قال الإمام (^٥) أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو خلف موسى بن خلف، وكان يعد من البدلاء، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلَّام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري - أن نبي اللّه ﷺ قال: "إن اللّه ﷿ أمر يحيى بن زكريا ﵇ بخمس كلماتٍ أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، (فكان يبطئ) (^٦) بها، فقال له عيسى ﵇: إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن، وإما أن أبلغهن. فقال: يا أخي، إني أخشى إن سبقتني أن أُعذب أو يخسف بي. قال: فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد، فقعد على الشرف، فحمد اللّه وأثنى عليه؛ ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن؛ أولهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك (مثل) (^٧) رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بورق أو ذهب،
_________________
(١) مر تخريجه آنفًا.
(٢) أخرجه النسائي (٦/ ٧) بهذا اللفظ وهو من حديث قتيلة بن صيفي. وصححه الحافظ في "الإصابة" (٤/ ٣٨٩).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٣١) وسنده حسن.
(٤) أخرجه ابن جرير (٤٨٨)؛ وابن أبي حاتم (٢٣٣) من طريقين عن سفيان الثوري، عمن حدثه عن مجاهد وسنده ضعيف لجهالة الراوي عن مجاهد؛ وأخرجه ابن جرير (٤٨٩) أيضًا عن قبيصة بن عقبة، عن الثوري، عن مجاهد، فأسقط الواسطة، وهذا الوجه ضعيف أيضًا فإن الثوري لم يدرك مجاهدًا.
(٥) في "مسنده" (٤/ ١٣٠، ٢٠٢). وأخرجه الطبراني في "الكبير" (ج ٣/ رقم ٣٤٢٧)؛ وابن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (١٢٥)؛ وابن الأثير في "أسد الغابة" (١/ ٣٨٣) من طريق موسى بن خلف، ثنا يحيى بن أبي كثير بسنده سواء. وأخرجه الترمذي (٢٨٦٣، ٢٨٦٤)؛ والبخاري في "الكبير" (١/ ٢/ ٢٦٢)؛ والطيالسي (١١٦١، ١١٦٢)؛ وابن خزيمة (ج ٣/ رقم ١٨٩٥)؛ وأبو يعلى (ج ٣/ رقم ١٥٧١)؛ وابن نصر (١٢٤، ١٢٦)؛ وابن حبان (١٢٢٢، ١٥٥٠)؛ وابن منده في "الإيمان" (٢١٢)؛ والآجري في "الشريعة" (ص ٨)؛ والطبراني في "الكبير" (٣٤٢٧، ٣٤٢٨، ٣٤٢٩)؛ والحاكم (١/ ١١٨، ٤٢١، ٤٢٢) وصححه ووافقه الذهبي كلهم من طرق عن يحيى بن أبي كثير بسنده مثله وصرح يحيى بالتحديث عند أبي يعلى وابن حبان والآجري. وتابعه معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام بسنده سواء مثله.
(٦) كذا في (ج) و(ز) و(ع) و(ك) و(ل) و(ي)؛ وفي (ن): "وأنه كاد أن يبطئ"؛ وفي (هـ): "كاد أن يبطئ" وهو الموافق لما في "المسند".
(٧) كذا في (ج) و(ز) و(ع) و(ل) و(ي). وفي (ن) و(هـ): "كمثل" وسقط هذا اللفظ من (ك).
[ ١ / ٢٩٩ ]
فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟ وإن اللّه خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأمركم بالصلاة فإن اللّه ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفتوا.
وآمُركم بالصيام؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صُرَّةٌ من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك. وإن خلوف فم الصائم عند اللّه أطيب من ريح المسك.
وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يديه إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه. فقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فكَّ نفسه.
وآمركم بذكر الله كثيرًا. وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعًا في أثره فأتى حصنًا حصينًا فتحصن فيه؛ وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر اللّه".
