هي مدنية، لأن صدرها إلى ثلاث وثمانين آية منها نزل في وفد نجران وكان (^١) قدومهم في سنة تسع من الهجرة، كما سيأتي بيان ذلك عند تفسير آية المباهلة منها (^٢)، إن شاء الله تعالى، وقد ذكرنا ما ورد في فضلها مع سورة البقرة في أول تفسير البقرة.
﷽
﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤)﴾.
قد ذكرنا الحديث الوارد في أن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ و﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ عند تفسير آية الكرسي (^٣)، وقد تقدم الكلام على قوله: ﴿الم (١)﴾ في أول سورة البقرة بما يغني عن إعادته، وتقدم الكلام على قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ في تفسير آية الكرسي.
وقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ يعني: نزل عليك القرآن يا محمد بالحق، أي: لا شك فيه ولا ريب، بل هم منزل (^٤) من الله ﷿ أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدًا، وقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد الله الأنبياء فهي تصدقه بما أخبرت به، وبشرت في قديم الزمان، وهو يصدقها، لأنه طابق ما أخبرت به، وبشرت من الوعد (^٥) من الله بإرسال محمد ﷺ وإنزال القرآن العظيم عليه. وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ﴾ أي: على موسى بن عمران، ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾ أي: على عيسى ابن مريم ﵇ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل هذا القرآن ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ أي: في زمانهما. ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ وهو الفارق بين الهدى والضلال. والحق والباطل، والغي والرشاد، بما يذكره الله تعالى من الحجج والبينات والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبينه ويوضحه ويفسره ويقرره ويرشد إليه وينبه عليه من ذلك.
وقال قتادة والربيع بن أنس: الفرقان ههنا: القرآن (^٦). واختار ابن جرير أنه مصدر ههنا لتقدم
_________________
(١) في الأصل: "وكانت" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٢) آية ٦١ من السورة نفسها.
(٣) آية ٢٥٥.
(٤) في الأصل: "نزل" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم).
(٥) في الأصل: "وبشرته من الموعد" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم).
(٦) قول قتادة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شيبان بن عبد الرحمن عنه. وقول الربيع أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
ذكر القرآن في قوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ وهو القرآن.
وأما ما رواه ابن أبي حاتم عن أبي صالح، أن المراد بالفرقان ههنا التوراة (^١)، فضعيف أيضًا لتقدم ذكر التوراة، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: جحدوا بها وأنكروها وردوها بالباطل، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي: منيع الجناب عظيم السلطان، ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ أي: ممن كذب بآياته (^٢) وخالف رسله الكرام وأنبياءه العظام.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾.
يخبر تعالى أنه يعلم غيب السموات والأرض، لا يخفى عليه شيء من ذلك (^٣)،
﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أي: يخلقكم في الأرحام كما يشاء من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقي وسعيد، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: هو الذي خلق، وهو المستحق للإلهية وحده لا شريك له، وله العزة التي لا تُرام، والحكمة والأحكام. وهذه الآية فيها تعريض، بل تصريح بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق، كما خلق الله سائر البشر، لأن الله صوره في الرحم وخلقه كما يشاء، فكيف يكون إلهًا كما زعمته النصارى؛ عليهم لعائن الله، وقد تقلب في الأحشاء وتنقل من حال إلى حال؟ كما قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦].
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾.
يخبر تعالى أن في القرآن آيات محكمات، هن أم الكتاب، أي بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم، فمن ردّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى ومن عكس انعكس ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه] (^٤) ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم وقد تحتمل شيئًا آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد. وقد اختلفوا في المحكم والمتشابه فروي عن السلف عبارات كثيرة، فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄:
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.
(٢) في الأصل: "آياته" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم).
(٣) في الأصل: "لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء من ذلك" والمثبت من (عف) و(حم) و(ح).
(٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).
[ ٢ / ٣١٠ ]
المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وأحكامه وحدوده وفرائضه وما يؤمر به ويعمل به (^١). وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والسدي أنهم قالوا: المحكم الذي يعمل به (^٢).
وعن ابن عباس أيضًا أنه قال: المحكمات قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] والآيتان بعدها. وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى ثلاث آيات بعدها، ورواه ابن أبي حاتم (^٣) وحكاه عن سعيد بن جبير ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن إسحاق بن سويد، أن يحيى بن يَعمر وأبا فاختة تراجعا في هذه الآية وهي ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، فقال أبو فاختة: فواتح السور، وقال يحيى بن يَعمر: الفرائض والأمر والنهي والحلال والحرام (^٤).
وقال ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير: هنّ أم الكتاب يقول: أصل الكتاب، وإنما سمَّاهنَّ أم الكتاب لأنهنّ مكتوبات في جميع الكتب (^٥).
وقال مقاتل بن حيان: لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهنّ (^٦).
وقيل في المتشابهات: إنهن المنسوخة، والمقدم والمؤخر، والأمثال فيه، والأقسام، وما يؤمن به ولا يعمل به، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٧).
وقيل: هي الحروف المقطعة في أوائل السور. قاله (^٨) مقاتل بن حيان (^٩).
وعن مجاهد: المتشابهات يصدق بعضها بعضًا (^١٠).
وهذا إنما هو في تفسير قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] هناك ذكروا أن المتشابه هو الكلام الذي يكون في (^١١) سياق واحد، والمثاني هو الكلام في شيئين متقابلين كصفة الجنة
_________________
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة به.
(٢) ذكرهم ابن أبي حاتم جميعًا بحذف الإسناد، وقول مجاهد أخرجه آدم بن أبي إياس بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسباط عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف عنه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم من طريق عبد الله بن قيس عن ابن عباس بدون ذكر الآية الثالثة، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، (المستدرك ٢/ ٢٨٨). وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق رجل مجهول عن ابن عباس.
(٤) قول سعيد بن جبير ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول يحيى بن يعمر أسنده ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.
(٨) في الأصل: "قال" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم).
(٩) في الأصل: "قال" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) من طريق بكير بن معروف عنه.
(١٠) أخرجه عبد بن حميد بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد كما في حاشية تفسير ابن أبي حاتم.
(١١) في الأصل تكرر لفظ: "يكون" وسقط لفظ: "في" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).
[ ٢ / ٣١١ ]
وصفة النار وذكر حال الأبرار ثم حال الفجار (^١)، ونحو ذلك. وأما ههنا فالمتشابه هو الذي يقابل المحكم، وأحسن ما قيل فيه هو الذي قدمناه وهو الذي نصَّ عليه محمد بن إسحاق بن يسار (^٢) ﵀ حيث قال: منه آيات محكمات فهنَّ حجّة الربّ، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لهنَّ تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه، قال: والمتشابهات في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهنَّ العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل ويحرفن عن الحق (^٣).
ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دامغ لهم وحجة عليهم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: الإضلال لأتباعهم إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وتركوا الاحتجاج بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ٥٩] وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله وعبد ورسول من رسل الله.
وقوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: تحريفه على ما يريدون، وقال مقاتل بن حيان والسدي: يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن (^٤).
وقد قال أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مُليكة، عن عائشة ﵂ قالت: قرأ رسول الله ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ فقال: "فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم" هكذا وقع هذا الحديث في مسند الإمام أحمد من رواية ابن أبي مُليكة، عن عائشة ﵂ ليس بينهما أحد (^٥)، وهكذا رواه ابن ماجه من طريق إسماعيل بن علية وعبد الوهاب الثقفي كلاهما عن أيوب، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُليكة عنها (^٦)، ورواه محمد بن يحيى العدني في مسنده عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب به، وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب (^٧)، وكذا رواه غير واحد عن أيوب، وقد (^٨) رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أيوب به (^٩)، ورواه أبو بكر بن المنذر في تفسيره من طريقين عن النعمان بن محمد بن الفضل السدوسي ولقبه:
_________________
(١) قوله: "ثم حال"، كذا في الأصل و(ح) و(حم) وفي (عف): "وحال".
(٢) في الأصل: "بشار" وهو تصحيف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن إسحاق مختصرًا.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن السدي وبسند حسن عن مقاتل بن حيان.
(٥) أخرجه الإمام أحمد سنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٨، ٢٥٦) وهو حديث متفق عليه كما سيأتي.
(٦) السنن، المقدمة، باب اجتناب البدع والجدل (ح ٤٧).
(٧) تفسير عبد الرزاق ١/ ١١٦.
(٨) في الأصل: "كذا رواه" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم).
(٩) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ١/ ٢٧٧ (ح ٧٦).
[ ٢ / ٣١٢ ]
عارِم: حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، [عن ابن أبي مليكة، عن عائشة به (^١). وتابع أيوب] (^٢) أبو عامر الخراز وغيره عن ابن أبي مليكة. فرواه الترمذي عن بندار، عن أبي داود الطيالسي، عن أبي عامر الخراز فذكره (^٣)، وهكذا رواه سعيد بن منصور في سننه عن حماد بن يحيى الأبح (^٤)، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة (^٥). ورواه ابن جرير من حديث روح بن القاسم ونافع بن عُمر (^٦) الجمحي، كلاهما عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة به. وقال نافع في روايته عن ابن أبي مليكة: حدثتني عائشة فذكره (^٧). وقد روى هذا الحديث البخاري عند تفسير هذه الآية، ومسلم في كتاب القدر من صحيحه، وأبو داود في السنة من سننه، ثلاثتهم عن القعنبي، عن يزيد بن إبراهيم التستري، عن ابن أبي مُليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قالت: قال رسول الله ﷺ: "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" لفظ البخاري (^٨). وكذا رواه الترمذي أيضًا، عن بُندار عن أبي داود الطيالسي، عن يزيد بن إبراهيم به وقال: حسن صحيح، وذكر أن يزيد بن إبراهيم التستري تفرد بذكر القاسم في هذا الإسناد. وقد رواه غير واحد عن ابن أبي مُليكة، عن عائشة، ولم يذكر القاسم، كذا قال (^٩). وقد رواه ابن أبي حاتم فقال: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا يزيد بن إبراهيم التستري وحماد بن سلمة، عن ابن أبي مُليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂، قالت: سئل رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ فقال رسول الله ﷺ: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذي سمى الله فاحذروهم" (^١٠).
وقال ابن جرير: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: نزع رسول الله ﷺ بهذه الآية: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾، فقال رسول الله ﷺ: "قد حذركم الله فإذا رأيتموهم فاعرفوهم" (^١١). ورواه ابن مردويه من طريق أخرى عن القاسم عن عائشة به.
_________________
(١) في تفسير ابن المنذر المطبوع من طريق نافع عن ابن أبي مليكة عن عائشة (تفسير القرآن ص ١٣١ رقم ٢٥٦).
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٣) سنن الترمذي، التفسير، سورة آل عمران (ح ٢٩٩٧).
(٤) في الأصل: "الأشج" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٥) سنن سعيد بن منصور (ح ٤٩٢).
(٦) في الأصل: "عمرو"، والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه.
(٨) صحيح البخاري، تفسير سورة آل عمران، باب ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] (ح ٤٥٤٧)، وصحيح مسلم، في كتاب العلم (وليس في كتاب القدر، باب النهي عن اتباع متشابه القرآن ح ٢٦٦٥)، وسنن أبي داود، السنة، باب مجانبة أهل الأهواء (ح ٤٥٩٨).
(٩) أخرجه بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، التفسير، باب ومن سورة آل عمران ح ٢٩٩٣، ٢٩٩٤).
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(١١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
[ ٢ / ٣١٣ ]
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد، عن أبي غالب، قال: سمعت أبا أُمامة يحدث عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال: "هم الخوارج" (^١).
وفي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] قال: "هم الخوارج" وقد رواه ابن مردويه من غير وجه، عن أبي غالب، عن أبي أُمامة مرفوعًا فذكره، وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفًا من كلام الصحابي، ومعناه صحيح، فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي ﷺ غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجؤوه بهذه المقالة، فقال قائلهم، وهو ذو الخويصرة - بقر الله خاصرته -: اعدل فإنك لم تعدل، فقال له رسول الله ﷺ: "لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، أيأمنني (^٢) على أهل الأرض ولا تأمنوني". فلما قفا (^٣) الرجل استأذن عمر بن الخطاب، وفي رواية: خالد بن الوليد، رسول الله في قتله، فقال: "دعه فإنه يخرج من ضئضئ (^٤) هذا - أي: من جنسه - قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قرائتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قلتهم أجرًا لمن قتلهم" (^٥).
ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب ﵁ وقتلهم بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب، وقبائل وآراء، وأهواء، ومقالات، ويحل كثيرة منتشرة، ثم نبعت القدرية، ثم المعتزلة، ثم الجهمية، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق ﷺ في قوله: "وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة" قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: "من كان على أنا عليه وأصحابي"، أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة (^٦).
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو موسى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن، عن جُندب بن عبد الله، أنه بلغه عن حذيفة، أو سمعه منه، يحدث عن رسول الله ﷺ أنه ذكر "إن في أمتي قومًا يقرؤون القرآن، ينثرونه نثر الدقل (^٧) يتأولونه على غير تأويله" (^٨). لم يخرجوه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ اختلف القراء في الوقف ههنا، فقيل: على الجلالة، كما تقدم عن ابن عباس ﵁ أنه قال: التفسير على أربعة أنحاء: فتفسير لا يعذر أحد في فهمه،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢٦٢)، وحكم عليه الحافظ ابن كثير.
(٢) في الأصل: "يأمنني" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٣) في الأصل: "مضى" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٤) في الأصل: "صيصي" وهو تصحيف والتصويب كسابقه.
(٥) أخرجه البخاري (الصحيح، المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام ح ٢٦١٠)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب ذكر الخوارج (ح ١٠٦٣).
(٦) أخرجه الحاكم وسكت عنه هو والذهبي (المستدرك ١/ ١٢٨ - ١٢٩)، وفي سنده: عبد الرحمن بن زياد وهو الإفريقي وهو ضعيف كما في التقريب.
(٧) لفظ: "الدقل" تصحف في الأصل "إلى: له بل" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).
(٨) في سنده عمرو بن عاصم وهو القيسي البصري وهو صدوق في حفظه شيء (التقريب ص ٤٢٣).
[ ٢ / ٣١٤ ]
وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله (^١).
ويُروى هذا القول عن عائشة وعروة وأبي الشعثاء وأبي نَهيك وغيرهم (^٢).
وقد قال الحافظ أبو القاسم في المعجم الكبير: حدثنا هاشم بن مزيد، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال: أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذ المؤمن يبتغي تأويله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ …﴾ الآية، وأن يزداد علمهم فيضيعوه ولا يبالون عليه" (^٣) غريب جدًّا.
وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا ابن أبي حازم، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ابن العاص، عن رسول الله ﷺ، قال: "إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به" (^٤).
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: كان ابن عباس يقرأ (^٥): (وما يعلم تأويله إلا الله، ويقول الراسخون آمنا به) (^٦).
وكذا رواه ابن جرير عن عمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس أنهم يؤمنون به ولا يعلمون تأويله (^٧).
وحكى ابن جرير أن في قراءة عبد الله بن مسعود: (إن تأويله إلا عند الله، والراسخون في العلم يقولون: آمنا به)، وكذا عن أُبي بن كعب (^٨)، واختار ابن جرير هذا القول.
ومنهم من يقف على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، وتبعهم كثير من المفسرين (^٩) وأهل الأصول،
_________________
(١) أخرجه ابن المنذر بسند ضعيف من طريق محمد بن السائب الكلبي عن ابن عباس (التفسير ص ١٣١ رقم ٢٥٥)، وأخرجه الطبري من طريق أبي الزناد عن ابن عباس، وأبو الزناد لم يسمع عن ابن عباس لأنه مات سنة ١٣٠ وهو ابن ٦٦ سنة (ينظر: تهذيب التهذيب ٥/ ٢٠٤).
(٢) يقصد بهذا القول: الوقف على لفظ الجلالة، وقد أخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن أبي الشعثاء وأبي نهيك في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] قالا: إنكم تصلون هذه الآية وهي مقطوعة … وأخرجه بنحوه بسند حسن عن عروة، وبسند صحيح عن عائشة بنحوه.
(٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ٣/ ٣٣٢ ح ٣٤٤٢) وفي سنده محمد بن إسماعيل بن عياش: عابوا عليه أنه حدث عن أبيه بغير سماع. (التقريب ص ٤٦٨).
(٤) أخرجه الإمام أحمد من طريق عمرو بن شعيب به (المسند ح ٦٧٤١)، وصححه محققه أحمد شاكر، وأخرجه ابن سعد من طريق عبد العزيز بن أبي حازم به (الطبقات الكبرى ٤/ ١٩٢)، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/ ٢٨.
(٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) وفي الأصل: "يقول"
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه في تفسيره وسنده حسن.
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح عن عمر بن عبد العزيز، وبسند صحيح عن مالك.
(٨) ذكره الطبري وأبو داود في المصاحف ص ٥٩ وابن عطية في المحرر الوجيز ٢/ ٣٤٢.
(٩) في الأصل: "المقربين" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).
[ ٢ / ٣١٥ ]
وقالوا: الخطاب بما لا يفهم بعيد، وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله (^١).
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله ويقولون: آمنا به (^٢). وكذا قال الربيع بن أنس (^٣).
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ الذي أراد ما أراد ﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، ثم ردّوا تأويل المتشابهات على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتّسق بقولهم الكتاب وصدق بعضه بعضًا، فنفذت الحجة، وظهر به العذر، وزاح به الباطل، ودفع (^٤) به الكفر (^٥).
وفي الحديث أن رسول الله ﷺ دعا لابن عباس، فقال: "اللَّهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" (^٦) ومن العلماء من فصل هذا المقام وقال: التأويل يطلق، ويراد به في القرآن معنيان: أحدهما: التأويل لمعنى حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أي: حقيقة ما أُخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة، لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية إلا الله ﷿، ويكون قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأ و﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ خبره، وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر، وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشيء كقوله: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف: ٣٦] أي: بتفسيره، فإن أُريد به هذا المعنى، فالوقف على ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علمًا بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى هذا يكون (^٧) قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ حالًا منهم، وساغ هذا، وأن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه، كقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا …﴾ الآية [الحشر: ٨ - ١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر] أي: وجاءت الملائكة صفوفًا صفوفًا.
وقوله إخبارًا عنهم أنهم: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ أي: المتشابه، ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ أي: الجميع من المحكم، والمتشابه حقّ وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له، لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد، لقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح عن ابن أبي نجيح به.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح عن ابن أبي نجيح به.
(٣) أخرجه الطبري بسند لم يذكر فيه اسم شيخه.
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) وفي الأصل: "ورفع"، وفي تفسير الطبري: "ودُفع" وكلها متقاربة.
(٥) أخرجه الطبري من طريق ابن حُميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، والرواية في سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٧.
(٦) أخرجه البخاري بلفظ: "اللَّهم علمه الكتاب"، (الصحيح، العلم، باب قول النبي ﷺ: "اللهم علمه الكتاب" ح ٧٥).
(٧) في الأصل: "فيكون".
[ ٢ / ٣١٦ ]
لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولوا العقول السليمة والفهوم المستقيمة] (^١).
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا فياض الرقي، حدثنا عبد الله بن يزيد وكان قد أدرك أصحاب النبي ﷺ أنسًا وأبا أُمامة وأبا الدرداء ﵃ قال: حدثنا أبو الدرداء أن رسول الله ﷺ، سئل عن الراسخين في العلم، فقال: "من برّت (^٢) يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن أعفَّ بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم" (^٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: سمع رسول الله ﷺ قومًا يتدارؤون، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما أنزل كتاب الله يصدق بعضه بعضًا، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه" (^٤). وتقدم رواية ابن مردويه لهذا الحديث من طريق هشام بن عمار، عن ابن أبي حازم، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب به.
وقد قال أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أنس بن عياض، عن أبي حازم، عن أبي سلمة، قال: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ، قال: "نزل القرآن على سبعة أحرف، والمِراء في القرآن كفر - قالها ثلاثًا (^٥) - ما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه ﷻ" وهذا إسناد صحيح، ولكن فيه عِلّة بسبب قول الراوي: "لا أعلمه إلا عن أبي هريرة".
وقال ابن المنذر في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني نافع بن يزيد، قال: يقال: الراسخون في العلم المتواضعون لله، المتذللون لله في مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم (^٦). ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: إنما يعقل ويفهم ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة.
ثم قال تعالى مخبرًا عنهم أنهم دعَوا ربهم قائلين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ أي: لا تَمِلها عن الهدي بعد إذ أقمتها عليه، ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يبتغون ما تشابه من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم، ودينك القويم، ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي: من عندك ﴿رَحْمَةً﴾ تثبت بها قلوبنا وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيمانًا وإيقانًا، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.
_________________
(١) ما بين معقوفين زيادة من (عف).
(٢) في الأصل: "من بر في يمينه" والتصويب من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه عبد الله بن يزيد، وهو ابن آدم الدمشقي يروي أحاديث موضوعة (ميزان الاعتدال ٢/ ٥٢٦).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦٧٤١)، وصححه محققه أحمد شاكر، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/ ٢٨.
(٥) كذا في مسند أبي يعلى وفي النُسخ جميعها بدون: "قالها" (مسند أبي يعلى ١٠/ ٤١٠ ح ٦٠١٦)، فقد أخرجه بسنده ومتنه.
(٦) لم أجده في تفسير ابن المنذر المطبوع ولعله من رواية أخرى لتفسير ابن المنذر، وسنده صحيح.
[ ٢ / ٣١٧ ]
قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، قالا جميعًا: حدثنا وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أُم سلمة، أن النبي ﷺ كان يقول "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" ثم قرأ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ (^١). ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن [بكار، عن] (^٢) عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أُم سلمة، وهي أسماء بنت يزيد بن السكن، سمعها تحدث: إن رسول الله ﷺ، كان يكثر من دعائه "اللَّهم مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك" قالت: قلت: يا رسول الله، وإن القلب ليتقلب؟ قال: "نعم، ما خلق الله من بني آدم من بشر إلا قلبه بين أصبعين من أصابع الله ﷿، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه" (^٣). فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب - وهكذا رواه ابن جرير من حديث أسد بن موسى، عن عبد الحميد بن بهرام به مثله، رواه أيضًا عن المثنى، عن الحجاج بن منهال، عن عبد الحميد بن بهرام به مثله، وزاد قالت: قلت: يا رسول الله، ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: "بلى، قولي: اللَّهم ربَّ النبي محمد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن" (^٤).
ثم قال ابن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن هارون بن بكار الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد الخلال، أخبرنا يزيد بن يحيى بن عبيد الله، أخبرنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يدعو "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء، فقال: "ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه، أما تسمعين قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ " (^٥) غريب من هذا الوجه، ولكن أصله ثابت في الصحيحين وغيرهما من طرق كثيرة بدون زيادة ذكر هذه الآية الكريمة (^٦).
وقد روى أبو داود والنسائي وابن مردويه من حديث أبي عبد الرحمن المقري، زاد النسائي وابن حبان وعبد الله بن وهب كلاهما عن سعيد بن أبي أيوب: حدثني عبد الله بن الوليد التجيبي عن سعيد بن المسيب، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ، كان إذا استقيظ من الليل قال: "لا إله
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن بالشواهد وقد حسنه الترمذي (السنن، الدعوات ح ٣٥٢٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٧٩٢)، وأخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بنحوه (الصحيح، القدر، باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء ح ٢٦٥٤)، وينظر تفصيل تخريجه في: تحقيقي لتفسير ابن أبي حاتم، سورة آل عمران رقم ١٤٥.
(٢) ما بين معكوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(ح).
(٣) الشق الأول من الحديث ثابت كما تقدم، والشق الثاني حكمَ عليه الحافظ في الحديث الثاني لابن مردويه بأنه غريب من هذا الوجه.
(٤) ذكرهما الطبري بالإسنادين واللفظين وحكم المتن كسابقه.
(٥) في سنده: سعيد بن بشير: وهو ضعيف كما في التقريب، ولشقه الأول شاهد تقدم من رواية ابن أبي حاتم والترمذي ومسلم.
(٦) تقدم في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
[ ٢ / ٣١٨ ]
إلا أنت، سبحانك، اللَّهم إني أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمة، اللَّهم زدني علمًا ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب" لفظ ابن مردويه (^١).
وقال عبد الرزاق، عن مالك، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن عبادة بن نسي أنه أخبره، أنه سمع قيس بن الحارث يقول: أخبرني أبو عبد الله (^٢) الصنابحي أنه صلى وراء أبي بكر الصديق ﵁ المغرب، فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأُم القرآن وسورتين من قصار المفصل، وقرأ في الركعة الثالثة، قال: فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه، فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ (^٣).
قال أبو عبيد: وأخبرني عبادة بن نسي أنه كان عند عمر بن عبد العزيز في خلافته، فقال عمر لقيس: كيف أخبرتني عن أبي عبد الله الصنابحي؟ فأخبره بما سمع أبا عبد الله ثانيًا. قال عمر: فما تركناها منذ سمعناها منه وإن كنت قبل ذلك لعلى غير ذلك، فقال له رجل: على أي شيء كان أمير المؤمنين قبل ذلك؟ قال: كنت أقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص].
وقد روى هذا الأثر الوليد بن مسلم عن مالك والأوزاعي، كلاهما عن أبي عبيد به، وروى هذا الأثر الوليد أيضًا عن ابن جابر، عن يحيى بن يحيى الغساني، عن محمود بن لبيد، عن الصنابحي، أنه صلى خلف أبي بكر المغرب، فقرأ في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة يجهر بالقراءة، فلما قام إلى الثالثة، ابتدأ القراءة، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتمس ثيابه، فقرأ هذه الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾
وقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (^٤).
أي: يقولون في دعائهم: إنك يا ربنا ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلًا بعمله وما كان عليه في الدنيا من خير وشر.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)﴾.
يخبر تعالى عن الكفار بأنهم وقود النار ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر] وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند الله، ولا بمنجيهم من عذابه وأليم عقابه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)﴾ [التوبة] وقال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا
_________________
(١) سنن أبي داود، الأدب، باب ما يقال عند النوم (ح ٥٠٦١)، وعمل اليوم والليلة للنسائي (ح ٨٦٥)، والإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان ١٢/ ٣٤١ (ح ٥٥٣١)، وضعفه الألباني بسبب عبد الله بن الوليد التجيبي وهو لين الحديث كما في التقريب (ضعيف سنن أبي داود ح ١٠٧٤).
(٢) في الأصل: "أبو عبيد الله" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف ٢/ ١٠٩ - ١١٠ ح ٢٦٩٨)، وسنده صحيح.
(٤) أخرجه عبد الرزاق من طريق رجاء بن حيوة عن محمود بن ربيع عن الصنابحي به، (المصنف ٢/ ١١٠ ح ٢٦٩٩)، وسنده صحيح ومحمود بن الربيع، ومحمود بن لبيد المذكوران في تفسير ابن كثير كلاهما من صغار الصحابة.
[ ٢ / ٣١٩ ]
فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾ [آل عمران]، وقال ههنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بآيات الله، وكذبوا رسله، وخالفوا كتابه، ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه (^١) ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ أي حطبها الذي تسجر به، وتوقد به، كقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا ابن لهيعة، أخبرني ابن الهاد، عن هند بنت الحارث (^٢)، عن أُم الفضل أُم عبد الله بن عباس، قالت: بينما نحن بمكة، قام رسول الله ﷺ من الليل فنادى: "هل بلغت اللَّهم، هل بلغت"؟ ثلاثًا، فقام عمر بن الخطاب ﵁ قال: نعم، ثم أصبح فقال رسول الله ﷺ: "ليظهرن الإسلام حتى يرد الكفر إلى مواطنه، ولتَخُوضُنّ البحارَ بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون القرآن ويقرؤونه، ثم يقولون: قد قرأنا وعلمنا، فمن هذا الذي هو خير منا، فهل في أولئك من خير؟ " قالوا: يا رسول الله، فمن أولئك؟ قال: "أولئك منكم، وأولئك هم وقود النار" (^٣).
وكذا رأيته بهذا اللفظ وقد رواه ابن مردويه من حديث يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن هند بنت الحارث امرأة عبد الله بن شداد، عن أُم الفضل، أن رسول الله ﷺ قام ليلة بمكة، فقال: "هل بلغت"؟ يقولها ثلاثًا، فقام عمر بن الخطاب وكان أواهًا، فقال: اللَّهم نعم، وحرصت، وجهدت، ونصحت، فاصبر، فقال النبي ﷺ: "ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه، وليخوضن رجال البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يقرؤون القرآن، فيقرؤونه ويعلمونه، فيقولون: قد قرأنا وقد علمنا فمن هذا الذي هو خير منا؟ فما في أولئك من خير" قالوا: يا رسول الله، فمن أولئك؟ قال: "أولئك منكم، وأولئك هم وقود النار" (^٤)، ثم رواه من طريق موسى بن عبيدة (^٥)، عن محمد بن إبراهيم، عن بنت الهاد، عن العباس بن عبد المطلب بنحوه (^٦).
وقوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: كصنيع آل فرعون (^٧)، وكذا روي عن عكرمة ومجاهد وأبي مالك والضحاك وغير واحد (^٨)، ومنهم من يقول: كسنة آل فرعون (^٩)،
_________________
(١) في الأصل: "رسله" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم).
(٢) في الأصل: "حزن" وهو تصحيف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن، ولبعضه شاهد في الصحيحين، (صحيح البخاري، الجهاد، باب ركوب البحرح ٢٨٩٤، ٢٨٩٥، وصحيح مسلم الإمارة، باب فضل الغزو (ح ١٦٠، ١٦١).
(٤) حسنه المنذري (الترغيب ١/ ١٣٠)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب (ح ١٣٠ - ١٣٢).
(٥) في الأصل: "موسى بن عبيد" والتصويب من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.
(٦) في سنده: موسى بن عبيدة الربذي: ضعيف، وقد توبع كما سبق في رواية ابن أبي حاتم.
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك به، وسنده ضعيف لأن بشر بن عمارة ضعيف، والضحاك لم يلق ابن عباس، ويشهد له أقوال التابعين من تلاميذ ابن عباس كما سيأتي.
(٨) قول عكرمة ومجاهد أخرجه الطبري بسند فيه سنيد: وهو ضعيف، وقول الضحاك أخرجه ابن المنذر، في حاشية النسخة الخطية من تفسير ابن أبي حاتم، بسند قوي من طريق سلمة بن نبيط عنه، وقول الربيع أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.
(٩) هو قول الربيع كما تقدم تخريجه.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
وكفعل آل فرعون، وكشبه آل فرعون، والألفاظ متقاربة، والدأب بالتسكين والتحريك كنهر ونهر، هو الصنيع والحال والشأن والأمر والعادة، كما يقال: لا يزال هذا دأبي ودأبك، وقال امرؤ القيس:
وقوفًا بها صحبي عليّ مطيهم … يقولون لا تأسف أسى وتجمل
كدأبك من أُم الحويرث قبلها … وجارتها أُم الرباب بمأسل (^١)
والمعنى كعادتك في أُم الحويرث حين (^٢) أهلكت نفسك في حبها وبكيت دارها ورسمها، والمعنى في الآية أن الكافرين لا تغني عنهم الأموال ولا الأولاد، بل يهلكون ويعذبون كما جرى لآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين للرسل فيما جاؤوا به من آيات الله وحججه، ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)﴾ أي: شديد الأخذ أليم العذاب لا يمتنع منه أحد ولا يفوته شيء، بل هو الفعال لما يريد الذي قد غلب كل شيء وذَلّ له كل شيء، لا إله غيره ولا رب سواه.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)﴾.
يقول تعالى: قل يا محمد للكافرين: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ أي: في الدنيا، ﴿وَتُحْشَرُونَ﴾ أي: يوم القيامة ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار عن عاصم بن عمر بن قتادة، أن رسول الله ﷺ لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال: "يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشًا". فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناسي، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله في ذلك قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)﴾ إلى قوله: ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (^٣)، وقد رواه محمد بن إسحاق أيضًا، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس … فذكره (^٤)، ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ أي: قد كان لكم أيها اليهود القائلون ما قلتم ﴿آيَةٌ﴾ أي: دلالة على أن الله معز دينه، وناصر رسوله، ومظهر كلمته، ومعلِ أمره ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ أي: طائفتين ﴿الْتَقَتَا﴾ أي: للقتال ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهم المسلمون، ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ وهم مشركو قريش يوم بدر، وقوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ قال بعض العلماء فيما حكاه ابن جرير: يرى المشركون يوم بدر أن المسلمين مثليهم في
_________________
(١) ديوان امرئ القيس ص ٩.
(٢) في الأصل: "حتى" وهو تصحيف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق، وسنده حسن إلى قتادة لكنه مرسل، وقد وصله أبو داود كما سيأتي في الرواية التالية.
(٤) أخرجه أبو داود والطبري بسند حسن من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق به (السنن، الخراج، باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة ٣/ ١٥٤).
[ ٢ / ٣٢١ ]
العدد رأي أعينهم (^١)، أي جعل الله ذلك فيما رأوه سببًا لنصرة الإسلام عليهم، وهذا لا إشكال عليه إلا من جهة واحدة، وهي أن المشركين بعثوا عمير بن سعد يومئذٍ قبل القتال يَحْزِر لهم المسلمين، فأخبرهم بأنهم ثلاثمائة يزيدون قليلًا أو ينقصون، وهكذا كان الأمر. كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا (^٢)، ثم لما وقع القتال أمدَّهم الله بألف من خواص الملائكة وساداتهم.
(والقول الثاني): أن المعنى في قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ أي: ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة مثليهم؛ أي: ضعفيهم في العدد، ومع هذا نصرهم الله عليهم، وهذا لا إشكال فيه على ما رواه العوفي عن ابن عباس: أن المؤمنين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، والمشركين كانوا ستمائة وستة وعشرين رجلًا (^٣). وكأن هذا القول مأخوذ من ظاهر هذه الآية، ولكنه خلاف المشهور عند أهل التواريخ والسير وأيام الناس، وخلاف المعروف عند الجمهور من أن المشركين كانوا ما بين تسعمائة إلى ألف، كما رواه محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، أن رسول الله ﷺ، لما سأل ذلك العبد الأسود لبني الحجاج عن عدة قريش قال: كثير، قال: "كم ينحرون كل يوم"؟ قال: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، فقال النبي ﷺ: "القوم ما بين التسعمائة إلى الألف" (^٤). وروى أبو إسحاق السبيعي، عن حارثة، عن علي ﵁، قال: كانوا ألفًا (^٥)، وكذا قال ابن مسعود (^٦). والمشهور أنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف، وعلى [كل] (^٧) تقدير كانوا ثلاثة أمثال المسلمين، وعلى هذا فيشكل هذا القول، والله أعلم، لكن وجه ابن جرير هذا وجعله صحيحًا كما تقول: عندي ألف، وأنا محتاج إلى مثليها، وتكون محتاجًا إلى ثلاثة آلاف، كذا قال (^٨). وعلى هذا فلا إشكال، لكن بقي سؤال آخر وهو وارد على القولين، وهو أن يقال: ما الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في قصة بدر ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤]؟
فالجواب: أن هذا كان في حالة والآخر كان في حالة أخرى، كما قال السدي عن مُرّة الطيب، عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ قال: هذا يوم بدر، قال عبد الله بن
_________________
(١) التفسير ٥/ ٢٤٥.
(٢) هذا العدد ورد في صحيح البخاري، المغازي، باب عدة أصحاب بدر (ح ٣٩٥٧).
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي به.
(٤) سيرة ابن هشام ١/ ٦١٦، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وسنده مرسل وتشهد له رواية علي بن أبي طالب التالية.
(٥) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٢/ ٢٥٩ ح ٩٤٨)، وابن أبي شيبة (المصنف ١٤/ ٣٦٢)، كلاهما من طريق إسرائيل عن جده أبي إسحاق السبيعي به، وصحَّ إسناده محققو المسند.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود (المصنف ١٤/ ٣٧٤)، واختلف في سماع أبي عبيدة من أبيه ابن مسعود، ورجَّح الحافظ أنه لم يسمع منه كما في التقريب، وتشهد له رواية علي السابقة.
(٧) في الأصل سقط لفظ: "كل" واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).
