قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ وهو محزون، فقال له النبي ﷺ: "يا فلان ما لي أراك محزونًا؟ " فقال: يا نبي الله شيء فكرت فيه، فقال: ما هو؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك وغدًا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يردّ النبي ﷺ شيئًا، فأتاه جبريل بهذه الآية ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ قال: فبعث النبي ﷺ فبشره (^٤). وقد روي هذا الأثر مرسلًا عن مسروق، وعن عكرمة، وعامر الشعبي وقتادة، وعن الربيع بن أنس (^٥)، وهو من أحسنها سياقًا.
قال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ …﴾ الآية، وقال: إِن أصحاب النبي ﷺ، قالوا: قد علمنا أن النبي ﷺ له فضل على من آمن به في درجات الجنات ممن اتبعه وصدقه، وكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضًا. فأنزل الله في ذلك، يعني هذه الآية، فقال - يعني: رسول الله ﷺ: "إن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم، فيجتمعون في رياضها، فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه، وينزل لهم أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به، فهم في روضة يحبرون ويتنعمون فيه" (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة النساء، باب ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [النساء: ٦٩] ح ٤٥٨٦).
(٢) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب في فضل عائشة ﵂ (ح ٢٤٤٤).
(٣) أخرجه الشيخان من حديث عائشة ﵂ (صحيح البخاري، المغازي، باب مرض النبي ﷺ ح ٤٤٣٧)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢٤٤٤).
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي ضعيف، وفيه إرسال سعيد بن جبير، ويتقوى بالآثار والأحاديث التالية.
(٥) قول مسروق أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي الضحى عنه لكنه مرسل، وقول عكرمة أخرجه ابن حاتم بسند ضعيف، وقول الشعبي أخرجه الطبري بسند ضعيف وستأتي رواية أخرى عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن مرسل، وقول الربيع كما يلي.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده جيد لكنه مرسل.
[ ٣ / ١٥٧ ]
وقد روي مرفوعًا من وجه آخر، فقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حدثنا عبد الله بن عمران، حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إنك لأحب إليّ من نفسي، وأحب إليّ من أهلي، وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك، عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد عليه النبي ﷺ حتى نزلت عليه ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ (^١). وهكذا رواه الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه في صفة الجنة من طريق الطبراني، عن أحمد بن عمرو بن مسلم الخلال، عن عبد الله بن عمران العابدي به، ثم قال: لا أرى بإسناده بأسًا، والله أعلم.
وقال ابن مردويه أيضًا: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، حدثنا أبو بكر بن ثابت ابن عباس المصري، حدثنا خالد بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن عامر الشعبي، عن ابن عباس: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني لأحبك حتى إني لأذكرك في المنزل فيشق ذلك علي، وأحب أن أكون معك في الدرجة، فلم يرد عليه النبي ﷺ شيئًا، فأنزل الله ﷿ هذه الآية (^٢). وقد رواه ابن جرير عن ابن حميد، عن جرير، عن عطاء، عن الشعبي مرسلًا (^٣).
وثبت في صحيح مسلم من حديث [هقل] (^٤) بن زياد عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال: كنت أبيت عند النبي ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: "سل"، فقلت: يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: "أو غير ذلك؟ " قلت: هو ذاك. قال: "فأعَنّي على نفسك بكثرة السجود" (^٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إِسحاق، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن عيسى بن طلحة، عن عمرو بن مرة الجهني، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان، فقال رسول الله ﷺ: "من مات على ذلك كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة وهكذا - ونصب أصبعيه - ما لم يعق والديه" (^٦) تفرد به أحمد.
_________________
(١) أخرجه الطبراني من طريق عبد الله بن عمران به (المعجم الصغير ١/ ٢٦)، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدي وهو ثقة (مجمع الزوائد ٧/ ١٠)، وحسنه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٨٨)، وهو موافق لما ذكر الحافظ ابن كثير عن المقدسي.
(٢) أخرجه الطبراني بالإسناد نفسه (المعجم الكبير ٢/ ٨٦ ح ١٢٥٥٩)، قال الهيثمي: وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط (المجمع ٧/ ٩)، ورواية خالد بن عبد الله عنه بعد الاختلاط (الكواكب النيرات ص ٣٢٢).
(٣) أخرجه الطبري سندًا ومتنًا، وقد سقط من طبعة أحمد شاكر وأثبت في طبعة معالي الدكتور عبد الله التركي ٧/ ٢١٦.
(٤) كذا في (حم) و(مح) وصحيح مسلم والتقريب، وفي الأصل: "معقل" وهو تصحيف.
(٥) صحيح مسلم، الصلاة، باب فضل السجود (ح ٤٨٩).
(٦) أخرجه الإمام أحمد إذ نسبه إليه الهيثمي أيضًا (مجمع الزوائد ٨/ ١٥٠)، ولم أجده في المسند، وفي سنده =
[ ٣ / ١٥٨ ]
قال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو سعيد مولى أبي هاشم، حدثنا ابن لهيعة، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ ألف آية في سبيل الله كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء الصالحين، وحسن أولئك رفيقًا إِن شاء الله" (^١).
وروى الترمذي من طريق سفيان الثوري، عن أبي حمزة، عن الحسن البصري، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء" ثم قال: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأبو حمزة اسمه عبد الله بن جابر شيخ بصري (^٢).
وأعظم من هذا كله بشارة ما ثبت في الصحيح والمسانيد وغيرهما من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة، أن رسول الله ﷺ سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، فقال: "المرء مع من أحب"، قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث (^٣). وفي رواية عن أنس أنه قال: إني لأحب رسول الله ﷺ، وأحب أبا بكر وعمر ﵄، وأرجو أن الله يبعثني معهم وإن لم أعمل كعملهم (^٤).
قال الإمام مالك بن أنس، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم" قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: "بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين"، أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك واللفظ لمسلم (^٥)، ورواه الإِمام أحمد، حدثنا فزارة، أخبرني فليح، عن هلال - يعني ابن علي -، عن عطاء، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة كما تراءون - أو ترون - الكوكب الدري الغابر في الأفق الطالع في تفاضل الدرجات". قالوا: يا رسول الله أولئك النبيون؟ قال: "بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" (^٦). قال الحافظ الضياء المقدسي: هذا الحديث على شرط البخاري، والله أعلم.
_________________
(١) = ابن لهيعة ولم يصرح بالسماع، وسنده ضعيف.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٦٣)، وسنده ضعيف لضعف زبان كما في التقريب، وعدم تصريح ابن لهيعة.
(٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، البيوع، باب ما جاء في التجار ١٢٠٨)، وسنده ضعيف لأن الحسن البصري لم يسمع من أبي سعيد الخدري.
(٤) صحيح البخاري، الأدب، باب ما جاء في قول الرجل: ويلك (ح ٦١٦٧)، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب المرء مع من أحب (ح ٢٦٣٩/ ١٦٣)، واللفظ لمسلم.
(٥) صحيح البخاري، فضائل الصحابة، باب مناقب عمر ﵁ (ح ٣٦٨٨)، وصحيح مسلم، الحديث السابق نفسه.
(٦) صحيح البخاري، بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة (ح ٣٢٥٦)، وصحيح مسلم، الجنة وصفه نعيمها، باب إحلال الرضوان على أهل الجنة (ح ٢٨٣١).
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٣٩)، وفي سنده فزارة وهو: ابن عمرو أبو الفضل قال =
[ ٣ / ١٥٩ ]
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن عمار الموصلي، حدثنا عفيف بن سالم، عن أيوب بن عتبة، عن عطاء، عن ابن عمر، قال: أتى رجل من الحبشة إلى رسول الله ﷺ يسأله فقال له رسول الله ﷺ: "سل واستفهم" فقال: يا رسول الله فضلتم علينا بالصور والألوان والنبوة، ثم قال: أفرأيت إن آمنت بما آمنت به وعملت بما عملت به، إني لكائن معك في الجنة، قال رسول الله ﷺ: "نعم، والذي نفسي بيده، إنه ليُرى بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام" ثم قال رسول الله ﷺ: "من قال: لا إله إلا الله، كان له بها عهد عند الله، ومن قال: سبحان الله وبحمده، كتب له بها مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة" فقال رجل: كيف نهلك بعد هذا يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: "إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضع على جبل لأثقله فتقوم النعمة من نعم الله، فتكاد أن تستنفد ذلك كله إلا أن يتطاول الله برحمته" ونزلت هذه الآيات ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ إلى قوله: ﴿نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: ١ - ٢٠] فقال الحبشي: وإن عينيّ لتريان ما ترى عيناك في الجنة؟ فقال رسول الله ﷺ: "نعم" فاستبكى حتى فاضت نفسه، قال ابن عمر: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يدليه في حفرته بيديه (^١). فيه غرابة ونكارة وسنده ضعيف، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من عند الله برحمته وهو الذي أهلهم لذلك لا بأعمالهم ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الهداية والتوفيق.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) * فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾.
يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد، وتكثير العدد بالنفير في سبيل الله ﴿ثُبَاتٍ﴾ أي: جماعة بعد جماعة وفرقة بعد فرقة وسرية بعد سرية، والثباب جمع ثبة، وقد تجمع الثبة على ثبين.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ أي: عصبًا، يعني: سرايا متفرقين، ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ يعني: كلكم (^٢)، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وخُصيف الجزري (^٣).
_________________
(١) = الحافظ ابن حجر: فيه نظر (تعجيل المنفعة ص ٣٣٣)، ويشهد له حديث أبي سعيد الخدري السابق المتفق عليه.
(٢) المعجم الكبير ١٢/ ٤٣٦ (ح ١٣٥٩٥)، وضعف سنده الهيثمي بسبب ضعف أيوب بن عتبة (مجمع الزوائد ١٠/ ٤١٠)، وضعفه الحافظ ابن كثير سندًا ومتنًا.
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة به.
(٤) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرج الطبري أثر السدي وقتادة كل واحد بإسناد حسن.
[ ٣ / ١٦٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ قال مجاهد وغير واحد: نزلت في المنافقين (^١).
وقال مقاتل بن حيان: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أي: ليتخلفن عن الجهاد (^٢). ويحتمل أن يكون المراد أنه يتباطأ هو في نفسه، ويبطئ غيره عن الجهاد كما كان عبد الله بن أُبي بن سلول - قبحه الله - يفعل، يتأخر عن الجهاد ويثبط الناس عن الخروج فيه. وهذا قول ابن جريج وابن جرير (^٣)، ولهذا قال تعالى إخبارًا عن المنافق أنه يقول إذا تأخر عن الجهاد: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي: قتل وشهادة وغلب العدو لكم لما لله في ذلك من الحكمة ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ أي: إذ لم أحضر معهم وقعة القتال يعد ذلك من نعم الله عليه، ولم يدر ما فاته من الأجر في الصبر أو الشهادة إن قتل.
﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: نصر وظفر وغنيمة ﴿لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ أي: كأنه ليس من أهل دينكم ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي: بأن يضرب لي بسهم معهم فأحصل عليه. وهو أكبر قصده وغاية مراده.
ثم قال تعالى: [﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ أي: المؤمن النافر] (^٤) ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي: يبيعون دينهم بعرض قليل من الدنيا، وما ذلك إلا لكفرهم وعدم إيمانهم، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: كل من قاتل في سبيل الله سواء قتل أو غلب وسلب فله عند الله مثوبة عظيمة وأجر جزيل، كما ثبت في الصحيحين: وتكفل الله للمجاهد في سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة" (^٥).
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾.
يحرض تعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله، وعلى السعي في استنقاذ المستضعفين بمكة من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين من المقام بها، ولهذا قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ يعني: مكة، كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، ثم وصفها بقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ أي: سخر لنا من عندك وليًا وناصرًا، قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل.
(٣) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو سنيد: ضعيف.
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (مح).
(٥) صحيح البخاري، فرض الخمس، باب قول النبي ﷺ: "أحلت لكم الغنائم" (ح ٣١٢٣)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب فضل الجهاد (ح ١٨٧٦).
[ ٣ / ١٦١ ]
سفيان عن [عبيد الله] (^١)، قال: سمعت ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين (^٢). حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس تلا ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: ٩٨] قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله ﷿ (^٣).
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ أي: المؤمنون يقاتلون في طاعة الله ورضوانه، والكافرون يقاتلون في طاعة الشيطان، ثم هيج تعالى المؤمنين على قتال أعدائه بقوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾.
كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصلاة والزكاة، وإن لم تكن ذات النصب، وكانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة منها: قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها: كونهم كانوا في بلدهم، وهو بلد حرام، أشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء كما يقال، فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار، ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودونه، جزع بعضهم منه، وخافوا مواجهة الناس خوفًا شديدًا ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي لو ما أخرت فرضه إلى مدة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، ويتم الأولاد، وتأيّم النساء، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١)﴾ الآيات [محمد].
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رزمة وعلي بن زنجة، قالا: حدثنا علي بن الحسن، عن الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، وعن عكرمة، عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي ﷺ بمكة، فقالوا: يا نبي الله، كنا في عزة ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، قال: "إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم" فلما حوله الله إلى المدينة، أمره بالقتال فكفوا، فأنزل الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا
_________________
(١) كذا في (حم) و(مح) وصحيح البخاري، وفي الأصل: "عبد الله" وهو تصحيف.
(٢) صحيح البخاري، تفسير سورة النساء، باب قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٥] (ح ٤٥٨٧).
(٣) المصدر السابق (ح ٤٥٨٨).
[ ٣ / ١٦٢ ]
الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ (^١)، ورواه النسائي والحاكم (^٢) وابن مردويه من حديث علي بن الحسن بن شقيق به، وقال أسباط، عن السدي: لم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال، فلما فرض عليهم القتال ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهو الموت.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (^٣). وقال مجاهد: إن هذه الآية نزلت في اليهود، رواه ابن جرير (^٤).
وقوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي: آخرة المتقي خير من دنياه. ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي: من أعمالكم بل توفونها أتم الجزاء، وهذه تسلية لهم عن الدنيا وترغيب لهم في الآخرة وتحريض لهم على الجهاد. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن زيد، عن هشام، قال: قرأ الحسن ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ قال: رحم الله عبدًا صحبها على حسب ذلك، وما الدنيا كلها أولها وآخرها إلا كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه (^٥).
[وقال ابن معين: كان أبو مصهر ينشد:
ولا خير في الدنيا لمن لم يكن … من الله في دار المقام نصيب
فإن تُعجب الدنيا رجالًا فإنها … متاع قليل والزوال قريب] (^٦)
وقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: أنتم صائرون إلى الموت لا محالة ولا ينجو منه أحد منكم، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]، وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] والمقصود أن كل أحد صائر إلى الموت لا محالة، ولا ينجيه من ذلك شيء سواء جاهد أو لم يجاهد، فإن له أجلًا محتومًا، ومقامًا مقسومًا، كما قال خالد بن الوليد حين جاء الموت على فراشه: لقد شهدت كذا وكذا موقفًا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء (^٧).
وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: حصينة منيعة عالية رفيعة، وقيل: هي بروج في السماء قاله السدي (^٨)، وهو ضعيف، والصحيح أنها المنيعة؛ أي: لا يغني حذر وتحصن من الموت، كما قال زهير بن أبي سلمى:
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسند صحيح.
(٢) سنن النسائي، الجهاد، باب وجوب الجهاد ٦/ ٣، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٢٨٩١)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠٧).
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط به.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد وهو مرسل.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٦) زيادة من (حم) و(مح).
(٧) أخرجه ابن عساكر من طريق أبي الزناد عن خالد (مختصر تاريخ ابن عساكر لابن منظور ٨/ ٢٦).
(٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
[ ٣ / ١٦٣ ]
ومن خاف أسباب المنايا يلقها … ولو رام أسباب السماء بسلّم (^١)
ثم قيل: المشيَّدة هي المشيدة كما قال: وقصر مشيد، وقيل: بل بينهما فرق، وهو أن المشيدة بالتشديد هي المطولة، وبالتخفيف هي المزينة بالشيد وهو الجص، وقد ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم - ههنا - حكاية مطولة عن مجاهد، أنه ذكر أن امرأة فيمن كان قبلنا أخذها الطلق، فأمرت أجيرها أن يأتيها بنار، فخرج فإذا هو برجل واقف على الباب، فقال: ما ولدت المرأة؟ فقال: جارية، فقال: أما إنها ستزني بمائة رجل ثم يتزوجها أجيرها ويكون موتها بالعنكبوت. قال: فكرّ راجعًا، فبعج بطن الجارية بسكين فشقه ثم ذهب هاربًا، وظن أنها قد ماتت، فخاطت أمها بطنها فبرئت وشبت وترعرعت ونشأت أحسن امرأة ببلدتها، فذهب ذاك الأجير ما ذهب ودخل البحور فاقتنى أموالًا جزيلة، ثم رجع إلى بلده وأراد التزوج، فقال لعجوز: أريد أن أتزوج بأحسن امرأة بهذه البلدة، فقالت: ليس ههنا أحسن من فلانة، فقال: اخطبيها علي، فذهبت إليها فأجابت، فدخل بها فأعجبته إعجابًا شديدًا، فسألته عن أمره ومن أين مقدمه، فأخبرها خبره وما كان من أمره في الجارية، فقالت: أنا هي وأرته مكان السكين، فتحقق ذلك، فقال: لئن كنت إياها فلقد أخبرني باثنتين لا بد منهما:
(إحداهما) أنك قد زنيت بمائة رجل، فقالت: لقد كان شيء من ذلك ولكن لا أدري ما عددهم فقال: هم مائة.
(والثاني) أنك تموتين بالعنكبوت فاتخذ لها قصرًا منيعًا شاهقًا ليحرزها من ذلك، فبينما هم يومًا فإذا بالعنكبوت في السقف فأراها، فقالت: أهذه هي التي تحذرها علي، والله لا يقتلها إلا أنا، فأنزلوها من السقف، فعمدت إليها فوطئتها بإبهام رجلها فقتلتها، فطار من سمها شيء فوقع بين ظفرها ولحمها واسودت رجلها، فكان في ذلك أجلها، فماتت (^٢).
ونذكر ههنا قصة صاحب الحضر وهو الساطرون لما احتال عليه [سابور] (^٣) حتى حصره فيه وقتل من فيه بعد محاصرة سنتين، وقالت العرب في ذلك أشعارًا منها:
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجـ … لة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرًا وجلله كلسًا … فللطير في ذراه وكور
لم تهبه أيدي المنون فباد الـ … ملك عنه فبابه مهجور
ولما دخل على عثمان جعل يقول: اللهم اجمع أمة محمد ثم تمثل بقول الشاعر:
أرى الموت لا يبقى عزيزًا ولم يدع … لعاد ملاذًا في البلاد ومربعًا
يبيت أهل الحصن والحصن مغلق … ويأتي الجبال في شماريخها معًا
[قال ابن هشام: وكان كسرى سابور ذو الأكتاف قتل الساطرون ملك الحضر، وقال ابن هشام: إن الذي قتل صاحب الحضر سابور بن أردشير بن بابك أول ملوك بني ساسان، وأذل
_________________
(١) ديوان زهير ص ٣٠.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم كلاهما من طريق أبي همام عيسى بن حميد الراسبي عن كثير أبي الفضل عن مجاهد، وأبو همام ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٦/ ٢٧٤)، والقصة فيها غرابة كيف قتلها بذلك السبب، وكيف تزوجها وعرف أنها وقعت في ذلك المنكر.
(٣) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "سابر" وهو تصحيف.
[ ٣ / ١٦٤ ]
ملوك الطوائف، ورد الملك إلى الأكاسرة، فأما سابور ذو الأكتاف فهو من بعد ذلك بزمن طويل، والله أعلم، ذكره السهيلي، قال ابن هشام: فحصره سنتين وذلك لأنه كان أغار على بلاد سابور في غيبته وهو في العراق، وأشرفت بنت الساطرون وكان اسمها النضيرة، فنظرت إلى سابور وعليه ثياب ديباج، وعلى رأسه تاج من ذهب مكلل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ، فدست إليه أن تتزوجني إن فتحت لك باب الحصن، فقال: نعم، فلما أمسى ساطرون شرب حتى سكر وكان لا يبيت إلا سكران، فأخذت مفاتيح باب الحصن من تحت رأسه فبعثت بها مع مولى لها ففتح الباب، ويقال: دلتهم على طلسم كان في الحصن لا يفتح حتى تؤخذ حمامة ورقاء فتخضب رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء، ثم ترسل، فإذا وقعت على سور الحصن سقط ذلك ففتح الباب، ففعل ذلك، فدخل سابور، فقتل ساطرون واستباح الحصن وخربه، وسار بها معه وتزوجها، فبينما هي نائمة على فراشها ليلًا إذ جعلت تتململ لا تنام، فدعا لها بالشمع ففتش فراشها فوجد فيه ورقة آس، فقال لها سابور: هذا الذي أسهرك فما كان أبوك يصنع بك؟ قالت: كان يفرش لي الديباج ويلبسني الحرير، ويطعمني المخ، ويسقيني الخمر، قال الطبري (^١): كان يطعمني المخ والزبد، وشهد أبكار النحل، وصفو الخمر! وذكر أنه كان يرى مخ ساقها، قال: فكان جزاء أبيك ما صنعت به؟! أنت إلي بذاك أسرع، ثم أمر بها فربطت قرون رأسها بذنب فرس، فركض الفرس حتى قتلها، وفيه يقول عدي بن زيد العبادي أبياته المشهورة:
أيها الشامت المعير بالدهر … أأنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيـ … ــام بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلد أم من … ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك … أنوشروان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك … الروم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه … وإذ دجلة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرًا وجلله … كلسًا فللطير في ذراه وكور
لم تهبه ريب المنون فباد الـ … ملك عنه فبابه مهجور
وتذكر رب الخورنق إذا شرف … يومًا وللهدى تفكير
سرَّه ماله وكثرة ما يملك … والبحر معرض والسدير
فارعوى قلبه وقال فما … غبطة حي إلى الممات يصير
ثم أضحوا كأنهم ورق جف … فألوت به الصبا والدبور
ثم بعد الفلاح والملك والأمة … وارتهم هناك القبور] (^٢)
وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ أي: خصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحو ذلك، هذا معنى قول ابن عباس وأبي العالية والسدي (^٣): ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: قحط وجدب ونقص في الثمار والزروع أو موت أولاد أو إنتاج أو غير ذلك كما يقوله أبو العالية والسدي (^٤)،
_________________
(١) لم أجده في تفسير الطبري.
(٢) ما بين معقوفين زيادة من (مح).
(٣) (^٤) قول أبي العالية أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن.
[ ٣ / ١٦٥ ]
﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: من قبلك وبسبب اتباعنا لك واقتدائنا بدينك، كما قال تعالى عن قوم فرعون: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وكما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١]، وهكذا قال هؤلاء المنافقون الذين دخلوا في الإسلام ظاهرًا وهم كارهون له في نفس الأمر، ولهذا إذا أصابهم شر إنما يسندونه إلى اتباعهم النبي ﷺ. وقال السدي: وإن تصبهم حسنة، قال: والحسنة الخصب، تنتج مواشيهم وخيولهم وأنعامهم، ويحسن حالهم وتلد نساؤهم الغلمان، قالوا: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ والسيئة الجدب والضرر في أموالهم، تشاءموا بمحمد ﷺ وقالوا: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يقولون: بتركنا ديننا واتباعنا محمدًا أصابنا هذا البلاء، فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (^١).
وقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: الجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البر والفاجر والمؤمن والكافر.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، أي: الحسنة والسيئة (^٢). وكذا قال الحسن البصري.
ثم قال تعالى منكرًا على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب، وقلة فهم وعلم وكثرة جهل وظلم: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾.
ذكر حديث غريب يتعلق بقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا السكن بن سعيد، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا إسماعيل بن حماد، عن مقاتل بن حيان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ، فأقبل أبو بكر وعمر في قبيلتين من الناس وقد ارتفعت أصواتهما، فجلس أبو بكر قريبًا من النبي ﷺ، وجلس عمر قريبًا من أبي بكر، فقال رسول الله ﷺ: "لم ارتفعت أصواتكما؟ " فقال رجل: يا رسول الله، قال أبو بكر: يا رسول الله الحسنات من الله والسيئات من أنفسنا، فقال رسول الله ﷺ: "فما قلت يا عمر؟ " فقال: قلت: الحسنات والسيئات من الله فقال رسول الله ﷺ: "إن أول من تكلم فيه جبريل وميكائيل، فقال مكيائيل مقالتك يا أبا بكر، وقال جبريل مقاتلك يا عمر" فقال: "نختلف فيختلف أهل السماء وإن يختلف أهل السماء يختلف أهل الأرض، فتحاكما إلى إسرائيل فقضى بينهم أن الحسنات والسيئات من الله". ثم أقبل على أبي بكر وعمر فقال: "احفظا قضائي بينكما، لو أراد الله أن لا يعصى لما خلق إبليس" (^٣).
قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس بن تيمية: هذا حديث موضوع (^٤) مختلق باتفاق أهل المعرفة.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق رجل مبهم عن السدي وسنده ضعيف بسبب الإبهام والإرسال.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة به.
(٣) أخرجه البزار بسنده ومتنه كما في مختصر زوائد مسند البزار، وقال الحافظ ابن حجر: هذا خبر منكر وفي الإسناد ضعف (ح ١٥٩٧).
(٤) وكذلك جعله ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٢٧٣).
[ ٣ / ١٦٦ ]
ثم قال تعالى مخاطبًا لرسوله ﷺ والمراد جنس الإنسان ليحصل الجواب: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أي: من فضل الله ومنه ولطفه ورحمته ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: فمن قبلك، ومن عملك أنت، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠] قال السدي والحسن البصري وابن جريج وابن زيد: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: بذنبك (^١). وقال قتادة في الآية ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾: عقوبة لك يا ابن آدم بذنبك. قال: وذكر لنا أن النبي ﷺ قال: "لا يصيب رجلًا خدش عود ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله أكثر" (^٢)، وهذا الذي أرسله قتادة قد روي متصلًا في الصحيح: "والذي نفسي بيده لا يصيب المؤمن هم ولا حزن، ولا نصب، حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر الله عنه بها من خطاياه" (^٣).
وقال [أبو صالح] (^٤): ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: بذنبك وأنا الذي قدرتها عليك، رواه ابن جرير (^٥). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا سهل - يعني: ابن بكار -، حدثنا الأسود بن شيبان، حدثني عقبة بن واصل ابن أخي مطرف، عن مطرف بن عبد الله، قال: ما تريدون من القدر أما تكفيكم الآية التي في سورة النساء ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: من نفسك، والله ما وكلوا إلى القدر وقد أمروا وإليه يصيرون (^٦).
وهذا كلام متين قوي في الرد على القدرية والجبرية أيضًا. ولبسطه موضع آخر.
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ أي: تبلغهم شرائع الله وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي: على أنه أرسلك وهو شهيد أيضًا بينك وبينهم، وعالم بما تبلغهم إياه وبما يردون عليك من الحق كفرًا وعنادًا.
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾.
يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد ﷺ بأن من أطاعه فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
_________________
(١) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق معمر عنه، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الحسين، وهو: سنيد، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن لكنه مرسل ويشهد ما يليه.
(٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري (صحيح البخاري، المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض ح ٥٦٤١، ٥٦٤٢)، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض (ح ٢٥٧٣).
(٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "ابن صالح" وهو تصحيف.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه عقبة بن واصل، ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٦/ ٣١٨).
[ ٣ / ١٦٧ ]
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني" (^١)، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين عن الأعمش [به] (^٢) (^٣).
وقوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: ما عليك منه إن عليك إلا البلاغ فمن اتبعك سعد ونجا، وكان لك من الأجر نظير ما حصل له، ومن تولى عنك خاب وخسر وليس عليك من أمره شيء، كما جاء في الحديث: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه" (^٤).
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يخبر تعالى عن المنافقين بأنهم يظهرون الموافقة والطاعة ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: خرجوا وتواروا عنك ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ أي: استسروا ليلًا فيما بينهم بغير ما أظهروه لك، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ أي: يعلمه ويكتبه عليهم بما يأمر به حفظته الكاتبين الذي هم موكلون بالعباد، يعلمون ما يفعلون والمعنى في هذا التهديد أنه تعالى يخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم، وما يتفقون عليه ليلًا من مخالفة الرسول ﷺ وعصيانه وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة، وسيجزيهم على ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [النور: ٤٧]، وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: اصفح عنهم واحلم عليهم ولا تؤاخذهم، ولا تكشف أمورهم للناس، ولا تخف منهم أيضًا ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: كفى به وليًا وناصرًا ومعينًا لمن توكل عليه وأناب إليه.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾.
يقول تعالى آمرًا لهم بتدبر القرآن وناهيًا لهم عن الإعراض عنه وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، ومخبرًا لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، ولا تعارض لأنه تنزيل من حكيم حميد فهو حق من حق، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]، ثم قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ أي: لو كان مفتعلًا مختلقًا، كما يقوله من يقول من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم لوجدوا فيه اختلافًا؛ أي: اضطرابًا وتضادًا كثيرًا؛ أي: وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله، كما قال تعالى مخبرًا عن الراسخين في العلم حيث
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) "به" سقطت من الأصل واستدركت من (حم) و(مح).
(٣) صحيح البخاري، الأحكام، باب قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] (ح ٧١٣٧)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية (ح ١٨٣٥).
(٤) أخرجه مسلم من حديث عَدي بن حاتم بنحوه (الصحيح، الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة ح ٨٧٠).
[ ٣ / ١٦٨ ]
قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] أي: محكمه ومتشابهه حق، فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه فغووا، ولهذا مدح تعالى الراسخين وذم الزائغين.
قال الإمام أحمد: حدثنا أنس بن عياض، حدثنا أبو حازم، حدثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: لقد جلست أنا وأخي مجلسًا ما أحب أن لي به حمر النعم، أقبلت أنا وأخي وإذا مشيخة من صحابة رسول الله ﷺ على باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حجرة إذ ذكروا آية من القرآن فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم فخرج رسول الله ﷺ مغضبًا قد احمرّ وجهه يرميهم بالتراب ويقول: "مهلًا يا قوم بهذا أهلكت الأمم من قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضًا، إنما نزل يصدق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه" (^١). وهكذا رواه أيضًا عن أبي معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم والناس يتكلمون في القدر، فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال لهم: "ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض، بهذا هلك من كان قبلكم" قال: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله ﷺ ولم أشهده ما غبطت نفسي بذلك المجلس أني لم أشهده (^٢)، ورواه ابن ماجه من حديث داود بن أبي هند به نحوه (^٣).
وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، قال: كتب إليَّ [عبد الله] (^٤) بن رباح يحدث عن عبد الله بن عمرو، قال: هجرت إلى رسول الله ﷺ يومًا، فإنا لجلوس إذ اختلف اثنان في آية، فارتفعت أصواتهما، فقال: "إنما هلكت الأمم قبلكم باختلافهم في الكتاب" (^٥). ورواه مسلم والنسائي من حديث حماد بن زيد به (^٦).
وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة. وقد قال مسلم في مقدمة صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن حفص، حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع" (^٧). وكذا رواه أبو داود في كتاب الأدب من سننه عن محمد بن الحسين بن إشكاب، عن
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٦٧٠٢)، وسنده حسن.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٧٨)، وسنده حسن.
(٣) السنن، المقدمة، باب في القدر (ح ٨٥)، وقال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات (مصباح الزجاجة ١/ ٥٨)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه ح ٦٩).
(٤) زيادة من (حم) و(مح) والتخريج.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ١٩٢)، وسنده صحيح.
(٦) صحيح مسلم، العلم، باب النهي عن اتباع متشابه القرآن (ح ٢٦٦٦)، والسنن الكبرى للنسائي، كتاب فضائل القرآن (ح ٨٠٩٥).
(٧) صحيح مسلم، المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع (ح ٥).
[ ٣ / ١٦٩ ]
علي بن حفص عن شعبة مسندًا، ورواه مسلم أيضًا من حديث معاذ بن هشام العنبري وعبد الرحمن بن مهدي، وأخرجه أبو داود أيضًا من حديث حفص بن عمرو النمري، ثلاثتهم عن شعبة، عن خبيب، عن حفص بن عاصم به، مرسلًا (^١).
وفي الصحيحين، عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله ﷺ، نهى عن قيل وقال (^٢)؛ أي: الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت، ولا تدبر، ولا تبين.
وفي سنن أبي داود أن رسول الله ﷺ قال: "بئس مطية الرجل زعموا" (^٣).
وفي الصحيح: "من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" (^٤).
ولنذكر ههنا حديث عمر بن الخطاب المتفق على صحته حين بلغه أن رسول الله ﷺ، طلق نساءه، فجاء من منزله حتى دخل المسجد فوجد الناس يقولون ذلك، فلم يصبر حتى استأذن على النبي ﷺ، فاستفهمه: أطلقت نساءك؟ فقال: "لا" فقمت: الله أكبر … وذكر الحديث بطوله (^٥).