قال: وقال رسول اللّه ﷺ: "وأنا آمركم بخمسٍ الله أمرني بهن: الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل اللّه؛ فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلعَ (ربقة) (^١) الإسلام من عنقه إلا أن يراجع. ومن دعا بدعوى جاهلية فهو من جُثَى جهنم".
قالوا: يا رسول الله؛ [وإن صام (وإن) (^٢) صلَّى؟ فقال:] (^٣) "وإن صلَّى وصام، وزعم أنه مسلم؛ فادعوا المسلمين بأسمائهم (على ما) (^٤) سماهم اللّه ﷿ المسلمين المؤمنين عباد اللّه".
هذا حديث حسن، والشاهد منه في هذه الآية قوله: "وإن اللّه خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا".
[وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل بها كثير من المفسرين كالرازي وغيره على وجود الصانع (تعالى) (^٥)، وهي دالة على ذلك بطريق الأولى؛ فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية، واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها، ومنافعها، ووضْعها في مواضع النفع بها محكمة - علم قدرة خالقها، وحكمته وعلمه، وإتقانه، وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب - وقد سئل: ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال: يا سبحان اللّه! إن البعرة لتدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج! ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير!.
وحكى (فخر الدين) (^٦) (الرازي) (^٧) عن الإمام مالك - أن الرشيد سأله عن ذلك، فاستدل له باختلاف اللغات والأصوات والنغمات] (^٨).
_________________
(١) في (ع) و(ل): "ربق".
(٢) من (ج) و(ك).
(٣) ساقط من (ع) و(ى).
(٤) كذا في (ز) و(ع) و(ن) و(هـ) و(ى)؛ وفي (ج) و(ك) و(ل): "بل بما".
(٥) من (ع) و(ن) و(هـ) و(ى)؛ وفي (ل): "فقال".
(٦) ساقط من (ن).
(٧) ساقط من (ج) و(ع) و(ل) و(ى)؛ وفي (هـ): "فخر الدين الرازي".
(٨) ساقط من (ز) و(ك).
[ ١ / ٣٠٠ ]
[وعن أبي حنيفة أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى، فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه، ذكروا لي أن سفينةً في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر، وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجئُ وتسير بنفسها، وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد] (^١).
[فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل. فقال: ويحكم! هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي، وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع؟! فبهت القوم، ورجعوا إلى الحق، وأسلموا على يديه] (^١).
[وعن الشافعي أنه سئل عن وجود الصانع، فقال: هذا ورق التوت طعمه واحد، يأكله الدود فيخرج منه الإ بريسم، وتأكله النحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشاة (والبعير) (^٢) والأنعام فتلفيه بعرًا وروثًا، وتأكله الظباء فيخرج (منها) (^٣) المسك، وهو شيء واحد.
وعن الإمام أحمد (بن حنبل) (^٤) ﵀ (^٥) أنه سئل عن ذلك، فقال: ها هنا حصن حصين أملس، ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز؛ فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره، فخرج منه حيوان سميع بصير، ذو شكل حسن وصوت مليح - يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدجاجة.
وسئل أبو نواس عن ذلك، فأنشد:
تأمل في نبات الأرض وانظر … إلى آثار ما صنع المليك] (^٦)
[عيون من لجين شاخصات … بأحداق هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات … بأن الله ليس له شريك
وقال ابن المعتز:
فيا عجبًا كيف يعصى الإلـ … ــه أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد
وقال آخرون: من تأمل هذه السموات في ارتفاعها واتساعها، وما فيها من الكواكب الكبار والصغار (المنيرة) (^٧) من السيارة ومن الثوابت، وشاهدها كيف تدور مع الفلك العظيم في كل يوم وليلة دويرةً، ولها في أنفسها سير يخصها، ونظر إلى البحار المكتنفة للأرض من كل جانب، والجبال الموضوعة في الأرض لتقر ويسكن ساكنوها مع اختلاف أشكالها وألوانها، كما قال (تعالى) (^٨): ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٧، ٢٨]] (^٩).
