومسلم بن خالد فيه كلام، والله أعلم (^٧).
طريق أخرى: رواها الإمام أحمد وأهل السنن من حديث حماد بن سلمة، عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة، أن رسول اللّه ﷺ، قال: "من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنًا فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد" (^٨) وقال الترمذي: ضعف البخاري هذا الحديث.
والذي قاله البخاري في حديث الترمذي عن أبي تميمة: لا يتابع على حديثه.
طريق أخرى: قال النسائي: حدثنا عثمان بن عبد اللّه، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن من كتابه، عن عبد الملك بن محمد الصنعاني، عن سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "استحيوا من الله حق الحياء لا تأتوا النساء في أدبارهن" (^٩) تفرد به النسائي من هذا الوجه.
قال حمزة بن محمد الكناني الحافظ: هذا حديث منكر باطل من حديث الزهري ومن حديث أبي سلمة ومن حديث سعيد فإن كان عبد الملك سمعه من سعيد، فإنما سمعه بعد الاختلاف، وقد رواه الزهري، عن أبي سلمة أنه كان ينهى عن ذلك، فأما عن أبي هريرة عن النبي ﷺ،
_________________
(١) المسند ٢/ ٣٤٤.
(٢) السنن، النكاح، باب النهي عن إتيان النساء في أدبارهن (ح ١٩٢٣).
(٣) سقط في الأصل أو لم يذكر اختصارًا.
(٤) المسند ٢/ ٤٤٤، وأخرجه النسائي من طريق وكيع به (السنن الكبرى ٨/ ٢٠٠ ح ٨٩٦٦).
(٥) أما المتن فصحيح كما تقدم.
(٦) في الأصل: "ورواه".
(٧) وسنده حسن.
(٨) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢/ ٤٠٨، وأبو داود، السنن، الطب، باب في الكاهن (ح ٣٩٠٤)، والنسائي (السنن الكبرى ٨/ ٢٠١ ح ٨٩٦٧)، ابن ماجه السنن، الطهارة، باب النهي عن إتيان الحائض (ح ٦٣٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٣٠٤)، وصحيح سنن ابن ماجه (ح ٢١٥٦).
(٩) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى ٨/ ١٩٩ ح ٨٩٦١).
[ ٢ / ١٦١ ]
فلا. انتهى كلامه (^١).
وقد أجاد وأحسن الانتقاد، إلا أن عبد الملك بن محمد الصنعاني لا يعرف أنه اختلط، ولم يذكر ذلك أحد غير حمزة عن الكناني وهو ثقة، ولكن تكلم فيه دُحيم وأبو حاتم وابن حبان، وقال: لا يجوز الاحتجاج به، واللّه أعلم. وقد تابعه زيد بن يحيى بن عبيد، عن سعيد بن عبد العزيز. وروي من طريقين آخرين عن أبي سلمة، ولا يصح منها شيء.
طريق أخرى: قال النسائي: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سُليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة، قال: إتيان الرجال النساء في أدبارهن كفر (^٢)، ثم رواه من طريق الثوري عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة مرفوعًا (^٣)، وكذا رواه من طريق علي بن بذيمة، عن مجاهد، عن أبي هريرة موقوفًا (^٤)، ورواه بكر بن خُنيس عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "من أتى شيئًا من الرجال والنساء في الأدبار فقد كفر" والموقوف أصح، وبكر بن خُنيس ضعفه غير واحد من الأئمة، وتركه آخرون.
(حديث آخر) قال محمد بن أبان البلخي: حدثنا وكيع، حدثني زمعة بن صالح، عن ابن طاوس، عن أبيه، وعن عمرو بن دينار، عن عبيد الله بن يزيد بن الهاد، قالا: قال عمر بن الخطاب: قال رسول اللّه ﷺ: "إن اللّه لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن" (^٥).
وقد رواه النسائي: حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، عن عثمان بن اليمان، عن زمعة بن صالح، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن الهاد، عن عمر، قال: لا تأتوا النساء في أدبارهن.
وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يزيد بن أبي حكيم، عن زمعة بن صالح، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن عبد الله بن الهاد الليثي، قال: قال عمر ﵁: استحيوا من اللّه فإن اللّه لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن (^٦). والموقوف أصح.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا غندر ومعاذ بن معاذ، قالا: حدثنا شعبة عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن يزيد أو يزيد بن طلق، عن النبي ﷺ قال: "إن اللّه لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أستاههن" (^٧)، وكذا رواه غير واحد عن شعبة، ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن
_________________
(١) ذكره المزي في تحفة الأشراف ١١/ ٢٥.
(٢) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن الكبرى ٨/ ٢٠١ ح ٨٩٦٩)، وفي سنده ليث ابن أبي سليم فيه مقال.
(٣) لم أجده مرفوعًا فقد رواه من الطريق المذكور موقوفًا وفيه العلة نفسها (السنن الكبرى ٨/ ٢٠١ ح ٨٩٧٠ - ٨٩٧١).
(٤) السنن الكبرى ٨/ ٢٠٢ (ح ٨٩٧٢).
(٥) أخرجه البزار (المسند ح ٣٢٩)، والنسائي (السنن الكبرى ٨/ ١٩٨ ح ٨٩٦٠)، كلاهما من طريق زمعة به، ويشهد له ما سبق.
(٦) السنن الكبرى ٨/ ١٩٨ (ح ٨٩٥٩).
(٧) تقدم تخريجه قبل ثلاث صفحات، وهذا التردد والخطأ في النسبة لعله من عاصم الأحول لأنه له أوهام.
[ ٢ / ١٦٢ ]
مسلم بن سلام، عن طلق بن علي، والأشبه أنه علي بن طلق كما تقدم، واللّه أعلم.
(حديث آخر) قال أبو بكر الأثرم في سننه: حدثنا أبو مسلم الجرمي، حدثنا أخي: أقيس بن إبراهيم، أن أباه إبراهيم بن عبد الرحمن بن القعقاع أخبره، عن أبيه أبي القعقاع، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: "محاش (^١) النساء حرام" (^٢). وقد رواه إسماعيل بن علية وسفيان الثوري وشعبة وغيرهم، عن أبي عبد اللّه الشقري واسمه: سلمة بن تمام ثقة، عن أبي القعقاع، عن ابن مسعود موقوفًا، وهو أصح (^٣).
طريق أخرى: قال ابن عدي: حدثنا أبو عبد الله المحاملي، حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا محمد بن حمزة، عن زيد بن رفيع، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "لا تأتوا النساء في أعجازهن" (^٤). محمد بن حمزة هو الجزري وشيخه فيهما مقال. وقد روي من حديث أُبي بن كعب والبراء بن عازب وعقبة بن عامر وأبي ذرٍّ وغيرهم، وفي كل منها مقال لا يصح معه الحديث، والله أعلم. وقال الثوري: عن الصلت بن بهرام، عن أبي المعتمر، عن أبي جويرية، قال: سأل رجل عليًا عن إتيان المرأة في دبرها، فقال: سفَّلت، سفَّل اللّه بك، ألم تسمع قول اللّه ﷿: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعزَّاف: ٨٠]. وقد تقدم قول ابن مسعود وأبي الدرداء وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن عُمر ﵄ في تحريم ذلك وهو الثابت بلا شك.
قال أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله الدارمي في مسنده: حدثنا عبد اللّه بن صالح، حدثنا الليث عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار أبي الحباب، قال: قلت: لابن عمر: ما تقول في الجواري أيحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكر الدبر، فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين (^٥)؟ وكذا رواه ابن وهب وقتيبة عن الليث به، وهذا إسناد صحيح ونصٌّ صريح منه بتحريم ذلك. فكل ما ورد عنه مما يحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم.
قال ابن جرير: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبو زيد أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن أبي الغمد، حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس، أنه قيل له: يا أبا عبد اللّه، إن الناس يروون عن سالم بن عبد الله أنه قال: كذب العبد أو العلج على أبي فقال مالك: أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني عن سالم بن عبد اللّه، عن ابن عمر مثل ما قال نافع. فقيل له: فإن الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن إنا نشتري الجواري أفنحمض لهن؟ فقال: وما
_________________
(١) المحاش جمع محشة: الدبر (غريب الحديث للخطابي ٢/ ٢٥١).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٤/ ٢٥٢)، والدارمي (السنن، الطهارة، باب من أتى امرأته في دبرها ١/ ٢٥٩)، والهيثم بن خلف في (ذم اللواط ح ١٠٣)، كلهم من طريق حجاج بن أرطأة عن أبي القعقاع به.
(٣) أخرجه الهيثم بن خلف في (ذم اللواط ح ١٠٥)، وابن أبي شيبة (المصنف ٤/ ٢٥٢)، والبيهقي (السنن الكبرى ٧/ ١٩٩)، كلهم من طريق إسماعيل بن علية به، ومدار الإسناد يدور على أبي القعقاع الجرمي ولم يوثقه غير ابن حبان في الثقات ٧/ ٢٩، وقال الذهبي في المقتنى: لا يعرف.
(٤) أخرجه ابن عدي بسنده ومتنه (الكامل ٣/ ٢٠٦)، وضعفه الحافظ ابن كثير.
(٥) أخرجه الدارمي بسنده ومتنه (السنن، الطهارة، باب من أتى امرأته في دبرها ١١/ ٢٦٠ - ٢٦١). وسنده حسن.
[ ٢ / ١٦٣ ]
التحميض؟ فذكر له الدبر، فقال: ابن عمر: أفٍّ أفٍّ! وهل يفعل ذلك مؤمن، أو قال: مسلم؟ فقال مالك: أشهد على ربيعة لأخبرني عن أبي الحباب، عن ابن عمر مثل ما قال نافع (^١).
وروى النسائي عن الربيع بن سليمان، عن أصبغ بن الفرج الفقيه، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم، قال: قلت لمالك: إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدث عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: إنا نشتري الجواري أفنحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ قلت: نأتيهن في أدبارهن فقال: أف أف أو يعمل هذا مسلم! فقال لي مالك: فأشهد على ربيعة لحدّثني عن سعيد بن يسار، أنه سأل ابن عمر، فقال: لا بأس به (^٢). وروى النسائي أيضًا من طريق يزيد بن رومان، عن عبيد الله بن عبد الله: أن ابن عمر كان لا يرى بأسًا أن يأتي الرجل المرأة في دبرها (^٣). وروى معن بن عيسى، عن مالك أن ذلك حرام (^٤).
وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: حدثني إسماعيل بن حسين، حدثني إسرائيل بن روح، سألت مالك بن أنس: ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ قال: ما أنتم إلا قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟ لا تعدوا الفرج، قلت: يا أبا عبد اللّه، إنهم يقولون أنك تقول ذلك. قال: يكذبون على يكذبون عليَّ.
فهذا هو الثابت عنه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم قاطبة، وهو قول سعيد بن المسيب وأبي سلمة وعكرمة وطاوس وعطاء وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير ومجاهد بن جبر والحسن وغيرهم من السلف، أنهم أنكروا ذلك أشد الإنكار، ومنهم من يطلِق على فعله الكفر (^٥). وهو مذهب جمهور العلماء، وقد حكي في هذا شيء عن بعض فقهاء المدينة حتى حكوه عن الإمام مالك، وفي صحته نظر.
قال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن القاسم، قال: ما أدركت أحدًا أقتدي به في ديني يشك أنه حلال؛ يعني: وطء المرأة في دبرها، ثم قرأ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ثم قال: فأي شيء أبين من هذا؟ هذه حكاية الطحاوي.
وقد روى الحاكم والدارقطني والخطيب البغدادي عن الإمام مالك من طرق ما يقتضي إباحة ذلك، ولكن في الأسانيد ضعف شديد، وقد استقصاها شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في جزء جمعه في ذلك، والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه النسائي من طريق أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن القاسم به (السنن الكبرى ٨/ ١٩٠ ح ٨٩٣٠)، وهذا هو الحق الثابت عن ابن عمر ﵄، وقال الطحاوي: والدليل على صحة هذا إنكار سالم بن عبد الله أن يكون ذلك كان من أبيه (شرح معاني الآثار ٣/ ٤١).
(٢) المصدر السابق.
(٣) أخرجه النسائي من طريق خارجة بن عبد الله بن سليمان عن يزيد بن رومان به (السنن الكبرى ٨/ ١٩٠ ح ٨٩٣١)، وفي سنده خارجة: صدوق له أوهام.
(٤) ينظر المصدر السابق.
(٥) أخرج الدارمي بسند حسن عن طاوس وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء أنهم كانوا ينكرون إتيان النساء في أدبارهن ويقولون: هو الكفر (السنن، الطهارة، باب من أتى امرأته في دبرها ١/ ٢٦١).
[ ٢ / ١٦٤ ]
وقال الطحاوي: حكى لنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنه سمع الشافعي يقول: ما صحَّ عن النبي ﷺ في تحليله ولا تحريمه شيء والقياس أنه حلال.
وقد روى ذلك أبو بكر الخطيب عن أبي سعيد الصيرفي، عن أبي العباس الأصم، سمعت محمد بن عبد اللّه بن عبد الحكم، سمعت الشافعي يقول: فذكره.
قال أبو نصر الصباغ: كان الربيع يحلف باللّه الذي لا إله إلا هو، لقد كذب - يعني ابن عبد الحكم - على الشافعي في ذلك، فإن الشافعي نصَّ على تحريمه في ستة كتب من كتبه (^١)، واللّه أعلم.
وقوله: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من فعل الطاعات مع امتثال ما أنهاكم عنه من ترك المحرمات، ولهذا قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ أي: فيحاسبكم على أعمالكم جميعها ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: المطيعين الله فيما أمرهم، التاركين ما عنه زجرهم.
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسيني، حدثني محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد، عن عطاء، قال: أراه عن ابن عباس ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ قال: تقول: باسم اللّه التسمية عند الجماع (^٢).
وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله، قال: باسم اللّه، اللَّهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا" (^٣).
﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾.
يقول تعالى: لا تجعلوا أيمانكم باللّه تعالى مانعة لكم من البر وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها، كقوله تعالى ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] فالاستمرار على اليمين آثم لصاحبها من الخروج منها بالتكفير، كما قال البخاري: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن النبي ﷺ قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة". وقال رسول ﷺ: "واللّه لأن يلجّ أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند اللّه من أن يعطي كفارته التي افترض اللّه عليه" (^٤)، وهكذا رواه مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق به (^٥)، ورواه أحمد عنه به، ثم قال البخاري: حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا معاوية هو ابن سلام، عن يحيى وهو ابن أبي كثير، عن عكرمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "من استلجّ في أهله بيمين فهو أعظم إثمًا،
_________________
(١) ذكره الحافظ ابن حجر وأطول في التلخيص الحبير ٣/ ١٨١ - ١٨٢.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه الحسين وهو سنيد فيه مقال.
(٣) صحيح البخاري، الوضوء، باب التسمية على كل حال وعند الوقاع (ح ١٤١).
(٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الأيمان والنذور، باب ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] ح ٦٦٢٤).
(٥) صحيح مسلم، الأيمان (ح ١٦٥٥).
[ ٢ / ١٦٥ ]
ليس تغني الكفارة" (^١).
وقال علي بن طلحة، عن ابن عباس (^٢) في قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ قال: لا تجعلن عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفِّر عن يمينك واصنع الخير (^٣).
وكذا قال مسروق والشعبي وإبراهيم النخعي ومجاهد وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومكحول والزهري والحسن وقتادة ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والضحاك وعطاء الخراساني والسدي ﵏ (^٤) -.
ويؤيد ما قاله هؤلاء الجمهور ما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "إني واللّه إن شاء اللّه، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها" (^٥)، وثبت فيهما أيضًا أن رسول اللّه ﷺ، قال لعبد الرحمن بن سمرة: "يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فأت الذي هو خير، وكفِّر عن يمينك" (^٦)، وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول اللّه ﷺ قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفِّر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير" (^٧).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا خليفة بن خياط، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول اللّه ﷺ، قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فتركها كفارتها" (^٨). ورواه أبو داود من طريق أبي عبيد الله (^٩) بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "ولا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم، ولا في معصية اللّه، ولا في قطيعة رحم، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليدعها وليأت الذي هو خير، فإن تركها كفارتها"، ثم قال أبو داود: والأحاديث عن النبي ﷺ كلها "فليكفِّر عن يمينه" وهي الصحاح (^١٠).
وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سعيد الكندي، حدثنا علي بن مسهر، عن حارثة بن محمد، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول اللّه ﷺ: "من حلف على يمين قطيعة رحم ومعصية فبره أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه" وهذا حديث ضعيف، لأن حارثة هذا هو ابن أبي الرجال
_________________
(١) أخرجه البخاري، الصحيح، الإيمان والنذور (ح ٦٦٢٦).
(٢) في الأصل: "عن ابن" والتصويب من (عف) و(مح) و(حم) والتخريج.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.
(٤) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٥) صحيح البخاري، فرض الخمس (ح ٣١٣٣)، وصحيح مسلم، الأيمان (ح ١٦٤٩).
(٦) صحيح البخاري، الأيمان والنذور (ح ٦٦٢٢)، وصحيح مسلم، الأيمان (ح ١٦٥٢).
(٧) صحيح مسلم، الأيمان (ح ١٦٥٠).
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٦٧٣٦) وأخرجه أبو داود.
(٩) في الأصل: "عبد الله" والتصويب من (عف) و(مح) و(حم) والتخريج.
(١٠) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه لكن بدون التعليق: "وهي الصحاح" (السنن، الأيمان والنذور، باب اليمين في قطيعة الرحم ح ٣٢٧٤)، وما ورد من تعليق لأبي داود هو حكم بالضعف، وهو كما قال لأنه يخالف ما في الصحيح في وجوب الكفارة عن اليمين.
[ ٢ / ١٦٦ ]
محمد بن عبد الرحمن متروك الحديث ضعيف عند الجميع، ثم روى ابن جرير عن ابن عباس (^١) وسعيد بن المسيب ومسروق والشعبي أنهم قالوا: لا يمين في معصية ولا كفارة عليها (^٢).
وقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ أي: لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية، وهي التي لا يقصدها الحالف بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا تأكيد، كما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول اللّه ﷺ قال: "من حلف فقال في حلفه: باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا اللّه" (^٣).
فهذا قاله لقوم حديثي عهد بجاهلية، قد أسلموا وألسنتهم قد ألفت ما كانت عليه من الحلف باللَّات من غير قصد، فأمروا أن يتلفظوا بكلمة الإخلاص كما تلفظوا بتلك الكلمة من غير قصد لتكون هذه بهذه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ كما قال تعالى في الآية الأخرى في المائدة: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩].
قال أبو داود: (باب لغو اليمين) حدثنا حميد بن مسعدة الشامي، حدثنا حسان - يعني ابن إبراهيم -، حدثنا إبراهيم - يعني الصائغ -، عن عطاء: في اللغو في اليمين، قال: قالت عائشة: إن رسول اللّه ﷺ قال: "اللغو في اليمين هو كلام الرجل في بيته: كلا واللّه، وبلى واللّه" ثم قال أبو داود: رواه داود بن الفرات، عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن عائشة موقوفًا، ورواه الزهري وعبد الملك ومالك بن مغول كلهم عن عطاء، عن عائشة موقوفًا أيضًا (^٤).
(قلت): وكذا رواه ابن جريج وابن أبي ليلى عن عطاء، عن عائشة موقوفًا، ورواه ابن جرير عن هناد، عن وكيع وعبدة وأبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: لا واللّه وبلى واللّه، ثم رواه عن محمد بن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن هشام، عن أبيه عنها، وبه عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن القاسم عنها، وبه عن ابن إسحاق (^٥)، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء عنها (^٦).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ قالت: هم القوم يتدارؤون في الأمر، فيقول هذا: لا واللّه، بلى واللّه، وكلا واللّه، يتدارؤون في الأمر لا تعقد عليه قلوبهم (^٧).
_________________
(١) في الأصل: "ابن جبير" والتصويب من (عف) و(مح) والتخريج.
(٢) أقوال ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.
(٣) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ [النجم: ١٩] (ح ٤٨٦٠)، وصحيح مسلم، الأيمان والنذور (ح ١٦٤٧).
(٤) أخرجه أبو داود ببابه وسنده ومتنه وتعليقه (السنن، الأيمان والنذور ح ٣٢٥٤ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٧٨٩).
(٥) في الأصل: "إسحاق" والتصويب من (عف) و(مح) و(حم) والتخريج.
(٦) أخرجه الطبري بعدة طرق عن عائشة وأصله في صحيح البخاري، الأيمان والنذور، باب ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] (ح ٦٦٦٣).
(٧) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
[ ٢ / ١٦٧ ]
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبدة - يعني ابن سليمان -، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قول اللّه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ قالت: هو قول الرجل: لا واللّه، وبلى واللّه (^١).
وحدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني ابن لهيعة عن أبي الأسود، عن عروة، قال: كانت عائشة تقول: إنما اللغو في المزاحة والهزل، وهو قول الرجل: لا واللّه، وبلى واللّه، فذاك لا كفارة فيه، إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله ثم لا يفعله (^٢)، ثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر وابن عباس في أحد قوليه، والشعبي وعكرمة في أحد قوليه وعطاء والقاسم بن محمد ومجاهد في أحد قوليه وعروة بن الزبير وأبي صالح والضحاك في أحد قوليه، وأبي قلابة والزهري نحو ذلك (^٣).
(الوجه الثاني) قرئ على يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الثقة، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها كانت تتأول هذه الآية، يعني قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ وتقول: هو (^٤) الشيء يحلف عليه أحدكم لا يريد منه إلا الصدق فيكون على غير ما حلف عليه.
ثم قال: وروي عن أبي هريرة وابن عباس في أحد قوليه، وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير ومجاهد في أحد قوليه، وإبراهيم النخعي في أحد قوليه، والحسن وزرارة بن أوفى وأبي مالك وعطاء الخراساني وبكر بن عبد اللّه، وأحد قولي عكرمة وحبيب بن أبي ثابت والسدي ومكحول ومقاتل وطاوس وقتادة والربيع بن أنس ويحيى بن سعيد وربيعة نحو ذلك (^٥).
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن موسى الحرشي، حدثنا عبد اللّه بن ميمون المرادي، حدثنا عوف الأعرابي، عن الحسن بن أبي الحسن قال: مرَّ رسول اللّه ﷺ بقول ينتضلون - يعني: يرمون - ومع رسول اللّه ﷺ رجل من أصحابه، فقام رجل من القوم فقال: أصبت واللّه، وأخطأت واللّه، فقال الذي مع النبي ﷺ للنبي ﷺ: حنث الرجل يا رسول الله، قال: "كلَّا أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة" (^٦) هذا مرسل حسن عن الحسن. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عائشة القولان جميعًا، حدثنا عصام بن رواد، أنبأنا آدم، حدثنا شيبان، عن جابر، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة، قالت: هو قوله: لا والله، وبلى واللّه، وهو يرى أنه صادق ولا يكون كذلك (^٧).
أقوال أُخر: قال عبد الرزاق، عن هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: هو الرجل يحلف على الشيء ثم ينساه (^٨). وقال زيد بن أسلم: هو قول الرجل: أعمى اللّه بصري إن لم أفعل كذا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفي سنده ابن لهيعة ويتقوى بسابقه.
(٣) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند.
(٤) في الأصل: "هذا" والتصويب من (عف) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٥) أخرجه بسنده ومتنه، وذكر القائلين بالوجه الثاني كلهم.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو مرسل.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وفيه جابر الجعفي، ويتقوى بما سبق من طرق أخرى عن عائشة.
(٨) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
[ ٢ / ١٦٨ ]
وكذا، أخرجني الله من مالي (^١) إن لم آتك غدًا، فهو هذا (^٢).
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا مسدد بن خالد، حدثنا عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان (^٣). وأخبرني أبي: حدثنا أبو الجماهر، حدثنا سعيد بن بشير، حدثني أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لغو اليمين أن تحرم ما أحل اللّه لك فذلك ما ليس عليك فيه كفارة (^٤)، وكذا روي عن سعيد بن جبير (^٥).
وقال أبو داود: (باب اليمين في الغضب) حدثنا محمد بن المنهال، أنبأنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب: أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة، فقال: إن عدت تسألني عن القسمة فكل ما لي في رتاج الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك، كفِّر عن يمينك، وكلم أخاك، سمعت رسول اللّه ﷺ يقول: "لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب ﷿، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما لا تملك" (^٦).
وقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: هو أن يحلف على الشي وهو يعلم أنه كاذب (^٧)، قال مجاهد وغيره: وهي كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ الآية [المائدة: ٨٩]. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أي: غفور لعباده حليم عليهم.
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾.
الإيلاء: الحلف، فإذا حلف الرجل أن لا يجامع زوجته مدة، فلا يخلو إما أن يكون أقل من أربعة أشهر أو أكثر منها، فإن كانت أقل، فله أن ينتظر انقضاء المدة ثم يجامع امرأته، وعليها أن تصبر وليس لها مطالبته بالفيئة في هذه المدة، وهذا كما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول اللّه ﷺ، آلى من نسائه شهرًا فنزل لتسع وعشرين، وقال: "الشهر يكون تسع وعشرون" (^٨)، ولهما عن عمر بن الخطاب نحوه (^٩).
_________________
(١) في الأصل: "حالي" والتصويب من (عف) و(مح) و(حم) والتخريج.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من عدة طرق وبعدة ألفاظ.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده حسن.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سعيد بن بشير.
(٥) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٦) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه ولكن تحت باب اليمين في قطيعة الرحم (ح ٣٢٧٢)، ولم يذكره الألباني في صحيح سنن أبي داود، وأخرجه الحاكم من طريق يزيد بن زريع به وصححه ووافقه الذهبي المستدرك ٤/ ٣٠٠)، وصححه أحمد شاكر في (عمدة التفسير ١/ ١٠٥) ونبه على سماع ابن المسيب من عمر ﵁.
(٧) أخرج الطبري بسند ضعيف من طريق العوفي عن ابن عباس: واللغو أن يحلف الرجل على الشيء يراه حقًّا وليس بحق، وأخرج أيضًا بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: من حلف باللّه ولا يعلم إلا أنه صادق فيما حلف.
(٨) صحيح البخاري، النكاح، باب قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٦] (ح ٥٢٨٩)، وصحيح مسلم، الصيام، باب الشهر يكون تسعًا وعشرين (ح ١٠٨٣).
(٩) صحيح البخاري، النكاح، باب موعظة الرجل ابنته (ح ٥١٩١)، وصحيح مسلم، الطلاق، في الإيلاء =
[ ٢ / ١٦٩ ]
فأما إن زادت المدة على أربعة أشهر فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء أربعة أشهر، إما أن يفيء؛ أي: يجامع، وإما أن يطلق فيجبره الحاكم على هذا، وهذا لئلا يضر بها، ولهذا قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أي: يحلفون على ترك الجماع عن نسائهم، فيه دلالة على أن الإيلاء يختص بالزوجات دون الإماء كما هو مذهب الجمهور ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ أي: ينتظر الزوج أربعة أشهر من حين الحلف، ثم يوقف ويطالب بالفيئة أو الطلاق، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ أي: رجعوا إلى ما كانوا عليه وهو كناية عن الجماع، قاله ابن عباس ومسروق والشعبي وسعيد بن جبير (^١) وغير واحد ومنهم ابن جرير ﵀ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لما سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين، قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فيه دلالة لأحد قولي العلماء، وهو القديم عن الشافعي أن المولى إذا فاء بعد الأربعة الأشهر أنه لا كفارة عليه، ويعتضد بما تقدم في الحديث عند الآية التي قبلها عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول اللّه ﷺ، قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فتركها كفارتها" (^٢) كما رواه أحمد وأبو داود والترمذي، والذي عليه الجمهور وهو الجديد من مذهب الشافعي أن عليه التكفير لعموم وجوب التكفير على كل حالف، كما تقدم أيضًا في الأحاديث الصحاح، واللّه أعلم.
وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [فيه دلالة على أن الطلاق لا يقع بمجرد مضي الأربعة أشهر، كقول الجمهور من المتأخرين، وذهب آخرون إلى أنه يقع بمضي أربعة أشهر تطليقة، وهو مروي بأسانيد صحيحة عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت (^٣)، وبه يقول ابن سيرين ومسروق والقاسم وسالم والحسن وأبو سلمة وقتادة وشريح القاضي وقبيصة بن ذؤيب وعطاء وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن طرخان التيمي وإبراهيم النخعي والربيع بن أنس والسدي (^٤).
ثم قيل: إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر طلقة رجعية، قاله سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ومكحول وربيعة والزهري ومروان بن الحكم (^٥).
وقيل: إنها تطلق طلقة بائنة، روي عن علي وابن مسعود وعثمان وابن عباس وابن عمر
_________________
(١) = واعتزال النساء (ح ١٤٧٩).
(٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح، وقول مسروق أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق الشعبي عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة عن سعيد (المصنف رقم ١١٦٧٨).
(٣) الحديث ضعيف تقدم تخريجه عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤].
(٤) هذه الأقوال ذكر بعضها الطبري وابن أبي حاتم وقد حكم الحافظ ابن كثير بالصحة عليها كلها وفي هذه الحالة يحق للزوج الرجعة إليها وتحسب تطليقة واحدة.
(٥) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف الإسناد.
(٦) قول سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن أخرجه الإمام مالك بسند صحيح عن الزهري عنهما، (الموطأ، الطلاق، باب الإيلاء ٢/ ٥٥٦ ح ١٩)، وبهذا يكون قد صح عن الزهري في الموطأ. وقول مكحول أخرجه الطبري بإسنادين يقوي بعضهما الآخر.
[ ٢ / ١٧٠ ]
وزيد بن ثابت (^١)، وبه يقول عطاء وجابر بن زيد ومسروق وعكرمة والحسن وابن سيرين ومحمد بن الحنفية وإبراهيم وقبيصة بن ذؤيب وأبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح (^٢)، وكل من قال: إنهما تطلق بمضي الأربعة أشهر أوجب عليها العدة، إلا ما روي عن ابن عباس وأبي الشعثاء: أنها إن كانت حاضت ثلاث حيض فلا عدة عليها، وهو قول الشافعي، والذي عليه الجمهور من المتأخرين أن يوقف فيطالب إما بهذا وإما بهذا، ولا يقع عليها بمجرد مضيها طلاق.
وروى مالك عن نافع، عن عبد اللّه بن عمر أنه قال: إذا آلى الرجل من امرأته لم يقع عليه طلاق وإن مضت أربعة أشهر حتى يوقف، فإما أن يطلق وإما أن يفيء، وأخرجه البخاري (^٣).
وقال الشافعي ﵀: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، قال: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي ﷺ كلهم يوقف المولى، قال الشافعي: وأقل ذلك ثلاثة عشر (^٤)، ورواه الشافعي عن علي ﵁ أنه يوقف المولى (^٥)، ثم قال: وهكذا نقول، وهو موافق لما رويناه عن عمر وابن عمر وعائشة وعثمان وزيد بن ثابت وبضعة عشر من أصحاب النبي ﷺ، هكذا قال الشافعي ﵀.
قال ابن جرير: حدثنا [عبد اللّه بن أحمد بن شبويه قال: حدثنا] (^٦) ابن أبي مريم، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد اللّه بن عمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، قال: سألت اثني عشر رجلًا من الصحابة عن الرجل يولي من امرأته، فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة أشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق. ورواه الدارقطني من طريق سهيل (^٧).
(قلت): وهو يروى عن عمر وعثمان وعلي وأبو الدرداء وعائشة أُم المؤمنين وابن عمر وابن عباس، وبه يقول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومجاهد وطاوس ومحمد بن كعب والقاسم، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهم ﵏، وهو اختيار ابن جرير أيضًا، وهو قول الليث وإسحاق بن راهويه وأبي عبيد وأبي ثور وداود، وكل هؤلاء قالوا: إن لم يفئ ألزم بالطلاق، فإن لم يطلق طلق عليه الحاكم، والطلقة تكون رجعية، لها
_________________
(١) ما ورد عن عثمان وعلي وزيد بن ثابت لم يصح فيما رواه عبد الرزاق في المصنف رقم (١١٦٤١ - ١١٦٣٨)، وابن أبي شيبة (المصنف ٥/ ١٢٨ - ١٢٩)، والطبري وابن أبي حاتم في تفسيريهما والدارقطني (السنن ٤/ ٦٢ - ٦٣) لأنها أسانيد منقطعة إلى علي، وضعيفه إلى عثمان وزيد لضعف عثمان الخراساني فإن مدار الرواية عليه.
(٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٣) هذا القول هو القول الثالث، وهو الراجح لأنه قد صحَّ عن جمع كبير من الصحابة والتابعين، ورواية الإمام مالك سندها صحيح (الموطأ، الطلاق، باب الإيلاء ٢/ ٥٥٦)، وأخرجه البخاري من طريق الإمام مالك به (الصحيح، الطلاق، باب قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] (ح ٥٢٩١).
(٤) أخرجه الإمام الشافعي بسنده ومتنه (ترتيب مسند الشافعي ٢/ ٤٢ ح ١٣٩، الأم ٥/ ٢٤٧) وسنده صحيح، وأخرجه البيهقي من طريقه به (السنن الكبرى ٧/ ٣٧٦، وينظر للمزيد: أحكام القرآن للبيهقي ١/ ٢٣٠ - ٢٣٣).
(٥) ترتيب مسند الشافعي ٢/ ١٤٢، والأم ٥/ ٢٤٧.
(٦) ما بين معقوفين زيادة من تفسير الطبري.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له ما سبق عن البخاري والشافعي.
[ ٢ / ١٧١ ]
رجعتها في العدة، وانفرد مالك بأن قال: لا يجوز له رجعتها حتى يجامعها في العدة. وهذا غريب جدًّا] (^١).
قد ذكر الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المولي بأربعة أشهر، الأثر الذي رواه الإمام مالك بن أنس ﵀ في الموطأ، عن عبد الله بن دينار، قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل، فسمع امرأة تقول:
تطاول هذا الليل واسودَّ جانبه … وأرَّقني أن لا خليل ألاعبه
فواللهِ لولا اللّه أني أراقبه … لحرك من هذا السرير جوانبه (^٢)
فسأل عمر ابنته حفصة ﵄: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر أو أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبس أحدًا من الجيوش أكثر من ذلك (^٣).
وقال محمد بن إسحاق، عن السائب بن جبير مولى ابن عباس وكان قد أدرك أصحاب النبي ﷺ، قال: ما زلت أسمع حديث عمر أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيرًا إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها، تقول:
تطاول هذا الليل وازورَّ جانبه … وأرَّقني أن لا ضجيع ألاعبه
ألاعبه طورًا وطورًا … كأنما بدا قمرًا في ظلمة الليل حاجبه
يسر به من كان يلهو بقربه … لطيف الحشا لا يحتويه أقاربه
فواللهِ لولا اللّه لا شيء غيره … لنقض من هذا السرير جوانبه
ولكنني أخشى رقيبًا موكلًا … بأنفاسنا لا يفتر الدهر كاتبه
مخافة ربي والحياء يصدني … وإكرام بعلي أن تنال مراكبه (^٤)
ثم ذكر بقية ذلك، كما تقدم أو نحوه، وقد روي هذا من طرق وهو من المشهورات.
﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾.
هذا أمر من اللّه ﷾ للمطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء، بأن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، أي: بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء، ثم تتزوج إن شاءت، وقد أخرج الأئمة الأربعة من هذا العموم الأمة إذا طلقت، فإنها تعتد عندهم بقُرئين لأنها على نصف
_________________
(١) ما بين معقوفين تأخر في الأصل وأثبت كما في نسخة (عف) و(حم).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا عن السائب بن جبير مولى ابن عباس (الأشراف في منازل الأشراف ٢٢٩).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا عن الحسن عن عمر (الإشراف في منازل الأشراف ٢٣٠). والحسن لم يسمع من عمر.
(٤) رواية ابن إسحاق معنعنة وهو لم يدرك السائب بن جبير، وإسناده ضعيف. وقد وردت هذه الرواية في سيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص ٦٠. ونسب هذه الرواية السيوطي إلى ابن إسحاق وابن أبي الدنيا في الأشراف (الدر ٢/ ٦٤٢).
[ ٢ / ١٧٢ ]
من الحرة، والقرء لا يتبعض فكمل لها قرآن، ولما رواه ابن جريج (^١) عن مظاهر بن أسلم المخزومي المدني، عن القاسم، عن عائشة، أن رسول اللّه ﷺ، قال: "طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها (^٢) حيضتان" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه (^٣)، ولكن مظاهر هذا ضعيف بالكلية، وقال الحافظ الدارقطني وغيره: الصحيح أنه من قول القاسم بن محمد نفسه (^٤)، ورواه ابن ماجه من طريق عطية العوفي عن ابن عمر مرفوعًا (^٥).
قال الدارقطني: والصحيح ما رواه سالم ونافع عن ابن عمر قوله (^٦)، وهكذا روي عن عمر بن الخطاب (^٧). قالوا: ولم يعرف بين الصحابة خلاف، وقال بعض السلف: بل عدتها كعدة الحرة لعموم الآية، ولأن هذا أمر جبلي، فكان الحرائر والإماء في هذا سواء، والله أعلم. حكى هذا القول الشيخ أبو عمر بن عبد البر، عن محمد بن سيرين وبعض أهل الظاهر وضعفه.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل - يعني ابن عياش -، عن عمرو بن مهاجر، عن أبيه، أن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، قالت: طُلِّقت على عهد رسول اللّه ﷺ، ولم يكن للمطلقة عدة، فأنزل الله ﷿ حين طُلِّقت أسماء العدة للطلاق، فكانت أول من نزلت فيها العدة للطلاق - يعني ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (^٨) - وهذا حديث غريب من هذا الوجه.
وقد اختلف السلف والخلف والأئمة في المراد بالأقراء ما هو على قولين:
أحدهما: أن المراد بها الأطهار.
وقال مالك في الموطأ، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، قال الزهري: فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن، فقالت: صدق عروة، وقد جادلها في ذلك ناس فقالوا: إن اللّه تعالى يقول في كتابه: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾. فقالت عائشة: صدقتم، وتدرون ما الأقراء؟ إنما الأقراء الأطهار (^٩).
وقال مالك، عن ابن شهاب: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحدًا من
_________________
(١) في الأصل: "ابن جرير" والتصويب من (عف) و(مح) و(حم) والتخريج.
(٢) في الأصل: "وعليها" والتصويب من (عف) و(مح) و(حم) والتخريج.
(٣) أخرجه أبو داود من طريق ابن جريج به (السنن، الطلاق، باب في سنن الطلاق العبد ح ٢١٨٩)، وكذا في سنن الترمذي، الطلاق، باب ما جاء آية طلاق الأمة تطليقتان (ح ١١٨٢) وسنن ابن ماجه، الطلاق، باب في طلاق الأمة (ح ٢٠٨٠). قال أبو داود: وهو حديث مجهول.
(٤) السنن ٤/ ٣٩.
(٥) السنن، الطلاق، باب طلاق الأمة وعدتها (ح ٢٠٧٩)، وفي سنده عطية العوفي: وهو ضعيف.
(٦) ذكره الدارقطني بعدما أخرجه من طريق العوفي عن ابن عمر (السنن ٣/ ٣٨).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن رباح عن عمر، وعلي بن رباح لم يسمع من عمر (جامع التحصيل ص ٢٤٠).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه مهاجر بن أبي مسلم الشامي وهو مقبول (التقريب ٢/ ٢٧٨).
(٩) أخرجه مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الطلاق، باب ما جاء في الأقراء ح ٥٤) وسنده صحيح.
[ ٢ / ١٧٣ ]
فقهائنا إلا وهو يقول ذلك، يريد قول عائشة (^١).
وقال مالك، عن نافع، عن عبد اللّه بن عمر، أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته، فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها، وقال مالك: وهو الأمر عندنا (^٢). وروى مثله عن ابن عباس (^٣) وزيد بن ثابت (^٤) وسالم والقاسم وعروة وسليمان بن يسار، وأبي بكر بن عبد الرحمن وأبان بن عثمان وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري (^٥)، وبقية الفقهاء السبعة وهو مذهب مالك والشافعي وغير واحد وداود وأبي ثور، وهو رواية عن أحمد واستدلوا عليه بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: في الأطهار ولما كان الطهر الذي يطلق فيه محتسبًا، دل على أنه أحد الأقراء الثلاثة المأمور بها ولهذا قال هؤلاء: إن المعتدة تنقضي عدتها وتبين من زوجها بالطعن في الحيضة الثالثة، وأقل مدة [تصدق فيها المرأة انقضاء عدتها اثنان وثلاثون يومًا ولحظتان] (^٦)، واستشهد أبو عبيد وغيره على ذلك يقول الشاعر وهو الأعشى:
ففي كل عام أنت جاشم غزوة … تشدّ لأقصاها عزيم عزائكا
مورثة عِزًّا وفي الحي رفعة … لما ضاع فيها من قروء نسائكا (^٧)
يمدح أميرًا من أمراء العرب آثر الغزو على المقام، حتى ضاعت أيام الطهر من نسائه لم يواقعهن فيه.
القول الثاني: أن المراد بالأقراء: الحيض، فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة، زاد آخرون: وتغتسل منها، وأقل وقت تصدق فيه المرأة في انقضاء عدتها ثلاثة وثلاثون يومًا ولحظة.