وعند مسلم فقلت: أطلقتهن؟ فقال: "لا". فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي، لم يطلق رسول الله ﷺ نساءه، ونزلت هذه الآية ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر (^٦). ومعنى يستنبطونه؛ أي: يستخرجونه من معادنه، يقال: استنبط الرجل العين إذا حفرها واستخرجها من قعورها.
وقوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني المؤمنون (^٧).
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني: كلكم (^٨).
واستشهد من نصر هذا القول بقول الطِّرمَّاح بن حكيم في مدح يزيد بن المهلب:
اشمَّ كثير يدي النوال … قليل المثالب والقادحة (^٩)
يعني: لا مثالب له ولا قادحة فيه.
_________________
(١) المصدر السابق وسنن أبي داود، الأدب، باب التشديد في الكذب (ح ٤٩٩٢).
(٢) صحيح البخاري، الزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] (ح ١٤٧٧)، وصحيح مسلم، الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة (ح ٥٩٣).
(٣) السنن، الأدب، باب قول الرجل: زعموا (ح ٤٩٧٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود و(ح ٤١٥٨).
(٤) صحيح مسلم، المقدمة ص ٩.
(٥) صحيح البخاري، العلم، باب التناوب في العلم (ح ٨٩)، وصحيح مسلم، الطلاق، باب في الإيلاء واعتزال النساء (ح ١٤٧٩).
(٦) المصدر السابق.
(٧) أخرجه الطبرى وابن أبي حاتم بسند ثابت عن ابن أبي طلحة به.
(٨) أخرجه عبد الرزاق بسنده ولفظه، وسنده صحيح.
(٩) ديوان الطرماح ص ٨٣.
[ ٣ / ١٧٠ ]
﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾.
يأمر تعالى عبده ورسوله محمدًا ﷺ بأن يباشر القتال بنفسه، ومن نكل عنه فلا عليه منه، ولهذا قال: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عمرو بن زنيج، حدثنا حكام، حدثنا الجراح الكندي، عن أبي إسحاق، قال: سألت البراء بن عازب عن الرجل يلقى مائة من العدو فيقاتل فيكون ممن قال الله فيه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]؟ قال: قد قال الله تعالى لنبيه: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١).
ورواه الإمام أحمد عن سليمان بن داود، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، قال: قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: لا، إن الله بعث رسوله ﷺ وقال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ إنما ذلك في النفقة (^٢). وكذا رواه ابن مردويه من طريق أبي بكر بن عياش وعلي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن البراء به.
ثم قال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن النضر العسكري، حدثنا مسلم بن عبد الرحمن الجرمي، حدثنا محمد بن حمير، حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما نزلت على النبي ﷺ ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، قال لأصحابه: "وقد أمرني ربي بالقتال فقاتلوا" حديث غريب (^٣).
وقوله: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ …﴾ أي: على القتال ورغبهم فيه وشجعهم عليه، كما قال لهم ﷺ يوم بدر وهو يسوي الصفوف: "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض" (^٤).
وقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك، فمن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، وصام رمضان، كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها". قالوا: يا رسول الله أفلا نبشر الناس بذلك؟ فقال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة" (^٥) وروي من حديث عبادة ومعاذ وأبي الدرداء، نحو ذلك.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٨١)، وسنده صحيح وقد أخرجه البخاري من حديث حذيفة (الصحيح، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ح ٤٥١٦).
(٣) في سنده محمد بن حمير تُكلم فيه (لسان الميزان ٥/ ١٥٠).
(٤) أخرجه مسلم من حديث أنس مطولًا (الصحيح، الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد ح ١٩٠١).
(٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب درجات المجاهدين في سبيل الله (ح ٢٧٩٠).
[ ٣ / ١٧١ ]
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا سعيد، من رضي بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا ونبيًا، [وجبت له الجنة] (^١) "، قال: فعجب لها أبو سعيد، فقال: أعدها عليّ يا رسول الله، ففعل، ثم قال رسول الله ﷺ: "وأخرى يرفع الله العبد بها مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض". قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"، رواه مسلم (^٢).
وقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هممهم على مناجزة الأعداء. ومدافعتهم عن حوزة الإسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ أي: هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤].
وقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ أي: من يسعى في أمر فيترتب عليه خير كان له نصيب من ذلك، ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ أي: يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته، كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ، أنه قال: "اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء" (^٣).
وقال مجاهد بن جبر: نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض (^٤).
وقال الحسن البصري: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ﴾ ولم يقل: من يشفّع (^٥).
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾.
قال ابن عباس وعطاء وعطية وقتادة ومطر الوارق ﴿مُقِيتًا﴾ أي: حفيظًا (^٦).
وقال مجاهد: شهيدًا، وفي رواية عنه: حسيبًا (^٧).
وقال سعيد بن جبير والسدي وابن زيد: قديرًا (^٨).
_________________
(١) سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح) والتخريج.
(٢) صحيح مسلم، الإمارة، باب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد في الجنة (ح ١٨٨٤).
(٣) أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري (صحيح البخاري، الزكاة، باب التحريض على الصدقة والشفاعة فيها ح ١٤٣٢)، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب استحباب الشفاعة (ح ٢٦٢٧).
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حميد الطويل عن الحسن بنحوه، وأخرجه الطبري بسند ضعيف لم يصرح باسم شيخه بلفظه.
(٦) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وبقية الأقوال ذكرها أبي حاتم بحذف السند.
(٧) القول الأول عن مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، والقول الثاني عن مجاهد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق شريك عن خُصيف عنه.
(٨) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
[ ٣ / ١٧٢ ]
وقال عبد الله بن كثير: المقيت: الواصب (^١).
وقال الضحاك: المقيت: الرزاق (^٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحيم بن مطرف، حدثنا عيسى بن يونس، عن إسماعيل، عن رجل، عن عبد الله بن رواحة، وسأله رجل عن قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ قال: مقيت لكل إنسان بقدر عمله (^٣).
وقوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ أي: إذا سلم عليكم المسلم فردوا عليه أفضل مما سلم، أو ردوا عليه بمثل ما سلم، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة.
قال ابن جرير: حدثنا موسى بن سهل الرملي، حدثنا عبد الله بن [السري] (^٤) الأنطاكي، حدثنا هشام بن لاحق، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال: "وعليك السلام ورحمة الله"، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال له رسول الله ﷺ: "وعليك السلام ورحمة الله وبركاته" ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال له: "وعليك"، فقال له الرجل: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت عليّ فقال: "إنك لم تدع لنا شيئًا، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ فرددناها عليك" (^٥). وهكذا رواه ابن أبي حاتم معلقًا، فقال: ذكر عن أحمد بن الحسن الترمذي، حدثنا عبد الله بن السري أبو محمد الأنطاكي، قال أبو الحسن - وكان رجلًا صالحًا -: حدثنا هشام بن لاحق … فذكره بإسناده مثله (^٦)، ورواه أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا هشام بن لاحق أبو عثمان … فذكره مثله (^٧)، ولم أره في المسند، والله أعلم.
وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا زيادة في السلام على هذه الصفة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إذ لو شرع أكثر من ذلك لزاده رسول الله ﷺ.
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كثير أخو سليمان بن كثير، حدثنا جعفر بن سليمان بن عوف، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران بن حصين أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ، فقال: السلام عليكم يا رسول الله، فرد عليه ثم جلس، فقال: "عشر"، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله يا رسول الله، فرد عليه ثم جلس، فقال: "عشرون"، ثم جاء آخر فقال:
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو سند ضعيف.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لإبهام شيخ إسماعيل.
(٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: "السدي" وهو تصحيف.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن عبد الله بن السري روى مناكير كثيرة (التقريب ص ٣٠٥).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتن، وحكمه كسابقه.
(٧) في سنده هشام بن لاحق ضعفه العقيلي، وترك حديثه الإمام أحمد (لسان الميزان ٦/ ١٩٨).
[ ٣ / ١٧٣ ]
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه، ثم جلس فقال: "ثلاثون" (^١)، وكذا رواه أبو داود عن محمد بن كثير، وأخرجه الترمذي والنسائي والبزار من حديثه، ثم قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. وفي الباب عن أبي سعيد وعلي وسهل بن حنيف (^٢).
وقال البزار: قد روي هذا عن النبي ﷺ من وجوه هذا أحسنها إسنادًا.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن الحسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه وإن كان مجوسيًا، ذلك بأن الله يقول: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (^٣).
وقال قتادة: فحيوا بأحسن منها؛ يعني للمسلمين، أو ردوها؛ يعني لأهل الذمة (^٤). وهذا التنزيل فيه نظر كما تقدم في الحديث من أن المراد أن يرد بأحسن مما حياه به، فإن بلغ المسلم غاية ما شرع في السلام، رد عليه مثل ما قال، فأما أهل الذمة فلا يبدؤون بالسلام ولا يزادون، بل يرد عليهم بما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليكم، فقل: وعليك" (^٥).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه" (^٦).
وقال سفيان الثوري، عن رجل، عن الحسن البصري، قال: السلام تطوع والرد فريضة (^٧).
وهذا الذي قال، هو قول العلماء قاطبة، أن الرد واجب على من سلم عليه، فيأثم إن لم يفعل، لأنه خالف أمر الله في قوله: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود بسنده إلى أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم"] (^٨) (^٩).
وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إخبار بتوحيده وتفرده بالإلهية لجميع المخلوقات وتضمن قسمًا
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٤٣٩)، وسنده حسن، وسيأتي تخريجه.
(٢) سنن أبي داود، الأدب، باب كيف السلام؟ (ح ٥١٩٥)، وسنن الترمذي، الاستئذان، باب ما ذكر في فضل السلام وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه، والسنن الكبرى للنسائي (ح ١٠١٦٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢١٦٣).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري من طريق سماك به (الأدب المفرد ح ١١٠٧)، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٨٤٣).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٥) صحيح البخاري، الاستئذان، باب كيف يرد على أهل الذمة السلام؟ (ح ٦٢٥٧)، وصحيح مسلم، السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب السلام (ح ٢١٦٤).
(٦) المصدر السابق (ح ٢١٦٧).
(٧) أخرجه الطبري من طريق الثوري به، وفي سنده انقطاع لإبهام شيخ الثوري، وأخرجه البخاري متصلًا عن الحسن (الأدب المفرد ح ١٠٤٠)، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (ح ٧٩٤).
(٨) سنن أبي داود، الأدب، باب في إفشاء السلام (ح ٥١٩٣)، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة أيضًا (الصحيح، الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون ح ٩٣).
(٩) ما بين معقوفين لا يوجد في النسخ واستدرك من نسخة دار الكتب حسب طبعة البابي الحلبي.
[ ٣ / ١٧٤ ]
لقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وهذه اللام موطئة للقسم، فقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر وقسم أنه سيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ أي: لا أحد أصدق منه في حديثه وخبره ووعده ووعيده، فلا إله إلا هو ولا رب سواه.
﴿* فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾.
يقول تعالى منكرًا على المؤمنين في اختلافهم في المنافقين على قولين، واختلف في سبب ذلك فقال الإمام أحمد: حدثنا بهز، حدثنا شعبة، قال عدي بن ثابت: أخبرني عبد الله بن يزيد عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ خرج إلى أُحد فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا، هم المؤمنون، فأنزل الله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ فقال رسول الله ﷺ: "إنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الفضة" (^١) أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة (^٢).
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في وقعة أُحد أن عبد الله بن أبي بن سلول رجع يومئذٍ بثلث الجيش، رجع بثلاثمائة وبقي النبي ﷺ في سبعمائة (^٣).
وقال العوفي، عن ابن عباس: نزلت في قوم كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس، وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم، وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله، أو كما قالوا: أتقتلون قومًا قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم، نستحل دماءهم وأموالهم؟ فكانوا كذلك فئتين، والرسول عندهم لا ينهى واحدًا من الفريقين عن شيء، فنزلت ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾. رواه ابن أبي حاتم (^٤).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٩٩٢١)، وهو حديث متفق عليه كما يلي.
(٢) صحيح البخاري، تفسير سورة النساء، باب ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] ح ٤٥٨٩)، وصحيح مسلم، صفات المنافقين (ح ٢٧٧٦).
(٣) ذكره ابن إسحاق بدون سند (سيرة ابن هشام ٢/ ٦٤).
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق العوفي به وسنده ضعيف، ولد شواهد تالية.
[ ٣ / ١٧٥ ]
وقد روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم قريب من هذا (^١).
وقال زيد بن أسلم، عن ابن لسعد بن معاذ: أنها نزلت في تقاول الأوس والخزرج في شأن عبد الله بن أُبي، حين استعذر من رسول الله ﷺ على المنبر في قضية الإفك (^٢). وهذا غريب، وقيل غير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: ردهم وأوقعهم في الخطأ.
قال ابن عباس: ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ أي: أوقعهم (^٣).
وقال قتادة: أهلكهم (^٤).
وقال السدي: أضلهم (^٥).
وقوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول واتباعهم الباطل ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أي: لا طريق له إلى الهدى ولا مخلص له إليه،
وقوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ أي: هم يودون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها وما ذاك إلا لشدة عدواتهم وبغضهم لكم، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تركوا الهجرة، قاله العوفي عن ابن عباس (^٦).
وقال السدي: أظهروا كفرهم (^٧).
﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ أي: لا توالوهم ولا تستنصروا بهم على أعداء الله ما داموا كذلك،
ثم استثنى الله من هؤلاء، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: إلا الذين لجأوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة، أو عقد ذمة فاجعلوا حكمهم كحكمهم، وهذا قول السدي وابن زيد وابن جرير (^٨).
وقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال: لما ظهر النبي ﷺ على أهل بدر وأحد وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج، فأتيته فقلت: أنشدك النعمة، فقالوا: صه، فقال النبي ﷺ: "دعوه، ما تريد؟ " قال:
_________________
(١) قول أبي سلمة بن عبد الرحمن أخرجه ابن أبي حاتم والإمام أحمد (المسند ١/ ١٩٢)، بسند حسن، وقول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح لكنه مرسل، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح لكنه مرسل وهذه المراسيل يقوي بعضها بعضًا.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم به.
(٣) أخرجه الطبري وابن حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عن قتادة.
(٥) أخرجه الطبري وأبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف عن العوفي به.
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٨) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.
[ ٣ / ١٧٦ ]
بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومي أسلموا ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا [لم تخشن] (^١) قلوب قومك عليهم، فأخذ رسول الله ﷺ بيد خالد بن الوليد فقال: "اذهب معه فافعل ما يريد" فصالحهم خالد على ألا يعينوا على رسول الله ﷺ وإن أسلمت قريش أسلموا معهم، فأنزل الله ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (^٢).
ورواه ابن مردويه من طريق حماد بن سلمة، وقال: فأنزل الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ فكان من وصل إليهم كان معهم على عهدهم (^٣)، وهذا أنسب لسياق الكلام.
وفي صحيح البخاري في قصة صلح الحديبية: فكان من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد ﷺ وأصحابه وعهدهم (^٤).
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخها قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية (^٥) [التوبة: ٥].
وقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾، هؤلاء قوم آخرون من المستثنين عن الأمر بقتالهم وهم الذي يجئيون إلى المصاف وهم حصرة صدروهم؛ أي: ضيقة صدروهم مبغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضًا أن يقاتلوا قومهم معكم بل هم لا لكم ولا عليكم ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ أي: من لطفه بكم أن كفهم عنكم ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي: المسالمة ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ أي: فليس لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين فحضروا القتال وهم كارهون كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي ﷺ يومئذٍ عن قتل العباس وأمر بأسره.
وقوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾، هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء قوم منافقون يظهرون للنبي ﷺ ولأصحابه الإسلام ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم، ويصانعون الكفار في الباطن فيعبدون معهم ما يعبدون ليأمنوا بذلك عندهم وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]، وقال ههنا: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ أي: انهمكوا فيها.
وقال السدي: الفتنة - ههنا - الشرك (^٦).
وحكى ابن جرير عن مجاهد أنها نزلت في أقوام من أهل مكة كانوا يأتون النبي ﷺ فيسلمون
_________________
(١) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وسقط من الأصل.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف علي بن زيد بن جدعان.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة من طريق حماد به (المصنف ١٤/ ٢٣٢)، وفي سنده أيضًا علي بن زيد بن جدعان.
(٤) صحيح البخاري، الشروط، باب الشروط في الجهاد (ح ٢٧٣١).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عطاء الخراساني عن ابن عباس، وسنده ضعيف لأن عطاء لم يسمع من ابن عباس.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
[ ٣ / ١٧٧ ]
رياء ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا (^١). ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ [المهادنة والصلح] (^٢) ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: عن القتال، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ [إسراء] (^٣) ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: أين لقيتموهم، ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: بينًا واضحًا.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾.
يقول تعالى: ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، وكما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (^٤) ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث، فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله، وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه، وقوله: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ قالوا: هو استثناء منقطع، كقول الشاعر (^٥):
من البيض لم تظعن بعيدًا ولم تطأ … على الأرض إلا ريط مُرحَّل (^٦)
ولهذا شواهد كثيرة. واختلف في سبب نزول هذه، فقال مجاهد وغير واحد: نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه وهي أسماء بنت مخرمة، وذلك أنه قتل رجلًا كان يعذبه مع أخيه على الإسلام وهو الحارث بن يزيد العامري، فأضمر له عياش السوء، فاسلم ذلك الرجل وهاجر وعياش لا يشعر، فلما كان يوم الفتح رآه فظن أنه على دينه فحمل عليه فقتله، فأنزل الله هذه الآية (^٧).
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: نزلت في أبي الدرداء لأنه قتل رجلًا وقد قال كلمة الإيمان حين رفع عليه السيف، فأهوى به إليه فقال كلمته، فلما ذكر ذلك للنبي ﷺ، قال: إنما قالها متعوذًا فقال له: "هل شققت عن قلبه؟ " (^٨)، وهذه القصة في الصحيح لغير أبي الدرداء.
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل.
(٢) (^٣) ما بين معقوفين زيادة من نسخة دار الكتب المصرية كما في طبعة البابي الحلبي.
(٣) صحيح البخاري، الديات، باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ …﴾ [المائدة: ٤٥] (ح ٦٨٧٨)، وصحيح مسلم، القسامة، باب ما يباح به دم المسلم (ح ١٦٧٦).
(٤) هو جرير بن عطية الغطفي كما صرح الطبري في تفسيره.
(٥) ديوان جرير بن عطية ٢/ ٩٤٥، والمرحل: نوع من ملابس اليمن سُمي مرحلًا لأن عليه تصاوير رحل (لسان العرب: ر ح ل)
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل ويتقوى بمرسل رواه ابن أبي حاتم بسند حسن عن سعيد بن جبير.
(٧) أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن زيد به، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن وانقطاعه لأنه لم =
[ ٣ / ١٧٨ ]
وقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ هذان واجبان في قتل الخطأ، أحدهما الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم وإن كان خطأ، ومن شرطها أن تكون عتق رقبة مؤمنة فلا تجزئ [الكافرة] (^١) وحكى ابن جرير عن ابن عباس والشعبي وإبراهيم النخعي والحسن البصري أنهم قالوا: لا يجزئ الصغير حتى يكون قاصدًا للإيمان (^٢).
وروي من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، قال: في حرف، فتحرير رقبة مؤمنة لا يجزئ فيها صبي (^٣). واختار ابن جرير أنه إن كان مولودًا بين أبوين مسلمين أجزأ وإلا فلا، والذي عليه الجمهور أنه متى كان مسلمًا صح عتقه عن الكفارة سواء كان صغيرًا أو كبيرًا.
قال الإمام أحمد: أنبأنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن رجل من الأنصار: أنه جاء بأمة سوداء، فقال: يا رسول الله، إن علي عتق رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها، فقال لها رسول الله: "أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ " قالت: نعم. قال: "أتشهدين أني رسول الله؟ " قالت: نعم. قال: "أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ " قالت: نعم. قال: "أعتقها" (^٤). وهذا إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره.
وفي موطأ مالك ومسندي الشافعي وأحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي من طريق هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم: أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء، قال لها رسول الله ﷺ: "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال: "من أنا؟ " قالت: رسول الله ﷺ، قال: "أعتقها، فإنها مؤمنة" (^٥).
وقوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ هو الواجب الثاني فيما بين القاتل وأهل القتيل عوضًا لهم عما فاتهم من قتليهم، وهذه الدية إنما تجب أخماسًا، كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث الحجاج بن أرطأة، عن زيد بن جبير، عن خشف بن مالك، عن ابن مسعود، قال: قضى رسول الله ﷺ في دية الخطأ عشرين بنت مخاض (^٦)، وعشرين بني مخاض ذكورًا، وعشرين بنت لبون (^٧)، وعشرين جذعة (^٨)، وعشرين حقة (^٩)، لفظ [النسائي] (^١٠) قال الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا
_________________
(١) = يسمع من أبي الدرداء، ومتنه مخالف لما في الصحيح.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "الكفارة" وهو تصحيف.
(٣) قول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق معمر عن قتادة، وقول إبراهيم النخعي أخرجه الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.
(٤) سنده صحيح.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٥١)، وصحَّح سنده الحافظ ابن كثير، وأخرجه عبد الرزاق به (المصنف رقم ١٦٨١٤)، وقال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١/ ٢٨).
(٦) الموطأ، العتق، باب ما يجوز من العتق ٢/ ٥٩٥، ومسند الشافعي (ح ١١٩٦)، ومسند أحمد ٥/ ٤٤٧، وصحيح مسلم، المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة (ح ٥٣٧)، مطولًا، وكفي بتصحيح مسلم.
(٧) هي التي أتى عليها الحول (سنة).
(٨) هي التي أتى عليها حولان (سنتان).
(٩) هي التي دخلت في السنة الخامسة.
(١٠) هي التي دخلت في السنة الرابعة.
(١١) كذا في (حم) و(مح) وسنن النسائي وفي الأصل: "الثاني" وهو تصحيف.
[ ٣ / ١٧٩ ]
إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عبد الله موقوفًا (^١)، كما روي عن علي وطائفة (^٢).
وقيل: يجب أرباعًا وهذه الدية على العاقلة لا في ماله، قال الشافعي ﵀: لم أعلم مخالفًا أن رسول الله ﷺ قضى بالدية على العاقلة وهو أكثر من حديث الخاصة (^٣)، وهذا الذي أشار إليه ﵀ قد ثبت في غير ما حديث، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها (^٤).
وهذا يقتضي أن حكم عمد الخطأ المحض في وجوب الدية، لكن هذا تجب فيه الدية أثلاثًا لشبهه بالعمد.
وفي صحيح البخاري عن عبد الله عمر قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتلهم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فرفع يديه وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" وبعث عليًا فودى قتلاهم وما أتلف من أموالهم حتى ميلغة الكلب (^٥) (^٦). وهذا الحديث يؤخذ منه أن خطأ الإمام أو نائبه يكون في بيت المال.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أي: فتجب فيه الدية مسلمة إلى أهله إلا أن يتصدقوا بها فلا تجب، وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: إذا كان القتيل مؤمنًا ولكن أولياؤه من الكفار أهل حرب، فلا دية لهم، وعلى القاتل تحرير رقبة مؤمنة لا غير، وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة فلهم دية قتيلهم، فإن كان مؤمنًا فدية كاملة، وكذا إن كان كافرًا أيضًا عند طائفة من العلماء، وقيل: يجب في الكافر نصف دية المسلم، وقيل: ثلثها كما هو مفصل في كتاب الأحكام، ويجب أيضًا على القاتل تحرير رقبة مؤمنة ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أي: لا إفطار بينهما بل يسرد صومهما إلى آخرهما، فإن أفطر من غير عذر من مرض أو حيض أو نفاس استأنف، واختلفوا في السفر هل يقطع أم لا؟ على قولين. وقوله: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: هذه توبة
_________________
(١) المسند ٧/ ٣٢٨ - ٣٢٩، وسنن أبي داود، الديات، باب الدية كم هي؟ (ح ٤٥٤٥)، وقال: هو قول عبد الله. اهـ. أي لم يصح رفعه وسنن الترمذي، الديات (ح ١٣٨٦)، وسنن النسائي، الديات، باب ذكر أسنان دية الخطأ ٨/ ٤٣، وسنن ابن ماجه، الديات، باب دية الخطأ (ح ٢٦٣١)، وسنن الدارقطني ٣/ ١٧٣، وقال: هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث من وجوه عدة، وسرد علله في العلل ٥/ ٦٩٤. وأخرجه البيهقي وجزم أنه من قول ابن مسعود (السنن الكبرى ٨/ ٧٥).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق عاصم بن ضمرة عن علي بلفظ آخر: "إذ جعلها أرباعًا خمسة وعشرين ثم خمسة وعشرين … " وهكذا (المصنف ٦/ ٢٧٣).
(٣) ذكره في الأم ٦/ ١٠١.
(٤) صحيح البخاري، الطب، باب الكهانة (ح ٥٧٥٨)، وصحيح مسلم، القسامة، باب دية الجنين (ح ١٦٨١).
(٥) ميلغة الكلب: أي الإناء الذي يلغ فيه، أي يشرب فيه الكلب.
(٦) صحيح البخاري، المغازي، باب بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد (ح ٤٣٣٩).
[ ٣ / ١٨٠ ]
القاتل خطأ إذا لم يجد العتق صام شهرين متتابعين، واختلفوا فيمن لا يستطع الصيام، هل يجب عليه إطعام ستين مسكينًا كما في كفارة الظهار؟ على قولين:
أحدهما: نعم كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار، وإنما لم يذكر ههنا، لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام لما فيه من التسهيل والترخيص.
والقول الثاني: لا يعدل إلى الطعام، لأنه لو كان واجبًا لما أخر بيانه عن وقت الحاجة ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ قد تقدم تفسيره غير مرة.
ثم لما بيّن تعالى حكم القتل الخطأ شرع في بيان حكم القتل العمد، فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول سبحانه في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، والآيات والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدًّا، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء" (^١)، وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود من رواية [عمرو] (^٢) بن الوليد بن عبدة المصري عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يزال المؤمن [معنقًا] (^٣) صالحًا ما لم يصب دمًا حرمًا، فإذا أصاب دمًا حرامًا بلَّح (^٤) " (^٥).
وفي حديث آخر: "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم" (^٦)، وفي الحديث الآخر: "لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم لأكبهم الله في النار" (^٧).
_________________
(١) صحيح البخاري، الرقاق، باب القصاص يوم القيامة (ح ٦٥٢٣)، وصحيح مسلم، القسامة، باب المجازاة بالدماء في الآخرة (ح ١٦٧٨).
(٢) كذا في (حم) و(مح) والتقريب، وفي الأصل: "عمر" وهو تصحيف.
(٣) كذا في (حمل و(مح) والنهاية لابن الأثير، وفي الأصل: "شفيعًا" وهو تصحيف، ومعنى معنقًا: مسرعًا في طاعته منبسطًا في عمله (النهاية ٣/ ٣١٠).
(٤) هذا الحديث هو في سنن أبي داود كما قال الحافظ ابن كثير ولكنه أغفل من النسخة المطبوعة التي بين أيدينا، وقد صرح بذلك المزي بعد أن ذكر الحديث بطريقه ولفظه (تحفة الإشراف ٤/ ٢٥٦ ح ٥١٠٥)، وفي سنده خالد بن دهقان: مقبول (التقريب ص ١٨٧).
(٥) بلحّ الرجل إذا انقطع من الإعياء فلم يقدر أن يتحرك (النهاية ١/ ١٥١).
(٦) أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا (السنن، الديات، باب ما جاء في تشديد قتل المؤمن ح ١٣٩٥)، وحسنه المنذري (الترغيب ٣/ ٢٠٢)، وصححه ابن الملقن (خلاصة البدر المنير ٢/ ٢٦١)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١١٢٦).
(٧) صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٥/ ٥٨ (ح ٥١٢٣).
[ ٣ / ١٨١ ]
وفي الحديث الآخَر: "ومن أعان على قتل المسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله" (^١).
وقد كان ابن عباس يرى أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدًا، وقال البخاري: حَدَّثَنَا آدم، حَدَّثَنَا شعبة، حَدَّثَنَا المغيرة بن النعمان، قال: سمعت ابن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت إلى ابن عباس فسألته عنها، فقال: نزلت هذه الآية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء (^٢). وكذا رواه هو أيضًا ومسلم والنسائي من طرق عن شعبة به (^٣). ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل، عن ابن مهدي، عن سفيان الثوري، عن مغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ فقال: ما نسخها شيء (^٤).
وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا بن بشار، حَدَّثَنَا ابن عون، حَدَّثَنَا شعبة، عن سعيد بن جبير، قال: قال عبد الرحمن بن أبزى سئل ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ﴾ الآية، قال: لم ينسخها شيء، وقال في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ [الفرقان: ٦٨]، قال: نزلت في أهل الشرك (^٥).
وقال ابن جرير أيضًا: حَدَّثَنَا ابن حميد، حَدَّثَنَا جرير، عن منصور، حدثني سعيد بن جبير أو حدثني الحكم، عن سعيد بن جبير، قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قال: إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام، ثم قتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه جهنم ولا توبة له، فذكرت ذلك لمجاهد فقال: إلا من ندم (^٦).
حَدَّثَنَا ابن حميد وابن وكيع قالا: حَدَّثَنَا جرير، عن يحيى الجابر، عن سالم بن أبي الجعد، قال: كنا عند ابن عباس بعدما كف بصره، فأتاه رجل فناداه: يا عبد الله بن عباس، ما ترى في رجل قتل مؤمنًا متعمدًا؟ فقال: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ قال: أفرأيت إن تاب وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ قال ابن عَبَّاسٍ: ثكلته أمه وأنى له التوبة والهدى؟ والذي نفسي بيده لقد سمعت نبيكم ﷺ يقول: "ثكلته أمه قاتل مؤمن متعمدًا جاء يوم القيامة أخذه بيمينه أو بشماله تشخب أوداجه من قبل عرش الرحمن، يلزم قاتله بشماله وبيده الأخرى رأسه"، يقول: "يا رب، سل هذا فيمَ قتلني" وايم الذي نفس عبد الله بيده، لقد
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعًا (السنن، الديات، باب التغليط في قتل مسلم ظلمًا ح ٢٦٢٠)، وسنده ضعيف جدًّا بسبب يزيد بن زياد الدمشقي متروك (التقريب ص ٦٠١).
(٢) صحيح البخاري، تفسير سورة النساء، باب ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا …﴾ [النساء: ٩٣] (ح ٤٥٩٠).
(٣) صحيح مسلم، التفسير (ح ٣٠٢٣)، وسنن النسائي، تحريم الدم، باب تعظيم الدم (ح ٨٥١٧).
(٤) سنن أبي داود، الفتن والملاحم، باب في تعظيم قتل المؤمن (ح ٤٢٧٥)، وسنده صحيح.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وبالإسناد نفسه أخرجه مسلم (الصحيح، التفسير ح ٣٠٢٣/ ١٨).
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف، وقد توبع فأخرجه البخاري من طريق عثمان بن أبي شيبة عن جرير به (الصحيح، مناقب الأنصار، باب ما لقي النَّبِيّ ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة ح ٣٨٥٥).
[ ٣ / ١٨٢ ]
أنزلت هذه الآية فما نسختها من آية حتَّى قبض نبيكم ﷺ، وما نزل بعدها من برهان (^١).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، سمعت يحيى بن المجبر يحدث عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس أن رجلًا أتى إليه فقال: أرأيت رجلًا قتل رجلًا عمدًا؟ فقال: جزاؤه جهنم خالدًا فيها، الآية، قال: لقد نزلت من آخر ما نزل، ما نسخها شيء حتَّى قبض رسول الله ﷺ، وما نزل وحي بعد رسول الله ﷺ قال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ قال: وأنى له بالتوبة، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ثكلته أمه رجل قتل رجلًا متعمدًا يجئ يوم القيامة آخذًا قاتله بيمينه أو بيساره - أو آخذًا رأسه بيمينه أو بشماله - تشخب أوداجه دمًا من قبل العرش، يقول: يا رب، سل عبدك فيمَ قتلني (^٢)؟ "، وقد رواه النسائي عن قتيبة وابن ماجه، عن محمد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن عمار الدهني ويحيى الجابر وثابت الثمالي عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس … فذكره (^٣)، وقد روي هذا عن ابن عباس من طرق كثيرة وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف زيد بن ثابت وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبيد بن عمير والحسن وقتادة والضحاك بن مزاحم نقله ابن أبي حاتم (^٤).