_________________
(١) ساقط من (ز) و(ك).
(٢) كذا في (ز) و(ل)؛ وفي (ن): "البقر".
(٣) كذا في (ج) و(ن)؛ وفي (ل): "منه".
(٤) من (ن).
(٥) من (ل).
(٦) ساقط من (ز) و(ك) و(هـ) و(ي).
(٧) في (ن): "النيرة"
(٨) في (ن).
(٩) ساقط من (ز) و(ك) و(هـ) و(ى).
[ ١ / ٣٠١ ]
[وكذلك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قُطر للمنافع؛ وما ذرأ في الأرض من الحيوانات المتنوعة، والنبات المختلف الطعوم والأراييح والأشكال، مع اتحاد طبيعة التربة والماء، استدل على وجود الصانع، وقدرته العظيمة، وحكمته، ورحمته ولطفه بهم، وإحسانه إليهم، وبره بهم، لا إله غيره، ولا رب سواه، عليه توكلت وإليه أنيب.
والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جدًّا] (^١).
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾.
ثم شرع تعالى في تقرير النبوة بعد أن قرر أنه لا إله إلا هو؛ فقال مخاطبًا للكافرين: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يعني: محمد ﷺ فأتوا بسورة من مثل ما جاء به إن زعمتم أنه من عند غير اللّه، فعارضوه بمثل ما جاء به، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون اللّه، فإنكم لا تستطيعون ذلك.
قال ابن (^٢) عباس: ﴿شُهَدَاءَكُمْ﴾ أعوانكم [أي: قومًا آخرين يساعدونكم على ذلك] (^٣).
[وقال السدي، عن أبي مالك: شركاءكم (^٤) [أي: استعينوا بآلهتكم في ذلك يمدونكم وينصرونكم] (^٥).
وقال مجاهد: وادعوا شهداءكم، قال: ناس يشهدون به (^٦)؛ (يعني: حكم الفصحاء) (^٧).
وقد تحداهم الله تعالى بهذا] (^٨) في غير موضع من القرآن، فقال في سورة القصص: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩)﴾ [القصص].
وقال في سورة سبحان: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء].
وقال في سورة هود: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود].
وقال في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
_________________
(١) ساقط من (ز) و(ك) و(هـ) و(ى).
(٢) أخرجه ابن إسحاق، كما في "الدر المنثور" (١/ ٣٥)، ومن طريقه ابن جرير (٤٩٦)؛ وابن أبي حاتم (٢٤١) [وسنده حسن].
(٣) من (ج) و(ل)؛ وفي (ن): "قال السدي، عن أبي مالك: شركاءكم؛ أي: قومًا آخرين يساعدونكم على ذلك؛ أي: استعينوا … إلخ" فأدخل الناسخ إحدى العبارتين في الأخرى.
(٤) من (ج) و(ل).
(٥) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق السدي به].
(٦) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد].
(٧) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي).
(٨) ساقط من (هـ).
[ ١ / ٣٠٢ ]
وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس].
وكل هذه الآيات مكية.
ثم تحداهم بذلك أيضًا في المدينة؛ فقال في هذه الآية: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾، (أي: شك (^١» ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ يعني: محمدًا ﷺ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ يعني: من مثل القرآن؛ قاله مجاهد، وقتادة (^٢)، واختاره ابن جرير [الطبري، والزمخشري (وفخر الدين) (^٣) الرازي، ونقله عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، والحسن البصري، وأكثر المحققين؛ ورجح ذلك بوجوه؛ من أحسنها أنه تحداهم كلهم متفرقين ومجتمعين، سواء في ذلك أُميُّهم وكتابيهم؛ وذلك أكمل في التحدي؛ وأشمل من أن يتحدى آحادهم الأميين ممن لا يكتب ولا يعاني شيئًا من العلوم] (^٤)، وبدليل قوله (تعالى) (^٥): ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: ١٣] وقوله: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] وقال بعضهم: من مثل محمد ﷺ؛ يعني: من رجل أمي مثله.