قال الثوري: عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنا عند عمر بن الخطاب ﵁ فجاءته امرأة فقالت: إن زوجي فارقني بواحدة أو اثنتين فجاني وقد نزعت ثيابي وأغلقت بابي، فقال عمر لعبد اللّه بن مسعود: أراها امرأته ما دون أن تحل لها الصلاة قال: وأنا أرى ذلك (^٨). وهكذا روي عن أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وابن مسعود ومعاذ، وأُبي بن كعب وأبي موسى الأشعري وابن عباس وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود وإبراهيم ومجاهد وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعكرمة ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة والشعبي والربيع ومقاتل بن حيان والسدي ومكحول والضحاك وعطاء الخراساني أنهم قالوا: الأقراء الحيض (^٩). وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه وأصح الروايتين عن الإمام
_________________
(١) الموطأ ٢/ ٥٧٧.
(٢) الموطأ ٢/ ٥٧٨ وسنده صحيح.
(٣) لم أجده عن ابن عباس وإنما روي عنه القول الآخر: ثلاث حيض كما سيأتي في القول الثاني.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (رقم ١١٠٠٢ - ١١٠٠٣)، والطبري من عدة طرق صحيحة.
(٥) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند وقول سالم وهو ابن عبد اللّه بن عمر أخرجه الطبري بسند صحيح وقول ابن أبي بكر بن عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح.
(٦) ما بين قوسين زيادة من (عف) و(حم) و(مح).
(٧) ديوان الأعشى ص ٩١.
(٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم والطحاوي (شرح معاني الآثار ٣/ ٦٢) كلهم من طريق الثوري به وسنده صحيح.
(٩) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول عمر وابن مسعود: تقدم في الرواية السابقة وصحَّ عنهما، =
[ ٢ / ١٧٤ ]
أحمد بن حنبل، وحكى عنه الأثرم أنه قال: الأكابر من أصحاب رسول اللّه ﷺ يقولون: الأقراء: الحيض، وهو مذهب الثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة والحسن بن صالح بن حيي وأبي عبيد وإسحاق بن راهويه، ويؤيد هذا ما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي من طريق المنذر بن المغيرة (^١) عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش، أن رسول اللّه ﷺ قال لها: "دعي الصلاة أيام أقرائك" (^٢) فهذا لو صحَّ لكان صريحًا في أن القرء هو: الحيض، ولكن المنذر هذا قال فيه أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال ابن جرير: أصل القرء في كلام العرب الوقت لمجيء الشيء المعتاد مجيئه في وقت معلوم ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم (^٣).
وهذه العبارة تقتضي أن يكون مشتركًا بين هذا وهذا، وقد ذهب إليه بعض الأصوليين، واللّه أعلم.
وهذا قول الأصمعى أن القرء هو: الوقت.
وقال أبو عمرو بن العلاء: العرب تسمي الحيض قرءًا، وتسمي الطهر قرءًا وتسمي الحيض مع الطهر جميعًا قرءًا (^٤).
وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: لا يختلف أهل العلم بلسان العرب والفقهاء أن القرء يراد به الحيض، ويراد به الطهر، وإنما اختلفوا في المراد من الآية ما هو على قولين:
وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ أي: من حبل أو حيض، قاله ابن
_________________
(١) = وقول علي بن أبي طالب أخرجه الطبري بسند صحيح عنه، وقول أبي موسى أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح (المصنف ٦/ ٣١٧ رقم ١٠٩٩٤)، وقول ابن عباس أخرجه الطبري والبيهقي (السنن الكبرى ٧/ ٤١٧ - ٤١٨) كلاهما بسند ضعيف من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس. وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح، وقول السدي وعكرمة وقتادة والربيع بن أنس وسعيد بن جبير أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة. وأما قول أنس بن مالك فلم يصح عنه كما صرح الإمام الشافعي (انظر: ترتيب مسند الشافعي ١/ ٤٨).
(٢) في الأصل: "المعتمر" والتصويب من (عف) و(حم) و(مح).
(٣) أخرجه أبو داود (السنن، الطهارة، باب في المرأة تستحاض ح ٢٨٠)، والنسائي (السنن الكبرى، ذكر الأقراء ح ٢١٤) كلاهما من طريق المنذر بن المغيرة به لكن ليس فيه هذا اللفظ: "دعي الصلاة أيام أقرائك" ولكن قال أبو داود: ورواه قتادة عن عروة بن الزبير عن زينب بنت أُم سلمة أن أُم حبيبة بنت جحش استحيضت فأمرها النبي ﷺ أن تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي، ثم قال أبو داود: لم يسمع قتادة من عروة شيئًا. وزاد ابن عيينة في حديث الزهري عن عمرة عن عائشة أن أُم حبيبة كانت تستحاض فسألت النبي ﷺ فأمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها. قال أبو داود: وهذا وهم من ابن عيينة، ليس هذا في حديث الحفاظ عن الزهري إلا ما ذكر سُهيل بن أبي صالح، وقد روى الحميدي هذا الحديث عن ابن عيينة ولم يذكر فيه: تدع الصلاة أيام أقرائها (السنن ح ٢٨١)، وسُهيل بن أبي صالح: صدوق تغير حفظه بآخره (التقريب ص ٢٥٩).
(٤) تفسير الطبري ٤/ ١٠١.
(٥) ينظر: الأضداد للأصمعي ص ٥. وبما أن اللغة تحتمل القولين، وأن القولين قد صحَّ عن الصحابة والتابعين فيمكن الجمع بين القولين، بأن نأخذ بالقول الذي يناسب مصلحة الزوجين.
[ ٢ / ١٧٥ ]
عباس وابن عمر ومجاهد والشعبي والحكم بن عتيبة والربيع بن أنس والضحاك وغير واحد (^١).
وقوله: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تهديد لهن على خلاف الحق، دلَّ هذا على أن المرجع في هذا إليهن لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهن ويتعذر إقامة البينة غالبًا على ذلك، فرد الأمر إليهن وتوعدن فيه لئلا يخبرن بكير الحق، إما استعجالًا منها لانقضاء العدة أو رغبة منها في تطويلها لما لها في ذلك من المقاصد، فأمرت أن تخبر بالحق في ذلك من غير زيادة ولا نقصان.
وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ أي: وزوجها الذي طلقها أحق بردها، ما دامت في عدتها، إذا كان مراده بردها الإصلاح والخير، وهذا في الرجعيات، فأما المطلقات البوائن، فلم يكن حال نزول هذه الآية مطلقة بائن، وإنما كان ذلك لما حصروا في الطبقات الثلاث، فأما حال نزول هذه الآية، فكان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة، فلما قصروا في الآية التي بعدها على ثلاث طلقات، صار للناس مطلقة بائن، وغير بائن وإذا تأملت هذا، تبين لك ضعف ما سلكه بعض الأصوليين من استشهادهم على مسألة عود الضمير، هل يكون مخصصًا لما تقدمه من لفظ العموم أم لا بهذه الآية الكريمة، فإن التمثيل بها غير مطابق لما ذكروه، واللّه أعلم. وقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: ولهنَّ على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر، ما يجب عليه بالمعروف، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر، أن رسول الله ﷺ، قال في خطبته في حجة الوداع: "فاتقوا اللّه في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان اللّه واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنَّ ضربًا غير مبرح، ولهنَّ رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف" (^٢)، وفي حديث بهز بن حكيم عن (^٣) معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده أنه قال: يا رسول اللّه ما حق زوجة أحدنا؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت" (^٤).
وقال وكيع، عن بشير بن سلمان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة، لأن اللّه يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^٥).
وقوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أي: في الفضيلة في الخلق والخلق والمنزلة وطاعة الأمر والإنفاق والقيام بالمصالح والفضل في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: ٣٤].
_________________
(١) ذكرهم جميعًا ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح.
(٢) أخرجه مسلم في الصحيح، الحج، باب حجة النبي ﷺ (ح ١٢١٨).
(٣) في الأصل: "بن" والتصويب من (عف) و(مح) و(حم) والتخريج.
(٤) أخرجه أبو داود مختصرًا (السنن، النكاح، باب في حق المرأة على زوجها ح ٢١٤٣، ٢١٤٤) وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ١٨٧٥ و١٨٧٦).
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق وكيع به، وسند ابن أبي حاتم صحيح.
[ ٢ / ١٧٦ ]
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، حكيم في أمره وشرعه وقدره.
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾.
هذه الآية الكريمة رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من أن الرجل كان أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ما دامت في العدة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات قصرهم الله إلى ثلاث طبقات، وأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة، فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
قال أبو داود ﵀ في سننه: (باب نسخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث)، حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، الآية، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية (^١)، ورواه النسائي عن زكريا بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم، عن علي بن الحسين به (^٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عبدة - يعني ابن سليمان -، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رجلًا قال لامرأته: لا أطلقك أبدًا ولا آويك أبدًا، قالت: كيف ذلك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك له، فأنزل اللّه ﷿: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (^٣)، وهكذا رواه ابن جرير في تفسيره من طريق جرير بن عبد الحميد وابن إدريس (^٤)، ورواه عبد بن حميد في تفسيره عن جعفر بن عون، كلهم عن هشام، عن أبيه، قال: كان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها ما شاء ما دامت في العدة، وإن رجلًا من الأنصار غضب على امرأته، فقال: واللهِ لا آويكِ ولا أفارقكِ، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقكِ، فإذا دنا أجلكِ راجعتكِ، ثم أطلقكِ، فإذا دنا أجلكِ راجعتكِ. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله ﷿: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ قال: فاستقبل الناس الطلاق من كان طلَّق ومن لم يكن طلَّق (^٥).
_________________
(١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطلاق، باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث ح ٢١٩٥).
(٢) سنن النسائي، الطلاق، باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث ٦/ ٢١٢، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن النسائي ح ٣٣٢٦).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه قال الألباني: سنده صحيح مرسل (إرواء الغليل ٧/ ١٦٢).
(٤) أخرجه الطبري من طريق جرير بن عبد الحميد وابن إدريس كلاهما عن هشام به.
(٥) وهو صحيح إلى عروة لكنه مرسل.
[ ٢ / ١٧٧ ]
وقد رواه أبو بكر بن مردويه من طريق محمد بن سليمان، عن يعلى بن شبيب مولى الزبير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فذكره بنحو ما تقدم. ورواه الترمذي عن قتيبة، عن يعلى بن شبيب به (^١)، ثم رواه عن أبي كريب، عن ابن إدريس، عن هشام، عن أبيه مرسلًا، وقال: هذا أصح (^٢). ورواه الحاكم في مستدركه من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، عن يعلى بن شبيب به، وقال: صحيح الإسناد (^٣).
ثم قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لم يكن للطلاق وقت يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض ما يكون بين الناس، فقال: واللّه لأتركنك لا أيمًا ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارًا، فأنزل اللّه ﷿ فيه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فوقت الطلاق ثلاثًا لا رجعة فيه بعد الثالثة حتى تنكح زوجًا غيره (^٤). وهكذا رُوي عن قتادة مرسلًا، ذكره السدي وابن زيد (^٥) وابن جرير كذلك، واختار أن هذا تفسير هذه الآية.
وقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أي: إذا طلقتها واحدة أو اثنتين، فأنت مخيّر فيها ما دامت عدتها باقية بين أن تردها إليك ناويًا الإصلاح بها والإحسان إليها، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها فتبين منك وتطلق سراحها محسنًا إليها، لا تظلمها من حقها شيئًا ولا تضارّ بها.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين، فليتَّقِ اللّه في الثالثة، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يسرحها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئًا (^٦).
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سفيان الثوري، حدثني إسماعيل بن سميع، قال: سمعت أبا رزين يقول: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت قول الله ﷿: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أين الثالثة؟ قال: "التسريح بإحسان" (^٧) ورواه عبد بن حميد في تفسيره ولفظه: أخبرنا يزيد بن أبي حكيم، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، سمعت أبا رزين الأسدي يقول: قال رجل: يا رسول اللّه، أرأيت قول الّه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ فأين الثالثة؟ قال: "التسريح بإحسان الثالثة" (^٨). ورواه الإمام
_________________
(١) السنن، الطلاق (ح ١١٩٢) وفي سند ابن مردويه والترمذي يعلى بن شبيب: وهو لين الحديث كما في التقريب. وضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (ح ١٢١٠).
(٢) المصدر السابق (ح ١١٩٣).
(٣) المستدرك ٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠ وفي سنده أيضًا يعلى بن شبيب.
(٤) في سنده محمد بن إسحاق من مدلسي الطبقة الثالثة الذين لا تقبل روايتهم إلا إذا صرحوا بالسماع، وقد عنعن.
(٥) قول قتادة والسدي وابن زيد وهو عبد الرحمن أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة، ويتقوى بهذه المراسيل مرسل عروة بن الزبير.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وهو مرسل، وأخرجه أبو داود في المراسيل (ح ٢٢٠).
(٨) وهو مرسل أيضًا.
[ ٢ / ١٧٨ ]
أحمد أيضًا (^١). وهكذا رواه سعيد بن منصور عن خالد بن عبد الله، عن إسماعيل بن زكريا وأبي معاوية، عن إسماعيل بن سُميع، عن أبي رزين به (^٢). وكذا رواه ابن مردويه أيضًا من طريق قيس بن الربيع، عن إسماعيل بن سُميع، عن أبي رزين به مرسلًا ورواه ابن مردويه أيضًا من طريق عبد الواحد بن زياد، عن إسماعيل بن سميع، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ … فذكره، ثم قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحيم، حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا عبيد اللّه بن جرير بن جبلة، حدثنا ابن عائشة، حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ذكر اللّه الطلاق مرتين، فأين الثالثة؟ قال: (إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) (^٣).
وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ أي: لا يحل لكم أن تضاجروهن وتضيقوا عليهنَّ، ليفتدين منكم بما أعطيتموهنَّ من الأصدقة أو ببعضه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩] فأما إن وهبته المرأة شيئًا عن طيب نفس منها، فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته ولم تقدر على معاشرته، فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها له، ولا عليه في قبول ذلك منها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ الآية، فأما إذا لم يكن لها عذر، وسألت الافتداء منه، فقد قال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، قالا جميعًا: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عمن حدثه، عن ثوبان، أن رسول اللّه ﷺ، قال: "أيما امرأة سألت زوجها طلاقها في غير ما بأس، فحرام عليها رائحة الجنة" (^٤).
وهكذا رواه الترمذي عن بندار، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي به، وقال حسن: قال: ويروى عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، ورواه بعضهم عن أيوب بهذا الإسناد ولم يرفعه (^٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: وذكر أبا أسماء وذكر ثوبان، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة" (^٦). وهكذا رواه أبو داود وابن ماجه وابن جرير من
_________________
(١) لم أجده في كتب الإمام أحمد المذكورة في قائمة المصادر.
(٢) سنن سعيد بن منصور (ح ١٤٥٧).
(٣) أخرجه الدارقطني (السنن، الطلاق ٤/ ٤)، والبيهقي في (السنن الكبرى ٧/ ٣٤) كلاهما من طريق عبد الواحد بن زياد به. ضعفه البيهقي، رواه جماعة من الثقات عن إسماعيل - يعني مرسلًا - وروي عن قتادة عن أنس ﵁ وليس بشيء (السنن الكبرى ٧/ ٣٤٠).
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه شيخ أبي قلابة مبهم وقد صرح باسمه كما سيأتي، وصححه أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري رقم (٤٨٤٤).
(٥) سنن الترمذي، الطلاق، باب ما جاء في المختلعات (ح ١١٨٧)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٠٠).
(٦) المسند ٥/ ٢٣٨، وسنده صحيح.
[ ٢ / ١٧٩ ]
حديث حماد بن زيد به (^١).
طريق أخرى: قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن ليث عن أبي إدريس، عن ثوبان مولى رسول اللّه ﷺ، عن النبي ﷺ أنه قال: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس حرم اللّه عليها رائحة الجنة" وقال: "المختلعات هنَّ المنافقات" (^٢). ثم رواه ابن جرير والترمذي جميعًا، عن أبي كريب، عن مزاحم بن ذواد بن عُلبة، عن أبيه، عن ليث هو ابن أبي سُليم، عن أبي الخطاب، عن أبي زرعة، عن أبي إدريس، عن ثوبان قال: قال رسول اللّه ﷺ: "المختلعات هن المنافقات". ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه وليس إسناده بالقوي (^٣).
(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن بشر، حدثنا قيس بن الربيع، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن ثابت بن يزيد، عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن المختلعات المنتزعات هن المنافقات" (^٤) غريب من هذا الوجه ضعيف.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "المختلعات والمنتزعات هن المنافقات" (^٥).
(حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا بكر بن خلف أبو بشر، حدثنا أبو عاصم، عن جعفر بن يحيى بن ثوبان، عن عمه عمارة بن ثوبان، عن عطاء، عن ابن عباس: أن رسول اللّه ﷺ قال: "لا تسأل امرأة زوجها الطلاق في غير كنهه، فتجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا" (^٦).
ثم قد قال طائفة كثيرة من السلف وأئمة الخلف: إنه لا يجوز الخلع إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة فيجوز للرجل حينئذٍ قبول الفدية، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ قالوا: فلم يشرع الخلع إلا في هذه الحالة، فلا يجوز في غيرها إلا بدليل، والأصل عدمه، ممن ذهب إلى هذا ابن عباس وطاوس وإبراهيم وعطاء والحسن والجمهور حتى قال مالك والأوزاعي: لو أخذ منها شيئًا وهو
_________________
(١) سنن أبي داود، الطلاق، باب الخلع (ح ٢٢٢٦)، وسنن ابن ماجه، الطلاق، باب كراهية الخلع للمرأة (ح ٢٠٥٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩٤٧).
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ليث بن أبي سليم فيه مقال، وقد توبع فسنده حسن لغيره، ولكن بدون المختلعات هن المنافقات.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره والترمذي في سننه، الطلاق، ما جاء في المختلعات (ح ١١٨٦).
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الطبراني من طريق قيس به (المعجم الكبير ١٧/ ٣٣٩ ح ٩٣٥)، وقال الهيثمي: فيه قيس بن الربيع وثقه الثوري وشعبة، وفيه ضعف (مجمع الزوائد ٥/ ٨).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٩٣٤٧) وصححه محققه أحمد شاكر ولكن قال النسائي: الحسن لم يسمع شيئًا من أبي هريرة فقد أخرجه النسائي من طريق المغيرة بن سلمة عن وهيب به. ثم ذكر الانقطاع (السنن، الطلاق، باب ما جاء في الخلع ٦/ ١٦٩).
(٦) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الطلاق، باب كراهية الخلع للمرأة ح ٢٠٥٤). وفى سنده عمارة بن ثوبان مستور (التقريب ص ٤٠٩).
[ ٢ / ١٨٠ ]
مضارّ لها، وجب ردّه إليها، وكان الطلاق رجعيًا قال مالك: وهو الأمر الذي أدركت الناس عليه، وذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجوز الخلع في حال الشقاق وعند الاتفاق بطريق الأولى والأخرى، وهذا قول جميع أصحابه قاطبة.
وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر في كتاب "الاستذكار" له عن بكر بن عبد اللّه المزني، أنه ذهب إلى أن الخلع منسوخ بقوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] ورواه ابن جرير عنه (^١)، وهذا قول ضعيف ومأخذ مردود على قائله، وقد ذكر ابن جرير ﵀ أن هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس بن شماس وامرأته حبيبة بنت عبد اللّه بن أبي بن سلول، ولنذكر طرق حديثها واختلاف ألفاظه، قال الإمام مالك في موطئه: عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة: أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصارية، أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول اللّه ﷺ، خرج إلى الصبح، فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس، فقال رسول الله ﷺ: "من هذه؟ " قالت: أنا حبيبة بنت سهل. "فقال ما شأنك؟ " فقالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس لزوجها، فلما جاء زوجها ثابت بن قيس قال له رسول اللّه ﷺ: "هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء اللّه أن تذكر" فقالت حبيبة: يا رسول اللّه كل ما أعطاني عندي، فقال رسول اللّه ﷺ: "خذ منها" فأخذ منها وجلست في أهلها (^٢). وهكذا رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بإسناده مثله (^٣)، ورواه أبو داود عن القعنبي، عن مالك والنسائي، عن محمد بن مسلمة، عن ابن القاسم، عن مالك (^٤).
(حديث آخر) عن عائشة، قال أبو داود وابن جرير: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا أبو عامر، حدثنا أبو عمرو السدوسي عن عبد الله (^٥) بن أبي بكر، عن عَمرة، عن عائشة، أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فضربها فكسر نفضها (^٦)، فأتت رسول اللّه ﷺ بعد الصبح فاشتكته إليه، فدعا رسول اللّه ﷺ ثابتًا، فقال: "خذ بعض مالها وفارقها" قال: ويصلح ذلك يا رسول اللّه؟ قال: "نعم" قال: إني أصدقتها حديقتين فهما بيدها، فقال النبي ﷺ: "خذهما وفارقها" ففعل (^٧)، وهذا لفظ ابن جرير وأبو عمرو السدوسي هو: سعيد بن سلمة بن أبي الحسام.