(٨) التفسير ٥/ ٢٥٠.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
مسعود: وقد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلًا، واحدًا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ الآية [الأنفال: ٤٤] (^١)، وقال أبو إسحاق عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، قال: فأسرنا رجلًا منهم، فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا (^٢)، فعندما عاين كل من الفريقين الآخر، رأى المسلمون المشركين مثليهم، أي أكثر منهم بالضعف ليتوكلوا ويتوجهوا ويطلبوا الإعانة من ربهم ﷿، ورأى المشركون المؤمنين كذلك ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع، ثم لما حصل المصاف والتقى الفريقان، قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، ليقدم كل منهما على الآخر ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليفرق بين الحق والباطل، فيظهر كلمة الإيمان على الكفر والطغيان، ويعز المؤمنين وبذل الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، وقال ههنا: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أي: إن في ذلك لمعتبر (^٣) لمن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكمة الله وأفعاله وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾.
يخبر تعالى عمَّا زُين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين، فبدأ بالنساء، لأن الفتنة بهنَّ أشد، كما ثبت في صحيح أنه ﷺ، قال: "ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء" (^٤)، فأما إذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد، فهذا مطلوب مرغوب فيه، مندوب إليه، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه، "وإن خير هذه الأمة من كان أكثرها نساء" (^٥)، وقوله ﷺ: "الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة (^٦)، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله" (^٦) وقوله في الحديث الآخر: "حُبِّب إليَّ النساء والطيب، وجُعلت قرَّة عيني في الصلاة" (^٧).
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إسباط عن السدي به، وأخرجه ابن أبي حاتم بدون ذكر مرة الطيب.
(٢) تقدم الكلام عن ترجيح الحافظ ابن حجر عدم سماع أبي عبيدة من أبيه ابن مسعود، وتشهد له رواية علي السابقة.
(٣) في الأصل: "لعبر" وكلاهما صحيح.
(٤) أخرجه مسلم من حديث أسامة بن زيد مرفوعًا (الذكر والدعاء، باب أكثر أهل الجنة الفقراء ح ٢٧٤٠).
(٥) أخرجه البخاري من حديث ابن عباس موقوفًا (الصحيح، النكاح، باب كثرة النساء ح ٥٠٦٩).
(٦) أخرج هذا الشطر مسلم في صحيحه، الرضاع، باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة (ح ١٤٦٧).
(٧) أخرجه الإمام أحمد من حديث أنس (المسند ٣/ ٢٨٥)، وسنده حسن وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٦٠).
[ ٢ / ٣٢٣ ]
وقالت عائشة ﵂: لم يكن شيء أحبّ إلى رسول الله ﷺ من النساء إلا الخيل (^١)، وفي رواية: "من الخيل إلا النساء"، وحبّ البنين تارة يكون للتفاخر والزينة، فهو داخل في هذا، وتارة يكون لتكثير النسل وتكثير أُمة محمد ﷺ ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح كما ثبت في الحديث: "تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأُمم يوم القيامة" (^٢)، وحب المال كذلك تارة يكون للفخر والخيلاء والتكبر على الضعفاء والتجبر على الفقراء، فهذا مذموم، وتارة يكون للنفقة في القربات وصلة الأرحام والقرابات ووجوه البر والطاعات، فهذا ممدوح محمود شرعًا.
وقد اختلف المفسرون في مقدار القنطار على أقوال، وحاصلها أنه المال الجزيل كما قاله الضحاك وغيره (^٣).
وقيل: ألف دينار (^٤)، وقيل: ألف ومائتا دينار (^٥) وقيل: اثنا عشر ألفًا (^٦)، وقيل: أربعون ألفًا (^٧)، وقيل: ستون ألفًا (^٨)، وقيل: سبعون ألفا (^٩)، وقيل: ثمانون ألفًا (^١٠)، وقيل غير ذلك، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "القنطار اثنا عشر ألف أوقية، كل أوقية خير مما بين السماء إلى الأرض"، وقد رواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حماد بن سلمة به (^١١)، وقد رواه ابن جرير عن بُندار، عن ابن مهدي، عن حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موقوفًا (^١٢) وهذا أصحّ، وهكذا رواه ابن جرير عن معاذ بن جبل وابن عمر (^١٣)، وحكاه ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة وأبي الدرداء، أنهم
_________________
(١) أخرجه النسائي من حديث أنس (السنن الكبرى، كتاب الخيل، باب حب الخيل ٤/ ٣١٣ ح ٤٣٨٩)، وفي سنده إبراهيم بن طهمان: ثقة يغرب (التقريب ص ٩٠).
(٢) أخرجه أبو داود من حديث معقل بن يسار (السنن، النكاح، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء ح ٢٠٥٠)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٦٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٨٠٥).
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك وفيه شيخ الطبري مبهم، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك بلفظ: "ألف دينار"، ومنهم يقول: "اثنا عشر ألفًا".
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق يزيد الرقاشي عن أنس.
(٥) سيأتي عن أبي هريرة وأبي الدرداء وأبي بن كعب.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح عن الحسن البصري.
(٧) لم أجد من أخرجه.
(٨) لم أجد من أخرجه.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن ابن عمر، وأخرجه الطبري بسند صحيح عن مجاهد.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن سعيد بن المسيب.
(١١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٨٧٤٣)، وسكت عنه أحمد شاكر وأخرجه ابن ماجه من طريق عبد الصمد به (السنن، الأدب، باب بر الوالدين ح ٣٦٦٠)، وصحح إسناده البوصيري (مصباح الزجاجة ٣/ ١٥٩)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه (ح ٢٩٥٣).
(١٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(١٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح عن معاذ، وقول ابن عمر أخرجه الطبري من طريق أبي طيبة عنه. وأبو طيبة هو عبد الله بن مسلم السلمي وهو صدق يهم (التقريب ص ٣٢٣)، وهذا القول رجحه ابن عطية في المحرر ٣/ ٣٤، وأبو حيان في البحر ٢/ ٢٩٧ والثعالبي في (الجواهر الحسان ١/ ٢٤٩)، وأرى أنه =
[ ٢ / ٣٢٤ ]
قالوا: القنطار ألف ومائتا أوقية (^١)، ثم قال ابن جرير ﵀: حدثنا زكريا بن يحيى الضرير، حدثنا شبابة، حدثنا مخلد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن زرِّ بن حبيش، عن أُبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: "القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية" (^٢). وهذا حديث منكر أيضًا، والأقرب أن يكون موقوفًا على أُبي بن كعب كغيره (^٣) من الصحابة، وقد روى ابن مردويه من طريق موسى بن عبيدة الربذي، عن محمد بن إبراهيم، عن يحَنّس أبي موسى، عن أُم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ مائة آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية إلى ألف، أصبح له قنطار من أجر عند الله، القنطار منه مثل الجبل العظيم" (^٤)، ورواه وكيع عن موسى بن عبيدة بمعناه (^٥)، وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عيسى بن زيد اللخمي بتَنّيس (^٦)، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا زهير بن محمد، حدثنا حميد الطويل ورجل آخر، عن أنس بن مالك، قال: سئل رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾؟ قال: "القنطار ألفا أوقية" صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، هكذا رواه الحاكم (^٧)، وقد رواه ابن أبي حاتم بلفظ آخر فقال: أنبأنا أحمد بن عبد الرحمن الرقي، أنبأنا عمرو بن أبي سلمة، أنبأنا زهير - يعني ابن محمد -، أنبأنا حميد الطويل، ورجل آخر قد سماه - يعني يزيد الرقاشي -، عن أنس، عن رسول الله ﷺ، في قوله: "قنطار يعني ألف دينار" (^٨) وهكذا رواه ابن مردويه عن الطبراني، عن عبد الله بن محمد بن أبي مريم، عن عمرو بن أبي سلمة … فذكر بإسناده مثله سواء (^٩)، وروى ابن جرير عن الحسن البصري: عنه مرسلًا وموقوفًا عليه: القنطار ألف ومائتا دينار، وهو رواية العوفي عن ابن عباس (^١٠)، وقال الضحاك: من العرب من يقول: القنطار ألف دينار، ومنهم من يقول: اثنا عشر ألفًا (^١١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عارم، عن حماد، عن سعيد الجَريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: القنطار ملء مسك الثور ذهبًا.
قال أبو محمد: ورواه محمد بن موسى الحرشي، عن حماد بن زيد مرفوعًا، والموقوف أصحّ (^١٢).
_________________
(١) = يختلف بحسب البلدان والأوزان فيها، والله أعلم.
(٢) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، كما في التقريب.
(٤) لفظ: "كغيره" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده بلفظ مثل: "التل العظيم"، هو مرسل وموسى بن عبيدة الزبدي وهو ضعيف.
(٦) وفيه أيضًا موسى بن عبيدة.
(٧) قوله: "بتنيس" زيادة من (عف) و(ح) و(حم).
(٨) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه ووفقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٧٨)، ووقفه أصح فلو ثبت عن النبي ﷺ ذلك لما اختلف فيه الصحابة والتابعين.
(٩) تقدم تخريجه وتضعيفه بسبب الرقاشي.
(١٠) تقدم تصحيح الحاكم والذهبي والتعليق على ذلك.
(١١) تقدم أنه صح عن الحسن، أما طريق العوفي عن ابن عباس أخرجه الطبري وسنده ضعيف.
(١٢) تقدم في الرأي الأول.
(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وتعليقه، فإن أبا محمد هو ابن أبي حاتم نفسه، وسنده صحيح.
[ ٢ / ٣٢٥ ]
(وحبّ الخيل على ثلاثة أقسام): تارة يكون ربطها أصحابها معدة لسبيل الله متى احتاجوا إليها غزوا عليها، فهؤلاء يثابون، وتارة تربط فخرًا ونواء لأهل الإسلام، فهذه على صاحبها وزر وتارة للتعفف واقتناء نسلها، ولم ينس حق الله في رقابها فهذه لصاحبها ستر كما سيأتي الحديث بذلك - إن شاء الله تعالى - عند قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الآية [الأنفال: ٦٠]، وأما المسومة، فعن ابن عباس ﵄: المسوَّمة: الراعية، والمطهمة: الحسان (^١)، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبزى والسدي والربيع بن أنس وأبي سنان وغيرهم (^٢)، وقال مكحول: المسومة: الغرَّة والتحجيل (^٣)، وقيل غير ذلك.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حُديج، عن أبي ذرّ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر يدعو بدعوتين يقول: اللَّهم إنك خولتني من خولتني من بين آدم، فاجعلني من أحمت ماله وأهله إليه، أو أحبّ أهله وماله إليه" (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ يعني: الإبل والبقر والغنم، ﴿وَالْحَرْثِ﴾ يعني: الأرض المتخذة للغراس والزراعة.
وقال الإمام أحمد: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو نعامة العدوي (^٥)، عن مسلم بن بُديل، عن إياس بن زهير، عن سويد بن هبيرة، عن النبي ﷺ، قال: "خير مال امرئ له مهرة مأمورة أو سكة مأبورة" (^٦) المأمورة: الكثيرة النسل، والسكة: النخل المصطف، والمأبورة: الملقحة.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: إنما هذا زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ أي: حسن المرجع والثواب.
وقد قال ابن جرير: حدثنا ابن حُميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد. قال: قال عمر بن الخطاب ﵁ لما نزلت ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ قلت: الآن يا ربِّ حين زينتها لنا، فنزلت ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ …﴾ الآية (^٧)، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ أي: قل يا محمد
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق شريك بن عبد الله عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس، وسنده ضعيف بسبب شريك وخصيف وله شواهد تالية تقوية.
(٢) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق حبيب بن أبي ثابت بلفظ: "الراعية"، وقول مجاهد: أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: "المطهمة" حسنًا.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق شيخ مجهول عن مكحول.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٥/ ٣٩٢ ح ٢١٤٩)، وصححه محققوه موقوفًا، وأخرجه الحاكم من طريق يحيى بن سعيد به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٤٤).
(٥) في الأصل: "البدوي" وهو تصحيف.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٥/ ١٧٣ ح ١٥٨٤٥)، وهو مرسل لأن سويد بن هبيرة تابعي ليست له صحبة (ينظر: الجرح والتعديل ٤/ ٢٣٣).
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي ضعيف، وأبو بكر حفص بن عمر بن سعد لم يدرك عمر، وسنده ضعيف.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
للناس: أؤخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها الذي هو زائل لا محالة، ثم أخبر عن ذلك، فقال: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: تتخرق (^١) بين جوانبها وأرجائها الأنهار من أنواع الأشربة من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا لا يبغون عنها حولًا.
﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي: من الدنس والخبث والأذى والحيض والنفاس وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: يحلّ عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم بعده أبدًا، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [٧٢]، أي: أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم، ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء.
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾.
يصف ﵎ عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ أي: بك وبكتابك وبرسولك، ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ أي: بإيماننا بك وبما شرعته لنا، فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا في أمرنا بفضلك ورحمتك، ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
ثم قال تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ أي: في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات، ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ فيما أخبروا به من إيمانهم بما يلتزمونه (^٢) من الأعمال الشاقة، ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ والقنوت الطاعة والخضوع ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ أي: من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، وسد الخلات، ومواساة ذوي الحاجات ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ دَلّ على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار، وقد قيل: إن يعقوب ﵇، لما قال لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨] إنه أخرهم إلى وقت السحر.
وثبت في الصحيحين وغيرهما من المسانيد والسنن من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله ﷺ، قال: "ينزل الله ﵎ في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ … " الحديث (^٣).
وقد أفرد الحافظ أبو الحسن الدارقطني في ذلك جزءًا على حِدة، فرواه من طرق متعددة.
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: "مِن كلّ الليل قد أوتر رسول الله ﷺ من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحر" (^٤).
_________________
(١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) في الأصل: "تجري" وهو تصحيف.
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) وفي الأصل: "يلزمون" وهو تصحيف.
(٣) صحيح البخاري، التهجد، باب الدعاء والصلاة آخر الليل (ح ١١٤٥)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء (ح ٧٥٨).
(٤) صحيح البخاري، الوتر، باب ساعات الوتر (ح ٩٩٦)، وصحيح مسلم، صلاة المسافرين (ح ٧٤٥).
[ ٢ / ٣٢٧ ]
وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافع، هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح، رواه ابن أبي حاتم (^١).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن حريث بن أبي مطر، عن إبراهيم بن حاطب، عن أبيه، قال: سمعت رجلًا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: ربِّ، أمرتني فأطعتك، وهذا السحر فاغفر لي، فنظرت فإذا هو ابن مسعود ﵁ (^٢).
وروى ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: كنا نُؤمر إذا صلّينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة.
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾.
شهد تعالى وكفى به شهيدًا وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه وفقراء إليه، وهو الغني عما سواه، كما قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ [النساء] ثم قرن شهادة ملائكته وأولي العلم بشهادته، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ منصوب على الحال وهو في جميع الأحوال كذلك ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تأكيد لما سبق، ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العزيز الذي لا يرام جنابه عظمةً وكبرياءً، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني جبير بن عمرو (^٣) القرشي، حدثنا أبو سعيد الأنصاري، عن أبي يحيى مولى آل الزبير بن العوام، عن الزبير بن العوام، قال: سمعت النبي ﷺ وهو بعرفة يقرأ هذه الآية ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ وأنا على ذلك من الشاهدين يا ربّ (^٤).
وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر فقال: حدثنا علي بن حسين، حدثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، حدثنا عمر بن حفص بن ثابت أبو سعيد الأنصاري، حدثنا عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده، عن الزبير، قال: سمعت رسول الله ﷺ حين قرأ هذه الآية ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ قال: "وأنا أشهد أي ربّ" (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سليمان بن موسى عن نافع به.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده حريث بن أبي مطر: وهو ضعيف (التقريب ص ١٥٦).
(٣) في الأصل: "عبد" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ١٤٢١)، وضعفه أحمد شاكر.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده عمر بن حفص بن ثابت سكت عنه البخاري (التاريخ الكبير =
[ ٢ / ٣٢٨ ]
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا عبدان بن أحمد وعلي بن سعيد الرازي، قالا: حدثنا عمار بن عمر بن المختار، [حدثني أبي] (^١)، حدثني غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريبًا من الأعمش، فلما كانت ليلة أردت أن أنحدر قام فتهجد من الليل فمرَّ بهذه الآية ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ قالها مرارًا، قلت: لقد سمع فيها شيئًا فغدوت إليه فودعته ثم قلت: يا أبا محمد، إني سمعتك تردِّد هذه الآية، قال: أو ما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ شهر لم تحدثني. قال: والله لا أحدثك بها إلى سنة، فأقمت سنة، فكنت على بابه، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد، قد مضت السنة قال: حدثني أبو وائل عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: "يجاء بصاحبها يوم القيامة، فيقول الله ﷿: عبدي عهد إليّ وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنة" (^٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ إخبار منه تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين حتى ختموا بمحمد ﷺ الذي سدَّ جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد ﷺ، فمن لقي الله بعد بعثة محمد ﷺ بدين على غير شريعته فليس بمتقبل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران]، وقال في هذه الآية مخبرًا بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وذكر ابن جرير أن ابن عباس قرأ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، بكسر ﴿أَنَّهُ﴾ وفتح ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (^٣).
أي: شهد هو والملائكة (^٤) وأولوا العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام، والجمهور قرؤوها بالكسر على الخبر، وكلا المعنيين صحيح، ولكن هذا على قول الجمهور أظهر، والله أعلم.
ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول، إنما اختلفوا بعدما قامت عليهم الحجة بإرسال الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم، فقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي: بغى بعضهم على بعض فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بغض البعض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله وإن كانت
_________________
(١) = ٦/ ١٤٩)، وابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٦/ ١٠٢)، ومحمد بن المتوكل: وهو صدوق له أوهام كثيرة (التقريب ٢/ ٢٠٤).
(٢) ما بين معقوفين سقط واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٠/ ٢٤٥ ح ١٠٤٥٣)، وفي سنده: عمر المختار وهو متهم بالوضع (ميزان الاعتدال ٤/ ١٤٣).
(٤) تفسير الطبري ٦/ ٢٦٨، ومعاني القرآن للفراء ١/ ١٩٩، وقراءة: "إِنه" شاذة وأما قراءة "أن الدين" فهي متواترة قرأ بها الكسائي.
(٥) كذا في الأصل و(حم)، وفي (عف) و(ح): "والملائكة".
[ ٢ / ٣٢٩ ]
حقًّا، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي [من] (^١) جحد ما أنزل الله في كتابه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: فإن الله سيجازيه على ذلك ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: جادلوك في التوحيد ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي: فقل: أخلصت عبادتي لله وحده لا شريك له ولا ند له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ على ديني يقول كمقالتي، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف] ثم قال تعالى آمرًا لعبده ورسوله محمد ﷺ أن يدعو إلى طريقته ودينه والدخول في شرعه وما بعثه الله به، الكتابيين من الملتين والأميين من المشركين، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ أي: والله عليه حسابهم وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء وله الحكمة البالغة، والحجة البالغة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء] وما ذلك إلا لحكمته ورحمته، وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة في (^٢) غير ما آية وحديث، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان].
وفي الصحيحين وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه ﷺ بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق وطوائف بني آدم من عربهم وعجمهم كتابيهم وأميهم (^٣) امتثالًا (^٤) لأمر الله له بذلك، وقد روى عبد الرزاق عن معمر، عن همّام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: "والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأُمة: لا يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار" رواه مسلم (^٥)، وقال ﷺ: "بعثت إلى الأحمر والأسود" (^٦).
وقال: "كان النبي يُبعث إلى قومه [خاصة] (^٧) وبُعثت إلى الناس عامة" (^٨).
وقال الإمام أحمد: حدثنا مؤمل، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، عن أنس ﵁: أن غلامًا يهوديًا كان يضع للنبي ﷺ وضوءه، ويناوله نعليه، فمرض، فأتاه النبي ﷺ دخل عليه وأبوه قاعد عند
_________________
(١) لفظ: "من" سقط من الأصل وهو مثبت في (عف) و(ح) و(حم).
(٢) كذا في (عف) و(حم) و(ح) وفي الأصل: "من".
(٣) ينظر: صحيح البخاري، كتاب العلم، باب ما يذكر في المناولة (ح ٦٤، ٦٥)، وصحيح مسلم كتاب اللباس والزينة (ح ٢٠٩٢).
(٤) كذا في (عف) و(حم) و(ح) والتخريج، وفي الأصل: "إما".
(٥) صحيح مسلم، الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ (ح ١٥٣).
(٦) أخرجه مسلم من حديث جابر ﵁ (الصحيح، المساجد، ح ٥٢١).
(٧) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).
(٨) أخرجه البخاري من حديث جابر ﷺ (الصحيح، التيمم، باب ١ ح ٣٣٥).
[ ٢ / ٣٣٠ ]
رأسه فقال له النبي ﷺ: "يا فلان قل: لا إله إلا الله" فنظر إلى أبيه فسكت أبوه، فأعاد عليه النبي ﷺ، فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم، فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلا الله [وأنك رسول الله] (^١)، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: "الحمد لله الذي أخرجه بي من النار" رواه البخاري في الصحيح (^٢)، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)﴾.
هذا ذمٌّ من الله تعالى لأهل الكتاب فيما ارتكبوه من المآثم والمحارم في تكذيبهم بآيات الله، قديمًا وحديثًا، التي بلغتهم (^٣) إياها الرسل استكبارًا عليهم، وعنادًا لهم، وتعاظمًا على الحق، واستنكافًا عن اتباعه، ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم، إلا لكونهم دعوهم إلى الحق ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ وهذا هو غاية الكبر، كما قال النبي ﷺ: "الكبر بطر الحق وغمط الناس" (^٤).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا - أبو الزبير الحسن بن علي (^٥) بن مسلم النيسابوري نزيل مكة، حدثني أبو حفص عمر بن حفص - يعني ابن ثابت بن زرارة الأنصاري -، حدثنا محمد بن حمزة، حدثنا أبو الحسن مولى لبني أسد، عن مكحول، عن أبي قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁، قال: قلت: يا رسول الله، أي: الناس أشد عذابًا يوم القيامة؟ قال: "رجل قتل نبيًا أو مَنْ أمرَ بالمعروف ونهى عن المنكر" ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، ثم قال رسول الله ﷺ: "يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيًا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة وسبعون رجلًا من بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوهم جميعًا من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله ﷿" (^٦). وهكذا رواه ابن جرير عن أبي عبيد الوصابي (^٧) محمد بن حفص، عن ابن حُمَير، عن أبي الحسن مولى بني أسد، عن مكحول به (^٨).
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٢) الصحيح، الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ (ح ١٣٥٦)، والحديث أخرجه الإمام أحمد بسنده متنه (المسند ٣/ ١٧٥).
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: "بلغتها" وهو تصحيف.
(٤) صحيح مسلم، الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه (ح ١٤٨).
(٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) والتخريج وفي الأصل: "الزبير بن الحر بن علي" وهو تصحيف.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو الحسن مولى لبني أسد وهو: مجهول (الجرح والتعديل ٩/ ٣٥٧).
(٧) كذا في (عف) و(ح)، و(حم) وتفسير الطبري، وفي الأصل: "الرصافي"، وهو تصحيف.
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.
[ ٢ / ٣٣١ ]
وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قتلت بنو إسرائيل ثلاثمائة نبي من أول النهار، وأقاموا سوق بقلهم (^١) من آخره، رواه ابن أبي حاتم (^٢). ولهذا لما أن تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق (^٣)، قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة، فقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: موجع مهين ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢﴾.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾.
يقول تعالى منكرًا على اليهود والنصارى المتمسكين (^٤) فيما يزعمون بكتابيهم اللذين بأيديهم، وهما التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد ﷺ، تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد،
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ أي: إنما حملهم وجرأهم على مخالفة الحق افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام عن كل ألف سنة [في الدنيا] (^٥) يومًا وقد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة (^٦).
ثم قال تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ثبتهم على دينهم الباطل، ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أيامًا معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم وافتعلوه ولم ينزل الله به سلطانًا،
قال الله تعالى متهددًا لهم ومتوعدًا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله، وكذبوا رسله، وقتلوا أنبيائه، والعلماء من قومهم، الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر؟ والله تعالى سائلهم عن ذلك كله ومحاسبهم (^٧) عليه ومجازيهم به، ولهذا قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك في وقوعه وكونه، ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾.
يقول ﵎: ﴿قُلِ﴾ يا محمد معظمًا لربك وشاكرًا له ومفوضًا إليه ومتوكلًا عليه ﴿اللَّهُمَّ
_________________
(١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: "قتلهم وهو تصحيف".
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي معمر الأزدي، وهو عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود.
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: "الحق".
(٤) تقدم في آية رقم (٨٠).
(٥) كذا في (ح) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: "المتمسكون" والصواب ما اثبت.
(٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).
(٧) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: "يحاسبهم".
[ ٢ / ٣٣٢ ]
مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ أي: لك (^١) الملك كله ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ أي: أنت المعطي، وأنت المانع، وأنت الذي ما شئت كان، وما لم تشأ لم يكن [وفي] (^٢) هذه الآية تنبيه وإرشاد إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله ﷺ وهذه الأُمة (^٣)، لأن الله تعالى حول النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي الأمي المكي، خاتم الأنبياء على الإطلاق، ورسول الله إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، الذي جمع الله فيه محاسن من كان قبله، وخصَّه بخصائص لم يعطها نبيًا من الأنبياء، ولا رسولًا من الرسل في العلم بالله وشريعته، واطلاعه على الغيوب الماضية والآتية، وكشفه له عن حقائق الآخرة، ونشر أمته في الآفاق في مشارق الأرض ومغاربها، وإظهار دينه وشرعه على سائر الأديان والشرائع، فصلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين ما تعاقب الليل والنهار. لهذا قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ أي: أنت المتصرف في خلقك، الفعَّال لما تريد، كما ردَّ تعالى على من يحكم عليه في أمره حيث قال: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف]، قال الله تعالى ردًا عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] أي: نحن - نتصرف فيما خلقنا كما نريد بلا ممانع ولا مدافع، ولنا الحكمة البالغة، والحجة التامة في ذلك، وهكذا يعطي النبوة لمن يريد، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وقال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء].
وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة إسحاق بن أحمد من (^٤) تاريخه، عن المأمون الخليفة، أنه رأى في قصر ببلاد الروم مكتوبًا بالحميرية، فعُرِّب له، فإذا هو بسم الله:
ما اختلف الليل والنهار … ولا دارت نجوم السماء في الفلك
إلا بنقل النعيم عن ملك … قد زال سلطانه إلى ملك
وملك ذي العرش دائم أبدًا … ليس بفانٍ ولا بمشترك
وقوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ أي: تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا، فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان (^٥)، ثم يعتدلان، وهكذا في فصول السنة ربيعًا وصيفًا وخريفًا وشتاء.
وقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي: تخرج الزرع من الحب، والحب من الزرع، والنخلة من النواة، والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء
_________________
(١) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: "له".
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وسقط من الأصل.
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: "وعلى هذه الأمة".
(٤) كذا في (حم) و(ح)، وفي الأصل: "في" وهو تصحيف.
(٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: "يتقاربان" وهو تصحيف.
[ ٢ / ٣٣٣ ]
﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: تعطي من شئت من المال ما لا يعده ولا يقدر على إحصائه، وتقتِّر على آخرين لما لك في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة والعدل.
قال الطبراني: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا جعفر بن جسر بن فرقد، حدثنا أبي، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ، قال: "اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ " (^١).
﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)﴾.
نهى ﵎ عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعد على ذلك، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي ومن يرتكب نهي الله [في هذا] (^٢) فقد بريء من الله، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)﴾ [النساء] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١)﴾ [المائدة] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ …﴾ إلى أن قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة: ١]، وقال تعالى بعد ذكر موالاة المؤمنين للمؤمنين من المهاجرين والأنصار والأعراب: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ [الأنفال]، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ أي: إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتاقيهم (^٣) بظاهره لا بباطنه ونيته، كما حكاه البخاري عن أبي الدرداء: أنه قال: "إنا لنكشِّر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم" (^٤).
وقال الثوري: قال ابن عباس: ليس التُقية بالعمل إنما التُقية باللسان (^٥)، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس: إنما التُقية باللسان (^٦)، وكذا قال أبو العالية وأبو الشعثاء والضحاك والربيع بن أنس (^٧). ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ
_________________
(١) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٢/ ١٧١)، وفى سنده جعفر بن جسر بن فرقد يروي المناكير (لسان الميزان ٢/ ١١١ - ١١٢).
(٢) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).
(٣) في الأصل غير منقوطة، ونقطت من (عف) و(ح) و(حم).
(٤) أخرجه البخاري تعليقًا (الصحيح، الأدب، باب المداراة مع الناس). وقد روي من طرق ضعيفة ذكرها الحافظ ابن حجر (الفتح ١٠/ ٥٣٨).
(٥) أخرجه الطبري من طريق الثوري عن ابن جريج عمن حدثه عن ابن عباس، وسنده ضعيف، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق الثوري عن ابن عباس وسنده منقطع.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس ويشهد له الآثار التالية.
(٧) قول أبي العالية والربيع بن أنس أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد، وقول أبي الشعثاء، وهو جابر بن زيد،=
[ ٢ / ٣٣٤ ]
مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل].
وقال البخاري: قال الحسن: التقية إلى يوم القيامة (^١).
ثم قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: يحذركم نقمته في مخالفته وسطوته في عذابه لمن والى أعداءه، وعادى أولياءه. ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: [إليه] (^٢) المرجع والمنقلب ليجازي كل عامل بعمله.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن أبي حسين، عن عبد الرحمن بن سابط (^٣)، عن عمرو بن ميمون، قال: قام فينا معاذ بن جبل، فقال: يا بني أود، إني رسول رسول الله إليكم، تعلمون أن المعاد إلى الجنة أو إلى النار (^٤).
﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾.
يخبر ﵎ عباده أنه يعلم السرائر والضمائر والظواهر، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية، بل علمه محيط بهم في سائر الأحوال والآنات واللحظات وجميع الأوقات (^٥)، وجميع ما في الأرض والسموات لا يغيب عنه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: وقدرته نافذة في جميع ذلك، وهذا تنبيه لعباده على خوفه وخشيته لئلا يرتكبوا ما نهى عنه وما يبغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإن أنظر من أنظر منهم، فإنه يمهل، ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر، ولهذا قال بعد هذا: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾، يعني: يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير ومن شر، كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ [القيامة] فما رأى من أعماله حسنًا سرَّه ذلك وأفرحه، وما رأى من قبيح ساءه وغاظه وود لو أنه تبرأ منه وأن يكون بينهما أمد بعيد، كما يقول لشيطانه الذي كان مقترنًا به في الدنيا، وهو الذي جرأه على فعل السوء ﴿يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨]، ثم قال تعالى مؤكدًا ومهددًا ومتوعدًا ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾
_________________
(١) = والضحاك ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٢) أخرجه البخاري تعليقًا الصحيح، الإكراه، الباب الأول، وقد وصله عبد بن حميد وابن أبي شيبة من طريق عوف الأعرابي عن الحسن (الفتح ١٢/ ٣١٤)، وإسناد عبد بن حميد، عن روح، عن عوف الأعرابي به، (تغليق التعليق ٥/ ٢٦٠)، وسنده صحيح.
(٣) "إليه": سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) والتخريج، وفي الأصل: "بلفظ ابن ساقط" وهو تصحيف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده حسن.
(٦) في الأصل: "في سائل الأحوال واللحظات في جميع الأوقات" والمثبت من (عف) و(ح) و(مح).
[ ٢ / ٣٣٥ ]
أي: يخوفكم عقابه، ثم قال ﷻ مرجيًا لعباده لئلا ييئسوا من رحمته ويقنطوا من لطفه: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾، قال الحسن البصري: من رأفته بهم حذرهم نفسه (^١).
وقال غيره: أي رحيم بخلقه يحب [لهم] (^٢) أن يستقيموا على صراطه المستقيم ودينه القويم وأن يتبعوا رسوله الكريم.
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾.
هذه الآية الكريمة حاكمة على من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ، أنه قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ" (^٣)، ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ أي: يحصل (^٤) لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء (^٥) العلماء: ليس الشأن أن تُحِبَّ، إنما الشأن أن تُحَبَّ.
وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله، فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن عبد الأعلى بن أعين، عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: "وهل الدين إلا الحب والبغض، قال (^٦) الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ ". قال أبو زرعة: عبد الأعلى هذا: منكر الحديث (^٧).
ثم قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي باتباعكم الرسول ﷺ، يحصل لكم هذا كله من بركة سفارته (^٨)،
ثم قال تعالى آمرًا لكل أحد من خاص وعام: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تخالفوا عن أمره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحبُّ من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه يحب للّه ويتقرب إليه حتى يتابع الرسول النبي
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق فيض بن إسحاق عن الفضيل بن عياض، عن الحسن. وفيض بن إسحاق سكت عنه البخاري (التاريخ الكبير ٧/ ١٣٩)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٧/ ٨٨.
(٢) "لهم" زيادة من (عف) و(مح) و(حم).
(٣) أخرجه مسلم (الصحيح، الأقضية باب ١٨) وأخرجه البخاري تعليقًا (الصحيح، البيوع، باب النجش). في أوله: وأخرجه موصولًا عن عائشة بلفظ: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ" (الصحيح، الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور ح ٢٦٩٧).
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وفي الأصل: "يجعل" وهو تصحيف.
(٥) "الحكماء" زيادة من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وفي الأصل كما قال بزيادة لفظ "كما" والصواب هو المثبت كما في تفسير ابن أبي حاتم.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وتعليقه بأنه منكر.
(٨) كذا في النسخ وفي نسخه (عف) فوق هذه الكلمة وردت لفظ: رسالته وكأنه يبين معنى: سفارته.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
الأُميّ خاتم الرسل ورسول الله إلى جميع الثقلين: الجن والإنس، الذي لو كان الأنبياء بل المرسلون بل أولو العزم منهم في زمانه ما وسعهم إلا اتباعه، والدخول في طاعته، واتباع شريعته، كما سيأتي تقريره عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [آل عمران: ٨١]، إن شاء الله تعالى.
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾.
يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض، فاصطفى آدم ﵇ خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة، ثم أهبطه منها لما له في ذلك من الحكمة، واصطفى نوحًا ﵇ وجعله أول رسول [بعثه] (^١) إلى أهل الأرض، لما عبد الناس الأوثان، وأشركوا في دين الله ما لم ينزل به سلطانًا، وانتقم له لما طالت مدته بين ظهراني قومه يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا [فلم يزدهم ذلك إلا فرارًا، فدعا عليهم، فأغرقهم الله عن آخرهم، و] (^٢) لم ينجُ منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به، واصطفى آل إبراهيم، ومنهم سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإطلاق محمد ﷺ، وآل عمران والمراد بعمران هذا هو والد مريم بنت عمران أُم عيسى ابن مريم ﵇.
قال محمد بن إسحاق بن يسار ﵀: هو عمران بن ياشم بن أمون منشا بن حزقيا بن أحزيق بن يوثم بن عزاريا بن أمصيا بن ياوش بن أجريهو بن يارم بن يهفاشاط بن أسابر بن أبيا بن رحبعم بن سليمان بن داود ﵇ (^٣)، فعيسى ﵇ من ذرية إبراهيم كما سيأتي بيانه في سورة الأنعام، إن شاء الله تعالى، وبه الثقة.
﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾.
امرأة عمران هذه هي أُم مريم ﵂، وهي حنة بنت فاقوذ (^٤).
قال محمد بن إسحاق: وكانت امرأة لا تحمل، فرأت يومًا طائرًا يزق فرخه، فاشتهت الولد، فدعت الله تعالى أن يهبها ولدًا، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها، فحملت منه، فلما تحققت الحمل، نذرته أن يكون محررًا؛ أي: خالصًا مفرغًا للعبادة (^٥) ولخدمة (^٦) بيت المقدس،
_________________
(١) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٣) أخرجه الطبري من طريق محمد بن حميد عن سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق وفي هذا الاسم وردت بعض التصحيفات في الأصل استدركت عن رواية ابن إسحاق.
(٤) ذكره الطبري عن ابن إسحاق من الطريق السابق، وفي الأصل ورد بلفظ: "فاترد" وهو تصحيف والتصويب من التخريج و(عف) و(ح) و(حم).
(٥) أخرجه الطبري عن ابن إسحاق من الطريق السابق.
(٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) وفي الأصل: "نذرته" وهو تكرار للكلمة السابقة: "ونذرته".