والصحيح الأول؛ لأن التحدي عام لهم كلهم، مع أنهم أفصح الأمم، وقد تحداهم بهذا في مكة والمدينة مرات عديدة مع شدة عداوتهم له، وبغضهم لدينه (وتعصبهم لدينهم) (^٦) ومع هذا عجزوا عن ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ "ولن" لنفي التأبيد (في المستقبل) (^٧)؛ أي: ولن تفعلوا ذلك أبدًا.
وهذه أيضًا معجزة أخرى، وهو أنه أخبر [خبرًا جازمًا قاطعًا مقدمًا غير خائف ولا مشفق] أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد [الآبدين ودهر الداهرين] (^٨)؛ وكذلك وقع الأمر، لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا، ولا يمكن؛ وأنى يتأتى ذلك لأحد والقرآن كلام اللّه خالق كل شيء؟ وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين.
[ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونًا ظاهرةً وخفيةً، من حيث اللفظ، ومن جهة المعنى؛ قال اللّه تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود] فأحكمت ألفاظه، وفصلت معانيه، أو بالعكس على الخلاف؛ فكل من لفظه ومعناه فصيح (لا يجارى) (^٩) ولا يدانى؛ فقد أخبر عن مغيبات ماضية؛ وكانت ووقعت طبق أخبر سواءً بسواء، وأمر بكل خير، ونهى عن كل شر؛ كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي: صدقًا في الإخبار، وعدلًا في الأحكام؛] (^١٠) [فكله حق وصدق، وعدل وهدًى] (^١١)،
_________________
(١) ساقط من (ج).
(٢) [أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة].
(٣) ساقط من (ن).
(٤) ساقط من (ز).
(٥) من (ن).
(٦) ساقط من (ز) و(ن). ووقع في (ل): "وتعصبهم على دينهم".
(٧) ساقط من (ز).
(٨) ساقط من (ز).
(٩) في (ن): "لا يحاذى".
(١٠) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى).
(١١) ساقط من (ز) و(ع) و(ص) و(ى).
[ ١ / ٣٠٣ ]
[ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء، كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها؛ كما (يقال) (^١) في الشعر: إن أعذبه أكذبه.
وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء، أو الخيل، أو الخمر، أو في مدح شخص معين، أو فرس، أو ناقة، أو حرب، أو كائنة (أو سير) (^٢) أو مخافة، أو سبع، أو شيء من المشاهدات المتعيِّنة التي لا تقيد شيئًا إلا قدرة المتكلم المعين على (التعبير عن) (^٣) الشيء الخفي أو الدقيق، وإبرازه إلى الشيء الواضح. ثم تجد له فيه بيتًا أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيد، وسائرها هذر لا طائل تحته.
وأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلًا وإجمالًا ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير؛ فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة سواء كانت مبسوطةً أو وجيزةً، وسواء تكررت أم لا؛ وكلما تكرر حلا وعلا، لا يخلق عن كثرة الرد، ولا يمل منه العلماء؛ وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصم الراسيات؛ فما ظنك بالقلوب الفاهمات؛ وإن وعد أتى بما] (^٤). [يفتح القلوب والآذان، (ويشوق) (^٥) إلى دار السلام، ومجاورة عرش الرحمن؛ كما قال في الترغيب: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧] وقال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: ٧١].
وقال في الترهيب: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ [الإسراء: ٦٨] ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾ [الملك].
وقال في الزجر: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠].
وقال في الوعظ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾ [الشعراء].
إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة.
وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب؛ والنهي عن كل قبيح رذيل دنيءٍ؛ كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: إذا سمعت اللّه تعالى يقول في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] فأرعها سمعك، فإنها خير يأمر به، أو شر ينهى عنه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ] (^٦) [عَنِ الْمُنْكَرِ] (^٧) [وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ …﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]] (^٨).