_________________
(١) أخرجه الطبري بإسنادين يقوي بعضهما الآخر، وبكر بن عبد الله المزني تابعي وقد خالف الإجماع في ذكره لهذا النسخ قال النحاس: وهذا قول شاذ خارج عن الإجماع (الناسخ والمنسوخ ٢/ ٥١).
(٢) أخرجه مالك بسنده ومتنه (الموطأ كتاب الطلاق، باب ما جاء في الخلع ٢/ ٥٦٤ ح ٣١) وسنده صحيح.
(٣) المسند ٦/ ٤٣٣، وسنده صحيح.
(٤) سنن أبي داود، الطلاق، باب في الخلع (ح ٢٢٢٧)، وسنن النسائي، الطلاق، باب ما جاء في الخلع ٦/ ١٦٩، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩٤٨).
(٥) في الأصل: "عبيد اللّه" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).
(٦) أعلى كتفها.
(٧) أخرجه الطبري وأبو داود بسنده ومتنه (السنن، الطلاق، باب في الخلع ح ٢٢٢٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩٤٩). وأرى لفظة: "فكسر نفضها". منكرة مخالفة لما في الصحيح في قولها: لا أعتب عليه في خلق ولا دين. كما سيأتي في الحديث التالي، ولعله من خطأ أبي عمرو السدوسي فهو صحيح الكتاب يخطئ من حفظه (التقريب ص ٢٣٦).
[ ٢ / ١٨١ ]
(حديث آخر) فيه: عن ابن عباس ﵁، قال البخاري: حدثنا أزهر بن جميل (^١)، أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس، أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول اللّه ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول اللّه ﷺ: "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم، قال رسول اللّه ﷺ: "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة" (^٢). وكذا رواه النسائي عن أزهر بن جميل بإسناده مثله (^٣)، ورواه البخاري أيضًا به، عن إسحاق الواسطي، عن خالد هو ابن عبد اللّه الطحان، عن خالد هو ابن مهران الحذّاء، عن عكرمة، به نحوه (^٤)، وهكذا رواه البخاري أيضًا من طرق عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس به وفي بعضها أنها قالت: لا أطيقه (^٥)؛ تعني: بغضًا. وهذا الحديث من إفراد البخاري من هذا الوجه، ثم قال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة أن جميلة ﵂ (^٦) - كذا قال - والمشهور أن اسمها حبيبة كما تقدم، [لكن قال الإمام أبو عبد الله بن بطة: حدثني أبو يوسف يعقوب بن يوسف الطباخ، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، حدثنا عبيد اللّه بن عمر القواريري، حدثني عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن جميلة بنت سلول أتت النبي ﷺ، فقالت: والله ما أعتب على ثابت بن قيس في دين ولا خلق، ولكنني أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضًا، فقال لها النبي ﷺ: "تردين عليه حديقته؟ ". قالت: نعم، فأمره النبي ﷺ أن يأخذ ما ساق ولا يزداد] (^٧)، وقد رواه ابن مردويه في تفسيره عن موسى بن هارون، حدثنا أزهر بن مروان، حدثنا عبد الأعلى مثله، وهكذا رواه ابن ماجه عن أزهر بن مروان بإسناد مثله سواء (^٨)، وهو (^٩) إسناد جيد مستقيم.
ورواه أبو القاسم البغوي عن عبيد اللّه القواريري، عن عبد الأعلى مثله، لكن قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد عن ثابت، عن عبد اللّه بن رباح، عن جميلة بنت عبد اللّه بن أُبي بن سلول، أنها كانت تحت ثابت بن قيس فنشزت عليه، فأرسل إليها النبي ﷺ فقال: "يا جميلة ما كرهت من ثابت؟ ". قالت: واللّه ما كرهت منه دينًا ولا خلقًا، إلا أني كرهت ذمامته، فقال لها، "أتردين عليه الحديقة؟ ". قالت: نعم، فردَّت الحديقة، وفرَّق بينهما (^١٠).
_________________
(١) في الأصل: "بن حبل" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الطلاق، باب الخلع ح ٥٢٧٣).
(٣) السنن، الطلاق، باب ما جاء في الخلع ٦/ ١٦٩.
(٤) صحيح البخاري (ح ٥٢٧٤).
(٥) المصدر السابق (ح ٥٢٧٥ و٢٥٧٦).
(٦) المصدر السابق (ح ٥٢٧٧).
(٧) ما بين قوسين زيادة من (عف) وفي الأصل وردت رواية ابن مردويه سندًا ومتنًا وكذا في (ح) و(حم).
(٨) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الطلاق، باب الخلع ح ٥٢٧٣).
(٩) في الأصل: "وهذا".
(١٠) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وصححه أحمد شاكر. ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن عبد البر أنه اختلف في امرأة ثابت بن قيس فذكر البصريون أنها جميلة، وذكر المدينون أنها حبيبة بنت سهل. ثم قال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أنهما قصتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين وصحة الطريقين واختلاف السياقين (الفتح ٩/ ٣٩٩).
[ ٢ / ١٨٢ ]
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: قرأت على فضيل، عن أبي جرير، أنه سأل عكرمة هل (^١) كان للخلع أصل؟ قال: كان ابن عباس يقول: إن أول خلع كان في الإسلام في أخت عبد اللّه بن أُبي، أنها أتت رسول اللّه ﷺ فقالت: يا رسول اللّه لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدًا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته قد أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادًا وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجهًا، فقال زوجها: يا رسول اللّه، إني قد أعطيتها أفضل مالي حديقة لي، فإن ردَّت عليَّ حديقتي، قال: "ما تقولين؟ " قالت: نعم وإن شاء زدته، قال: ففرق بينهما (^٢).
(حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس، وكان رجلًا دميمًا، فقالت: يا رسول اللّه، واللّه لولا مخافة اللّه إذا دخل عليّ بصقت في وجهه، فقال رسول اللّه ﷺ: "أتردين إليه حديقته؟ " قالت: نعم، فردت عليه حديقته، قال: ففرق بينهما رسول اللّه ﷺ (^٣).
وقد اختلف الأئمة ﵏ في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها، فذهب الجمهور إلى جواز ذلك لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب، عن كثير مولى ابن سمرة (^٤) أن عمر أتى بامرأة ناشز، فأمر بها إلى بيت كثير الزبل، ثم دعا بها فقال: كيف وجدت؟ فقالت: ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليالي التي كنت حبستني، فقال لزوجها: اخلعها ولو من قرطها (^٥).
ورواه عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن كثير مولى ابن سمرة … فذكر مثله، وزاد: فحبسها فيه (^٦) ثلاثة أيام، قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، عن حميد بن عبد الرحمن: أن امرأة أتت عمر بن الخطاب، فشكت زوجها، فأباتها في بيت الزبل، فلما أصبحت قال لها: كيف وجدت مكانك؟ قالت: ما كنت عنده ليلة أقرّ لعيني من هذه الليلة. فقال: خذ ولو عقاصها (^٧) (^٨). وقال البخاري: وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها (^٩).
_________________
(١) في الأصل: "أنه" والتصويب من (عف) و(ح) والتخريج.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وصححه أحمد شاكر.
(٣) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه، السنن، الطلاق، باب المختلعة تأخذ ما أعطاها (ح ٢٠٥٧) وفيه نكارة في قولها: والله لولا مخافة الله إذا دخل عليّ بصقت في وجهه!! فإنها مخالفة لما في الصحيح ولعل ذلك من حجاج بن أرطأة فهو كثير الخطأ والتدليس، وقد عنعن في هذه الرواية.
(٤) في الأصل: "مولى سمرة" والتصويب من التخريج.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفي سنده كثير مولى ابن سمرةُ: مقبول (التقريب ص ٤٠٦).
(٦) في الأصل: "فحبسها له" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٧) أخرجه الطبري من طريق حميد بن عبد الرحمن عن عمر بنحوه، وحميد لم يدرك عمر.
(٨) العقاص: خيط تشد به المرأة أطراف ضفائرها، والضفيرة: هي العقيصة.
(٩) ينظر: فتح الباري، كتاب الطلاق، باب الخلع ٩/ ٣٩٤.
[ ٢ / ١٨٣ ]
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أن الرُبيّع بنت معوذ بن عفراء حدثته، قالت: كان لي زوج يقل عليَّ الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب عني، قالت: فكانت مني زلة يومًا فقالت له: أختلع منك بكل شيء أملكه، قال: نعم، قالت: ففعلت، قالت: فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان، فأجاز الخُلع، وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه، أو قالت: ما دون عقاص الرأس (^١).
ومعنى هذا أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير ولا يترك لها سوى عقاص شعرها، وبه يقول ابن عمر وابن عباس ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وقبيصة بن ذؤيب (^٢) والحسن بن صالح وعثمان البتي (^٣)، وهذا مذهب مالك والليث والشافعي وأبي ثور، واختاره ابن جرير، وقال أصحاب أبي حنيفة: إن كان الإضرار من قبلها، جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه، فإن ازداد جاز في القضاء، وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئًا، فإن أخذ، جاز في القضاء.
وقال الإمام أحمد وأبو عبيد وإسحاق بن راهويه: لا يجوز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء وعمرو بن شعيب والزهري وطاوس والحسن والشعبي وحماد بن أبي سليمان والربيع بن أنس (^٤).
وقال معمر والحكم: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها (^٥).
وقال الأوزاعي: القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها.
(قلت): ويستدل لهذا القول بما تقدم من رواية قتادة عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة ثابت بن قيس، فأمره رسول الله ﷺ أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد، وبما روى عبد بن حميد حيث قال: أخبرنا قبيصة عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي ﷺ كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها (^٦)؛ يعني: المختلعة، وحملوا معنى الآية على معنى (ولا جناح عليهما فيما افتدت به) أي: من الذي أعطاها لتقدم قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: من ذلك،
_________________
(١) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به، وأخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل به (السنن الكبرى، الخلع، باب الوجه الذي تحل به الفدية ٧ ج ٣١٥)، وأخرجه الحافظ ابن حجر من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، وحسن إسناده (تغليق التعليق ٤/ ٤٦١).
(٢) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسنده صحيح، وكذا قول عكرمة والحسن وقول مجاهد وإبراهيم وقبيصة بن ذؤيب أخرجه سعيد بن منصور وصحح الحافظ سنده إلى قبيصة (الفتح ٩/ ٣٩٧).
(٣) في الأصل: "اللبتي" والتصويب من (عف) و(حم) و(ح).
(٤) قول عمرو بن شعيب وعطاء بن أبي رباح والزهري أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الأوزاعي به (المصنف ٥/ ١٢٣) وقول الشعبي أخرجه الطبري بسند صحيح.
(٥) قول معمر أخرجه عبد الرزاق (المصنف رقم ١١٨٤٨) ومعمر لم يسمع من علي وقول الحكم وهو ابن عتيبة أخرجه عبد الرزاق من طريق ليث بن أبي سليم عن الحكم به (المصنف ١١٨٤٤) وليث فيه مقال، والحكم لم يدرك عليًا أيضًا.
(٦) سنده مرسل وقد تقدم موصولًا في صحيح البخاري.
[ ٢ / ١٨٤ ]
وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس (فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه) رواه ابن جرير (^١)، لهذا قال بعده: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
(فصل) قال الشافعي: اختلف أصحابنا في الخلع، فأخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس في رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه بعد، يتزوجها إن شاء، لأن الله تعالى يقول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ قرأ إلى: ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ (^٢).
قال الشافعي: وأخبرنا سفيانُ عن عمرو، عن عكرمة، قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق (^٣)، وروى غير الشافعي عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس: أن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص سأله قال: رجل طلق امرأته تطليقتين ثم اختلعت منه، أيتزوجها؟ قال: نعم، ليس الخُلع بطلاق، ذكر اللّه الطلاق في أول الآية وآخرها، والخُلع فيما بين ذلك، فليس الخُلع بشيء، ثم قرأ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ قرأ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (^٤).
وهذا الذي ذهب إليه ابن عباس ﵄ من أن الخُلع ليس بطلاق وإنما هو فسخ، هو رواية عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان وابن عمر (^٥)، وهو قول طاوس وعكرمة، وبه يقول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وداود بن علي الظاهري، وهو مذهب الشافعي في القديم، وهو ظاهر الآية الكريمة، والقول الثاني في الخلع: أنه طلاق بائن إلا أن ينوي أكثر من ذلك.
قال مالك: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جهمان مولى الأسلميين، عن أُم بكر الأسلمية: أنها اختلعت من زوجها عبد الله خالد بن أسيد فأتيا عثمان بن عفان في ذلك، فقال: تطليقة إلا أن تكون سميت شيئًا فهو ما سميت (^٦).
قال الشافعي: ولا أعرف جهمان، وكذا ضعف أحمد بن حنبل هذا الأثر (^٧)، واللّه أعلم.
وقد روي نحوه (^٨) عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب والحسن وعطاء وشريح والشعبي وإبراهيم وجابر بن زيد، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وعثمان البتي (^٩) والشافعي في الجديد، غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى المخالع بخلعه تطليقة أو اثنتين أو أطلق، فهو واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثًا فثلاث، وللشافعي
_________________
(١) أخرجه الطبري من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع، وسنده جيد.
(٢) سنده صحيح وأشار إليه البيهقي بأنه رواه مختصرًا (السنن الكبرى ٧/ ٣١٦) وسيأتي كاملًا.
(٣) ذكره البيهقي بسنده ومتنه (السنن الكبرى ٧/ ٣١٦) وسنده صحيح.
(٤) أخرجه البيهقي من طريق سعدان بن نصر عن سفيان بن عيينة به (السنن الكبرى ٧/ ٣١٦) ونقل عن ابن المنذر: وليس في الباب أصح من حديث ابن عباس. ثم قال: يريد حديث طاوس عن ابن عباس ﵄ (المصدر السابق).
(٥) قول عثمان وابن عمر سيأتي مسندًا في المسألة الآتية.
(٦) أخرجه الشافعي عن مالك به (ترتيب مسند الشافعي، كتاب الطلاق، باب في الخلع ٢/ ٥١ ح ١٦٥).
(٧) ذكره عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه قال: إسناده ما أدري ما هو جهمان. قال عبد اللّه: كأنه لم يرض إسناده (مسائل الإمام أحمد رواية ابنه ص ٢٣٨، ٢٣٩).
(٨) في الأصل: "غيره" والتصويب من (عف) و(حم) و(ح).
(٩) في الأصل: "وعثمان الليتي" والتصويب من (عف) و(حم) و(ح).
[ ٢ / ١٨٥ ]
قول آخر في الخُلع، وهو أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق، وعري عن البينة، فليس هو بشيء بالكلية.
مسألة: وذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه في رواية عنهما (^١)، وهي المشهورة، إلى أن المختلعة عدتها عدة المطلقة بثلاثة قروء، إن كانت ممن تحيض، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعروة وسالم وأبو سلمة وعمر بن عبد العزيز وابن شهاب والحسن والشعبي وإبراهيم النخعي وأبو عياض وخلاس بن عمر وقتادة وسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد وأبو عبيد.
قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم (^٢). ومأخذهم في هذا أن الخُلع طلاق، فتعتد كسائر المطلقات.
والقول الثاني: أنها تعتد بحيضة واحدة تستبرى بها رحمها.
قال ابن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد اللّه بن عمر (^٣)، عن نافع: أن الرُّبيّع اختلعت من زوجها، فأتى عمها عثمان ﵁، فقال: تعتد بحيضة. قال: وكان ابن عمر يقول: تعتد ثلاث حيض، حتى قال هذا عثمان، فكان ابن عمر يفتي به، ويقول: عثمان خيرنا وأعلمنا (^٤)، وحدثنا عبدة عن عبيد اللّه، عن نافع، عن ابن عمر، قال: عدة المختلعة حيضة (^٥)، وحدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي (^٦)، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: عدتها حيضة (^٧). وبه يقول عكرمة وأبان بن عثمان وكل من تقدم ذكره ممن يقول: إن الخلع فسخ يلزمه القول بهذا، واحتجوا لذلك بما رواه أبو داود والترمذي حيث قال: كل واحد منهما: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البغدادي، حدثنا علي بن بحر، أخبرنا هشام بن يوسف عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي ﷺ، فأمرها النبي ﷺ أن تعتد بحيضة، ثم قال الترمذي: حسن غريب (^٨)، وقد رواه عبد الرزاق عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة مرسلًا (^٩).
(حديث آخر) قال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا الفضل بن موسى، عن سفيان،
_________________
(١) قول إسحاق ذكره الترمذي بأنه مذهب قوي (السنن، الطلاق ٢/ ٤٨٣).
(٢) المصدر السابق.
(٣) كذا في مصنف ابن أبي شيبة.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه (المصنف، الطلاق، من قال: عدتها حيضة ٥/ ١١٤) وسنده صحيح.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه (المصدر السابق) وسنده صحيح. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩٥١).
(٦) في الأصل: "البخاري" والتصويب من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه (المصدر السابق) وفي سنده ليث وهو ابن أبي سليم تُكلم فيه وقد توبع فسنده حسن.
(٨) أخرجه أبو داود (السنن، الطلاق، باب ما جاء في الخلع ح ٢٢٢٩)، والترمذي (السنن، الطلاق، باب ما جاء في الخلع ح ١١٨٥) كلاهما بسنده ومتنه. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩٥٠)، وأخرجه الحاكم من طريق علي بن بحر به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٠٦).
(٩) أخرجه الحاكم من طريق عبد الرزاق به (المستدرك ٢/ ٢٠٦).
[ ٢ / ١٨٦ ]
حدثنا محمد بن عبد الرحمن، وهو مولى آل طلحة، عن سليمان بن يسار، عن الرُبيِّع بنت معوذ بن عفراء، أنها اختلعت على عهد رسول الله ﷺ، فأمرها النبي ﷺ، أو أمرت أن تعتدَّ بحيضة، قال الترمذي: الصحيح أنها أمرت أن تعتدَّ بحيضة (^١).
(طريق أخرى) قال ابن ماجه: حدثنا علي بن سلمة النيسابوري، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن الرُّبَيّع بنت معوذ بن عفراء، قال: قلت لها: حدثيني حديثك، قالت: اختلعت من زوجي، ثم جئت عثمان فسألت عثمان: ماذا علي من العدة؟ قال: لا عدة عليك إلا أن يكون (^٢) حديث عهد بك، فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضة، قالت: وإنما اتبع في ذلك قضاء رسول الله ﷺ في مريم المغالية، وكانت تحت ثابت بن قيس، فاختلعت منه (^٣).
وقد روى ابن لهيعة عن ابن الأسود، عن أبي سلمة ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن الرُّبيِّع بنت معوذ، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يأمر امرأة ثابت بن قيس حين اختلعت منه أن تعتدَّ بحيضة (^٤).
مسألة: وليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء. وروي عن عبد الله بن أبي أوفى وماهان الحنفي وسعيد بن المسيب والزهري أنهم قالوا: إن ردَّ إليها الذي أعطاها جاز له رجعتها في العدة بغير رضاها. وهو اختيار أبي ثور ﵀.
وقال سفيان الثوري: إن كان الخُلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة ولا سبيل له عليها، وإن كان يسمى طلاقًا فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة، وبه يقول داود بن علي الظاهري، واتفق الجميع على أن للمختلع أن يتزوجها في العدة، وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر عن فرقة: أنه لا يجوز له ذلك كما لا يجوز لغيره، وهو قول شاذ مردود.
مسألة: وهل له أن يوقع عليها طلاقًا آخر في العدة؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء:
(أحدها): ليس له ذلك، لأنها قد ملكت نفسها وبانت منه، وبه يقول ابن عباس وابن الزبير وعكرمة وجابر بن زيد والحسن البصري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور.
(والثاني): قال مالك: إن أتبع الخُلع طلاقًا من غير سكوت بينهما، وقع، وإن سكت بينهما، لم يقع، قال ابن عبد البر: وهذا يشبه ما روي عن عثمان ﵁.
(والثالث): أنه يقع عليها الطلاق بكل حال ما دامت في العدة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي، وبه يقول سعيد بن المسيب وشريح وطاوس وإبراهيم والزهري والحاكم والحكم وحماد بن أبي سليمان، وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي الدرداء.
وقال ابن عبد البر: وليس ذلك بثابت عنهما.
_________________
(١) السنن، الطلاق، باب ما جاء في الخلع (ح ١١٨٤) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٩٤٥).
(٢) لفظ: "يكون" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.
(٣) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الطلاق، باب عدة المختلعة ح ٢٠٥٨).
(٤) يشهد له رواية الترمذي السابقة من حديث الرُّبيّع.