[ ٢ / ٣٣٧ ]
فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لدعائي العليم بنيتي، ولم تكن تعلم ما في بطنها: أذكرًا أم أنثى؟
﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ قرئ برفع التاء، على أنها تاء المتكلم، وأن ذلك من تمام قولها، وقرئ بتسكين التاء (^١)، على أنه من قول الله ﷿، ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ أي: في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ فيه دليل (^٢) على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق لأنه شرع من قبلنا، وقد حكي مقررًا، وبذلك ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ حيث قال: "ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم" أخرجاه (^٣)، وكذلك ثبت فيهما: أن أنس بن مالك ذهب بأخيه (^٤) حين ولدته أمه إلى رسول الله ﷺ فحنكه وسماه عبد الله (^٥).
وفي صحيح البخاري: أن رجلًا قال: يا رسول الله ولد لي الليلة ولد فما أسميه؟ قال: "اسم ولدك عبد الرحمن " (^٦)، وثبت في الصحيح أيضًا: أنه لما جاءه أبو أُسيد بابنه ليحنكه، فذهل عنه، فأمر به أبوه، فردَّه إلى منزلهم، فلما ذكر رسول الله ﷺ في المجلس سماه المنذر (^٧).
فأما حديث قتادة عن الحسن البصري، عن سمرة بن جندب، أن رسول الله ﷺ، قال: "كل غلام رهين بعقيقته، يذبح عنه يوم سابعه، ويسمى ويحلق رأسه" فقد رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي بهذا اللفظ، وروي: ويُدَمّى (^٨)، وهو أثبت وأحفظ، والله أعلم. وكذا ما رواه الزبير بن بكار في كتاب "النسب" أن رسول الله ﷺ، عقَّ عن ولده إبراهيم يوم سابعه وسماه إبراهيم، فإسناده لا يثبت، وهو مخالف لما في الصحيح، ولو صحَّ لحمل على أنه أَشْهَرَ اسمه بذلك يومئذٍ، والله أعلم، وقوله: إخبارًا عن أُم مريم أنها قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أي: عوَّذتها بالله ﷿ من شر الشيطان، وعوَّذت ذريتها وهو ولدها عيسى ﵇، فاستجاب الله لها ذلك، كما قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، عن ابن المسيب، [عن أبي هريرة] (^٩) قال: قال رسول الله: "ما من مولود يولد إلا مسَّه الشيطان حين يولد، فيستهل
_________________
(١) وكلتاهما قراءة متواترة.
(٢) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل (وح) و(حم) بلفظ: "دلالة" وكلاهما صحيح.
(٣) أخرجه البخاري من حديث أنس (الصحيح، الجنائز، باب قول النبي ﷺ: "إنا بك لمحزونون" ح ١٣٠٣)، ومسلم في الصحيح، الفضائل (ح ٢٣١٥).
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "ذهب إلى ناحية" وهو تصحيف والتصويب أيضًا من التخريج.
(٥) صحيح البخاري، العقيقة، باب تسمية المولود (ح ٥٤٥٧)، وصحيح مسلم، الأدب (ح ٢١٤٤).
(٦) صحيح البخاري، الأدب، باب أحب الأسماء إلى الله (ح ٦١٨٦).
(٧) صحيح البخاري، الأدب، باب تحويل الاسم (ح ٦١٩١).
(٨) أخرجه الإمام أحمد من طريق همام عن قتادة به، وبلفظ بالروايتين (المسند ٣٣/ ٢٧١ ح ٢٠٠٨٣)، وصححه محققوه، وقد ذكر الحافظ ابن حجر تفسير: ويدمي (الفتح ٩/ ٥٩٣)، وأخرجه أبو داود، السنن، الأضاحي، باب في العقيقة (ح ٢٨٣٧)، والترمذي وصححه، السنن، الأضاحي، باب ما جاء في العقيقة (ح ١٥٢٢)، والنسائي، السنن، العقيقة، باب متى يعق؟ ٧/ ١٦٦، وابن ماجه، السنن، الذبائح، باب العقيقة (ح ٣١٦٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٥٦٣).
(٩) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
صارخًا من مسّه إياه، إلا مريم وابنها" ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، أخرجاه من حديث عبد الرزاق (^١)، ورواه ابن جرير عن أحمد بن الفرج، عن بقية، حدثنا الزبيدي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه (^٢)، وروي من حديث قيس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين، إلا عيسى ابن مريم ومريم" ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (^٣).
ومن حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، ورواه مسلم عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة (^٤). ورواه ابن وهب أيضًا، عن ابن أبي ذئب، عن عجلان مولى المشْمَعِلّ (^٥)، عن أبي هريرة (^٦). ورواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بأصل الحديث (^٧). وهكذا رواه الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: "كلّ بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين تلده أُمه إلا عيسى ابن مريم، ذهب يطعن، فطعن في الحجاب" (^٨).
﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾.
يخبر ربنا أنه تقبلها من أمها نذيرة، وأنه ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ أي: جعلها شكلًا مليحًا ومنظرًا بهيجًا، وشر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم العلم والخير والدين، فلهذا قال: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ وفي قراءة ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ بتشديد الفاء، ونصب زكريا على المفعولية (^٩)؛ أي جعله كافلًا لها.
قال ابن إسحاق: وما ذلك إلا أنها كانت يتيمة (^١٠).
_________________
(١) صحيح البخاري، تفسير سورة آل عمران، باب قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا﴾ [آل عمران: ٣٦] (ح ٤٥٤٨)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب فضائل عيسى ﵊، قبل (حديث ٢٣٦٦).
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصححه أحمد شاكر.
(٤) صحيح مسلم، الموضع السابق بعده بحديثين.
(٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، والتخريج وفي الأصل: "عن أبي ذئب عن عجلان مولى إسماعيل" وهو تصحيف".
(٦) أخرجه أحمد في المسند (ح ٧٨٦٦)، والطبري في تفسيره.
(٧) أخرجه الطبري من طريق عبد بن سليمان عن ابن إسحاق به، وأخرجه الحاكم من طريق إسماعيل بن جعفر عن يزيد بن عبد الله بن قسيط. وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٩٤).
(٨) أخرجه الطبري من طريق شعيب بن الليث عن الليث به.
(٩) كلتاهما قراءتان متواترتان.
(١٠) أخرجه الطبري بنحوه من الطريق السابق عن ابن إسحاق.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
وذكر غيره: أن بني إسرائيل أصابتهم سنة جدب، فكفل زكريا مريم لذلك، ولا منافاة بين القولين، والله أعلم. وإنما قدَّر الله كون زكريا كافلها لسعادتها، لتقتبس منه علمًا جمًا نافعًا وعملًا صالحًا، ولأنه كان زوج خالتها على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما (^١).
وقيل: زوج أختها، كما ورد في الصحيح "فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا الخالة" (^٢)، وقد يطلق على ما ذكره ابن إسحاق ذلك أيضًا توسعًا، فعلى هذا كانت في حضانة خالتها وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قضى في عمارة بنت حمزة أن تكون في حضانة خالتها امرأة جعفر بن أبي طالب، وقال: "الخالة بمنزلة الأُم" (^٣). ثم أخبر تعالى عن سيادتها وجلالتها في محل عبادتها، فقال: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾.
قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو الشعثاء وإبراهيم النخعي والضحاك وقتادة والربيع بن أنس وعطية العوفي والسدي: يعني وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف (^٤).
وعن مجاهد ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ أي: علمًا، أو قال: صحفًا [فيها علم] (^٥) رواه ابن أبي حاتم (^٦)، والأول أصحّ وفيه دلالة على كرامات الأولياء. وفي السُّنة لهذا نظائر كثيرة.
فإذا رأى زكريا هذا عندها ﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ أي: يقول: من أين لك هذا؟ ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سهل بن زنجلة، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، أن رسول الله ﷺ، أقام أيامًا لم يطعم طعامًا حتى شقَّ ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه، فلم يجد عند واحدة منهن شيئًا، فأتى فاطمة فقال: "يا بنية هل عندك شيء آكله، فإني جائع؟ " قالت: لا والله - بأبي أنت وأُمي -[فلما خرج من عندها، بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها، فوضعته في جفنة لها، وقالت: والله لأوثرن بهذا رسول الله ﷺ على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعًا محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسنًا أو حسينًا إلى رسول الله ﷺ، فرجع إليها، فقالت له: بأبي أنت وأُمي] (^٧) قد أتى الله بشيء فخبأته لك. قال: "هلمي يا بنية". قالت: فأتيته بالجفنة، فكشف عنها، فإذا هي مملوءة خبزًا ولحمًا، فلما نظرت إليها بهتت وعرفت أنها بركة من الله، فحمدت الله وصلت على نبيه وقدمته إلى رسول الله، فلما رآه حمد الله وقال: "من أين لك هذا يا بنية"؟ قالت: يا أبتِ ﴿هُوَ
_________________
(١) أخرجه الطبري بنحوه من الطريق السابق عن ابن إسحاق.
(٢) سيأتي تخريجه في مطلع سورة الإسراء في قصة الإسراء والمعراج.
(٣) صحيح البخاري، الصلح، باب كيف يكتب، هذا ما صالح فلان بن فلان … (ح ٢٦٩٩).
(٤) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند في أغلبهم، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق النضر بن عربي عنه، وقول قتادة والسدي والربيع بن أنس أخرجه الطبري بأسانيد حِسان عنهم، وقول سعيد بن جبير والضحاك أخرجه الطبري بأسانيد ضعاف يشهد لها ما سبق.
(٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق إبراهيم بن رستم عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٧) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فحمد الله وقال: "الحمد لله الذي جعلك يا بنية شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل، فإنها كانت إذا رزقها الله شيئًا وسئلت عنه، قالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب" فبعث رسول الله ﷺ إلى علي، ثم أكل رسول الله ﷺ، [وأكل علي وفاطمة وحسن وحسين وجميع أزواج النبي ﷺ] (^١) وأهل بيته حتى شبعوا جميعًا، قالت: وبقيت الجفنة كما هي، قالت: فأوسعت ببقيتها على جميع الجيران، وجعل الله فيها بركة وخيرًا كثيرًا (^٢).
﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾.
لما رأى زكريا ﵇ أن الله يرزق مريم ﵂ فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذٍ في الولد وكان شيخًا كبيرًا قد ضَعُفَ، ووهن منه العظم واشتعل الرأس شيبًا، وكانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرًا، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خفيًا، وقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي: من عندك ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ أي: ولدًا صالحًا ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
قال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ أي: خاطبته الملائكة شفاهًا خطابًا، أسمعته وهو قائم يصلي في محراب عبادته ومحل خلوته ومجلس مناجاته وصلاته. ثم أخبر تعالى عما بشرته به الملائكة ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ أي: بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى. قال قتادة وغيره: إنما سمي يحيى لأن الله أحياه بالإيمان (^٣).
وقوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ روى العوفي وغيره عن ابن عباس، وقال الحسن وقتادة وعكرمة ومجاهد وأبو الشعثاء والسدي والربيع بن أنس والضحاك وغيره في هذه الآية: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: بعيسى ابن مريم (^٤).
وقال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى ابن مريم (^٥).
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك كسابقه.
(٢) في سنده عبد الله بن لهيعة فيه مقال، وعبد الله بن صالح: صدوق كثير الخطأ ثبت في كتابه فيه غفلة (التقريب ص ٣٠٨).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شيبان عن قتادة.
(٤) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عكرمة عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عباد بن منصور عنه، وقول عكرمة تقدم عند ابن أبي حاتم، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند حسن من طريق النضر بن عربي، وطريق الضحاك أخرجه ابن المنذر بسند صحيح من طريق علي بن الحكم عنه. وطريق السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٥) أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.
[ ٢ / ٣٤١ ]
وقال قتادة: وعلى سننه ومنهاجه (^١).
وقال ابن جريج: قال ابن عباس في قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾، قال: كان يحيى وعيسى ابني خالة، وكانت أُم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى تصديقه له في بطن أُمه، وهو أول من صدق عيسى (^٢)، وكلمة الله عيسى، وهو أكبر من عيسى ﵇ (^٣)، وهكذا قال السدي أيضًا (^٤).
قوله: ﴿وَسَيِّدًا﴾ قال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة وسعيد بن جبير وغيرهم: الحليم (^٥).
قال قتادة: سيدًا في العلم والعبادة (^٦).
وقال ابن عباس والثوري والضحاك: السيد الحليم التقي (^٧).
قال سعيد بن المسيب: هو الفقيه العالم (^٨). وقال عطية: السيد في خلقه ودينه.
وقال عكرمة: هو الذي لا يغلبه الغضب (^٩).
وقال ابن زيد: هو الشريف (^١٠).
وقال مجاهد وغيره: هو الكريم على الله عزَّ وعزَّ (^١١).
وقوله: ﴿وَحَصُورًا﴾ روي عن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء وعطية العوفي، أنهم قالوا: الذي لا يأتي النساء (^١٢).
وعن أبي العالية والربيع بن أنس: هو الذي لا يولد له (^١٣).
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي جعفر الرازي عنه.
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: "بعيسى".
(٣) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سنيد عن حجاج عن ابن جريج به.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٥) قول الربيع بن أنس ذكره عبد بن حميد وابن أبي حاتم تعليقًا وكذا قول أبي العالية ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن من طريق سالم الأفطس عنه (المصنف ١١/ ٥٦٢ رقم ١١٩٥٧)، وقول قتادة ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٧) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف، وقول الضحاك أخرجه الطبري والخرائطي (مكارم الأخلاق ص ٦٠) بسند ضعيف، وقول الثوري أخرجه الطبري بسند حسن عنه.
(٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق يحيى بن سعيد عنه.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق أبي بكر الهذلي عنه.
(١٠) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عنه.
(١١) أخرجه مسلم بن خالد الزنجي من طريق ابن أبي نجيح عنه وسنده صحيح (التفسير ص ٧٤).
(١٢) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف وقول ابن مسعود أخرجه الطبري وابن المنذر بسند حسن، وقول مجاهد أخرجه مسلم بن خالد الزنجي بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه (التفسير ص ٧٤)، وقول سعيد بن جبير أخرجه البخاري معلقًا (الصحيح، تفسير سورة آل عمران ٦/ ٤١)، وقول عكرمة أخرجه البيهقي معلقًا (السنن الكبرى ٧/ ٨٣)، وقول أبي الشعثاء أخرجه عبد بن حميد معلقًا.
(١٣) ذكرهما ابن أبي حاتم بحذف الإسناد، وقول الربيع أخرجه ابن المنذر بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
وقال الضحاك: هو الذي لا ولد له ولا ماء له (^١).
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس في الحصور: الذي لا ينزل الماء (^٢).
وقد روى ابن أبي حاتم في هذا حديثًا غريبًا جدًّا، فقال: حدثنا أبو جعفر محمد بن غالب البغدادي، حدثني سعيد بن سليمان، حدثنا عباد - يعني ابن العوام - عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن ابن العاص - لا يدري عبد الله أو عمرو - عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ قال: ثم تناول شيئًا من الأرض، فقال: "كان ذكره مثل هذا" (^٣). ورواه ابن المنذر في تفسيره: حدثنا أحمد بن داود السمناني، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من عبد يلقى الله إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا"، فإن الله يقول: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ قال: "وإنما ذكره مثل هدبة الثوب" وأشار بأنملته (^٤).
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، أنه سمع سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: ليس أحد من خلق الله لا يلقاه بذنب غير يحيى بن زكريا. ثم قرأ سعيد ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾، ثم أخذ شيئًا من الأرض، فقال: الحصور من كان ذكره مثل ذي. وأشار يحيى بن سعيد القطان بطرف أصبعه السبابة (^٥). فهذا موقوف أصح إسنادًا من المرفوع بل وفي صحة المرفوع نظر، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عيسى بن حماد ومحمد بن سلمة المرادي قالا: حدثنا حجاج بن سليمان العمري (^٦)، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "كل ابن آدم يلقى الله بذنب يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه، إلا يحيى بن زكريا فإنه كان سيدًا وحصورًا ونبيًا من الصالحين" ثم أهوى النبي ﷺ إلى قذاة من الأرض، فأخذها وقال: "وكان ذكره مثل هذه القذاة" (^٧).
[وقد قال القاضي عياض في كتابه الشفا: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان ﴿وَحَصُورًا﴾ ليس كما قاله بعضهم إنه كان هيوبًا أو لا ذكر له، بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين، ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب، ولا تليق بالأنبياء ﵈، وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب، أي: لا يأتيها كأنه حُصِر عنها. وقيل: مانعًا نفسه من الشهوات. وقيل: ليست له شهوة في النساء.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق جويبر عنه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق قابوس عن أبيه عنه.
(٣) أخرجه ابن المنذر بسنده ومتنه (التفسير ص ١٩١) وفي سنده سويد بن سعيد لين الحديث (التقريب ص ٢٦٠)، ونص ابن المنذر ورد في الأصل قبل رواية أبي هريرة التالية وأثبت كما في (عف) و(مح).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وحكم عليه ابن كثير.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده صحيح.
(٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) والتخريج، وفي الأصل: "العمري" وهو تصحيف.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي مسنده حجاج بن سليمان القمري وهو منكر الحديث (الجرح والتعديل ٣/ ١٦٢).
[ ٢ / ٣٤٣ ]
وقد بَانَ لكَ من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة، ثم يمنعها إما بمجاهدة كعيسى، أو بكفاية من الله ﷿ كيحيى ﵇، ثم هي في حق من قدر عليها، وقام بالواجب فيها، ولم تشغله عن ربه درجة عليا، وهي درجة نبينا ﷺ الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة بتحصينهن وقيامه عليهن وإكسابه لهن وهدايته إياهن، بل قد صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره، فقال: "حُبب إليَّ من دنياكم" (^١) هذا لفظه. والمقصود أنه مدح ليحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه كما قاله هو وغيره: أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ كأنه قال: ولدًا له ذرية ونسل وعقب، والله ﷾ أعلم] (^٢).
وقوله: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى، [كقوله لأم موسى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]] (^٣)
فلما تحقق زكريا ﵇ هذه البشارة، أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ﴾ أي: الملك ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: هكذا أمر الله عظيم، لا يعجزه شيء، ولا يتعاظمه أمر،
﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أي: علامة أستدل بها على وجود الولد مني ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ أي: إشارة لا تستطيع النطق مع أنك سوي صحيح، كما في قوله: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] ثم أمر بكثرة الذكر والتكبير والتسبيح في هذه الحال، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾. وسيأتي طرف آخر في بسط هذا المقام في أول سورة مريم، إن شاء الله تعالى.
﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾.
هذا إخبار من الله تعالى بما خاطبت به الملائكة مريم ﵈ عن أمر الله لهم بذلك، أن الله قد اصطفاها؛ أي اختارها لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها وطهارتها من الأكدار والوساوس، واصطفاها ثانيًا مرة بعد مرة لجلالتها على نساء العالمين.
قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ قال: كان أبو هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ: "خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده، ولم تركب مريم بنت عمران بعيرًا قط" ولم يخرجه من هذا الوجه سوى مسلم، فإنه رواه عن محمد بن رافع وعبد بن حميد، كلاهما عن عبد الرزاق (^٤) به.
_________________
(١) حديث صحيح تقدم نحوه في بداية تفسير الآية رقم (١٤) من هذه السورة.
(٢) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٣) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٤) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل نساء قريش (ح ٢٠١، ٢٠٢).
[ ٢ / ٣٤٤ ]
وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد" أخرجاه في الصحيحين من حديث هشام به مثله (^١).
وقال الترمذي: حدثنا أبو بكر بن زنجويه، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون" تفرد به الترمذي وصححه (^٢).
قال عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، قال: كان ثابت البناني يحدث عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ، قال: "خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت رسول الله" رواه ابن مردويه (^٣).
وروى ابن مردويه من طريق شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا ثلاث: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (^٤).
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا آدم العسقلاني، حدثنا شعبة، حدثنا عمرو بن مُرَّة، سمعت مرة الهمداني، يحدث عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: "كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون". وقد أخرجه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن شعبة به، ولفظ البخاري: "كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (^٥). وقد استقصيت طرق هذا الحديث وألفاظه في قصة عيسى ابن مريم ﵇ في كتابنا البداية والنهاية (^٦)، ولله الحمد والمنة.
ثم أخبر تعالى عن الملائكة أنهم أمروها بكثرة العبادة والخشوع والركوع والسجود والدأب في العمل، لما يريد الله بها من الأمر الذي قدره الله وقضاه مما فيه محنة لها، ورفعة في الدارين بما أظهر الله فيها من قدرته العظيمة، حيث خلق منها ولدًا من غير أب، فقال تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ أما القنوت فهو الطاعة في خشوع، كما قال تعالى: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦].
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن
_________________
(١) صحيح البخاري، الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ …﴾ [آل عمران: ٤٢] (ح ٣٤٣٢)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب فضائل خديجة أم المؤمنين ﵂ (ح ٣٤٣٠).
(٢) السنن، المناقب، باب فضل خديجة ﵂ (ح ٣٨٨٨).
(٣) في سنده عبد الله بن أبي جعفر الرازي: وهو صدوق يخطئ (التقريب ص ٢٩٨)، وأبوه: عيسى بن أبي عيسى: صدوق سيء الحفظ (التقريب ص ٦٢٩) وما يرويه ليس من صحيفة أبي العالية، فالإسناد ضعيف.
(٤) أخرجه البخاري نحو من حديث أبي موسى الأشعري دون ذكر خديجة وقد ورد ذكرها في الحديث السابق المتفق عليه (صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ …﴾ (ح ٣٤٣٣).
(٥) تقدم تخريجه من صحيح البخاري في الحديث السابق.
(٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وفي الأصل بلفظ: "الهداية" وهو تصحيف، والنص ورد في البداية والنهاية (٨/ ٥٥ - ٥٦).
[ ٢ / ٣٤٥ ]
الحاث، أن دراجًا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ، قال: "كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة" (^١). ورواه ابن جرير من طريق ابن لهيعة عن دراج به (^٢)، وفيه نكارة (^٣).
وقال مجاهد: كانت مريم ﵍ تقوم حتى تتورم كعباها (^٤).
والقنوت: هو طول الركود في الصلاة، يعني امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾.
قال الحسن: يعني أعبدي لربك (^٥). ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِين﴾ أي: كوني منهم.
وقال الأوزاعي: ركدت في محرابها راكعة وساجدة وقائمة، حتى نزل الماء الأصفر في قدميها (^٦)، ﵂. [وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمتها من طريق محمد بن يونس الكديمي، وفيه مقال: حدثنا علي بن بحر بن بري، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، في قوله: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ قال: سجدت حتى نزل الماء الأصفر في عينيها (^٧). وذكر ابن أبي الدنيا: حدثنا الحسن بن عبد العزيز، حدثنا ضمرة عن ابن شوذب، قال: كانت مريم ﵍، تغتسل في كل ليلة] (^٨).
ثم قال تعالى لرسوله بعدما أطلعه على جلية الأمر: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ أي: نقصه عليك ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أي: ما كنت عندهم يا محمد فتخبرهم عنهم معاينة عما جرى، بل أطلعك الله على ذلك كأنك حاضر وشاهد لما كان من أمرهم حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها، وذلك لرغبتهم في الأجر.
قال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة، أنه أخبره عن عكرمة، وأبي بكر، عن عكرمة، قال: ثم خرجت بها - يعني: أُم مريم بمريم - تحملها، في خرقها إلى بني الكاهن بن هارون أخي موسى ﵇، قال: وهم يومئذٍ يلون في بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فإني حررتها، وهي أنثى، ولا يدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردّها إلى بيتي، فقالوا: هذه ابنة إمامنا، وكان عمران يؤمهم في الصلاة، وصاحب قرباننا، فقال زكريا: ادفعوها لي فإن خالتها تحتي، فقالوا: لا تطيب أنفسنا، هي ابنة إمامنا، فذلك حين اقترعوا عليها بأقلامهم التي يكتبون بها التوراة، فقرعهم زكريا فكفلها (^٩).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه دراج وروايته عن أبي هيثم ضعيفه كما في التقريب.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وحكم عليه الحافظ ابن كثير.
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: "مكابرة" وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الثوري بسند حسن من طريق الحكم بن عتيبة عن مجاهد (التفسير ص ٣٦).
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عباد بن منصور عنه.
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عمرو بن أبي سلمة عنه.
(٧) تاريخ دمشق، تراجم النساء ص ٣٦٩. وحكم على سنده الحافظ ابن كثير بقوله: وفيه مقال.
(٨) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٩) هذه الرواية تقدمت في تفسير الطبري عند الآية ٣٧ (تفسير الطبري ٦/ ٣٥١ رقم ٦٩٠٩) وفيها الحسين وهو =
[ ٢ / ٣٤٦ ]
وقد ذكر عكرمة أيضًا (^١) والسدي وقتادة والربيع بن أنس وغير واحد، دخل حديث بعضهم في بعض، أنهم ذهبوا إلى نهر الأردن، واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم فيه فأيهم يثبت في جَرْيَة الماء فهو كافلها، فألقوا أقلامهم، فاحتملها الماء إلا قلم زكريا فإنه ثبت ويقال: إنه ذهب صعدًا يشق جرية الماء، وكان مع ذلك كبيرهم وسيدهم وعالمهم وإمامهم ونبيهم، صلوات الله وسلامه عليه (^٢).
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾.
هذه بشارة من الملائكة لمريم ﵍ بأن سيوجد منها ولد عظيم له شأن كبير. قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ أي: بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي: بقوله له: كن فيكون، وهذا تفسير قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩] كما ذكر الجمهور على ما سبق بيانه ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أي: يكون مشهورًا بهذا في الدنيا، يعرفه المؤمنون بذلك وسمي المسيح، قال بعض السلف: لكثرة سياحته (^٣). [وقيل أنه كان مسيح القدمين، لا أخمص لهما، وقيل: لأنه كان إذا مسح أحدًا من ذوي العاهات برئ، بإذن الله تعالى، (^٤)، وقوله: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ نسبة إلى أُمه حيث لا أبَ له. ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة وينزله عليه من الكتاب وغير ذلك مما منحه به، وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه أسوة بإخوانه من أولي العزم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وقوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ أي: يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له في حال صغره، معجزة وآية، وفي حال كهولته حين يوحي الله إليه بذلك ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: في قوله وعمله، له علم صحيح وعمل صالح.
قال محمد بن إسحاق: عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن محمد بن شرحبيل، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما تكلم مولود في صغره إلا عيسى وصاحب جُريج" (^٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو الصقر (^٦) يحيى بن محمد بن قزعة، حدثنا الحسين - يعني
_________________
(١) = ابن داود ولقبه: سنيد وهو ضعيف وابن جريج لم يصرح بالسماع، فالإسناد ضعيف.
(٢) في الأصل: "عكرمة والسدي" أيضًا والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) وهو الصواب لأن القول السابق لعكرمة فقط وليس للسدي.
(٣) ذكره نحوه الطبري في الموطن السابق كما في الحاشية السابقة.
(٤) أخرج ابن أبي حاتم بسند حسن عن أبي يحيى عبد الرحمن الثقفي بلفظ: "كان سائحًا".
(٥) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن سلمة عن ابن إسحاق به، وفيه عنعنة ابن إسحاق وسيأتي من طريق آخر صحيح.
(٧) كذا في (عف) و(ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: "أبو الصف" وهو تصحيف.
[ ٢ / ٣٤٧ ]
المروزي -، حدثنا جرير - يعني ابن حازم -، عن محمد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وصبي كان في زمن جُريج، وصبي آخر" (^١).
فلما سمعت بشارة الملائكة لها بذلك عن الله ﷿، قالت في مناجاتها: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ تقول: كيف يوجد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج، ولا من عزمي أن أتزوج، ولست بغيًا حاشا لله؟ فقال لها الملك عن الله ﷿ في جواب ذلك السؤال: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: هكذا أمر الله عظيم لا يعجزه شيء، وصرح ههنا بقوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ولم يقل: يفعل، كما في قصة زكريا، بل نص ههنا على أنه يخلق لئلا يبقى لمبطل شبهة، وأكدّ ذلك بقوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: فلا يتأخر شيئًا بل يوجد عقب الأمر بلا مهلة كقوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر] أي: إنما نأمر مرة واحدة لا مثنوية فيها، فيكون ذلك الشيء سريعًا كلمح بالبصر.
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾.
يقول تعالى مخبرًا عن تمام بشارة الملائكة لمريم بابنها عيسى ﵇: أن الله يعلمه ﴿الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، الظاهر أن المراد بالكتاب ههنا الكتابة، والحكمة تقدم تفسيرها في سورة البقرة، و﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، فالتوراة هو الكتاب الذي أنزل على موسى بن عمران، والإنجيل الذي أنزل على عيسى ابن مريم ﵈. وقد كان عيسى ﵇ يحفظ هذا وهذا.
وقوله: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: يجعله رسولًا إلى بني إسرائيل، قائلًا لهم: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وكذلك كان يفعل، يصور من الطين شكل طير، ثم ينفخ فيه فيطير عيانًا بإذن الله ﷿، الذي جعل هذا معجزة له تدل على أنه أرسله ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ قيل: إنه الذي يبصر نهارًا ولا يبصر ليلًا (^٢)، وقيل: بالعكس. وقيل: الأعشى. وقيل: الأعمش (^٣). وقيل: هو الذي يولد أعمى (^٤) وهو أشبه، لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ معروف، ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه أبو الصقر يحيى بن محمد بن قزعة وهو مقبول كما في التقريب، وقد توبع في الصحيحين فأخرجه البخاري عن مسلم بن إبراهيم، ومسلم من طريق يزيد هارون كلاهما عن جرير بن حازم (صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ …﴾ [مريم: ١٦] ٤/ ٢٠١) الطبعة اليونينية وصحيح مسلم، البر والصلة، باب تقديم بر الوالدين بعد حديث رقم (٢٥٥٠). وهذا الحديث وما بعده خمسة أحاديث سقط من فتح الباري الطبعة السلفية (٦/ ٤٦٩).
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ضعيف من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي جعفر الرازي عن قتادة.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
اللَّهِ﴾ قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بمعجزة تُناسب أهل زمانه، فكان الغالب على زمان موسى ﵇ السحر وتعظيم السحرة، فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار وحيّرت كل سحّار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام، وصاروا من الأبرار. وأما عيسى ﵇، فبعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه إلا أن يكون مؤيَدًا من الذي شرَّع الشريعة، فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه والأبرص؟ وبعث من هو في قبره رهين (^١) إلى يوم التناد. وكذلك محمد ﷺ، بعث في زمان الفصحاء والبلغاء ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله ﷿، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله [أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله] (^٢) لم يستطيعوا أبدًا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، وما ذاك إلا لأن كلام الربِّ ﷿ لا يشبه كلام الخلق أبدًا، وقوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أي: أخبركم بما أكل أحدكم الآن، وما هو مدخر له في بيته لغد، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في ذلك كله ﴿لَآيَةً لَكُمْ﴾ أي: على صدقي فيما جئتكم به ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩)﴾
﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي: مقررًا لها ومثبت ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ فيه دلالة على أن عيسى ﵇ نسخ بعض شريعة التوراة، وهو الصحيح من القولين.
ومن العلماء من قال: لم ينسخ منها شيئًا، وإنما أحلَّ لهم بعض ما كانوا تنازعوا فيه، فأخطأوا وانكشف لهم عن المُغطى في ذلك، كما قال في الآية الأخرى ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [الزخرف: ٦٣] والله أعلم. ثم قال: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: بحجة ودلالة على صدقي فيما أقول لكم: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)﴾
﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ أي: أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.
﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾.
يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى﴾ أي: استشعر منهم التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال، ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ قال مجاهد: أي: من يتبعني إلى الله (^٣).
وقال سفيان الثوري وغيره: أي من أنصاري مع الله (^٤)؟ قول مجاهد: أقرب. والظاهر أنه أراد من أنصاري في الدعوة إلى الله؟ كما كان النبي ﷺ يقول في مواسم الحج قبل أن يهاجر: "من رجل يؤويني حتى أبلغ كلام ربي؟ فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي" (^٥) حتى وجد الأنصار،
_________________
(١) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: "من هو رهين في قبره".
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عنه. وقد رجحه الحافظ ابن كثير.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق محمد بن يوسف الفريابي عنه.
(٥) أخرجه الإمام أحمد من حديث جابر (المسند ٣/ ٣٢٢)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٦٢٤) وحسنه الحافظ ابن حجر (الفتح ٧/ ١٧٧).
[ ٢ / ٣٤٩ ]
فآووه ونصروه وهاجر إليهم، فواسوه ومنعوه من الأسود والأحمر، ﵃ وأرضاهم. وهكذا عيسى ابن مريم ﵇ انتدب له طائفة من بني إسرائيل فآمنوا به ووازروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه، ولهذا قال الله تعالى مخبرًا عنهم: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ الحواريون قيل: كانوا قصارين (^١) (^٢)، وقيل: سموا بذلك لبياض ثيابهم (^٣)، وقيل: صيادين (^٤).
والصحيح أن الحواري الناصر، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما ندب الناس يوم الأحزاب، فانتدب الزبير ثم ندبهم، فانتدب الزبير ﵁، فقال النبي ﷺ: "إنَّ لكل نبيّ حواري، وحواريي الزبير" (^٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ قال: مع أمة محمد ﷺ (^٦)، وهذا إسناد جيد.
ثم قال تعالى مخبرًا عن ملإ بني إسرائيل، فيما هموا به من الفتك (^٧) بعيسى ﵇، وإرادته بالسوء والصلب حين تمالؤوا عليه، ووشوا به إلى ملك ذلك الزمان، وكان كافرًا، فأنهوا إليه أن ها هنا رجلًا يضل الناس ويصدهم عن طاعة الملك ويفسد الرعايا، ويفرق بين الأب وابنه، إلى غير ذلك مما تقلدوه في رقابهم ورموه به من الكذب، وأنه ولد زنية حتى استثاروا غضب الملك، فبعث في طلبه من يأخذه ويصلبه وينكل به، فلما أحاطوا بمنزله وظنوا أنهم قد ظفروا به، نجَّاه الله تعالى من بينهم ورفعه من روزنة (^٨) ذلك البيت إلى السماء، وألقى الله شبهه على رجل ممن كان عنده في المنزل، فلما دخل أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل عيسى، فأخذوه وأهانوه وصلبوه، ووضعوا على رأسه الشوك، وكان هذا من مكر الله بهم، فإنه نجَّى نبيه ورفعه من بين أظهرهم وتركهم في ضلالهم يعمهون، يعتقدون أنهم قد ظفروا بطلبتهم، وأسكن الله في قلوبهم قسوة وعنادًا للحق ملازمًا لهم، وأورثهم ذلة لا تفارقهم إلى يوم التناد، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾.
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾.
اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ فقال قتادة وغيره: هذا من
_________________
(١) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: "نصارى" وهو تصحيف.
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) (^٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس.
(٤) صحيح البخاري، الجهاد، باب فضل الطليعة (ح ٢٨٤٦)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل طلحة والزبير (ح ٢٤١٥).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وجود إسناده الحافظ ابن كثير.
(٦) كذا في (عف)، وفي الأصل و(حم) و(ح): "القتل".
(٧) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: "ذروة" وهو تصحيف.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
المقدم والمؤخر، تقديره إني رافعك إليّ ومتوفيك، يعني بعد ذلك (^١).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إني متوفيك، أي: مميتك (^٢).
وقال محمد بن إسحاق، عمَّن لا يتهم، عن وهب بن منبه، قال: توفّاه الله ثلاث ساعات من النهار حين رفعه إليه (^٣). قال ابن إسحاق: والنصارى يزعمون أن الله توفّاه سبع ساعات، ثم أحياه.
وقال إسحاق بن بشر، عن إدريس عن وهب: أماته الله ثلاثة أيام، ثم بعثه، ثم رفعه.
وقال مطر الوراق: متوفيك من الدنيا، وليس بوفاة موت (^٤)، وكذا قال ابن جرير: توفيه هو رفعه، وقال الأكثرون: المراد بالوفاة ههنا (^٥) - النوم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الزمر]، وكان رسول الله ﷺ، يقول إذا قام من النوم: "الحمد الله الذي أحيانا بعدما أماتنا … " (^٦) الحديث. وقال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ [وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾] (^٧) إلى قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ (^٨) بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء].
والضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عائد على عيسى ﵇، أي: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة على ما سيأتي بيانه، فحينئذٍ يؤمن به أهل الكتاب كلهم، لأنه يضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، حدثنا الربيع بن أنس، عن الحسن أنه قال في قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾: يعني وفاة المنام، رفعه الله في منامه. قال الحسن: قال رسول الله ﷺ[لليهود] (^٩): "إن عيسى لم يمت، وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة" (^١٠).
وقوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: برفعي إياك إلى السماء ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وهكذا وقع فإن المسيح ﵇، لما رفعه الله إلى السماء،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سعيد بن بشير عن قتادة.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم، بسند ثابت عنه.
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق به.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الله بن شوذب عن مطر.
(٥) أخرجه الطبري بسند جيد عن الربيع بن أنس، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف عن ابن جريج.
(٦) أخرجه البخاري من حديث حذيفة (الصحيح، الدعوات، باب ما يقول إذا أصبح ح ٦٣٢٥).
(٧) ما بين قوسين زيادة من (عف).
(٨) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: "سيومنن" وهو تصحيف.
(٩) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وتفسير الحسن إسناده حسن، وروايته عن النبي ﷺ مرسلة.
[ ٢ / ٣٥١ ]
تفرقت أصحابه شيعًا بعده، فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله، وآخرون قالوا: هو الله، وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن ورد على كل فريق، فاستمروا على ذلك قريبًا من ثلاثمائة سنة، ثم نبغ لهم ملك من ملوك اليونان يقال له: قسطنطين، فدخل في دين النصرانية، قيل: حيلة ليفسده، فإنه كان فيلسوفًا، وقيل: جهلًا منه إلا أنه بدل لهم دين المسيح وحرفه، وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين، والأمانة الكبرى التي هي الخيانة الحقيرة، وأحلَّ في زمانه لحم الخنزير، وصلوا له إلى المشرق، وصوروا له الكنائس، وزادوا في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه فيما يزعمون، وصار دين المسيح دين قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثني عشر ألف معبد، وبنى المدينة المنسوبة إليه، واتبعه الطائفة الملكية منهم، وهم في هذا كله قاهرون لليهود، أيَّدهم الله عليهم، لأنهم أقرب إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفارًا عليهم لعائن الله، فلما بعث الله محمدًا ﷺ، فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق، كانوا هم أتباع كل نبي على وجه الأرض، إذ [قد] (^١) صدَّقوا الرسول النبيَّ الأُمي العربي، خاتم الرسل وسيد ولد آدم، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق، فكانوا أولى بكل نبي من أُمته الذين يزعمون أنهم على ملته وطريقته، مع ما قد حرفوا وبدلوا، ثم لو لم يكن شيء من ذلك، لكان قد نسخ الله شريعة جميع الرسل بما بعث الله به محمدًا ﷺ من الدين الحق الذي لا يغير ولا يبدل إلى قيام الساعة، ولا يزال قائمًا منصورًا ظاهرًا على كل دين، فلهذا فتح الله لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها، واجتازوا جميع الممالك، ودانت لهم جميع الدول، وكسروا كسرى، وقصروا قيصر، وسلبوهما كنوزهما، وأُنفقت في سبيل الله كما أخبرهم بذلك نبيهم عن ربهم ﷿ في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي﴾ الآية [النور: ٥٥]، فلهذا لما كانوا هم المؤمنين بالمسيح حقًّا، سلبوا النصارى بلاد الشام وأجلوهم إلى الروم فلجؤوا إلى مدينتهم القسطنطينية، ولا يزال الإسلام وأهله فوقهم إلى يوم القيامة.
وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ أُمته بأن آخرهم سيفتحون القسطنطينية ويسفيئون ما فيها من الأموال، ويقتلون الروم مقتلة عظيمة جدًّا، لم يرَ الناس مثلها ولا يرون بعدها نظيرها، وقد جمعت في هذا جزءًا مفردًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦)﴾ وكذلك فعل تعالى بمن كفر بالمسيح من اليهود أو غلا فيه وأطراه (^٢) من النصارى، عذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، وأخذ الأموال وإزالة الأيدي عن الممالك، وفي الدار الآخرة عذابهم أشد وأشقّ ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٤]
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: في الدنيا
_________________
(١) "قد" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح).
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: "والمره" وهو تصحيف.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾ أي: هذا الذي قصصنا عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفية أمره، وهو مما قاله الله تعالى وأوحاه إليك ونزله عليك من اللوح المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالي في سورة مريم: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)﴾ [مريم] وههنا قال تعالى:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ في قدرة الله تعالى حيث خلقه من غير أب ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ فإن الله تعالى خلقه من غير أب ولا أُم بل ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فالذي خلق آدم من غير أب، قادر على أن يخلق عيسى بطريق الأَولى [والأَحرى] (^١) وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى لكونه مخلوقًا من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأَولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواها في عيسى أشد بطلانًا وأظهر فسادًا، ولكن الربَّ ﷻ أراد أن يظهر قدرته لخلقه حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١] وقال ههنا: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ (^٢) مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي هذا هو القول الحق في عيسى الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال.
ثم قال تعالى آمرًا رسوله ﷺ، أن يباهل من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور الباني ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ أي: نحضرهم في حال المباهلة ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أي: نلتعن ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ أي: منا أو منكم. وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران النصارى حين قدموا فجعلوا يحاجّون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنزل الله صدر هذه السورة ردًا عليهم (^٣)، كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق بن يسار، قال ابن إسحاق في سيرته المشهورة وغيره: قدم على رسول الله ﷺ وقد نصارى نجران ستون راكبًا، فيهم أربعة عشر رجلًا من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم (^٤) وهم: العاقب واسمه عبد المسيح، والسيد وهو الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، وأوس بن الحارث، وزيد، وقيس، ويزيد ونبيه، وخويلد، وعمرو، وخالد، وعبد الله، ويُحَنّس، وأمر هؤلاء يؤول
_________________
(١) زيادة من (عف) و(ح) و(مح).
(٢) في الأصل: "تكونن" وهو تصحيف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد عن الربيع بن أنس لكنه مرسل، - مطولًا -.
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل و(مح): "يؤول إليهم أمرهم"، وكلاهما صحيح.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
إلى ثلاثة منهم وهم العاقب، وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، والسيد وكان ثِمالهم (^١) وصاحب رحلهم ومجتمعهم، وأبو حارثة بن علقمة، وكان أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب مدراسهم، وكان رجلًا من العرب من بني بكر بن وائل، ولكنه تنصر فعظمته الروم وملوكها وشرفوه، وبنوا له الكنائس وأخدموه لما يعلمونه من صلابته في دينهم (^٢)، وقد كان يعرف أمر رسول الله ﷺ وشأنه وصفته مما علمه من الكتب المتقدمة جيدًا، ولكن حمله جهله على الاستمرار في النصرانية لما يرى من تعظيمه فيها وجاهه عند أهلها.
قال ابن إسحاق (^٣): وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير، قال: قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات جُبب وأردية في جمال رجال بني الحارث بن كعب، قال: يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي ﷺ: ما رأينا بعدهم وفدًا مثلهم، وقد حانت صلاتهم فقاموا في مسجد رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "دعوهم" فصلوا إلى المشرق، قال: فكلَّم رسول الله ﷺ منهم: أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح، والسيد الأيهم (^٤) وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف أمرهم يقولون: هو الله، ويقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة، تعالى الله [عن قولهم علوًا كبيرًا] (^٥). وكذلك النصرانية، فهم يحتجون في قولهم: هو الله، بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا، وذلك كله بأمر الله تعالى وليجعله الله آية للناس. ويحتجون على (^٦) قولهم بأنه ابن الله يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد بشيء لم يسمعه أحد من بني آدم قبله، ويحتجون على قولهم بأنه ثالث ثلاثة بقول الله تعالى: فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا فعلت وأمرت وقضيت وخلقت، ولكنه هو وعيسى ومريم. وفي كل ذلك من قولهم: قد نزل القرآن، فلما كلمه الحبران، قال لهما رسول الله ﷺ: "أسلما" قالا: قد أسلمنا، قال: "إنكما لم تسلما فأسلما". قالا: بلى قد أسلمنا قبلك. قال: "كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما للّه ولدًا وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير". قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله ﷺ عنهما فلم يجبهما، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها (^٧). ثم تكلم ابن إسحاق على تفسيرها (^٨) .. إلى أن قال: فلما أتى رسول الله ﷺ الخبر
_________________
(١) ثِمالهم: ورد في نسخة (عف) تحت هذه الكلمة: بالكسر الغِياث. وهو معنى الثمال فقد ذكر ابن الأثير الثمال بالكسر الملجأ والغياث، وقيل: هو المُطعِم في الشدة (النهاية ١/ ٢٢٢).
(٢) سيرة ابن هشام بتصرف ١/ ٥٧٣.
(٣) في الأصل: "ابن عباس" وهو تصحيف.
(٤) ورد في الصحيحين من حديث حذيفة مجيء وفد نجران وفيه العاقب والسيد، كما سيأتي في الصفحة التالية.
(٥) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٦) كذا في (عف) و(حم)، وفي الأصل و(مح): "في".
(٧) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٥ - ٥٧٦ ورد ذكره بأطول منه وسنده معضل، لأن محمد بن جعفر الزبير تابع تابعي.
(٨) سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦ - ٥٨٣.
[ ٢ / ٣٥٤ ]
من الله والفصل من القضاء بينه وبينهم وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردُّوا ذلك عليه دعاهم إلى ذلك، فقالوا: يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه، فانصرفوا عنه، ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم فقالوا: يا عبد المسيح ماذا ترى؟ فقال: واللّه يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدًا لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيًا قط، فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، قد رأينا ألَّا نلاعنك ونتركك على دينك ونرجع على ديننا ولكن ابعث معنا رجلًا من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها في أموالنا، فإنكم عندنا رضا، قال محمد بن جعفر: فقال رسول الله ﷺ: "ائتوني العشية (^١) أبعث معكم القوي الأمين" فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: ما أحببت الإمارة قط حبي (^٢) إياها يومئذٍ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجرًا، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر، سلَّم ثم نظر عن يمينه ويساره فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح فدعاه، فقال: "اخرج معهم فاقضِ بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه". قال عمر: فذهب بها أبو عبيدة ﵁ (^٣).
وقد روى ابن مردويه من طريق محمد بن إسحاق، عن عاصم [بن عمر] (^٤) بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج: أن وفد أهل نجران قدموا على رسول الله ﷺ … فذكر نحوه (^٥)، إلا أنه قال في الأشراف: كانوا اثني عشر، وذكر بقيته بأطول من هذا السياق، وزيادات أخر.
وقال البخاري: حدثنا عباس بن الحسين، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صِلة بن زفر، عن حذيفة ﵁، قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، قال: فقال: أحدهما لصاحبه: لا تفعل فوالله لئن كان نبيًا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلًا أمينًا ولا تبعث معنا إلا أمينًا، فقال: "لأبعثنَّ معكم رجلًا أمينًا حق أمين حق أمين"، فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ، فقال: "قُم يا أبا عبيدة بن الجراح" فلما قام، قال رسول الله ﷺ: "هذا أمين هذه الأُمة" رواه البخاري أيضًا ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن أبي إسحاق السبيعي، عن صِلة، عن حذيفة، بنحوه (^٦). وقد رواه أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صِلة، عن ابن مسعود بنحوه (^٧).
وقال البخاري: حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس، عن
_________________
(١) في الأصل: "العيشة" وهو تصحيف.
(٢) في الأصل: "حتى" وهو تصحيف.
(٣) سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٣ - ٥٨٤ وسنده معضل كسابقه.
(٤) "ابن عمر" سقط من الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).
(٥) في سنده عنعنة ابن إسحاق ويشهد له الحديث التالي المتفق عليه.
(٦) صحيح البخاري، المغازي، باب قصة أهل نجران (ح ٤٣٨٠)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب فضائل أبي عبيدة بن الجراح (ح ٢٤٢٠).
(٧) المسند (ح ٣٩٣٠)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، فضل أبي عبيدة بن الجراح (ح ١٣٦).
[ ٢ / ٣٥٥ ]
رسول الله ﷺ، قال: "لكل أُمة أمين، وأمين هذه الأُمة أبو عبيدة بن الجراح" (^١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي أبو يزيد، حدثنا فرات (^٢)، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال أبو جهل قبحه الله، إن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة لآتينَّه حتى أطأ على عنقه، قال: فقال: "لو فعل لأخذته الملائكة عيانًا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا (^٣) لا يجدون مالًا ولا أهلًا" (^٤)، وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٥).
قال ابن مردويه (^٦): وقد روى البيهقي في دلائل النبوة قصة وفد نجران مطولة جدًّا، ولنذكره فإن فيه فوائد كثيرة، وفيه غرابة، وفيه مناسبة لهذا المقام. قال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن سلمة بن عبد يسوع (^٧)، عن أبيه، عن جده، قال يونس - وكان نصرانيًا فأسلم -: إن رسول الله ﷺ، كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه: طس (^٧) سليمان "باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران أسلم أنتم، فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب، والسلام". فلما أتى الأسقف الكتاب وقرأه فَظُعَ به (^٨)، وذعره ذعرًا شديدًا، وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له: شرحبيل بن وداعة، وكان من همدان، ولم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة (^٩) قبله لا الأيهم ولا السيد ولا العاقب، فدفع الأسقف كتاب رسول الله ﷺ إلى شرحبيل فقرأه، فقال الأسقف: يا أبا مريم ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما يؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل، ليس لي في أمر النبوة رأي، ولو كان في أمر من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه برأيي وجهدت لك، فقال الأسقف: تنحَّ فاجلس، فتنحى شرحبيل فجلس ناحية، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له: عبد الله بن شرحبيل، وهو من ذي أصبح من حِمير، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه فقال له مثل قول شرحبيل، فقال له الأسقف:
_________________
(١) صحيح البخاري، المغازي، باب قصة أهل نجران (ح ٤٣٨٢).
(٢) في الأصل: "في قراة" وهو تصحيف.
(٣) في الأصل: "رجعوا" والمثبت هو الصواب.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٢٢٥) وسنده صحيح، وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن عبد الكريم به (التفسير ص ٩٩).
(٥) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] (ح ٣٣٤٨). وقال: حسن صحيح غريب.
(٦) كذا في الأصل و(ح) و(حم)، وفي (عف) و(مح) بدون: "قال ابن مردويه". اهـ. ولم أعلم أن ابن مردويه ينقل عن البيهقي.
(٧) كذا في (عف) و(ح) و(حم) والتخريج، وفي الأصل: "سيوع" وهو تصحيف.
(٨) كذا في (عف) والتخريج، وفي الأصل: "قطع به" وهو تصحيف، ومعناه: افزعه.
(٩) في الأصل: "معطلة" وهو تصحيف، وما أثبت من (عف).
[ ٢ / ٣٥٦ ]
تنحَ (^١) فاجلس، فتنحى فجلس ناحية، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له: جبار بن فيض (^٢) من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس، فأقرأه الكتاب، وسأله عن الرأي فيه؟ فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله، فأمره الأسقف، فتنحى فجلس ناحية، فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعًا، أمر الأسقف بالناقوس فضرب به، ورفعت النيران والمسوح في الصوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلًا ضربوا بالناقوس ورفعت النيران في الصوامع، فاجتَمع حين ضُرب بالناقوس ورفعت المسوح، أهل الوادي أعلاه وأسفله، وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع، وفيه (^٣) ثلاث وسبعون قرية وعشرون ومائة ألف مقاتل، فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ، وسألهم عن الرأي فيه، فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي وجبار بن فيض الحارثي، فيأتونهم بخبر رسول الله ﷺ.
فانطلق الوفد حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم، ولبسوا حُللًا لهم يجرونها من حبرة وخواتيم الذهب، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله ﷺ فسلموا عليه، فلم يرد عليهم، وتصدوا لكلامه نهارًا طويلًا، فلم يكلمهم وعليهم تلك الحُلل وخواتيم الذهب، فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وكانا (^٤) معرفة لهم، فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس، فقالوا: يا عثمان ويا عبد الرحمن، إن نبيكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه نهارًا طويلًا، فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأي منكما، أترون أن نرجع؟ فقالا (^٥) لعلي بن أبي طالب وهو في القوم: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟ فقال علي لعثمان وعبد الرحمن: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم (^٦)، ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودوا إليه، ففعلوا فسلموا عليه فرد سلامهم، ثم قال: "والذي بعثني بالحق، لقد أتوني المرة الأولى وإن إبليس لمعهم". ثم ساءلهم وساءلوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى، فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى، يسرنا إن كنت نبيًّا أن نسمع ما تقول فيه؟ فقال رسول الله ﷺ: "ما عندي [فيه] (^٧) شيء يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقول لي [الله تعالى] (^٨) في عيسى" فأصبح الغد، وقد أنزل الله هذه الآية ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ فأبوا أن يقرّوا بذلك، فلما أصبح رسول الله ﷺ الغد بعدما أخبرهم الخبر، أقبل مشتملًا على الحسن والحسين في خميل
_________________
(١) قوله: "تنحَ" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(مح).
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(مح)، وفي الأصل: "قيصر" وهو تصحيف.
(٣) في الأصل: "وغيره"، والتصويب من (عف) و(ح) و(مح) والتخريج.
(٤) في الأصل: "وكان"، والتصويب من (عف) و(ح) و(مح) والتخريج.
(٥) في الأصل: "وقال"، والتصويب كسابقه.
(٦) في الأصل: "وخواتمهم".
(٧) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٨) الزيادة من (عف).
[ ٢ / ٣٥٧ ]
له، وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة، وله يومئذٍ عدة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: لقد علمتما أن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردُّوا ولم يصدروا إلا عن رأيي، وإني والله أرى أمرًا ثقيلًا، والله لئن كان هذا الرجل ملكًا مبعوثًا فكنا أول العرب طعنًا (^١) في عينيه وردًا عليه أمره، لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة، وإنا لأدنى العرب منهم جوارًا، ولئن كان هذا الرجل نبيًا مرسلًا فلاعنَّاه، لا يبقى منَّا على وجه الأرض منا شعر ولا ظفر إلا هلك، فقال له صاحباه: فما الرأي يا أبا مريم؟ فقال: رأي أن أحكمه، فإني أرى رجلًا لا يحكم شططًا أبدًا، فقالا له: أنت وذاك، قال: فتلقى شرحبيل رسول الله ﷺ، فقال له: إني قد رأيت خيرًا من ملاعنتك. فقال: "وما هو؟ " فقال: حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز، فقال رسول الله ﷺ: "لعلَّ وراءك أحدًا يثرِّب عليك"؟ فقال شرحبيل: سل صاحبي، فسألهما فقالا: ما يرد الوادي (^٢) ولا يصدر إلا عن رأي شرحبيل. فرجع رسول الله ﷺ فلم يلاعنهم حتى إذا كان الغد أتوه، فكتب لهم هذا الكتاب "بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما كتب محمد النبي رسول الله لنجران - إن كان عليهم حكمه - في كل ثمرة (^٣) وكل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق فاضل عليهم، وترك ذلك كله لهم على ألفي حلّة، في كل رجب ألف حلّة، وفي صفر ألف حقة" وذكر تمام الشروط وبقية السياق (^٤).
والغرض أن وفودهم كان في سنة تسع، لأن الزهري قال: كان أهل نجران أول من أدّى الجزية إلى رسول الله ﷺ، وآية الجزية إنما أنزلت بعد الفتح، وهي قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة].
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن داود المكي، حدثنا بشر بن مهران، حدثنا محمد بن دينار، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر، قال: قدم على النبي ﷺ العاقب والطيب، فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه الغداة، قال: فغدا رسول الله ﷺ، فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيبا وأقرَّا له بالخراج، قال: فقال رسول الله ﷺ: "والذي بعثني بالحق لو قالا: لا، لأمطر عليهم الوادي نارًا" قال جابر: وفيهم نزلت ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ قال جابر: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ رسول الله ﷺ وعلي بن أبي طالب ﴿أَبْنَاءَنَا﴾ الحسن والحسين ﴿وَنِسَاءَنَا﴾ فاطمة (^٥). وهكذا رواه
_________________
(١) في الأصل: "طعن"، وصححت في (عف) كما هو مثبت.
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: "الرأي" وهو تصحيف.
(٣) في الأصل: "في كل غرة" وهو تصحيف.
(٤) دلائل النبوة ٥/ ٣٨٥ - ٣٨٩ وفي سنده سلمة بن عبد يشوع، ذكره ابن قطلوبغا، وذكر أنه لم يقف على ذكر له ولا لأبيه ولا جده (من روى عن أبيه عن جده ص ٢٥٦). وذكر الحافظ ابن كثير في مطلعه أن فيه غرابة، ومن هذه الغرائب مطلع الكتاب: باسم إله إبراهيم وقد نقده ابن القيم بقوله: لا أظن ذلك محفوظًا، وقد كتب إلى هرقل: "بسم الله الرحمن الرحيم " هذه كانت سنته في كتبه إلى الملوك (زاد المعاد ١/ ٦٤٢).
(٥) في سنده بشر بن مهران قال ابن أبي حاتم: ترك أبي حديثه كما في الجرح والتعديل، وقد توبع في رواية الحاكم لكن ذكر الحافظ ابن كثير أن المرسل عن الشعبي أصح كما سيأتي في الحديث الآتي.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
الحاكم في مستدركه عن علي بن عيسى، عن أحمد بن محمد الأزهري (^١)، عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند به بمعناه، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه هكذا قال (^٢). وقد رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن مغيرة، عن الشعبي مرسلًا، وهذا أصح. وقد روي عن ابن عباس والبراء نحو ذلك.
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ أي: هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا معدل عنه ولا محيد ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: عن هذا إلى غيره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ أي: من عدل عن الحق إلى الباطل فهو المفسد والله عليم به، وسيجزيه على ذلك شر الجزاء، وهو القادر الذي لا يفوته شيء [سبحانه وبحمده ونعوذ به من حلول نقمته] (^٣).
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾.
هذا الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن جرى مجراهم. ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ والكلمة تطلق على الجملة المفيدة، كما قال ههنا، ثم وصفها بقوله: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: عدل ونصف نستوي نحن وأنتم فيها، ثم فسرها بقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ لا وثنًا ولا صليبًا ولا صنمًا ولا طاغوتًا ولا نارًا ولا شيئًا، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له، وهذه دعوة جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء]، [وقال تعالى] (^٤): ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
قال ابن جريج: يعني يطيع بعضنا بعضًا في معصية الله (^٥).
وقال عكرمة: يسجد بعضنا لبعض (^٦).
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ أي: فإن تولوا عن هذا النصف وهذه الدعوة، فَأَشْهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم. وقد ذكرنا في شرح البخاري عند روايته من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن أبي سفيان في قصته حين دخل على قيصر، فسأله عن نسب رسول الله ﷺ، وعن صفته ونعته وما يدعو إليه، فأخبره بجميع ذلك على الجلية، مع أن أبا سفيان كان إذ ذاك مشركًا، لم يسلم بعد، وكان ذلك بعد صلح الحديبية وقبل الفتح، كما هو مصرح به في الحديث، ولأنه لما سأله: هل يغدر؟ قال فقلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها، قال: ولم تُمكني كلمة
_________________
(١) في الأصل: "الأزهر".
(٢) المستدرك ٢/ ٥٩٣ - ٥٩٤.
(٣) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(مح).
(٤) زيادة من (عف) و(ح) و(مح).
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سنيد عن حجاج بن محمد عنه.
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق الحكم بن أبان عنه.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
أزيد فيها شيئًا سوى [هذه] (^١)، والغرض أنه قال: ثم جيء بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم؛ من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فأسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين (^٢) ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ (^٣).
وقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد أن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها، نزلت في وفد نجران (^٤)، وقال الزهري: هم أول من بذل الجزية، ولا خلاف أن آية الجزية نزلت بعد الفتح، فما الجمع بين كتابة هذه الآية قبل الفتح إلى هرقل في جملة الكتاب، وبين ما ذكره محمد بن إسحاق والزهري؟ والجواب من وجوه:
(أحدها): يحتمل أن هذه الآية نزلت مرتين، مرة قبل الحديبية، ومرة بعد الفتح.
(الثاني): يحتمل أن صدر سورة آل عمران، نزل في وفد نجران إلى عند هذه الآية، وتكون هذه الآية، نزلت قبل ذلك، ويكون قول ابن إسحاق: إلى بضع وثمانين آية، ليس بمحفوظ لدلالة حديث أبي سفيان.
(الثالث): يحتمل أن قدوم وفد نجران، كان قبل الحديبية، وأن الذي بذلوه مصالحة عن المباهلة لا على وجه الجزية، بل يكون من باب المهادنة والمصالحة، ووافق نزول الجزية بعد ذلك على وفق ذلك، كما جاء فرض الخمس والأربعة أخماس وفق ما فعله عبد الله بن جحش في تلك السرية قبل بدر، ثم نزلت فريضة القسم على وفق ذلك.
(الرابع): يحتمل أن رسول الله ﷺ، لما أمر بكتب هذا الكلام في كتابه إلى هرقل، لم يكن أنزل بعد، ثم أنزل القرآن موافقة له ﷺ، كما نزل بموافقة عمر بن الخطاب في الحجاب وفي الأسارى، وفي عدم الصلاة على المنافقين، وفي قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] وفي قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ الآية [التحريم: ٥].
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾.
ينكر ﵎ على اليهود والنصارى في محاجتهم في إبراهيم الخليل ﵇، ودعوى كل
_________________
(١) "هذه": سقطت من الأصل واستدركت من (عف) و(ح) و(مح).
(٢) الأريسيين: الفلاحين (ينظر: فتح البخاري ١/ ٣٩)، وكذا لفظها في البخاري وأما في (عف) فجاءت بلفظ: "اليريسين"، وفي الأصل: "البريتين" وهو تصحيف.
(٣) صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي (ح ٧).
(٤) ذكره ابن إسحاق بسند ضعيف معضل من طريق محمد بن جعفر بن الزبير (سيرة ابن هشام ١/ ٥٧٦). وأخرجه البيهقي بسند عن ابن إسحاق عن محمد بن سهل بن أبي أُمامة (دلائل النبوة ٥/ ٣٨٥) وسنده معضل أيضًا.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
طائفة منهم أنه كان منهم، كما قال محمد بن إسحاق بن يسار: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس ﵄، قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله ﷺ، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيًا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾ (^١) أي: كيف تدعون أيها اليهود أنه كان يهوديًا، وقد كان زمنه قبل أن ينزل الله التوراة على موسى؟ وكيف تدعون أيها النصارى أنه كان نصرانيًا وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر؟ ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
ثم قال تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦)﴾. هذا إنكار على من يحاج فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علم مما يتعلق بأيديهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد ﷺ، لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لا يعلمون، فأنكر الله عليهم ذلك وأمرهم بردِّ ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقائقها وجلياتها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ أي: متحنفًا عن الشرك قصدًا إلى الإيمان ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهذه الآية كالتي تقدمت في سورة البقرة ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ [البقرة] ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ يقول تعالى: أحق الناس بمتابعة (^٢) إبراهيم الخليل الذين اتبعوه على دينه وهذا النبي؛ يعني محمدًا ﷺ، والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بعدهم.
قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ، قال: "إن لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليي منهم أبي وخليل ربي ﷿" ثم قرأ ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ (^٣)، وقد رواه الترمذي والبزار من حديث أبي أحمد الزبيري (^٤)، عن سفيان الثوري، عن أبيه به، ثم قال البزار: [ورواه غير أبي أحمد، عن سفيان، عن أبيه، عن] (^٥) أبي الضحى، عن عبد الله، ولم يذكر مسروقًا، وكذا رواه الترمذي من طريق وكيع، عن سفيان، ثم قال: وهذا أصح (^٦). لكن رواه وكيع في تفسيره، فقال: حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي
_________________
(١) سنده حسن وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به.
(٢) في الأصل: "متابعة" والمثبت من (عف) و(ح) و(مح).
(٣) سنن سعيد بن منصور (ح ٥٠١) وسنده صحيح، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٢).
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: "أبي محمد" وهو تصحيف.
(٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك كسابقه.
(٦) سنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة آل عمران (ح ٢٩٩٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي =
[ ٢ / ٣٦١ ]
إسحاق، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: ["إن لكل نبي ولاية من النبيين، وإن وليي منهم أبي وخليل ربي ﷿ إبراهيم ﵇"، ثم قرأ ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا …﴾ إلى آخر الآية] (^١) قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ولي جميع المؤمنين برسله.
﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾.
يخبر تعالى عن حسد اليهود للمؤمنين، وبغيهم إياهم الإضلال، وأخبر أن وبال ذلك إنما يعود على أنفسهم وهم لا يشعرون أنهم ممكور بهم،
ثم قال تعالى منكرًا عليهم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠)﴾ أي: تعلمون صدقها وتتحققون (^٢) حقها
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ أي: تكتمون ما في كتبكم من صفة محمد ﷺ وأنتم تعرفون ذلك وتتحققونه
﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)﴾، هذه مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم، وهو أنهم اشتوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار، ويصلوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما رجعهم (^٣) إلى دينهم اطلاعهم على نقيصة وعيب في دين المسلمين، ولهذا قالوا: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى إخبارًا عن اليهود بهذه الآية؛ يعني يهودًا صلت مع النبي ﷺ صلاة الصبح، وكفروا آخر النهار [مكرًا منهم] (^٤)، ليروا الناس أن قد بدت لهم الضلالة منه بعد أن كانوا اتبعوه (^٥).
وقال العوفي عن ابن عباس: قالت طائفة من أهل الكتاب: إذا لقيتم أصحاب محمد أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلم منا (^٦). وهكذا روي عن قتادة والسدي والربيع وأبي مالك (^٧).
_________________
(١) = وأحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري.
(٢) ما بين معقوفين من (عف) و(مح)، وفي الأصل ورد بلفظ: "فذكره"، وكذا في (ح) و(حم).
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: "وتحققون".
(٤) كذا في الأصل و(حم) و(مح)، وفي (عف) بهذا اللفظ وتحته كلمة: "ردهم".
(٥) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف وله شواهد سابقة ولاحقة.
(٨) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول أبي =
[ ٢ / ٣٦٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: لا تطمئنوا أو تظهروا سركم وما عندكم إلا لمن تبع دينكم، ولا تظهروا ما بأيديكم إلى المسلمين فيؤمنوا به ويحتجون به عليكم قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ أي: هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتمِّ الإيمان بما ينزله على عبده ورسوله محمد ﷺ من الآيات البينات، والدلائل القاطعات، والحجج الواضحات وإن كتمتم أيها اليهود ما بأيديكم من صفة محمد في كتبكم التي نقلتموها عن الأنبياء الأقدمين.
وقوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يقولون: لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين، فيتعلموه (^١) منكم، ويساووكم فيه ويمتازون به (^٢) عليكم لشدة الإيمان به، أو يحاجّوكم به عند ربكم، أي: يتخذوه حجة عليكم بما في أيديكم، فتقوم به عليكم الدلالة، وتتركب الحجة في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: الأمور كلها تحت تصريفه، وهو المعطي المانع، يمنُّ على من يشاء بالإيمان والعلم والتصور التام، ويضلُّ من يشاء فيعمي بصره وبصيرته، ويختم على قلبه وسمعه، ويجعل على بصره غشاوة، وله الحجة والحكمة ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ أي: اختصكم أيها المؤمنون من الفضل بما لا يحد ولا يوصف بما شرف به نبيكم محمدًا ﷺ على سائر الأنبياء، وهداكم به لأكمل الشرائع.
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾.
يخبر تعالى عن اليهود بأن منهم الخونة ويحذر المؤمنين من الاغترار بهم، فإن منهم ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ أي: من المال ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [أي: وما دونه بطريق الأولى أن يؤديه إليك] (^٣) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ أي: بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك، وإذا كان هذا صنيعه في الدينار فما فوقه أولى أن لا يؤديه إليك. وقد تقدم الكلام على القنطار في أول السورة، وأما الدينار فمعروف.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا سعيد بن عمرو السكوني (^٤)، حدثنا بقية، عن زياد بن الهيثم، حدثنا مالك بن دينار، قال: إنما سمي الدينار لأنه دين ونار.
قال: معناه: من أخذه بحقه فهو دينه، ومن أخذه بغير حقه فله النار (^٥).
_________________
(١) = مالك أخرجه الطبري بسند ضعيف، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الربيع أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.
(٢) كذا في (عف) و(حم) و(ح)، وفي الأصل: "ليتعلمونه".
(٣) كذا في (عف) و(حم) و(ح)، وفي الأصل بدون ذكر: "به".
(٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٥) في الأصل: "السلوني" وهو تصحيف.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
ومناسب أن يذكر ههنا الحديث الذي علقه البخاري في غير موضع من صحيحه، ومن أحسنها سياقه في كتاب الكفالة حيث قال: وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ، أنه ذكر رجلًا من بني إسرائيل، سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدًا. قال: ائتني بالكفيل. قال: كفى بالله كفيلًا. قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركبًا يركبها ليقدم عليه في الأجل الذي أجله، فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه ثم زجج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر فقال: اللّهم إنك تعلم أني كنت تسلفت (^١) فلانًا ألف دينار فسألني شهيدًا، فقلت: كفى بالله شهيدًا، وسألني كفيلًا، فقلت: كفى بالله كفيلًا فرضي بذلك، وأني جهدت أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني استودعتكها، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج (^٢) إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه لينظر لعل مركبًا يجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال [فأخذها لأهله حطبًا، فلما كسرها وجد المال] (^٣) والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه، فأتاه بألف دينار، وقال: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إلي بشيء؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل هذا، قال: فإن الله قد أدّى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف (^٤) بألف دينار راشدًا، هكذا رواه البخاري في موضع معلقًا بصيغة الجزم، وأسنده في بعض المواضع من الصحيح عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه. ورواه الإمام أحمد في مسنده هكذا مطولًا، عن يونس بن محمد المؤدب عن الليث به (^٥)، ورواه البزار في مسنده عن الحسن بن مدرك، عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، بنحوه، ثم قال: لا يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، كذا قال وهو خطأ لما تقدم.
وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أي: إنما حملهم على جحود الحق أنهم يقولون: ليس علينا في ديننا حرج في أكل أموال الأميين وهم العرب، فإن الله قد أحلها لنا، قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: وقد اختلقوا هذه المقالة، وائتفكوا (^٦) بهذه الضلالة، فإن الله حرَّم عليهم أكل الأموال إلا بحقها وإنما هم قوم بُهُت.
قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن أبي إسحاق الهمداني، عن صعصعة بن يزيد، أن رجلًا سأل ابن عباس، فقال: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة، قال ابن
_________________
(١) قوله: "كنت تسلفت" كذا في صحيح البخاري و(حم) وفي الأصل: "أسلفت"، وفي (عف): "سلّفت".
(٢) في الأصل: "فخرج" والتصويب من البخاري و(حم).
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) وصحيح البخاري.
(٤) في الأصل: "فانصف" وهو تصحيف.
(٥) تقدم تخريجه في تفسير آية الدين في سورة البقرة آية ٢٨٢.
(٦) في الأصل: "وانتقلوا"، والتصويب من (ح) و(حم) و(مح).
[ ٢ / ٣٦٤ ]
عباس: فتقولون ماذا؟ قال: نقول: ليس علينا بذلك بأس، قال: هذا كما قال أهل الكتاب: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾، إنهم إذا أدَّوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم (^١). وكذا رواه الثوري عن أبي إسحاق بنحوه (^٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا يعقوب، حدثنا جعفر، عن سعيد بن جبير، قال: لما قال أهل الكتاب: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ قال: نبي الله ﷺ: "كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة، فإنها مؤداة إلى البر والفاجر" (^٣).
ثم قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى﴾ أي: لكن من أوفى بعهده واتقى منكم يا أهل الكتاب الذي عاهدكم الله عليه من الإيمان بمحمد ﷺ إذا بعث كما أخذ العهد والميثاق على الأنبياء وأممهم بذلك، واتقى محارم الله واتبع طاعته وشِرعته التي بعث بها خاتم الرسل وسيد البشر ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾.