_________________
(١) في (ن): "قيل".
(٢) ساقط من (ن).
(٣) ساقط من (ن)؛ وفي (ج): "التعبير على الشيء".
(٤) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى).
(٥) في (ج): "نوف"!
(٦) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).
(٧) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).
(٨) ساقط من (ج) و(ل).
[ ١ / ٣٠٤ ]
[وإن جاءت الآيات في وصف المعاد وما فيه من الأهوال (وبيان الأحوال) (^١)، وفي وصف الجنة والنار، وما أعد اللّه فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم (والملاذ) (^٢) والعذاب الأليم؛ بشرت (به) (^٣)، وحذرت وأنذرت؛ ودعت إلى فعل الخيرات، واجتناب المنكرات، وزهَّدت في الدنيا، ورغبَّت في الأخرى، وثبتت على (الطريق) (^٤) المثلى، وهدت إلى صراط اللّه المستقيم، وشرعه القويم، ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم] (^٥).
ولهذا ثبت في "الصحيحين" (^٦)، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللّه ﷺ قال: " (ما من الأنبياء من نبي) (^٧) إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه اللّه إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" - لفظ مسلم.
وقوله ﷺ: "وإنما كان الذي أوتيت (وحيًا) (^٨)؛ أي: الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن يعارضوه، بخلاف غيره من الكتب الإلهية فإنها ليست معجزةً (عند كثير من العلماء) (^٩) ". واللّه أعلم.
وله عليه (الصلاة و) (^١٠) السلام من الآيات الدالة على نبوَّته وصدقه فيما جاء به ما لا يدخل تحت حصر. وللّه الحمد والمنة.
[وقد قرر بعض المتكلمين الإعجاز بطريق يشمل قول أهل السنة وقول المعتزلة في (الصرفة) (^١١)؛ فقال: إن كان هذا القرآن معجزًا في نفسه لا يستطيع البشر الإتيان بمثله، ولا في قواهم معارضته، فقد حصل المدعى وهو المطلوب. وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله، ولم يفعلوا ذلك، مع شدة عداوتهم له، كان ذلك دليلًا على أنه من عند اللّه لصرفه إياهم عن معارضته مع قدرتهم على ذلك. وهذه الطريقة، وإن لم تكن مرضيةً؛ لأن القرآن في نفسه معجز، لا يستطيع البشر معارضته كما قررنا، إلا أنها تصلح على سبيل التنزل والمجادلة، والمنافحة عن الحق؛ وبهذه الطريقة أجاب (فخر الدين) (^١٢) (الرازي) (^١٣) في "تفسيره" (^١٤) عن سؤاله في السور القصار كـ"العصر"، و" ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر: ١] "] (^١٥).
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ أما الوقود - بفتح الواو - فهو ما يلقى في النار لأضرامها؛ كالحطب ونحوه، كما قال (تعالى) (^١٦): ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ
_________________
(١) ساقط من (ن).
(٢) كذا في (ك) و(ن)؛ وفي (ج) و(ل): "المداد".
(٣) من (ن).
(٤) كذا في (ج) و(ك) و(ل)؛ وفي (ن): "الطريقة".
(٥) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).
(٦) سبق تخريجه في "فضائل القرآن" (١/ ١٤٦).
(٧) في (ز) و(ن): "ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر" وهو مخالف للفظ مسلم.
(٨) ساقط من (ج) و(ك) و(ل).
(٩) ساقط من (ز).
(١٠) من (ز) و(ن).
(١١) كذا في (ك) و(ن) و(ي)؛ وفي (ج) و(ل): "الصوفية"! ووقع في (هـ) بياض في موضع هذه الكلمة.
(١٢) من (ج) و(ك) و(ل) و(ي).
(١٣) من (ل) و(ن)؛ وفي (ص): "الفخر الرازي".