وفي الباب أحاديث كثيرة، فمن ذلك ما رواه أبو بكر بن مردويه الحافظ في تفسيره؛ حَدَّثَنَا دعلج بن أحمد، حَدَّثَنَا محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي (ح)، وحدثنا عبد الله بن جعفر، وحدثنا إبراهيم بن فهد، قالا: حَدَّثَنَا عبيد بن عبيدة، حَدَّثَنَا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود عن النَّبِيّ ﷺ قال: "يجئ المقتول متعلقًا بقاتله يوم القيامة آخذًا رأسه بيده الأخرى فيقول: يا رب سل هذا فيمَ قتلني؟ قال: فيقول: قتلته لتكون العزة لك، فيقول: فإنها لي، قال: ويجئ آخر متعلقًا بقاتله فيقول: رب سل هذا فيمَ قتلني. قال فيقول: قتلته لتكون العزة لفلان، قال: فإنها ليست له بؤ بإثمه، قال: فيهوي في النار سبعين خريفًا" وقد رواه النسائي عن إبراهيم بن المستمر [العروقي] (^٥)، عن عمرو بن عاصم، عن معتمر بن سليمان به (^٦).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا صفوان بن عيسى، حَدَّثَنَا ثور بن يزيد، عن أبي عون، عن أبي إدريس، قال: سمعت معاوية ﵁ يقول: سمعت النَّبِيّ ﷺ يقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا" وكذا رواه النسائي عن محمد بن
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده يحيى بن عبد الله الجابر لين الحديث (التقريب ص ٥٩٢)، وقد توبع كما سيأتي في الروايات اللاحقة.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٤٣٠٣)، وصححه محققه وغيره كما سيأتي.
(٣) سنن الترمذي، التفسير، سورة النساء (٣٠٢٩)، وسنن النسائي، تحريم الدم، باب تعظيم الدم ٧/ ٨٥، وسنن ابن ماجه (ح ٢٦٢١)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٢٥).
(٤) ذكرهم جميعًا ابن أبي حاتم بحذف السند وقد خرجتها هناك.
(٥) كذا في (حم) و(مح) والتقريب وفي الأصل: "العدولي" وهو تصحيف.
(٦) سنن النسائي، تحريم الدم، باب تعظيم الدم ٧/ ٨٤ وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٣٧٣٢).
[ ٣ / ١٨٣ ]
المثنى، عن صفوان بن عيسى به (^١).
وقال ابن مردويه: حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر، حَدَّثَنَا سمويه، حَدَّثَنَا عبد الأعلى بن مسهر، حَدَّثَنَا صدقة بن خالد، حَدَّثَنَا خالد بن دهقان، حَدَّثَنَا ابن أبي زكريا، قال: سمعت أم الدرداء تقول: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركًا، أو من قتل مؤمنًا متعمدًا" وهذا غريب جدًّا من هذا الوجه، والمحفوظ حديث معاوية المتقدم، فالله أعلم، ثم روى ابن مردويه من طريق بقية بن الوليد، عن نافع بن يزيد: حدثني ابن جبير الأنصاري، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "من قتل مؤمنًا متعمدًا فقد كفر باللّه ﷿" (^٢) وهذا حديث [منكر] (^٣) أيضًا، وإسناده مظلم جدًّا، قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا النضر، حَدَّثَنَا سليمان بن المغيرة، حَدَّثَنَا حميد، قال: أتاني أبو العالية أنا وصاحب لي، فقال لنا: هلما فأنتما أشب سنًا مني، وأوعى للحديث مني، فانطلق بنا إلى بشر بن عاصم، فقال له أبو العالية: حدث هؤلاء بحديثك، فقال: حَدَّثَنَا عقبة بن مالك الليثي قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فأغارت على قوم، فشذ من القوم رجل فاتبعه رجل من السرية شاهرًا سيفه، فقال الشاذ من القوم: إني مسلم، فلم ينظر فيما قال، قال: فضربه فقتله، فنمي الحديث إلى رسول الله ﷺ، فقال فيه قولًا شديدًا، فبلغ القاتل، فبينما رسول الله ﷺ يخطب إذ قال القاتل: والله ما قال الذي قال: إلا تعوذًا من القتل، قال: فأعرض رسول الله ﷺ عنه وعمن قبله من الناس وأخذ في خطبته، ثم قال أيضًا: يا رسول الله ما قال الذي قال، إلا تعوذًا من القتل، فأعرض عنه وعمن قبله من الناس وأخذ في خطبته ثم لم يصبر حتَّى قال الثالثة: واللّه يا رسول الله ما قال الذي قال، إلا تعوذًا من القتل، فأقبل عليه رسول الله ﷺ تعرف المساءة في وجهه، فقال: "إن الله أبى على من قتل مؤمنًا ثلاثًا" (^٤)، ورواه النسائي من حديث سليمان بن المغيرة (^٥).
والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله ﷿، فإن تاب وأناب، وخشع وخضع وعمل عملًا صالحًا بدلٌ الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ إلى أن قال: ﴿إِلَّا مَنْ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٩٩)، وأخرجه النسائي من طريق صفوان بن عيسى به (السنن، تحريم الدم، باب تعظيم الدم ٧/ ٨١)، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٣٧١٩).
(٢) هاتان الروايتان ضعفهما الحافظ ابن كثير، ومتنهما يؤيد الخوارج في تكفير القاتل، وضعفها أيضًا ابن عدي في الكامل (٣/ ١٠٥٩).
(٣) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "مثله".
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، وأخرجه الحاكم من طريق سليمان بن المغيرة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٨ - ١٩)، وأخرجه الضياء المقدسي من حديث أنس مقتصرًا على آخره وصححه محققه (المختارة ٦/ ١٦٣ ح ٢١٦٤)، وصححه السيوطي في الجامع الصغير ١/ ٧١، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٦٨٩).
(٥) السنن الكبرى (ح ٨٥٩٣).
[ ٣ / ١٨٤ ]
﴿تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ [الفرقان: ٧٠] وهذا خبر لا يجوز نسخه وحمله على المشركين، وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر، ويحتاج حمله إلى دليل، واللّه أعلم.
وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣] وهذا عام في جميع الذنوب من كفر وشرك وشك ونفاق وقتل وفسق وغير ذلك، كل من تاب؛ أي: من أي ذلك تاب الله عليه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها لتقوية الرجاء، والله أعلم.
وثبت في الصحيحين خبر الإسرائيلي الذي قتل مِائَة نفس، ثم سأل عالمًا: هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه، فهاجر إليه فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة (^١) كما ذكرناه غير مرة، وإذا كان هذا في بني إسرائيل فلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى، لأن الله وضع عنا الآصار والأغلال التي كانت عليهم وبعث نبينا بالحنيفية السمحة.
فأما الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا …﴾ الآية، فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف: هذا جزاؤه إن جازاه، وقد رواه ابن مردويه بإسناده مرفوعًا من طريق محمد بن جامع العطار، عن العلاء بن ميمون العنزي، عن حجاج الأسود، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا (^٢)، ولكن لا يصح، ومعنى هذه الصيغة أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد يكون كذلك معارض من أعمال صالحة تمنع وصول ذلك الجزاء إليه على قولي أصحاب الموازنة والإحباط، وهذا أحسن ما يسلك في باب الوعيد، واللّه أعلم بالصواب.
وبتقدير دخول القاتل في النار، أما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحًا ينجو به فليس بمخلد فيها أبدًا، بل الخلود هو المكث الطويل، وقد تواترت الأحاديث عن رسول ﷺ: "أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان" (^٣)، وأما حديث معاوية: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا" (^٤) فعسى للترجي، فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين لا
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الأنبياء باب (رقم ٥٤ ح ٣٤٧٠) وصحيح مسلم، التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله (ح ٢٧٦٦).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن جامع عن العلاء بن ميمون العنزي به وسنده ضعيف لأن العلاء تفرد بهذا الحديث ولا يعرف إلا به (ميزان الاعتدال ٣/ ١٠٥) ومحمد بن جامع ليس بصدوق (الجرح والتعديل ٧/ ٢٢٣).
(٣) متفق عليه صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) …﴾ [القيامة: ٢٢] (ح ٧٤٣٩)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية (ح ٣٠٢).
(٤) تقدم في تفسير آية ٤٨ سورة النساء الحديث الثالث.
[ ٣ / ١٨٥ ]
تنفي وقوع ذلك في أحدهما وهو القتل لما ذكرنا من الأدلة، وأما من مات كافرًا فالنص أن الله لا يغفر له ألبتة، وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة فإنه حق من حقوق الآدميين، وهي لا تسقط بالتوبة، ولكن لا بدّ من ردها إليهم ولا فرق بين المقتول والمسروق منه، والمغصوب منه والمقذوف وسائر حقوق الآدميين، فإن الإجماع منعقد على أنها لا تسقط بالتوبة، ولكنه لا بدّ من ردها إليهم في صحة التوبة، فإن تعذر ذلك فلا بدّ من المطالبة يوم القيامة، لكن لا يلزم من وقوع المطالبة وقوع المجازاة، إذ قد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها، ثم يفضل له أجر يدخل به الجنة أو يعوض الله المقتول بما يشاء من فضله من قصور الجنة ونعيمها، ورفع درجته فيها ونحو ذلك والله أعلم.
ثم لقاتل العمد أحكام في الدنيا وأحكام في الآخرة، فأما في الدنيا فتسلط أولياء المقتول عليه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣] ثم هم مخيرون بين أن يقتلوا، أو يعفوا، أو يأخذوا دية مغلظة أثلاثًا، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، كما هو مقرر في كتاب الأحكام.
واختلف الأئمة: هل تجب عليه كفارة عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام؟ على أحد القولين كما تقدم في كفارة الخطأ، على قولين:
فالشافعي وأصحابه وطائفة من العلماء يقولون: نعم، يجب عليه، لأنَّهُ إذا وجبت عليه الكفارة في الخطأ فلأن تجب عليه في العمد أولى، فطردوا هذا في كفارة اليمين الغموس واعتضدوا بقضاء الصلاة المتروكة عمدًا كما أجمعوا على ذلك في الخطأ.
وقال أصحاب الإمام أحمد وآخرون: قتل العمد أعظم من أن يكفر فلا كفارة فيه، وكذا اليمين الغموس ولا سبيل لهم إلى الفرق بين هاتين الصورتين وبين الصلاة المتروكة عمدًا، فإنهم يقولون بوجوب قضائها إذا تركت عمدًا، وقد احتج من ذهب إلى وجوب الكفارة في قتل العمد بما رواه الإمام أحمد حيث قال: حَدَّثَنَا عارم بن الفضل، حَدَّثَنَا عبد الله بن المبارك، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن الغريف بن عياش، عن واثلة بن الأسقع، قال: أتى النَّبِيّ ﷺ نفر من بني سليم فقالوا: إن صاحبا لنا قد أوجب، قال: "فليعتق رقبة يفدي الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار" (^١).
وقال أحمد: حَدَّثَنَا إبراهيم بن إسحاق، حَدَّثَنَا ضمرة بن ربيعة، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن الغريف الديلمي، قال: أتينا واثلة بن الأسقع الليثي فقلنا له: حَدَّثَنَا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ، قال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب، فقال: "أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار" (^٢).
وكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث إبراهيم بن أبي عبلة به، ولفظ أبي داود عن الغريف
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٠٧)، وفي سنده الغريف الديلمي مقبول كما في التقريب، وضعفه الألباني (إرواء الغليل ٧/ ٣٣٩ ح ٣٣٠٩)، وأخرجه الحاكم من طريق الغريف به وصححه وسكت عنه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢١٢).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده (المسند ٣/ ٤٩١)، وفيه أيضًا الغريف.
[ ٣ / ١٨٦ ]
الديلمي قال: أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا له: حَدَّثَنَا حديثًا ليس فيه زيادة ولا نقصان فغضب فقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته فيزيد وينقص، قلنا: إنما أردنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ قال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب، يعني: النار بالقتل، فقال: "أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار" (^١).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾.
قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يحيى بن أبي بكير وخلف بن الوليد وحسين بن محمد قالوا: حَدَّثَنَا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النَّبِيّ ﷺ يرعى غنمًا له فسلم عليهم، فقالوا: لا يسلم علينا إلا ليتعوذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النَّبِيّ ﷺ، فنزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا …﴾ إلى آخرها (^٢)، ورواه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد، عن عبد العزيز بن أبي رزمة، عن إسرائيل به، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن أسامة بن زيد (^٣)، ورواه الحاكم من طريق عبيد الله بن موسى عن إسرائيل به، ثم قال: صحيح الإسناد، ولن يخرجاه (^٤)، ورواه ابن جرير من حديث عبيد الله بن موسى وعبد الرحيم بن سليمان، كلاهما عن إسرائيل به (^٥)، وقال في بعض كتبه غير التفسير (^٦) - وقد رواه من طريق عبد الرحمن فقط -: وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيمًا لعلل منها: أنه لا يعرف له مخرج عن سماك إلا من هذا الوجه، ومنها أن عكرمة في روايته عندهم نظر، ومنها أن الذي نزلت فيه هذه الآية عندهم مختلف فيه فقال بعضهم: نزلت في محلّم بن جثامة، وقال بعضهم: أسامة بن زيد، وقيل غير ذلك.
قلت: وهذا كلام غريب وهو مردود من وجوه: أحدها: أنه ثابت عن سماك حدث به عنه غير واحد من الأئمة الكبار، الثاني: أن عكرمة محتج به في الصحيح، الثالث: أنه مروي من غير هذا الوجه عن ابن عباس، كما قال البخاري: حَدَّثَنَا علي بن عبد الله، حَدَّثَنَا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قال: قال ابن عَبَّاسٍ: كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم فقتلوه
_________________
(١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (سنن أبي داود، العتق، باب في ثواب العتق ح ٣٩٦٤)، والسنن الكبرى للنسائي (ح ٤٨٩٢)، وفيه أيضًا الغريف الديلمي.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٠٢٣ و٢٤٦٢)، وفي سنده سماك وهو ابن حرب وفي روايته عن عكرمة اضطراب لكنه روي من طريق آخر كما سيأتي في رواية البخاري، فسنده صحيح.
(٣) سنن الترمذي، التفسير، سورة النساء (ح ٣٠٣٠).
(٤) المستدرك ٢/ ٢٣٥.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وحكمه كسابقه.
(٦) لعله في تهذيب الآثار لأن منهجه مطابق لمنهج هذا النص.
[ ٣ / ١٨٧ ]
وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قال ابن عباس: عرض الدنيا تلك الغنيمة، وقرأ ابن عباس: ﴿السَّلَامَ﴾ (^١).
وقال سعيد بن منصور: حَدَّثَنَا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، قال: لحق المسلمون رجلًا في غنيمة له، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فنزلت ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (^٢). وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق سفيان بن عيينة به، [(وقد ذكرت في المسند في ترجمة جزء من الحدرجان ﵁) (^٣) أن أخاه فزارًا، هاجر إلى رسول الله ﷺ، عن أمر أبيه بإسلامهم وإسلام قومهم، فلقيته سرية لرسول الله ﷺ، في عماية الليل، وكان قد قال لهم: إنه مسلم، فلم يقبلوا منه فقتلوه، قال جزء: فقدمت على رسول الله ﷺ، فأعطاني ألف دينار دية أخي وأمر لي بمائة ناقة حمراء فنزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ …﴾ الآية] (^٤) (^٥).
وأما قصة [محلّم] (^٦) بن جثامة، فقال الإمام أحمد ﵀: حَدَّثَنَا يعقوب، حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق، حَدَّثَنَا يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد ﵁، قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي، ومحلم بن جثامة بن قيس، فخرجنا حتَّى إذا كنا ببطن إضم، مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له، معه متيع له ووطب من لبن، فلما مر بنا سلم علينا، فأمسكنا عنه، وحمل عليه [محلّم] (^٧) بن جثامة فقتله، لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتيعه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر نزل فينا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿خَبِيرًا﴾ (^٨) تفرد به أحمد.
وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن وكيع، حَدَّثَنَا جرير، عن ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: بعث رسول الله ﷺ بن جثامة مبعثًا، فلقيهم عامر بن الأضبط فحياهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم إحنة في الجاهلية، فرماه محلم بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ، فتكلم فيه عيينة والأقرع: فقال الأقرع، يا رسول الله، سر اليوم وغر غدًا، فقال عيينة: لا واللّه حتَّى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي، فجاء محلم في بردين فجلس بين يدي رسول الله ﷺ
_________________
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة النساء، باب ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] ح ٤٥٩١).
(٢) وهو سبب نزول صحيح كما تقدم في صحيح البخاري. وهو في سنن سعيد بن منصور (٤/ ١٣٥٠) رقم (٦٧٧).
(٣) ما بين قوسين لا يوجد في الطبعات وهو في نسخة (مح). وقوله: وقد ذكرت في المسند … هو في جامع المسانيد ٢/ ١٨٢ (ح ١٨٣٣)، وجزء هذا له ترجمة: أسد الغابة ١/ ٣٣٥، وفي الإصابة ١/ ٢٣٣.
(٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل و(حم) واستدرك من (مح) وجامع المسانيد لابن كثير.
(٥) أخرجه أبو نعيم من طريق عبد الرحمن بن جزء الحدرجان عن أبيه به (جامع المسانيد ٢/ ١٨٢ ح ١٨٣٣)، قال الحافظ ابن حجر: هذا إسناد مجهول (الإصابة ١/ ٢٣٣).
(٦) (^٧) كذا في (حم) و(مح) والمسند وفي الأصل: "محكم".
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١١) وسنده حسن وقال الهيثمي: رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٧/ ٧).
[ ٣ / ١٨٨ ]
ليستغفر له، فقال رسول الله ﷺ: "لا غفر الله لك"، فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة حتَّى مات ودفنوه، فلفظته الأرض، فجاؤوا إلى النَّبِيّ ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: "إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم" ثم طرحوه بين صدفي جبل وألقوا عليه الحجارة فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا …﴾ الآية (^١).
وقال البخاري: قال حبيب بن أبي عمرة عن سعيد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ للمقداد: "إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فقتلته، فكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة من قبل" هكذا ذكره البخاري معلقًا مختصرًا (^٢).
وقد روي مطولًا موصولًا، فقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا حمدان (^٣) بن علي البغدادي، حَدَّثَنَا جعفر بن سلمة، حَدَّثَنَا أبو بكر بن علي بن مقدم، حَدَّثَنَا حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأهوى عليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلًا شهد أن لا إله إلا الله؟ واللّه لأذكرن ذلك للنبي ﷺ، فلما قدموا على رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، إن رجلًا شهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال: "ادعوا لي المقداد، يا مقداد: أقتلت رجلًا يقول: لا إله إلا الله، فكيف لك بلا إله إلا الله غدًا؟ " قال: فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾، فقال رسول الله ﷺ للمقداد: "كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل" (^٤).
وقوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أي؛ خير مما رغبتم فيه عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام، وأظهر لكم الإيمان فتغافلتم عنه واتهمتموه بالمصانعة والتقية لتبتغوا عرض الحياة الدنيا، فما عند الله من الرزق الحلال خير لكم من مال هذا.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يسر إيمانه ويخفيه من قومه، كما تقدم في الحديث المرفوع آنفًا، وكما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: ٢٦] وهذا مذهب سعيد بن جبير لما رواه الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تخفون إيمانكم في المشركين (^٥). ورواه عبد الرزاق
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع، وعنعنة ابن إسحاق.
(٢) صحيح البخاري، الديات، باب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] (ح ٦٨٦٦).
(٣) حمدان كذا في النسخ الخطية وفي كشف الأستار (ح ٢٢٠٢)، ومختصر زوائد مسند البزار (ح ١٤٥٨)، باسم أحمد وكلاهما صحيح لأن حمدان لقبه (التقريب ص ٨٣).
(٤) مختصر زوائد مسند البزار (ح ١٤٥٨)، وكشف الأستار (ح ٢٢٠٢)، قال الهيثمي: إسناده جيد (مجمع الزوائد ٧/ ١١ - ١٢)، ونقل ذلك عنه الحافظ ابن حجر.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق وكيع عن الثوري به.
[ ٣ / ١٨٩ ]
عن ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾: تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه، وهذا اختيار ابن جرير (^١).
وقال ابن أبي حاتم، وذكر عن قيس، عن سالم، عن سعيد بن جبير: قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ توزعون عن مثل هذا (^٢). وقال الثوري عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق: لم تكونوا مؤمنين ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾. قال السدي ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: تاب عليكم فحلف أُسامة لا يقتل رجلًا يقول: لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله ﷺ فيه (^٣).
وقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ تأكيد لما تقدم، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ قال سعيد بن جبير: هذا تهديد ووعيد.
﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾.
قال البخاري: حَدَّثَنَا حفص بن عمر، حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ زيدًا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته، فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (^٤). حَدَّثَنَا محمد بن يوسف، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال النَّبِيّ ﷺ: "ادع فلانًا"، فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف، فقال: "اكتب (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله) "وخلف النَّبِيّ ﷺ ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، أنا ضرير، فنزلت مكانها ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^٥). قال البخاري أيضًا: حَدَّثَنَا إسماعيل بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، حدثني سهل بن سعد الساعدي أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، قال: فأقبلت حتَّى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله ﷺ أملى علي "لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله" فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها علي، قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان أعمى، فأنزل الله على رسوله ﷺ، وكان فخذه على فخذي فثقلت علي خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. تفرد به البخاري دون مسلم (^٦).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ولفظه، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده معلق لعدم التصريح باسم شيخه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، لكنه مرسل.
(٤) أخرجه البخاري بسنده، ومتنه (الصحيح، تفسير سورة النساء باب ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ …﴾ [النساء: ٩٥] ح ٤٥٩٣).
(٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٥٩٤).
(٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٥٩٢).
[ ٣ / ١٩٠ ]
وقد روي من وجه آخر عند الإمام أحمد عن زيد فقال: حَدَّثَنَا سليمان بن داود، أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، قال: قال زيد بن ثابت: إني قاعد إلى جنب النَّبِيّ ﷺ إذ أوحي إليه وغشيته السكينة، قال: فرفع فخذه على فخذي حين غشيته السكينة، قال زيد: فلا والله ما وجدت شيئًا قط أثقل من فخذ رسول الله ﷺ ثم سري عنه، فقال: "اكتب يا زيد"، فأخذت كتفًا، فقال: "اكتب "لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُومِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله" الآية كلها إلى قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ " فكتب ذلك في كتف، فقام حين سمعها ابن أم مكتوم وكان رجلًا أعمى، فقام حين سمع فضيلة المجاهدين، وقال: يا رسول الله، وكيف بمن لا يستطيع الجهاد ومن هو أعمى وأشباه ذلك؟ قال زيد: فواللّه ما قضى كلامه - أو ما هو إلا أن قضى كلامه - حتَّى غشيت النَّبِيّ ﷺ السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، فوجدت من ثقلها كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عنه، فقال: "اقرأ" فقرأت عليه "لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله"، فقال النَّبِيّ ﷺ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قال زيد: فألحقتها، فواللّه كأني أنظر إلى ملحقها عند صدع كان في الكتف (^١). ورواه أبو داود عن سعيد بن منصور، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، به نحوه (^٢).
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر أنبأ الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله ﷺ فقال: "اكتب (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤمِنِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ الله) "فجاء عبد الله بن أُم مكتوم، فقال: يا رسول الله، إني أحب الجهاد في سبيل الله ولكن بي من الزمانة ما قد ترى، قد ذهب بصري، قال زيد: فثقلت فخذ رسول الله ﷺ على فخذي حتَّى خشيت أن ترضها ثم سري عنه، ثم قال: "اكتب ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ " (^٣). ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عبد الكريم - هو ابن مالك الجزري -، أن مقسمًا مولى عبد الله بن الحارث أخبره أن ابن عباس أخبره ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن بدر والخارجون إلى بدر، انفرد به البخاري دون مسلم (^٤). وقد رواه الترمذي من طريق حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ عن بدر والخارجون إلى بدر، ولما نزلت غزوة بدر، قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم: إنا أعميان يا رسول الله، فهل لنا رخصة؟ فنزلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر، ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ على القاعدين من المؤمنين غير أولي
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٩٠)، وصححه الألباني كما سيأتي.
(٢) سنن أبي داود، الجهاد، باب في الرخصة في القعود من العذر (ح ٢٥٠٧)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٢١٨٨).
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق عبد الرزاق به.
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح وأخرجه البخاري من طريق عبد الرزاق به (صحيح البخاري، الباب السابق ح ٤٥٩٥).
[ ٣ / ١٩١ ]
الضرر، هذا لفظ الترمذي. ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه (^١). فقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كان مطلقًا، فلما نزل بوحي سريع ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، صار ذلك مخرجًا لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد من العمى والعرج والمرض، عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم. ثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين على القاعدين، قال ابن عَبَّاسٍ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (^٢)، وكذا ينبغي أن يكون، كما ثبت في صحيح البخاري من طريق زهير بن معاوية، عن حميد، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه"، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: "نعم حبسهم العذر" (^٣)، وهكذا رواه أحمد عن محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس به، وعلقه البخاري مجزومًا، ورواه أبو داود عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه"، قالوا: وكيف يكونون معنا فيه يا رسول الله؟ قال: "نعم حبسهم العذر" لفظ أبي داود (^٤)، وفي هذا المعنى قال الشاعر:
يا راحلين إلى البيت العتيق لقد … سرتم جُسومًا وسرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عذر وعن قدر … ومن أقام على عذر فقد راحا
وقوله: ﷺ أي: الجنة والجزاء الجزيل. وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين، بل هو فرض على الكفاية.
قال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثم أخبر سبحانه بما فضلهم به من الدرجات، في غرف الجنان العاليات، ومغفرة الذنوب والزلات، وحلول الرحمة والبركات، إحسانًا منه وتكريمًا، ولهذا قال: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾.
وقد ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "إن في الجنة مِائَة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء الأرض" (^٥).
وقال الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "من رمى بسهم فله أجره درجة" فقال رجل: يا رسول الله، وما الدرجة؟ فقال: "أما إنها ليست بعتبة أُمك، ما بين الدرجتين مِائَة عام" (^٦).
_________________
(١) سنن الترمذي، تفسير القرآن سورة النساء (ح ٣٠٣٢).
(٢) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة وأخشى وقوع سقط التفسير وهو قوله: "أهل العذر" كما رواه الطبري وابن أبي حاتم من طريق ابن أبي طلحة عنه.
(٣) صحيح البخاري، الجهاد، باب من حبسه العذر عن العدو (ح ٢٨٣٨).
(٤) أخرجه البخاري معلقًا بالجزم عقب الحديث السابق، ووصله الإمام أحمد (المسند ٣/ ١٦٠)، وأبو داود، السنن، الجهاد، باب الرخصة في القعود من العذر (ح ٢٥٠٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢١٨٩).
(٥) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (الصحيح، الجهاد، باب درجات المجاهدين في سبيل الله ح ٢٧٩٠)، وأخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري (الصحيح، الإمارة، باب بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد ح ١٨٨٤).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أبي عوانة بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وصححه الحافظ ابن حجر (الإصابة ٦/ ٣٢٤).
[ ٣ / ١٩٢ ]
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾.
قال البخاري: حَدَّثَنَا عبد الله بن يزيد المقرئ، حَدَّثَنَا حيوة وغيره، قالا: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود، قال: قطع على أهل المدينة بعث، فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، قال: أخبرني ابن عباس أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سوادهم على عهد رسول الله ﷺ، يأتي السهم يرمى به فيصيب أحدهم، فيقتله أو يضرب عنقه فيقتل، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، رواه الليث عن أبي الأسود (^١).
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن منصور [الرمادي] (^٢)، حَدَّثَنَا أبو أحمد - يعني الزبيري -، حَدَّثَنَا محمد بن شريك المكي، حَدَّثَنَا عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم بفعل بعض. قال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ …﴾ إلى آخر الآية. قال: فكتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية لا عذر لهم. قال: فخرجوا، فلحقهم المشركون، فأعطوهم (الفتنه) (^٣)، فنزلت هذه الآية ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٨] (^٤).
قال عكرمة: نزلت هذه الآية في شباب من قريش كانوا تكلموا بالإسلام بمكة منهم: علي بن أُمية بن خلف وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة وأبو العاص بن [منبّه] (^٥) بن الحجاج والحارث بن زمعة (^٦).
قال الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله ﷺ بمكة وخرجوا مع المشركين يوم بدر فأصيبوا فيمن أصيب، فنزلت هذه الآية (^٧) الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين، وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع، وبنص هذه الآية، حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾
_________________
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه (الصحيح، تفسير سورة النساء، باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ …﴾ [النساء: ٩٧] ح ٤٥٩٦).
(٢) "الرمادي" كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: "الرفادي" وهو تصحيف.
(٣) كذا في (حم) و(مح)، وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: "البقيه" وهو تصحيف.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٥) كذا في (حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: و(مح) "منصور" وهو تصحيف.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومنته، وسنده حسن لكنه مرسل.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن لكنه معضل لأن الضحاك تابع تابعي.
[ ٣ / ١٩٣ ]
أي: بترك الهجرة ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أي: لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً …﴾ الآية.
وقال أبو داود: حَدَّثَنَا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان، أخبرنا سليمان بن موسى أبو داود، حَدَّثَنَا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب، أما بعد، قال رسول الله ﷺ: "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله" (^١).
وقال السدي: لما أسر العباس وعقيل ونوفل قال رسول الله ﷺ للعباس: "افد نفسك وابن أخيك" فقال: يا رسول الله، ألم نصل إلى قبلتك، ونشهد شهادتك، قال: "يا عباس، إنكم خاصمتم فخصمتم"، ثم تلا عليه هذه الآية ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، رواه ابن أبي حاتم (^٢).
وقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ هذا عذر من الله لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك أنهم لا يقدرون على الخلاص (^٣) من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾.
قال مجاهد وعكرمة والسدي: يعني طريقًا (^٤).
وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ أي: يتجاوز الله عنهم بترك الهجرة، عسى من الله موجبة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
قال البخاري: حَدَّثَنَا أبو نعيم، حَدَّثَنَا شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: بينا رسول الله ﷺ يصلي العشاء إذ قال: سمع الله لمن حمده، ثم قال قبل أن يسجد: "اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم أنج سلمة بن هشام، اللهم أنج الوليد بن الوليد، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف" (^٥).
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أبو معمر المنقري، حدثني عبد الوارث، حَدَّثَنَا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول اللّه ﷺ رفع يده بعدما سلم وهو
_________________
(١) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب في الإقامة بأرض الشرك ح ٢٧٨٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٢٠).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي لكنه مرسل.
(٣) كذا في الأصل: وفي (حم) و(مح): "التخلص" وكلاهما مستقيم المعنى.
(٤) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عمرو بن دينار عنه، وقول السدي، أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة النساء، باب ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ …﴾ [النساء: ٩٩] ح ٤٥٩٨).
[ ٣ / ١٩٤ ]
مستقبل القبلة، فقال: "اللهم خلص الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا من أيدي الكفار".
وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا المثنى، حَدَّثَنَا حجاج، حَدَّثَنَا حماد، عن علي بن زيد، عن عبد الله أو إبراهيم بن عبد الله القرشي، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يدعو في دبر صلاة الظهر: "اللهم خلّص الوليد، [وسلمة] (^١) بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وضعفة المسلمين من أيدي المشركين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا" (^٢)، ولهذا الحديث شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه كما تقدم.
وقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن عيينة، عن عبيد الله بن أُبي يزيد، قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت أنا وأُمي من المستضعفين من النساء والولدان (^٣).
وقال البخاري: أنبأنا أبو النعمان، حَدَّثَنَا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله ﷿ (^٤).
وقوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ هذا تحريض على الهجرة وترغيب في مفارقة المشركين وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه، والمراغم مصدر تقول العرب: راغم فلان قومه مراغمًا ومراغمة، قال النابغة بن جعدة:
كطود (^٥) يُلاذ بأركانه … عزيز المراغم والمهرب (^٦)
وقال ابن عباس: المراغم التحول من أرض إلى أرض (^٧). وكذا روي عن الضحاك والربيع بن أنس والثوري (^٨).
وقال مجاهد: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ يعني: متزحزحًا عما يكره (^٩).
وقال سفيان بن عيينة: مراغمًا كثيرًا؛ يعني: بروجًا (^١٠).
والظاهر - والله أعلم - أنه المنع الذي يُتحصّن به ويراغم به الأعداء.
قوله: ﴿وَسَعَةً﴾ يعني: الرزق، قاله غير واحد منهم قتادة حيث قال في قوله: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾؛ أي: من الضلالة إلى الهدى، ومن القلة إلى الغنى (^١١).
_________________
(١) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: "سليم"، وهو تصحيف.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف إلا أنه توبع كما تقدم في رواية البخاري فسنده حسن لغيره.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه.
(٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٤٥٩٧). ويشهد له لا حقه.