يقول تعالى: إن الذين يعتاضون عما عاهدوا الله عليه من اتباع محمد ﷺ وذكر صفته للناس وبيان أمره، وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة بالأثمان (^٤) القليلة الزهيدة، وهي: عروض هذه الحياة الدنيا الفانية الزائلة ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: لا نصيب لهم فيها ولا حظ لهم منها ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: برحمة منه لهم، يعني: لا يكلمهم الله كلام لطف بهم، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ أي: من الذنوب والأدناس، بل يأمر بهم إلى النار ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية الكريمة، فلنذكر منها ما تيسر:
(الحديث الأول): قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا شعبة، قال علي بن مدرك (^٥): أخبرني، قال: سمعت أبا زرعة، عن خرشة (^٦) بن الحرّ، عن أبي ذرّ، قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم" قلت: يا رسول الله، من هم؟ خسروا وخابوا. قال: وأعاده رسول الله ﷺ ثلاث مرات، [قال] (^٧): "المسبل، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمنان" (^٨)، ورواه مسلم وأهل السنن من حديث
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الثوري به.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده مرسل.
(٤) في الأصل: "الأيمان" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).
(٥) في الأصل: "علي بن فديك"، والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٦) في الأصل: "حرسه" وهو تصحيف، والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٧) سقط من الأصل واستدرك كسابقه.
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٤٨) وسنده صحيح.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
شعبة به (^١).
(طريق أخرى): قال أحمد: حدثنا إسماعيل، عن الجريري، عن أبي العلاء بن الشخير، عن ابن الأحمس، قال: لقيت أبا ذرّ فقلت له: بلغني عنك أنك تحدث حديثًا عن رسول الله ﷺ قال: أما إنه لا يخالني أن أكذب على رسول الله ﷺ، بعدما سمعته منه، فما الذي بلغك عني؟ قلت: بلغني أنك تقول: ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يشنؤهم الله. قال: قلته وسمعته، قلت: فمن هؤلاء الذين يحبهم الله؟ قال: "الرجل يلقى العدو في فئة فينصب لهم نحره حتى يقتل أو يفتح لأصحابه، والقوم يسافرون فيطول سراهم حتى يحبوا أن يمسّوا الأرض فينزلون، فيتنحى أحدهم يصلي حتى يوقظهم لرحيلهم، والرجل يكون له الجار يؤذيه جواره فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ظعن" قلت: من هؤلاء الذين يشناهم الله؟ قال: "التاجر الحلاف - أو قال: البائع الحلاف -، والفقير المختال، والبخيل المنان" (^٢) غريب من هذا الوجه.
(الحديث الثاني): قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن جرير بن حازم، حدثنا عدي [بن عدي] (^٣)، أخبرني رجاء بن حيوة والعرس بن عميرة، عن أبيه عدي هو ابن عميرة الكِندي، قال: خاصم رجل من كِندة، يقال له: امرؤ القيس بن عابس (^٤)، رجلًا من حضرموت إلى رسول الله ﷺ في أرض، فقضى على الحضرمي بالبينة، فلم يكن له بينة فقضى على امرئ القيس باليمين، فقال الحضرمي: إن أمكنته من اليمين يا رسول الله؟ ذهبت [والله] (^٥) - أو ورب الكعبة - أرضي، فقال النبي ﷺ: "من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد لقي الله ﷿ وهو عليه غضبان" قال رجاء: وتلا رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فقال امرؤ القيس: ماذا لمن تركها يا رسول الله؟ فقال: "الجنة".
قال: فاشهد أني قد تركتها له كلها (^٦). ورواه النسائي من حديث عدي بن عدي به (^٧).
(الحديث الثالث): قال أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "من حلف على يمين هو فيها فاجر، ليقتطع بها مالَ امرئ مسلم، لقي الله ﷿ وهو عليه غضبان". فقال الأشعث: فيَّ والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجحدني، فقدمته إلى رسول الله ﷺ فقال لي رسول الله ﷺ: "ألك بينة؟ " قلت: لا. فقال لليهودي: "احلف" فقلت: يا رسول الله، إذًا يحلف فيذهب مالي.
_________________
(١) صحيح مسلم، الأيمان، بيان غلظ تحريم إسبال الإزار (ح ١٠٦).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ونحو متنه (المسند ٣٥/ ٢٦٩ ح ٢١٣٠)، وصححه محققوه بالمتابعات، وذكر الحافظ ابن كثير أنه غريب من هذا الوجه.
(٣) زيادة من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٤) كذا في المسند، وفي الأصل و(عف) و(حم): "عامر".
(٥) استدرك من المسند.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ونحو متنه (المسند ٤/ ١٩١ - ١٩٢) ورجاله ثقات وجرير بن حازم له أوهام إذا حدث من حفظه، ويشهد له الحديث التالي المتفق عليه.
(٧) السنن الكبرى ٣/ ٤٨٦ (ح ٥٩٩٦).
[ ٢ / ٣٦٦ ]
فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا …﴾ الآية (^١). أخرجاه من حديث الأعمش (^٢).
(طريق أخرى): قال أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن شقيق بن سلمة، حدثنا عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق، لقي الله وهو عليه غضبان" قال: فجاء الأشعث بن قيس، فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه، فقال: فيَّ كان هذا الحديث، خاصمت ابن عمٍّ لي إلى رسول الله ﷺ في بئر كانت لي في يده فجحدني، فقال رسول الله ﷺ: "بينتك أنها بئرك وإلا فيمينه" قال: قلت: يا رسول الله، ما لي بينة، وإن تجعلها بيمينه تذهب بئري، إن خصمي امرؤ (^٣) فاجر، فقال رسول الله ﷺ: "من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق، لقي الله وهلأ عليه غضبان" قال: وقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ (^٤).
(الحديث الرابع): قال أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، قال: حدثنا رِشْدين عن زَبّان، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ، قال: "إن لله تعالى عبادًا لا يكلمهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم" قيل: ومن أولئك يا رسول الله؟ قال: "متبري من والديه راغب عنهما، ومتبرئ من ولده، ورجل أنعم عليه قوم، فكفر نعمتهم وتبرأ منهم" (^٥).
(الحديث الخامس): قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا هشيم، أنبأنا العوام - يعني: ابن حوشب -، عن إبراهيم بن عبد الرحمن - يعني: السكسكي -، عن عبد الله بن أبي أوفى، أن رجلًا أقام سلعة له في السوق، فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعط، ليوقع فيها رجلًا من المسلمين، فنزلت هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا …﴾ الآية. ورواه البخاري من غير وجه عن العوام (^٦).
(الحديث السادس): قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٤٠٤٩) وسنده صحيح.
(٢) صحيح البخاري، الأيمان والنذور، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ …﴾ [آل عمران: ٧٧] (ح ٦٦٧٦)، وصحيح مسلم، الأيمان، باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة (ح ٢٢٠).
(٣) كذا في (عف) و(ح) والتخريج، وفي الأصل: "امز" وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٦/ ١٦٧ ح ٢١٨٤٨) وسنده حسن.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٤٠) وسنده ضعيف بسبب رشدين، وزبان وهو ابن قائد وكلاهما ضعيف.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري من طريق العوام به (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ﴾ ح ٤٥٥١). وسبق أنها نزلت في الأشعث بن قيس، وقد جمع الحافظ ابن حجر بقوله: لا منافاة بين الحديثين بل يحمل على أن النزول كان بالسببين معًا (الفتح ٨/ ٢١٣).
[ ٢ / ٣٦٧ ]
ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل منع ابن السبيل فضل ماء عنده، ورجل حلف على سلعة بعد العصر، - يعني: كاذبًا -، ورجل بايع إمامًا فإن أعطاه وفّى له وإن لم يعطه لم يفِ له" (^١). ورواه أبو داود والترمذي من حديث وكيع، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح (^٢).
﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾.
يخبر تعالى عن اليهود - عليهم لعائن الله -، أن منهم فريقًا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويبدلون كلام الله ويزيلونه عن المراد به، ليوهموا الجهلة أنه في كتاب الله كذلك، وينسبونه إلى الله وهو كذب على الله، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
وقال مجاهد والشعبي والحسن وقتادة والربيع بن أنس: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ﴾ يحرفونه (^٣). وهكذا روى البخاري عن ابن عباس أنهم يحرفون ويزيدون (^٤) (^٥)، وليس أحد من خلق الله يزيل لفظ كتاب من كتب الله، لكنهم يحرفونه يتأولونه على غير تأويله.
وقال وهب بن منبه: إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما (^٦) الله تعالى لم يغير منهما حرف ولكنهم يضلّون بالتحريف والتأويل، وكتبٌ كانوا يكتبونها من عند أنفسهم ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فأما كتبُ الله فإنها محفوظة لا تحول، رواه ابن أبي حاتم (^٧). فإن عنى وهب ما بأيديهم من ذلك، فلا شك أنه قد دخلها التبديل والتحريف والزيادة والنقص، وأما تعريب ذلك المشاهد بالعربية ففيه خطأ كبير وزيادات كثيرة ونقصان ووهم فاحش، وهو من باب تفسير [المعنى المعرب] (^٨)، وفهمُ كثير منهم بل أكثرهم بل جميعهم فاسد، وأما إن عنى كتب الله التي هي كتبه عنده فتلك كما قال: محفوظة لم يدخلها شيء.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٨٠) وسنده صحيح، أخرجه مسلم من طريق أبي معاوية عن الأعمش به (الصحيح، الأيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار … ح ١٠٨).
(٢) سنن أبي داود، البيوع، باب في منع الماء (ح ٣٤٧٤)، وسنن الترمذي، السير، باب ما جاء في نكث البيعة (ح ١٥٩٥).
(٣) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.
(٤) هذه اللفظة في الأصل غير واضحة ومصحفة.
(٥) لم أجده في صحيح البخاري ولكن رواه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، ويشهد له ما تقدم.
(٦) كذا في (عف) و(حم) و(ح).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عبد الصمد بن معقل عن وهب.
(٨) قوله: "المعنى المعرب": كذا في (حم) و(ح)، وفي (عف) و(مح): "المعبر المغرب"، وفي الأصل تصحف إلى: "المغبر بالمعرب".
[ ٢ / ٣٦٨ ]
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾.
قال محمد بن إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال أبو رافع القرظي: حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له: الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ أو كما قال، فقال رسول الله ﷺ: "معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة [غير الله] (^١) ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني" أو كما قال ﷺ، فأنزل الله في ذلك من قولهما (^٢): ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (^٣)، فقوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب والحكمة والنبوة، أن يقول للناس: اعبدوني من دون الله؛ أي الله، وإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل، فلان لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى، ولهذا قال الحسن البصري: لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته، قال: وذلك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضًا؛ يعني: أهل الكتاب كانوا يتعبدون لأحبارهم ورهبانهم، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة].
وفي المسند والترمذي كما سيأتي أن عدي بن حاتم قال: يا رسول الله ما عبدوهم. قال: "بلى إنهم أحلّوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم فذاك عبادتهم إياهم" (^٤).
فالجهلة من الأحبار والرهبان ومشايخ الضلال يدخلون في هذا الذمِّ والتوبيخ بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين فإنما يأمرون بما يأمر الله به، وبلغتهم إياه رسله الكرام، وإنما (^٥) ينهونهم عمّا نهاهم الله عنه وبلغتهم إياه رسله الكرام، فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، هم السفراء بين الله وبين خلقه في أداء ما حملوه من الرسالة وإبلاغ الأمانة، فقاموا بذلك أتم القيام، ونصحوا الخلق، وبلغوهم الحق، وقوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أي: ولكن يقول الرسول للناس: كونوا ربانيين.
_________________
(١) كذا في (عف)، وفي الأصل و(حم): "غيره".
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: "من قوله".
(٣) أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وتفرد بهذا الحديث محمد بن أبي محمد وهو مولى زيد بن ثابت: مجهول، كما في التقريب.
(٤) أخرجه الترمذي من حديث عدي بن حاتم به وأطول ثم قال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب وغُطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث (السنن، التفسير، سورة آل عمران ح ٣٠٩٥) بل غُطيف بن أعين ضعيف (التقريب ص ٤٤٣).
(٥) في الأصل: "وإنها" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم).
[ ٢ / ٣٦٩ ]
قال ابن عباس وأبو رزين وغير واحد: أي حكماء علماء حلماء.
وقال الحسن وغير واحد: فقهاء، وكذا روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وعطاء الخراساني وعطية العوفي. والربيع بن أنس (^١).
وعن الحسن أيضًا: يعني: أهل عبادة وأهل تقوى.
وقال الضحاك في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾: حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيهًا ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ أي: تفهمون معناه، وقرئ ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ بالتشديد من التعليم (^٢) ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ تحفظون ألفاظه.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ أي: ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله: لا نبي مرسل ولا ملك مقرب ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: لا يفعل ذلك [لأن] (^٣) من دعا إلى عبادة غير الله، فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية [النحل: ٣٦]، وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف] وقال إخبارًا عن [الملائكة] (^٤): ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء].
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾.
يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم ﵇ إلى عيسى ﵇ لمهما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة، وبلغ أي مبلغ، ثم جاءه رسول من بعده ليؤمنن به ولينصرنه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته، ولهذا قال تعالى وتقدس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ أي: لمهما أعطيتكم من كتاب وحكمة ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾.
وقال ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس وقتادة والسدي يعني: عهدي (^٥).
_________________
(١) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عكرمة عنه، وقول أبي رزين أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق منصور بن عباد عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عوف الأعرابي عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه. وأخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٢) وكلتاهما قراءتان متواترتان.
(٣) كذا في (عف) و(حم) و(ح)، وفي الأصل: "إلا".
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "أهل مكة" وهو تصحيف.
(٥) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عنه، ويتقوى بالأقوال التالية: فقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الربيع أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق =
[ ٢ / ٣٧٠ ]
وقال محمد بن إسحاق: ﴿إِصْرِي﴾ أي: ثقل ما حملتم من عهدي (^١)؛ يعني: ميثاقي الشديد المؤكد ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: عن هذا العهد والميثاق ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
قال علي بن أبي طالب وابن عمه ابن عباس ﵄: ما بعث الله نبيًا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث الله محمدًا، وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بُعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه (^٢).
وقال طاوس والحسن البصري وقتادة: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضًا (^٣). وهذا لا يضاد ما قاله علي وابن عباس ولا ينفيه، بل يستلزمه ويقتضيه، ولهذا روى عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، مثل قول علي وابن عباس (^٤).
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني مررت بأخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغيّر وجه رسول ﷺ قال: عبد الله بن ثابت، قلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ؟ فقال عمر: رضينا بالله ربًا، بالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، قال: فسُري عن النبي ﷺ وقال: "والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ﵇، ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين" (^٥).
(حديث آخر): قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق، حدثنا حماد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلّوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى حيًا بين أظهركم ما حلّ له إلا أن يتبعني" (^٦).
_________________
(١) = أسباط عنه وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق معمر عنه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق.
(٣) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عنه مختصرًا، وقول علي بن أبي طالب أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه سيف بن عمر وهو متروك.
(٤) قول طاوس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن طاوس عن أبيه، وقول الحسن البصري أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عباد بن منصور، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي جعفر الرازي عنه.
(٥) أخرجه عبد الرزاق بسنده متنه، وسنده حسن.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٦٥، ٢٦٢) وسنده ضعيف فيه جابر بن يزيد الجعفي: ضعيف، وعبد الله بن ثابت: مجهول.
(٧) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (٤/ ١٠٢ ح ٢١٣٥) وسنده ضعيف بسبب مجالد وهو ابن سعيد بن عمير وهو ليس بالقوي وقد تغيّر في آخر عمره (التقريب ٢/ ٢٢٩)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق مجالد به (المسند ٢٣/ ٣٤٩ ح ١٥١٥٦).
[ ٢ / ٣٧١ ]
وفي بعض الأحاديث: "لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي"، [فالرسول] (^١) محمد خاتم الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليه - دائمًا إلى يوم الدين، هو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد، لكان هو الواجب طاعته المقدم على الأنبياء كلهم، ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس، وكذلك هو الشفيع في المحشر في إتيان الربّ ﷻ لفصل القضاء بين عباده، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له، والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين حتى تنتهي النوبة إليه فيكون هو المخصوص به.
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾.
يقول تعالى منكرًا على من أراد دينًا سوى دين الله الذي أنزل به كتبه، وأرسل به رسله، وهو عبادة الله (^٢) وحده لا شريك له، الذي ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [أي: استسلم له من فيهما طوعًا وكرهًا، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ] (^٣) طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل] فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله، والكافر مستسلم لله كرهًا، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم الذي لا يخالف ولا يمانع.
وقد ورد حديث في تفسير هذه الآية على معنى آخر فيه غرابة، فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن النضر العسكري، حدثنا سعيد بن حفص النُفيلي، حدثنا محمد بن محصن العكاشي، حدثنا الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن النبي ﷺ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾، "أما من في السموات فالملائكة، وأما من في الأرض فمن ولد على الإسلام، وأما كرهًا فمن أتي به من سبايا الأمم في السلاسل والأغلال يقادون إلى الجنة وهم كارهون" (^٤).
وقد ورد في الصحيح: "عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل" (^٥) وسيأتي له شاهد من وجه آخر، ولكن المعنى الأول للآية أقوى، وقد قال وكيع في تفسيره، حدثنا سفيان عن منصور، عن مجاهد: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ قال: هو كقوله:
_________________
(١) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: "فإن رسول الله".
(٢) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل و(ح) و(حم): "عبادته".
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم).
(٤) المعجم الكبير ١١/ ١٩٤ (ح ١١٤٧٣)، وسنده ضعيف جدًّا بسبب محمد بن محصن العكاشي فقد كذبه بعض النقاد (ينظر: التقريب ص ٥٠٥) وهو مرسل أيضًا.
(٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب الأسارى في السلاسل (ح ٣٠١٠).
[ ٢ / ٣٧٢ ]
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] (^١)، وقال أيضًا: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ قال: حين أخذ الميثاق (^٢). ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم المعاد فيجازي كلًّا بعمله،
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ يعني: القرآن، ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: من الصحف والوحي، ﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾ وهم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل - وهو يعقوب - الاثني عشر، ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ يعني: بذلك التوراة والإنجيل، ﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهذا يعمُّ جميع الأنبياء جملة ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني: بل نؤمن بجميعهم ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فالمؤمنون من هذه الأمة يؤمنون بكل نبي أرسل، وبكل كتاب أنزل، لا يكفرون بشيء من ذلك، بل هم يصدقون بما أنزل من عند الله، وبكل نبي بعثه الله.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الآية، أي: من سلك طريقًا سوى ما شرعه الله، فلن يقبل منه ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ" (^٣).
وقال الإمام أحمد: "حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عباد بن راشد، حدثنا الحسن (^٤) "، حدثنا أبو هريرة إذ ذاك ونحن بالمدنية، قال: قال رسول ﷺ: "تجيء الأعمال يوم القيامة، فتجيء الصلاة فتقول: يا ربِّ، أنا الصلاة فيقول: إنك على خير وتجيء الصدقة فتقول: يا ربِّ، أنا الصدقة فيقول: إنك على خير، ثم يجيء الصيام فيقول: يا ربِّ، أنا الصيام، فيقول: إنك على خير، ثم تجيء الأعمال كل ذلك يقول الله تعالى: إنك على خير، ثم يجيء الإسلام فيقول: يا ربِّ، أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول الله تعالى: إنك على خير، بك اليوم آخذ وبك أعطى، قال الله في كتابه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ " (^٥)، تفرد به أحمد. قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد: عباد بن راشد ثقة، ولكن الحسن لم يسمع من أبي هريرة (^٦).
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾.
قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله (^٧) بن بزيع البصري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا
_________________
(١) سنده صحيح وأخرجه الطبري من طريق وكيع به.
(٢) سنده صحيح وأخرجه الطبري من طريق وكيع به.
(٣) حديث صحيح تقدم تخريجه من الصحيحين في تفسير سورة آل عمران آية ٣١.
(٤) في الأصل: "الحسين" وهو تصحيف.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٨٧٢٧) وسنده ضعيف منقطع كما صرح ابن الإمام أحمد في آخر الرواية.
(٦) المصدر السابق.
(٧) في الأصل: "عبد"، والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتدَّ ولحق بالشرك، ثم ندم فأرسل إلى قومه أن سلوا لي رسول الله هل لي من توبة؟ فنزلت ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾ فأرسل إليه قومه فأسلم (^١). وهكذا رواه النسائي والحاكم وابن حبان من طريق داود بن أبي هند به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (^٢).
وقال عبد الرزاق: أنبأنا جعفر بن سليمان، حدثنا حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي ﷺ، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه، فأنزل الله فيه ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾ قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه، فقال الحارث: إنك - والله ما علمت - لصدوق، وإن رسول الله لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة، قال: فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه (^٣).
فقوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: قامت عليهم الحجج والبراهين على صدق ما جاءهم به الرسول، ووضح لهم الأمر ثم ارتدوا إلى ظلمة الشرك، فكيف يستحق هؤلاء الهداية بعدما تلبسوا به من العماية؟ ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧)﴾ أي: يلعنهم الله، ويلعنهم خلقه،
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في اللعنة، ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: لا يفتر عنهم العذاب ولا يخفف عنهم ساعة واحدة،
ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾ وهذا من لطفه وبره ورأفته ورحمته وعائدته على خلقه أن من تاب إليه، تاب عليه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾.
يقول تعالى متوعدًا ومتهددًا لمن كفر بعد إيمانه، ثم ازداد كفرًا، أي: استمر عليه إلى الممات، ومخبرًا بأنه لن تقبل لهم توبة عند مماتهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء]، ولهذا قال ههنا: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ أي: الخارجون عن المنهج الحق إلى طريق الغي.
قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح كما سيأتي.
(٢) السنن الكبرى، التفسير، سورة آل عمران، قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦] (ح ٨٥)، والإحسان، باب الردة ٦/ ٣٢٣ (ح ٤٤٦٠)، والمستدرك ٢/ ١٤٢.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وأخرجه الطبري، والباوردي وابن منده كلاهما في الصحابة من طريق جعفر بن سليمان به (ينظر: الإصابة ١/ ٢٧٩) وسنده مرسل فإن مجاهدًا لم يسمع الحارث.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن قومًا أسلموا ثم ارتدوا ثم أسلموا ثم ارتدوا، فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فنزلت هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾. هكذا رواه، وإسناده جيد (^١)،
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ أي: من مات على الكفر فلن [يقبل منه خيرًا أبدًا، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهبًا فيما يراه قربة، كما سئل النبي ﷺ عن عبد الله بن جدعان وكان يقري الضيف ويفكُّ العاني ويطعم الطعام: هل ينفعه ذلك؟ فقال: "لا، إنه لم يقل يومًا من الدهر: ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين" (^٢). وكذلك لو افتدى بملء الأرض ذهبًا ما قبل منه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، وقال: ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ [إبراهيم: ٣١]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)﴾ [المائدة: ٣٦]. ولهذا قال تعالى ههنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ فعطف ﴿وَلَوِ افْتَدَى﴾ به على الأول، فدلَّ على أنه غيره، وما ذكرناه أحسن من أن يقال: إن الواو زائدة، والله أعلم، ويقتضي ذلك أن، (^٣) لا ينقذه من عذاب الله شيء ولو كان قد أنفق مثل الأرض ذهبًا، ولو افتدى نفسه من الله بملء الأرض ذهبًا، بوزن جبالها وتلالها وترابها ورمالها وسهلها ووعرها وبرها وبحرها.
وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثني شعبة، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك، أن النبي ﷺ، قال: "يُقال للرجل (^٤) مِن أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء، أكنت (^٥) مفتديًا به؟ قال: فيقول: نعم، فيقول الله: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم أن لا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا أن تشرك" (^٦)، وهكذا أخرجه البخاري ومسلم (^٧).
(طريق أخرى): وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا حماد عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: "يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول له: يا ابن آدم، كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أي ربِّ أخير منزل، فيقول: سَلّ وتمنّ، فيقول: ما أسأل ولا أتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا فأقتل في سبيلك عشر مرار، لِما يرى من فضل الشهادة، ويؤتى بالرجل من أهل النار فيقول له: يا ابن آدم، كيف وجدت منزلك؟ فيقول: يا ربِّ] (^٨) شرّ منزل، فيقول له: تفتدى مني
_________________
(١) حكم عليه الحافظ ابن كثير بجودة إسناده، وهو إسناد الطبري المتقدم عن ابن عباس.
(٢) أخرجه مسلم من حديث عائشة (الصحيح، الإيمان، باب الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل ح ٢١٤).
(٣) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم).
(٤) في الأصل: "لرجل" وهو تصحيف.
(٥) في الأصل: "كنت"، والتصويب من (عف) و(ح) والتخريج.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٢٧) وسنده صحيح، وهو متفق عليه كما يأتي.
(٧) صحيح البخاري، الأنبياء، باب خلق آدم وذريته (ح ٣٣٣٤)، وصحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين (ح ٢٨٠٥).
(٨) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
[بطلاع] (^١) الأرض ذهبًا؟ فيقول: أي ربِّ نعم، فيقول: كذبت، قد سألتك أقلّ من ذلك وأيسر فلم تفعل، فيرد إلى النار" (^٢). ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ أي: وما لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله ولا يجيرهم من أليم عقابه.
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾.
[روى وكيع في تفسيره عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ قال: البر الجنة] (^٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، سمع أنس بن مالك، يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالًا، وكان أحبّ أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قال أبو طلحة: يا رسول الله، إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحبَّ أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برَّها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال النبي ﷺ: "بخ بخ ذاك مال رابح، ذاك مال رابح، وقد سمعت وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين"، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه، أخرجاه (^٤)، وفي الصحيحين أن عمر قال: يا رسول الله لم أصب مالًا قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال: "حبس الأصل وسبل (^٥) الثمرة" (^٦).
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي عمرو بن حماس، عن حمزة بن عبد الله بن عمر، قال: قال عبد الله: حضرتني هذه الآية ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئًا أحب إليَّ من جارية لي رومية، فقلت: هي حُرَّة لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته للّه لنكحتها، يعني: تزوجتها (^٧).
_________________
(١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: "ملء".
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٠٧) وسنده صحيح، وأخرجه مسلم (الصحيح، كتاب صفات المنافقين ح ٢٨٠٧).
(٣) ما بين معقوفين زيادة من (عف). وسنده حسن ويشهد له ما رواه ابن أبي حاتم من طريقين عن ابن مسعود.
(٤) صحيح البخاري، تفسير سورة آل عمران، باب قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ [آل عمران: ٩٢] (ح ٤٥٥٤)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة (ح ٩٩٨).
(٥) في الأصل: "سبيل".
(٦) أخرجه البخاري بنحوه، الصحيح، الشروط، باب الشروط في الوقت (ح ٢٧٣٧)، وكذا في صحيح مسلم (ح ١٦٣٢).
(٧) كشف الأستار بزوائد البزار (ح ٢٩١٤) وأخرجه ابن أبي حاتم وابن المنذر من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عمر وهذان الإسنادان يقوي بعضهما الآخر.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾.
قال الإمام أحمد: حدثنا هشام بن القاسم، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، قال: قال ابن عباس: حضرت عصابة من اليهود نبي الله ﷺ فقالوا: حدثنا (^١) عن خلال نسألك عنهنَّ لا يعلمهنَّ إلا نبيّ، قال: "سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم شيئًا فعرفتموه لتتابعني على الإسلام" قالوا: فذلك لك، قالوا: أخبرنا عن أربع خلال: أخبرنا أي الطعام حرّم إسرائيل على نفسه؟ وكيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وأخبرنا كيف هذا النبي الأمي في النوم؟ ومن وليُّه من الملائكة؟ فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعنه، فقال: "أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضًا شديدًا، فطال سقمه، فنذر لله نذرًا لئن شفاه الله من سقمه ليُحرمَن أحبّ الطعام والشراب إليه، وكان أحبّ الطعام إليه لحمان الإبل، وأحبّ الشراب إليه ألبانها"؟ فقالوا: اللّهم نعم. قال: "اللّهم اشهد عليهم". وقال: " [أنشدكم] (^٢) بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد، والشبه بإذن الله إن علا ماء الرجل ماء المرأة كان ذكرًا بإذن الله، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله؟ " قالوا: نعم. قال: "اللَّهم اشهد عليهم". وقال: " [أنشدكم] (^٣) بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه، ولا ينام قلبه"؟ قالوا: اللهم نعم. قال: "اللّهم اشهد" قال: "وإن ولييّ جبريل ولم يبعث الله نبيًا قط إلا وهو وليه". قالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك غيره لتابعناك، فعند ذلك قال لله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ …﴾ الآية [البقرة: ٩٧]. ورواه أحمد أيضًا عن حسين بن محمد، عن عبد الحميد به (^٤).
(طريق أخرى): قال أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي، عن بكير بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أقبلت يهود إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٨] قال: "هاتوا" قالوا: أخبرنا عن علامة النبي قال: "تنام عيناه ولا ينام قلبه"، قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة، وكيف تذكر؟ قال: "يلتقي الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة، أذكرت، وإذا علا ماء المرأة أنثت" قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: "كان يشتكي عرق النسا، فلم
_________________
(١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) ورواية المسند، وفي الأصل: "نبئنا".
(٢) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) والتخريج.
(٣) في الأصل: "أشهدكم" والتصويب كسابقه.
(٤) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٢٤٧١، ٢٤٨٣) وسنده حسن، وصححه أحمد شاكر، وأخرجه الترمذي وحسنه (السنن، التفسير، ومن سورة الرعد ح ٣١١٧) وأخرجه الحاكم مختصرًا وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٢).
[ ٢ / ٣٧٧ ]
يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا - قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل - فحرم لحومها" قالوا: صدقت، قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: "ملك من ملائكة الله ﷿ موكل بالسحاب بيده - أو في يديه - مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله ﷿" قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: "صوته". قالوا: صدقت، إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها، إنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر فأخبرنا من صاحبك؟ قال: "جبريل ﵇"، قالوا: جبريل ذاك ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونًا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر، لكان، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ …﴾ إلى آخر الآية (^١) وقد رواه الترمذي والنسائي، من حديث عبد الله بن الوليد العجلي به نحوه، وقال الترمذي: حسن غريب (^٢). وقال ابن جريج والعوفي عن ابن عباس: كان إسرائيل ﵇ وهو يعقوب - يعتريه عِرق النسا بالليل، وكان يقلقه ويزعجه عن النوم، ويقلع الوجع عنه بالنهار، فنذر لله لئن عافاه الله لا يأكل عِرقًا ولا يأكل ولد ما له عرق (^٣). وهكذا قال الضحاك والسدي (^٤). كذا رواه وحكاه ابن جرير في تفسيره، قال: فاتبعه بنوه في تحريم ذلك استنانًا به واقتداءً بطريقه، قال: وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ أي: حرم ذلك على نفسه من قبل أن تنزل التوراة.
قلت: ولهذا السياق بعدما تقدم مناسبتان:
(إحداهما): أن إسرائيل ﵇ حرم أحبَّ الأشياء إليه وتركها لله، وكان هذا سائغًا (^٥) في شريعتهم فله مناسبة بعد قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] فهذا هو المشروع عندنا، وهو الإنفاق في طاعة الله مما يحبه العبد ويشتهيه، كما قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ …﴾ الآية [الإنسان: ٨].
(المناسبة الثانية): لما تقدم السياق في الردِّ على النصارى، واعتقادهم الباطل في المسيح وتبيين زيف ما ذهبوا إليه وظهور الحق واليقين في أمر عيسى وأُمه، كيف خلقه الله بقدرته ومشيئته وبعثه إلى بني إسرائيل يدعو إلى عبادة ربه ﵎، شرع في الردِّ على اليهود، وبيان أن النسخ (^٦) الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع، فإن الله تعالى قد نص في كتابهم التوراة أن نوحًا ﵇ لما خرج من السفينة، أباح الله له جميع دوابّ الأرض يأكل منها، ثم بعد هذا حرَّم إسرائيل على نفسه لُحمان: الإبل وألبانها فاتبعه بنوه في ذلك، وجاءت التوراة بتحريم ذلك، وأشياء أخرى زيادة على ذلك، وكان الله ﷿ قد أذن لآدم في تزويج بناته من بنيه، وقد حرم ذلك بعد ذلك، وكان التسري على الزوجة مباحًا في شريعة إبراهيم ﵇، وقد فعله الخليل في
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه تقريبًا (المسند ٤/ ٢٨٥ ح ٢٤٨٣) وحسنه محققوه إلا السؤال عن الرعد.
(٢) سنن الترمذي، الموضع السابق والسنن الكبرى للنسائي ٥/ ٣٣٦ (ح ٩٠٧٢).
(٣) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من الطريقين وكلاهما ضعيف ويشهد له ما تقدم مرفوعًا.
(٤) قول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري ويشهد له ما تقدم، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٥) قوله: "سائغًا" كذا في (عف) و(حم) و(ح) و(مح)، وفي الأصل: "شائعًا".
(٦) في الأصل: "المسيح"، والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
[ ٢ / ٣٧٨ ]
هاجر لما تسرى بها على سارة، وقد حرم مثل هذا في التوراة عليهم، وكذلك كان الجمع بين الأختين سائغًا (^١)، وقد فعله يعقوب ﵇ جمع بين الأختين، ثم حرم عليهم ذلك في التوراة، وهذا كله منصوص عليه في التوراة عندهم، وهذا هو النسخ بعينه، فكذلك فليكن ما شرعه الله للمسيح ﵇، في إحلاله بعض ما حرم في التوراة، فما بالهم لم يتبعوه؟ بل كذبوه وخالفوه؟ وكذلك ما بعث الله به محمدًا ﷺ من الدين القويم، والصراط المستقيم، وملة أبيه إبراهيم، فما بالهم لا يؤمنون؟ ولهذا قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: كان حلًّا لهم، جميع الأطعمة قبل نزول التوراة إلا ما حرمه إسرائيل، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فإنها ناطقة بما قلناه
﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤)﴾ أي: فمن كذب على الله وادعى أنه شرع لهم السبت والتمسك بالتوراة دائمًا، وأنه لم يبعث نبيًا آخر يدعو إلى الله بالبراهين والحجج بعد هذا الذي بيناه من وقوع النسخ وظهور ما ذكرناه ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ أي: قل يا محمد صدق الله فيما أخبر به وفيما شرعه في القرآن، ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: اتبعوا مِلَّة إبراهيم التي شرعها في القرآن على لسان محمد ﷺ فإنه الحق الذي لا شك فيه ولا مرية، وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكل منها ولا أبين ولا أوضح ولا أتم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام].
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾.
يخبر تعالى أن أول بيت وضع للناس؛ أي: لعموم الناس لعبادتهم ونسكهم، يطوفون به، ويصلون إليه، ويعتكفون عنده ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ يعني: الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل ﵇ الذي يزعم كل من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجه، ولا يحجون إلى البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك ونادى الناس إلى حجه، ولهذا قال تعالى: ﴿مُبَارَكًا﴾ أي: وضع مباركًا ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ وقد قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذرّ ﵁، قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: "المسجد الحرام". قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى". قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة". قلت: ثم أي؟ قال: "ثم حيث أدركتَ الصلاة فصلّ فكلها مسجد" (^٢). وأخرجه البخاري ومسلم من حديث الأعمش به (^٣).
_________________
(١) في الأصل: "سابقًا" وهو تصحيف.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٥٠) وسنده صحيح.
(٣) صحيح البخاري، الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ …﴾ [ص: ٣٠] (ح ٣٤٢٥)، وصحيح مسلم، المساجد، الحديث الأول (ح ٥٢٠).
[ ٢ / ٣٧٩ ]
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن (^١) بن محمد بن الصباح، حدثنا سعيد بن سليمان، عن شريك، عن مجالد، عن الشعبي، عن علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ قال: كانت البيوت قبله، ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله (^٢).
وحدثنا أبي، حدثنا الحسن (^٣) بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة (^٤)، قال: قام رجل إلى علي ﵁، فقال: ألا تحدثني عن البيت، أهو أول بيت وضع في الأرض؟ قال: لا، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا (^٥). وذكر تمام الخبر في كيفية بناء إبراهيم البيت، وقد ذكرنا ذلك مستقصى في أول سورة البقرة فأغنى عن إعادته هنا.