(١٤) راجع بحثه في "تفسيره" (١/ ١٢٦ - ١٢٨).
(١٥) ساقط من (ز).
(١٦) من (ن).
[ ١ / ٣٠٥ ]
لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ (^١) [الأنبياء].
والمراد بالحجارة ها هنا هي حجارة الكبريت العظيمة السوداء الصلبة المنتنة، وهي أشد الأحجار حرًا إذا حميت، أجارنا الله منها.
وقال عبد الملك بن ميسرة الزراد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون، عن عبد اللّه بن مسعود - في قوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ قال: هي حجارة من كبريت خلقها الله يوم خلق السموات والأرض في السماء الدنيا يعدها للكافرين.
رواه ابن (^٢) جرير؛ وهذا لفظه، وابن أبي حاتم، والحاكم في "مستدركه"؛ وقال: "على شرط الشيخين".
وقال السدي في "تفسيره" (^٣)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة: اتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة؛ أما الحجارة فهي حجارة في النار من كبريت أسود يعذبون به مع النار.
وقال مجاهد (^٤): حجارة من كبريت أنتن من الجيفة.
وقال أبو جعفر (^٥) محمد بن علي: حجارة من كبريت.
وقال ابن جريج (^٦): حجارة من كبريت أسود في النار.
قال لي عمرو بن دينار: أصلب من هذه الحجارة وأعظم.
[وقيل: المراد بها حجارة الأصنام والأنداد التي كانت تعبد من دون الله، كما قال (تعالى) (^٧): ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ …﴾ [الأنبياء: ٩٨] حكاه القرطبي (وفخر الدين) (^٨)] (^٩).
[(الرازي) (^١٠)، ورجحه على الأول؛ قال: لأن أخذ النار في حجارة الكبريت ليس بمستنكر، فجعلها هذه الحجارة أولى.
وهذا الذي قاله ليس بقويٍّ؛ وذلك أن النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشد] (^١١)
_________________
(١) في (ن) بعد هذه الآية "لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون".
(٢) في "تفسيره" (٥٠٣، ٥٠٤، ٥٠٧)؛ وابن أبي حاتم (٢٤٥)؛ والحاكم (٢/ ٢٦١، ٤٩٤) من طرق عن مسعر بن كدام، عن عبد الملك بن ميسرة بسنده سواء. ومن هذا الوجه: أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٤٠)؛ وهناد بن السري في "الزهد" (٦٣)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٩/ رقم ٩٠٢٦)؛ وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ق ١٨٢/ ٢)؛ والبيهقي في "الشعب". وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٣٦) لعبد بن حميد وابن المنذر والفريابي. وسنده صحيح.
(٣) ومن طريقه ابن جرير (٥٠٥) وسنده حسن. وأخرجه ابن أبي حاتم (٢٤٦) من قول السدي. [وسنده ضعيف].
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٤٧) وسنده ضعيف.
(٥) ذكره ابن أبي حاتم عنه بلا إسناد.
(٦) أخرجه ابن جرير (٥٠٦)؛ وابن أبي حاتم (٢٤٨) وسنده صحيح.
(٧) من (ن).
(٨) من (ج) و(ك) و(ل) و(ى).
(٩) ساقط من (ز) و(ض).
(١٠) من (ن)؛ وفي (ص): "فخر الدين الرازي".
(١١) ساقط من (ز) و(ض).
[ ١ / ٣٠٦ ]
[لحرها، وأقوى لسعيرها، ولا سيما على ما ذكره السلف من أنها حجارة من كبريت معدة لذلك؛ ثم إن أخذ النار بهذه الحجارة أيضًا مشاهد؛ وهذا الجص يكون أحجارًا، فيعمل فيه بالنار حتى يصير كذلك. وكذلك سائر الأحجار تفجرها النار وتحرقها؛ وإنما سيق هذا في حر النار التي وعدوا بها وشدة ضرامها وقوة لهبها؛ كما قال (تعالى) (^١): ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] وهكذا رجح القرطبي (^٢) أن المراد بها الحجارة التي تسعر بها النار لتحمر ويشتد لهبها؛ قال: ليكون ذلك أشد عذابًا لأهلها.