[ ٢ / ١٨٧ ]
وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: هذه الشرائع التي شرعها لكم. هي حدود فلا تتجاوزوها، كما ثبت في الحديث الصحيح: "إن الله حدَّ (^١) حدودًا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم محارم فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تسألوا عنها" (^٢).
وقد يستدل بهذه الآية من ذهب إلى أن جمع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة حرام، كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم، وإنما السنة عندهم أن يطلق واحدة لقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ويقوون ذلك بحديث محمود بن لبيد الذي رواه النسائي في سننه حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب، عن مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان ثم قال: "أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ " حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله (^٣)؟ - فيه انقطاع -.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: أنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعدما أرسل عليها الطلاق مرتين، فإنها تحرم عليه ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح، فلو وطئها واطئ في غير نكاح ولو في ملك اليمين، لم تحل للأول، لأنه ليس بزوج، وهكذا لو تزوجت ولكن لم يدخل بها الزوج لم تحل للأول، واشتهر بين كثير من الفقهاء عن سعيد بن المسيب ﵀ أن يقول: يحصل المقصود من تحليلها للأول بمجرد العقد على الثاني، وفي صحته عنه نظر (^٤)، على أن الشيخ أبا عمر بن عبد البر قد حكاه عنه في "الاستذكار"، والله أعلم.
وقد قال أبو جعفر بن جرير ﵀: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سالم بن رزين، عن سالم بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، في الرجل يتزوج المرأة فيطلقها قبل أن يدخل بها ألبتة، فيتزوجها زوج آخر، فيطلقها قبل أن يدخل بها، أترجع إلى الأول؟ قال: "لا، حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها" (^٥) هكذا وقع في رواية ابن جرير (^٦)، وقد رواه الإمام أحمد فقال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن علقمة بن مرثد، قال: سمعت سالم بن رزين يحدث عن سالم بن عبد الله - يعني: ابن عمر -، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، في الرجل
_________________
(١) لفظ: "حدَّ" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.
(٢) أخرجه الحاكم من حديث أبي ثعلبة الخشني وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١١٥).
(٣) أخرجه النسائي بسنده ومتنه (السنن، الطلاق، باب الثلاث المجموعة وما فيه من التغليط ٦/ ١٤٢) وحكم الحافظ ابن كثير عليه بالانقطاع.
(٤) يؤيد قول الحافظ ما سيأتي من رواية من طريق سعيد بن المسيب.
(٥) العسيلة: أي الجماع، كما سيأتي في حديث النسائي من حديث عائشة.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده سالم بن رزين مجهول، ويشهد له حديث عائشة المتفق عليه كما سيأتي.
[ ٢ / ١٨٨ ]
تكون له المرأة فيطلقها ثم يتزوجها رجل فيطلقها قبل أن يدخل بها، فترجع إلى زوجها الأول، فقال رسول الله ﷺ: "حتى تذوق العسيلة" (^١)، وهكذا رواه النسائي عن عمرو بن علي الفلاس وابن ماجه، عن محمد بن بشار بندار، كلاهما عن محمد بن جعفر غُندُر، عن شعبة به (^٢)، كذلك فهذا من رواية سعيد بن المسيب عن ابن عمرو مرفوعًا على خلاف ما يحكى عنه، فبعيد أن يخالف ما رواه بغير مستند، والله أعلم. وقد روى أحمد أيضًا والنسائي وابن جرير (^٣) هذا الحديث من طريق سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد، عن رزين بن سليمان الأحمدي، عن ابن عمر، قال: سئل النبي ﷺ عن الرجل يطلق امرأته ثلاثًا، فيتزوجها آخر، فيغلق الباب، ويرخي الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، هل تحل للأول؟ قال: "لا، حتى تذوق العسيلة"، وهذا لفظ أحمد (^٤)، وفي رواية لأحمد سليمان بن رزين (^٥).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا محمد بن دينار، حدثنا يحيى بن يزيد الهنائي عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثلاثًا، فتزوجت بعده رجلًا فطلقها قبل أن يدخل بها، أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله ﷺ: "لا، حتى يكون الآخر قد ذاق من عسيلتها وذاقت من عسيلته" (^٦). وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن إبراهيم الأنماطي، عن هشام بن عبد الملك، حدثنا محمد بن دينار … فذكره.
(قلت): ومحمد بن دينار بن صندل أبو بكر الأزدي ثم الطاحي البصري ويقال له: ابن أبي الفرات، اختلفوا فيه، فمنهم من ضعفه، ومنهم من قواه وقبله وحسن له، وذكر أبو داود أنه تغير قبل موته (^٧)، فالله أعلم.
(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا أبي، حدثنا شيبان، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي الحارث الغفاري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ، في المرأة يطلقها زوجها ثلاثًا، فتتزوج غيره فيطلقها قبل أن يدخل بها، فيريد الأول أن يراجعها (^٨). قال: "لا، حتى يذوق الآخر عسيلتها" ثم رواه من وجه آخر عن شيبان وهو ابن عبد الرحمن به (^٩)، وأبو الحارث غير معروف.
(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى، حدثنا يحيى بن عبيد الله، حدثنا القاسم، عن
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (العلل ص ٢٥٨) وفي سنده سالم بن رزين كسابقه.
(٢) سنن النسائي، الطلاق، باب إحلال المطلقة ثلاثًا ٦/ ١٤٨، وسنن ابن ماجه، النكاح، باب الرجل يطلق امرأته ثلاثًا فتتزوج (ح ١٩٣٣). وحكمه كسابقه.
(٣) في الأصل: "ابن ماجه" والتصويب من (عف) و(ح) والتخريج.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند (ح ٤٧٧٧) وكذا الطبري والنسائي (المصدر السابق) وحكمه كسابقه.
(٥) المسند (ح ٥٢٧٨). وسليمان بن رزين هو نفسه رزين بن سليمان، ويقال أيضًا: سالم بن رزين. انظر التقريب ٢٠٩.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ١٤٠٦٩).
(٧) ويشهد له حديث عائشة الذي سيأتي وهو في الصحيحين.
(٨) في الأصل: "يرجعها" والتصويب من (عف) و(ح) والتخريج.
(٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه ويشهد له حديث عائشة التالي.
[ ٢ / ١٨٩ ]
عائشة: أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا، فتزوجت زوجًا، فطلقها قبل أن يمسَّها، فسئل رسول الله ﷺ: أتحل للأول؟ فقال: "لا، حتى يذوق من عسيلتها كما ذاق الأول" (^١) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي من طرق عن عبد الله بن عمر العمري، عن القاسم بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن عمته عائشة به (^٢).
(طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثنا عبيد الله بن إسماعيل الهباري وسفيان بن وكيع وأبو هشام الرفاعي، قالوا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: سئل النبي ﷺ عن رجل طلق امرأته، فتزوجت رجلًا غيره، فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها، أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله ﷺ: "لا تحلّ لزوجها الأول حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته"، وكذا رواه أبو داود عن مسدد والنسائي عن أبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية وهو: محمد بن حازم الضرير به (^٣).
(طريق أخرى) قال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن العلاء الهمداني، حدثنا أبو أُسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ، سئل عن المرأة يتزوجها الرجل فيطلقها، فتتزوج رجلًا فيطلقها قبل أن يدخلّ بها، أتحلّ لزوجها الأول؟ قال: "لا حتى يذوق عسيلتها" (^٤).
قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو فضيل، وحدثنا أبو كريب، حدثنا أبو معاوية جميعًا، عن هشام بهذا الإسناد (^٥)، وقد رواه البخاري من طريق أبي معاوية محمد بن حازم، عن هشام به (^٦)، وتفرد به من الوجهين الآخرين، وهكذا رواه ابن جرير من طريق عبد الله بن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا بنحوه أو مثله (^٧) - وهذا إسناد جيد -، وكذا ورواه ابن جرير أيضًا من طريق علي بن زيد بن جدعان، عن امرأة أبيه أمينة أُم محمد، عن عائشة، عن النبي ﷺ بمثله (^٨).
وهذا السياق مختصر من الحديث الذي رواه البخاري، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى عن هشام بن عروة، حدثني أبي، عن عائشة، عن النبي ﷺ، وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبدة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها، فأتت النبي ﷺ فذكرت له إنه لا يأتيها وأنه ليس معه إلا مثل هدية الثوب، فقال: "لا حتى تذوقي
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وسنده صحيح.
(٢) صحيح البخاري، الطلاق، باب من جوز الطلاق الثلاث (ح ٩٦١) وصحيح مسلم، النكاح، باب لا تحل المطلقة ثلاثًا لمطلاقها حتى تنكح زوجًا غيره ويطأها (ح ما بعد ١٤٣٣) برقم (١١٥).
(٣) تفسير الطبري، وسنن أبي داود، الطلاق، باب المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح غيره (ح ٢٣٠٩)، وسنن النسائي، الطلاق، باب الطلاق للتي تنكح زوجًا ثم لا يدخل بها ٦/ ١٤٦.
(٤) صحيح مسلم، النكاح، نفس الباب السابق ما بعد (١٤٣٣) برقم (١١٤).
(٥) المصدر السابق.
(٦) صحيح البخاري، الطلاق، باب من قال لامرأته: أنت عليّ حرام (ح ٥٢٦٥).
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وجود إسناده الحافظ ابن كثير.
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه علي بن زيد بن جدعان فيه مقال ويشهد له ما سبق.
[ ٢ / ١٩٠ ]
عسيلته ويذوق عسيلتك" (^١) تفرد به من هذين الوجهين.
(طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: دخلت امرأة رفاعة القرظي وأنا وأبو بكر عند النبي ﷺ، فقالت: إن رفاعة طلقني ألبتة، وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني، وإنما عنده مثل الهدبة، وأخذت هدبة من جلبابها، وخالد بن سعيد بن العاص بالباب لم يؤذن له، فقال: يا أبا بكر، ألا تنهى هذه عما تجهر به بين يديّ رسول الله ﷺ، فما زاد رسول الله ﷺ على التبسم، فقال رسول الله ﷺ: "كأنك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (^٢)، وهكذا رواه البخاري من حديث عبد الله بن المبارك ومسلم من حديث عبد الرزاق والنسائي من حديث يزيد بن زريع، ثلاثتهم عن معمر به، وفي حديث عبد الرزاق عند مسلم، أن رفاعة طلقها آخر ثلاث تطليقات (^٣) وقد رواه الجماعة إلا أبو داود من طريق سفيان بن عيينة والبخاري من طريق عقيل ومسلم من طريق يونس بن يزيد [وعنده آخر ثلاث تطليقات، والنسائي من طريق أيوب بن موسى، ورواه صالح بن أبي الأخضر] (^٤) كلهم عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به (^٥). وقال مالك: عن المسور بن رفاعة القرظي، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير: أن رفاعة بن سموال طلق امرأته تميمة بنت وهب في عهد رسول الله ﷺ ثلاثًا، فنكحت عبد الرحمن بن الزبير: فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسها ففارقها، فأراد رفاعة بن سموال أن ينكحها، وهو زوجها الأول الذي كان طلقها فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فنهاه عن تزويجها، وقال: "لا تحلّ لك حتى تذوق العسيلة" هكذا رواه أصحاب الموطآت عن مالك (^٦)، وفيه انقطاع، وقد رواه إبراهيم بن طهمان وعبد الله بن وهب عن مالك، عن رفاعة، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير، عن أبيه فوصله.
(فصل) والمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغبًا في المرأة، قاصدًا لدوام عشرتها، كما هو المشروع من التزويج، واشترط الإمام مالك مع ذلك، أن يطأها الثاني وطأً مباحًا، فلو وطئها وهي محرمة أو صائمة أو معتكفة أو حائض أو نفساء أو الزوج صائم أو محرم أو معتكف لم تحل للأول بهذا الوطء، وكذا لو كان الزوج الثاني ذميًا لم تحل للمسلم بنكاحه، لأن أنكحة الكفار باطلة عنده، واشترط الحسن البصري فيما حكاه عنه الشيخ أبو عمر بن عبد البر أن ينزل الزوج الثاني، وكأنه تمسك بما فهمه من قوله ﵊: "حتى تذوقي عسيلته
_________________
(١) صحيح البخاري، الطلاق، باب إذا طلقها ثلاثًا (ح ٥٣١٧).
(٢) المسند ٦/ ٣٤ وسنده صحيح.
(٣) صحيح البخاري، الأدب، باب التبسم والضحك (ح ٦٠٨٤)، وصحيح مسلم، النكاح، باب لا تحل المطلقة ثلاثًا لمطلقها حتى تنكح زوجًا غيره بعد (ح ١٤٣٣) برقم (١١٣)، وسنن النسائي، الطلاق، باب إحلال المطلقة ثلاثًا ٦/ ١٤٦.
(٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) والتخريج.
(٥) صحيح البخاري، الأدب (ح ٦٠٨٤)، وصحيح مسلم الموضع السابق برقم (١١٢)، وسنن النسائي الموضع السابق، وسنن ابن ماجه الطلاق، باب الرجل يطلق امرأته ثلاثًا فتتزوج (ح ١٩٣٣)، وسنن الترمذي، النكاح (ح ١١١٨).
(٦) الموطأ، النكاح، باب نكاح المحلل (ح ١٧) ويشهد له ما سبق.
[ ٢ / ١٩١ ]
ويذوق عسيلتك" ويلزم على هذا أن تنزل المرأة أيضًا، وليس المراد بالعسيلة المني، لما رواه الإمام أحمد والنسائي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "ألا إن العسيلة الجماع" (^١) فأما إذا كان الثاني إنما قصده أن يحلَّها للأول، فهذا هو المحلل الذي وردت الأحاديث بذمه ولعنه ومتى صرح بمقصوده في العقد بطل النكاح عند جمهور الأئمة (^٢).
ذكر الأحاديث الواردة في ذلك:
(الحديث الأول): عن ابن مسعود ﵁. قال الإمام أحمد: حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا سفيان، عن أبي قيس، عن الهزيل، عن عبد الله قال: لعن رسول الله ﷺ: الواشمة والمستوشمة والواصلة والموصولة والمحَلّل له وآكل الربا وموكله. ثم رواه أحمد والترمذي والنسائي من غير وجه عن سفيان وهو الثوري عن أبي قيس واسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي، عن هزيل بن شرحبيل الأودي، عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ به، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة منهم عمر وعثمان وابن عمر، وهو قول الفقهاء من التابعين، ويروى ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس (^٣).
(طريق أخرى) عن ابن مسعود. قال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله، عن عبد الكريم، عن أبي الواصل، عن ابن مسعود، عن رسول الله ﷺ قال: "لعن الله المحلّل والمحَلّل له" (^٤).
(طريق أخرى) روى الإمام أحمد والنسائي من حديث الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن الحارث الأعور، عن عبد الله بن مسعود، قال: آكل الربا وموكله وشاهداه وكاتبه إذا علموا به، والواصلة والمستوصلة، ولاوي الصدقة والمعتدي فيها، والمرتد على عقبيه إعرابيًا (^٥) بعد هجرته، والمحَلِّل والمحَلَّل له، ملعونون على لسان محمد ﷺ يوم القيامة (^٦).
(الحديث الثاني): عن علي ﵁. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه، والواشمة والمستوشمة للحسن، ومانع الصدقة، والمحَلِّل والمحَلَّل له، وكان ينهى عن النوح (^٧).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤٠/ ٣٨٨ ح ٢٤٣٣١) وفي سنده أبو عبد الملك المكي فيه مقال وتفرد به. ومعناه صحيح.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٤٢٨٣)، وصححه أحمد شاكر، والألباني (صحيح الجامع الصغير ٥/ ٢٢).
(٣) المسند ٧/ ٣١٤ (ح ٤٢٨٤)، وسنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في المُحِلّ والمحلَّل له (ح ١١٢٠)، وسنن النسائي، الطلاق، باب إحلال المطلقة ثلاثًا ٦/ ١٤٩ وسنده صحيح. وقول الترمذي ورد بنصه في آخر الحديث.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه ٧/ ٣٣٤ (ح ٤٣٠٨) وفي سنده أبو الواصل وهو مجهول (تعجيل المنفعة ص ٥٢٧) ويتقوى بما سبق ولحق.
(٥) في الأصل: "أعراضًا" والتصويب من (عف) والتخريج.
(٦) في سنديهما الحارث الأعور: وهو ضعيف (التقريب ص ١٤٧) ويتقوى كسابقه.
(٧) المسند ٢/ ٢٠٧ (ح ٨٤٤) وفي إسناده الحارث الأعور، وجابر هو ابن يزيد الجعفي: ضعيف رافضي =
[ ٢ / ١٩٢ ]
وكذا رواه عن غُندُر، عن شعبة، عن جابر وهو: ابن يزيد الجعفي، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي به، وكذا رواه من حديث إسماعيل بن أبي خالد وحصين بن عبد الرحمن ومجالد بن سعيد وابن عون، عن عامر الشعبي به، وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث الشعبي به (^١). ثم قال أحمد: أخبرنا محمد بن عبد الله، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، قال: لعن رسول الله ﷺ صاحب الربا وآكله وكاتبه وشاهده، والمحَلِّل والمحَلَّل له (^٢).
(الحديث الثالث): عن جابر ﵁: قال الترمذي: أخبرنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا أشعث بن عبد الرحمن بن يزيد الأيامي، حدثنا مجالِد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، وعن الحارث، عن علي: أن رسول الله ﷺ لعن المحَلِّل والمحَلَّل له، ثم قال: وليس إسناده بالقائم. ومجالد ضعفه غير واحد من أهل العلم منهم أحمد بن حنبل، قال: ورواه ابن نمير عن مجالِد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، عن علي، قال: وهذا وهم من ابن نمير، والحديث الأول أَصح (^٣).
(الحديث الرابع): عن عقبة بن عامر ﵁. قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، أخبرنا أبي، سمعت الليث بن سعد يقول: قال أبو المصعب مشرح وهو: ابن هاعان، قال عقبة بن عامر: قال رسول الله ﷺ: "ألا أخبركم بالتيس المستعار"؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "هو المحَلِّل، لعن الله المحَلِّل والمحَلَّل له" (^٤).
تفرد به ابن ماجه، كذا رواه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، عن عثمان بن صالح، عن الليث به، ثم قال: كانوا ينكرون على عثمان (^٥) في هذا الحديث إنكارًا شديدًا.
(قلت): عثمان هذا أحد الثقات، روى عنه البخاري في صحيحه ثم قد تابعه غيره، فرواه جعفر الفريابي عن العباس المعروف بابن فريق، عن أبي صالح عبد الله بن صالح، عن الليث [به فبرئ من عهدته] (^٦)، والله أعلم.
(الحديث الخامس): عن ابن عباس ﵄. قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عامر، عن زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لعن رسول الله ﷺ المحَلِّل والمحَلَّل له (^٧).
_________________
(١) = (التقريب ص ١٣٧) ويتقوى بالشواهد السابقة واللاحقة.
(٢) سنن أبي داود، النكاح، باب في التحليل (ح ٢٠٧٦)، وسنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في المحلِّل والمحلَّل له (ح ١١١٩)، وسنن ابن ماجه، النكاح، باب المحلِّل والمحلَّل له (ح ١٩٣٥)، وفي أسانيدهم الحارث الأعور ويتقوى كسابقه.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٩٤ ح ٦٧١)، وفي سنده الحارث الأعور ويتقوى كسابقه.
(٤) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه ونقده (السنن، النكاح، باب ما جاء في المُحلّ والمحلَّل له ح ١١١٩).
(٥) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، النكاح، باب المحلِّل والمحلَّل له ح ١٩٣٦)، وأخرجه الحاكم من طريق يحيى بن عثمان به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٩٨).
(٦) أي: عثمان بن صالح المتقدم ذكره، وإنكارهم على الإسناد.
(٧) ما بين المعقوفين من (عف) و(ح) و(حم).
(٨) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (نفس الموضع المتقدم ح ١٩٣٤). وفي سنده زمعة بن صالح: ضعيف والحديث الأول يقويه.
[ ٢ / ١٩٣ ]
(طريق أخرى) قال الإمام الحافظ خطيب دمشق أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني السعدي: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ عن نكاح المحَلّل، قال: "لا، إلا نكاح رغبة لا نكاح دلسة (^١)، ولا استهزاء بكتاب الله ثم يذوق عسيلتها" (^٢)، ويتقوى هذان الإسنادان بما رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن حميد، عن عبد الرحمن، عن موسى بن أبي الفرات، عن عمرو بن دينار، عن النبي ﷺ بنحوه من هذا (^٣)، فيتقوى كل من هذا المرسل والذي قبله بالآخر، والله أعلم.
(الحديث السادس): عن أبي هريرة ﵁. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا عبد الله هو ابن جعفر، عن عثمان بن محمد المقبري، عن أبي هريرة قال: لعن رسول الله ﷺ المحَلِّل والمحَلَّل له (^٤).
وهكذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني البيهقي من طريق عبد الله بن جعفر القرشي (^٥).
وقد وثقه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وغيرهم، وأخرج له مسلم في صحيحه عن عثمان بن محمد الأخنسي وثقه ابن معين، عن سعيد المقبري وهو متفق عليه.
(الحديث السابع): عن ابن عمر ﵁. قال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا محمد بن إسحاق الصنغاني، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا أبو غسان (^٦) محمد بن مطرف المدني، عن عمر بن نافع، عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثًا فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليحلها لأخيه، هل تحل للأول؟ فقال: لا إلا نكاح رغبة كنا نعد هذا سفاحًا على عهد رسول الله ﷺ، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٧).
وقد رواه الثوري عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر به، وهذه الصيغة مشعرة بالرفع وهكذا روى أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني وحرب الكرماني وأبو بكر الأثرم من حديث الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن قبيصة بن جابر، عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحَلّل ولا محَلَّل له إلا رجمتهما (^٨).
وروى البيهقي من حديث ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن سليمان بن يسار، أن عثمان بن
_________________
(١) أي نكاح خفاء، والتدليس: إخفاء العيب (النهاية لابن الأثير ٢/ ١٣٠).
(٢) في سنده: داود بن الحصين: ثقة إلا في عكرمة (التقريب ص ١٩٨)، وأخرجه الطبراني من طريق داود به (المعجم الكبير ١١/ ٢٢٦).
(٣) المصنف، النكاح، باب في الرجل يطلق امرأته .. ٤/ ٢٩٥.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٤/ ٤٢ (ح ٨٢٨٧) وحسنه محققوه.
(٥) المصنف، النكاح ٤/ ٢٩٦، والسنن الكبرى ٧/ ٢٠٨.
(٦) في الأصل وفي (عف) و(حم): "أبو يمان" والتصويب المثبت من ترجمته، كما في (التقريب ص ٥٠٦).
(٧) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه (المستدرك ٢/ ١٩٩).
(٨) أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي معاوية عن الأعمش به (المصنف ٤/ ٢٩٤).
[ ٢ / ١٩٤ ]
عفان رفع إليه رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها ففرق بينهما (^١). وكذا روي عن علي وابن عباس وغير واحد من الصحابة ﵃.
وقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ هو أي: الزوج الثاني بعد الدخول بها ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ أي: المرأة والزوج الأول ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ أي: يتعاشرا بالمعروف [قال مجاهد: إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة] (^٢) (^٣).
﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: شرائعه وأحكامه ﴿يُبَيِّنُهَا﴾ أي: يوضحها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
وقد اختلف الأئمة ﵏ فيما إذا طلَّق الرجل امرأته طلقة أو طلقتين وتركها حتى انقضت عدتها، ثم تزوجت بآخر، فدخل بها ثم طلقها فانقضت عدتها، ثم تزوجها الأول، هل تعود إليه ما بقي من الثلاث، كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وهو قول طائفة من الصحابة ﵃، أو يكون الزوج الثاني قد هدم ما قبله من الطلاق، فإذا عادت إلى الأول تعود بمجموع الثلاث، كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵏، وحجتهم أن الزوج الثاني إذا هدم الثلاث فلأن يهدم ما دونها بطريق الأولى والأحرى، والله أعلم.
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾.
هذا أمر من الله ﷿ للرجال، إذا طلق أحدهم المرأة طلاقًا له عليها فيه رجعة، أن يحسن في أمرها إذا انقضت عدتها، ولم يبق منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رجعتها، فإما أن يمسكها، أي: يرتجعها إلى عصمة نكاحه، بمعروف وهو أن يشهد على رجعتها، وينوي عشرتها بالمعروف، أو يسرحها، أي: يتركها حتى تنقضي عدتها ويخرجها من منزله بالتي هي أحسن، من غير شنآن ولا مخاصمة ولا تقابح، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾، قال ابن عباس، ومجاهد ومسروق والحسن وقتادة والضحاك والربيع ومقاتل بن حيان وغير واحد: كان الرجل يطلق المرأة، فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها، ضرارًا لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها فتعتد، فإذا شارفت على انقضاء العدة طلق لتطول عليها العدة، فنهاهم الله عن ذلك، وتوعدهم عليه، فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [أي: بمخالفته أمر الله تعالى (^٤)] (^٥).
_________________
(١) أخرجه البيهقي من طريق ابن لهيعة به (السنن الكبرى ٧/ ٢٠٨).
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح).
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.
(٥) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، ويتقوى بأقوال التابعين فقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند لم يصرح باسم شيخه، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه، وقول مقاتل بن حيان أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عنه.
[ ٢ / ١٩٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ قال ابن جرير عند هذه الآية: أخبرنا أبو كريب، أخبرنا إسحاق بن منصور، عن عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن أبي العلاء الأودي، عن حميد بن الرحمن، عن أبي موسى، أن رسول الله ﷺ غضب على الأشعريين، فأتاه أبو موسى قال: يا رسول الله، أغضبت على الأشعريين؟ فقال: "يقول أحدكم: قد طلقت، قد راجعت، ليس هذا طلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قُبل عدتها" (^١)، ثم رواه من وجه آخر عن أبي خالد الدالاني (^٢) وهو: يزيد بن عبد الرحمن (^٣)، وفيه كلام (^٤). وقال مسروق: هو الذي يطلق في غير كنهه (^٥)، ويضار امرأته بطلاقها وارتجاعها لتطول عليها العدة (^٦)، وقال الحسن وقتادة وعطاء الخراساني والربيع ومقاتل بن حيان: هو الرجل يطلق ويقول: كنت لاعبًا، أو يعتق أو ينكح ويقول: كنت لاعبًا، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فألزم الله بذلك (^٧).
وقال ابن مردويه: حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا أبو أحمد الصيرفي، حدثني جعفر بن محمد السمسار، عن إسماعيل بن يحيى، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: طلق رجل امرأته وهو يلعب لا يريد الطلاق، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فألزمه رسول الله ﷺ الطلاق (^٨).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عصام بن رواد، حدثنا آدم، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن هو: البصري، قال: كان الرجل يطلق ويقول: كنت لاعبًا ويعتق وبقول: كنت لاعبًا، وينكح ويقول: كنت لاعبًا، فأنزل الله ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، وقال رسول الله ﷺ: "من طلق أو أعتق أو نكح أو أنكح، جادًا أو لاعبًا، فقد جاز عليه" (^٩)، وكذا رواه ابن جرير من طريق الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن مثله (^١٠)، وهذا مرسل، وقد رواه ابن مردويه، عن طريق عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن أبي الدرداء موقوفًا عليه (^١١). وقال أيضًا: حدثنا أحمد بن الحسن بن أيوب، حدثنا يعقوب بن أبي يعقوب، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سلمة، عن الحسن، عن عُبادة بن الصامت في قول الله تعالى: ﴿وَلَا
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وصححه أحمد شاكر.
(٢) في الأصل: "الدلال" والتصويب من (عف) و(حم) والتخريج.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه.
(٤) وثقه الإمام أحمد وابن معين وأبو داود ويعقوب بن سفيان والدارقطني وابن حبان (تهذيب التهذيب ١١/ ٣٤٧).
(٥) أي غير جاد بالطلاق.
(٦) أخرجه الطبري بنحوه بسند حسن من طريق أبي الضُحى عنه.
(٧) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول الحسن أخرجه الطبري بسنده حسن من طريق أبي رجاء عنه وهو مرسل يتقوى بالمراسيل التالية، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.
(٨) في سنده: إسماعيل بن يححص بن عبيد الله كذاب وضاع (لسان الميزان ١/ ٤٤٢) فسنده ضعيف جدًّا.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وهو مرسل.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وهو مرسل.
(١١) في سنده عمرو بن عبيد فيه مقال (التقريب ٤٢٤).
[ ٢ / ١٩٦ ]
تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾. قال: كان الرجل على عهد النبي ﷺ يقول للرجل: زوجتك ابنتي ثم يقول: كنت لاعبًا، ويقول: قد أعتقت، ويقول: كنت لاعبًا، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، قال رسول الله ﷺ: "ثلاث من قالهن لاعبًا أو غير لاعب، فهن جائزات عليه: الطلاق والعتاق والنكاح" (^١)، والمشهور في هذا الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن حبيب بن أدرك عن عطاء، عن ابن ماهك، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث جدهنَّ جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة"، وقال الترمذي: حسن غريب (^٢).
وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي: في إرساله الرسول بالهدى والبينات إليكم ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ أي: السنة ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي: يأمركم وينهاكم ويتوعدكم على ارتكاب المحارم، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي فيما تأتون وفيما تذرون، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: فلا يخفى عليه شيء من أموركم السرية والجهرية وسيجازيكم على ذلك.
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾.
قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثم يبدو له أن يتزوجها وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها (^٣). وكذا روى العوفي عنه عن ابن عباس أيضًا (^٤)، وكذا قال مسروق وإبراهيم النخعي والزهري والضحاك: إنها أنزلت في ذلك (^٥)، وهذا الذي قالوه ظاهر من الآية، وفيها دلالة على أن المرأة لا تملك أن تزوج نفسها (^٦)، وأنه لا بدّ في النكاح (^٧) من ولي، كما قاله الترمذي وابن جرير عند هذه الآية، كما جاء في الحديث: "لا تزوج المرأةُ المرأةَ، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها" (^٨)، وفي الأثر الآخر: "لا نكاح إلا بولي
_________________
(١) في سنده الحسن البصري لم يسمع من عُبادة، فالإسناد ضعيف ويشهد لبعضه الحديث الآتي.
(٢) سنن أبي داود، الطلاق، باب في الطلاق على الهزل (ح ٢١٩٤)، وسنن الترمذي، الطلاق، باب ما جاء في الجد والهزل في الطلاق (ح ١١٨٤)، وسنن ابن ماجه، الطلاق، باب من طلق أو نكح أو راجع لاهيًا (ح ٢٠٣٩)، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٦٥٨)، وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرحمن بن حبيب به، وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي بأن عبد الرحمن بن حبيب بن أدرك فيه لين (المستدرك ٢/ ١٩٨) وقال عنه الحافظ ابن حجر: مقبول (التقريب ص ٣٣٨)، وحسنه الحافظ ابن حجر (التلخيص الحبير ٣/ ٢١٠)، والسيوطي في الجامع الصغير ٣/ ٣٠٠ (ح ٣٤٥١).
(٣) أخرجه الطبري بسنده الثابت عنه بلفظه.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عنه ويتقوى بسابقه.
(٥) قول مسروق أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي الضحى عنه، وقول الزهري أخرجه الطبري بسند حسن عن الزهري، وقول إبراهيم النخعي والضحاك أخرجهما بإسنادين فيهما ضعف ويتقويان بسابقهما.
(٦) في الأصل: "لا تملك نفسها" والمثبت من (عف) و(حم) و(ح).
(٧) كذا في الأصل وفي (عف): "تزويجها" وكلاهما صحيح.
(٨) لم أجده في تفسير الطبري ولا في سنن الترمذي، وقد أخرجه الدارقطني، السنن ٣/ ٢٢٧، وصحح الألباني =
[ ٢ / ١٩٧ ]
مرشد وشاهدي عدل" (^١)، وفي هذه المسألة نزاع بين العلماء، محرر في موضعه من كتب الفروع، وقد قررنا ذلك في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة.
وقد روي أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار المزني وأخته، فقال البخاري ﵀ في كتابه الصحيح عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو عامر العقدي (^٢)، حدثنا عباد بن راشد، حدثنا الحسن، قال: حدثني معقل بن يسار، قال: كانت لي أخت تخطب إليّ، قال البخاري: وقال إبراهيم: عن يونس، عن الحسن، حدثني معقل بن يسار، وحدثنا أبو معمر، وحدثنا عبد الوارث، حدثنا يونس، عن الحسن، أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها، فتركها حتى انقضت عدتها فخطبها، فأبى معقل، فنزلت: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (^٣).
وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه من طرق متعددة عن الحسن، عن معقل بن يسار به، وصححه الترمذي أيضًا (^٤)، ولفظه عن معقل بن يسار، أنه زوج أخته رجلًا من المسلمين، على عهد رسول الله ﷺ فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت عدتها، فهويها وهويته، ثم خطبها مع الخطاب، فقال له: يا لكع! أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبدًا آخر ما عليك، قال: فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فلما سمعها معقل قال: سمع لربي وطاعة ثم دعاه، فقال: أزوجك وأكرمك. زاد ابن مردويه: وكفرت عن يميني (^٥).
وروى ابن جرير، عن ابن جريج، قال: هي جُمْل بنت يسار، كانت تحت أبي البداح (^٦).
وقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق السبيعي، قال: هي فاطمة بنت يسار. وهكذا ذكر غير واحد من السلف، أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار وأخته.
وقال السدي: نزلت في جابر بن عبد الله وابنة عمٍّ له، والصحيح الأول، والله أعلم (^٧).
وقوله: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: هذا الذي نهيناكم عنه من منع الولايا أن يتزوجن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف يأتمر به، ويتعظ به، وينفعل له ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ﴾ أيها الناس ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: يؤمن بشرع الله، ويخاف وعيد الله وعذابه،
_________________
(١) = شطره الأول دون: فإن الزانية (إرواء الغليل ٦/ ٢٤٨ ح ١٨٤١).
(٢) أخرجه الشافعي بسنده عن ابن عباس موقوفًا (الأم ٥/ ٢٢) وصححه الألباني موقوفًا وضعفه مرفوعًا (إرواء الغليل ٦/ ٢٥١ ح ١٨٤٥).
(٣) في الأصل: "العبدي" والتصويب من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.
(٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ …﴾ [البقرة: ٢٣١] ح ٢٥٢٩).
(٥) سنن أبي داود النكاح، باب في العضل (ح ٢٠٨٧)، وسنن الترمذي، التفسير (ح ٢٩٨١)، وتفسير ابن أبي حاتم والطبري.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده منقطع، لأن ابن جريج لم يدرك عهد الصحابة.
(٧) سنده منقطع لأن أبا إسحاق السبيعي يصرح باسم شيخه.
(٨) سنده منقطع لأن السدي لم يدرك جابر بن عبد الله.
[ ٢ / ١٩٨ ]
في الدار الآخرة، وما فيها من الجزاء ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أي: اتباعكم شرع الله، في ردِّ الموليات إلى أزواجهن، وترك الحميّة في ذلك أزكى لكم وأطهر لقلوبكم ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أي: من المصالح، فيما يأمر به وينهى عنه ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: الخيرة فيما تأتون، ولا فيما تذرون.
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾.
هذا إرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة، وهي سنتان فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك، ولهذا قال: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ وذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يحرم من الرضاعة إلا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود وعمره فوقهما لم يحرم.
قال الترمذي: (باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين) حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أُم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام" هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم، أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين، فإنه لا يحرم شيئًا (^١) وفاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام، وهي امرأة هشام بن عروة.
(قلت): تفرد الترمذي برواية هذا الحديث ورجاله على شرط الصحيحين، ومعنى قوله: "إلا ما كان في الثدي" أي: في محال الرضاعة قبل الحولين، كما جاء في الحديث الذي رواه أحمد عن وكيع وغندر، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال: لما مات إبراهيم بن النبي ﷺ، قال: " [إن ابني مات في الثدي] (^٢) إن له مرضعًا في الجنة" (^٣)، وهكذا أخرجه البخاري من حديث شعبة (^٤) وأنما قال ﵇ ذلك، لأن ابنه إبراهيم ﵇ مات وله سنة وعشرة أشهر، فقال: أن له مرضعًا، يعني تكمل رضاعه، ويؤيده ما رواه الدارقطني من طريق الهيثم بن جميل، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين" ثم قال: ولم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ (^٥).
_________________
(١) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه ونقده، السنن، الرضاع، باب ما جاء ما ذكر أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين (ح ١١٥٢).
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.
(٣) المسند ٤/ ٣٠٠.
(٤) صحيح البخاري، الجنائز، باب ما قيل في أولاد المسلمين (ح ١٣٨٢).
(٥) السنن ٤/ ١٧٤.
[ ٢ / ١٩٩ ]
(قلت): وقد رواه الإمام مالك في الموطأ عن ثور بن يزيد، عن ابن عباس موقوفًا (^١) ورواه الدراوردي، عن ثور، عن عكرمة، عن ابن عباس، وزاد: "وما كان بعد الحولين فليس بشيء" (^٢) وهذا أصح.
وقال أبو داود الطيالسي: عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا رضاع بعد فصال، ولا يُتم بعد احتلام" (^٣)، وتمام الدلالة من هذا الحديث في قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، وقال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] والقول بأن الرضاعة لا تحرم بعد الحولين، يروى عن علي وابن عباس وابن مسعود وجابر وأبي هريرة وابن عمر وأُم سلمة وسعيد بن المسيب وعطاء والجمهور، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق والثوري وأبي يوسف ومحمد ومالك في رواية، وعنه: أن مدته سنتان وشهران، وفي رواية: وثلاثة أشهر. وقال أبو حنيفة: سنتان وستة أشهر. وقال زفر بن الهذيل: ما دام يرضع فإلى ثلاث سنين، وهذا رواية عن الأوزاعي، قال مالك: ولو فطم الصبي دون الحولين، فأرضعته امرأة بعد فصاله، لم يحرم لأنه قد صار بمنزلة الطعام، وهو رواية عن الأوزاعي، وقد روي عن عمر وعلي أنهما قالا: لا رضاع بعد فصال، فيحتمل أنهما أرادا الحولين، كقول الجمهور: سواء فطم أو لم يفطم ويحتمل أنهما أرادا الفعل كقول مالك، والله أعلم.
وقد روي في الصحيحين عن عائشة ﵂، أنها كانت ترى رضاع الكبير يؤثر في التحريم (^٤)، وهو قول عطاء بن أبي رباح والليث بن سعد، وكانت عائشة تأمر بمن تختار أن يدخل عليها من الرجال لبعض نسائها، فترضعه، وتحتج في ذلك بحديث سالم مولى أبي حذيفة حيث أمر النبي ﷺ امرأة أبي حذيفة أن ترضعه وكان كبيرًا، فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة، وأبى ذلك سائر أزواج النبي ﷺ، ورأين ذلك من الخصائص (^٥)، وهو قول الجمهور، وحجة الجمهور وهم الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، والأكابر من الصحابة، وسائر أزواج رسول الله ﷺ، سوى عائشة ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "انظرن مَن إخوانكم فإنما الرضاعة من المجاعة" (^٦)، وسيأتي الكلام على مسائل
_________________
(١) في الأصل مرفوعًا، والتصويب من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.
(٢) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه، الموطأ، الرضاع، باب رضاعة الصغير (ح ٤)، وثور لم يلق ابن عباس، والواسطة عكرمة كما في رواية الدراوردي التالية.
(٣) أخرجه أبو داود الطيالسي من طريق حرام بن عثمان عن أبي عتيق عن جابر، وأخرجه عن اليمان أبي حذيفة عن أبي عبس عن جابر (المسند ص ٢٤٣ ح ١٧٦٧) وكلا الطريقين ضعيف بسبب حرام واليمان كلاهما ضعيف. انظر: التقريب ٦١٠، ونصب الراية ٣/ ٢١٩، وللشطر الثاني شواهد يتقوى بها.
(٤) صحيح البخاري، النكاح، باب من قال: لا رضاع بعد حولين (ح ٥١٠٢)، وصحيح مسلم، الرضاع، باب إنما الرضاعة من المجاعة (ح ١٤٥٥).
(٥) أخرجه مسلم عن ام سلمة كانت تقول: أبى سائر أزواج النبي ﷺ أن يدخلن عليهن أحدًا بتلك الرضاعة. وقلن لعائشة: والله ما هذه إلا رخصة أرخصها رسول الله ﷺ لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة (الصحيح، الرضاع، باب رضاعة الكبير ح ١٤٥٤.
(٦) تقدم تخريجه في الحديث قبل السابق.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
الرْضاع وفيما يتعلق برضاع الكبير، عن قول تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
وقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي بما جرت به عادة أمثالهنَّ من غير إسراف ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره، وتوسطه وإقتاره، كما قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [الطلاق] قال الضحاك: إذا طلق زوجته وله منها ولد، فأرضعت له ولده، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف (^١).
وقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ أي: بأن تدفعه عنها لتضر أباه بتربيته، ولكن ليس لها دفعه إذا ولدته حتى تستقيه اللبن الذي لا يعيش بدون تناوله غالبًا، ثم بعد هذا لها دفعه عنها إذا شاءت، ولكن إن كانت مضارة لأبيه، فلا يحلّ لها ذلك، كما لا يحلّ له انتزاعه منها لمجرد الضرار لها، ولهذا قال: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ أي: بأن يريد أن ينتزع الولد منها إضرارًا بها، قاله مجاهد وقتادة والضحاك والزهري والسدي والثوري وابن زيد (^٢) وغيرهم.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قيل: في عدم الضرار لقريبه، قاله مجاهد والشعبي والضحاك (^٣)، وقيل: عليه مثل ما على والد الطفل من الإنفاق على والدة الطفل والقيام بحقوقها وعدم الإضرار بها، وهو قول الجمهور، وقد استقصى (^٤) ذلك ابن جرير في تفسيره، وقد استدل بذلك من ذهب من الحنفية والحنبلية إلى وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وجمهور السلف، ويرشح ذلك بحديث الحسن عن سمرة مرفوعًا: "من ملك ذا رحم محرم، عتق عليه" (^٥)، وقد ذكر أن الرضاعة بعد الحولين ربما ضرت الولد إما في بدنه أو في عقله.
وقال سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: أنه رأى امرأة ترضع بعد الحولين، فقال: لا ترضعيه (^٦).
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.
(٢) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر، وقول الزهري أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عُقيل عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.
(٣) قول مجاهد أخرجه الثوري في تفسيره من طريق عيسى بن ميمون عنه، وقول الشعبي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عاصم الأحول عنه، وقول الضحاك أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح من طريق علي بن الحكم عنه (المصنف ٥/ ٢٤٥).
(٤) في الأصل ذكر ذلك، والتصويب من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.
(٥) أخرجه أبو داود (السنن، العتق، باب فيمن ملك ذا رحم ح ٣٩٤٩)، والترمذي (السنن، الأحكام، باب ما جاء فيمن ملك ذا رحم محرَم ح ١٣٦٥). وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مسندًا إلا من حديث حماد بن سلمة … وقد روي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "من ملك ذا رحم فهو حر" رواه ضمرة بن ربيعة عن الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ، ولم يتابع ضمرة على هذا الحديث. وهو حديث خطأ عند أهل الحديث (المصدر السابق).
(٦) سنده صحيح.
[ ٢ / ٢٠١ ]
وقوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي: فإن اتفق والدا الطفل على فطامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك وأجمعا عليه، فلا جناح عليهما في ذلك، فيؤخذ منه أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد بذلك من غير مشاورة الآخر، قاله الثوري وغيره، وهذا فيه احتياط للطفل وإلزام للنظر في أمره، وهو من رحمة الله بعباده حيث حجر على الوالدين في تربية طفلهما، وأرشدهما إلى ما يصلحهما ويصلحه، كما قال في سورة الطلاق: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦].
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يستلم منها الولد إما لعذر منها أو العذر له، فلا جناح عليهما في بذله، ولا عليه في قبوله منها إذا سلمها أجرتها الماضية بالتي هي أحسن، واسترضع لولده غيرها بالأجرة بالمعروف، قاله غير واحد. وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أحوالكم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم وأقوالكم.
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾.
هذا أمر من الله للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن، أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال، وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإجماع، ومستنده في غير المدخول بها عموم الآية الكريمة، وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي: أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة فمات عنها، ولم يدخل بها ولم يفرض لها، فترددوا إليه شهرًا في ذلك، فقال أقول فيها برأيي، فإن يك صوابًا فمن الله، وإن يك خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه: لها الصداق كاملًا، وفي لفظ: لها صداق مثلها لا وكس ولا شطط (^١)، وعليها العدة، ولها الميراث، فقام معقل بن يسار الأشجعي فقال: سمعت رسول الله ﷺ، قضى به في بروع بنت واشق، ففرح عبد الله بذلك فرحًا شديدًا (^٢).
وفي رواية: فقام رجال من أشجع فقالوا: نشهد أن رسول الله ﷺ قضى به في بروع بنت واشق (^٣)، ولا يخرج من ذلك إلا المتوفى عنها زوجها، وهي حامل، فإن عدتها بوضع الحمل ولو لم تمكث بعده سوى لحظة لعموم قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وكان ابن عباس يرى أن عليها أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع، أو أربعة أشهر وعشر
_________________
(١) أي لا نقص ولا ظلم.
(٢) أخرجه أحمد (المسند ٤/ ٢٨٠)، وأبو داود (السنن، النكاح، باب فيمن تزوج ولم يسم صداقًا حتى مات ح ٢١١٤٦)، والترمذي (السنن، النكاح، باب ما جاء في الرجل يتزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يفرض لها ح ١١٤٥)، وابن ماجه (السنن، النكاح، باب الرجل يتزوج ولا يفرض لها فيموت على ذلك ح ١٨٩١)، وصححه الترمذي، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٥٣٤).
(٣) هذه الرواية في المسند (ح ٤٠٩٩)، وفي سنن أبي داود، الموضع السابق.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
للجمع بين الآيتين، وهذا مأخذ جيد ومسلك قوي، لولا ما ثبتت به السنة في حديث سَبيعة الأسلمية المخرج في الصحيحين من غير وجه، أنها توفي عنها زوجها سعد بن خولة وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، وفي رواية: فوضعت حملها بعده بليال، فلما تعلت (^١) من نفاسها، تجملت للخُطّاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك، فقال لها: ما لي أراك متجملة لعلك ترجين النكاح؟ والله ما أنت بناكح حتى يمرّ عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سَبيعة: فلما قال لي ذلك، جمعت عليَّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي (^٢). قال أبو عمر بن عبد البر: وقد روي أن ابن عباس رجع إلى حديث سَبيعة، يعني لما احتج عليه به، قال: ويصحح ذلك عنه، أن أصحابه أفتوا بحديث سَبيعة، كما هو قول أهل العلم قاطبة.
وكذلك يستثنى من ذلك الزوجة إذا كانت أمة، فإن عدتها على النصف من عدة الحرة، شهران وخمس ليال على قول الجمهور، لأنها لما كانت على النصف من الحرة في الحد، فكذلك فلتكن على النصف منها في العدة. ومن العلماء كمحمد بن سيرين وبعض الظاهرية من يسوي بين الزوجات الحرائر والإماء في هذا المقام لعموم الآية، ولأن العدة من باب الأمور الجبلية التي تستوي فيها الخليقة.
وقد ذكر سعيد بن المسيب، وأبو العالية (^٣) وغيرهما، أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا، لاحتمال اشتمال الرحم على حمل، فإذا انتظر به هذه المدة، ظهر إن كان موجودًا، كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وغيرهما: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة (^٤)، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فينفح فيه الروح" (^٥)، فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر، والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض الشهور، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه، والله أعلم.
قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: سألت سعيد بن المسيب: ما بال العشر؟ قال: فيه ينفخ الروح (^٦).
وقال الربيع بن أنس: قلت لأبي العالية: لمَ صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة؟ قال: لأنه ينفخ فيه الروح (^٧)، رواهما ابن جرير، ومن ههنا ذهب الإمام أحمد في رواية عنه إلى أن عدة أُم الولد عدة الحرة ههنا، لأنها صارت فراشًا كالحرائر، وللحديث الذي رواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذؤيب،
_________________
(١) أي انتهت من نفاسها.
(٢) صحيح البخاري، الطلاق، باب ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [الطلاق: ٤] (ح ٥٣١٨ - ٥٣٢٠)، وصحيح مسلم، الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها (ح ١٤٨٤).
(٣) سيأتي نصهما بعد حديث ابن مسعود التالي.
(٤) لفظ: "نطفة" سقط من الأصل.
(٥) صحيح البخاري، بدء الخلق (ح ٣٢٠٨)، وصحيح مسلم، القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أُمه (ح ٢٦٤٣).
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سُنيد عن أبي عاصم عن سعيد بن أبي عروبة به.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع به.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
عن عمرو بن العاص أنه قال: لا تلبِّسوا علينا سنة نبينا، عدة أُم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر (^١).
ورواه أبو داود عن قتيبة (^٢)، عن غُندُر، وعن ابن المثنى، عن عبد الأعلى، وابن ماجه عن علي بن محمد، عن وكيع، ثلاثتهم عن سعيد بن أبي عروبة، عن مطر الوراق، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة، عن عمرو بن العاص … فذكره (^٣). وقد روي عن الإمام أحمد أنه أنكر هذا الحديث، وقيل: إن قبيصة لم يسمع عَمرًا، وقد ذهب إلى القول بهذا الحديث طائفة من السلف، منهم سعيد بن المسيب ومجاهد وسعيد بن جبير، والحسن وابن سيرين وأبو عياض والزهري وعمر بن عبد العزيز، وبه كان يأمر يزيد بن عبد الملك بن مروان، وهو أمير المؤمنين، وبه يقول الأوزاعي وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل في رواية عنه.
وقال طاوس وقتادة: عدة أُم الولد إذا توفي عنها سيدها نصف عدة الحرة شهران وخمس ليال.
وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري والحسن بن صالح بن حي: تعتد بثلاث حيض، وهو قول علي وابن مسعود وعطاء وإبراهيم النخعي.
وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه: عدتها حيضة، وبه يقول ابن عمر والشعبي ومكحول والليث وأبو عبيد وأبو ثور والجمهور.
وقال الليث: ولو مات وهي حائض، أجزأتها.
وقال مالك: فلو كانت ممن لا تحيض، فثلاثة أشهر.
وقال الشافعي والجمهور: شهر وثلاثة أحب إليّ، والله أعلم.
وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير﴾ يستفاد من هذا وجوب الإحداد على المتوفى عنها زوجها مدة عدتها لما ثبت في الصحيحين عن غير وجه [عن أُم حبيبة وزينب بنت جحش أم المؤمنين] (^٤) أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" (^٥)، وفي الصحيحين أيضًا عن أُم سلمة أن امرأة قالت: يا رسول الله، إني ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال: "لا" كل ذلك يقول: "لا" مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: "إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكم في الجاهلية تمكث سنة" قالت زينب بنت
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٠٣) وقد حكم عليه الحافظ ابن كثير والصحيح وقفه قال البيهقي: الموقوف أصح (السنن الكبرى ٧/ ٤٤٧).
(٢) في الأصل: "حذيفة" والتصويب من (عف) و(حم) والتخريج.
(٣) سنن أبي داود، الطلاق، باب في عدة أم الولد (ح ٢٣٠٨)، وسنن ابن ماجه، الطلاق، باب عدة أم الولد (ح ٢٠٨٣).
(٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) والتخريج.
(٥) صحيح البخاري، الطلاق، باب عدة المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرًا (ح ٥٣٣٤ - ٥٣٣٧)، وصحيح مسلم، الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زواجها (ح ١٤٨٦ و١٤٨٨).
[ ٢ / ٢٠٤ ]
أُم سلمة: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها، دخلت حفشًا ولبست شر ثيابها، ولم تمسَ طيبًا ولا شيئًا حتى تمر بها سنة، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض به (^١). فقلما تفتض بشيء إلا مات (^٢).
ومن ههنا ذهب كثيرون من العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة للآية التي بعدها، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] الآية، كما قاله ابن عباس وغيره، وفي هذا نظر كما سيأتي تقريره.
والغرض أن الإحداد هو عبارة عن ترك الزينة من الطيب ولبس ما يدعوها إلى الأزواج من ثياب وحلي وغير ذلك، وهو واجب في عدة (^٣) الوفاة قولًا واحدًا، ولا يجب في عدة الرجعية قولًا واحدًا، وهل يجب في عدة البائن فيه قولان. ويجب الإحداد على جميع الزوجات المتوفى عنهن أزواجهن، سواء في ذلك الصغيرة والآيسة والحرة والأمة والمسلمة والكافرة، لعموم الآية، وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا إحداد على الكافرة، وبه يقول أشهب وابن نافع من أصحاب مالك، وحجة قائل هذه المقالة قوله ﷺ: "لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" (^٤) قالوا: فجعله تعبدًا، وألحق أبو حنيفة وأصحابه والثوري الصغيرة بها لعدم التكليف، وألحق أبو حنيفة وأصحابه الأَمةَ المسلمة لنقصها، ومحل تقرير ذلك كله في كتب الأحكام والفروع، والله الموفق للصواب.
[وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: انقضت عدتهن، قاله الضحاك والربيع بن أنس (^٥).
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ قال الزهري: أي على أوليائها. ﴿فِيمَا فَعَلْنَ﴾ يعني النساء اللاتي انقضت عدتهم، قال العوفي عن ابن عباس: إذا طلقت المرأة أو مات عنها زوجها، فإذا انقضت عدتها فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزويج، فذلك المعروف (^٦)، وروي عن مقاتل بن حيان نحوه، وقال ابن جريج عن مجاهد ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: النكاح الحلال الطيب (^٧)، وروي عن الحسن والزهري والسدي ونحو ذلك (^٨)] (^٩).
_________________
(١) قال ابن الأثير: أي تكسير ما هي فيه من العدة بأن تأخذ طائرًا فتمسح به فرجها وتنبذه فلا يكاد يعيش (النهاية ٣/ ٤٥٤).
(٢) سبق تخريجه في الصفحة السابقة حاشية رقم (٥).
(٣) في الأصل: "هذه" والتصويب من (عف) و(مح) و(حم) و(ح).
(٤) تقدم عزوه في الحديث السابق.
(٥) قول الضحاك أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول الربيع ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سفيان الثوري عن ابن جريج به، وأخرجه الطبري من طريق سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وسنده صحيح.
(٨) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول الزهري والسدي أخرجهما الطبري بسند حسن عن كل واحد منهما.
(٩) ما بين معقوفين سقط واستدرك من (عف) و(ح) و(مح).
[ ٢ / ٢٠٥ ]
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾.
يقول تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أن تعرضوا بخطبة النساء في عدتهن من وفاة أزواجهن من غير تصريح، قال الثوري وشعبة وجرير وغيرهم، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس: في قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ قال: التعريض أن يقول: إني أريد التزويج، وإني أحب امرأة من أمرها ومن أمرها - يعرض لها بالقول بالمعروف (^١) - وفي رواية: وددت أن الله رزقني امرأة، ونحو هذا، ولا ينصب للخطبة، وفي رواية: إني لا أريد أن أتزوج غيرك إن شاء الله، ولوددت أني وجدت امرأة صالحة، ولا ينصب لها ما دامت في عدتها (^٢). ورواه البخاري تعليقًا فقال: وقال لي طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ هو أن يقول: إني أريد التزويج، وإن النساء لمن حاجتي، ولوددت أن ييسر لي امرأة صالحة (^٣)، وهكذا قال مجاهد وطاوس وعكرمة وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والشعبي والحسن وقتادة والزهري ويزيد بن قسيط ومقاتل بن حيان والقاسم بن محمد (^٤) وغير واحد من السلف والأئمة في التعريض: إنه يجوز للمتوفى عنها زوجها من غير تصريح لها (^٥) بالخطبة، وهكذا حكم المطلقة المبتوتة يجوز التعريض لها، كما قال النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات، فأمرها أن تعتد في بيت ابن أُم مكتوم، وقال لها: فإذا حللت فآذنييني، فلما حلت، خطب عليها أُسامة بن زيد مولاه، فزوجها إياه (^٦).
فأما المطلقة الرجعية فلا خلاف في أنه لا يجوز لغير زوجها التصريح بخطبتها ولا التعريض لها، والله أعلم.
وقوله: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: أضمرتم في أنفسكم من (^٧) خطبتهن، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩)﴾ [القصص] وكقوله: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١]، ولهذا قال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أي: في أنفسكم، فرفع الحرج عنكم في ذلك.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة عن جرير بن عبد الحميد عن منصور، وهو ابن عباد الناجي عن مجاهد عن ابن عباس (المصنف ٤/ ٢٥٧) وسنده حسن.
(٢) أخرجه عبد الرزاق عن منصور به (المصنف ١٢١٥٤)، وسنده حسن.
(٣) صحيح البخاري، النكاح، باب قول الله ﷿: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ …﴾ [البقرة: ٢٣٥] (ح ٥١٢٤). وهذا الموقوف قد روي نحوه مرفوعًا كما سيأتي في حديث فاطمة بنت قيس الآتي والشاهد فيه: "فإذا حللت فآذنينى".
(٤) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٥) لفظ: "لها" سقط من الأصل وأثبت من (عف) و(مح) و(ح).
(٦) أخرجه مسلم، الصحيح، الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها (ح ١٤٨٠).
(٧) لفظ: "من" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(مح).
[ ٢ / ٢٠٦ ]
ثم قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ قال أبو مِجلز وأبو الشعثاء جابر بن زيد والحسن البصري وإبراهيم النخعي وقتادة والضحاك والربيع بن أنس وسليمان التيمي ومقاتل بن حيان والسدي: يعني الزنا (^١)، وهو معنى رواية العوفي عن ابن عباس (^٢)، واختاره ابن جرير (^٣).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ لا تقل لها: إني عاشق وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، ونحو هذا (^٤)، وكذا روي عن سعيد بن جبير والشعبي وعكرمة وأبي الضحى والضحاك والزهري ومجاهد والثوري، هو أن يأخذ ميثاقها أن لا تتزوج غيره.
وعن مجاهد: هو قول الرجل للمرأة: لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك (^٥).
وقال قتادة: هو أن يأخذ عهد المرأة وهي في عدتها أن لا تنكح غيره، فنهى الله عن ذلك، وقدم فيه وأحل الخطبة، والقول بالمعروف (^٦).
وقال ابن زيد: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ هو أن يتزوجها في العدة سرًا (^٧)، فإذا حلَّت أظهر ذلك (^٨)، وقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك، لهذا قال: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن عباس (^٩) ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي والثوري وابن زيد: يعني به ما تقدم من إباحة التعريض كقوله: إني فيك لراغب ونحو ذلك.
وقال محمد بن سيرين: قلت لعبيدة: ما معنى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾؟ قال: يقول لوليها: لا تسبقني بها، يعني: لا تزوجها حتى تعلمني، رواه ابن أبي حاتم (^١٠).
وقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ يعني: ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة. قال ابن عباس (^١١) ومجاهد والشعبي وقتادة والربيع بن أنس، وأبو مالك وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان والزهري وعطاء الخراساني والسدي والثوري والضحاك: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ يعني: ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة (^١٢).
_________________
(١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول أبي مجلز والحسن البصري فأخرجهما ابن أبي حاتم بسند صحيح، وقول إبراهيم النخعي أخرجه سفيان الثوري عن السدي عنه وسنده حسن، وقول أبي الشعثاء أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق صالح الدهان عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه (المصنف رقم ١٢١٦٨).
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف، ويشهد له ما سبق.
(٣) في الأصل: "ابن خزيمة" والتصويب من (عف) و(مح) و(ح) والتخريج.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي عروبة عنه.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه بنحوه.
(٨) لفظ: "سرًا" سقط من الأصل وأثبت من (عف) و(ح) والتخريج.
(٩) تقدم من طريق علي بن أبي طلحة.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الله بن عوف عن ابن سيرين.
(١١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس، وأخرجه الطبري من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، وكلا الإسنادين ضعيف ويشهد له الآثار وإجماع العلماء، كما قرر الحافظ ابن كثير.
(١٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في العدة. واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها، فدخل بها، فإنه يفرق بينهما، وهل تحرم عليه أبدًا؟ على قولين: الجمهور على أنها لا تحرم عليه، بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها.
وذهب الإمام مالك إلى أنها تحرم عليه على التأبيد، واحتج في ذلك بما رواه عن ابن شهاب وسليمان بن يسار، أن عمر ﵁، قال: أيما امرأة نكحت في عدتها، فإن كان زوجها الذي تزوج بها لم يدخل بها فرق بينهما، ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، [وكان خاطبًا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول] (^١) ثم اعتدت من الآخر، ثم لم ينكحها أبدًا (^٢). وقالوا: ومأخذ هذا أن الزوج لما استعجل ما أحل الله، عوقب بنقيض قصده، فحرمت عليه على التأبيد كالقاتل يحرم الميراث. وقد روى الشافعي هذا الأثر عن مالك. قال البيهقي: وذهب إليه في القديم ورجع عنه في الجديد، لقول علي أنها تحل له.
(قلت): قال: ثم هو منقطع عن عمر. وقد روى الثوري عن أشعث، عن الشعبي، عن مسروق، أن عمر رجع عن ذلك، وجعل لها مهرها وجعلهما يجتمعان (^٣).
وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾، توعدهم على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر، ثم لم يؤيسهم من رحمته، ولم يقنطهم من عائدته، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾.
أباح ﵎ طلاق المرأة بعد العقد عليها، وقبل الدخول بها. قال ابن عباس وطاوس وإبراهيم والحسن البصري: المس النكاح (^٤)، بل ويجوز أن يطلقها قبل الدخول بها والفرض لها، إن كانت مفوضة وإن كان في هذا إنكسار لقلبها، ولهذا أمر تعالى بإمتاعها وهو تعويضها عما فاتها بشيء تعطاه من زوجها بحسب حاله، على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره.