(٥) الطود: الجبل العظيم.
(٦) شعر النابغة الجعدي ص ٣٣.
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه.
(٨) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأسند الطبري قول الضحاك والربيع بأسانيد يقوي بعضها بعضًا وتتقوى برواية ابن عباس.
(٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم من طرق نافع عن ابن عيينة، وفي سنده خباب ذكره أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٣/ ٣٩٥).
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
[ ٣ / ١٩٥ ]
وقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: ومن يخرج من منزله بنية الهجرة فمات في أثناء الطريق فقد حصل له عند الله ثواب من هاجر، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من الصحاح والمسانيد والسنن من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (^١).
وهذا عام في الهجرة وفي جميع الأعمال. ومنه الحديث الثابت في الصحيحين في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم أكمل بذلك العابد المائة ثم سأل عالمًا: هل له من توبة؟ فقال له: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد آخر يعبد الله فيه. فلما ارتحل من بلده مهاجرًا إلى البلد الآخَر أدركه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقال هؤلاء: إنه جاء تائبًا، وقال هؤلاء: إنه لم يصل بعد، فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أقرب فهو منها، فأمر الله هذه أن تقترب من هذه، وهذه أن تبتعد فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة (^٢). وفي رواية: أنه لما جاءه الموت ناء بصدره إلى الأرض التي هاجر إليها.
قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن عتيك، عن أبيه عبد الله بن عتيك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من خرج من بيته مجاهدًا في سبيل الله"، ثم قال: بأصابعه هؤلاء الثلاث الوسطى والسبابة والإبهام فجمعهن، وقال: "وأين المجاهدون في سبيل الله فخر عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله - يعني: بحتف أنفه على فراشه، واللّه إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول اللّه ﷺ ومن قتل قعصًا فقد استوجب المآب" (^٣).
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو زرعة، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة [الحزامي] (^٤)، حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي، عن المنذر بن عبد الله، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن الزبير بن العوام قال: هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة فنهشته حية في الطريق فنزلت فيه ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ
_________________
(١) صحيح البخاري، بدء الوحي، باب كيف بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ؟ (ح ٥٤)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب قوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات" (ح ١٩٠٧).
(٢) تقدم تخريجه في آخر تفسير آية ٩٣ من هذه السورة المباركة.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٦/ ٣٤٠ ح ١٦٤١٤)، وضعفه محققوه بسبب وعنعنة ابن إسحاق، ومحمد بن إبراهيم لم يوثقه سوى ابن حبان. ومعنى: استوجب المآب: أي الآخرة أي مات شهيدًا فاستحق لذلك الدار الآخرة. قاله السندي في حاشية المسند.
(٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: "الخزاعي" وهو تصحيف.
[ ٣ / ١٩٦ ]
اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال الزبير: فكنت أتوقعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة، فما أحزنني شيء حزن وفاته حين بلغتني، لأنَّهُ قل أحد ممن هاجر من قريش إلا ومعه بعض أهله، أو ذوي رحمه، ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى، ولا أرجو غيره (^١). وهذا الأثر غريب جدًّا، فإن هذه القصة مكية، ونزول هذه الآية مدنية، فلعله أراد أنها أنزلت تعم حكمه مع غيره وإن لم يكن ذلك سبب النزول، واللّه أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا سليمان بن داود مولى عبد الله بن جعفر، حَدَّثَنَا سهل بن عثمان، حَدَّثَنَا [عبد الرحمن بن سليمان، حَدَّثَنَا أشعث - هو ابن سوار -، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: خرج ضمرة] (^٢) بن جندب إلى رسول الله ﷺ فمات في الطريق قبل أن يصل إلى رسول الله ﷺ، فنزلت ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ …﴾ الآية (^٣)، وحدثنا أبي، حَدَّثَنَا عبد الله بن رجاء، أنبأنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن أبي ضمرة بن العيص الزرقي الذي كان مصاب البصر وكان بمكة، فلما نزلت ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ فقلت: إني لغني، وإني لذو حيلة، فتجهز يريد النَّبِيّ ﷺ، فأدركه الموت بالتنعيم، فنزلت هذه الآية ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (^٤).
وقال الطبراني: حَدَّثَنَا الحسن بن عروبة البصري، حَدَّثَنَا حيوة بن شريح الحمصي، حَدَّثَنَا بقية بن الوليد، حَدَّثَنَا ابن ثوبان، عن أبيه، حَدَّثَنَا مكحول، عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري، أنبأنا أبو مالك، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله قال: من انتدب خارجًا في سبيلي غازيًا ابتغاء وجهي، وتصديق وعدي، وإيمانًا برسلي فهو في ضمان على الله، إما أن يتوفاه بالجيش فيدخله الجنة، وإما أن يرجع في ضمان الله، وإن طالب عبدًا فنغصه حتَّى يرده إلى أهله مع ما نال من أجر، أو غنيمة، ونال من فضل الله فمات، أو قتل، أو رفصته فرسه، أو بعيره، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله، فهو شهيد". وروى أبو داود من حديث بقية من فضل الله إلى آخره، وزاد بعد قوله: "فهو شهيد، وإن له الجنة" (^٥)] (^٦) (^٧). وقال الحافظ أبو يعلى: حَدَّثَنَا إبراهيم بن زياد سبَلان، حَدَّثَنَا أبو معاوية، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق، عن حميد بن أبي ميمون (^٨)،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف فيه المنذر بن عبد الله الحزامي: مقبول، وعبد الرحمن بن عبد الملك صدوق يخطئ كما في التقريب ولم يتابعا.
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أشعث بن سوار ضعيف، وعبد الله بن سليمان بن أبي الجون صدوق يخطئ وقد توبعا بواسطة عمرو بن دينار ومحمد بن شريك في رواية لابن أبي حاتم كما له شواهد تقوية.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٥) ما بين معقوفين زيادة من (مح).
(٦) المعجم الكبير (ح ٣٤١٨)، وأخرجه الحاكم من طريق بقية به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٧٨).
(٧) أخرجه أبو داود في سننه، الجهاد، باب فيمن مات غازيًا (ح ٢٤٩٩). في إسناده ابن ثوبان فيه مقال.
(٨) حميد بن أبي ميمونة كذا في الأصل و(مح)، وفي (حم): "حميد بن أبي حميد" وفي مسند أبي يعلى: "جميل بن أبي ميمونة" (المسند ١١/ ٢٣٨ ح ٦٣٥٧).
[ ٣ / ١٩٧ ]
عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من خرج حاجًا فمات، كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرًا فمات، كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيًا في سبيل الله فمات، كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة" (^١). وهذا حديث غريب من هذه الوجه.
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾.
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم في البلاد، كما قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ …﴾ الآية [المزمل: ٢٠] وقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ أي: تخففوا فيها إما من كميتها بأن تجعل الرباعية ثنائية كما فهمه الجمهور من هذه الآية، واستدلوا بها على قصر الصلاة في السفر على اختلافهم في ذلك، فمن قائل: لا بدّ أن يكون سفر طاعة من جهاد، أو حج، أو عمرة، أو طلب علم، أو زيارة، وغير ذلك، كما هو مروي عن ابن عمر وعطاء ويحكى عن مالك في رواية عنه نحوه، لظاهر قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ومن قائل: لا يشترط سفر القربة، بل لا بدّ أن يكون مباحًا، لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] أباح له تناول الميتة مع الاضطرار إلا بشرط أن لا يكون عاصيًا بسفره، وهذا قول الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة.
وقد قال أبو بكر بن أبي شيبة: حَدَّثَنَا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، إني رجل تاجر أختلف إلى البحرين، فأمره أن يصلي ركعتين (^٢)، وهذا مرسل، ومن قائل: يكفي مطلق السفر سواء كان مباحًا أو محظورًا حتَّى لو خرج لقطع الطريق وإخافة السبيل ترخص لوجود مطلق السفر، وهذا قول أبي حنيفة والثوري وداود لعموم الآية وخالفه الجمهور.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد يكون هذا خرج مخرج الغالب حالٌ نزول هذه الآية، فإن في ابتداء الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة، بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو في سرية خاصة. وسائر الأحيان حرب للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثة فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] وكقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ …﴾ الآية [النساء: ٢٣].
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا ابن إدريس، حَدَّثَنَا ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٢٣٨ ح ٦٣٥٧)، وفي سنده ابن إسحاق لم يصرح بالسماع، وجميل بن أبي ميمونة ذكره البخاري وسكت عنه (التاريخ الكبير ٢/ ٢١٦)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (ح ٧٤٥).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة بسنده ومتنه (المصنف ٢/ ٤٤٧)، ورجاله ثقات لكنه مرسل.
[ ٣ / ١٩٨ ]
بابيه، عن يعلى بن أُمية، قالت: سألت عمر بن الخطاب قلت له: قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر ﵁: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (^١). وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث ابن جريج عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال علي بن المديني: هذا حديث حسن صحيح من حديث عمر، ولا يحفظ إلا من هذا الوجه ورجاله معروفون (^٢).
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حَدَّثَنَا أبو نعيم، حَدَّثَنَا مالك بن مغول عن أبي حنظلة الحذاء، قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتان، فقلت: أين قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ونحن آمنون؟ فقال: سنة رسول الله ﷺ (^٣).
وقال ابن مردوية: حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد بن عيسى، حَدَّثَنَا علي بن محمد بن سعيد: حَدَّثَنَا [منجاب] (^٤)، حَدَّثَنَا شريك، عن قيس بن وهب، عن أبي الوداك، قال: سألت ابن عمر عن ركعتين في السفر فقال: هي رخصة نزلت من السماء، فإن شئتم فردّوها (^٥).
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، حَدَّثَنَا ابن عون، عن ابن سيرين، عن ابن عباس، قال: صلينا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف بينهما ركعتين ركعتين (^٦). وهكذا رواه النسائي عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن عون به.
قال أبو عمر بن عبد البر: وهكذا رواه أيوب وهشام ويزيد بن إبراهيم التستري عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس ﵂، عن النَّبِيّ ﷺ مثله.
قلت: وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعًا عن قتيبة، عن هشيم، عن منصور بن زاذان، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس أن النَّبِيّ ﷺ خرج من المدينة إلى مكة لا يخاف إلا رب العالمين، فصلى ركعتين، ثم قال الترمذي: صحيح (^٧).
وقال البخاري: حَدَّثَنَا أبو معمر، حَدَّثَنَا عبد الوراث، حَدَّثَنَا يحيى بن أبي إسحاق، قال: سمعت [أنسًا] (^٨) يقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ١٧٤)، وسنده صحيح على شرط مسلم.
(٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين (ح ٦٨٦)، وسنن أبي داود، الصلاة، باب صلاة المسافر (ح ١١٩٩)، وسنن الترمذي، تفسير سورة النساء (ح ٣٠٣٤)، وسنن النسائي، بداية كتاب تقصير الصلاة ٣/ ١١٦، وسنن ابن ماجه، الصلاة، باب تقصير الصلاة في السفر (ح ١٠٦٥).
(٣) أخرجه الإمام أحمد من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين به، وصححه أحمد شاكر (المسند ح ٦١٩٤).
(٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "سحاب" وهو تصحيف.
(٥) في سنده شريك صدوق سيء الحفظ، ويشهد له سابقه ولاحقه.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة المصنف ٢/ ٤٤٨، وصححه الترمذي ثم الألباني كما سيأتي.
(٧) سنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في كم تقصر الصلاة (ح ٥٤٧)، وسنن النسائي، كتاب تقصر الصلاة [الباب الأول] في السفر ٣/ ١١٧ وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ١٣٥٧).
(٨) كذا في (حم) و(مح)، وصحيح البخاري، وفي الأصل: "إنسانًا" وهو تصحيف.
[ ٣ / ١٩٩ ]
ركعتين حتَّى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا (^١).
وهكذا أخرجه بقية الجماعة من طرق عن يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي به (^٢).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن وهب الخزاعي، قال: صليت مع النَّبِيّ ﷺ الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس، وآمنه ركعتين (^٣). ورواه الجماعة سوى ابن ماجه من طرق عن ابن أبي إسحاق السبيعي عنه به، ولفظ البخاري: حَدَّثَنَا أبو الوليد، حَدَّثَنَا شعبة، أنبأنا أبو إسحاق، سمعت حارثة بن وهب، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ آمن ما كان بمنى ركعتين (^٤).
وقال البخاري: حَدَّثَنَا مسدد، حَدَّثَنَا يحيى، حَدَّثَنَا عبيد الله، أخبرني نافع، عن عبد الله - هو ابن عمر -، قال: صليت مع رسول الله ﷺ ركعتين، وأبي بكر وعمر وعثمان صدرًا من إمارته، ثم أتمها، وكذا رواه مسلم من حديث يحيى بن سعيد القطان به (^٥).
وقال البخاري: حَدَّثَنَا قتيبة، حَدَّثَنَا عبد الواحد، عن الأعمش، حَدَّثَنَا إبراهيم: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلى بنا عثمان بن عفان ﵁ بمنى أربع ركعات، فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود ﵁ فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله ﷿ بمنى ركعتين وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان (^٦). ورواه البخاري أيضًا من حديث الثوري عن الأعمش به وأخرجه مسلم من طرق عنه منها عن قتيبة كما تقدم (^٧).
فهذه الأحاديث دالة صريحًا على أن القصر ليس من شرطه وجود الخوف، ولهذا قال من قال من العلماء: إن المراد من القصر ههنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية، وهو قول مجاهد والضحاك والسدي كما سيأتي بيانه، واعتضدوا أيضًا بما رواه الإمام مالك عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر، فأقرت صلاة السفر، وزيدت في صلاة الحضر (^٨). وقد روى هذا الحديث البخاري عن عبد الله بن يوسف التنيسي، ومسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القعنبي، والنسائي
_________________
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه، كتاب تقصير الصلاة (ح ١٠٨١).
(٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين (ح ٦٩٣)، وسنن أبي داود، الصلاة باب متى يتم المسافر؟ (ح ١٢٣٣)، وسنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في كم تقصر الصلاة (ح ٥٤٨)، وسنن النسائي، تقصير الصلاة في السفر ٣/ ١١٨ وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة (ح ١٠٧٧).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٠٦)، وسنده صحيح.
(٤) صحيح البخاري، الباب السابق (ح ١٠٨٣).
(٥) صحيح البخاري، الباب السابق (ح ١٠٨٢)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٦٩٤).
(٦) صحيح البخاري، الباب السابق (ح ١٠٨٤).
(٧) صحيح البخاري، الحج، باب الصلاة بمنى (ح ١٦٥٧)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب قصر الصلاة بمنى (ح ٦٩٥).
(٨) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، قصر الصلاة في السفر ١/ ١٤٦ ح ٨)، وسنده صحيح.
[ ٣ / ٢٠٠ ]
عن قتيبة، أربعتهم عن مالك به (^١).
قالوا: فإذا كان أصل الصلاة في السفر هي الثنتين، فكيف يكون المراد بالقصر ههنا قصر الكمية، لأن ما هو الأصل لا يقال فيه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ وأصرح من ذلك دلالة على هذا ما رواه الإمام أحمد: حَدَّثَنَا وكيع، [حدثنا] (^٢) سفيان وعن عبد الرحمن، عن سفيان، عن زبيد اليامي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر ﵁، قال: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر، على لسان محمد ﷺ (^٣)، وهكذا رواه النسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من طرق عن زبيد اليامي به، وهذا إسناد على شرط مسلم (^٤).
وقد حكم مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى عن عمر، وقد جاء مصرحًا به في هذا الحديث وفي غيره، وهو الصواب إن شاء الله، وإن كان يحيى بن معين وأبو حاتم والنسائي قد قالوا: إنه لم يسمع منه، وعلى هذا أيضًا: فقد وقع في بعض طرق أبي يعلى الموصلي من طريق الثوري عن زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن [الثقة] (^٥) عن عمر … فذكره، وعند ابن ماجه من طريق يزيد بن أبي زياد بن أبي الجعد عن زبيد، عن عبد الرحمن، عن كعب بن عجرة، عن عمر (^٦)، فاللّه أعلم.
وقد روى مسلم في صحيحه وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، زاد مسلم والنسائي: وأيوب بن عائد، كلاهما عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس، قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم محمد ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة وهكذا رواه وكيع وروح بن عبادة عن أُسامة بن زيد الليثي، حدثني الحسن بن مسلم بن يناف، عن طاوس، عن ابن عباس قال: فرض الله ورسوله ﷺ الصلاة في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، فكما يصلى في الحضر قبلها وبعدها فكذلك يصلي في السفر. ورواه ابن ماجه من حديث أسامة بن زيد عن طاوس نفسه (^٧). فهذا ثابت عن ابن عباس ﵂، ولا ينافي ما تقدم عن عائشة ﵂، لأنها أخبرت أن
_________________
(١) صحيح البخاري، الصلاة، باب كيف فُرضت الصلاة؟ (ح ٣٥٥)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٦٨٥)، وسنن أبي داود، الصلاة، باب صلاة السفر (ح ١١٩٨)، وسنن النسائي الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة؟ ١/ ٢٢٥.
(٢) كذا في المسند وسقط من الأصل (حم) و(مح).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (١/ ٣٦٧ ح ٢٥٧)، وصححه محققوه.
(٤) سنن النسائي، كتاب تقصير الصلاة ٣/ ١٨٣، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة (ح ١٠٦٣)، والإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٤/ ١٩٧ (ح ٢٧٨٣)، وصححه الحافظ ابن كثير.
(٥) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "البقية" وهو تصحيف.
(٦) سنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب تقصير الصلاة في السفر (ح ١٠٦٤).
(٧) صحيح مسلم، صلاة المسافرين (ح ٦٨٧)، وسنن أبي داود، الصلاة، باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعتين (ح ١٢٤٧)، وسنن النسائي: الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة ١/ ٢٢٦، وسنن ابن ماجه، إقامة الصلاة، باب تقصير الصلاة في السفر (ح ١٠٦٨).
[ ٣ / ٢٠١ ]
أصل الصلاة ركعتان، ولكن زيد في صلاة الحضر، فلما استقر ذلك، صح أن يقال: إن فرض صلاة الحضر أربع، كما قاله ابن عباس - واللّه أعلم -، لكن اتفق حديث ابن عباس وعائشة على أن صلاة السفر ركعتان، وأنها تامة غير مقصورة، كما هو مصرح به في حديث عمر ﵁، وإذا كان كذلك فيكون المراد بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ قصر الكيفية كما في صلاة الخوف، ولهذا قال: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾،
ولهذا قال بعدها: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ …﴾ إلى آخرها [النساء: ١٠٢] فبين المقصود من القصر ههنا، وذكر صفته وكيفيته، ولهذا لما عقد البخاري كتاب صلاة الخوف صدره بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢] وهكذا قال جويبر عن الضحاك في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ قال: ذاك عند القتال يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه (^١).
وقال أسباط، عن السدي في قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا …﴾ الآية. إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر، فهي تمام التقصير لا يحل إلا أن يخاف من الذين كفروا أن يفتنوه عن الصلاة فالتقصير ركعة (^٢).
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ يوم كان النَّبِيّ ﷺ وأصحابه بعُسفان (^٣)، والمشركون بضَجنان (^٤)، فتوافقوا، فصلى النَّبِيّ ﷺ بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات بركوعهم، وسجودهم، وقيامهم معًا جميعًا فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، روى ذلك ابن أبي حاتم (^٥)، ورواه ابن جرير عن مجاهد والسدي وعن جابر وابن عمر (^٦)، واختار ذلك أيضًا فإنه قال بعدما حكاه من الأقوال في ذلك: وهو الصواب.
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حَدَّثَنَا ابن أبي فديك، حَدَّثَنَا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد أنه قال [لعبد] (^٧) الله بن عمر: إنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر، فقال عبد الله: إنا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق جويبر به، وسنده ضعيف لضعف جويبر.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط به.
(٣) عسفان: بضم أوله وإسكان ثانية قرية جامعة لبني المصطلق من خزاعة (معجم ما استعجم ٨/ ٩٤٤)، وما زالت موجودة وتبعد عن مكة حوالي (٨٠) كيلًا شمالًا.
(٤) ضَجنان: بفتح أوله وإسكان ثانية .. جبل بناحية مكة على طريق المدينة (المصدر السابق ٢/ ٨٥٦).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد لكنه مرسل ووصله أيضًا من طريق ورقاء عن منصور عن مجاهد عن أبي عياش الزرقي، وأخرجه سعيد بن منصور (السنن، التفسير رقم ٦٨٦)، وأبو داود (السنن، الصلاة، باب صلاة الخوف ح ١٢٣٦)، والحاكم (المستدرك ١/ ٣٣٧)، وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٠٩٦)، وصححه الحافظ ابن كثير كما سيأتي في الآية ١٠٢ من هذه السورة.
(٦) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه لكنه مرسل ويتقوى بسابقه وبقول جابر الذي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يزيد الفقير عنه، وقول ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة من طريق سماك الحنفي عنه (المصنف ٢/ ٤٤٩). وسنده حسن.
(٧) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: "لسعد" وهو تصحيف.
[ ٣ / ٢٠٢ ]
وجدنا نبينا ﷺ يعمل عملًا عملنا به (^١).
فقد سمى صلاة الخوف مقصورة وحمل الآية عليها لا على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن عمر على ذلك، واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع لا بنص القرآن، وأصرح من هذا ما رواه ابن جرير أيضًا: حَدَّثَنَا أحمد بن الوليد القرشي، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن سماك الحنفي قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتان تمام غير قصر، إنما القصر في صلاة المخافة، فقلت: وما صلاة المخافة؟ فقال: يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم [يجيء] (^٢) هؤلاء إلى مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعة، فيكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة (^٣)، ولقوله تعالى بعدها:
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾
صلاة الخوف أنواع كثيرة، فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون في غير صوبها، والصلاة تارة تكون رباعية، وتارة تكون ثلاثية كالمغرب، وتارة تكون ثنائية كالصبح وصلاة السفر، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها ورجالًا وركبانًا، ولهم أن يمشوا والحالة هذه ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة. ومن العلماء من قال: يصلون والحالة هذه ركعة واحدة لحديث ابن عباس المتقدم، وبه قال أحمد بن حنبل. قال المنذري في الحواشي. وبه قال عطاء وجابر والحسن ومجاهد والحكم وقتادة وحماد، وإليه ذهب طاوس والضحاك.
وقد حكى أبو عاصم العبادي عن محمد بن نصر المروزي: أنه يرى رد الصبح إلى ركعة في الخوف، وإليه ذهب ابن حزم أيضًا. وقال إسحاق بن راهويه: أما عند المسايفة فيجزيك ركعة واحدة تومئ بها إيماء، فإن لم تقدر فسجدة واحدة لأنها ذكر الله، وقال آخرون: تكفي تكبيرة واحدة، فلعله أراد ركعة واحدة. كما قاله الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه، وبه قال جابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وكعب وغير واحد من الصحابة والسدي، ورواه ابن جرير، ولكن الذي حكوه إنما حكوه على ظاهره في الاجتزاء بتكبيرة واحدة، كما هو مذهب إسحاق بن راهويه وإليه ذهب الأمير عبد الوهاب [بن] (^٤) بخت المكي، حتَّى قال: فإن لم يقدر على التكبير فلا
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق (المصنف رقم ٤٢٧٦)، وأحمد في المسند (ح ٥٣٣٣)، كلاهما من طريق الزهري به، وسنده صحيح.
(٢) سقط في الأصل وأثبت من (حم) و(مح).
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق مسعر عن سماك به (المصنف ٢/ ٤٤٩)، وسنده حسن.
(٤) سقط في الأصل وأثبت من (حم) و(مح).
[ ٣ / ٢٠٣ ]
يتركها في نفسه؛ يعني بالنية. رواه سعيد بن منصور في سننه عن إسماعيل بن عياش، عن شعيب بن دينار عنه، فالله أعلم.
ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة، كما أخر النَّبِيّ ﷺ يوم الأحزاب الظهر والعصر فصلاهما بعد الغروب (^١)، ثم صلى بعدهما المغرب، ثم العشاء، وكما قال بعدها يوم بني قريظة حين جهز إليهم الجيش: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة"، فأدركتهم الصلاة في أثناء الطريق، فقال منهم قائلون: لم يرد منا رسول الله ﷺ إلا تعجيل المسير، ولم يرد منا تأخير الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها في الطريق، وأخر آخرون منهم صلاة العصر فصلوها في بني قريظة بعد الغروب، ولم يعنف رسول الله أحدًا من الفريقين (^٢).
وقد تكلمنا على هذا في كتاب "السيرة"، وبيّنا أن الذين صلوا العصر لوقتها أقرب إلى إصابة الحق في نفس الأمر، وإن كان الآخرون معذورين أيضًا، والحجة ههنا في عذرهم في تأخير الصلاة لأجل الجهاد والمبادرة إلى حصار الناكثين للعهد من الطائفة الملعونة اليهود.
وأما الجمهور فقالوا: هذا كله منسوخ بصلاة الخوف، فإنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك، وهذا بينٌ في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه الشافعي ﵀ وأهل السنن (^٣). ولكن يشكل عليه ما حكاه البخاري في صحيحه حيث قال:
(باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو) قال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء، أخروا الصلاة حتَّى ينكشف القتال، أو يأمنوا فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا فلا يجزئهم التكبير ويؤخرونها حتَّى يأمنوا، وبه قال مكحول:
وقال أنس بن مالك: حضرت مناهضة حصن تُستَر (^٤) عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا، قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها (^٥). انتهى ما ذكره، ثم أتبعه بحديث
_________________
(١) وذلك كما قال ﷺ: "شغلونا عن الصلاة الوسطى … " (أخرجه مسلم، الصحيح، المساجد، باب الدليل لمن قال: "الصلاة الوسطي هي صلاة العصر"ح ٦٢٧).
(٢) صحيح البخاري، الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب (ح ٩٤٦).
(٣) مسند الشافعي (ح ٥٥٣)، وسنن النسائي، الأذان، باب الأذان للفائت من الصلوات ٢/ ١٧، وصححه الألباني في صحيح النسائي (ح ٦٣٨).
(٤) تُستر: أعظم مدينة خوستان (مراصد الاطلاع ١/ ٢٦٢).
(٥) قول الأوزاعي رواه البخاري معلقًا وقال الحافظ ابن حجر: ذكره الوليد بن مسلم عنه في كتاب السير (الفتح ٢/ ٤٣٤)، وقول مكحول وصله الحافظ ابن حجر فذكر رواية عبد بن حميد في تفسيره عن عمر بن سعيد الدمشقي، عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول (تغليق التعليق ٢/ ٣٧١ - ٣٧٢)، وأما قول أنس رواه البخاري معلقًا ووصله بواسطة ابن أبي شيبة وابن سعد في الطبقات عن عفان بن مسلم ثنا همام بن يحيى، عن قتادة عن أنس … (تغليق التعليق ٢/ ٣٧٢).
[ ٣ / ٢٠٤ ]
تأخير الصلاة يوم الأحزاب، ثم بحديث أمره إياهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة (^١)، وكأنه كالمختار لذلك، واللّه أعلم.
ولمن جنح إلى ذلك له أن يحتج بصنيع أبي موسى وأصحابه يوم فتح تُستَر فإنه يشتهر غالبًا، ولكن كان ذلك في إمارة عمر (^٢) بن الخطاب، ولم ينقل أنه أنكر عليهم ولا أحد من الصحابة، واللّه أعلم.
قال هؤلاء: وقد كانت صلاة الخوف مشروعة في الخندق لأن غزوة ذات الرقاع كانت قبل الخندق في قول الجمهور، علماء السير والمغازي، وممن نص على ذلك محمد بن إسحاق وموسى بن عقبة والواقدي ومحمد بن سعد كاتبه وخليفة بن الخياط وغيرهم (^٣).
وقال البخاري وغيره: كانت ذات الرقاع بعد الخندق لحديث أبي موسى وما قدم إلا في خيبر (^٤)، والله أعلم.
والعجب كل العجب أن المزني وأبا يوسف القاضي وإبراهيم بن إسماعيل بن علية، ذهبوا إلى أن صلاة الخوف منسوخة بتأخيره ﵊، الصلاة يوم الخندق وهذا غريب جدًّا، وقد ثبتت الأحاديث بعد الخندق بصلاة الخوف، [والحمل على] (^٥) تأخير الصلاة يومئذٍ على ما قاله مكحول والأوزاعي أقوى وأقرب، والله أعلم.
فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ أي: إذا صليت بهم إمامًا في صلاة الخوف، وهذه حالة غير الأولى، فإن تلك قصرها إلى ركعة كما دل عليه الحديث - فرادى ورجالًا وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ثم ذكر حال الاجتماع والائتمام بإمام واحد، وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبة لما ساغ ذلك، وأما من استدل بهذه الآية على أن صلاة الخوف منسوخة بعد النَّبِيّ ﷺ لقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ فبعده تفوت هذه الصفة، فإنه استدلال ضعيف، ويرد عليه مثل قول مانعي الزكاة الذين احتجوا بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] قالوا: فنحن لا ندفع زكاتنا بعده ﷺ إلى أحد، بل نخرجها نحن بأيدينا على من نراه، وندفعها إلى من صلاته؛ أي: دعاؤه سكن لنا، ومع هذا رد عليهم الصحابة، وأبوا عليهم هذا الاستدلال، وأجبروهم على أداء الزكاة وقتلوا من منعها منهم.
ولنذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة أولًا قبل ذكر صفتها، قال ابن جرير: حدثني ابن
_________________
(١) صحيح البخاري، الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب (ح ٩٤٦)، وباب التبكير والغلس بالصبح (ح ٩٤٧).
(٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "زمن عمر".
(٣) السيرة لابن هشام ٢/ ٢٠٣، والمغازي للواقدي ١/ ٣٣٥، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ٦١.
(٤) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة ذات الرقاع (ح ٤١٢٨). وقوله: وما قدم إلا في خيبر؛ أي ما قدم من الحبشة.
(٥) زيادة من (حم) و(مح).
[ ٣ / ٢٠٥ ]
المثنى، حدثني إسحاق، حَدَّثَنَا عبد الله بن هاشم، أنبأنا سيف عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي له، قال: سأل قوم من بني النجار رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، إنا نضرب في الأرض فكيف نصلي؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك [بحول] (^١) [غزا] (^٢) النَّبِيّ ﷺ فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في أثرها، قال: فأنزل الله ﷿ بين الصلاتين ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، فنزلت صلاة الخوف (^٣)، وهذا سياق غريب جدًّا، ولكن لبعضه شاهد من رواية أبي عياش الزرقي واسمه زيد بن الصامت ﵁ عند الإمام أحمد وأهل السنن، فقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا الثوري عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي، قال: كنا مع رسول الله ﷺ بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا رسول الله ﷺ الظهر، فقالوا: لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: تأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ قال: فحضرت، فأمرهم رسول الله ﷺ فأخذوا السلاح، قال: فصففنا خلفه صفين، قال: ثم ركع فركعنا جميعًا، ثم رفع فرفعنا جميعًا، ثم سجد النَّبِيّ ﷺ بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا، جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، [وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء] (^٤)، ثم ركع فركعوا جميعًا، ثم رفع فرفعوا جميعًا، ثم سجد النَّبِيّ ﷺ والصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا، ثم سلم عليهم، ثم انصرف، قال: فصلاها رسول الله ﷺ مرتين: مرة بعسفان، ومرة بأرض بني سليم (^٥).
ثم رواه أحمد عن غندر، عن شعبة، عن منصور به نحوه، وهكذا رواه أبو داود عن سعيد بن منصور، عن جرير بن عبد الحميد، والنسائي من حديث شعبة، وعبد العزيز بن عبد الصمد، كلهم عن منصور به، وهذا إسناد صحيح وله شواهد كثيرة (^٦)، فمن ذلك ما رواه البخاري حيث قال: حَدَّثَنَا حيوة بن شريح، حَدَّثَنَا محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس ﵄، قال: قام النَّبِيّ ﷺ وقام الناس معه، فكبر وكبروا معه،
_________________
(١) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: "تحول" وهو تصحيف.
(٢) سقط في الأصل، "وأثبت" من (حم) و(مح) وتفسير الطبري.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده سيف وهو ابن عمر التميمي: ضعيف (التقريب ص ٢٦٢)، ولبعض روايته شواهد كما قال الحافظ ابن كثير.
(٤) سقط في الأصل وأثبت من (حم) و(مح) والتخريج.
(٥) تقدم تخريجه وتصحيحه في آخر تفسير آية ١٠١ من هذه السورة الكريمة.
(٦) تقدم عزوه لمصادره كسابقه.
[ ٣ / ٢٠٦ ]
وركع وركع ناس منهم، ثم سجد وسجدوا معه، ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه والناس كلهم في الصلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضًا (^١).
وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن سليمان اليشكري أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة؛ أي: يوم أنزل أو أي يوم هو، فقال جابر: انطلقنا نتلقى عير قريش آتية من الشام حتَّى إذا كنا بنخل، جاء رجل من القوم إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، قال: نعم. قال: هل تخافني؟ قال: "لا" قال: فمن يمنعك مني؟ قال: "الله يمنعني منك" قال: فسل السيف، ثم تهدده وأوعده، ثم نادى بالرجل وأخذ السلاح، ثم نودي بالصلاة فصلى رسول الله ﷺ بطائفة من القوم وطائفة أخرى تحرسهم، فصلى بالذين يلونه ركعتين، ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم، فقاموا في مصاف أصحابهم، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين، والآخرون يحرسونهم، ثم سلم فكانت للنبي ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين، فيومئذٍ أنزل الله في إقصار الصلاة وأمر المؤمنين بأخذ السلاح (^٢).
ورواه الإمام أحمد فقال: حَدَّثَنَا سريج، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس هو اليشكري، عن جابر بن عبد الله، قال: قاتل رسول الله ﷺ محارب خصفة، فجاء رجل منهم يقال له: غورث بن الحارث حتَّى قام على رسول الله ﷺ بالسيف، فقال: من يمنعك مني؟ [قال: "الله"، فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله ﷺ، فقال: "ومن يمنعك مني؟ "] (^٣)، قال: كن خير آخذ. قال: "أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ " قال: لا، ولكن أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، [فأتى قومه] (^٤) فقال: جئتكم من عند خير الناس، فلما حضرت الصلاة، صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فكان الناس طائفتين: طائفة بإزاء العدو، وطائفة صلوا مع رسول الله ﷺ، فصلى بالطائفة الذين معه ركعتين وانصرفوا، فكانوا مكان الطائفة الذين كانوا بإزاء العدو، ثم انصرف الذين كانوا بإزاء العدو فصلوا مع رسول الله ﷺ ركعتين، فكان لرسول الله ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين (^٥). تفرد به من هذا الوجه.
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا أبو قطن عمرو بن الهيثم، حَدَّثَنَا المسعودي، عن يزيد الفقير، قال: سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر أقصرهما؟ فقال: الركعتان في السفر تمام، إنما القصر واحدة عند القتال، بينما نحن مع رسول الله ﷺ في قتال، إذ أقيمت الصلاة، فقام رسول الله ﷺ فصف طائفة، وطائفة وجهها قبل العدو،
_________________
(١) صحيح البخاري، الخوف، باب يَحرس بعضهم بعضًا في صلاة الخوف (ح ٩٤٤).
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده قتادة لم يصرح بالسماع ولكنه توبع بوسطة أبي بشر وهو جعفر بن أبي وحشية، كما سيأتي في الرواية التالية.
(٣) سقط في الأصل وأثبت من (حم) و(مح) والمسند.
(٤) زيادة من المسند.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وصححه سنده محققوه (المسند ٢٣/ ٣٦٩ - ٣٧٠ ح ١٥١٩٠).
[ ٣ / ٢٠٧ ]
فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين، ثم الذين خلفوا انطلقوا إلى أولئك فقاموا مقامهم ومكانهم نحو ذا، وجاء أولئك فقاموا خلف رسول الله ﷺ فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين، ثم إن رسول الله ﷺ جلس فسلم، [وسلم] (^١) الذين خلفه، وسلم أولئك، فكانت لرسول الله ﷺ ركعتين، وللقوم ركعة ركعة، ثم قرأ ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ …﴾ الآية (^٢).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن الحكم، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ، صلى بهم صلاة الخوف، فقام صف بين يديه وصف خلفه، فصلى بالذين خلفه ركعة وسجدتين، ثم تقدم هؤلاء حتَّى قاموا في مقام أصحابهم، وجاء أولئك حتَّى قاموا في مقام هؤلاء، فصلى بهم رسول الله ﷺ ركعة وسجدتين ثم سلم، فكانت للنبي ﷺ ركعتين، ولهم ركعة (^٣)، ورواه النسائي من حديث شعبة، ولهذا الحديث طرق عن جابر، وهو في صحيح مسلم من وجه آخر بلفظ آخر (^٤)، وقد رواه عن جابر جماعة كثيرون في الصحيح والسنن والمسانيد.
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا نعيم بن حماد، حَدَّثَنَا عبد الله بن المبارك، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ قال: هي صلاة الخوف، صلى رسول الله ﷺ بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مقبلة على العدو، وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقبلة على العدو فصلى بهم رسول الله ﷺ[ركعة أخرى ثم سلم بهم، ثم قامت كل طائفة منهم فصلت] (^٥) ركعة ركعة (^٦)، وقد روى هذا الحديث الجماعة في كتبهم من طريق معمر به (^٧)، ولهذا الحديث طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة، وقد أجاد الحافظ أبو بكر بن مردويه في سرد طرقه وألفاظه، وكذا ابن جرير، ولنحرره في كتاب الأحكام الكبير، إن شاء الله وبه الثقة.
وأما الأمر بحمل السلاح في صلاة الخوف فمحمول عند طائفة من العلماء على الوجوب لظاهر الآية، وهو أحد قولي الشافعي، ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي: بحيث تكونون على أهبة إذا احتجتم إليها لبستموها بلا كلفة ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
_________________
(١) زيادة من (حم) و(مح).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٩٨)، وسنده صحيح، وتخريجه كما يلي:
(٤) سنن النسائي، صلاة الخوف ٣/ ١٧٤، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف (ح ٨٤٠).
(٥) سقط في الأصل، وأثبت من (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري من طريق الزهري به مختصرًا (صحيح البخاري، الصلاة، صلاة الخوف)، وأخرجه مسلم من طريق معمر به مختصرًا (صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب صلاة الخوف ح ٨٣٩).
(٧) تقدم في الحاشية تخريجه من الصحيحين وكفى بهما.
[ ٣ / ٢٠٨ ]
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾.
يأمر الله تعالى بكثرة الذكر عقيب صلاة الخوف وإن كان مشروعًا مرغبًا فيه أيضًا بعد غيرها، ولكن ههنا آكد لما وقع فيها من التخفيف في أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب، وغير ذلك مما ليس يوجد في غيرها، كما قال تعالى في الأشهر الحرم: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ وإن كان هذا منهيًا عنه في غيرها، ولكن فيها آكد لشدة حرمتها وعظمتها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ أي: في سائر أحوالكم، ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: فإذا أمنتم وذهب الخوف، وحصلت الطمأنينة ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: فأتموها وأقيموها كما أمرتم بحدودها، وخشوعها، وركوعها، وسجودها، وجميع شؤونها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ قال ابن عَبَّاس: أي: مفروضًا (^١)، وكذا روي عن مجاهد وسالم بن عبد الله وعلي بن الحسين ومحمد بن علي والحسن ومقاتل والسدي وعطية العوفي (^٢).
قال عبد الرزاق: عن معمر، عن قتادة ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ قال ابن مسعود: إن للصلاة وقتًا كوقت الحج (^٣).
وقال زيد بن أسلم: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ قال: منجمًا كلما مضى نجم جاء نجم (^٤)؛ يعني: كلما مضى وقت جاء وقت.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أي: لا تضعفوا في طلب عدوكم، بلى جدوا فيهم وقاتلوهم، واقعدوا لهم كل مرصد ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ أي: كما يصيبكم الجراح والقتل كذلك يحصل لهم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠] ثم قال تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ أي: أنتم وإياهم سواء فيما يصيبكم وإياهم من الجراح والآلام، ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد كما وعدكم إياه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ وهو وعد حق، وخبر صدق، وهم لا يرجون شيئًا من ذلك، فأنتم أولى بالجهاد منهم وأشد رغبة فيه، وفي إقام كلمة الله وإعلائها.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: هو أعلم وأحكم فيما يقدره ويقضيه وينفذه ويمضيه من
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٢) ذكر ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق أبي رجاء عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول عطية العوفي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق فضيل بن مرزوق عنه.
(٣) أخراجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لعدم سماع قتادة من ابن مسعود (المراسيل ص ١٦٨، ١٧٤).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي جعفر الرازي عن زيد بن أسلم.
[ ٣ / ٢٠٩ ]
أحكامه الكونية [والشرعية] (^١)، وهو المحمود على كل حال.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾.
يقول تعالى: مخاطبًا لرسوله محمد ﷺ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي: هو حق من الله، وهو يتضمن الحق في خبره وطلبه، وقوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ احتج به من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان ﷺ له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية، وبما ثبت في الصحيحين من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أُم سلمة، عن أُم سلمة أن رسول الله ﷺ، سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: "ألا إنما أنا بشر وإنما أقضي بنحو مما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو ليذرها" (^٢).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا أُسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع، عن أُم سلمة، قالت: جاء رجلان من الأنصار [يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث بينهما قد درست، ليس عندهما بينة] (^٣). فقال رسول اللّه ﷺ: "إنكم تختصمون إليّ وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطامًا في عنقه يوم القيامة" فبكى الرجلان، وقال كل منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله ﷺ: "أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخيا الحق بينكما ثم استهما، ثم ليحلل كل منكما صاحبه" (^٤)، وقد رواه أبو داود من حديث أُسامة بن زيد به، وزاد: "إني إنما أقضي بينكما برأي فيما لم ينزل علي فيه" (^٥).
وقد روى ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس: أن نفرًا من الأنصار غزوا مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فأظن بها رجل من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله ﷺ - فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي، فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان
_________________
(١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "والشريعة" وهو تصحيف.
(٢) صحيح البخاري، الشهادات، باب من أقام البينة بعد اليمين (ح ٢٦٨٠)، وصحيح مسلم، الأقضية، باب الحكم بالظاهر (ح ١٧١٣).
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل و(مح)، وأثبت من (حم).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٣٢٠)، متفق عليه تقدم تخريجه في الحديث السابق بنحوه. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٤٥٥).
(٥) أخرجه أبو داود من طريق أسامة به (السنن، الأقضية، باب في قضاء القاضي إذا أخطأ ح ٣٥٨٥).
[ ٣ / ٢١٠ ]
وستوجد عنده، فانطلقوا إلى نبي الله ﷺ ليلًا فقالوا: يا نبي الله إن صاحبنا بريء وإن صاحب الدرع فلان، وقد أحطنا بذلك علمًا، فأعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك، فقام رسول الله ﷺ، فبرأه وعذره على رؤوس الناس، فأنزل الله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧)﴾ (^١).
ثم قال تعالى للذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين بالكذب: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ يعني: الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين يجادلون عن الخائنين، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠] يعني: الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين بالكذب ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)﴾ [النساء: ١١١] يعني: السارق والذين جادلوا عن السارق، وهذا سياق غريب، وكذا ذكر مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم في هذه الآية: إنها نزلت في سارق بني أبيرق على اختلاف سياقاتهم وهي متقاربة (^٢).
وقد روى هذه القصة محمد بن إسحاق مطولة، فقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية من جامعه، وابن جرير في تفسيره: حَدَّثَنَا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحراني، حَدَّثَنَا محمد بن سلمة الحراني، حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان ﵁، قال: كان أهل بيت منا يقال لهم: بنو أبيرق بشر (^٣) وبشير (^٤) ومبشر (^٥)، وكان بشير رجلًا منافقًا يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ﷺ، ثم ينحله لبعض العرب، ثم يقول: قال فلان: كذا وكذا، وقال فلان: كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الرجل الخبيث أو كما قال الرجل، وقالوا: ابن الأبيرق قالها، قالوا: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة (^٦) من الشام من الدَّرمَك (^٧) ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، وأما العيال فإنما طعامهم
_________________
(١) أخرجه الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس، وسنده ضعيف.
(٢) أخرج هذه الآثار الطبري بأسانيد يقوي بعضها بعضًا ويتقوى أيضًا بالرواية المرفوعة التالية.
(٣) بشر هو ابن الحارث بن عمرو بن حارثة الظفري الأنصاري صحابي (الاستيعاب ١/ ١٥٤).
(٤) بشير هو أبو طعمة بن الحارث الأنصاري الشاعر وكان منافقًا يهجو النَّبِيّ ﷺ، أسلم وشهد أحد ثم ارتد سنة أربع (السيرة لابن هشام ١/ ٥٢٤)، والاستيعاب ١/ ١٥٤.
(٥) هو ابن الحارث بن عمرو الأنصاري شهد أُحدًا صحابي (الاستيعاب ٣/ ٤٥٦).
(٦) ضافطة: الضافط الذي يجلب الميرة والمتاع إلى المدن (النهاية ٣/ ٩٤).
(٧) الدرمك: الدقيق النقي الأبيض (النهاية ٢/ ١١٤).
[ ٣ / ٢١١ ]
التمر الشعير، فقدمت ضافطة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملًا من الدرمك فجعله في مشربة له، وفي المشربة (^١) سلاح ودرع وسيف، فعدي عليه من تحت البيت، فنقبت المشربة، وأخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي، إنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا، فذهب بطعامنا وسلاحنا، قال: فتحسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم، قال: وكان بنو أبيرق قالوا - ونحن نسأل في الدار -: والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل (^٢) رجلًا منا له صلاح وإسلام، فلما سمع لبيد اخترط سيفه وقال: أنا أسرق؟! والله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة، قالوا: إليك عنا أيها الرجل فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتَّى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي: يا ابن أخي لو أتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، قال قتادة: فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه فليردوا علينا سلاحنا، فأما الطعام، فلا حاجة لنا فيه، فقال النَّبِيّ ﷺ: "سآمر في ذلك"، فلما سمع بذلك بنو أبيرق أتوا رجلًا منهم يقال له: أسير بن عروة (^٣) فكلموه في ذلك، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار فقالوا: يا رسول الله، إن قتادة بن النعمان (^٤) وعمه، عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت، قال قتادة: فأتيت النَّبِيّ ﷺ فكلمته، فقال: "عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ثبت"، قال: فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله ﷺ في ذلك، فأتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله ﷺ، فقال: "الله المستعان"، فلم نلبث أن نزل القرآن ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ يعني: بني أبيرق، ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي: مما قلت لقتادة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَحِيمًا﴾ أي: لو استغفروا الله لغفر لهم ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [النساء: ١١١] إلى قوله: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ قولهم للبيد ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فلما نزل القرآن أتى رسول الله ﷺ بالسلاح فرده إلى رفاعة، فقال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخًا قد عسى أو عشي - الشك من أبي عيسى - في الجاهلية وكنت أرى إسلامه مدخولًا (^٥) لما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي هو في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحًا، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فنزل على
_________________
(١) المشربة: الغرفة (النهاية ٢/ ٤٥٥).
(٢) لبيد بن سهل بن الحارث بن عروة الظفري الأنصاري صحابي جليل (الاستيعاب ٣/ ٣١١ والإصابة ٣/ ٣٠٩).
(٣) أسير بن عروة بن سواد بن الهيثم الظفري الأنصاري صحابي جليل (الاستيعاب ١/ ٤٠ والإصابة ١/ ٦٥).
(٤) قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر الظفري الأنصاري صحابي جليل (الاستيعاب ٣/ ٣٨، والإصابة ٣/ ٢١٧).
(٥) أي غشًا وخدعة.
[ ٣ / ٢١٢ ]
سلافة بنت سعد بن سمية، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء] فلما نزل على سلافة بنت سعد (^١)، رماها (^٢) حسان بن ثابت بأبيات من شعر فأخذت رحله فوضعته على رأسها ثم خرجت به، فرمته في الأبطح، ثم قالت: أهديت لي شعر حسان ما كنت تأتيني بخير. لفظ الترمذي، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعلم أحدًا أسنده غير محمد بن سلمة الحراني (^٣). ورواه يونس بن بكير وغير واحد عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسلًا لم يذكروا فيه، عن أبيه، عن جده (^٤).
ورواه ابن أبي حاتم عن هاشم بن القاسم الحراني، عن محمد بن سلمة به ببعضه. ورواه ابن المنذر في تفسيره: حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل - يعني الصائغ -، حَدَّثَنَا الحسن بن أحمد بن شعيب الحراني، حَدَّثَنَا محمد بن سلمة … فذكره بطوله. ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره عن محمد بن العباس بن أيوب والحسن بن يعقوب، كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة به، ثم قال في آخره: قال محمد بن سلمة: سمع مني هذا الحديث يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إسرائيل، وقد روى هذا الحديث الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في كتابه المستدرك عن أبي العباس الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بمعناه أتم منه وفيه الشعر، ثم قال: وهذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه (^٥).
وقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾، هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس لئلا ينكروا عليهم، ويجاهرون الله بها، لأنَّهُ مطلع على سرائرهم وعالم بما في ضمائرهم، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ تهديد لهم ووعيد. وقد قال الطبراني: ثنا الحسين بن إسحاق التُستري، ثنا يعقوب بن حميد، ثنا عبد الله بن موسى، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعيد بن جبير الأزدي أنه قال للنبي ﷺ: أوصني. قال: "أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي من الرجل الصالح من قومك" (^٦).
ثم قال تعالى:
_________________
(١) سلافة بنت سعد بن شهيد بن عمرو بن زيد بن أُمية بن زيد بن مالك الأنصارية صحابية جليلة (ينظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٧٦ وجمهرة أنساب العرب ٢/ ٣٣٤).
(٢) أي هجاها.
(٣) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، تفسير سورة النساء ح ٣٠٣٦)، وسنده حسن وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، وتخريجه كما يلي.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر في تفاسيرهم بالأسانيد المذكورة مع تفاوت في بعض الألفاظ، وأخرجه الحاكم من طريق يونس بن بكير به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٣٨٥)، وتشهد له الآثار السابقة لهذا الحديث.
(٥) زيادة من (مح) ولا يوجد في النسخ المطبوعة، وسنده مرسل.
(٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
[ ٣ / ٢١٣ ]
﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾ أي: هب أن هؤلاء انتصروا في الدنيا بما أبدوه أو أبدي لهم عند الحكام الذين يحكمون بالظاهر وهم متعبدون بذلك، فماذا يكون صنيعهم يوم القيامة بين يدي الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى؟ ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذٍ يوم القيامة في ترويج دعواهم؟ أي: لا أحد يومئذٍ يكون لهم وكيلًا، ولهذا قال: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾.
يخبر تعالى عن كرمه وجوده أن كل من تاب إليه، تاب عليه من أي ذنب كان. فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: أخبر الله عباده بعفوه وحلمه وكرمه، وسعة رحمته، ومغفرته فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال رواه ابن جرير (^١).
وقال ابن جرير أيضًا: حَدَّثَنَا محمد بن مثنى، حَدَّثَنَا محمد بن أبي عدي، حَدَّثَنَا شعبة، عن عاصم، عن أبي وائل، قال: قال عبد الله: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنبًا أصبح قد كتب كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البول منه شيئًا قرضه بالمقاريض فقال رجل: لقد آتى الله بني إسرائيل خيرًا، فقال عبد الله ﵁: ما آتاكم الله خير مما آتاهم، جعل الماء لكم طهورًا، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ (^٢).
وقال أيضًا: حدثني يعقوب، حَدَّثَنَا هشيم، عن ابن عون، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: جاءت امرأة إلى عبد الله بن مغفل فسألته عن امرأة فجرت فحبلت، فلما ولدت قتلت ولدها، قال عبد الله بن مغفل: لها النار، فانصرفت وهي تبكي فدعاها ثم قال: ما أرى أمرك إلا أحد أمرين: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠] قال: فمسحت عينها ثم مضت (^٣).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهدي، حَدَّثَنَا شعبة، عن عثمان بن المغيرة، قال: سمعت علي بن ربيعة من بني أسد يحدث عن أسماء أو ابن أسماء من بني فزارة، قال: قال علي ﵁: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه. وحدثني
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحبيب بن أبي ثابت لم يصرح بالسماع وهو كثير الإرسال والتدليس كما في التقريب.
[ ٣ / ٢١٤ ]
أبو بكر - وصدق أبو بكر - قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من مسلم يذنب ذنبًا، ثم يتوضأ ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله لذلك الذنب، إلا غفر له" وقرأ هاتين الآيتين ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ …﴾ [آل عمران: ١٣٥] الآية. وقد تكلمنا على هذا الحديث وعزيناه إلى من رواه من أصحاب السنن، وذكرنا ما في سنده من مقال في مسند أبي بكر الصديق ﵁، وقد تقدم بعض ذلك في سورة آل عمران أيضًا (^١).
وقد رواه ابن مردويه في تفسيره من وجه آخر عن علي فقال: حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن زياد، حَدَّثَنَا إبراهيم بن إسحاق الحربي، حَدَّثَنَا داود بن مهران الدباغ، حَدَّثَنَا عمر بن يزيد، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن علي، قال: سمعت أبا بكر - هو الصدوق - يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد أذنب فقام فتوضأ فأحسن وضوءه، ثم قام فصلى واستغفر من ذنبه، إلا كان حقًّا على الله أن يغفر له" لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ ثم رواه من طريق أبان بن أبي عياش عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي، عن الصديق، بنحوه، وهذا إسناد لا يصح (^٢).
وقال ابن مردويه: حَدَّثَنَا محمد بن علي بن دُحيم، حَدَّثَنَا أحمد بن حازم، حَدَّثَنَا موسى بن مروان الرقي، حَدَّثَنَا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن تمام بن نجيح، حدثني كعب بن ذهل الأزدي قال: سمعت أبا الدرداء يحدث قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلسنا حوله، وكانت له حاجة فقام إليها وأراد الرجوع، ترك نعليه في مجلسه أو بعض ما عليه، وأنه قام فترك نعليه، قال أبو الدرداء: فأخذ ركوة من ماء فاتبعته فمضى ساعة ثم رجع ولم يقض حاجته، فقال: "إنه أتاني آت من ربي فقال: إنه ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ فأردت أن أبشر أصحابي".
قال أبو الدرداء: وكانت قد شقَّت على الناس الآية التي قبلها ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] فقلت: يا رسول الله، وإن زنى وإن سرق، ثم استغفر ربه غفر له؟ قال: "نعم". ثم قلت الثانية، قال: "نعم". قلت الثالثة، قال: "نعم، وإن زنى وإن سرق ثم استغفر الله، غفر الله له على رغم أنف عويمر". قال: فرأيت أبا الدرداء يضرب أنف نفسه بأصبعه، هذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه بهذا السياق، وفي إسناده ضعف (^٣).
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ …﴾ الآية، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨] يعني: أنه لا يغني أحد عن أحد، وإنما على كل نفس ما عملت لا يحمل عنها غيرها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: من علمه وحكمته، وعدله ورحمته كان ذلك،
ثم قال: ﴿وَمَنْ
_________________
(١) تقدم تخريجه وتحسينه في تفسير سورة آل عمران آية ١٣٥.
(٢) ولكن له شواهد تقدمت في تفسير سورة آل عمران آية ١٣٥.
(٣) وهو كما قال، فإن تمام بن نجيح ضعيف، وكعب بن ذهل فيه لين (التقريب ص ١٣٠ و٤٦١).
[ ٣ / ٢١٥ ]
يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾ يعني: كما اتهم بنو أبيرق بصنيعهم القبيح ذلك الرجل الصالح وهو لبيد بن سهل كما تقدم في الحديث (^١) أو زيد بن السمين اليهودي على ما قاله الآخرون، وقد كان بريئًا وهم الظلمة الخونة، كما أطلع الله على ذلك رسوله ﷺ، ثم هذا التقريع وهذا التَّوبيخ عام فيهم وفي غيرهم ممن اتصف بصفتهم فارتكب مثل خطيئتهم، فعليه مثل عقوبتهم.
وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾.
وقال الإمام ابن أبي حاتم: أنبأنا هاشم بن القاسم الحراني فيما كتب إلي، حَدَّثَنَا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان، وذكر قصة بني أبيرق، فأنزل الله: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: أسير بن عروة وأصحابه (^٢)، يعني بذلك لما أثنوا على بني أبيرق ولاموا قتادة بن النعمان في كونه اتهمهم وهم صلحاء برآء، ولم يكن الأمر كما أنهوه إلى رسول الله ﷺ، ولهذا أنزل الله فصل القضية وجلاءها لرسول الله ﷺ ثم امتن عليه بتأييده إياه في جميع الأحوال، وعصمته له، وما أنزل عليه من الكتاب وهو القرآن والحكمة، وهي السنة ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ أي: قبل نزول ذلك عليك، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى] وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦]، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾.
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾.
يقول تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ يعني: كلام الناس ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي: إلا نجوى من قال ذلك: كما جاء في الحديث الذي رواه ابن مردويه: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حَدَّثَنَا محمد بن سليمان بن الحارث، حَدَّثَنَا محمد بن يزيد بن خُنيس، قال: دخلنا على سفيان الثوري نعوده، فدخل عليه سعيد بن حسان المخزومي، فقال له سفيان الثوري: الحديث الذي كنت حدثتنيه عن أُم صالح، أردده علي، فقال: حدثتني أم صالح، عن صفية بنت شيبة، عن أم حبيبة، قالت: قال رسول الله ﷺ: "كلام ابن آدم كله عليه لا له ما خلا أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، وذكر الله" فقال محمد بن يزيد: ما أشد هذا الحديث فقال سفيان وما شدة هذا الحديث؟ إنما جاءت به امرأة عن امرأة هذا في
_________________
(١) تقدم تحسينه في تفسير الآية ١٠٦ - ١٠٨ من هذه السورة.
(٢) تقدم تخريجه وتحسينه مطولًا كاملًا.
[ ٣ / ٢١٦ ]
كتاب الله الذي أرسل به نبيكم ﷺ: أَوَ ما سمعت الله يقول في كتابه: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾؟ فهو هذا بعينه، أَوَ ما سمعت الله يقول: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ] هذا بعينه، أَوَ ما سمعت الله يقول في كتابه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر] فهو هذا بعينه (^١).
وقد روى هذا الحديث الترمذي وابن ماجة من حديث محمد بن يزيد بن خُنَيس، عن سعيد بن حسان به، ولم يذكر أقوال الثوري إلى آخرها، ثم قال الترمذي: حديث غريب، لا يعرف إلا من حديث ابن خُنَيس (^٢).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يعقوب، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا صالح بن كيسان، حَدَّثَنَا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره أن أمه أم كلثوم بنت عقبة أخبرته أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا، أو يقول خيرًا"، وقالت: لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها، قال: وكانت أم كلثوم بنت عقبة من المهاجرات اللاتي بايعن رسول الله ﷺ (^٣). وقد رواه الجماعة سوى ابن ماجة من طرق عن الزهري به نحوه (^٤).
قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام، والصلاة، والصدقة؟ " قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "إصلاح ذات البين"، قال: "وفساد ذات البين هي الحالقة". ورواه أبو داود والترمذي من حديث أبي معاوية، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٥).
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الرحيم، حَدَّثَنَا سريج بن يونس، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، حَدَّثَنَا أبي، عن حميد، عن أنس أن النَّبِيّ ﷺ قال لأبي أيوب: "ألا أدلك على تجارة؟ " قال: بلى يا رسول الله. قال: "تسعى في إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقارب بينهم إذا تباعدوا" ثم قال البزار: وعبد الرحمن بن عبد الله العمري: لين، وقد حدث
_________________
(١) في سنده سعيد بن حسان المخزومي: صدوق له أوهام (التقريب ص ٢٣٤)، ومحمد بن يزيد بن خُنيس: مقبول (التقريب ص ٥١٣).
(٢) سنن الترمذي، كتاب الزهد، باب رقم ٦٢ (ح ٢٤١٢)، وسنن ابن ماجة، الفتن، باب كف اللسان في الفتن (ح ٣٩٧٤)، وسنده ضعيف كسابقه في رواية ابن مردويه.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٠٣) وهو حديث متفق عليه كما يلي.
(٤) صحيح البخاري، الصلح، باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس (ح ٢٦٩٢)، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب تحريم الكذب وبيان المباح منه (ح ٢٦٠٥).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٤٤ و٤٤٥)، وأخرجه أبو داود (السنن، الأدب، باب في إصلاح ذات البين ح ٤٩١٩)، والترمذي كلاهما عن أبي معاوية به، وصححه الترمذي (السنن، كتاب صفة القيامة ح ٢٥٠٩) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٠٣٧).
[ ٣ / ٢١٧ ]
بأحاديث لم يتابع عليها (^١). ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: مخلصًا في ذلك محتسبًا ثواب ذلك عند الله ﷺ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا جزيلًا كثيرًا واسعًا.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ أي: ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول ﷺ، فصار في شق، والشرع في شق، وذلك عن عمد منه بعدما ظهر له الحق وتبين له واتضح له.
وقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما اجتمعت عليه الأُمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقًا، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفًا لهم وتعظيمًا لنبيهم، وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في ذلك، قد ذكرنا منها طرفًا صالحًا في كتاب أحاديث الأصول، ومن العلماء من ادعى تواتر معناها، والذي عول عليه الشافعي ﵀ في الاحتجاج على كون الإجماع حجة (^٢) تحرم مخالفته هذه الآية الكريمة بعد التروي والفكر الطويل، وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك فاستبعد الدلالة منها على ذلك، ولهذا توعد تعالى على ذلك بقوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ أي: إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره ونزينها له استدراجًا له، كما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤)﴾ [القلم: ٤٤] وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠] وجعل النار مصيره في الآخرة، لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات] وقال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾ [الكهف].
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾.
قد تقدم الكلام على هذه الآية الكريمة، وهي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ … الآية (^٣)، وذكرنا ما يتعلق بها من الأحاديث في صدر هذه السورة، وقد روى الترمذي: حديث ثوير بن أبي فاختة سعيد بن علاقة، عن أبيه، عن علي ﵁ أنه قال: ما في
_________________
(١) أخرجه البزار بسند ومتنه وتعليقه وتضعيفه (مختصر زوائد مسند البزار ٢/ ٢٢٢ ح ١٧٤١).
(٢) ينظر: "الرسالة" للإمام الشافعي ص ٤٧١.
(٣) تقدم في هذه السورة آية ٤٨.
[ ٣ / ٢١٨ ]
القرآن آية أحب إليّ من هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ثم قال: هذا حسن غريب (^١).
وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي: فقد سلك غير الطريق الحق، وضل عن الهدى وبعد عن الصواب، وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا محمود بن غيلان، أنبأنا الفضل بن موسى، أخبرنا الحسن بن واقد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب قال: مع كل صنم جنية (^٢).
وحدثنا أبي، حَدَّثَنَا محمد بن سلمة الباهلي، عن عبد العزيز بن محمد، عن هشام - يعني ابن عروة -، عن أبيه، عن عائشة ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ قالت: أوثانًا (^٣). وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير ومجاهد وأبي مالك والسدي ومقاتل بن حيان، نحو ذلك (^٤).
وقال جويبر، عن الضحاك في الآية: قال المشركون: إن الملائكة بنات الله، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، قال: فاتخذوهن أربابًا، وصوروهن جواري فحكموا وقلدوا، وقالوا: هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعده؛ يعنون: الملائكة (^٥).
وهذا التفسير شبيه بقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ١٩ - ٢٣] وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ [الزخرف: ١٩] وقال: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)﴾ [الصافات: ١٥٨].
وقال علي بن أبي طلحة والضحاك، عن ابن عباس ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال: يعني موتى (^٦). وقال مبارك - يعني: ابن فضالة -، عن الحسن: إن يدعون من دونه إلا إناثًا. قال الحسن: الإناث كل شيء ميت ليس فيه روح، إما خشبة يابسة وإما حجر يابس. ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٧)، وهو غريب.
_________________
(١) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، تفسير سورة النساء ح ٣٠٣٧) وسنده ضعيف بسبب ثوير: ضعيف ورمي بالرفض (التقريب ص ١٣٥).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده الحسين بن واقد: صدوق يهم لكنه يتقوى بالشاهد التالي.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٤) ذكرهم ابن حاتم كلهم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح قول أبي مالك وهو الغفاري أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق حصين عنه، وقول السدي الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق جويبر به، وسنده ضعيف لضعف جويبر.
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
[ ٣ / ٢١٩ ]
وقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ أي: هو الذي أمرهم بذلك وحسنه وزينه لهم، وهم إنما يعبدون إبليس في نفس الأمر، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ [يس]. وقال تعالى إخبارًا عن الملائكة أنهم يقولون يوم القيامة عن المشركين الذين ادعوا عبادتهم في الدنيا: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ:٤١].
وقوله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: طرده وأبعده من رحمته، وأخرجه من جواره، وقال: ﴿وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أي: معينًا مقدرًا معلومًا.
قال مقاتل بن حيان: من كل ألف، تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة (^١). ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: عن الحق، ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أي: أزين لهم ترك التوبة، وأعدهم الأماني، وآمرهم بالتسويف والتأخير، وأغرهم من أنفسهم، وقوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾.