قال (^٣): وقد جاء في الحديث (^٤) عن النبي ﷺ أنه قال: "كل مؤذ في النار"] (^٥).
[(قلت) (^٦) وهذا الحديث ليس بمحفوظ ولا معروف؛ ثم قال القرطبي: وقد فسر بمعنيين: أحدهما: أن كل من آذى الناس دخل النار. والآخر أن كل ما يؤذي في النار يتأذى به أهلها من السباع والهوام وغير ذلك] (^٥).
وقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ الأظهر أن الضمير في "أعدت" عائد إلى النار التي وقودها الناس والحجارة. ويحتمل عوده إلى الحجارة، كما قال ابن مسعود. ولا منافاة بين القولين في المعنى؛ لأنهما متلازمان.
و﴿أُعِدَّتْ﴾؛ أي: أرصدت وحصلت للكافرين باللّه ورسوله، كما قال ابن إسحاق، عن محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر. [وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن، لقوله (تعالى) (^٧): ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: أرصدت] (^٨).
[وهيئت، وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك منها: "تحاجت الجنة والنار" (^٩). ومنها: "استأذنت النار ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في] (^١٠)
_________________
(١) من (ن).
(٢) في "تفسيره" (١/ ٢٣٥، ٢٣٦).
(٣) يعني القرطبي.
(٤) حديث باطل. أخرجه الخطيب في "تاريخه" (١١/ ٢٩٩)، ومن طريقه ابن الجوزي في "الواهيات" (٢/ ٢٦٣) من طريق عثمان بن الخطاب أبي عمرو الأشج المعروف بـ"أبي الدنيا" أنهم اجتمعوا عليه في بغداد في دار إسحاق وأحدقوا به وضايقوه، فقال: لا تؤذوني فإني سمعت علي بن أبي طالب يقول: قال رسول الله ﷺ … فذكره. قال الخطيب في ترجمة أبي الدنيا هذا: "والعلماء لا يثبتون قوله ولا يحتجون بحديثه .. ثم قال: وما علمت أن أحدًا ببغداد كتب عنه حرفًا واحدًا، ولم يكن عندي بذاك الثقة". وقال ابن الجوزي: "هذا حديث لا يصح، والأشج غير موثوق بقوله عند العلماء". وقال الذهبي في "الميزان" (٣/ ٣٣) في ترجمة "الأشج": "حدث بقلة حياء بعد الثلاثمائة عن علي". اهـ ونقل المناوي في "فيض القدير" (٥/ ٣٣) عن الذهبي في "ديوان الضعفاء" أنه قال: "خبر غريب" ولم أجد هذا في "ديوان الضعفاء" (رقم ٢٧٥٧) بل قال في ترجمة الأشج هذا: "طرقي كذاب جريء".
(٥) ساقط من (ز) و(ض).
(٦) ساقط من (ن).
(٧) من (ن).
(٨) ساقط من (ز).
(٩) أخرجه البخاري (٨/ ٥٩٥)؛ ومسلم (٢٨٤٦/ ٣٦).
(١٠) ساقط من (ز).
[ ١ / ٣٠٧ ]
[الصيف" (^١). وحديث ابن مسعود: (سمعنا) (^٢) وجبة، فقلنا: (ما هذا؟ فقال) (^٢)] (^٣) [(رسول اللّه ﷺ) (^٤): "هذا حجر أُلقى به من شفير جهنم منذ سبعين سنة الآن وصل إلى قعرها". وهو عند مسلم (^٥)، وحديث صلاة الكسوف (^٦)؛ وليلة الإسراء (^٧)، وغير ذلك من الأحاديث المتواترة في هذا المعنى. وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا، ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الأندلس] (^٣).