وزعم السدي أنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقًا (^٦)، والصحيح قول علي ﵁. فأما الحديث الذي رواه البيهقي في بناء الكعبة في كتابه دلائل النبوة من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: "بعث الله جبريل إلى آدم وحواء، فأمرهما ببناء الكعبة، فبناه آدم، ثم أمر بالطواف به، وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت وضع للناس" (^٧) فإنه كما ترى من مفردات (^٨) ابن لهيعة وهو ضعيف. والأشبه - والله أعلم - أن يكون هذا موقوفًا على عبد الله بن عمرو، ويكون من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك من كلام أهل الكتاب.
وقوله تعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ بكة من أسماء مكة على المشهور، قيل: سميت بذلك لأنها تبكُّ أعناق الظلمة والجبابرة (^٩) بمعنى أنهم يذلون بها ويخضعون عندها. وقيل: لأن الناس يتباكون فيها؛ أي يزدحمون (^١٠). قال قتادة: إن الله بكَّ به الناس جميعًا، فيصلي النساء أمام الرجال ولا يفعل ذلك ببلد غيرها (^١١). وكذا روى عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعمرو بن شعيب ومقاتل بن حيان (^١٢).
_________________
(١) في الأصل: "الحسين" وهو تصحيف، والتصويب من التخريج و(عف).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وفيه مجالد وهو ابن سعيد ليس بالقوي كما في التقريب، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [يونس: ٨٧]. ورجح قول علي الحافظ ابن كثير كما سيأتي.
(٣) في الأصل: "الحسين" وهو تصحيف، والتصويب كسابقه.
(٤) في الأصل: "عمرة" وهو تصحيف والتصويب من التخريج و(عف) و(ح) و(حم).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه كاملًا، وفي سنده خالد بن عرعرة سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٣/ ٣٤٣)، وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل عن سماك به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٣).
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم سند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٧) دلائل النبوة ٢/ ٤٥، وقد أكد البيهقي على تفرد ابن لهيعة بهذا الحديث.
(٨) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "تفردات" وكلاهما صحيح.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بنحوه بسند صحيح عن محمد بن زيد بن مهاجر.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بنحوه بسند حسن عن أبي جعفر محمد بن علي بن حسين.
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم بلفظه بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(١٢) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند وقول مجاهد وقتادة أخرجهما الطبري بأسانيد حسان.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
وذكر حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: مكة من الفخ (^١) إلى التنعيم، وبكَّة من البيت إلى البطحاء (^٢).
وقال شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم: بكّة البيت والمسجد (^٣)، وكذا قال الزهري (^٤). وقال عكرمة في رواية وميمون بن مهران: البيت وما حوله بكة، وما وراء ذلك مكة (^٥).
وقال أبو صالح وإبراهيم النخعي وعطية العوفي ومقاتل بن حيان: بكَّة موضع البيت وما سوى ذلك مكة (^٦). وقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة: مكَّة، وبكَّة، والبيت العتيق، والبيت الحرام، والبلد الأمين، والمأمون، وأُم رحم، وأُم القرى، وصلاح، والعرش على وزن بدر، [والقادس] (^٧) لأنها تطهر من الذنوب، والمقدسة، والناسة بالنون، وبالباء أيضًا والحاطمة، والنسّاسة، والرأس، وكوثاء والبلدة، والبنية، والكعبة (^٨).
وقوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ أي: دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم، وأن الله عظَّمه وشرفه، ثم قال تعالى: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني: الذي لما ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله إسماعيل، وقد كان مُلتصقًا بجدار البيت حتى أخره عمر بن الخطاب ﵁ في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطَّواف، ولا [يشوشون] (^٩) على المصلين عنده بعد الطواف، لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقد قدمنا الأحاديث في ذلك فأغنى عن إعادتها ههنا، ولله الحمد والمنة.
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾: أي فمنهنّ مقام إبراهيم والمشْعَر (^١٠).
وقال مجاهد: أثر قدميه في المقام آية بينة، وكذا روى عن عمر بن عبد العزيز والحسن وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان وغيرهم (^١١)، وقال أبو طالب في قصيدته:
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة … على قدميه حافيًا غير ناعل
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد [الأشج] (^١٢) وعمرو الأودي، قالا: حدثنا وكيع، حدثنا
_________________
(١) الفخ: هو وادي الزاهر لكثرة الأشجار والأزهار.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم عن حماد معلقًا.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن شعبة به.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق غالب بن عبيد الله عنه وغالب هذا: ضعيف (لسان الميزان ٤/ ٥١٤ - ٥١٥).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن برقان عن عكرمة.
(٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وأخرجه بسند حسن عن أبي مالك.
(٧) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: "الفارس" وهو تصحيف.
(٨) وقد ذكر الفاسي جملة من أسماء مكة المكرمة (العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين ١/ ٣٥ - ٣٦).
(٩) كذا في (عف) و(حم) و(ح)، وفي الأصل: "ولا يُشوش" وكلاهما صحيح.
(١٠) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف عنه، والمشعر هو: المشعر الحرام في مزدلفة.
(١١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عباد بن منصور عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق معمر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(١٢) الزيادة من (عف) وتفسير ابن أبي حاتم.
[ ٢ / ٣٨١ ]
سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ قال: الحرم كله مقام إبراهيم [والسياق للأشج] (^١)، ولفظ عمرو: الحج كله مقام إبراهيم (^٢)، وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: الحجّ مقام إبراهيم (^٣). هكذا رأيته في النسخة، ولعله: الحجر كله مقام إبراهيم، وقد صرح بذلك مجاهد (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ يعني: حرم مكة إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية، كما قال الحسن البصري وغيره: كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة ويدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول فلا يهيِّجه حتى يخرج (^٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى التّيْمي، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ قال: من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا [يؤوى] (^٦) ولا يطعم ولا يسقى، فإذا خرج أخذ بذنبه (^٧).
وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ …﴾ الآية [العنكبوت: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش] وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره، وحرمة قطع شجرها وقلع حشيشها، كما ثبتت الأحاديث والآثار في ذلك عن جماعة من الصحابة مرفوعًا وموقوفًا. ففي الصحيحين واللفظ لمسلم عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: " [لا هجرة] (^٨) ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا" (^٩).
وقال يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد [شوكه] (^١٠)، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها" فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخَر فإنه لقينهم ولبيوتهم، فقال: "إلا الإذخَر" (^١١).
ولهما عن أبي هريرة مثله أو نحوه (^١٢)، ولهما واللفظ لمسلم أيضًا عن أبي شريح العدوي أنه
_________________
(١) الزيادة من تفسير ابن أبي حاتم للتوضيح.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عبد الله بن مسلم بن هرمز عن سعيد.
(٤) لم أجده بهذا اللفظ وإنما أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: "الحج كله".
(٥) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق هشام عن الحسن بنحوه.
(٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: "لا يوري" وهو تصحيف.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أبو يحيى التيمي وهو إسماعيل بن إبراهيم الأحول: ضعيف، وقد توبع فقد أخرجه عبد الرزاق من طريق معمر عن ابن طاوس عن أبيه وسنده صحيح.
(٨) سقط واستدرك من (عف) و(حم) و(ح) والتخريج.
(٩) تقدم تخريجه في سورة البقرة آية ٢١٦.
(١٠) في الأصل: "شجره"، والتصويب كسابقه.
(١١) تقدم تخريجه في سورة البقرة آية ٢١٦.
(١٢) تخريجه كسابقه.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: [ائذن] (^١) لي أيها الأمير أن أحدثك قولًا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح سمعته أذناي ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به؛ إنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب". فقيل لأبي شريح: ما قال لك؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيًا، ولا فارًّا بدم، ولا فارًّا بخَزْية (^٢).
وعن جابر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحلّ لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح" رواه مسلم (^٣). وعن عبد الله بن عدي بن الحمراء الزهري أنه سمع رسول الله ﷺ وهو واقف بالحَزْوَرَة في سوق مكة، يقول: "والله إنك لخير أرض الله، وأحبّ أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت". رواه الإمام أحمد، وهذا لفظه (^٤)، والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح، وكذا صحّح من حديث ابن عباس نحوه (^٥)، وروى أحمد عن أبي هريرة نحوه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا بشر بن آدم ابن بنت أزهر السمان، حدثنا أبو عاصم، عن رُزيق بن مسلم الأعمى مولى بني مخزوم، حدثني زياد ابن أبي عياش، عن يحيى بن جعدة بن هبيرة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ قال: آمنًا من النار (^٦). وفي معنى هذا القول الحديث الذي رواه البيهقي: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد، حدثنا محمد بن سليمان الواسطي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا ابن المؤمل، عن ابن محيصن، عن عطاء، عن عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج من سيئة، وخرج مغفورًا له" ثم قال: تفرد به عبد الله بن المؤمل، وليس بالقوي (^٧).
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ هذه آية وجوب الحج عند الجمهور. وقيل: بل هي قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والأول أظهر. وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعًا ضروريًا، وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنصِّ والإجماع.
قال الإمام أحمد ﵀: حدثنا يزيد بن هارون.، حدثنا الربيع بن مسلم القرشي، عن محمد بن
_________________
(١) في الأصل: "ادن"، والتصويب كسابقه.
(٢) تخريجه كسابقه.
(٣) تخريجه كسابقه.
(٤) أخرجه الإمام أحمد من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عدي به (المسند ٤/ ٣٠٥)، وأخرجه الترمذي من طريق أبي سلمة به وصححه (السنن، المناقب، باب ما جاء في فضل مكة ح ٣٩٢١) د وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٣٠٨٢)، وأخرجه الحاكم من الطريق نفسه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٤٣١).
(٥) سنن الترمذي (ح ٣٩٢٢).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده بشر بن آدم وهو صدوق فيه لين كما في التقريب، وزريق بن مسلم لم أجد له ترجمة.
(٧) السنن الكبرى ٥/ ١٥٨، وفي سنده عبد الله بن المؤمل وهو ضعيف الحديث (التقريب ص ٣٢٥).
[ ٢ / ٣٨٣ ]
زياد، عن أبي هريرة، قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فقال: "أيها الناس قد فرض عليكم الحج فحجوا" فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ: "لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم" ثم قال: "ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه" (^١). ورواه مسلم عن زهير بن حرب، عن يزيد بن هارون به نحوه (^٢). وقد روى سفيان بن حسين وسليمان بن كثير وعبد الجليل بن حميد ومحمد بن أبي حفصة عن الزهري، عن أبي سنان الدؤلي واسمه: يزيد بن أُمية، عن ابن عباس ﵁، قال خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج" فقام الأقرع بن حابس، فقال: يا رسول الله أفي كل عام؟ فقال: "لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا أن تعملوا بها، الحجّ مرة فمن زاد فهو تطوع" رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، والحاكم من حديث الزهري به (^٣)، ورواه شريك عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس بنحوه. وروي من حديث أسامة بن يزيد.
قال الإمام أحمد: حدثنا منصور بن وردان عن علي بن عبد الأعلى (^٤)، عن أبيه، عن أبي البَخْتَري، عن علي ﵁، قال: لما نزلت ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ فسكت، قالوا: يا رسول الله في كل عام؟ قال: "لا، ولو قلت: نعم لوجبت"، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (^٥) [المائدة: ١٠١]. وكذا رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث منصور بن وردان به، ثم قال الترمذي: حسن غريب، وفيما قال نظر، لأن البخاري قال: لم يسمع أبو البختري من علي (^٦). وقال ابن ماجه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا محمد بن أبي عبيدة، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك، قال: قالوا: يا رسول الله، الحجّ في كل عام؟ قال: "لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا بها، ولو لم تقوموا بها، لعذبتم" (^٧).
وفي الصحيحين من حديث ابن جريج عن عطاء، عن جابر، أن سراقة بن مالك، قال: يا رسول الله، متعتنا هذه لعامنا هذا، أم للأبد؟ قال: "لا، بل للأبد" (^٨). وفي رواية: "بل لأبد أبد".
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٥٠٨) وسنده صحيح.
(٢) صحيح مسلم، الحج، باب فرض الحج مرة في العمر (ح ١٣٣٧).
(٣) المسند (ح ٢٣٠٤) وصححه أحمد شاكر، وسنن أبي داود، الحج، باب فرض الحج (ح ١٧٢١)، وسنن النسائي، مناسك الحج، باب وجوب الحج ٥/ ١١١، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٣).
(٤) قوله: "عن علي بن عبد الأعلى" تكرر في الأصل.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٩٠٥)، وسنده ضعيف بسبب الانقطاع بين أبي البختري وعلي.
(٦) سنن الترمذي، الحج، باب ما جاء كم فرض الحج (ح ٨١٤)، وسنن ابن ماجه، المناسك، باب فرض الحج (ح ٢٨٨٤)، وأشار إلى انقطاعه أيضًا الحافظ ابن حجر (التلخيص الحبير ٢/ ٢٢٠).
(٧) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، المناسك، باب فرض الحج (ح ٢٨٨٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٣٣٢).
(٨) صحيح البخاري، الشركة، باب اشتراك في الهدي والبدن (ح ٢٥٠٥)، وصحيح مسلم، الحج، باب بيان وجوه الإحرام (ح ١٢١٦).
[ ٢ / ٣٨٤ ]
وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود من حديث واقد بن أبي واقد الليثي، عن أبيه أن رسول الله ﷺ، قال لنسائه في حجته: "هذه ثم ظهور الحصر (^١) - يعني ثم الزمن ظهور الحصر (^١) - ولا تخرجن من البيوت" (^٢).
وأما الاستطاعة فأقسام: تارة يكون الشخص مستطيعًا بنفسه، وتارة بغيره كما هو مقرر في كتب الأحكام.
قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا إبراهيم بن يزيد، قال: سمعت محمد بن عباد بن جعفر يحدث، عن ابن عمر ﵄، قال: قام رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: من الحاج يا رسول الله؟ قال: "الشعث التفل"، فقام آخر فقال: أي الحج أفضل يا رسول الله؟ قال: "العجّ والثجّ" (^٣)، فقام آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله؟ قال: "الزاد والراحلة" (^٤). وهكذا رواه ابن ماجه من حديث إبراهيم بن يزيد وهو الخوزي، قال الترمذي: ولا نعرفه إلا من حديثه، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، كذا قال: ههنا، وقال في كتاب الحج: هذا حديث حسن (^٥). لا يشك أن هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات سوى الخوزي هذا، وقد تكلموا فيه من أجل هذا الحديث، لكن قد تابعه غيره، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله العامري، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن محمد بن عباد بن جعفر، قال: جلست إلى عبد الله بن عمر، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال له: ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة" (^٦). وهكذا رواه ابن مردويه من رواية محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير به، ثم قال ابن أبي حاتم: وقد روي عن ابن عباس وأنس والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك (^٧)، وقد روي هذا الحديث من طرق أخرى من حديث أنس وعبد الله بن عباس وابن مسعود وعائشة كلها مرفوعة، ولكن في أسانيدها مقال، كما هو مقرر في كتاب الأحكام، والله أعلم.
وقد اعتنى الحافظ أبو بكر بن مردويه بجمع طرق هذا الحديث، ورواه الحاكم من حديث أبي
_________________
(١) في لفظي الحصر جاء في الأصل: "الخضر" وهو تصحيف والتصويب من المسند و(عف) و(ح) و(حم).
(٢) المسند ٥/ ٢١٩ وسنده حسن، وسنن أبي داود، المناسك، باب فرض الحج (ح ١٧٢٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١٥١٥).
(٣) العج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: سيلان دماء الهدي أو الأضاحي. كما في حاشية سنن الترمذي.
(٤) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، التفسير، باب ومن سورة آل عمران ح ٢٩٩٨ وفي سنده إبراهيم بن يزيد الخوزي متروك كما في التقريب ص ٩٥).
(٥) سنن الترمذي، الحج، باب إيجاب الحج بالزاد والراحلة (ح ٨١٣).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه محمد بن عبد الله بن عبيد الله الليثي ضعيف (الجرح والتعديل ٧/ ٣٠٠)، فتكون المتابعة التي ذكرها الحافظ ابن كثير ضعيفة وسيأتي كلام الحافظ ابن كثير: بأن هذه الأحاديث المرفوعة في أسانيدها مقال.
(٧) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول ابن عباس أخرجه الدارقطني وابن ماجه وابن المنذر بسند ضعيف (التلخيص الحبير ٢/ ٢٢١)، وقول أنس أخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٤٢) وبقية الأقوال مرسلة. ونقل الحافظ ابن حجر عن ابن المنذر قال: لا يثبت الحديث في ذلك مسندًا، والصحيح من الروايات، رواية الحسن مرسلة (التلخيص الحبير ٢/ ٢٢١).
[ ٢ / ٣٨٥ ]
قتادة، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله ﷺ سئل عن قول الله ﷿: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فقيل: ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة"، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه (^١).
وقال ابن [جرير] (^٢): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن، قال: قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فقالوا: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة" (^٣)، ورواه وكيع في تفسيره عن سفيان، عن يونس به (^٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا الثوري، عن إسماعيل وهو أبو إسرائيل الملائي، عن فضيل - يعني ابن عمرو - عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "تعجلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له" (^٥). وقال أحمد أيضًا: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي، عن مهران بن أبي صفوان، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "من أراد الحج فليتعجل" (^٦). ورواه أبو داود عن مسدد عن أبي معاوية الضرير به (^٧). وقد روى ابن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قال: من ملك ثلاثمائة درهم فقد استطاع إليه سبيلًا (^٨). وعن عكرمة مولاه أنه قال: السبيل الصحة (^٩). وروى وكيع بن الجراح عن [أبي جناب - يعني الكلبي -] (^١٠)، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس، قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قال: "الزاد والبعير" (^١١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: أي ومن جحد فريضة الحجّ فقد كفر والله غني عنه.
وقال سعيد بن منصور، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة، قال: لما نزلت ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، قالت اليهود: فنحن مسلمون، قال الله ﷿: فاخْصِمهم فحجهم؛ يعني فقال لهم النبي ﷺ: "إن الله فرض على المسلمين حج البيت من
_________________
(١) المستدرك ١/ ٤٤٢.
(٢) في الأصل: "ابن جريج" وهو تصحيف.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وهو مرسل.
(٤) وسنده مرسل أيضًا.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وبأسانيد أخرى (المسند ح ١٨٣٣، ١٨٣٤، ٢٨٦٩) وسنده ضعيف، وضعفه أحمد شاكر بسبب أبي إسرائيل، وهو: إسماعيل بن خليفة العبسي: وهو صدوق سيء الحفظ (التقريب ص ١٠٧) ويتقوى بالرواية التالية.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٩٧٤) وصححه أحمد شاكر وأخرجه أبو داود من طريق الأعمش عن الحسن بن عمرو به (السنن، المناسك ح ١٧٣٢) وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٥٢٤) وأخرجه الحاكم من طريق أبي معاوية وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٤٤٨).
(٧) تقدم عزوه في سابقه.
(٨) أخرجه الطبري من طريق أبي عبد الله البجلي عن سعيد بن جبير به. وأخرجه الإمام أحمد من طريق النزال بن عمار عن ابن عباس (مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني ص ٩٧). ورواية النزال عن ابن عباس مرسلة (التقريب ص ٥٦٠).
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق شرحبيل بن شريك عن عكرمة.
(١٠) في الأصل: "أبو حيان" يعني الملكي. وهو تصحيف والتصويب من ترجمته التالية، و(عف) و(ح) و(حم).
(١١) في سنده أبو جناب الكلبي وهو يحيى بن أبي حية ضعفوه لكثرة تدليسه (التقريب ص ٥٨٩) ولم يصرح بالسماع، وفيه الضحاك لم يلق ابن عباس فالإسناد ضعيف.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
استطاع إليه سبيلًا" فقالوا: لم يكتب علينا وأبوا أن يحجوا، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (^١). وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد نحوه.
وقال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر، حَدَّثَنَا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود، حَدَّثَنَا مسلم بن إبراهيم، وشاذ بن فياض، قالا: حَدَّثَنَا هلال أبو هاشم الخراساني، حَدَّثَنَا أبو إسحاق الهمداني عن الحارث، عن علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "من ملك زادًا وراحلة ولم يحج بيت الله، فلا يضره مات يهوديًا أو نصرانيًا، ذلك بأن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (^٢). ورواه ابن جرير من حديث مسلم بن إبراهيم به (^٣). وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي زرعة الرازي: حَدَّثَنَا هلال بن فياض، حَدَّثَنَا هلال أبو هاشم الخراساني … فذكره بإسناده مثله (^٤)، ورواه الترمذي عن محمد بن يحيى القطعي عن مسلم بن إبراهيم، عن هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي به، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال مجهول، والحارث يضعف في الحديث (^٥). وقال البخاري: هلال هذا منكر الحديث. وقال ابن عدي؛ هذا الحديث ليس بمحفوظ. وقد روى أبو بكر الإسماعيلي الحافظ من حديث أبي عمرو الأوزاعي: حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، حدثني عبد الرحمن بن غنم أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: من أطاق الحج [فلم يحج] (^٦)، فسواء عليه يهوديًا مات أو نصرانيًا، وهذا إسناد صحيح إلى عمر ﵁.
وروى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن البصري، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار، فينظروا كل من كان له جدة فلم يحجّ، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين (^٧).
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾.
هذا تعنيف من الله تعالى لكفرة أهل الكتاب على عنادهم للحق، وكفرهم بآيات الله، وصدهم عن سبيل الله من أراده من أهل الإيمان بجهدهم وطاقتهم، مع علمهم بأن ما جاء به الرسول حق من الله، بما عندهم من العلم عن الأنبياء الأقدمين والسادة المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم
_________________
(١) سنده صحيح إلى عكرمة لكنه مرسل ويتقوى بمرسل مجاهد الذي يليه.
(٢) في سنده هلال فيه مقال كما سيأتي عن الترمذي، والحارث هو الأعور الهمداني وهو ضعيف كما في التقريب، وضعفه الحافظ ابن كثير كما سيأتي.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أيضًا الحارث.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده أيضًا الحارث وهلال.
(٥) سنن الترمذي، الحج، باب ما جاء في التغليظ في ترك الحج (ح ٨١٢).
(٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٧) في سنده الحسن البصري لم يسمع من عمر، ويشهد له سابقه من رواية الإسماعيلي التي صحح الحافظ ابن كثير سندها.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
أجمعين، وما بشروا به ونوهوا به من ذكر النبيّ الأميّ الهاشميّ العربي المكي، سيد ولد آدم، وخاتم الأنبياء، ورسول ربّ الأرض والسماء، وقد توعدهم الله على ذلك، وأخبر بأنه شهيد على صنيعهم ذلك وما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء ومقابلتهم الرسول المبشر به بالتكذيب والجحود والعناد، فأخبر تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون، وسيجزيهم على ذلك يوم لا ينفعهم مال ولا بنون.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾
يحذر ﵎ عباده المؤمنين عن أن يطيعوا طائفة من أهل الكتاب الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله وما منحهم به من إرسال رسوله، كما قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩]، وهكذا قال ههنا: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ثم قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ يعني: أن الكفر بعيد منكم وحاشاكم منه، فإن آيات الله تنزل على رسوله ليلًا ونهارًا، وهو يتلوها عليكم ويبلغها إليكم، [وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩)﴾ [الحديد: ٨، ٩] (^١)، وكما جاء في الحديث أن النَّبِيّ ﷺ، قال لأصحابه يومًا: "أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانًا؟ " قالوا: الملائكة. قال: "وكيف لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ " وذكروا الأنبياء، قال (^٢): "وكيف لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم؟ " قالوا: فنحن (^٣). قال: "وكيف لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ " قالوا: فأي الناس أعجب إيمانًا؟ قال: "قوم يجيئون من بعدكم يجدون صحفًا يؤمنون بما فيها" (^٤). وقد ذكرت سند هذا الحديث والكلام عليه في أول شرح البخاري، وللّه الحمد.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: ومع هذا فالاعتصام باللّه والتوكل عليه هو العمدة في الهداية، والعدّة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد وحصول المراد.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾.
قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا عبد الرحمن، عن سفيان وشعبة، عن زبيد اليامي، عن مُرَّة، عن عبد الله هو ابن مسعود ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال: أن يطاع فلا يعصى،
_________________
(١) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(مح).
(٢) في الأصل: "قالوا: فالأنبياء".
(٣) في الأصل: "ونحن".
(٤) حديث ضعيف تقدم في تفسير الآية رقم (٣).
[ ٢ / ٣٨٨ ]
وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر (^١). وهذا إسناد صحيح موقوف، [وقد تابع مُرّة عليه عمرو بن ميمون عن ابن مسعود] (^٢)، وقد رواه ابن مردويه من حديث يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن سفيان الثوري، عن زبيد، عن مُرَّة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى" (^٣). وكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث مسعر عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود مرفوعًا (^٤) … فذكره، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٥)، كذا قال، والأظهر والأشهر أنه موقوف، واللّه أعلم. ثم قال ابن أبي حاتم: وروي نحوه عن مرة الهمداني والربيع بن خُثيم وعمرو بن ميمون وإبراهيم النخعي وطاوس والحسن وقتادة وأبي سنان والسدي، نحو ذلك (^٦). وروي [عن أنس أنه] (^٧) قال: لا يتقي الله العبد حق تقاته حتَّى يخزن لسانه (^٨).
وقد ذهب سعيد بن جبير وأبو العالية، والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم والسدي وغيرهم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال: [لم] (^٩) تنسخ، ولكن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يجاهدوا في سبيله حق جهاده ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم (^١٠). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، فعياذًا باللّه من خلاف ذلك.
قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا روح، حَدَّثَنَا شعبة، قال: سمعت سليمان، عن مجاهد: أن الناس كانوا يطوفون بالبيت وابن عباس جالس معه محجن، فقال: قال رسول الله ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾، ولو أن قطرة من الزقوم قُطِرت لأَمَرّتْ على أهل الأرض عيشَهم، فكيف بمن ليس له طعام إلا الزقوم؟ " (^١١)، وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من طرق عن شعبة به، وقال
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وحكم عليه الحافظ ابن كثير.
(٢) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(مح).
(٣) رجح الحافظ ابن كثير وقفه كما سيأتي في تعليقه على رواية الحاكم.
(٤) الحديث في المستدرك ورد موقوفًا (المستدرك ٢/ ٢٩٤).
(٥) صححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٤).
(٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف الأسانيد، وقد أخرج أقوالهم الطبري بأسانيد ثابتة.
(٧) في الأصل: "وروى أنس به" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطاء الواسطي عن أنس، وعطاء هذا متروك بل كذب (التقريب ٢/ ٢٢).
(٩) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(١٠) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عنه.
(١١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٧٣٥) وصححه أحمد شاكر وسبقه النقاد المتقدمون كما سيأتي.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^١).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد ربِّ الكعبة، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: "من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن باللّه واليوم الآخَر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه" (^٢).
وقال الإمام أحمد أيضًا: حَدَّثَنَا أبو معاوية، حَدَّثَنَا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث: "لا يموتن (^٣) أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ﷿" «^٤)، ورواه مسلم من طريق الأعمش به (^٥).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا حسن بن موسى، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، حَدَّثَنَا أبو يونس، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله قال: أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظنَّ بي خيرًا فله، وإن ظن شرًا فله" (^٦)، وأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين من وجه آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي" (^٧).
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الملك القرشي، حَدَّثَنَا جعفر بن سليمان، عن ثابت وأحسبه عن أنس، قال: كان رجل من الأنصار مريضًا، فجاءه النَّبِيّ ﷺ يعوده، فوافقه في السوق فسلم عليه، فقال له: "كيف أنت يا فلان؟ " قال: بخير يا رسول الله، أرجو الله وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله ﷺ: "لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف"، ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غير جعفر بن سليمان، وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديثه، ثم قال الترمذي: [حسن] (^٨) غريب، وقد رواه بعضهم عن ثابت مرسلًا (^٩). فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام، قال: بايعت رسول الله ﷺ أن لا أخر إلا قائمًا (^١٠). ورواه النسائي في سننه عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن شعبة
_________________
(١) سنن الترمذي، أبواب صفة النار (ح ٢٥٨٥)، وتفسير النسائي ص ٣٤ وسنن ابن ماجة، الزهد، باب صفة النار (ح ٤٢٢٥)، وصححه الترمذي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٤).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٦٨٠٧) وصححه أحمد شاكر.
(٣) في الأصل: "لا يؤمن" وهو تصحيف والتصحيح من (عف) و(ح) و(حم) والمسند.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٣١٥) وسنده صحيح.
(٥) صحيح مسلم، الجنة وصفة نعيمها، باب الأمر بحسن الظن باللّه تعالى عند الموت (ح ٢٨٧٧).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٣٩١) وسنده حسن.
(٧) صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] (ح ٧٥٠٥)، وصحيح مسلم، التوبة، باب في الحض على التوبة (ح ٢٦٧٥).
(٨) زيادة من سنن الترمذي.
(٩) سنن الترمذي، الجنائز، باب ما جاء أن المؤمن يموت بعرق الجبين (ح ٩٨٢)، وحسنه أيضًا الألباني في صحيح الترمذي (ح ٧٨٥).
(١٠) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤/ ٢٨ ح ١٥٣١٢) وقال محققوه: صحيح لغيره.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
به، وترجم عليه فقال: (باب كيف يخر للسجود؟)، ثم ساقه مثله (^١).
فقيل: معناه أن لا أموت إلا مسلمًا، وقيل: معناه أن لا أقتل إلا مقبلًا غير مدبر، وهو يرجع إلى الأول.
وقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ قيل: ﴿بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ أي: بعهد الله، كما قال في الآية بعدها: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] أي: بعهد وذمّة، وقيل: ﴿بِحَبْلِ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن كما في حديث الحارث الأعور، عن علي مرفوعًا في صفة القرآن: "هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم" (^٢).
وقد ورد في ذلك حديث خاص بهذا المعنى، فقال الإمام الحافظ أبو جعفر الطبري: حَدَّثَنَا سعيد بن يحيى الأموي، حَدَّثَنَا أسباط بن محمد، عن عبد الملك بن أبي سليمان العَرْزَمي (^٣)، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: "كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض" (^٤).
وروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه" (^٥)، وروى من حديث حذيفة وزيد بن أرقم نحو ذلك (^٦). [وقال وكيع: حَدَّثَنَا الأعمش عن أبي وائل قال: قال عبد الله: إن هذا الصراط محتضر يحضره الشياطين. يا عبد الله هذا الطريق، هلمَّ إلى الطريق فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله القرآن (^٧)] (^٨).
وقوله: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ أمرهم بالجماعة ونهاهم عن الفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع والائتلاف، كما في صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويسخط لكم ثلاثًا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا
_________________
(١) سنن النسائي، كتاب الافتتاح ٢/ ٢٠٥.
(٢) أخرجه الترمذي من طريق الحارث به مطولًا ثم قال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال (السنن، فضائل القرآن، باب ما جاء في فضل القرآن ح ٢٩٠٦)، ولبعضه شاهد صحيح عن زيد بن أرقم يأتي بعد روايتين.
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) والتخريج، وفي الأصل: "العدري" وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه عطية وهو العوفي ضعيف كما في التقريب.
(٥) أخرجه الحاكم من طريق إبراهيم الهجري به وصححه وتعقبه الذهبي بأن إبراهيم بن مسلم ضعيف (المستدرك ١/ ٥٥٥)، وذكر ابن الجوزي أنه لا يصح مرفوعًا (العلل المتناهية ١/ ١٠١) ولبعضه شاهد صحيح يأتي من حديث زيد بن أرقم.
(٦) أخرجه مسلم وفيه: كتاب الله ﷿ هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة (الصحيح، فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب بعد رقم ٢٤٠٨ بحديثين برقم ٣٧).
(٧) سنده صحيح وأخرجه الطبري عن أبي كريب عن وكيع به.
(٨) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(مح).
[ ٢ / ٣٩١ ]
ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" (^١).
وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضًا، وخيف عليهم الافتراق والاختلاف، وقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومسلمة من عذاب النار، وهم الذين على ما كان عليه النَّبِيّ ﷺ وأصحابه.
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾، وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه قد كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة وضغائن وإحن وذحول (^٢)، طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام، فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانًا متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البِرّ والتقوى، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٢، ٦٣] وكانوا على شفا حفرة من النار بسبب كفرهم، فأنقذهم الله منها أن هداهم للإيمان، وقد امتن عليهم بذلك رسول الله ﷺ يوم قسم غنائم حُنين، فعتب من عتب منهم، بما (^٣) فضل عليهم في القسمة، بما أراه الله فخطبهم فقال: "يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلّالًا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألّفكم الله بي (^٤)، وعالّة فأغناكم الله بي؟ " كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمنّ (^٥).
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلًا من اليهود مَرّ بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة، فبعث رجلًا معه وأمره أن يجلس بينهم ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بُعاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبه، حتَّى حميت (^٦) نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا ونادوا بشعارهم وطلبوا أسلحتهم وتوعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النَّبِيّ ﷺ فأتاهم فجعل يسكنهم ويقول: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ " وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح ﵃ (^٧). وذكر عكرمة أن ذلك نزل فيهم حين تثاوروا في قضية الإفك (^٨)، واللّه تعالى أعلم.
_________________
(١) صحيح مسلم، الأقضية (ح ١٧١٥).
(٢) إحن: أي أحقاد، وذحول: أي عداوات.
(٣) في الأصل: "لما" والمثبت من (عف) و(مح).
(٤) في الأصل: "في" والتصويب كسابقه.
(٥) متفق عليه أخرجه البخاري (الصحيح، المغازي، باب غزوة الطائف ح ٤٣٣٠)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام (ح ١٠٦١).
(٦) في الأصل: "حيت" وهو تصحيف، وتصحيحه كسابقه.
(٧) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق محمد بن إسحاق: حدثني الثقة عن زيد بن أسلم، ولم يصرح ابن إسحاق باسم شيخه، وهو مرسل أيضًا.
(٨) وهو مرسل أيضًا.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)﴾.
يقول تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، قال الضحاك: هم خاصة الصحابة وخاصة الرواة (^١). يعني: المجاهدين والعلماء.
وقال أبو جعفر الباقر: قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ ثم قال: "الخير اتباع القرآن وسنتي" رواه ابن مردويه (^٢). والمقصود من هذه الآية، أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا (^٣) الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" (^٤)، وفي رواية: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (^٥).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا سليمان الهاشمي، أنبأنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان، أن النَّبِيّ ﷺ قال: "والذي نفسي بيده، لتأمرنّ بالمعروف وتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعنّه فلا يستجيب لكم" (^٦). ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث عمرو بن أبي عمرو به، وقال الترمذي: حسن (^٧). والأحاديث في هذا الباب كثيرة، مع الآيات الكريمة، كما سيأتي تفسيرها في أماكنها،
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾، ينهى ﵎ هذه الأمة أن تكون كالأمم الماضين في افتراقهم (^٨) واختلافهم وتركهم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع قيام الحجة عليهم.
قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو المغيرة، حَدَّثَنَا صفوان، حدثني أزهر بن عبد الله الهوزني، عن أبي عامر عبد الله بن لُحَيّ (^٩)، قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان فلما قدمنا مكة، قام حين صلى
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عن الضحاك.
(٢) سنده معضل لأن أبا جعفر الباقر تابع تابعي.
(٣) في الأصل: "هكذا لهذا"، بزيادة: "هكذا".
(٤) أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري وليس عن أبي هريرة (الصحيح، الأيمان، باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان ح ٤٩).
(٥) صحيح مسلم بعد الموضع السابق بحديثين.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨/ ٣٣٢ ح ٢٣٣٠١) وقال محققوه: حسن لغيره. وأخرجه الترمذي من طريق عمرو به وحسنه (السنن، الفتن، باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ح ٢١٦٩)، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٧٦٢).
(٧) المصدر السابق.
(٨) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل: "تفرقهم"، وكلاهما صحيح.
(٩) في الأصل: "يحيى" وهو تصحيف.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
الظهر، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين [مِلّة] (^١)، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين مِلّة - يعني: الأهواء - كلها في النار إلا واحدة، وهي: الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تُجَارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب (^٢) بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله" واللّه يا معشر العرب، لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم ﷺ لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به (^٣). وهكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى، كلاهما عن أبي المغيرة واسمه: عبد القدوس بن الحجاج الشامي به، وقد رُوي هذا الحديث من طرق (^٤).