قال قتادة والسدي وغيرهما: يعني تشقيقها وجعلها سمة وعلامة للبحيرة والسائبة والوصيلة (^٢).
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، قال ابن عَبَّاس: يعني بذلك خصي الدواب (^٣)، وقد روي عن ابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب وعكرمة وأبي عياض وقتادة وأبي صالح والثوري (^٤).
وقد ورد في حديث النهي عن ذلك، وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: يعني بذلك الوشم (^٥).
وفي صحيح مسلم، النهي عن الوشم في الوجه، وفي لفظ: لعن الله من فعل ذلك (^٦).
وفي الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله عز وجلت، ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله ﷿ (^٧)؛ يعني قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقال ابن عَبَّاس في رواية عنه ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والحكم والسدي والضحاك وعطاء الخراساني في قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل لكنه معضل منقطع ويشهد له الحديث القدسي: يقول الله ﷺ يوم القيامة: يا آدم فيقول: لبيك ربنا وسعديك. فيُنادَي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج ذريتك بعثًا إلى النار. قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعين .. (أخرجه البخاري في صحيحة، التفسير باب ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢] ح ٤٧٤١).
(٢) قول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة، وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عمار بن أبي عمار عن ابن عباس.
(٤) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرج الطبري بعض الآثار بأسانيد ثابتة.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق يونس بن أبي إسحاق السبيعي عن الحسن.
(٦) أخرجهما مسلم من حديث جابر مرفوعًا (الصحيح، اللباس والزينة، باب النهي عن ضرب الحيوان ح ٢١١٦ و٢١١٧).
(٧) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] (ح ٤٨٨٦)، وصحيح مسلم، اللباس، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة (ح ٢١٢٥).
[ ٣ / ٢٢٠ ]
يعني: دين الله ﷿ (^١)، هذا كقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] على قول من جعل ذلك أمرًا؛ أي: لا تبدلوا فطرة الله ودعوا الناس على فطرتهم، كما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تجدون بها من جدعاء؟ " (^٢).
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله ﷿: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم" (^٣).
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ أي: فقد خسر الدنيا والآخرة، وتلك خسارة لا جبر لها ولا استدراك لفائتها.
وقوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ وهذا إخبار عن الواقع، فإن الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة، وقد كذب وافترى في ذلك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ كما قال تعالى مخبرًا عن إبليس يوم المعاد ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ [إبراهيم].
وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المستجيبين له فيما وعدهم ومناهم ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي: مصيرهم ومآلهم يوم القيامة ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ أي: ليس لهم عنها مندوحة ولا مصرف، ولا خلاص، ولا مناص.
ثم ذكر تعالى حال السعداء والأتقياء ومالهم في مآلهم من الكرامة التامة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: صدقت قلوبهم وعملت جوارحهم بما أمروا به من الخيرات، وتركوا ما نهوا عنه من المنكرات ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: يصرفونها حيث شاؤوا وأين شاؤوا ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: بلا زوال ولا انتقال ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أي: هذا وعد من الله، ووعد الله معلوم حقيقة أنه واقع لا محالة، ولهذا أكده بالمصدر الدَّال على تحقيق الخبر، وهو قوله: ﴿حَقًّا﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ أي: لا أحد أصدق منه قولًا؛ أي: خبرًا لا إله إلا هو ولا ربَّ سواه، وكان رسول الله ﷺ يقول في خطبته:
_________________
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق رجل مبهم عن ابن عباس، وقول مجاهد أخرجه الطبري بإسنادين صحيحين من طريق القاسم بن أبي بزة وابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري من طريق القاسم بن أبي بزة عنه، وقول إبراهيم النخعي أخرجه الثوري بسند صحيح من طريق قيس بن مسلم عنه وقول الحسن وقتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند حسن من طريق كثير مولى سمرة عنه.
(٢) صحيح البخاري، الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يُصلى عليه؟ (ح ١٣٥٨)، وصحيح مسلم، القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة (ح ٢٦٥٨).
(٣) صحيح مسلم، صفة الجنة، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (ح ٢٨٦٥).
[ ٣ / ٢٢١ ]
"إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار" (^١).
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾.
قال قتادة: ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى باللّه منكم ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ الآية، ثم أفلج الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان (^٢). وكذا روي عن السدي ومسروق والضحاك وأبي صالح وغيرهم (^٣). وكذا روى العوفي عن ابن عباس ﵁ أنه قال في هذه الآية: تخاصم أهل الأديان، فقال أهل التوارة: كتابنا خير الكتب، ونبينا خير الأنبياء، وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال أهل الإسلام: لا دين إلا الإسلام، وكتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتم النبيين، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا فقضى الله بينهم، وقال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ الآية، وخير بين الأديان فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (^٤).
وقال مجاهد: قالت العرب: لن نبعث ولن نعذب، وقالت اليهود والنصارى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] وقالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ دِينِهِمْ مَا كَانُوا﴾ [آل عمران: ٢٤] (^٥).
والمعنى في هذه الآية أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال، وليس كل من ادعى شيئًا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: إنه هو على الحق سمع قوله بمجرد ذلك، حتَّى يكون له من الله برهان، ولهذا قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أي: ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله سبحانه واتباع ما شرعه على ألسنة الرسل الكرام، ولهذا قال بعده: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، كقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
_________________
(١) أخرجه مسلم في الصحيح، الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة (ح ٨٦٧).
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل ويتقوى بالروايات التالية.
(٣) قول السدي أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه به، وقول مسروق أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق مسلم أبي صخر عنه، وقول أبي صالح أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه.
(٤) أخرجه الطبري من طريق العوفي به وسنده ضعيف.
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
(٨)﴾ [الزلزلة] وقد روي أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على كثير من الصحابة (^١).
قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الله بن نمير، حَدَّثَنَا إسماعيل، عن أبي بكر بن أبي زهير، قال: أُخبرت أن أبا بكر ﵁ قال: يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية (﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فكل سوء عملناه جزيناه به؛ فقال النَّبِيّ ﷺ: "غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض، ألست تنصب، ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء؟ " قال: بلى. قال: "فهو مما تجزون به" (^٢). ورواه سعيد بن منصور عن خلف بن خليفة، عن إسماعيل بن أبي خالد به، ورواه ابن حبان في صحيحه، عن أبي يعلى، عن أبي خيثمة، عن يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد به، ورواه الحاكم من طريق سفيان الثوري عن إسماعيل به (^٣).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الوهاب بن عطاء، عن زياد الجصاص، عن علي بن زيد، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: سمعت أبا بكر يقول: قال رسول الله ﷺ: "من يعمل سوءًا يجز به في الدنيا" (^٤).
وقال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا محمد بن هشيم بن جهيمة، حَدَّثَنَا يحيى بن أبي طالب، حَدَّثَنَا عبد الوهاب بن عطاء، حَدَّثَنَا زياد الجصاص، عن علي بن زيد، عن مجاهد، قال: قال عبد الله بن عمر انظروا المكان الذي فيه عبد الله بن الزبير مصلوبًا فلا تمرن (^٥) عليه، قال: فسها الغلام فإذا عبد الله بن عمر ينظر إلى ابن الزبير فقال: يغفر الله لك ثلاثًا، أما واللّه ما علمتك إلا صوّامًا قوامًا وصّالًا للرحم، أما واللّه إني لأرجو مع مساوي ما أصبت أن لا يعذبك الله بعدها، قال: ثم التفت إلي فقال: سمعت أبا بكر الصديق يقول: قال رسول الله ﷺ: "من يعمل سوءًا في الدنيا يجز به" ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن الفضل بن سهل، عن عبد الوهاب بن عطاء به مختصرًا، وقال في مسنده: عن الفضل بن سهل، عن عبد الوهاب بن عطاء به مختصرًا: وقد قال في مسند الزبير: حَدَّثَنَا إبراهيم بن المستمر العروقي، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن سليم بن حيان، حدثني أبي، عن جدي حيان بن بسطام، قال: كنت مع ابن عمر فمر بعبد الله بن الزبير وهو مصلوب، فقال: رحمة الله عليك أبا خُبيب، سمعت أباك - يعني الزبير -، يقول: قال رسول الله ﷺ: "من يعمل سوءًا يجز به في الدنيا والآخرة" (^٦) ثم قال: لا نعلمه يروى عن الزبير
_________________
(١) سيأتي في سورة الزلزلة.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٦٨)، وفي سنده انقطاع لأن أبا بكر بن أبي زهير وهو الثقفي لم يسمع أبا بكر الصديق (المراسيل ص ٢٥٨)، ومدار الحديث يتوقف على هذا الراوي كما سيأتي في الروايات الأخرى ولكن يشهد له ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] بلغت من المسلمين مبلغًا شديدًا، فقال رسول الله: "قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتَّى النكبة ينكبها أو الشوكة يشاكها" (الصحيح، البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن ح ٢٥٧٤).
(٣) سنن سعيد بن منصور (ح ٦٩٦)، وموارد الظمآن (ح ١٧٣٤)، ومسند أبي يعلى (ح ٩٩)، والمستدرك ٣/ ٧٤.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٣). وضعفه محققه بسبب ضعف زياد وعلي بن زيد وهو ابن جدعان.
(٥) كذا في (مح) وفي الأصل: "فلا تحزن".
(٦) في سنده أيضًا زياد وعلي بن زيد، وهو مخالف لرواية مسلم (الصحيح، فضائل الصحابة، باب ذكر كذاب ثقيف ح ٢٥٤٥).
[ ٣ / ٢٢٣ ]
إلا من هذا الوجه (^١).
وقال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا أحمد بن كامل، حَدَّثَنَا محمد بن سعد العوفي، حَدَّثَنَا روح بن عبادة، حَدَّثَنَا موسى بن عبيدة، حدثني مولى [بن سباع] (^٢) قال: سمعت ابن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق قال: كنت عند النَّبِيّ ﷺ فنزلت هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ فقال رسول الله ﷺ: "يا أبا بكر ألا أقرئك آية أنزلت علي؟ " قلت: بلى يا رسول الله. قال: فأقرأنيها فلا أعلم إلا أني قد وجدت انفصامًا في ظهري حتَّى تمطيت لها. فقال رسول الله ﷺ: "ما لك يا أبا بكر؟ " قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وأينا لم يعمل السوء وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول اللّه ﷺ: "أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون، فإنكم تجزون بذلك في الدنيا حتَّى تلقوا الله ليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتَّى يجزوا به يوم القيامة"، وهكذا رواه الترمذي عن يحيى بن موسى وعبد بن حميد عن روح بن عبادة به. ثم قال: وموسى بن عبيدة يضعف، ومولى بن سباع مجهول (^٣).
وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا القاسم قال: حَدَّثَنَا الحسين قال: حَدَّثَنَا حجاج، عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء بن أبي رباح قال: لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر: جاءت قاصمة الظهر، فقال رسول الله ﷺ: "إنما هي المصيبات في الدنيا" (^٤).
(طريق أخرى عن الصديق) قال ابن مردويه: حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن إسحاق العسكري، حَدَّثَنَا محمد بن عامر السعدي، حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى، حَدَّثَنَا فضيل بن عياض، عن سليمان بن مهران، [عن مسلم] (^٥) بن صبيح، عن مسروق، قال: قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، ما أشد هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾؛ فقال رسول الله ﷺ: "المصائب والأمراض والأحزان في الدنيا جزاء" (^٦).
(طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثني عبد الله بن أبي زياد وأحمد بن منصور، قالا: أنبأنا زيد بن الحباب، حَدَّثَنَا عبد الملك بن الحسن الحارثي، حَدَّثَنَا محمد بن زيد بن قنفذ، عن عائشة، عن أبي بكر قال: لما نزلت ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال أبو بكر: يا رسول الله، كل ما نعمل نؤاخذ به؟ فقال: "يا أبا بكر أليس يصيبك كذا وكذا؟ فهو كفارة" (^٧).
(حديث آخر) قال سعيد بن منصور: أنبأنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن
_________________
(١) السند الأول أخرجه البزار في (البحر الزخار ١/ ٧٥ ح ٢١)، وأشار إلى ضعفه كما تقدم في زياد وعلي بن زيد بن جدعان، والسند الثاني أخرجه بسنده ومتنه وتعليقه كما في (مختصر زوائد البزار ٢/ ٨١ ح ١٤٦١)، وضعفه الدارقطني في (العلل ٤/ ٢٢٣).
(٢) كذا في (حم) و(مح)، وقد سقط من الأصل.
(٣) أخرجه الترمذي من طريق موسى بن عبيدة به وضعفه (السنن تفسير سورة النساء ح ٣٠٣٩).
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف الحسين وهو ابن داود ولقبه: سُنيد.
(٥) كذا في (حم) و(مح)، وسقط من الأصل.
(٦) يشهد له حديث أبي هريرة المتقدم في صحيح مسلم.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعفه أحد شاكر بسبب الانقطاع بين محمد بن زيد بن قنفذ وعائشة.
[ ٣ / ٢٢٤ ]
بكر بن سوادة حدثه أن يزيد بن أبي يزيد حدثه عن عبيد بن عمير، عن عائشة أن رجلًا تلا هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقال: إنا لنجزى بكل ما علمناه، هلكنا إذًا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "نعم يجزى به المؤمن في الدنيا في نفسه في جسده فيما يؤذيه" (^١).
(طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا سلمة بن بشير، حَدَّثَنَا هشيم، عن أبي عامر، عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، إني لأعلم أشد آية في القرآن، فقال: "ما هي يا عائشة؟ " قلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، فقال: "هو ما يصيب العبد المؤمن حتَّى النكبة ينكبها" ورواه ابن جرير من حديث هشيم به. ورواه أبو داود من حديث أبي عامر صالح بن رستم الخزاز به (^٢).
(طريق أخرى) قال أبو داود الطيالسي: حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أُمية أنها سألت عائشة عن هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، فقالت: ما سألني أحد عن هذه الآية منذ سألت عنها رسول الله ﷺ، فقال: "يا عائشة هذه مبايعة الله للعبد مما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة حتَّى البضاعة يضعها في كمه، فيفزع لها، فيجدها في جيبه حتَّى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه، كما أن يخرج التبر الأحمر (^٣) من الكير" (^٤).
(طريق أخرى) قال ابن مردويه: حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حَدَّثَنَا أبو القاسم، حَدَّثَنَا سريج بن يونس، حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن زيد بن المهاجر، عن عائشة قالت: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، قال: "إن المؤمن يؤجر في كل شيء حتَّى في القبض عند الموت" (^٥).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا حسين، عن زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن عائشة قالت: قال: رسول الله: "إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفّرها، ابتلاه الله بالحزن ليكفّرها" (^٦).
(حديث آخر) قال سعيد بن منصور، عن سفيان بن عيينة، عن عمر بن عبد الرحمن بن محيصن، سمع محمد بن قيس بن مخرمة يخبر أن أبا هريرة ﵁ قال: لما نزلت ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ شق ذلك على المسلمين، فقال لهم رسول الله ﷺ: "سددوا وقاربوا، فإن في كل
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور بسنده ومتنه (السنن ح ٦٩٩)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق ابن وهب به (المسند ٦/ ٦٥)، قال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح (المجمع ٧/ ١٥)، وصححه السيوطي (الدر المنثور ٢/ ٢٢٧) طبعة المعرفة.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده سلمة بن بشير وهو النيسابوري قال أبو حاتم: شيخ (الجرح والتعديل ٤/ ١٥٧)، وقد توبع فأخرجه الطبري من طريق يعقوب بن إبراهيم عن هشيم به وأخرجه أبو داود من طريق عثمان بن عمر عن أبى عامر الخزاز عن ابن أبي مليكة به (السنن، الجنائز، باب عيادة النساء ح ٣٠٩٣).
(٣) التبر الأحمر أي: الذهب.
(٤) أخرجه أبو داود الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ١٥٨٤)، وفي سنده أيضًا علي بن زيد بن جدعان ورواية مسلم التالية تشهد له.
(٥) يشهد له أيضًا رواية مسلم التالية مع رواية سعيد بن منصور.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ١٥٧)، وسنده ضعيف لما قيل في ليث بن أبي سُليم.
[ ٣ / ٢٢٥ ]
ما يصاب به المسلم كفارة حتَّى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها" (^١)، هكذا رواه أحمد عن سفيان بن عيينة، ومسلم والترمذي والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به، ورواه ابن مردويه من حديث روح ومعتمر، كلاهما عن إبراهيم بن يزيد، عن عبد الله بن إبراهيم، سمعت أبا هريرة يقول: لما نزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [بكينا] (^٢) وحزنًا، وقلنا: يا رسول الله ما أبقت هذه الآية من شيء، قال: "أما والذي نفسي بيده إنها لكما أنزلت، ولكن أبشروا وقاربوا وسددوا، فإنه لا يصيب أحدًا منكم مصيبة في الدنيا إلا كفّر الله بها من خطيئته حتَّى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه" (^٣).
وقال عطاء بن يسار، عن أبي سعيد وأبي هريرة: أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول: "ما يصيب المسلم من نُصِبَ ولا وصب ولا سقم ولا حزن حتَّى الهمّ يهمّه إلا كفّر الله من سيئاته" أخرجاه (^٤).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يحيى، عن سعد بن إسحاق، حدثتني زينب بنت كعب بن عجرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا، ما لنا بها؟ قال: "كفارات". قال أبي: وإن قلّت، قال: "حتَّى الشوكة فما فوقها"، قال: فدعا أبي على نفسه أنه لا يفارقه الوعك حتَّى يموت في أن لا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد في سبيل الله ولا صلاة مكتوبة في جماعة، فما مسه إنسان إلا وجد حره حتَّى مات ﵁ (^٥). تفرد به أحمد.
(حديث آخر) روى ابن مردويه من طريق حسين بن واقد، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: قيل: يا رسول الله ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، قال: "نعم ومن يعمل حسنة يجز بها عشرًا" فهلك من غلب واحدته عشراته (^٦).
وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن وكيع، حَدَّثَنَا يزيد بن هارون، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال: الكافر، ثم قرأ ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ: ١٧] (^٧). وهكذا روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنهما فسرا السوء ههنا بالشرك أيضًا (^٨).
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور بسنده ومتنه (السنن ح ٦٩٤)، وسنده صحيح كما يلي:
(٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "سقطت".
(٣) صحيح مسلم، البر والصلة، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه (ح ٢٥٧٤)، والسنن الكبرى (ح ١١١٢٢).
(٤) صحيح البخاري، المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض (ح ٥٦٤١)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢٥٧٣).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٣)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ح ٢٩٢٨)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٣٠٨).
(٦) سنده ضعيف جدًّا لأن الكلبي صرّح أن كل ما رواه عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب. كما في ترجمته في تهذيب التهذيب.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن وكيع وهو سفيان، ولكن له متابعة في تفسير ابن أبي حاتم وشاهد في تفسير الطبري كما يلي.
(٨) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول سعيد بن جبير أخرجه =
[ ٣ / ٢٢٦ ]
وقوله: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إلا أن يتوب فيتوب الله عليه، رواه ابن أبي حاتم (^١)، والصحيح أن ذلك عام في جميع الأعمال لما تقدم من الأحاديث، وهذا اختيار ابن جرير، واللّه أعلم.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾، لما ذكر الجزاء على السيئات وأنه لا بدّ أن يأخذ مستحقها من العبد إما في الدنيا وهو الأجود له، وإما في الآخرة والعياذ باللّه من ذلك، ونسأله العافية في الدنيا والآخرة، والصفح والعفو والمسامحة، شرع في بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده، ذكرانهم وإناثهم بشرط الإيمان، وأنه سيدخلهم الجنة ولا يظلمهم من حسناتهم ولا مقدار النقير، وهو النقرة التي في ظهر نواة التمرة، وقد تقدم الكلام على الفتيل وهو الخيط في شق النواة (^٢)، وهذا النقير وهما في نواة التمرة، وكذا القطمير وهو اللفافة التي على نواة التمرة، والثلاثة في القرآن.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أخلص العمل لربه ﷿ فعمل إيمانًا واحتسابًا، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: اتبع في عمله ما شرعه الله له، وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما؛ أي: يكون خالصًا صوابًا والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون متابعًا للشريعة فيصح ظاهره بالمتابعة، وباطنه بالإخلاص، فمتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد، فمتى فقد الإخلاص كان منافقًا وهم الذين يراءون الناس، ومن فقد المتابعة كان ضالًا جاهلًا، ومتى جمعهما كان عمل المؤمنين ﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾ [الأحقاف: ١٦] ولهذا قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ وهم محمد وأتباعه إلى يوم القيامة. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ [آل عمران: ٦٨] وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣] [وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام: ١٦١] (^٣) والحنيف: هو المائل عن الشرك قصدًا؛ أي: تاركًا له عن بصيرة، ومقبل على الحق بكليته لا يصده عنه صاد، ولا يرده عنه راد.
وقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ وهذا من باب الترغيب في اتباعه، لأنَّهُ إمام يقتدى به حيث وصل إلى غاية ما يتقرب به العباد له، فإنه انتهى إلى درجة الخلة التي هي أرفع مقامات المحبة، وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه، كما وصفه به في قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم] قال كثيرون من علماء السلف: أي: قام بجميع ما أمر به في كل مقام من مقامات العبادة، فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير، ولا كبير عن صغير، وقال تعالى ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ
_________________
(١) = الطبري بسند فيه ابن حُميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف، ويتقوى برواية ابن عباس السابقة.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٣) تقدم في هذه السورة آية ٥٣.
(٤) زيادة من (حم) و(مح).
[ ٣ / ٢٢٧ ]
الْمُشْرِكِينَ ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾ الآية [النحل].
وقال البخاري: حَدَّثَنَا سليمان بن حرب، حَدَّثَنَا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، قال: إن معاذًا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح، فقرأ ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ فقال رجل: من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم (^١).
وقد ذكر ابن جرير في تفسيره عن بعضهم: أنه إنما سماه الله خليلًا من أجل أنه أصاب أهل ناحيته جدب، فارتحل إلى خليل له من أهل الموصل، وقال بعضهم من أهل مصر: ليمتار طعامًا لأهله من قبله فلم يصب عنده حاجته، فلما قرب من أهله مرّ بمفازة ذات رمل، فقال: لو ملأت غرائري (^٢) من هذا الرمل لئلا يغتم أهلي برجوعي إليهم بغير ميرة، وليظنوا أني أتيتهم بما يحبون، ففعل ذلك فتحول ما في الغرائر من الرمل دقيقًا، فلما صار إلى منزله نام، وقام أهله ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقًا فعجنوا منه وخبزوا، فاستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي خبزوا، فقالوا: من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك، فقال: نعم هو من عند خليلي الله، فسماه الله خليلًا (^٣). وفي صحة هذا ووقوعه نظر، وغايته أن يكون خبرًا إسرائيليًا لا يصدق ولا يكذب، وإنما سمي خليل الله لشدة محبة ربه ﷿ له، لما قام به من الطاعة التي يحبها ويرضاها، ولهذا ثبت في الصحيحين من رواية أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ لما خطبهم في آخر خطبة خطبها، قال: "أما بعد؛ أيها الناس فلو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا، لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله" (^٤).
وجاء من طريق جندب بن عبد الله البجلي وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن مسعود عن النَّبِيّ قال: "إن الله اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا" (^٥).
وقال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حَدَّثَنَا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حَدَّثَنَا إبراهيم بن يعقوب [الجوزجاني] (^٦) بمكة، حَدَّثَنَا عبد الله الحنفي، حَدَّثَنَا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله ينتظرونه، فخرج حتَّى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم، وإذا بعضهم يقول: عجب، إن الله اتخذ من خلقه خليلًا فإبراهيم خليله، وقال آخر: ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليمًا، وقال آخر: فعيسى روح الله وكلمته، وقال آخر: آدم اصطفاه الله فخرج عليهم فسلم، وقال: "قد سمعت كلامكم وعجبكم إن إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وموسى كليمه، وعيسى روحه وكلمته،
_________________
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن ح ٤٣٤٨).
(٢) الغرائر: جمع غِرارة وهي: الأوعية التي يوضع فيها التبن والقمح.
(٣) ذكره الطبري من دون سند، وتعقب الحافظ ابن كثير وجيه.
(٤) صحيح البخاري، الصلاة، باب الخوخة والممر في المسجد (ح ٤٦٦)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁ (ح ٢٣٨١).
(٥) صحيح مسلم، المساجد، باب النهي عن بناء المساجد على القبور (ح ٥٣٢).
(٦) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "الجوجاني" وهو تصحيف.
[ ٣ / ٢٢٨ ]
وآدم اصطفاه الله وهو كذلك، وكذلك محمد ﷺ قال: ألا وإني حبيب الله، ولا فخر وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر أنا أول شافع وأول مشفع، ولا فخر وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح الله ويدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين، ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر" (^١)، وهذا حديث غريب من هذا الوجه ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها.
وقال قتادة، عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: أتعجبون من أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، رواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه (^٢)، وكذا روي عن [أنس] (^٣) بن مالك وغير واحد من الصحابة والتابعين والأئمة من السلف والخلف.
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا يحيى بن عبدك القزويني، حَدَّثَنَا محمد - يعني: ابن سعيد بن سابق -، حَدَّثَنَا عمرو - يعني ابن أبي قيس -، عن عاصم، عن أبي راشد، عن [عبيد بن عمير] (^٤)، قال: كان إبراهيم ﵇ يضيف الناس، فخرج يومًا يلتمس أحدًا يضيفه فلم يجد أحدًا يضيفه، فرجع إلى داره فوجد فيها رجلًا قائمًا، فقال: يا عبد الله ما أدخلك داري بغير إذني؟ قال: دخلتها بإذن ربها، قال: ومن أنت؟ قال: أنا ملك الموت أرسلني ربي إلى عبد من عباده، أبشره بأن الله قد اتخذه خليلًا، قال: من هو؟ فواللّه إن أخبرتني به، ثم كان بأقصى البلاد لآتينه، ثم لا أبرح له جارًا حتَّى يفرق بيننا الموت، قال: ذلك العبد أنت. قال: أنا؟ قال: نعم، قال: فيم اتخذني ربي خليلًا؟ قال: إنك تعطي الناس ولا تسألهم (^٥).
وحدثنا أبي، حَدَّثَنَا محمود بن خالد السلمي، حَدَّثَنَا الوليد، عن إسحاق بن يسار، قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلًا ألقى في قلبه الوجل حتَّى أن خفقان قلبه ليسمع من بعيد كما يسمع خفقان الطير في الهواء وهكذا جاء في صفة رسول الله ﷺ أنه كان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل إذا اشتد غليانها من البكاء (^٦).
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الجميع ملكه وعبيده وخلقه وهو المتصرف في جميع ذلك، لا رادّ لما قضى، ولا معقب لما حكم، ولا يسأل عمَّا يفعل لعظمته وقدرته وعدله وحكمته ولطفه ورحمته. وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ أي: علمه نافذ في جميع ذلك لا تخفى عليه خافية من عباده، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض
_________________
(١) أخرجه الترمذي من طريق زمعة به ثم قال: حديث غريب (السنن، المناقب، باب في فضل النَّبِيّ ﷺ ح ٣٦١٦)، وسنده ضعيف لأن زمعة بن صالح ضعيف، وقال الألباني: إسناده لا بأس به في الشواهد (السلسلة الصحيحة ح ١٥٧٠).
(٢) أخرجه الحاكم من طريق قتادة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤٦٩)، وصححه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ٦٠٨).
(٣) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "سقط".
(٤) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: "عبد الله بن عمير" وهو تصحيف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن إلى عبيد وهو تابعي، ولكنه من أخبار أهل الكتاب.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده الوليد وهو ابن مسلم يدلس تدليس التسوية ولم يصرح بالسماع، فسنده ضعيف ولآخره شاهد في بكاء النَّبِيّ ﷺ.
[ ٣ / ٢٢٩ ]
ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ولا تخفى عليه ذرة لما تراءى للناظرين أو ما توارى.
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾.
قال البخاري: حَدَّثَنَا عبيد بن إسماعيل، حَدَّثَنَا أبو أُسامة قال: حَدَّثَنَا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [إلى قوله] (^١): ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قالت عائشة: هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ووارثها، فأشركته في ماله حتَّى في العذق، فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلًا فيشركه في ماله بما شركته، فيعضلها، فنزلت هذه الآية (^٢). وكذلك رواه مسلم عن أبي كريب، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي أُسامة (^٣).
وقال ابن أبي حاتم: قرأت على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ الآية، قال: والذي ذكر الله أنه يتلى عليه في الكتاب، الآية الأولى التي قال الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ …﴾ [النساء: ٣].
وبهذا الإسناد عن عائشة قالت: وقول الله ﷿: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن (^٤)، وأصله ثابت في الصحيحين من طريق يونس بن يزيد الأيلي به (^٥).
والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها، فأمره الله أن يمهرها أسوة أمثالها من النساء، فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء، فقد وسع الله ﷿، وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة، وتارة لا يكون له فيها رغبة [لدمامتها] (^٦) عنده أو في نفس الأمر، فنهاه الله ﷿ أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ فكان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي
_________________
(١) كذا في (مح) وصحيح البخاري، وسقطت من الأصل.
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧، ح ٤٦٠٠).
(٣) صحيح مسلم، كتاب التفسير (ح ٣٠١٧).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه مقطعًا، وهو متفق عليه كما يلي.
(٥) صحيح البخاري، الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] (ح ٥٠٦٤)، وصحيح مسلم، كتاب التفسير ح ٣٠١٨).
(٦) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "لزمامتها" وهو تصحيف.
[ ٣ / ٢٣٠ ]
عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدًا فإن كانت جميلة وهويها، تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدًا حتَّى تموت، فإذا ماتت ورثها فحرم الله ذلك ونهى عنه (^١). وقال في قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ كانوا في الجاهدية لا يورثون الصغار ولا البنات، وذلك قوله: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ فنهى الله عن ذلك وبين لكل ذي سهم سهمه، فقال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] صغيرًا أو كبيرًا، وكذا قال سعيد بن جبير وغيره، وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾ كما إذا كانت ذات جمال ومال نكحتها واستأثرت بها، كذلك إذا لم تكن ذات مال ولا جمال فانكحها واستأثر بها (^٢).
وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ تهييج على فعل الخيرات وامتثالًا للأوامر، وإن الله ﷿ عالم بجميع ذلك، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه.
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾.
يقول تعالى مخبرًا ومشرعًا من حال الزوجين تارة في حال نفور الرجل عن المرأة، وتارة في حال اتفاقه معها، وتارة في حال فراقه لها، فالحالة الأولى ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها أو يعرض عنها، فلها أن تسقط عنه حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غير ذلك من حقها عليه، وله أن يقبل ذلك منها فلا حرج عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، ثم قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أي: من الفراق، وقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ أي: الصلح عند المشاحة خير من الفراق، ولهذا لما كبرت سودة بنت زمعة عزم رسول الله ﷺ على فراقها فصالحته على أن يمسكها وتترك يومها لعائشة، فقبل ذلك منها وأبقاها على ذلك.
(ذكر الرواية بذلك) قال أبو داود الطيالسي: حَدَّثَنَا سليمان بن معاذ، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني واجعل يومي لعائشة ففعل، ونزلت هذه الآية ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا …﴾ الآية. قال ابن عَبَّاس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز (^٣). ورواه الترمذي عن محمد بن المثنى، عن أبي داود الطيالسي به، وقال: حسن غريب (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده الثابت ومتنه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الله بن كثير الداري عن ابن جبير.
(٣) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ٢٦٨٣)، وفيه سماك بن حرب وروايته عن عكرمة فيها اضطراب لكن يشهد له حديث عائشة في الصحيحين الذي سيأتي بعد رواية الشافعي.
(٤) أخرجه الترمذي من طريق الطيالسي به (السنن، تفسير سورة النساء ح ٣٠٤٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، وأخرجه الحاكم من طريق سماك به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٨٦).
[ ٣ / ٢٣١ ]
قال الشافعي: أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ توفي عن تسع نسوة وكان يقسم لثمان (^١).
وفي الصحيحين من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، فكان النَّبِيّ ﷺ يقسم لها بيوم سودة (^٢). وفي صحيح البخاري من حديث الزهري عن عروة، عن عائشة نحوه (^٣).
وقال سعيد بن منصور: أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه عروة، قال: أنزل الله في سودة وأشباهها ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ وذلك أن سودة كانت امرأة قد أسنت، ففرقت (^٤) أن يفارقها رسول الله ﷺ وضنت بمكانها منه، وعرفت من حب رسول الله ﷺ عائشة ومنزلتها منه، فوهبت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة، فقبل ذلك رسول الله ﷺ (^٥). قال البيهقي: وقد رواه أحمد بن يونس، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد موصولًا (^٦)، وهذه الطريق رواها الحاكم في مستدركه فقال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا الحسن بن علي بن زياد، حَدَّثَنَا أحمد بن يونس، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت له: يا ابن أختي، كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتَّى يبلغ إلى من هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله ﷺ: يا رسول الله، يومي هذا لعائشة، فقبل ذلك رسول الله ﷺ، قالت عائشة: ففي ذلك أنزل الله ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (^٧). وكذلك رواه أبو داود عن أحمد بن يونس به (^٨)، والحاكم في مستدركه، ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (^٩). وقد رواه ابن مردويه من طريق أبي بلال الأشعري عن عبد الرحمن بن أبي الزناد به نحوه ومن رواية عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن هشام بن عروة بنحوه مختصرًا، واللّه أعلم.
