حدثني ابن المثنى، حَدَّثَنَا الحجاج بن المنهال، حَدَّثَنَا حماد، عن حُميد، قال: قال عكرمة: لا يموت النصراني ولا اليهودي حتَّى يؤمن بمحمد ﷺ؛ يعني في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (^٦).
ثم قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصحة القول الأول، وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى ﵇ إلا آمن به قبل موت عيسى ﵇، ولا شكَّ أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح، لأنَّهُ المقصود من سياق الآية في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن كذلك، وإنما شبّه لهم، فقتلوا الشبه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة التي سنوردها إن شاء الله قريبًا، فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية يعني لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذٍ
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وفيه عتاب بن بشير صدوق يخطئ، وفيه خُصيف صدوق سيء الحفظ، ويتقوى بما سبق.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده خُصيف ويتقوى بالروايات السابقة.
(٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، والتخريج السابق يغني لأنَّهُ صح عن ابن عباس كما قرر الحافظ ابن كثير.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف جدًّا من طريق جويبر عن أبي، وجويبر متروك.
(٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وحماد هو ابن سلمة، وحُميد هو: الطويل.
[ ٣ / ٢٥٩ ]
ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: قبل موت عيسى ﵇ الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قتل وصلب ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء وبعد نزوله إلى الأرض. فأما من فسر هذه الآية بأن المعنى أن كل كتابي لا يموت حتَّى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما الصلاة والسلام، فهذا هو الواقع، وذلك أن كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلًا به، فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانًا نافعًا له، إذا كان قد شاهد الملك، كما قال تعالى في أول هذه السورة ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء: ١٨].
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴾ الآية [غافر: ٨٤] وهذا يدلُّ على ضعف ما احتج به ابن جرير في رد هذا القول حيث قال: ولو كان المراد بهذه الآية هذا، لكان كل من آمن بمحمد ﷺ أو بالمسيح ممن كفر بهما يكون على دينهما، وحينئذٍ لا يرثه أقرباؤه من أهل دينه، لأنَّهُ قد أخبر الصادق أنه يؤمن به قبل موته، فهذا ليس بجيد إذ لا يلزم من إيمانه أنه يصير بذلك مسلمًا، ألا ترى إلى قول ابن عباس؛ ولو تردى من شاهق أو ضرب بالسيف أو افترسه سبع، فإنه لا بدّ أن يؤمن بعيسى، فالإِيمان في مثل هذه الحالات ليس بنافع ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدمناه، واللّه أعلم.
ومن تأمل جيدًا وأمعن النظر، اتضح له أنه هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه الآية هذا، بل المراد بها الذي ذكرناه من تقرير وجود عيسى ﵇ وبقاء حياته في السماء وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة ليكذب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى الذين تباينت أقوالهم فيه، وتصادمت وتعاكست وتناقضت وخلت عن الحق، ففرط هؤلاء وأفرط هؤلاء تنقصه اليهود بما رموه به وأمه من العظائم، [وأطراه] (^١) النصارى بحيث ادعوا فيه ما ليس فيه، فرفعوه في مقابلة أولئك عن مقام النبوة إلى مقام الربوبية، تعالى عما يقول هؤلاء وهؤلاء علوًا كبيرًا، وتنزه وتقدس لا إله إلا هو.