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ يعني: يوم القيامة، حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسوّد وجوه أهل البدعة والفرقة قاله ابن عباس ﵄ (^٥). ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ قال الحسن البصري: وهم المنافقون (^٦). ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ وهذا الوصف يعمّ كل كافر
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ يعني: الجنة ماكثون فيها أبدًا لا يبغون عنها حولًا.
وقد قال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية: حَدَّثَنَا أبو كريب، حَدَّثَنَا وكيع، عن ربيع وهو: ابن صبيح وحماد بن سلمة، عن أبي غالب، قال: رأى أبو أُمامة رؤوسًا منصوبة على درج [مسجد] (^٧) دمشق، فقال أبو أُمامة: كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه، ثم قرأ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ … إلى آخر الآية، قلت لأبي أُمامة: أنت سمعته من رسول الله ﷺ؛ قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا - حتَّى عد سبعًا - ما حدثتكموه (^٨). ثم قال: هذا حديث حسن. وقد رواه ابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة عن أبي غالب [وأخرجه أحمد في مسنده عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي غالب بنحوه] (^٩) (^١٠).
_________________
(١) في الأصل: "فرقة" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) ومسند أحمد كما في التخريج.
(٢) الكلب: داء يعرض للإنسان من عضِّ الكلب الكَلِب، فيصيبه شبه الجنون وتعرض له أعراض رديئة ويمتنع من شرب الماء حتَّى يموت عطشًا.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٠٢) وأخرجه أبو داود عن الإمام أحمد به (السنن، السنة، باب شرح السنة ح ٤٥٩٧، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود ح ٣٨٤٣)، وأخرجه الحاكم من طريق الحكم بن نافع البهراني عن صفوان به ثم قال: هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث، ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٢٨).
(٤) تقدمت رواية أبي داود في الحاشية السابقة، وذكره الحاكم من طرق أخرى (المستدرك ١/ ١٢٨ - ١٢٩).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند فيه مجاشع بن عمرو وهو متروك (الجرح والتعديل ٨/ ٣٩٠).
(٦) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن عباد بن منصور عن الحسن.
(٧) لفظ: "مسجد"، سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٨) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وحكمه (السنن، التفسير، باب ومن سورة آل عمران ح ٣٠٠٠)، وفي سنده أبو غالب وهو صاحب أبي أُمامة وهو صدوق يخطئ (التقريب ١/ ٢٠٤) ومدار الحديث متوقف عليه كما سيأتي.
(٩) سنن ابن ماجة، المقدمة، باب في ذكر الخوارج ١/ ٦٢ (ح ١٧٦)، ومسند أحمد ٥/ ٢٥٣ وقد خرجته في تحقيقي لتفسير ابن أبي حاتم من طريق كثيرة مدارها كلها على أبي غالب (التفسير، سورة آل عمران رقم ٩٧) ونقلت عن الخليلي قوله: وروى عن أبي غالب أكثر من بضع وسبعين نفرًا (الإرشاد في علماء البلاد ل ٦٧ ب و١٦٨).
(١٠) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(ح) و(مح) و(حم)، وهو في المسند كما تقدم في الحاشية السابقة.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
وقد روى ابن مردويه عند تفسير هذه الآية عن أبي ذر حديثًا مطولًا غريبًا عجيبًا جدًّا.
ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ أي: هذه آيات الله وحججه وبيناته نتلوها عليك يا محمد ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: نكشف ما الأمر عليه في الدنيا والآخرة ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: ليس بظالم لهم بل هو الحكم، العدل الذي لا يجور، لأنَّهُ القادر على كل شيء، [العالم بكل شيء] (^١) فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحدًا من خلقه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الجميع ملك له، عبيد له ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: هو المتصرف في الدنيا والآخرة، الحاكم في الدنيا والآخرة.
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾.
يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم، فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال البخاري: حَدَّثَنَا محمد بن يوسف، عن سفيان، عن ميسرة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتَّى يدخلوا في الإسلام (^٢).
وهكذا قال ابن عَبَّاس ومجاهد وعطية العوفي وعكرمة وعطاء والربيع بن أنس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ يعني: خير الناس للناس (^٣). والمعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس، ولهذا قال: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.
قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أحمد بن عبد الملك، حَدَّثَنَا شريك، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة، عن زوج دُرّة بنت أبي لهب، عن دُرَّة بنت أبي لهب قالت: قام رجل إلى النَّبِيّ ﷺ وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: "خير الناس أقرؤهم وأتقاهم للّه، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم" (^٤). ورواه أحمد في مسنده، والنسائي في سننه، والحاكم في مستدركه، من حديث سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة (^٥).
_________________
(١) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(ح) و(مح) و(حم).
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ح ٤٥٥٧).
(٣) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، ورواية الصحيح السابقة المرفوعة تغني عن أسانيد الآثار.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤٣٢)، وسنده ضعيف بسبب شريك وهو ابن عبد الله النخعي وهو: مقبول، كما في التقريب، وعبد الله بن عميرة فيه جهالة (ميزان الاعتدال ٢/ ٤٦٩).
(٥) مسند أحمد (ح ٣٣٢١) وتفسير النسائي ص ٣٥، والمستدرك ٢/ ٢٩٤ وسنده حسن وقد صححه الحاكم =
[ ٢ / ٣٩٥ ]
والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين (^١) بعث فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أي: خيارًا ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة ومستدرك الحاكم من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "أنتم [توفون] (^٢) سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله ﷿" (^٣). وهو حديث مشهور، وقد حسنه الترمذي، ويروى من حديث معاذ بن جبل وأبي سعيد نحوه، وإنما حازت هذه الأمة قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبيًا قبله ولا رسول من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه، كما قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، حَدَّثَنَا ابن زهير، عن عبد الله - يعني ابن محمد بن عقيل -، عن محمد بن علي - وهو: ابن الحنفية -: أنه سمع علي بن أبي طالب ﵁ يقول: قال رسول الله: "أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء". فقلنا: يا رسول الله ما هو؟ قال: "نُصرت بالرعب، وأُعطيت مفاتيح الأرض، وسُميت أحمد، وجُعل التراب لي طهورًا، وجُعلت أمتي خير الأُمم" (^٤) تفرد به أحمد من هذا الوجه، وإسناده حسن.
وقال الإمام أحمد أيضًا: حَدَّثَنَا أبو العلاء الحسن بن سوار، حَدَّثَنَا ليث، عن معاوية، عن أبي حَلْبَس يزيد بن ميسرة، قال: سمعت أُم الدرداء ﵄ تقول: سمعت أبا الدرداء ﵁ يقول: "سمعت أبا القاسم ﷺ وما سمعته يكنيه قبلها ولا بعدها يقول": إن الله تعالى يقول: يا عيسى إني باعث بعدك أُمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم قال: يا ربِّ كيف هذا لهم ولا حلم ولا علم؟ قال: "أعطيهم من حلمي وعلمي" (^٥).
وقد وردت أحاديث يناسب ذكرها ههنا، قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا هاشم بن القاسم، حَدَّثَنَا المسعودي، حَدَّثَنَا بكير بن الأخنس، عن رجل، عن أبي بكر الصديق ﵁، قال: قال
_________________
(١) = ووافقه الذهبي. وقال الحافظ ابن حجر: إسناد جيد (فتح الباري ٨/ ٢٥٥). وقال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٣٢٧).
(٢) في الأصل: "الذي"، والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٣) في الأصل: "تزكون" وهو تصحيف، والتصويب من (عف) و(ح) و(مح) والمسند.
(٤) المسند ٥/ وسنن الترمذي، التفسير، باب سورة آل عمران (ح ٣٠٠١)، وسنن ابن ماجة، الزهد، باب صفة أُمة محمد ﷺ (ح ٤٢٨٧)، والمستدرك ٤/ ٨ وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٧٦٣) وصححه أحمد شاكر، وحسنه الحافظ ابن كثير والسيوطي (الدر المنثور ٢/ ٢٩٤).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥/ ٥٢٩ ح ٢٧٥٤٥) وسنده حسن، أخرجه البزار من طريق الحسن بن سوار به (كشف الأستار ح ٢٨٤٥)، وأخرجه الحاكم من طريق معاوية بن صالح به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٤٨)، وحسنه الحافظ ابن حجر (الآمالي ص ٤٨ - ٤٩).
[ ٢ / ٣٩٦ ]
رسول الله ﷺ: "أعطيت سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي ﷿ فزادني مع كل واحد سبعين ألفًا" قال أبو بكر ﵁: فرأيت أن ذلك آت على أهل القرى ومصيب من حافات البوادي (^١).
(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الله بن بكر السلمي، حَدَّثَنَا هشام بن حسان، عن القاسم بن مهران، عن مسوى بن عبيد، عن ميمون بن مهران، عن عبد الرحمن بن أبي بكر: أن رسول الله ﷺ قال: "إن ربي أعطاني سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب " فقال عمر: يا رسول الله فهلا استزدته؟ فقال: "استزدته فأعطاني هكذا"، وفرج عبد الله بن بكر بين يديه، وقال عبد الله: وبسط باعيه، وحثا عبد الله، وقال هشام: وهذا من الله لا يدري ما عدده (^٢). (حديث آخر): قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو اليمان، حَدَّثَنَا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة قال: قال شريح بن عبيد: مرض ثوبان بحمص، وعليها عبد الله بن قرط [الأزدي، فلم يعده، فدخل على ثوبان رجل من الكلاعين عائدًا، فقال له ثوبان: أتكتب؟ قال: نعم، قال: اكتب، فكتب للأمير عبد الله بن قرط "من] (^٣) ثوبان مولى رسول الله ﷺ، أما بعد فإنه لو كان لموسى وعيسى ﵇ بحضرتك خادم لعدته"، ثم طوى الكتاب وقال له: أتبلغه إياه؟ قال: نعم، فانطلق الرجل بكتابه فدفعه إلى ابن قرط، فلما رآه، قام فزعًا، فقال الناس: ما شأنه أحدثَ أمر؟ فأتى ثوبان حتَّى دخل عليه فعاده وجلس عنده ساعة، ثم قام فأخذ ثوبان بردائه، وقال: اجلس حتَّى أحدثك حديثًا سمعته من رسول الله، يقول: "ليدخلن الجنة مِن أُمّتي سبعون ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفًا" (^٤). تفرد به أحمد من هذا الوجه وإسناد رجاله كلهم ثقات شاميون حمصيون، فهو حديث صحيح، وللّه الحمد.
(طريق آخر): قال الطبراني: حَدَّثَنَا عمرو بن إسحاق بن زِبْريق (^٥) الحمصي، حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل - يعني: ابن عياش -، حدثني أبي، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد عن أبي أسماء الرحبي [عن] (^٦) ثوبان ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن ربي ﷿ وعدني مِن أُمتي سبعين ألفًا لا يحاسبون، مع كل ألف سبعون ألفًا" (^٧) [هذا لعله هو المحفوظ بزيادة] (^٨) أبي أسماء الرحبي بين شريح وبين ثوبان، واللّه أعلم.
(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا معمر عن قتادة، عن الحسن،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٦) وسنده ضعيف بسبب إبهام شيخ بكير بن الأخنس.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٣٢ - ٢٣٣ ح ١٧٠٦) وفي سنده موسى بن عبيد مجهول كما في تعجيل المنفعة، ولشطره الأول شاهد في صحيح البخاري من حديث ابن عباس (الصحيح، الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب ح ٦٥٤١).
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) ومسند أحمد.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢٨٠، ٢٨١) وكفى بتصحيح الحافظ ابن كثير.
(٥) في الأصل: "زبير بن" وهو تصحيف.
(٦) سقط من الأصل واستدرك كسابقه.
(٧) المعجم الكبير ٢/ ٩٢ (ح ١٤١٣) وفي سنده ضمضم بن زرعة: وهو صدوق يهم (التقريب ص ٢٨٠)، وقد توبع في الحديث السابق، وسنده حسن.
(٨) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك كسابقه.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
عن عمران بن حصين، عن ابن مسعود ﵁، قال: أكثرنا الحديث عند رسول الله ﷺ ذات ليلة ثم غدونا إليه، فقال: "عُرِضَتْ عليّ الأنبياء الليلة بأُممها، فجعل النَّبِيّ يمرّ ومعه الثلاثة، والنبي ومعه العصابة، والنبي معه النفر، والنبي وليس معه أحد، حتَّى مرَّ علي موسى ﵇ ومعه كَبْكَبَة (^١) من بني إسرائيل، فأعجبوني فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هذا أخوك موسى معه بنو إسرائيل. قال: فقلت: فأين أمتي؟ فقيل: انظر عن يمينك، فنظرت فإذا الظراب (^٢) قد سدَّ بوجوه الرجال، ثم قيل لي: انظر عن يسارك. فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال، فقيل لي: أرضيت؟ فقلت: رضيت يا ربِّ، رضيت يا ربِّ - قال: - فقيل لي: إن مع هؤلاء سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب". فقال النَّبِيّ ﷺ: "فداكم أبي وأُمي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين ألفًا فافعلوا، فإن قصرتم فكونوا من أهل الظِراب، فإن قصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسًا يتهاوشون" فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم - أي من السبعين -، فدعا له، فقام رجل آخر فقال: ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم. فقال: " [قد] (^٣) سبقك بها عكاشة" قال: ثم تحدثنا فقلنا: من ترون هؤلاء السبعين الألف، قوم ولدوا في الإسلام لم يشركوا باللّه شيئًا حتَّى ماتوا فبلغ ذلك النَّبِيّ ﷺ فقال: "هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكَّلون" هكذا رواه أحمد بهذا السند وهذا السياق (^٤)، ورواه أيضًا عن عبد الصمد، عن هشام، عن قتادة بإسناده مثله، وزاد بعد قوله: "رضيت يا رب، رضيت يا ربِّ، قال: رضيت، قلت: نعم. قال: انظر عن يسارك - قال: - فنظرت فإذا الأفق قد سدَّ بوجوه الرجال، فقال: رضيت؟ قلت: رضيت" وهذا إسناد صحيح من هذا الوجه تفرد به أحمد، ولم يخرجوه.
(حديث آخر): قال أحمد بن منيع: حَدَّثَنَا عبد الملك بن عبد العزيز، حَدَّثَنَا حماد، عن عاصم، عن زرّ، عن ابن مسعود ﵁، قال: قال النَّبِيّ ﷺ: "عرضت على الأُمم بالمواسم فراثت عليّ أمتي، ثم رأيتهم فأعجبتني كثرتهم وهيئتهم، قد ملؤوا (^٥) السهل والجبل، فقال: أرضيت يا محمد؟ فقلت: نعم. قال: فإن مع هؤلاء سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون" فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: "أنت منهم". فقام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: "سبقك بها عكاشة" (^٦). رواه الحافظ الضياء المقدسي، وقال: هذا عندي على شرط مسلم.
(حديث آخر) قال الطبراني: حَدَّثَنَا محمد بن الجذوعي (^٧) القاضي، حَدَّثَنَا عقبة بن مكرم، حَدَّثَنَا محمد بن أبي عدي، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين،
_________________
(١) أي جماعة.
(٢) أي التلال: وهي الجبال الصغيرة.
(٣) قوله: "قد". سقط من الأصل: واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والمسند كما في التخريج.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٣٥٣ ح ٣٨٠٦) وصححه محققوه، وصححه الحافظ ابن حجر (الفتح ١١/ ٤٠٧) والحافظ ابن كثير.
(٥) في الأصل: "قد ملوا" وهو تصحيف والتصحيح من (عف) و(مح) والمسند (ح ٣٨١٩).
(٦) أخرجه الإمام أحمد من طريق حماد به (المسند ٦/ ٣٦٩ ح ٣٨١٩) وسنده حسن.
(٧) في الأصل: "الخروعي" وهو تصحيف والتصحيح من (عف) و(مح) والمعجم الكبير كما سيأتي.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
قال: قال رسول الله ﷺ: "يدخل الجنة من أُمتي سبعون ألفًا بغير حساب ولا عذاب " قيل: من هم؟ قال: "هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون، ولا يتطيّرون، وعلى ربهم يتوكَّلون" (^١)، ورواه مسلم من طريق هشام بن حسان، وعنده ذكر عكاشة (^٢).
(حديث آخر): ثبت في الصحيحين من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة حدثه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يدخل الجنة من أُمتي زمرة هم: سبعون ألفًا، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر" قال أبو هريرة: فقام عكاشة بن محصن الأسدي [يرفع نمرة عليه] (^٣) فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله ﷺ: "اللَّهم اجعله منهم" ثم قام رجل من الأنصار فقال مثله، فقال: "سبقك بها عكاشة" (^٤).
(حديث آخر): قال أبو القاسم الطبراني: حَدَّثَنَا يحيى بن عثمان، حَدَّثَنَا سعيد بن أبي مريم، حَدَّثَنَا أبو غسان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أن النَّبِيّ ﷺ قال: "ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفًا - أو سبعمائة ألف - آخذ بعضهم ببعض حتَّى يدخل أولهم وآخرهم الجنة، ووجوههم على صورة القمر ليلة البدر" (^٥). أخرجه البخاري ومسلم جميعًا عن قتيبة عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل به (^٦).
(حديث آخر): قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حَدَّثَنَا سعيد بن منصور، حَدَّثَنَا هشيم، أنبأنا حصين بن عبد الرحمن، قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت، قال: فما صنعت؟ قلت: استرقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي. قال: وما حدثكم الشعبي؟ قلت: حَدَّثَنَا عن بُريدة بن الحصيب الأسلمي أنه قال: "لا رقية إلا من عين أو حمّة"، قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حَدَّثَنَا ابن عباس عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: "عرضت عليَّ الأُمم فرأيت النَّبِيّ ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل (^٧) لي: انظر إلى الأفق الآخَر، فإذا سواد عظيم، فقيل [لي] (^٨): هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب"، فقال بعضهم:
_________________
(١) المعجم الكبير ١٨/ ١٨٣ (ح ٤٢٧)، وأخرجه مسلم من طريق ابن سيرين به (الصحيح، الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ح ٢١٨).
(٢) المصدر السابق.
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٤) صحيح البخاري، الرقاق، باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب (ح ٦٥٤٢)، وصحيح مسلم، الأيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب (ح ٣٦٩).
(٥) المعجم الكبير ٦/ ١٤٢ (ح ٥٧٨٢)، وهو متفق عليه.
(٦) صحيح البخاري، الموضع السابق (ح ٦٥٤٣)، وصحيح مسلم، الموضع السابق (ح ٣٧٣).
(٧) في الأصل: "فقال" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٨) سقط من الأصل واستدرك كسابقه.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ، وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا باللّه، وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله ﷺ، فقال: "ما الذي تخوضون فيه؟ " فأخبروه، فقال: "هم الذين لا يرقون ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون" فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. ["قال: أنت منهم"، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم] (^١)، قال: "سبقك بها عكاشة" (^٢). وأخرجه البخاري عن أسيد بن زيد عن هشيم، وليس عنده: لا يرقون (^٣).
(حديث آخر): قال أحمد: حَدَّثَنَا روح بن عبادة، حَدَّثَنَا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله قال: "سمعت رسول الله ﷺ … فذكر حديثًا، وفيه: "فتنجو أول زمرة وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفًا لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء" ثم كذلك، وذكر بقيته (^٤)، رواه مسلم من حديث روح، غير أنه لم يذكر النَّبِيّ ﷺ (^٥).
(حديث آخر): قال الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب "السنة" له: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد، سمعت أبا أُمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا، مع كل ألف سبعون ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات (^٦) من حثيات ربي ﷿ " (^٧)، وكذا رواه الطبراني من طريق هشام بن عمار عن إسماعيل بن عياش به (^٨)، وهذا إسناد جيد.
(طريق أخرى): عن أبي أُمامة: قال ابن أبي عاصم، حَدَّثَنَا دُحيم، حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر، عن أبي اليمان الهَوْزني واسمه عامر بن عبد الله بن لُحَيّ، عن أبي أُمامة عن رسول الله، قال: "إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب" فقال يزيد بن الأخنس: واللّه ما أولئك في أمتك يا رسول الله إلا مثل الذباب الأصهب في الذباب، قال رسول الله ﷺ: "فإن الله وعدني سبعين ألفًا، مع كل ألف سبعون ألفًا وزداني ثلاث حثيات" (^٩)، وهذا أيضًا إسناد حسن.
(حديث آخر): قال أبو القاسم الطبراني: حَدَّثَنَا أحمد بن خليد، حَدَّثَنَا أبو توبة، حَدَّثَنَا معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبد السلمي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن ربي ﷿ وعدني أن يدخل الجنة
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك كسابقه.
(٢) صحيح مسلم، الموضع السابق (ح ٣٧٤).
(٣) صحيح البخاري، الموضع السابق (ح ٦٥٤١).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٨٣) وورد في صحيح مسلم موقوفًا كما سيأتي.
(٥) صحيح مسلم، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة (ح ٣١١).
(٦) كناية عن المبالغة في الكثرة (النهاية في غريب الحديث ١/ ٣٣٩).
(٧) السنة لابن أبي عاصم ١/ ٢٦١) ح ٥٨٩)، وجوّد إسناده الحافظ ابن كثير، وصححه الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة (ح ٥٨٩).
(٨) المعجم الكبير ٨/ ١٨٧ (ح ٧٦٧٢) وحكمه كسابقه.
(٩) السنن لابن أبي عاصم ١/ ٢٦٠ (ح ٥٨٨) وحسَّن إسناده الحافظ ابن كثير، وصححه الألباني في ظلال الجنة (ح ٥٨٨).
[ ٢ / ٤٠٠ ]
من أُمتي سبعين ألفًا ثم يحثي ربي ﷿ بكفيه ثلاث حثيات" فكبَّر عمر وقال: إن السبعين الأول يشفعهم الله في آبائهم وأبنائهم وعشائرهم، وأرجو أن يجعلني [اللّه] (^١) في إحدى الحثيات الأواخر (^٢). قال الحافظ الضياء أبو عبد الله المقدسي في كتابه صفة الجنة: لا أعلم لهذا الإسناد عِلَّة، واللّه أعلم.
(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حدثني يحيى بن سعيد، حَدَّثَنَا هشام - يعني الدستوائي -، حَدَّثَنَا يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، حَدَّثَنَا عطاء بن يسار، أن رفاعة الجهني حدثه، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتَّى إذا كنا [بالكديد أو قال: بقديد (^٣)] (^٤)، فذكر حديثًا وفيه ثم قال: "وعدني ربي ﷿ أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب، وإني لأرجو أن لا يدخولها حتَّى تبوؤوا أنتم ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة" (^٥). قال الضياء: وهذا عندي على شرط مسلم.
(حديث آخر): قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن أنس، قال: قال رسول اللّه ﷺ: "إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف". قال أبو بكر ﵁: زدنا يا رسول الله. قال: وهكذا وجمع بين يديه قال: زدنا رسول الله. قال: وهكذا.
فقال عمر: حسبك يا أبا بكر، فقال أبو بكر: دعني وما عليك أن يدخلنا الله الجنة كلنا، فقال عمر: إن شاء الله أدخل خلقه الجنة بكف واحد، فقال النَّبِيّ ﷺ: "صدق عمر" (^٦). هذا الحديث بهذا الإسناد تفرد به عبد الرزاق. قاله الضياء وقد رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، قال: حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن مخلد، حَدَّثَنَا إبراهيم بن الهيثم البلدي (^٧)، حَدَّثَنَا سليمان بن حرب، حَدَّثَنَا أبو هلال، عن قتادة، عن أنس، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي مِائَة ألف" فقال أبو بكر: يا رسول الله، زدنا. قال: "وهكذا" وأشار سليمان بن حرب بيده كذلك، قلت: يا رسول الله، زدنا فقال عمر: إن الله قادر أن يدخل الناس الجنة بحفنة واحدة، فقال رسول الله ﷺ: "صدق عمر" (^٨). هذا حديث غريب من هذا الوجه. وأبو هلال اسمه محمد بن سليم الراسبي بصري.
(طريق آخر): عن أنس. قال الحافظ أبو يعلى: حَدَّثَنَا محمد بن أبي بكر، حَدَّثَنَا عبد القاهر بن
_________________
(١) لفظ الجلالة لم يرد في الأصل وأثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٢) المعجم الكبير ١٧/ ١٢٦ (ح ٣١٢)، وأشار الهيثمي: أن عامر بن زيد البكالي سكت عنه ابن أبي حاتم (مجمع الزوائد ١٠/ ٤١٣) ويشهد له ما تقدم.
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والمسند، وفي الأصل: "بالكدا" أو قال: "بغديك" وهو تصحيف.
(٤) كلاهما صحيح وكديِّد تبعد عن مكة المكرمة (١٠٠) كيلًا شمالًا.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٦) وصححه الضياء المقدسي، وقال الهيثمي: رواه الطبراني والبزار بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٠/ ٤١١).
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه (المصنف ١١/ ٢٨٦، ح ٢٠٥٥٦)، وأشار الحافظ ابن كثير إلى تفرد عبد الرزاق به، وهو مخالف لما في الصحيحين.
(٧) في الأصل: "البدري" وهو تصحيف، والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٨) حلية الأولياء ٢/ ٣٤٤ وبيّن الحافظ ابن كثير بأنه غريب لمخالفته الرواية الصحيحة.
[ ٢ / ٤٠١ ]
السري السلمي، حَدَّثَنَا حميد، عن أنس، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "يدخل الجنة من أُمتي سبعون ألفًا" قالوا: زدنا يا رسول الله. قال: "لكل رجل سبعون ألفًا". قالوا: زدنا، وكان على كثيب، فحثى بيده. قالوا: زدنا يا رسول الله. فقال: "هكذا" وحثى بيده، قالوا: يا رسول الله أبعد الله من دخل النار بعد هذا (^١). وهذا إسناد جيد، ورجاله كلهم ثقات، ما عدا عبد القاهر بن السري، وقد سئل عنه ابن معين فقال: صالح.
(حديث آخر): روى الطبراني من حديث قتادة، عن أبي بكر بن أنس، عن أبي بكر بن عمير، عن أبيه، أن النَّبِيّ ﷺ، قال: "إن الله وعدني أن يدخل من أمتي ثلاثمائة ألف الجنة" فقال عمير: يا رسول الله، زدنا فقال عمر: حسبك إن الله إن شاء أدخل الناس الجنة بحفنة أو بحثية واحدة، فقال نبي الله ﷺ: "صدق عمر" (^٢).
(حديث آخر): قال الطبراني: حَدَّثَنَا أحمد بن خليد، حَدَّثَنَا أبو توبة، حَدَّثَنَا معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عبد الله بن عامر، أن قيسًا الكندي حدث أن أبا سعيد الأنماري حدثه أن رسول الله ﷺ، قال: "إن ربي وعدني أن يدخل الجنة من أُمتي سبعين ألفًا بغير حساب، ويشفع كل ألف لسبعين ألفًا، ثم يحثي ربي ثلاث حثيات بكفيه". كذا قال قيس، فقلت لأبي سعيد: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم بأذني، ووعاه قلبي، قال أبو سعيد: [فقال] (^٣) - يعني: رسول الله ﷺ: "وذلك إن شاء الله ﷿ يستوعب مهاجري أمتي ويوفي الله بقيته من أعرابنا" (^٤). وقد روى هذا الحديث محمد بن سهل بن عسكر عن أبي توبة الربيع بن نافع بإسناده مثله، وزاد: قال أبو سعيد: فحسب ذلك عند رسول الله ﷺ، فبلغ أربعمائة ألف ألف وتسعين ألف ألف (^٥).
(حديث آخر): قال [أبو] (^٦) القاسم الطبراني: حَدَّثَنَا هشيم بن مرثد الطبراني، حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "أما والذي نفس محمد بيده ليبعثن منكم يوم القيامة إلى الجنة مثل الليل الأسود زمرة جميعها يخبطون الأرض، تقول الملائكة: لما جاء مع محمد أكثر مما جاء مع الأنبياء؟ " (^٧) وهذا إسناد حسن.
(نوع آخر): من الأحاديث الدالة على فضيلة هذه الأُمة وشرفها وكرامتها على الله ﷿، وأنها خير الأُمم في الدنيا والآخرة، قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا [يحيى] (^٨) بن سعيد، حَدَّثَنَا ابن جريج،
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٤١٧ ح ٣٧٨٣) وجوَّد إسناده الحافظ ابن كثير.
(٢) المعجم الكبير ١٧/ ٦٤ (ح ١٢٣) قال الهيثمي: أبو بكر بن عمير لم أعرفه (مجمع الزوائد ١٠/ ٤٠٤).
(٣) قوله: فقال سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(حم) و(ح) و(مح) والتخريج.
(٤) المعجم الكبير (٢٢/ ٣٠٤) وفي سنده قيس الكندي، وهو قيس بن محمد بن الأشعث الكندي: وهو مقبول (التقريب ص ٤٥٧).
(٥) وفي سنده أيضًا: قيسي الكندي كسابقه.
(٦) سقط من الأصل واستدرك كسابقه.
(٧) المعجم الكبير ٣/ ٣٣٧ (ح ٣٤٥٥) وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش عابوا عليه أنه حدث عن أبيه بغير سماع (التقريب ص ٤٦٨) وروايته هنا عن أبيه.
(٨) اسم "يحيى" سقط من الأصل واستدرك كسابقه.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
أخبرني أبو الزبير، عن جابر أنه سمع النَّبِيّ ﷺ يقول: "إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أُمتي يوم القيامة ربع الجنة" قال: فكبرنا، ثم قال: "أرجو أن يكونو ثلث الناس" قال: فكبرنا ثم قال: "أرجو أن تكونوا الشطر"، وهكذا رواه عن روح عن ابن جريج به، وهو على شرط مسلم (^١).
وثبت في الصحيحين من حديث أبي إسحاق السبيعي عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال لنا رسول ﷺ: "أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ " فكبرنا، ثم قال: "أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ " فكبرنا، ثم قال: "إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة" (^٢).
(طريق أخرى): عن ابن مسعود. قال الطبراني: حَدَّثَنَا أحمد بن القاسم بن مساور، حَدَّثَنَا عفان بن مسلم، حَدَّثَنَا عبد الواحد بن زياد، حدثني الحارث بن حَصِيرة (^٣)، حدثني القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "كيف أنتم وربع الجنة لكم ولسائر الناس ثلاثة أرباعها؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "كيف أنتم وثلثها؟ " قالوا: ذاك أكثر، فقال رسول الله ﷺ: "أهل الجنة عشرون ومائة صف، لكم منها ثمانون صفًا" (^٤) قال الطبراني: تفرد به الحارث بن حَصِيرة.
(حديث آخر): قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الصمد، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن مسلم، حَدَّثَنَا ضرار بن مرة أبو سنان الشيباني، عن محارب بن دثار، عن ابن بُريدة، عن أبيه، أن النَّبِيّ ﷺ قال: "أهل الجنة عشرون ومائة صف، هذه الأُمة من ذلك ثمانون صفًا" (^٥). وكذا رواه عن عفان، عن عبد العزيز به، وأخرجه الترمذي من حديث أبي سنان به، وقال: هذا حديث حسن (^٦)، ورواه ابن ماجة من حديث سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه به (^٧).
(حديث آخر): روى الطبراني من حديث سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي: حَدَّثَنَا خالد بن يزيد البجلي، حَدَّثَنَا سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده عن النَّبِيّ ﷺ، قال: "أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من أُمتي" (^٨). تفرد به خالد بن يزيد البجلي،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد عن روح عن ابن جريج به (المسند ٢٣/ ٣٢٨ ح ١٥١١٤)، وأخرجه مسلم في صحيحه، الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (ح ٣١١).
(٢) صحيح البخاري، الرقاق، باب كيف الحشر (ح ٦٥٢٨)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب كون هذه الأمة نصف أهل الجنة (ح ٣٧٧).
(٣) في الأصل: "بن حصين" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(حم) و(ح) و(مح) والتخريج.
(٤) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه وبدون تعليق (المعجم الكبير ١٠/ ٢٠٨ ح ١٠٣٥٠) وقد ذكر تفرد الحارث بن حصيرة به، والحارث هذا: صدوق يخطئ ورمي بالرفض (التقريب ص ١٤٥) وله شواهد سابقة ولاحقة.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٨/ ١١٠ ح ٢٣٠٠٢)، وصححه محققوه وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٨٢)، وابن حبان (الإحسان ١٦/ ٤٩٩ ح ٧٤٦٥)، وحسنه الترمذي كما سيأتي.
(٦) السنن، صفة الجنة، باب ما جاء في وصف أهل الجنة (ح ٢٥٤٦).
(٧) السنن، الزهد، باب في صفة أمة محمد ﷺ (ح ٤٢٨٩).
(٨) المعجم ١٠/ ٣٤٨ (ح ١٠٦٨٢)، وسنده ضعيف بسبب خالد بن يزيد البجلي كما سيأتي، وله شواهد سابقة.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
وقد تكلم فيه ابن عدي (^١).
(حديث آخر): قال الطبراني: حَدَّثَنَا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حَدَّثَنَا موسى بن غيلان، حَدَّثَنَا هاشم بن مخلد، حَدَّثَنَا عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن أبي عمرو، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ [الواقعة] قال رسول الله ﷺ: "أنتم ربع أهل الجنة، أنتم ثلث أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة، أنتم ثلثا أهل الجنة" (^٢).
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ،
قال: "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولًا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، الناسُ لنا فيه تبع، غدًا لليهود وللنصارى بعد غد". رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن طاوس عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا بنحوه، ورواه مسلم أيضًا من طريق الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة" وذكر تمام الحديث (^٣).
(حديث آخر): روى الدارقطني في الأفراد من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب ﵁ أن النَّبِيّ ﷺ قال: "إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتَّى أدخلها، وحرمت على الأمم حتَّى تدخلها أُمتي"، ثم قال: انفرد به ابن عقيل (^٤) عن الزهري، ولم يرو (^٥) عنه سواه، وتفرد به زهير بن محمد عن ابن عقيل، وتفرد به عمرو بن أبي سلمة عن زهير. وقد رواه أبو أحمد بن عدي الحافظ، فقال: حَدَّثَنَا أحمد بن الحسين بن إسحاق حَدَّثَنَا أبو بكر الأعين محمد بن أبي عَتّاب، حَدَّثَنَا أبو حفص التنيسي - يعني عمرو بن أبي سلمة - حَدَّثَنَا صدقة الدمشقي عن زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الزهري (^٦). ورواه الثعلبي: حَدَّثَنَا أبو العباس المخلدي أنبأنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد، أنبأنا أحمد بن عيسى التنيسي، حَدَّثَنَا عمرو بن أبي سلمة، حَدَّثَنَا صدقة بن عبد الله عن زهير بن محمد، عن ابن عقيل به (^٧) (^٨).
_________________
(١) قد ضعفه ابن عدي (الكامل في الضعفاء ٣/ ٨٨٥).
(٢) أخرجه أبو نعيم عن الطبراني به (الحلية ٧/ ١٠١) وفي سنده أبو عمرو: وهو محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القرشي المُلائي مقبول (التقريب ص ٤٩٢)، وأبوه عبد الرحمن مقبول (التقريب ص ٣٣٩). وأخرجه الإمام أحمد من طريق أبي عمرو به نحوه (المسند ١٥/ ٣٨ - ٩٠٨٠) ويشهد لبعضه حديث المتقدم: "أنتم ثلث أهل الجنة … ".
(٣) صحيح البخاري، الأيمان والنذور، باب قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] (ح ٦٦٢٤)، وصحيح مسلم، الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة (ح ٨٥٥).
(٤) ابن عقيل هو: محمد بن عبد الله بن عقيل: وهو صدوق في حديثه لين، ويقال: تغير بآخره (التقريب ص ٣٢١) ونقل ابن أبي حاتم عن خالد أبي زرعة: هذا الحديث منكر (العلل ٢/ ٢٢٧).
(٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "ولم يرد" وهو تصحيف.
(٦) الكامل في الضعفاء ٤/ ١٤٤٨.
(٧) وفي سنده أيضًا ابن عقيل. والحديث منكر.
(٨) كذا في الأصل تقديم رواية ابن عدي على رواية الثعلبي، وفي (عف) و(ح) و(حم) و(مح) تقديم رواية =
[ ٢ / ٤٠٤ ]
فهذه الأحاديث في معنى قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فمن اتصف من هذه الأُمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم [والمدح] (^١)، كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب ﵁ في حجّة حجَّها، رأى من الناس سرعة، فقرأ هذه الآية ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ثم قال: من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله فيها، رواه ابن جرير (^٢). ومن لم يتصفّ بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٩] ولهذا لما مدح تعالى هذه الأمة على هذه الصفات، شرع في ذمِّ أهل الكتاب وتأنيبهم، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ أي: بما أنزل على محمد ﷺ: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: قليل منهم من يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وأكثرهم على الضلالة والكفر والفسق والعصيان.