وقال سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أُمية، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: متعة الطلاق أعلاه الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة (^٥).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إن كان موسرًا متعها بخادم أو نحو (^٦) ذلك، وإن
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٢) الموطأ، النكاح، باب جامع ما لا يجوز من النكاح ٢/ ٥٣٦ (ح ٢٧)، وقد حكم عليه الحافظ ابن كثير بالانقطاع.
(٣) سنده حسن.
(٤) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وبقية الرواة ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق سفيان به (المصنف ٥/ ١٥٦) وسنده صحيح.
(٦) في الأصل: "شبه" وكلاهما مستقيم المعنى.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
كان معسرًا أمتعها بثلاثة أثواب (^١).
[وقال الشعبي: أوسط ذلك درع وخمار وملحفة وجلباب] (^٢)، قال: وكان شريح يمتع بخمسمائة (^٣).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، قال: كان يمتع بالخادم أو بالنفقة أو بالكسوة (^٤). قال: ومتع الحسن بن علي بعشرة آلاف، ويروى أن المرأة قالت: متاع قليل من حبيب مفارق (^٥).
وذهب أبو حنيفة إلى أنه متى تنازع الزوجان في مقدار المتعة وجب لها عليه نصف مهر مثلها.
وقال الشافعي في الجديد: لا يجبر الزوج على قدر معلوم إلا أقل ما يقع عليه اسم المتعة، وأحب ذلك إلي أن يكون أقله ما يجزئ فيه الصلاة. وقال في القديم: لا أعرف في المتعة وقتًا إلا إني أستحسن ثلاثين درهمًا، كما روي عن ابن عمر ﵄.
وقد اختلف العلماء أيضًا: هل تجب المتعة لكل مطلقة أو إنما تجب المتعة لغير المدخول بها التي لم يفرض لها؟ على أقوال:
(أحدها): أنها تجب المتعة لكل مطلقة لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة] ولقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ [الأحزاب] وقد كن مفروضًا لهن ومدخولًا بهن، وهذا قول سعيد بن جبير وأبي العالية والحسن البصري (^٦)، وهو أحد قولي الشافعي ومنهم من جعله الجديد الصحيح، والله أعلم.
(والقول الثاني): أنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس، وإن كانت مفروضًا لها، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب] قال شعبة وغيره، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: نسخت هذه الآية التي في الأحزاب الآيةَ التي في البقرة (^٧). وقد روى البخاري في صحيحه، عن سهل بن سعد وأبي أُسيد. أنهما قالا: تزوج رسول الله ﷺ أُميمة بنت سراحيل، فلما أدخلت عليه، بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أُسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين (^٨).
(القول الثالث): أن المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها، فإن كان قد
_________________
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.
(٢) ما بين قوسين زيادة من (عف) و(ح) و(حم).
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف رقم ١٢٢٥٦) وسنده صحيح.
(٥) أخرجه عبد الرزاق بالسند المتقدم وابن سيرين لم يسمع من الحسن بن علي.
(٦) أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عن الثلاثة التابعين.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به.
(٨) صحيح البخاري، الطلاق، باب من طلق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق (ح ٥٢٥٦ - ٥٢٥٧). والثياب الرازقية: ثياب من قطن بيض طوال (ينظر: فتح الباري ٩/ ٣٥٩).
[ ٢ / ٢٠٩ ]
دخل بها، وجب لها مهر مثلها إذا كانت مفوضة وإن كان قد فرض لها وطلقها قبل الدخول، وجب لها عليه شطره، فإن دخل بها استقر الجميع، وكان ذلك عوضًا لها عن المتعة، وإنما المصابة التي لم يفرض لها ولم يدخل بها، فهذه التي دلَّت هذه الآية الكريمة على وجوب متعتها، هذا قول ابن عمر ومجاهد (^١)، ومن العلماء من استحبها لكل مطلقة ممن عدا المفوضة المفارقة قبل الدخول، وهذا ليس بمنكور، عليه تحمل آية التخيير في الأحزاب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة].
ومن العلماء من يقول: إنها مستحبة مطلقًا. قال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب القزويني، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو - يعني ابن أبي قيس - عن أبي إسحاق، عن الشعبي، قال: ذكروا له المتعة، أيحبس (^٢) فيها؟ فقرأ: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ قال الشعبي: والله ما رأيت أحدًا حبس فيها، والله لو كانت واجبة لحبس فيها القضاة (^٣).
﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾.
وهذه الآية الكريمة مما يدل على اختصاص المتعة بما دلَّت عليه الآية الأولى، حيث إنما أوجب في هذه الآية نصف المهر المفروض إذا طلق الزوج قبل الدخول، فإنه لو كان ثم واجب آخر من متعة لبينها لا سيما وقد قرنها بما قبلها من اختصاص المتعة بتلك الحالة، والله أعلم. وتشطير الصداق (^٤) والحالة هذه أمر مجمع عليه بين العلماء، لا خلاف بينهم في ذلك، فإنه متى كان قد سمى لها صداقًا ثم فارقها قبل دخوله بها، فإنه يجب لها نصف ما سمى من الصداق، إلا أن عند الثلاثة أنه يجب جميع الصداق إذا خلا بها الزوج وإن لم يدخل بها، وهو مذهب الشافعي في القديم، وبه حكم الخلفاء الراشدون، لكن قال الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، أخبرنا ابن جريج (^٥)، عن ليث بن أبي سُليم، عن طاوس، عن ابن عباس أنه قال في الرجل يتزوج المرأة فيخلو بها ولا يمسها ثم يطلقها: ليس لها إلا نصف الصداق، لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ﴾ (^٦) قال الشافعي: وهذا أقوى (^٧)، وهو ظاهر الكتاب. قال البيهقي: وليث بن أبي سُليم، وإن كان غير محتج به، فقد
_________________
(١) قول مجاهد أخرجه عبد الرزاق (المصنف رقم ١٢٢٣٥)، والطبري كلاهما من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. وسنده صحيح.
(٢) في الأصل: "الحبس فيها" والتصويب من (عف) و(ح) والتخريج.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٤) في الأصل: "الطلاق" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).
(٥) في الأصل: "ابن جرير" والتصويب من (عف) و(ح) والتخريج.
(٦) أخرجه الشافعي بسنده ومتنه (ترتيب مسند الشافعي، النكاح، باب في أحكام الصداق ٢/ ٩ ح ١٢). وفيه ليث وقد توبع كما سيأتي.
(٧) كذا في الأصل وفي (عف): "بهذا أقول".
[ ٢ / ٢١٠ ]
رويناه من حديث ابن أبي طلحة عن ابن عباس فهو مقوٍّ له (^١).
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ أي: النساء، عما وجب لها على زوجها من النصف، فلا يجب لها عليه شيء.
قال السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ قال: إلا أن تعفو الثيب فتدع حقها (^٢).
قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم ﵀: روي عن شريح وسعيد بن المسيب وعكرمة ومجاهد والشعبي والحسن ونافع وقتادة وجابر بن زيد وعطاء الخراساني والضحاك والزهري ومقاتل بن حيان وابن سيرين والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك. قال: وخالفهم محمد بن كعب القرظي فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ يعني: الرجال، وهو قول شاذ لم يتابع عليه (^٣)، انتهى كلامه.
وقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن ابن لهيعة، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ، قال: "ولي عقد النكاح الزوج" وهكذا أسنده ابن مردويه من حديث عبد الله بن لهيعة به، وقد أسنده ابن جرير عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، أن رسول الله ﷺ … فذكره ولم يقل: عن أبيه، عن جده (^٤)، فالله أعلم.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا جابر - يعني: ابن حازم -، عن عيسى - يعني: ابن عاصم -، قال: سمعت شريحًا يقول: سألني علي بن أبي طالب عن الذي بيده عقدة النكاح، فقلت له: هو ولي المرأة، فقال علي: لا، بل هو الزوج (^٥)، ثم قال: وفي إحدى الروايات عن ابن عباس وجبير بن مطعم وسعيد بن المسيب وشريح في أحد قوليه، وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعكرمة ونافع ومحمد بن سيرين والضحاك ومحمد بن كعب القرظي وجابر بن زيد وأبي مجلز والربيع بن أنس وإياس بن معاوية ومكحول ومقاتل بن حيان، أنه الزوج (^٦).
(قلت): وهذا هو الجديد من قولي الشافعي، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه، والثوري وابن شبرمة والأوزاعي، واختاره ابن جرير، ومأخذ هذا القول أن الذي بيده عقدة النكاح حقيقة الزوج، فإن بيده عقدها وإبرامها ونقضها وانهدامها، وكما أنه لا يجوز للوليّ، أن يهب شيئًا من مال المولية للغير، فكذلك في الصداق، قال (^٧): والوجه الثاني: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن مسلم، حدثنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس - في الذي ذكر الله بيده
_________________
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم والبيهقي (السنن الكبرى ٧/ ٢٥٢) كلهم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وسنده ثابت، يقوي رواية ليث كما سبق وكما نقل الحافظ ابن كثير عن البيهقي.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق السدي به، وفي سنده أبو صالح وهو باذام أو باذان مولى أم هانئ، وهو ضعيف، ويتقوى بالآثار التي تليه.
(٣) ذكره ابن أبي حاتم بنصه وذكر المفسرين كلهم بحذف السند، وقول مجاهد وابن سيرين وشريح والزهري ونافع والسدي والربيع بن أنس أخرجه الطبري بأسانيد ثابتة عنهم.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بالأسانيد المتقدمة. قال البيهقي: وهذا غير محفوظ، وابن لهيعة غير محتج به (السنن الكبرى ٧/ ٢٥٢).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٧) أي: ابن أبي حاتم في تفسيره.
[ ٢ / ٢١١ ]
عقدة النكاح - قال: ذلك أبوها أو أخوها أو من لا تنكح إلا بإذنه. وروي عن علقمة والحسن وعطاء وطاوس والزهري وربيعة وزيد بن أسلم وإبراهيم النخعي وعكرمة في أحد قوليه، ومحمد بن سيرين في أحد قوليه: أنه الولي (^١). وهذا مذهب مالك، وقول الشافعي في القديم، ومأخذه أن الولي هو الذي أكسبها إياه، فله التصرف فيه بخلاف سائر مالها.
وقال ابن جرير: حدثنا سعيد بن الربيع الرازي، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، قال: أذن الله في العفو وأمر به، فأي امرأة عفت جاز عفوها، فإن شحَّت وضنَّت عفا وليها جاز عفوه (^٢).
وهذا يقتضي صحة عفو الولي وإن كانت رشيدة، وهو مروي عن شريح، لكن أنكر عليه الشعبي، فرجع عن ذلك وصار إلى أنه الزوج وكان يباهل عليه.
وقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. قال ابن جرير: قال بعضهم: خوطب به الرجال والنساء، حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، سمعت ابن جريج يحدث، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ قال: أقربهما للتقوى الذي يعفو، وكذا روي عن الشعبي وغيره.
وقال مجاهد والضحاك ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والثوري: الفضل - ههنا - أن تعفو المرأة عن شطرها أو إتمام الرجل الصداق لها، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ أي: الإحسان، قاله سعيد.
وقال الضحاك وقتادة والسدي وأبو وائل المعروف: يعني لا تهملوه بل استعملوه بينكم.
وقد قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا عبد الله بن الوليد الوصّافي، عن عبد الله بن عبيد، عن علي بن أبي طالب، أن رسول الله ﷺ قال: "ليأتينَّ على الناس زمان عضوض، يعَض المؤمن على ما في يديه وينسى الفضل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ شرار (^٣) يبايعون كل مضطر". وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع المضطر، وعن بيع الغرر، فإن كان عندك خير فعد به على أخيك، ولا تزده هلاكًا إلى هلاكه، فإن المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه (^٤).
وقال سفيان: عن أبي هارون، قال: رأيت عون بن عبد الله في مجلس القرظي، فكان عون يحدثنا ولحيته ترش من البكاء، ويقول: صحبت الأغنياء فكنت من أكثرهم همًا حين رأيتهم أحسن ثيابًا، وأطيب ريحًا، وأحسن مركبًا، مني وجالست الفقراء فاسترحت بهم، وقال: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ إذا أتاه السائل وليس عنده شيء فلياع له، رواه ابن أبي حاتم (^٥). ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: لا يخفى عليه شيء من أموركم وأحوالكم، وسيجزي كل عامل بعمله.
_________________
(١) ذكره ابن أبي حاتم، وقول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه سعيد بن منصور في السنن رقم (٣٨٩) ثم التفسير من طريق سفيان به، وسنده صحيح.
(٣) في الأصل: "سراري" والتصويب من (عف) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٤) في سنده عبيد الله بن الوليد الوصّافي: وهو ضعيف (التقريب ص ٣٧٥).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سفيان به.
[ ٢ / ٢١٢ ]
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾.
يأمر تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها (^١) وحفظ حدودها وأدائها في أوقاتها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود، قال: سألت رسول الله ﷺ: أي العمل أفضل؟ قال: "الصلاة على وقتها". قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". قلت: ثم أي؟ قال: "برّ الوالدين"، قال: حدثني بهنّ رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني (^٢).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم، عن القاسم بن غنام، عن جدته أُم أبيه الدنيا، عن جدته أُم فروة، وكانت ممن بايع رسول الله ﷺ[أنها سمعت رسول الله ﷺ] (^٣) وذكر الأعمال، فقال: "إن أحب الأعمال إلى الله تعجيل الصلاة لأول وقتها" (^٤) وهكذا رواه أبو داود والترمذي، وقال: لا نعرفه إلا من طريق العمري وليس بالقوي عند أهل الحديث (^٥). وخص تعالى من بينها بمزيد التأكيد الصلاة الوسطى، وقد اختلف السلف والخلف فيها؛ أي: صلاة هي؟ فقيل: إنها الصبح، حكاه مالك في الموطأ بلاغًا عن علي وابن عباس (^٦).
وقال هشيم وابن علية وغُندُر وابن أبي عدي وعبد الوهاب وشَريك وغيرهم، عن عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي، قال: صلَّيت خلف ابن عباس الفجر، فقنتَ فيها ورفع يديه، ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين، رواه ابن جرير (^٧)، ورواه أيضًا من حديث عوف، عن خلاس بن عمرو، عن ابن عباس مثله سواء.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عوف، عن أبي المنهال، عن أبي العالية، عن ابن عباس، أنه صلى الغداة في مسجد البصرة، فقنتَ قبل الركوع، وقال: هذه الصلاة الوسطى التي ذكرها الله في كتابه، فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ (^٨)، وقال أيضًا: حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: صليت خلف عبد الله بن قيس بالبصرة صلاة الغداة،
_________________
(١) في الأصل: "وأوقاتها".
(٢) صحيح البخاري، الصلاة، باب فضل الصلاة لوقتها (ح ٥٢٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال (ح ١٣٩).
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) والتخريج.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥/ ٦٦ ح ٢٧١٠٥) وفي سنده عبد الله بن عمر بن حفص: ضعيف، ويشهد له ما تقدم في الصحيحين.
(٥) سنن أبي داود، الصلاة، باب في المحافظة على وقت الصلوات (ح ٤٢٦)، وسنن الترمذي أبواب الصلاة، باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل (ح ١٧٠).
(٦) أخرجه الطبري متصلًا عن ابن عباس كما سيأتي.
(٧) أخرجه الطبري عن أبي كريب وهو محمد بن العلاء عن هشيم به، وسنده صحيح.
(٨) أخرج هذه الروايات بأسانيدها وتقدم صحته عن ابن عباس.
[ ٢ / ٢١٣ ]
فقلت لرجل من أصحاب رسول الله ﷺ إلى جانبي: ما الصلاة الوسطى؟ قال: هذه الصلاة (^١). وروى من طريق أخرى عن الربيع، عن أبي العالية، أنه صلى مع أصحاب رسول الله ﷺ صلاة الغداة فلما فرغوا قال: قلت لهم: أيتهنّ الصلاة الوسطى؟ قالوا: التي قد صليتها قبل (^٢).
وقال أيضًا: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن عثمة (^٣)، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن جابر بن عبد الله، قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح (^٤)، وحكاه ابن أبي حاتم عن ابن عمر وأبي أُمامة وأنس وأبي العالية وعبيد بن عمير وعطاء ومجاهد وجابر بن زيد وعكرمة والربيع بن أنس (^٥)، ورواه ابن جرير عن عبد الله بن شداد بن الهاد أيضًا (^٦)، وهو الذي نص عليه الشافعي ﵀، محتجًا بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والقنوت عنده في صلاة الصبح، ومنهم من قال: هي وسطى باعتبار أنها لا تُقصر، وهي بين صلاتين رُباعيتين مقصورتين، وترد المغرب، وقيل: لأنها بين صلاتي ليل (^٧) جهريتين وصلاتي نهار سريتين.
وقيل: إنها صلاة الظهر، قال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزبرقان - يعني ابن عمرو -، عن زهرة - يعني ابن معبد -، قال: كنا جلوسًا عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أُسامة فسألوه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي الظهر، كان رسول الله ﷺ يصليها بالهجير (^٨).
وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني عمرو بن أبي حكيم، سمعت الزبرقان يحدث، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت، قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب رسول الله ﷺ منها، فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ وقال: إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين (^٩). ورواه أبو داود في سننه من حديث شعبة به (^١٠).
وقال أحمد أيضًا: حدثنا يزيد حدثنا ابن أبي ذئب (^١١)، عن الزبرقان أن رهطًا من قريش مرّ بهم زيد بن ثابت وهم مجتمعون فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي صلاة العصر فقام إليه رجلان منهم فسألاه، فقال: هي الظهر. ثم انصرفا إلى أُسامة بن زيد فسألاه، فقال: هي الظهر، إن النبي ﷺ كان يصلي الظهر بالهجير، فلا يكون وراءه إلا الصفُّ
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفيه شيخ الطبري لم يصرح باسمه.
(٣) في الأصل: "ابن عثيمة" والتصويب كسابقه.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفيه سعيد بن بشير: وهو ضعيف.
(٥) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا رواية أبي أمامة فقد أسندها.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف إذ فيه شيخ الطبري لم يصرح باسمه.
(٧) في الأصل: "ليلتين".
(٨) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه ص ٨٧ (ح ٦٢٨) وسنده صحيح.
(٩) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه ٥/ ١٨٣، وسنده صحيح.
(١٠) السنن، الصلاة، باب في وقت صلاة العصر (ح ٤١١) وسنده صحيح.
(١١) في الأصل: "ابن أبي وهب" والتصويب من (عف) و(مح) والتخريج.
[ ٢ / ٢١٤ ]
والصفَّان، والناس في قائلتهم وفي تجارتهم، فأنزل الله ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ قال: فقال رسول الله ﷺ: "لينتهينَّ رجال أو لأحرقنَّ بيوتهم" (^١).
والزبرقان هو: ابن عمرو بن أمية الضمري، لم يدرك أحدًا من الصحابة، والصحيح ما تقدم من روايته عن زهرة بن معبد وعروة بن الزبير.
وقال شعبة وهمام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت، قال: الصلاة الوسطى صلاة الظهر (^٢).
وقال أبو داود الطيالسي وغيره، عن شعبة: أخبرني عمر (^٣) بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب، قال: سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان يحدث عن أبيه، عن زيد بن ثابت، قال: الصلاة الوسطى هي الظهر، ورواه ابن جرير، عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الصمد، عن شعبة، عن عمر بن سليمان، عن زيد بن ثابت قال: الصلاة الوسطى هي الظهر (^٤)، ورواه ابن جرير، عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الصمد، عن شعبة، عن عمر بن سليمان، عن زيد بن ثابت، في حديث رفعة، قال: "الصلاة الوسطى صلاة الظهر" (^٥). وممن روي عنه أنها الظهر ابن عمر، وأبو سعيد وعائشة، على اختلاف عنهم، وهو قول عروة بن الزبير وعبد الله بن شداد بن الهاد، ورواية عن أبي حنيفة ﵏.
وقيل: إنها صلاة العصر. قال الترمذي والبغوي - رحمهما الله -: وهو قول أكثر علماء الصحابة وغيرهم (^٦).
وقال القاضي الماوردي: هو قول جمهور التابعين.
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر.
وقال أبو محمد بن عطية في تفسيره: وهو قول جمهور الناس.
وقال الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي في كتابه المسمى بـ "كشف المغطى تبيين الصلاة الوسطى"، وقد نصَّ فيه: أنها العصر، وحكاه عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي أيوب وعبد الله بن عمرو وسمرة بن جندب وأبي هريرة وأبي سعيد وحفصة وأُم حبيبة وأُم سلمة وعن ابن عمر، وابن عباس وعائشة على الصحيح عنهم، وبه قال عبيدة وإبراهيم النخعي ورزين وزرّ بن حبيش وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل وعبيد بن مريم وغيرهم، وهو مذهب أحمد بن حنبل. قال القاضي الماوردي والشافعي قال ابن المنذر: وهو الصحيح عن أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد، واختاره ابن حبيب المالكي ﵏.