وقال أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي في أول معجمه: حَدَّثَنَا محمد بن يحيى، حَدَّثَنَا مسلم بن إبراهيم، حَدَّثَنَا هشام الدستوائي، حَدَّثَنَا القاسم بن أبي بزة، قال: بعث النَّبِيّ ﷺ إلى سودة بنت زمعة بطلاقها، فلما أن أتاها جلست له على طريق عائشة، فلما رأته قالت له: أنشدك بالذي أنزل عليك كلامه واصطفاك على خلقه لما راجعتني، فإني قد كبرت ولا حاجة لي
_________________
(١) أخرجه الشافعي بسنده ومتنه (الأُم ٥/ ٩٨)، ويشهد له الحديث التالي المتفق عليه.
(٢) صحيح البخاري، النكاح، باب المرأة تهب يومها من زوجها (ح ٥٢١٢)، وصحيح مسلم، الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها (ح ١٤٦٣).
(٣) صحيح البخاري، الهبة، باب هبة المرأة لغير زوجها (ح ٢٥٩٣).
(٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "فعرفت" ومعنى فرقت؛ أي: خافت.
(٥) أخرجه سعيد بن منصور بسنده ومتنه (السنن ح ٧٠٢)، وسنده حسن.
(٦) السنن الكبرى ٧/ ٢٩٧.
(٧) المستدرك ٢/ ١٨٦.
(٨) السنن، النكاح، باب في القسم بين النساء (ح ٢١٣٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن داود (ح ١٨٦٨).
(٩) المستدرك ٢/ ١٨٦.
[ ٣ / ٢٣٢ ]
في الرجال، لكن أريد أن أبعث مع نسائك يوم القيامة، فراجعها فقالت: فإني جعلت يومي وليلتي لِحبَّة رسول الله ﷺ (^١)، وهذا غريب مرسل.
وقال البخاري: حَدَّثَنَا محمد بن مقاتل، أنبأنا عبد الله، أنبأنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قال: الرجل تكون عنده المرأة المسنة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول: أجعلك من شأني في حِلّ، فنزلت هذه الآية (^٢).
وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن وكيع، حَدَّثَنَا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قالت: هذا في المرأة تكون عند الرجل، فلعله لا يكون بمستكثر منها، ولا يكون لها ولد ويكون لها صحبة فتقول: لا تطلقني وأنت في حل من شأني (^٣).
حدثني المثنى، حَدَّثَنَا حجاج بن منهال، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن هشام، عن عروة، عن عائشة، في قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قالت: هو الرجل يكون له امرأتان: إحداهما قد كبرت، أو هي دميمة، وهو لا يستكثر منها فتقول: لا تطلقني وأنت في حل من شأني (^٤)، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير وجه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، بنحو ما تقدم (^٥)، ولله الحمد والمنة.
قال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن حميد وابن وكيع، قالا: حَدَّثَنَا جرير، عن أشعث، عن ابن سيرين قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فسأله عن آية، فكرهه فضربه بالدرة، فسأله آخر عن هذه الآية ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ ثم قال: عن مثل هذا فاسألوا، ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل قد خلا من سنها، فيتزوج المرأة الشابة يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز (^٦). وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا علي بن الحسن الهسنجاني، حَدَّثَنَا مسدد، حَدَّثَنَا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب، فسأله عن قول الله ﷿: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾، قال علي: يكون الرجل عنده المرأة فتنبو عيناه عنها من دمامتها أو كبرها، أو سوء خلقها، أو قذذها فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئًا حل له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج (^٧).
وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة وحماد بن سلمة وأبي الأحوص، ورواه ابن جرير من طريق إسرائيل، أربعتهم عن سماك به. وكذا فسرها ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد بن جبير
_________________
(١) أخرجه ابن سعد من طريق مسلم بن إبراهيم به (الطبقات الكبري ٨/ ٥٤) وسنده صحيح لكنه مرسل.
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا ﴾ [النساء: ١٢٨] ح ٤٦٠١).
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان وهو ضعيف ويشهد له الحديث السابق.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وله شاهد كسابقه.
(٥) تقدم تخريجه من الصحيحين في بداية تفسير الآية نفسها.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده انقطاع لأن ابن سيرين لم يسمع عمر. ويشهد لآخره ما سبق.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه الحاكم من طريق سماك به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٣).
[ ٣ / ٢٣٣ ]
والشعبي وسعيد بن جبير وعطاء وعطية العوفي ومكحول والحسن والحكم بن عتيبة وقتادة (^١) وغير واحد من السلف والأئمة، ولا أعلم في ذلك خلافًا أن المراد بهذه الآية هذا، واللّه أعلم.
وقال الشافعي: أنبأنا ابن [عيينة] (^٢)، عن الزهري، عن ابن المسيب أن بنت محمد بن مسلم كانت عند رافع بن خديج، فكره منها أمرًا إما كبرًا أو غيره، فأراد طلاقها فقالت: لا تطلقني وأقسم لي ما بدا لك، فأنزل الله ﷿ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا …﴾ الآية (^٣)، وقد رواه الحاكم في مستدركه من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار بأطول من هذا السياق (^٣).
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: حَدَّثَنَا سعيد بن أبي عمرو، حَدَّثَنَا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، أنبأنا علي بن محمد بن عيسى، أنبأنا أبو اليمان، أخبرني شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن السنة في هاتين الآيتين اللتين ذكر الله فيهما نشوز الرجل وإعراضه عن امرأته في قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا …﴾ إلى تمام الآيتين، أن المرء إذا نشز عن امرأته وآثر عليها، فإن من الحق أن يعرض عليها أن يطلقها أو تستقر عنده على ما كانت من أثرة في القسم من ماله ونفسه فإن استقرت عنده على ذلك فكرهت أن يطلقها فلا حرج عليه فيما آثر عليها من ذلك فإن لم ترض عليها الطلاق وصالحها على أن يعطيها من ماله ما ترضاه وتقر عنده على الأثر في القسم من ماله ونفسه صلح له ذلك وكان صلحها عليه كذلك، ذكر سعيد بن المسيب وسليمان: الصلح الذي قال الله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ جري وقد ذكر لي أن رافع بن خديج الأنصاري وكان من أصحاب النَّبِيّ ﷺ كانت عنده امرأة حتَّى إذا كبرت تزوج عليها فتاة شابة، وآثر عليها الشابة، فناشدته الطلاق فطلقها تطليقة، ثم أمهلها حتَّى إذا كادت تحل راجعها، ثم عاد فآثر عليها الشابة فناشدته الطلاق، فطلقها تطليقة أخرى ثم أمهلها حتَّى إذا كادت تحل راجعها ثم عاد فآثر الشابة عليها فناشدته الطلاق، فقال لها: ما شئت، إنما بقيت لك تطليقة واحدة، فإن شئت استقررت على ما ترين من الأثرة، وإن شئت [فارقتك] (^٤)، فقالت: لا بل أستقر على الأثرة فأمسكها على ذلك، فكان ذلك صلحهما ولم ير رافع عليه إثمًا حين رضيت أن تستقر عنده على الأثرة فيما آثر به عليها.
وهكذا رواه بتمامه عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار … فذكره بطوله (^٥)، واللّه أعلم.
وقوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني التخيير أن يخير الزوج لها بين الإقامة والفراق خير من تمادي الزوج على أثرة غيرها عليها (^٦).
_________________
(١) ذكر أغلبهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "عبد" وهو تصحيف.
(٣) أخرجه الواحدي من طريق الشافعي به (أسباب النزول ص ١٧٨)، وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرزاق به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠٨).
(٤) كذا في (حم) و(مح) والسنن الكبرى للبيهقي، وفي الأصل: "فارقيني".
(٥) أخرجه البيهقي بسنده ومتنه (السنن الكبرى ٧/ ٢٩٦)، وأخرجه ابن أبي حاتم عن أبيه به، وسنده صحيح.
(٦) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
[ ٣ / ٢٣٤ ]
والظاهر من الآية أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية، كما أمسك النَّبِيّ ﷺ سودة بنت زمعة على أن تركت يومها لعائشة ﵂ ولم يفارقها، بل تركها من جملة نسائه وفعله ذلك لتتأسى به أمته في [شرعية] (^١) ذلك وجوازه، فهو أفضل في حقه ﵊، ولما كان الوفاق أحب إلى الله من الفراق. قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾: بل الطلاق بغيض إليه ﷾، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة، جميعًا عن كثير بن عبيد، عن محمد بن خالد، عن معروف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق". ثم رواه أبو داود عن أحمد بن يونس، عن معروف، عن محارب، قال: قال رسول الله ﷺ … فذكره معناه مرسلًا (^٢). وقوله: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ وإن تتجشموا مشقة الصبر على ما تكرهون منهن وتقسموا لهن أسوة أمثالهن، فإن الله عالم بذلك وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء.
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أي: لن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن وقع القسم الصوري ليلة وليلة، فلا بدّ من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع كما قاله ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد والحسن البصري والضحاك بن مزاحم (^٣).
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو زرعة، حَدَّثَنَا ابن أبي شيبة، حَدَّثَنَا حسين الجعفي، عن زائدة، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مليكة، قال: نزلت هذه الآية ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ في عائشة (^٤). يعني: أن النَّبِيّ ﷺ كان يحبها أكثر من غيرها، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" يعني: القلب، هذا لفظ أبي داود، وهذا إسناد صحيح، لكن قال الترمذي: رواه حماد بن زيد وغير واحد عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلًا، قال: وهذا أصح (^٥).
وقوله: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أي: فإذا ملتم إلى واحدة منهن فلا تبالغوا في الميل بالكلية ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أي: فتبقى هذه الأخرى معلقة.
قال ابن عَبَّاس ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن والضحاك والربيع بن أنس والسدي ومقاتل بن حيان: معناها: لا ذات زوج ولا مطلقة (^٦).
_________________
(١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "شريعة" وهو تصحيف.
(٢) سنن أبي داود، النكاح، باب في كراهية الطلاق (ح ٢١٧٧)، وسنن ابن ماجة، كتاب الطلاق (ح ٢٠١٨)، ورجح الألباني أنه مرسل (إرواء الغليل ح ٢٥٤٥).
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول عَبيدة السلماني أخرجه الطبري والبيهقي بسند صحيح من طريق ابن سيرين عنه (السنن الكبرى ٧/ ٢٩٨)، وقول الحسن البصري أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عنه.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٥) المسند ٦/ ١٤ وسنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في التسوية بين الضرائر (ح ١١٤٠)، وتتمة كلام الترمذي: وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة. ا هـ. والصحيح أنه مرسل كما سيأتي في سورة الأحزاب آية ٥١.
(٦) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عكرمة عنه، وبقية المفسرين ذكرهم ابن أبي =
[ ٣ / ٢٣٥ ]
وقال أبو داود الطيالسي: أنبأنا همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط" (^١)، وهكذا رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث همام بن يحيى، عن قتادة به. وقال الترمذي: إنما أسنده همام ورواه هشام الدستوائي، عن قتادة، قال: كان يقال: ولا يعرف هذا الحديث مرفوعًا إلا من حديث همام (^٢).
وقوله: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: وإن أصلحتم في أموركم وقسمتم بالعدل فيما تملكون واتقيتم الله في جميع الأحوال غفر الله لكم ما كان من ميل إلى بعض النساء دون بعض،
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾ وهذه هي الحالة الثالثة، وهي حالة الفراق وقد أخبر الله تعالى أنهما إذا تفرقا فإن الله يغنيه عنها ويغنيها عنه بأن يعوضه من هو خير له منها، ويعوضها عنه بمن هو خير لها منه، ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ أي: واسع الفضل عظيم المن حكيمًا في جميع أفعاله وأقداره وشرعه.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾.
يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض وأنه الحاكم فيهما، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ أي: وصيناكم بما وصيناهم به من تقوى الله ﷿ بعبادته وحده لا شريك له. ثم قال: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ كما قال تعالى إخبارًا عن موسى أنه قال لقومه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] [وقال: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦]] (^٣)؛ أي: غني عن عباده، ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود في جميع ما يقدره ويشرعه،
قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾؛ أي: هو القائم على كل نفسٍ بما كسبت، الرقيب الشهيد على كل شيء.
وقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ أي: هو قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم إذا عصيتموه، وكما قال: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] وقال بعض السلف: ما أهون العباد على الله إذا
_________________
(١) = حاتم بحذف السند، وقد أخرج الطبري معظمها بأسانيد يقوي بعضها بعضًا.
(٢) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ح ٢٤٥٤)، وسنده صحيح كما يلي.
(٣) المسند ٢/ ٣٤٧، وسنن أبي داود، النكاح، باب القسمة بين النساء (ح ٢١٣٣)، وسنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في التسوية (ح ١١٥٠)، وسنن النسائي، عشرة النساء، باب ميل الرجل إلى بعض نسائه ٧/ ٦٣، وسنن ابن ماجة، النكاح، باب القسمة بين النساء (ح ١٩٦٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (ح ١٦٠٣)، والأرناؤط (جامع الأصول ١١/ ٥١٣).
(٤) زيادة من (حم) و(مح).
[ ٣ / ٢٣٦ ]
أضاعوا أمره. وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم] أي: وما هو عليه بممتنع،
وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: يا من ليس له همة إلا الدنيا، اعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، وإذا سألته من هذه وهذه أغناك وأعطاك وأقناك، كما قال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٠، ٢٠٢] وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ …﴾ الآية [الشورى: ٢٠] وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء].
وقد زعم ابن جرير أن المعنى في هذه الآية ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي: من المنافقين الذين أظهروا الإيمان لأجل ذلك ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا﴾ وهو ما حصل من المغانم وغيرها مع المسلمين (^١)، وقوله: ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ أي: وعند الله ثواب الآخرة وهو ما ادخر لهم من العقوبة في نار جهنم وجعلها كقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: ١٥، ١٦] ولا شكَّ أن هذه الآية معناها ظاهر، وأما تفسيره الآية الأولى بهذا ففيه نظر، فإن قوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ ظاهر في حصول الخير في الدنيا والآخرة؛ أي بيده هذا وهذا، فلا يقتصرن قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته [سامية] (^٢) إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذي لا إله إلا هو الذي قد قسم السعادة والشقاوة بين الناس في الدنيا والآخرة، وعدل بينهم فيما علمه فيهم ممن يستحق هذا وممن يستحق هذا. ولهذا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾.
يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط؛ أي: بالعدل، فلا يعدلوا عنه يمينًا ولا شمالًا، ولا تأخذهم في الله لومة لائم ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه، وقوله: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ كما قال: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] أي: ليكن أداؤها ابتغاء وجه الله، فحينئذٍ تكون صحيحة عادلة حقًّا خالية من التحريف والتبديل والكتمان، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك، وإذا سئلت
_________________
(١) تفسير الطبري ٩/ ٢٩٩ - ٣٠٠.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "شابية" وهو تصحيف.
[ ٣ / ٢٣٧ ]
عن الأمر فقل الحق فيه ولو عادت مضرته عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجًا ومخرجًا من كل أمر يضيق عليه.
وقوله: ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ أي: وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك فلا تراعهم فيها بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم، فإن الحق حاكم على كل أحد، وهو مقدم على كل أحد.
وقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ أي: لا ترعاه لغناه ولا تشفق عليه لفقره، الله يتولاهما بل هو أولى بهما منك وأعلم بما فيه صلاحهما. وقوله: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ أي: فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغضة الناس إليكم على ترك العدل في أموركم وشؤونكم، بل ألزموا العدل على أي حال كان، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] ومن هذا القبيل قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النَّبِيّ ﷺ يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلي، ولأنتم أبغض إلي من أعدادكم من القردة والخنازير وما يحملني حبي إياه، وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض، وسيأتي الحديث مسندًا في سورة المائدة (^١) إن شاء الله تعالى.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ قال مجاهد وغير واحد من السلف: تلووا؛ أي: تحرفوا الشهادة (^٢) وتغيروها، واللّي هو: التحريف وتعمد الكذب، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾ [آل عمران: ٧٨] والإعراض هو كتمان الشهادة وتركها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وقال النَّبِيّ ﷺ: "خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها" (^٣)، ولهذا توعدهم الله بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ أي: وسيجازيكم بذلك.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾.
يأمر تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه [ودعائمه] (^٤)، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه، كما يقول المؤمن في كل صلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة] أي: بصرنا فيه وزدنا هدى وثبتنا عليه، فأمرهم بالإيمان به وبرسوله، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٢٨].
_________________
(١) آية ٨.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ مرفوعًا (الصحيح، الأقضية، باب بيان خير الشهود خ ١٧١٩).
(٤) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "دعامته".
[ ٣ / ٢٣٨ ]
وقوله: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ يعني: القرآن، ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ وهذا جنس يشمل جميع الكتب المتقدمة، وقال في القرآن: ﴿نَزَلَ﴾ لأنَّهُ نزل مفرقًا منجمًا على الوقائع بحسب ما يحتاج إليه العباد في معاشهم ومعادهم، وأما الكتب المتقدمة، فكانت تنزل جملة واحدة، لهذا قال تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي: فقد خرج عن طريق الهدى وبعد عن القصد كل البعد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾.
يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان، ثم رجع عنه، ثم رجع واستمر على ضلاله وازداد حتَّى مات، فإنه لا توبة بعد موته ولا يغفر الله له ولا يجعل له مما هو فيه فرجًا ولا مخرجًا ولا طريقًا إلى الهدى، ولهذا قال: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾.
قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أحمد بن عبدة، حَدَّثَنَا حفص بن جميع، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ قال: تمادوا على كفرهم حتَّى ماتوا (^١). وكذا قال مجاهد (^٢).
وروى ابن أبي حاتم من طريق جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن علي ﵁، أنه قال: يستتاب المرتد ثلاثًا، ثم تلا هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ (^٣).
ثم قال: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨)﴾ يعني أن المنافقين من هذه الصفة، فإنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم،
ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنما نحن معكم، إنما نحن مستهزئون؛ أي: بالمؤمنين، في إظهارنا لهم الموافقة، قال الله تعالى منكرًا عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾، ثم أخبر الله تعالى بأن العزة كلها له وحده لا شريك له ولمن جعلها
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن واضطراب سماك عن عكرمة لا يضر لأنَّهُ ثبت عن مجاهد أيضًا كما يلي.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق شريك عن جابر الجعفي به وسنده ضعيف بسبب سوء حفظ شريك وضعف جابر ويتقوى بالشواهد إذ ورد عن عمر وعثمان وابن عمر ﵃ والزهري وعمر بن عبد العزيز (ينظر: مصنف عبد الرزاق ١٠/ ١٦٤ - ١٦٥)، ومصنف ابن أبي شيبة ١٠/ ١٣٧، ١٣٨ و١٢/ ٢٧٣ والموطأ ٢/ ٧٣٧، والطبقات الكبرى لابن سعد ٥/ ٣٥١، والسنن الكبرى ٨/ ٣٠٧.
[ ٣ / ٢٣٩ ]
له، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠]. وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨]، والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من [جناب] (^١) الله والالتجاء إلى عبوديته والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد، ويناسب هنا أن نذكر الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حَدَّثَنَا حسين بن محمد، حَدَّثَنَا أبو بكر بن عياش، عن حميد الكندي، عن عبادة بن نسيء، عن [أبي ريحانة] (^٢) أن النَّبِيّ ﷺ قال: "من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزًا [وكرمًا] (^٣) فهو عاشرهم في النار" (^٤) تفرد به أحمد، وأبو ريحانة هذا هو أزدي، ويقال: أنصاري، واسمه شمعون، بالمعجمة، فيما قاله البخاري، وقال غيره: بالمهملة، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ أي: إنكم إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله وَيُسْتَهْزَأُ وينتقص بها وأقررتموهم على ذلك، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه، فلهذا قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ في المأثم، كما جاء في الحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخَر، فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر" (^٥).
والذي أحيل عليه في هذه الآية من النهي في ذلك هو قوله تعالى في سورة الأنعام، وهي مكية ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨] قال مقاتل بن حيان: نسخت هذه الآية التي في سورة الأنعام (^٦)، يعني: نسخ قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ لقوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾ [الأنعام: ٦٩]. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ أي: [كما اشتركوا] (^٧) في الكفر كذلك شارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم [أبدًا] (^٨)، ويجمع بينهم في دار العقوبة والنكال والقيود والأغلال وشراب الحميم والغسلين لا الزلال.
_________________
(١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "جانب".
(٢) كذا في (حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: "أبي ركان" وهو تصحيف.
(٣) كذا في المسند وفي النسخ: "وكبرا".
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٣٤)، وسنده ضعيف لأن عبادة لم يسمع من أبي ريحانة (العلل المتناهية ٢/ ١٢٩٥).
(٥) أخرجه الترمذي من طريق ليث بن أبي سليم، عن طاوس، عن جابر ثم قال: حديث حسن غريب (السنن، الأدب، باب ما جاء في دخول الحمام ح ٢٨٠١)، وفي سنده ليث فيه مقال ويتقوى بالمتابعات فقد روي من طريق أخرى، وعن أبي الزبير عن جابر، وقد أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٢٨٨) وقال الحافظ ابن حجر: إسناده جيد (الفتح ٩/ ٢٥٠).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل.
(٧) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "بما أشركوا".
(٨) كذا في (حم) و(مح) وسقطت من الأصل.
[ ٣ / ٢٤٠ ]
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾.
يخبر تعالى عن المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، بمعنى ينتظرون زوال دولتهم وظهور الكفر عليهم وذهاب ملتهم، ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: نصر وتأييد وظفر وغنيمة ﴿قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي: يتوددون إلى المؤمنين بهذه المقالة، ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ أي: إدالة على المؤمنين في بعض الأحيان كما وقع يوم أُحد، فإن الرسل تبتلى ثم يكون لها العاقبة ﴿قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ساعدناكم في الباطن، وما أدوناهم خبالًا وتخذيلًا حتَّى انتصرتم عليهم.
وقال السدي: ﴿نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ تغلب عليكم (^١). كقوله: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة: ١٩] وهذا أيضًا تودد منهم إليهم، فإنهم كانوا يصانعون هؤلاء وهؤلاء ليحظوا عندهم ويأمنوا كيدهم، وما ذاك إلا لضعف إيمانهم وقلة إيقانهم.
قال تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: بما يعلمه منكم أيها المنافقون من البواطن الرديئة. فلا تغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليكم ظاهرًا في الحياة الدنيا، لما له في ذلك من الحكمة، فيوم القيامة لا تنفعكم ظواهركم بل هو يوم تبلى فيه السرائر ويحصل ما في الصدور.
وقوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ قال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري عن الأعمش، [عن ذر، عن سبيع] (^٢) الكندي، قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: كيف هذه الآية ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾؛ فقال علي ﵁: أدنه أدنه، ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (^٣). وكذا روى ابن جريج عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾، قال: ذاك يوم القيامة، وكذا روى السدي عن أبي مالك الأشجعي، يعني: يوم القيامة (^٤).
وقال السدي: ﴿سَبِيلًا﴾؛ أي: حجة (^٥)، ويحتمل أن يكون المعنى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ أي: في الدنيا بأن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ وعلى هذا يكون ردًا على المنافقين فيما
_________________
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٢) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: "عن ذريع" وهو تصحيف.
(٣) أخرجه الثوري عن الأعمش به (التفسير ص ٩٨)، وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من طريق الثوري به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠٩).
(٤) أخرجه الطبري من طريق ابن جريج به، وسنده ضعيف للانقطاع بين عطاء الخراساني وابن عباس، ويشهد له سابقه.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق أسباط عن السدي.
[ ٣ / ٢٤١ ]
أملوه ورجوه وانتظروه من زوال دولة المؤمنين، وفيما سلكوه من مصانعتهم الكافرين خوفًا على أنفسهم منهم إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم، كما قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢)﴾ [المائدة: ٥٢].
وقد استدل كثير من الفقهاء بهذا الآية الكريمة على أصح قولي العلماء، وهو المنع من بيع العبد المسلم للكافر، لما في صحة ابتياعه من التسليط له عليه والإذلال، ومن قال منهم بالصحة، يأمره بإزالة ملكه عنه في الحال لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾.
قد تقدم في أول سورة البقرة قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩] وقال ههنا: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ولا شكَّ أن الله لا يخادع، فإنه العالم بالسرائر والضمائر، ولكن المنافقين لجهلهم وقلة علمهم وعقلهم [يعتقدون] (^١) أن أمرهم كما راج عند الناس وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهرًا، فكذلك يكون حكمهم عند الله يوم القيامة وأن أمرهم يروج عنده، كما أخبر تعالى عنهم أنهم يوم القيامة يحلفون له أنهم كانوا على الاستقامة والسداد، ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨)﴾ [المجادلة: ١٨] وقوله: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ أي: هو الذي يستدرجهم في طغيانهم وضلالهم، ويخذلهم عن الحق والوصول إليه في الدنيا، وكذلك يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ [الحديد].
وقد ورد في الحديث: "من سمّع سمّع الله به، ومن راءى راءى الله به" (^٢). وفي حديث آخر: "إن الله يأمر بالعبد إلى الجنة فيما يبدو للناس ويعدل به إلى النار" عياذًا باللّه من ذلك.
وقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة إذا قاموا إليها، قاموا وهم
_________________
(١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "يعتذرون" وهو تصحيف.
(٢) أخرجه الشيخان من حديث جندب بن عبد الله ﵁ (صحيح البخاري، الرقاق، باب الرياء والسمعة ح ٦٤٩٩)، وصحيح مسلم، الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله (ح ٢٩٨٦).
[ ٣ / ٢٤٢ ]
كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها ولا إيمان لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها كما روى ابن مردويه من طريق عبيد الله بن زحر، عن خالد بن أبي عمران، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: يُكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان، ولكن يقوم إليها طلق الوجه عظيم الرغبة شديد الفرح، فإنه يناجي الله وإن الله تجاهه يغفر له ويجيبه إذا دعاه، ثم يتلو هذه الآية ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ (^١). وروي من غير هذا الوجه عن ابن عباس نحوه.
فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ هذه صفة ظواهرهم كما قال: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤] ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ أي: لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة، ولهذا يتخلفون كثيرًا عن الصلاة التي لا يرون فيها غالبًا كصلاة العشاء في وقت العتمة، وصلاة الصبح في وقت الغلس، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيها لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال ومعهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" (^٢). وفي رواية: "والذي نفسي بيده، لو علم أحدهم أنه يجد عرقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين، لشهد الصلاة، ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم بالنار" (^٣).
وقال الحافظ أبو يعلى: حَدَّثَنَا محمد بن إبراهيم بن أبي بكر المقدمي، حَدَّثَنَا محمد بن دينار، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: "من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه ﷿" (^٤).
وقوله: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: في صلاتهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون بل هم في صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون.
وقد روى الإمام مالك عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، [تلك صلاة المنافق] (^٥) يجلس يرقب الشمس حتَّى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا" (^٦)، وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث إسماعيل بن جعفر [المدني] (^٧)، عن العلاء بن
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سماك الحنفي عن ابن عباس مختصرًا، وسنده حسن.
(٢) أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة (صحيح البخاري، الأذان، باب فضل العشاء في الجماعة ح ٦٥٧)، وصحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة (ح ٦٥١).
(٣) صحيح البخاري، الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة (ح ٦٤٤)
(٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٩/ ٥٤ ح ٥١١٧)، وسنده ضعيف لضعف إبراهيم بن مسلم الهجري.
(٥) زيادة من (حم) و(مح) والتخريج.
(٦) أخرجه الإمام مالك بسنده ومتنه (الموطأ، الصلاة، باب النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر ١/ ٢٢٠)، وسنده صحيح.
(٧) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "المزني" وهو تصحيف.
[ ٣ / ٢٤٣ ]
عبد الرحمن به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^١).
وقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ يعني: المنافقين محيرين بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهرًا وباطنًا ولا مع الكافرين ظاهرًا وباطنًا، بل ظواهرهم مع المؤمنين وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعتريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء وتارة يميل إلى أولئك ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا …﴾ الآية [البقرة: ٢٠] وقال مجاهد: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ يعني: أصحاب محمد ﷺ ﴿وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ يعني: اليهود (^٢).
وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى، حَدَّثَنَا عبد الوهاب، حَدَّثَنَا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة ولا تدري أيتهما تتبع" (^٣)، تفرد به مسلم (^٤)، فرواه عن محمد بن المثنى، وقال ابن جرير: وحدثنا محمد بن المثنى مرة أخرى، عن عبد الوهاب فوقف به على ابن عمر ولم يرفعه، قال: حَدَّثَنَا به عبد الوهاب مرتين كذلك (^٥).
قلت: وقد رواه الإمام أحمد عن إسحاق بن يوسف، عن عبيد الله، [وكذا رواه إسماعيل بن عياش، وعلي بن عاصم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا] (^٦)، وكذا رواه عثمان بن محمد بن أبي شيبة، عن عبدة، عن عبيد الله به مرفوعًا، ورواه حماد بن سلمة، عن عبيد الله أو عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا. ورواه أيضًا صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر، عن النَّبِيّ ﷺ بمثله (^٧).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا خلف بن الوليد، حَدَّثَنَا الهذيل بن بلال، عن ابن عبيد أنه جلس ذات يوم بمكة وعبد الله بن عمر معه، فقال أبي: قال رسول الله ﷺ: "إن مثل المنافق يوم القيامة كالشاة بين الربيضين من الغنم، إن أتت هؤلاء نطحتها، فين أتت هؤلاء نطحتها" فقال له ابن عمر: كذبت، فأثنى القوم على أبي خيرًا أو معروفًا، فقال ابن عمر: ما أظن صاحبكم إلا كما تقولون، ولكني شاهدي الله إذ قال: "كالشاة بين الغنمين"، فقال: هو سواء، فقال: هكذا سمعته (^٨).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا المسعودي، عن أبي جعفر محمد بن علي، قال: بينما عبيد بن عمير يقص وعنده عبد الله بن عمر، فقال عبيد بن عمير: قال رسول الله ﷺ: "مثل المنافق كالشاة بين ربيضين، إذا أتت هؤلاء نطحتها، وإذا أتت هؤلاء نطحتها"، فقال ابن عمير:
_________________
(١) صحيح مسلم، المساجد، باب استحباب التبكير بالعصر (ح ٦٢٢)، وسنن الترمذي، الصلاة، باب ما جاء في تعجيل العصر (ح ١٦٠).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٤) صحيح مسلم، صفات المنافقين وأحكامهم (ح ٢٧٨٤).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وقد ثبت مرفوعًا كما تقدم.
(٦) ما بين معقوفين زيادة من (حم) و(مح).
(٧) المسند ٩/ ٩٩ (ح ٥٠٧٩)، وصححه محققوه.
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩/ ٢٦٧ ح ٥٣٥٩)، وضعفه محققوه بسبب ضعف الهذيل بن بلال، ولشطره الأول شاهد صحيح تقدم.
[ ٣ / ٢٤٤ ]
ليس كذلك، إنما قال رسول الله ﷺ: "كشاة بين غنمين"، قال: فاحتفظ الشيخ وغضب، فلما رأى ذلك ابن عمر قال: أما إني لو لم أسمعه لم أردّ ذلك عليك (^١).
(طريقة أخرى عن ابن عمر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا [معمر] (^٢)، عن عثمان بن بودويه، عن يَعفُر بن رَوذي، قال: سمعت عبيد بن عمير وهو يقص يقول: قال رسول الله ﷺ: "مثل المنافق كمثل الشاة الرابضة بين الغنمين"، فقال ابن عمر: ويلكم لا تكذبوا على رسول الله ﷺ، إنما قال رسول الله ﷺ: "مثل المنافق كمثل الشاة [العائرة] (^٣) بين الغنمين" (^٤)، ورواه ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله - هو ابن مسعود -، قال: مثل المؤمن والمنافق والكافر مثل ثلاثة نفر انتهوا إلى واد، فوقع أحدهم فعبر، ثم وقع الآخَر حتَّى إذا أتى على نصف الوادي ناداه الذي على شفير الوادي: ويلك أين تذهب إلى الهلكة، ارجع عودك على بدئك، وناداه الذي عبر: هلم إلى النجاة، فجعل ينظر إلى هذا مرة وإلى هذا مرة، قال: فجاء سيل فأغرقه، فالذي عبر هو المؤمن، والذي غرق المنافق ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ والذي مكث الكافر (^٥).
وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا بشر، حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا شعبة، عن قتادة: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين بالشرك، قال: وذكر لنا أن نبي اللّه ﷺ كان يضرب مثلًا للمؤمنين وللمنافق وللكافر كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر فوقع المؤمن فقطع، ثم وقع المنافق حتَّى إذا كاد يصل إلى المؤمن، ناداه الكافر، أن هلم إلي فإني أخشى عليك، وناداه المؤمن: أن هلم إلي فإن عندي وعندي يحصي له ما عنده، فما زال المنافق يتردد بينهما حتَّى أتى عليه آذيُّ (^٦) فغرقه، وإن المنافق لم يزل في شكَّ وشبهة حتَّى أتى عليه الموت وهو كذلك، قال: وذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: "مثل المنافق كمثل ثاغية (^٧) بين غنمين، رأت غنمًا على نشز فأتتها وشامتها فلم تعرف، ثم رأت غنمًا على نشز فأتتها فشامّتها (^٨) فلم تعرف" (^٩)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أي: ومن صرفه عن طريق الهدى ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] فإنه من يضلل الله فلا هادي له، والمنافقون الذين أضلهم عن سبيل الله فلا هادي لهم ولا منقذ لهم مما هم فيه، فإنه تعالى لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يُسألون.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨/ ٤٧٦ ح ٤٨٧٢)، وضعفه محققوه لأن المسعودي اختلط وسماع يزيد وهو ابن هارون بعد الاختلاط ويشهد له ما سبق.
(٢) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: "عمر" وهو تصحيف.
(٣) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: "الناعرة" وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٩/ ٤٣٣ ح ٥٦١٠)، وضعفه محققوه بسبب سكوت النقاد عن يَعفُر.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٦) أي الموج الشديد.
(٧) ثغت الشاة: أي صاحت.
(٨) شامتها: دنت إليها وشمتها لتعرف أهي أخواتها أم غيرها. قاله أحمد شاكر في حاشية الطبري.
(٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح إلى قتادة لكنه مرسل.
[ ٣ / ٢٤٥ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾.
ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين؛ يعني: مصاحبتهم ومصادقتهم، ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم، كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] أي: يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه، ولهذا قال ههنا: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: حجة عليكم في عقوبته إياكم.
قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا مالك بن إسماعيل، حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ قال: كل سلطان في القرآن حجة (^١). وهذا إسناد صحيح، وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب القرظي والضحاك والسدي [والنضر بن عربي (^٢)] (^٣).
ثم أخبرنا تعالى ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أي: يوم القيامة جزاء على كفرهم الغليظ.
قال الوالبي، عن ابن عباس: ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أي: في أسفل النار (^٤). وقال غيره: النار دركات كما أن الجنة درجات.
وقال سفيان الثوري، عن عاصم، عن ذكوان أبي صالح، عن أبي هريرة ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت ترتج عليهم، كذا رواه ابن جرير عن ابن وكيع، عن يحيى بن يمان، عن سفيان الثوري به (^٥).
ورواه ابن أبي حاتم عن المنذر بن شاذان، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: الدرك الأسفل بيوت لها أبواب تطبق عليهم، فتوقد من تحتهم ومن فوقهم (^٦).
قال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا عبد الرحمن، حَدَّثَنَا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن خيثمة، عن عبد الله - يعني: ابن مسعود - ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت من نار تطبق عليهم (^٧).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وصححه الحافظ ابن كثير.
(٢) ذكرهم ابن كثير بحذف السند، وأخرج الطبري بعض الآثار بأسانيد ثابتة.
(٣) كذا في (حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل و(مح): "النضر بن عدي" وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن ابن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن وكيع وهو سفيان ضعيف.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
[ ٣ / ٢٤٦ ]
ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن وكيع، عن سفيان، عن سلمة، عن خيثمة، عن ابن مسعود ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت من حديد مبهمة عليهم (^١). ومعنى قوله: مبهمة؛ أي: مغلقة مقفلة لا يهتدى لمكان فتحها.
وروى ابن أبي حاتم، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أبو سلمة، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، أخبرنا علي بن زيد، عن القاسم بن عبد الرحمن أن ابن مسعود سئل عن المنافقين، فقال: يجعلون في توابيت من نار تطبق عليهم في أسفل درك من النار (^٢). ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ أي: ينقذهم مما هم فيه ويخرجهم من أليم العذاب.
ثم أخبر تعالى أن من تاب منهم في الدنيا، تاب عليه وقبل ندمه إذا أخلص في توبته وأصلح عمله، واعتصم بربه في جميع أمره، فقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ أي: بدلوا الرياء بالإخلاص فينفعهم العمل الصالح وإن قل.
قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر، عن خالد بن أبي عمران، عن عمرو بن مرة، عن معاذ بن جبل أن رسول اللّه ﷺ قال: "أخلص دينك يكفك القليل من العمل" (^٣).
﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: في زمرتهم يوم القيامة ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾
ثم قال تعالى مخبرًا عن غناه عما بسواه، وأنه إنما يعذب العباد بذنوبهم، فقال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ أي: أصلحتم العمل وآمنتم باللّه ورسوله ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ أي: من شكر شكر له، ومن آمن قلبه به علمه وجازاه على ذلك أوفر الجزاء.
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾.
قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية يقول: لا يحب الله يدعو أحد علي أحد إلا أن يكون مظلومًا فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ وإن صبر فهو خير له (^٤).
وقال أبو داود: حَدَّثَنَا عبيد الله بن [معاذ] (^٥) حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا سفيان، عن حبيب، عن عطاء، عن عائشة، قالت: سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه، فقال النَّبِيّ ﷺ: "لا تُسَبّخي (^٦) عنه" (^٧)،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف وقد تابعه سلمة بن كهيل في الرواية السابقة.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن عمرو بن مرة لم يسمع من معاذ (المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٤٧).
(٤) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٥) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: "معقل" وهو تصحيف.
(٦) أي: لا تخففي عنه إثم السرقة والعقوبة بدعائك عليه (المسند ٤٠/ ٢١٥).
(٧) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب فمن دعا على من ظلم ح ٤٩٠٩)، وسنده ضعيف لأن =
[ ٣ / ٢٤٧ ]
وقال الحسن البصري: لا يدع عليه، وليقل: اللهم أعني عليه، واستخرج حقي منه (^١)، وفي رواية عنه قال: قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه من غير أن يعتدي عليه (^٢).
وقال عبد الكريم بن مالك الجزري في هذه الآية: هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك فلا تفترِ عليه، لقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ [الشورى: ٤١] (^٣).
وقال أبو داود: حَدَّثَنَا القعنبي، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "المستبّان ما قالا، فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم" (^٤).
وقال عبد الرزاق: أنبأنا المثنى بن الصباح، عن مجاهد في قوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ قال: ضاف رجل رجلًا فلم يؤد إليه حق ضيافته، فلما خرج أخبر الناس فقال: ضفت فلانًا فلم يؤد إلي حق ضيافتي، قال: فذلك الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم حتَّى يؤدي الآخَر إليه حق ضيافته (^٥).
وقال ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ قال: قال: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن (^٦). وفي رواية: هو الضيف المحول رحله، فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول (^٧)، وكذا روي عن غير واحد عن مجاهد نحو هذا، وقد روى الجماعة سوى النسائي والترمذي من طريق الليث بن سعد، والترمذي من حديث ابن لهيعة، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله، عن عقبة بن عامر، قال: قلنا: يا رسول الله، إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقرونا، فما ترى في ذلك؟ فقال: "إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا منهم، وإن لم تفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم" (^٨).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، سمعت أبا الجودي يحدث عن
_________________
(١) = حبيبًا وهو: ابن أبي ثابت روى عن عطاء أحاديث لم يتابع عليها وهذا الحديث منها كما قرر العقيلي في الضعفاء ١/ ٢٦٣.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق يونس بن عبيد البصري عن الحسن.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق إسماعيل بن مسلم عن الحسن، وإسماعيل ضعيف. والصحيح الرواية السابقة.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم.
(٥) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب المستبّان ح ٤٨٩٤)، وسنده صحيح، وأخرجه مسلم من طريق العلاء به (الصحيح، البر والصلة، باب النهي عن السباب ح ٢٥٨٧).
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف المثنى بن الصباح ولكنه توبع في تفسير الطبري وابن أبي حاتم فيكون حسنًا لغيره.
(٧) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، ولم يصرح ابن إسحاق بالسماع ويشهد له سابقه.
(٨) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وحكمه كسابقه.
(٩) صحيح البخاري، المظالم، باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه (ح ٢٤٦١)، وصحيح مسلم، اللقطة، باب الضيافة (ح ١٧٢٧).
[ ٣ / ٢٤٨ ]
سعيد بن المهاجر، عن المقدام أبي كريمة، عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: "أيما مسلم ضاف قومًا فأصبح الضيف محرومًا، فإن حقًّا على كل مسلم نصره حتَّى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله" (^١). تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقال أحمد أيضًا: حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن منصور، عن الشعبي، عن المقدام أبي كريمة، سمع رسول الله ﷺ يقول: "ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بقنائه محرومًا كان دينًا عليه، فإن شاء اقتضاه وإن شاء تركه" (^٢). ثم رواه أيضًا عن غندر، عن شعبة، وعن زياد بن عبد الله البكائي، وعن وكيع وأبي نعيم، عن سفيان الثوري، ثلاثتهم عن منصور به، وكذا رواه أبو داود من حديث أبي عوانة عن منصور به (^٣).
ومن هذه الأحاديث وأمثالها، ذهب أحمد وغيره إلى وجوب الضيافة، ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا عمرو بن علي، حَدَّثَنَا صفوان بن عيسى، حَدَّثَنَا محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رجلًا أتى النَّبِيّ ﷺ، فقال: إن لي جارًا يؤذيني، فقال له: "أخرج متاعك فضعه على الطريق"، فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق، فكل من مر به قال: ما لك؟ قال: جاري يؤذيني، فيقول: اللهم العنه، اللهم اخزه، قال: فقال الرجل: ارجع إلى منزلك، واللّه لا أوذيك أبدًا (^٤)، وقد رواه أبو داود في كتاب الأدب عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن سليمان بن حيان أبي خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان به (^٥)، ثم قال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، ورواه أبو جحيفة وهب بن عبد الله، عن النَّبِيّ ﷺ، ويوسف بن عبد الله بن سلام، عن النَّبِيّ ﷺ (^٦).
وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ أي: إن تظهروا أيها الناس خيرًا أو أخفيتموه أو عفوتم عمن أساء إليكم، فإن ذلك مما يقربكم عند الله ويجزل ثوابكم لديه، فإن من صفاته تعالى أن يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، ولهذا ورد في الأثر أن حملة العرش يسبحون الله، فيقول بعضهم: سبحانك على حلمك بعد علمك، ويقول بعضهم: سبحانك على عفوك بعد قدرتك، وفي الحديث
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٣٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (٥/ ١٠٨).
(٢) أخرجه الإمام بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٣٠)، وأخرجه أبو داود من طريق منصور به (السنن، الأطعمة، باب ما جاء في الضيافة ح ٣٧٥٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٧٥٠).
(٣) المسند ٤/ ١٣٠ - ١٣٣، وسنن أبي داود، الحديث السابق (ح ٣٧٥٠).
(٤) أخرجه البخاري من طريق صفوان بن عيسى به (الأدب المفرد ح ١٢٤)، ومن الطريق نفسه أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٦٥)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح الأدب المفرد ح ٩٢).
(٥) السنن، الأدب، باب حق الجوار (ح ٥١٥٣). وقال الألباني أيضًا: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٤٢٩٢).
(٦) أخرجه البزار (كما في كشف الأستار ح ١٩٠٣) قال الهيثمي: فيه أبو عمر المنيهي تفرد عنه شريك (مجمع الزوائد ٨/ ١٧٣)، ويشهد له ما تقدم عن أبي هريرة وقد أخرجه الحاكم أيضًا من طريق أبي عمر به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٦٦).
[ ٣ / ٢٤٩ ]
الصحيح: "ما نقص مال من صدقة، ولا زاد الله عبدًا بِعَفْوٍ إلا عزًا، ومن تواضع للّه رفعه" (^١).
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾.
يتوعد ﵎ الكافرين به وبرسله، من اليهود والنصارى حيث فرقوا بين الله ورسله في الإيمان فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض بمجرد التشهي والعادة، وما ألفوا عليه آباءهم لا عن دليل قادهم إلى ذلك، فإنه لا سبيل لهم إلى ذلك، بل بمجرد الهوى والعصبية، فاليهود - عليهم لعائن الله - آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، والنصارى آمنوا بالأنبياء وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد ﷺ، والسامرة لا يؤمنون بنبيّ بعد يوشع خليفة موسى بن عمران، والمجوس يقال: إنهم كانوا يؤمنون بنبي لهم يقال له: زرادشت، ثم كفروا بشرعه فرفع من بين أظهرهم، واللّه أعلم، والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض، فمن ردّ نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي، تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًا، إنما هو عن غرض وهوى وعصبية، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ فوسمهم بأنهم كفار باللّه ورسله، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾؛ أي في الإيمان، ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا ومسلكًا،
ثم أخبر تعالى عنهم فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ أي: كفرهم محقق لا محالة بمن ادعوا الإيمان به، لأنَّهُ ليس شرعيًّا إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله، لآمنوا بنظيره وبمن هو أوضح دليلًا وأقوى برهانًا منه، أو نظروا حق النظر في نبوته.
وقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ أي: كما استهانوا بمن كفروا به، إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله وإعراضهم عنه وإقبالهم على جمع حطام الدنيا مما لا ضرورة بهم إليه، وإما بكفرهم به بعد علمهم بنبوته، كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول الله ﷺ حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه، فسلط الله عليهم الذل الدنيوي الموصول بالذل الأخروي ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١] في الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني: بذلك أمة محمد ﷺ، فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي بعثه الله، كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥] ثم أخبر تعالى بأنه قد أعد لهم الجزاء الجزيل والثواب الجليل والعطاء الجميل، فقال: ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ على ما آمنوا باللّه ورسله ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: لذنوبهم؛ أي إن كان لبعضهم ذنوب، والحمد لله.
_________________
(١) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (الصحيح، البر والصلة، باب استحباب العفو والتواضع ح ٢٥٨٨).
[ ٣ / ٢٥٠ ]
﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾.
قال محمد بن كعب القرظي والسدي وقتادة: سأل اليهود رسول الله ﷺ أن ينزل عليهم كتابًا من السماء كما نزلت التوراة على موسى مكتوبة (^١).
قال ابن جريج: سألوه أن ينزل عليهم صحفًا من الله مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان بتصديقه فيما جاءهم به (^٢).
وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإلحاد، كما سأل كفار قريش قبلهم نظير ذلك كما هو مذكور في سورة سبحان ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ الآية [الإسراء] ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ أي: بطغيانهم وبغيهم، وعتوهم وعنادهم، وهذا مفسر في سورة البقرة، حيث يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: من بعدما رأوا من الآيات الباهرة والأدلة القاهرة على يدي موسى ﵇ في بلاد مصر، وما كان من إهلاك عدوهم فرعون وجميع جنوده في اليم، فما جاوزوه إلا يسيرًا، حتَّى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا لموسى: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾ الآيتين [الأعراف] ثم ذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل مبسوطة في سورة الأعراف، وفي سورة طه، بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله ﷿، ثم لما رجع وكان ما كان، جعل [الله] (^٣) توبتهم من الذي صنعوه وابتدعوه، أن يقتل من لم يعبد العجل منهم من عبده، فجعل يقتل بعضهم بعضًا، ثم أحياهم الله ﷺ، وقال الله تعالى: ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾
ثم قال: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى ﵇، ورفع الله على رؤوسهم جبلًا، ثم ألزموا فالتزموا وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى فوق رؤوسهم، خشية أن يسقط عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ …﴾ الآية [الأعراف: ١٧١] ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: فخالفوا ما أمروا به من القول والفعل، فإنهم أمروا أن
_________________
(١) قول محمد بن كعب أخرجه الطبري من طريق أبي معشر عنه وسنده مرسل وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة وهذه المراسيل الثلاثة يقوي بعضها بعضًا.
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود الملقب بسنيد ضعيف، وسنده معضل أيضًا وما تقدم يشهد لشقه الأول.
(٣) كذا في (حم) و(مح) وسقط من الأصل.
[ ٣ / ٢٥١ ]
يدخلوا باب بيت القدس سجدًا وهم يقولون: حطة؛ أي: اللّهم حطّ عنا ذنوبنا في تركنا الجهاد ونكولنا عنه، حتَّى تهنا في التيه أربعين سنة، فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون: حنطة في شعرة ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ أي: وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرم الله عليهم، ما دام مشروعًا لهم ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ أي: شديدًا، فخالفوا وعصوا وتحيلوا على ارتكاب ما حرم الله ﷿، كما هو مبسوط في سورة الأعراف عند قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ﴾ الآيات [الأعراف: ١٦٣] وسيأتي حديث صفوان بن عسال في سورة سبحان عند قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] وفيه: وعليكم خاصة يهود أن لا تعدوا في السبت.
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾.
وهذه من الذنوب التي ارتكبوها، مما أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن الهدى، وهو نقضهم المواثيق والعهود التي أخذت عليهم، وكفرهم بآيات الله؛ أي: حججه وبراهينه، والمعجزات التي شاهدوها على يدي الأنبياء ﵈، قوله: ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وذلك لكثرة إجرامهم واجترائهم على أنبياء الله، فإنهم قتلوا جمعًا غفيرًا من الأنبياء ﵈. وقولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال ابن عَبَّاس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة وغير واحد: أي في غطاء (^١).
وهذا كقول المشركين ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)﴾ [فصلت]، وقيل: معناه أنهم ادعوا أن قلوبهم غلف للعلم؛ أي: أوعية للعلم قد حوته وحصلته، رواه الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس (^٢)، وقد تقدم نظيره في سورة البقرة (^٣)، قال الله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فعلى القول الأول كأنهم يعتذرون إليه بأن قلوبهم لا تعي ما يقول، لأنها في غلف وفي أكنّة، قال الله: بل هي مطبوع عليها بكفرهم، وعلى القول الثاني: عكس عليهم ما ادعوه من كل وجه، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة البقرة ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: مردت قلوبهم على الكفر والطغيان، وقلة الإيمان.
_________________
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن كثير عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق معمر عنه، وقول سعيد بن جبير وعكرمة ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٢) سنده ضعيف لأن الكلبي صرّح أن كل ما رواه عن أبي صالح عن ابن عباس فهو كذب.
(٣) آية ٨٨.
[ ٣ / ٢٥٢ ]
﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني أنهم رموها بالزنا (^١)، وكذلك قال السدي وجويبر ومحمد بن إسحاق وغير واحد (^٢)، وهو ظاهر من الآية، أنهم رموها وابنها بالعظائم، فجعلوها زانية وقد حملت بولدها من ذلك، زاد بعضهم: وهي حائض فعليهم لعائن الله [المتتابعة] (^٣) إلى يوم القيامة.
وقولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أي: هذا الذي يدعي لنفسه هذا المنصب قتلناه، وهذا منهم من باب التهكم والاستهزاء، كقول المشركين: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾ [الحجر: ٦] وكان من خبر اليهود، عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه، أنه لما بعث الله عيسى بن مريم بالبينات والهدى حسدوه على ما آتاه الله تعالى من النبوة والمعجزات الباهرات التي كان يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، ويصور من الطين طائرًا، ثم ينفخ فيه، فيكون طائرًا يشاهد طيرانه بإذن الله ﷿، إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها وأجراها على يديه، ومع هذا كذبوه وخالفوه وسعوا في أذاه بكل ما أمكنهم حتَّى جعل نبي الله عيسى ﵊، لا يساكنهم في بلدة، بل يكثر السياحة هو وأمه عليهما الصلاة والسلام، ثم لم يقنعهم ذلك، حتَّى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان، وكان رجلًا مشركًا من عبدة الطاغوت والكواكب، وكان يقال لأهل ملته: اليونان، وأنهوا إليه أن في بيت المقدس رجلًا يفتن الناس ويضلهم، ويفسد على الملك رعاياه، فغضب الملك من هذا وكتب إلى نائبه بالمقدس أن يحتاط على هذا المذكور، وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه، ويكف أذاه عن الناس، فلما وصل الكتاب امتثل والي بيت المقدس ذلك، وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى ﵇، وهو في جماعة من أصحابه اثني عشر أو ثلاثة عشر، وقيل: [سبعة عشر] (^٤) نفرًا، وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت، فحصروه هنالك. فلما أحس بهم وأنه لا محالة من دخولهم عليه أو خروجه إليهم، قال لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة؟ فانتدب لذلك شاب منهم فكأنه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانية وثالثة، وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب، فقال: أنت هو، وألقى الله عليه شبه عيسى حتَّى كأنه هو، وفتحت روزنة من سقف البيت، وأخذت عيسى ﵇ سنة من النوم، فرفع إلى السماء وهو كذلك، كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥].
فلما رفع خرج أولئك النفر، فلما رأى أولئك ذلك الشاب، ظنوا أنه عيسى، فأخذوه في الليل وصلبوه، ووضعوا الشوك على رأسه، وأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه، وتبجحوا بذلك وسلم لهم طوائف من النصارى، ذلك لجهلهم وقلة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح،
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول جويبر أخرجه الطبري بسند حسن من طريق يعلى بن عبيد عنه.
(٣) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "التابعة" وهو تصحيف.
(٤) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "ستة عشر".
[ ٣ / ٢٥٣ ]
فإنهم شاهدوا رفعه. وأما الباقون فإنهم ظنوا كما ظن اليهود، أن المصلوب هو المسيح بن مريم، حتَّى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت، ويقال: إنه خاطبها (^١)، واللّه أعلم، وهذا كله من امتحان الله عباده، لما له في ذلك من الحكمة البالغة.
وقد وضح الله الأمر وجلاه وبينه، وأظهره في القرآن العظيم، الذي أنزله على رسوله الكريم، المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى: وهو أصدق القائلين ورب العالمين، المطلع على السرائر والضمائر، الذي يعلم السر في السموات والأرض، العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: رأوا شبهه فظنوه إياه، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ يعني: بذلك من ادعى أنه قتله من اليهود، ومن سلمه إليهم من جهال النصارى، كلهم في شكّ من ذلك وحيرة وضلال وسعر، وبهذا قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أي: وما قتلوه متيقنين أنه هو بل شاكين متوهمين ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ أي: منيع الجناب، لا يرام جنابه ولا يضام من لاذ [ببابه] (^٢) ﴿حَكِيمًا﴾ أي: في جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة والسلطان العظيم والأمر القديم.
قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج على أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلًا من الحواريين، يعني: فخرج عليهم من عين في البيت، ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة، بعد أن آمن بي، قال: ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب من أحدثهم سنًا، فقال له: اجلس، ثم أعاد عليهم، فقام ذلك الشاب، فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب، فقال: أنا، فقال: أنت هو ذاك، فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة (^٣) في البيت إلى السماء، قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه، فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن من به، وافترقوا ثلاث فرق، فقالت فرقة، كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء وهؤلاء اليعقوبية (^٤)، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية (^٥)، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله، ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء
_________________
(١) هذه القصة ورد معظمها بأسانيد ثابتة كما سيأتي، وهي من أخبار أهل الكتاب التي لا تخالف القرآن والسنة بل غالبًا ما توافقهما.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "به".
(٣) روزنة أي: شباك أو نافذة صغيرة.
(٤) اليعقوبية: هم أصحاب يعقوب، قالوا بالأقانيم الثلاثة بأن الله تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة: الوجود والعلم والحياة، وهذه الأقانيم ليست زائدة الذات ولا هي هو، واتحدت الكلمة بجسد عيسى ﵇ على طريق الظهور. (ينظر: الملل والنحل ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥).
(٥) النسطورية: هم أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه قال: إن الله واحد ذو أقانيم ثلاثة … واتحدت الكلمة بجسد عيسى ﵇ لا على طريق الامتزاج كما قالت الملكانية، ولا على طريق الظهور كما قالت اليعقوبية، ولكن كإشراق الشمس في كوة على بلورة وكظهور النقش في الشمع إذا طبع الخاتم (المصدر السابق بتصرف).
[ ٣ / ٢٥٤ ]
المسلمون فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسًا حتَّى بعث الله محمدًا ﷺ (^١)، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه النسائي عن أبي كريب، عن أبي معاوية بنحوه (^٢)، وكذا ذكره غير واحد من السلف، أنه قال لهم: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، وهو رفيقي في الجنة.
وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن حميد، حَدَّثَنَا يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة، عن وهب بن منبه قال: أتى عيسى ومعه سبعة عشر من الحواريين في بيت فأحاطوا بهم، فلما دخلوا عليه، صورهم الله ﷿ كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا ليبرزن لنا عيسى، أو لنقتلنكم جميعًا، فقال عيسى لأصحابه: من يشري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا، فخرج إليهم، وقال: أنا عيسى، وقد صوره الله على صورة عيسى، فأخذوه فقتلوه وصلبوه، فمن ثم شبه لهم، فظنوا أنهم قد قتلوا عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى، ورفع الله عيسى من يومه ذلك (^٣).
وهذا سياق غريب جدًّا.
قال ابن جرير: وقد روي عن وهب نحو هذا القول، وهو ما حدثني المثنى، حَدَّثَنَا إسحاق، حَدَّثَنَا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبًا يقول: إن عيسى بن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا، جزع من الموت وشق عليه، فدعا الحواريين وصنع لهم طعامًا، فقال: احضروني الليلة، فإن لي إليكم حاجة، فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم، وقام يخدمهم، فلما فرغوا من الطعام، أخذ يغسل أيديهم، ويوضئهم بيده، ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك، وتكارهوه فقال: ألا من ردَّ عليّ الليلة شيئًا مما أصنع، فليس مني، ولا أنا منه، فأقروه حتَّى إذا فرغ من ذلك، قال: أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام، وغسلت أيديكم بيدي، فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أني خيركم، فلا يتعاظم بعضكم على بعض وليبذل بعضكم نفسه لبعض كما بذلت نفسي لكم، وأما حاجتي الليلة التي أستعينكم عليها، فتدعون الله لي، وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي، فلما نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا، أخذهم النوم حتَّى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم ويقول: سبحان الله، أما تصبرون لي ليلة واحدة، تعينوني فيها؟ فقالوا: واللّه ما ندري ما لنا، لقد كنا نسمر فنكثر السمر، وما نطيق الليلة سمرًا، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه، فقال: يذهب الراعي وتفرق الغنم، وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعى به نفسه. ثم قال: الحق ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعني أحدكم بدراهم يسيرة وليأكلن ثمني. فخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، وأخذوا شمعون أحد الحواريين وقالوا: هذا من أصحابه، فجحد وقال: ما أنا بصاحبه، فتركوه، ثم أخذه آخرون، فجحد كذلك ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه، فلما أصبح أتى أحد
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) تفسير النسائي ١/ ٥٧٤ - ٥٧٥.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي: ضعيف.
[ ٣ / ٢٥٥ ]
الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجدون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهمًا، فأخذها ودلهم عليه، وكان شبه عليهم قبل ذلك، فأخذوه فاستوثقوا منه وربطوه بالحبل، وجعلوا يقودونه ويقولون له: أنت كنت تحيي الموتى، وتنهر الشيطان، وتبرئ المجنون، أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل؟ ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتَّى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه، وصلبوا ما شبه لهم، فمكث سبعًا، ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى ﵇، فأبرأها الله من الجنون، جاءتا تبكيان تحت المصلوب، فجاءهما عيسى فقال: ما تبكيان؟ فقالتا: عليك، فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يصبي إلا خير، وإن هذا شبه لهم، فأمُرا الحواريين يلقوني إلى مكان كذا وكذا، فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر، وفُقد الذي باعه ودل عليه اليهود، فسأله عنه أصحابه، فقال: إنه ندم على ما صنع فاختنق وقتل نفسه، فقال: لو تاب لتاب الله عليه. ثم سألهم عن غلام تبعهم يقال له: يحيى، فقال: هو معكم، فانطلقوا، فإنه سيصبح كل إنسان يحدث بلغة قومه فلينذرهم وليدعهم (^١).
سياق غريب جدًّا.
ثم قال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن حميد، حَدَّثَنَا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: كان اسم ملك بني إسرائيل الذي بعث إلى عيسى ليقتله رجلًا منهم يقال له: داود، فلما أجمعوا لذلك منه، لم يفظع عبد من عباد الله بالموت فيما ذكر لي فظعه، ولم يجزع منه جزعه، ولم يدع الله في صرفه عنه دعاءه، حتَّى إنه ليقول فيما يزعمون: اللهم إن كنت صارفًا هذه الكأس عن أحد من خلقك، فاصرفها عني. وحتى إن جلده من كرب ذلك ليتفصد دمًا، فدخل المدخل الذي أجمعوا أن يدخلوا عليه فيه ليقتلوه هو وأصحابه، وهم ثلاثة عشر بعيسى ﵇. فلما أيقن أنهم داخلون عليه، قال لأصحابه من الحواريين، وكانوا اثني عشر رجلًا: زبدي فطرس، ويعقوب بن زيدي، ويُحنس أخو يعقوب، وانداراييس، وفيلبس، وابن تلما، ومتى، وتوماس، ويعقوب بن حلقايا، وتداوسيس، وقثانيا، ويودس زكريا يوطا (^٢).
قال ابن حميد: قال سلمة: قال ابن إسحاق: وكان فيما ذكر لي رجل اسمه سرجس، وكانوا ثلاثة عشر رجلًا سوى عيسى ﵇، جحدته النصارى، وذلك أنه هو الذي شبه لليهود مكان عيسى، قال: فلا أدري هو من هؤلاء الاثني عشر، فجحدوه حين أقروا لليهود بصلب عيسى وكفروا بما جاء به محمد ﷺ من الخبر عنه، فإن كانوا ثلاثة عشر، فإنهم دخلوا المدخل حين دخلوا، وهم بعيسى أربعة عشر، وإن كانوا اثني عشر، فإنهم دخلوا المدخل وهم ثلاثة عشر (^٣).
قال ابن إسحاق: وحدثني رجل كان نصرانيًا فأسلم، أن عيسى حين جاءه من الله: ﴿مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، قال: يا معشر الحواريين، أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة حَتَّى يشبّه للقوم في صورتي فيقتلوه في مكاني؟ فقال سرجس: أنا يا روح الله. قال:
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو من الإسرائيليات التي ولع بها وهب بن منبه.
(٢) في بعض هذه الأسماء ورد فيها بعض التصحيفات ضبطت من رواية الطبري، فقد أخرجه بسنده ومتنه، وفيه أيضًا محمد بن حميد الرازي. وأخرجه في تاريخه أيضًا ١/ ٦٠١.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.
[ ٣ / ٢٥٦ ]
فاجلس في مجلسي، فجلس فيه، ورفع عيسى ﵇، فدخلوا عليه، فأخذوه فصلبوه، فكان هو الذي صلبوه، وشبه لهم به، وكانت عدتهم حين دخلوا مع عيسى معلومة، وقد رأوهم فأحصوا عدتهم، فلما دخلوا عليه ليأخذوه وجدوا عيسى وأصحابه فيما يرون، وفقدوا رجلًا من العدة، فهو الذي اختلفوا فيه، وكانوا لا يعرفون عيسى، حتَّى جعلوا ليودس زكريا يوطا ثلاثين درهمًا على أن يدلهم عليه ويعرفهم إياه، فقال لهم: إذا دخلتم عليه فإني سأقبّله، وهو الذي أقبّل فخذوه، فلما دخلوا، وقد رفع عيسى ورأى سرجس في صورة عيسى، فلم يشك أنه هو، فأكب عليه يقبله، فأخذوه فصلبوه. ثم إن يودس زكريا يوطا ندم على ما صنع فاختنق بحبل حتَّى قتل نفسه، وهو ملعون في النصارى، وقد كان أحد المعدودين من أصحابه، وبعض النصارى يزعم أنه يودس زكريا يوطا، وهو الذي شبه لهم، فصلبوه وهو يقول: إني لست بصاحبكم، أنا الذي دللتكم عليه، واللّه أعلم أي ذلك كان (^١).
وقال ابن جرير، عن مجاهد: صلبوا رجلًا شبه بعيسى ورفع الله ﷿ عيسى إلى السماء حيًا (^٢)، واختار ابن جرير أن شبه عيسى ألقي على جميع أصحابه (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ قال ابن جرير: اختلف أهل التأويل في معنى ذلك ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعني: قبل موت عيسى يوجه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفية، دين إبراهيم ﵇.