ثم قال تعالى مخبرًا عباده المؤمنين ومبشرًا لهم أن النصر والظفر لهم على أهل الكتاب الكفرة الملحدين، فقال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١)﴾ وهكذا وقع، فإنهم يوم خيبر أذلهم الله وأرغم أنوفهم (^٣)، وكذلك من قبلهم من يهود المدينة بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة كلهم أذلهم الله، وى لك النصارى بالشام كسرهم الصحابة في غير ما موطن، وسلبوهم ملك الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين، ولا تزال عصابة الإسلام قائمة بالشام حتَّى ينزل عيسى ابن مريم وهم كذلك، ويحكم بملة الإسلام وشرع محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام.
ثم قال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: ألزمهم الله الذلة والصغار أينما كانوا فلا يأمنون ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: بذمة من الله، وهو عقد الذمة لهم وضرب الجزية عليهم وإلزامهم أحكام الملة ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: أمان منهم لهم، كما في المهادن والمعاهَد والأسير إذا أمنه واحد من المسلمين، ولو امرأة، وكذا عَبْد على أحد قولي العلماء.
قال ابن عَبَّاس: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: بعهد من الله وعهد من الناس (^٤). وكذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي والربيع بن أنس (^٥).
_________________
(١) = الثعلبي على رواية ابن عدي، وكلاهما مستقيم.
(٢) في الأصل: "والفرح" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن قتادة لم يسمع من عمر.
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(مح) و(حم)، وفي الأصل: "أنافهم" وهو تصحيف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عنترة بن عبد الرحمن عن ابن عباس.
(٦) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخره الطبري بسند حسن من طريق عثمان بن غياث عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: [ألزموا فالتزموا بغضب من الله وهم يستحقونه ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ أي] (^١) ألزموها قدرًا وشرعًا. ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي: وإنما حملهم على ذلك الكِبْر والبغي والحسد فأعقبهم ذلك الذلَّة والصَغار والمسكنة أبدًا متصلًا بذلِّ الآخرة.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أي: إنما حملهم على الكفر بآيات الله وقتل رسل الله، وقيضوا لذلك أنهم كانوا يكثرون العصيان لأوامر الله ﷿ والغشيان لمعاصي الله، والاعتداء في شرع الله، فعياذًا باللّه من ذلك، والله ﷺ المستعان.
قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا يونس بن حبيب، حَدَّثَنَا أبو داود الطيالسي، حَدَّثَنَا شعبة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر الأزدي، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق بقلهم في آخر النهار (^٢).
﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾.
قال ابن أبي نجيح: زعم الحسن بن يزيد العجلي، عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ يقول: لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد ﷺ (^٣).
وهكذا قال السدي (^٤). ويؤيد هذا القول الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حَدَّثَنَا أبو النضر وحسن بن موسى، قالا: حَدَّثَنَا شيبان، عن عاصم، عن زرّ، عن ابن مسعود قال: أخر رسول الله ﷺ صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: "أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم" قال: فنزلت هذه الآيات ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ حتَّى بلغ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (^٥). والمشهور عند كثير من المفسرين كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره، ورواه العوفي عن ابن عباس - أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب، كعبد الله بن
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح به، والحسن بن يزيد العجلي: مقبول (التقريب ١/ ١٧٣) ويتعضد بقول السدي التالي.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٣٧٦٠) وسنده حسن. وصححه أحمد شاكر، وقال الهيثمي: ورجال أحمد ثقات ليس فيهم غير عاصم بن أبي النجود وهو مختلف في الاحتجاج به (مجمع الزوائد ١/ ٣١٢).
[ ٢ / ٤٠٦ ]
سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن سَعْيَة وأسيد بن سَعْيَة (^١) وغيرهم (^٢). أي: لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذمّ من أهل الكتاب، وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ أي: ليسوا كلهم على حد سواء، بل منهم المؤمن ومنهم المجرم، ولهذا قال تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ أي: قائمة بأمر الله مطيعة لشرعه، متبعة نبي الله، فهي قائمة، يعني: مستقيمة ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ أي: يقومون الليل ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم
﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤)﴾ وهؤلاء هم المذكورون في آخر السورة ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران] وهكذا قال تعالى ههنا: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ أي: لا يضيع عند الله، بل يجزيهم به أوفر الجزاء ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ أي: لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملًا.
ثم قال تعالى مخبرًا عن الكفرة المشركين بأنه ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: لا يرد عنهم بأس الله ولا عذابه إذا أراده بهم ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
ثم ضرب مثلًا لما ينفقه الكفار في هذه الدار، قاله مجاهد والحسن والسدي (^٣). فقال تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ أي: برد شديد، قاله ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك والربيع بن أنس وغيرهم (^٤).
وقال عطاء: برد وجليد (^٥)، وعن ابن عباس أيضًا ومجاهد ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾ أي: نار (^٦). وهو يرجع إلى الأول، فإن البرد الشديد [ولا سيما] (^٧) الجليد يحرق الزروع والثمار، كما يحرق الشيء بالنار ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ أي: فأحرقته، يعني بذلك السفعة إذا نزلت على
_________________
(١) في الأصل: "ثعلبة بن شعبة وأسيد بن شعبة" وهو تصحيف.
(٢) هذه الرواية لابن إسحاق وليس للعوفي عن ابن عباس، ورواية ابن إسحاق أخرجها ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس.
(٣) ذكرهم ابن أبي حاتم، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٤) قول ابن عباس: برد، أخرجه بهذا اللفظ الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وأخرجه الطبري بلفظ: برد شديد وزمهرير، بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن ابن عباس، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عثمان بن غياث عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق جويبر عنه، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه.
(٦) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عنترة عنه، وقول مجاهد ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٧) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل و(ح) و(حم): "سيما".
[ ٢ / ٤٠٧ ]
حرث قد آن جذاذه [أو] (^١) حصاده فدمرته وأعدمت ما فيه من ثمر أو زرع، فذهبت به وأفسدته، فَعَدِمه صاحبه أحوج ما كان إليه. فكذلك الكفار يمحق الله ثواب أعمالهم في هذه الدنيا وثمرتها، كما أذهب ثمرة هذا الحرث بذنوب صاحبه. وكذلك هؤلاء بنوها على غير أصل وعلى غير أساس ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)﴾.
يقول ﵎ ناهيًا عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة؛ أي: يطلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم، والمنافقون (^٢) بجهدهم وطاقتهم، لا يألون المؤمنين خبالًا، أي: يسعون في مخالفتهم وما يضرهم بكل ممكن، وبما يستطيعونه من المكر والخديعة، ويودّون ما يعنت المؤمنين ويحرجهم ويشقّ عليهم.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: من غيركم من أهل الأديان، وبطانة الرجل هم خاصة أهله الذين يطلعون على داخلة أمره. وقد روى البخاري والنسائي وغيرهما، من حديث جماعة [منهم يونس ويحيى بن سعيد وموسى بن عقبة وابن أبي عتيق] (^٣) عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد أن سول الله ﷺ قال: "ما بعث الله من نبي [ولا] (^٤) استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره [بالخير] (^٥) وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله" (^٦). وقد رواه الأوزاعي ومعاوية بن سلام عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه (^٧)، فيحتمل أنه عند الزهري عن أبي سلمة عنهما وأخرجه النسائي عن الزهري أيضًا، وعلقه البخاري في صحيحه، فقال: وقال عبيد الله بن أبي جعفر، عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعًا … فذكره (^٨). فيحتمل أنه عند أبي سلمة عن ثلاثة من الصحابة، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أيوب محمد بن الوزان، حَدَّثَنَا عيسى بن يونس، عن أبي حيان التيمي، عن أبي الزنباع، عن [أبي الدهقانة] (^٩)، قال: قيل لعمر بن الخطاب ﵁: إن
_________________
(١) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل: (ح) و(حم) "أي".
(٢) في الأصل: "المنافقون" بدون واو الاستئناف، والتصويب من (عف) و(مح) و(ح) و(حم).
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٤) في الأصل: "وما" وما أثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٥) في الأصل سقط لفظ: "بالخير"، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٦) صحيح البخاري، الأحكام، باب بطانة الإمام وأهل مشورته (ح ٧١٩٨)، وسنن النسائي، البيعة، باب بطانة الإمام ٧/ ١٥٨.
(٧) (^٨) المصدر السابق في نهاية الحديث (٧١٩٨).
(٨) كذا في (ح) و(حم) وتفسير ابن أبي حاتم وفي ترجمة أبي الدهقانة وفي الأصل: "ابن أبي الدهقانه" وفي =
[ ٢ / ٤٠٨ ]
ههنا غلامًا من أهل الحيرة حافظ كاتب، فلو اتخذته كاتبًا، فقال: قد اتخذت إذًا بطانة من دون المؤمنين (^١).
ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين واطلاع على دواخل أمورهم التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّم﴾، وقد قال الحافظ أبو يعلى: حَدَّثَنَا إسحاق بن إسرائيل، حَدَّثَنَا هشيم، حَدَّثَنَا العوام، عن الأزهر بن راشد، قال: كانوا يأتون أنسًا فإذا حدثهم بحديث لا يدرون ما هو، أتوا الحسن - يعني البصري -، فيفسره [لهم] (^٢) قال: فحدث ذات يوم عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال: "لا تستضيئوا بنار المشركين، ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيًا" فلم يدروا ما هو، فأتوا الحسن فقالوا له: إن أنسًا حَدَّثَنَا أن رسول الله ﷺ قال: "لا تستضيئوا بنار الشرك، ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيًا" فقال الحسن: أما قوله: "لا تنقشوا في خواتيمكم عربيًا": محمد ﷺ، وأما قوله: "لا تستضيئوا بنار الشرك" يقول: لا تستشيروا المشركين في أموركم. ثم قال الحسن: تصديق ذلك في كتاب الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ ﴿دُونِكُمْ﴾ هكذا رواه الحافظ أبو يعلى - رحمه الله تعالى -، وقد رواه النسائي عن مجاهد بن موسى، عن هشيم، [ورواه الإمام أحمد عن هشيم] (^٣) بإسناده مثله في غير ذكر تفسير الحسن البصري (^٤). وهذا التفسير فيه نظر ومعناه ظاهر "لا تنقشوا في خواتيمكم عربيًا؛ أي بخط عربي، لئلا يشابه نقش خاتم النَّبِيّ ﷺ، فإنه كان نقشه محمد رسول الله، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه نهى أن ينقش أحد على نقشه (^٥). وأما الاستضاءة بنار المشركين، فمعناه لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكونوا معهم في بلادهم، بل تباعدوا منهم، وهاجروا من بلادهم، ولهذا روى أبو داود: "لا تتراءى ناراهما" (^٦)، وفي الحديث الآخَر: "من جامع المشرك أو سكن معه فهو مثله" (^٧)، فحمل
_________________
(١) = (عف) و(مح): "ابن الدهقانه" والصواب ما أثبت كما سبق في التفسير والترجمة.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٣) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٤) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٥) أخرجه الإمام أحمد مختصرًا من طريق هشيم به وكذا النسائي. السنن، الزينة، باب قول النَّبِيّ ﷺ: "لا تنقشوا على خواتيمكم عربيًا" ٨/ ١٧٦ وفي سنده أزهر بن راشد: وهو مجهول أو ضعيف (التقريب ص ٩٧).
(٦) أخرجه البخاري بسنده عن أنس بن مالك مرفوعًا: "إني اتخذت خاتمًا من وَرِق ونقشت فيه: محمد رسول الله، فلا تَنقِشَنَّ أحد على نقشه" (الصحيح، اللباس، باب قول النَّبِيّ ﷺ: "لا ينقش على نفش خاتمه" (ح ٥٨٧٧).
(٧) كذا في الأصل، وفي رواية أبي داود: "لا تراءى نارهما" ومعناه: يلزم المسلم ويجب عليه أن يباعد منزله من منزل المشرك، ولا ينزل بالموضع الذي إذا أوقدت فيه ناره تلوح وتظهر لنا نار المشرك إذا أوقدها في منزله .. وإنما كره مجاورة المشركين لأنهم لا عهد لهم ولا أمان (النهاية ٢/ ١٧٧)، وأخرجه أبو داود من حديث جرير بن عبد الله مرفوعًا: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين". قالوا: يا رسول الله، لم؟ قال: "لا تراءى ناراهما" (السنن، الجهاد، باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود ح ٢٦٤٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٣٠٤).
(٨) أخرجه أبو داود في سننه، الجهاد، باب في الإقامة بأرض الشرك (ح ٢٧٨٧) من حديث سمرة بن جندب، =
[ ٢ / ٤٠٩ ]
الحديث على ما قاله الحسن ﵀، والاستشهاد عليه بالآية فيه نظر، واللّه أعلم.
ثم قال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أي: قد لاح على صفحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من العداوة، مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله، ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل، ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾
وقوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ أي: أنتم أيها المؤمنون تحبون المنافقين بما يظهرون لكم من الإيمان فتحبونهم على ذلك، وهم لا يحبونكم لا باطنًا ولا ظاهرًا، ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: ليس عندكم في شيء منه شكَّ ولا ريب، وهم عندهم الشك والريب والحيرة.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: بكتابكم وكتابهم وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم، رواه ابن جرير (^١).
﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ والأنامل أطراف الأصابع، قاله قتادة.
وقال الشاعر:
أَوَدّكما (^٢) ما بَلّ حلقي ريقتي … وما حملت كفّاي أنمُلي العشرا
وقال ابن مسعود والسدي والربيع بن أنس: الأنامل الأصابع (^٣).
وهذا شأن المنافقين يظهرون للمؤمنين الإيمان والمودة، وهم في الباطن بخلاف ذلك من كل وجه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ وذلك أشد الغيظ والحنق.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظكم ذلك منهم، فاعلموا أن الله متمُّ نعمته على عباده المؤمنين ومكمل دينه، ومعل كلمته ومظهر دينه، فموتوا أنتم بغيظكم ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم وتخفيه (^٤) سرائركم من البغضاء والحسد والغلّ للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤمّلون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد [في] (^٥) النار التي أنتم خالدون فيها، فلا خروج لكم منها.
ثم قال تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ وهذا الحال دالٌّ على شدة العداوة منهم للمؤمنين، وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب ونصر وتأييد
_________________
(١) = وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٢٠).
(٢) أخرجه الطبري عن ابن حميد عن سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق به، وفيه ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي ضعيف، والأثر في سيرة ابن هشام ٢/ ٢٠٧، وأثر ابن إسحاق حسن الإسناد.
(٣) كذا في الأصل وفي لسان العرب: "أو فيكما" (باب ك ف ف) وقد ورد في الأصل تصحيفات لهذا الشعر، والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٤) قول ابن مسعود أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بإسنادين صحيحين كلاهما من طريق أبي الأحوص عن ابن مسعود، وقول السدي والربيع ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٥) كذا في الأصل، وفي (عف) و(ح) و(حم) و(مح): "تكنه"، وكلاهما صحيح.
(٦) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
[ ٢ / ٤١٠ ]
وكثروا وعزّ أنصارهم، ساء ذلك المنافقين، وإن أصاب المؤمنين سِنَة؛ أي: جدب أو أُديل عليهم الأعداء، لما للّه تعالى في ذلك من الحكمة - كما جرى يوم أُحد - فرح المنافقون بذلك، قال الله تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾، يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكيد الفجار باستعمال الصبر والتقوى والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به. وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يقع شيء في الوجود إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه.
ثم شرع تعالى في ذكر قصة أُحد وما كان فيها من الاختبار لعباده المؤمنين، والتمييز بين المؤمنين والمنافقين وبيان صبر الصابرين فقال تعالى:
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾.
المراد بهذه الوقعة يوم أُحد عند الجمهور، قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وغير واحد (^١).
وعن الحسن البصري: المراد بذلك يوم الأحزاب. رواه ابن جرير (^٢)، وهو غريب لا يعول عليه. وكانت وقعة أُحد يوم السبت من شوال سنة ثلاث من الهجرة.
قال قتادة: لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال (^٣).
وقال عكرمة: يوم السبت للنصف من شوال (^٤)، فاللّه أعلم.
وكان سببها أن المشركين حين قتل من قتل من أشرافهم يوم بدر وسَلِمت العير بما فيها من التجارة التي كانت مع أبي سفيان فلما رجع إلى مكة قال أبناء من قتل، ورؤساء من بقي لأبي سفيان: أرصد هذه الأموال لقتال محمد فأنفقوها في ذلك، فجمعوا الجموع والأحابيش، وأقبلوا في قريب من [نحو] (^٥) ثلاثة آلاف حتَّى نزلوا قريبًا من أحد تلقاء المدينة (^٦)، فصلى رسول الله ﷺ يوم الجمعة، فلما فرغ منها صلى على رجل من بني النجار يقال له: مالك بن عمرو، واستشار رسول الله ﷺ الناس "أيخرج إليهم أم يمكث بالمدينة؟ " فأشار عبد الله بن أُبي بالمقام بالمدينة، فإن أقاموا أقاموا بشرِّ محبس، وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين، وأشار آخرون من الصحابة ممن لم يشهد بدرًا بالخروج إليهم، فدخل رسول الله ﷺ فلبس لأمته وخرج عليهم، وقد ندم بعضهم وقالوا: لعلنا
_________________
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق العوفي عنه، ويشهد له قول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عباد بن منصور عنه.
(٣) رواه شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة (التاريخ الكبير للذهبي (١/ ١٨٣).
(٤) أخرجه خليفة بن خياط بسند ضعيف (تاريخ خليفة ص ٩٧)، وورد هذا التاريخ في طبقات ابن سعد ٢/ ٢٥.
(٥) الزيادة من (عف) و(مح).
(٦) سيرة ابن هشام ٣/ ٦ - ١٢.
[ ٢ / ٤١١ ]
استكرهنا رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله إن شئت أن نمكث، فقال رسول الله ﷺ: "ما ينبغي لنبي إذا لبس [لأمته] (^١) أن يرجع حتَّى يحكم الله له" (^٢)، فسار ﷺ في ألف من أصحابه، فلما كانوا بالشوط، رجع عبد الله بن أبي في ثلث الجيش مغضبًا لكونه لم يرجع إلى قوله، وقال هو وأصحابه: لو نعلم اليوم قتالًا لاتبعناكم، ولكنا لا نراكم تقاتلون اليوم. واستمر رسول الله ﷺ سائرًا حتَّى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي. وجعل ظهره وعسكره إلى أحد (^٣)، وقال: "لا يقاتلن أحد حتَّى نأمره بالقتال". وتهيأ رسول الله ﷺ للقتال وهو في سبعمائة من أصحابه. وأمر على الرُماة عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف. والرُماة يومئذٍ خمسون رجلًا، فقال لهم: "انضحوا الخيل عنا [ولا] (^٤) نؤتين من قبلكم وألزموا مكانكم إن كانت النوبة لنا أو علينا، وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم" (^٥)، وظاهر رسول الله ﷺ بين درعين، وأعطى اللواء مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار. وأجاز رسول الله ﷺ بعض الغلمان يومئذِ وأرجأ آخرين حتَّى أمضاهم يوم الخندق بعد هذا اليوم بقريب من سنتين، وتعبّأت قريش وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فرس قد جنبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، ودفعوا اللواء إلى بني عبد الدار، ثم كان بين الفريقين ما سيأتي تفصيله في مواضعه عند هذه الآيات، إن شاء الله تعالى، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ أي: تنزلهم منازلهم، وتجعلهم ميمنة وميسرة وحيث أمرتهم ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع لما تقولون، عليم بضمائركم.
وقد أورد ابن جرير ههنا سؤالًا حاصله: كيف تقولون: إن النبي ﷺ سار إلى أُحد يوم الجمعة بعد الصلاة وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ …﴾ الآية؟ ثم كان جوابه عنه (^٦): أن غدوه ليبوأهم مقاعد إنما كان يوم السبت أول النهار.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢)﴾.
قال البخاري: حَدَّثَنَا علي بن عبد الله، حَدَّثَنَا سفيان، قال: قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله يقول: فينا نزلت ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾، قال: نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة. وما نحب - وقال سفيان مرة - وما يسرني أنها لم تنزل لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (^٧)، وكذا رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به (^٨). وكذا قال غير واحد من السلف: إنهم بنو حارثة وبنو سلمة.
_________________
(١) الزيادة من (عف) و(حم) و(ح).
(٢) أخرج نحوه عبد الرزاق بسند صحيح عن عروة بن الزبير (المصنف ٥/ ٣٦٣ رقم ٩٧٣٥)، وذكر البخاري قصة المشاورة تعليقًا (الصحيح، الاعتصام، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] قبل حديث ٧٣٦٩). ووصله الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٢٨)، وحسنه الحافظ ابن حجر (الفتح ١٣/ ٣٤١).
(٣) سيرة ابن هشام ٣/ ٨ - ١٢ وحدائق الأنوار ٢/ ٥٢١.
(٤) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب ما يكره من التنازع (ح ٣٠٣٩).
(٦) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل: "منه".
(٧) صحيح البخاري، المغازي، باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢] (ح ٤٠٥١).
(٨) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل الأنصار (ح ٢٥٠٥).
[ ٢ / ٤١٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ يوم بدر، وكان يوم جمعة وافق السابع عشر من شهر رمضان من سنة اثنتين من الهجرة وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله، ودمغ فيه الشرك، وخرب محله هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذٍ، فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، فيهم فرسان وسبعون بعيرًا، والباقون مُشاة ليس معهم من العدد جميع ما يحتاجون إليه. وكان العدو يومئذٍ ما بين التسعمائة إلى الألف في (^١) سوابغ الحديد والبيض والعدة الكاملة والخيول المسوَّمة والخيلاء والحلي، الزائد، فأعزَّ الله رسوله وأظهر وحيه وتنزيله، وبيض وجه النَّبِيّ وقبيله؛ وأخزى الشيطان وجيله، ولهذا قال تعالى ممتنًا على عباده المؤمنين وحزبه المتقين: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أي: قليل عددكم ليعلموا أن النصر إنما هو من عند الله لا بكثرة العدد والعُدد، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ [التوبة].
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن [جعفر] (^٢) حَدَّثَنَا شعبة، عن سماك، قال: سمعت عياضًا الأشعري قال: شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء: أبو عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وابن حسنة، وخالد بن الوليد، وعياض وليس عياض هذا الذي حدث سماكًا قال: وقال عمر: إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة، قال: فكتبنا إليه إنه قد جاش (^٣) إلينا الموت، واستمددناه، فكتب إلينا: إنه قد جاءني كتابكم تستمدونني، وإني أدلكم على من هو أعزُّ نصرًا، وأحصن جندًا: الله ﷿ فاستنصروه، فإن محمدًا ﷺ قد نصر يوم بدر في أقلِّ من عدتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا، فقاتلوهم ولا تراجعوني، قال: فقاتلناهم فهزمناهم أربعة فراسخ، قال: وأصبنا أموالًا فتشاورنا، فأشار علينا عياض أن نعطي عن كل ذي رأس عشرة، قال: وقال أبو عبيدة: من يراهنني؟ فقال شاب: أنا إن لم تغضب قال: فسبقه فرأيت عقيصتي أبي عبيدة [تَنْقزَان] (^٤) وهو خلفه على فرس عُرْي (^٥)، وهذا إسناد صحيح، وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث بندار عن غندر بنحوه (^٦)، واختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه، وبدر: محلة بين مكة والمدينة تعرف ببئرها، منسوبة إلى رجل حفرها، يقال له: بدر بن النارين (^٧)، قال الشعبي (^٨):
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٦٠٦، وطبقات ابن سعد ٢/ ٦ - ٨ وتاريخ الطبري ٢/ ٤٢١ - ٤٢٤.
(٢) في الأصل: "حفص" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٣) في الأصل: "حاس" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والمسند.
(٤) قوله: "تنقزان"، كذا في المسند، وفي (عف): تنفزان، وفي الأصل: "يقران" وهو تصحيف.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (ح ٣٤٤) وصححه محققه. قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٢١٦).
(٦) أخرجه ابن حبان من طريق غندر وهو محمد بن جعفر به (الإحسان ١١/ ٨٣ - ٨٤ ح ٤٧٦٦).
(٧) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وفي هاتين النسختين غير منقوط، وفي كل النسخ إلا الأصل: بياض لاسم الجد قدر كلمتين. وفي معجم البلدان: بدر بن يخلد بن كنانة (معجم البلدان ١/ ٣٥٧).
(٨) في الأصل: "الثعلبي" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
[ ٢ / ٤١٣ ]
بدر بئر لرجل يسمى: بدرًا (^١). وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تقومون بطاعته.
﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾
اختلف المفسرون في هذا الوعد، هل كان يوم بدر أو يوم أُحد؟ على قولين:
أحدهما: أن قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ متَعَلِّقٌ بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣]
ورُوي هذا عن الحسن البصري وعامر الشعبي والربيع بن أنس وغيرهم، واختاره ابن جرير. قال عباد بن منصور عن الحسن في قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ قال: هذا يوم بدر. رواه ابن حاتم (^٢). ثم قال: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا وهيب، حَدَّثَنَا داود، عن عامر - يعني (^٣): الشعبي -: أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يمدُّ المشركين، فشق ذلك عليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ إلى قوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قال: فبلغت كُرْزًا الهزيمة، فلم يمد المشركين، ولم يمد الله المسلمين بالخمسة (^٤).
وقال الربيع بن أنس: أمدَّ الله المسلمين بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف (^٥).
فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية على هذا القول، وبين قوله تعالى في قصة بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال]؟ فالجواب: أن التنصيص على الألف - ههنا - لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها، لقوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] بمعنى: يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران. فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان يوم بدر، والله أعلم.
وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: أمدَّ الله المسلمين يوم بدر بخمسة آلاف (^٦).
(القول الثاني): إن هذا الوعد متَعَلِّقٌ بقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق زكريا بن أبي زائدة عنه.
(٢) قول الحسن أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسنده حسن من طريق عباد بن منصور، وقول الشعبي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق داود بن أبي هند عنه لكنه مرسل.
(٣) قوله: "يعني" كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "بن يحيى" وهو تصحيف.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح لكنه مرسل، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق داود بن أبي هند به (المصنف ١٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩ ح ١٨٥١٧).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة به.
[ ٢ / ٤١٤ ]
لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] وذلك يوم أُحد وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك والزهري وموسى بن عقبة وغيرهم (^١). لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف لأن المسلمين فروا يومئذٍ، زاد عكرمة: ولا بالثلاثة آلاف لقوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ فلم يصبروا بل فروا فلم يمدوا بملك واحد
وقوله: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ يعني: تصبروا على مصابرة عدوكم، وتتقوني وتطيعوا أمري. وقوله تعالى: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ قال الحسن وقتادة والربيع والسدي: أي من وجههم هذا (^٢).
وقال مجاهد وعكرمة وأبو صالح: أي من غضبهم هذا (^٣).
[وقال الضحاك: من غضبهم ووجههم (^٤).
وقال العوفي، عن ابن عباس: من سفرهم هذا (^٥)، ويقال: من غضبهم هذا] (^٦).
وقوله تعالى: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ أي: معلمين بالسيما.
وقال أبو إسحاق السبيعي، عن حارثة بن مضرب، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض، وكان سيماهم أيضًا في نواصي خيولهم، رواه ابن أبي حاتم (^٧). ثم قال: حَدَّثَنَا أبو زرعة، حَدَّثَنَا هدبة بن خالد، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن [محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ في] (^٨) هذه الآية ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قال: بالعهن الأحمر (^٩).
وقال مجاهد: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أي: [مجزوزة] (^١٠) أعرافها، معلمة نواصيها بالصوف الأبيض في أذناب الخيل (^١١).
وقال العوفي، عن ابن عباس ﵁، قال: أتت الملائكة محمدًا ﷺ، مسومين بالصوف، فسوم
_________________
(١) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وأخرجه الطبري أيضًا بسند حسن عن قتادة، وسند حسن عن السدي. وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند صحيح عن عمرو بن دينار عنه.
(٢) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند إلا قول السدي أخرجه الطبري، وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عباد بن منصور عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك والربيع أخرجهما الطبري بسند ضعيف.
(٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق داود بن أبي هند عنه، وقول أبي صالح أخرجه ابن أبي حاتم سند صحيح من طريق مالك بن مغول عنه.
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن الضحاك، فيه إبهام شيخ الطبري.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف.
(٦) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق أبي إسحاق السبيعي به.
(٨) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(ح) و(مح).
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه محمد بن عمرو في روايته عن أبي سلمة فيها مقال (تهذيب التهذيب ٩/ ٣٧٦).
(١٠) في الأصل: و(عف) و(ح) و(حم) و(مح): "محذفة" وما أثبت من تفسير ابن أبي حاتم ومصنف ابن أبي شيبة كما سيأتي في التخريج.
(١١) أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ١٢/ ٢١٦ رقم ١٢٧٦٧)، وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
[ ٢ / ٤١٥ ]
محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف (^١).
وقال قتادة وعكرمة: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أي: بسيما القتال (^٢).
وقال مكحول: مسومين بالعمائم (^٣). وروى ابن مردويه من حديث عبد القدوس بن حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قال: "معلمين"، وكان سيما الملائكة يوم بدر عمائم سود، ويوم حُنين عمائم حُمُرٌ (^٤). وروى من حديث حصين بن مخارق عن سعيد، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر (^٥).
وقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم عن مقسم، عن ابن عباس، قال: كان سيما الملائكة يوم بدر، عمائم بيض قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حُمُر. ولم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددًا ومددًا لا يضربون (^٦). ثم رواه عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، فذكر نحوه (^٧).
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا الأحمسي، حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا هشام بن عروة، عن يحيى بن عباد أن الزبير ﵁، كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتجرًا بها، فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر (^٨). رواه ابن مردويه من طريق هشام بن عروة عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير … فذكره.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أي: وما أنزل الله الملائكة وأعلمكم بإنزالهم إلا بشارة لكم وتطييبًا لقلوبكم وتطمينًا، وإلا فإنما النصر من عند الله الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالققال: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ [محمد: ٤ - ٦]، ولهذا قال ههنا: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ أي: هو ذو العزة التي لا ترام، والحكمة في قدره والأحكام.
ثم قال تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أمركم بالجهاد والجلاد لما له في ذلك من
_________________
(١) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف عنه.
(٢) قول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عثمان بن غياث عنه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم والطبري بسند ضعيف (المعجم الكبير ١١/ ١٩٣) وفي سند الطبراني: عبد القدوس بن حبيب وهو متروك (مجمع الزوائد ٦/ ٣٢٧) وقد أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح أن الزبير كان عليه يوم بدر عمامة صفراء.
(٤) في سنده عبد القدوس بن حبيب وهو متروك (مجمع الزوائد ٦/ ٣٢٧).
(٥) في سنده حصين بن مخارق: وهو وضاع كذاب (ميزان الاعتدال ١/ ٥٥ ولسان الميزان ٢/ ١٩).
(٦) سيرة ابن هشام ١/ ٦٣٣ وسنده ضعيف لأن شيخ ابن إسحاق مبهم.
(٧) سنده ضعيف جدًّا لأن الحسن بن عمارة متروك (التقريب ص ١٦٢).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
[ ٢ / ٤١٦ ]
الحكمة في كل تقدير، ولهذا ذكر جميع الأقسام الممكنة في الكفار المجاهدين (^١)، فقال: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ أي: ليهلك أمة ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أي: يخزيهم ويردهم بغيظهم لما لم ينالوا منكم ما أرادوا. ولهذا قال: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا﴾ أي: يرجعوا ﴿خَائِبِينَ﴾ أي: لم يحصلوا على ما أملوا.
ثم اعترض بجملة دلت على أن الحكم في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: بل الأمر كله إليّ، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾] (^٢).
قال محمد بن إسحاق في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ أي: ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم (^٣). ثم ذكر تعالى بقية الأقسام، فقال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: مما هم فيه من الكفر فيهديهم بعد الضلالة ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: يستحقون ذلك.
وقال البخاري: حَدَّثَنَا حبان بن موسى، أنبأنا عبد الله، أنبأنا معمر، عن الزهري، حدثني سالم، عن أبيه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الثانية من الفجر يقول: "اللهم العن فلانًا وفلانًا" بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد" فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ …﴾ الآية (^٤). وهكذا رواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك وعبد الرزاق، كلاهما عن معمر به (^٥).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو النضر، حَدَّثَنَا أبو عقيل - قال أحمد: وهو عبد الله بن عقيل صالح الحديث ثقة - حَدَّثَنَا عمر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم العن فلانًا، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أُمية" فنزلت هذه الآية ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ فتيب عليهم كلهم (^٦).
وقال أحمد: حَدَّثَنَا أبو معاوية الغَلابي، حَدَّثَنَا خالد بن الحارث، حَدَّثَنَا محمد بن عجلان، عن نافع، عن عبد الله، أن رسول الله ﷺ كان يدعو على أربعة، قال: فأنزل الله ﷿ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ …﴾ إلى آخر الآية، قال: وهداهم الله للإسلام (^٧).
وقال محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: كان رسول الله يدعو على رجال
_________________
(١) يقصد بالكفار المجاهدين: المقاتلين. والله أعلم.
(٢) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٣) سيرة ابن هشام ٣/ ٦١ وأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عنه.
(٤) صحيح البخاري التفسير، باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] (ح ٤٥٥٩).
(٥) السنن الكبرى ٦/ ٣١٤ (ح ١١٠٧٥)، وبعد رواية النسائي ورد في الأصل طرف من رواية الإمام أحمد، والمثبت كما في (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٥٦٧٤) وصححه أحمد شاكر، وأخرجه البخاري من طرق سالم به (الصحيح، المغازي غزوة أحد ح ٤٠٦٩).
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٥٨١٢) وصححه أحمد شاكر.
[ ٢ / ٤١٧ ]
من المشركين يسميهم بأسمائهم، حتَّى أنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ (^١).
وقال البخاري أيضًا: حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع وربما قال: إذا قال: "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف" يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: "اللهم العن فلانًا وفلانًا" لأحياء من أحياء العرب، حتَّى أنزل الله ﷿: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (^٢).
وقال البخاري: قال حميد وثابت، عن أنس بن مالك: شُجَّ النَّبِيّ ﷺ يوم أحد، فقال: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ " فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (^٣). وقد أسند هذا الحديث الذي علقه البخاري في صحيحه، فقال البخاري في غزوة أُحد: حَدَّثَنَا يحيى بن عبد الله السلمي، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر، عن الزهري، حدثني سالم بن عبد الله عِن أبيه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا" بعدما يقول: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾. وعن حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعت سالم بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوان بن أُمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (^٤). هكذا ذكر هذه الزيادة البخاري معلقة مرسلة، وقد تقدمت مسندة متصلة في مسند أحمد أيضًا.
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا هشيم، حَدَّثَنَا حميد، عن أنس ﵁، أن النَّبِيّ ﷺ، كُسرت رباعيته يوم أحد، وشُجَّ في وجهه حتَّى سال الدم على وجهه، فقال: "كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم ﷿ فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (^٥) انفرد به مسلم، فرواه عن القعنبي، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس … فذكره (^٦).
وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن حميد، حَدَّثَنَا يحيى بن واضح: حَدَّثَنَا الحسين بن واقد، عن
_________________
(١) أخرجه الترمذي من طريق محمد بن عجلان به بلفظ: كان يدعو على أربعة نفر … وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح يستغرب من هذا الوجه (السنن، تفسير القرآن، سورة آل عمران ع ٣٠٠٥).
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، تفسير سورة آل عمران، باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ح ٤٥٦٠).
(٣) الصحيح، المغازي، باب ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ قبل (ح ٤٠٦٩).
(٤) المصدر السابق وقد وصله الإمام أحمد كما سبق.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٩٩) وسنده ثلاثي صحيح.
(٦) صحيح مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس (الصحيح، الجهاد، باب غزوة أُحد ح ١٧٩١). وقد ذكر الحافظ ابن حجر الجمع بين حديث ابن عمر وأنس، أنه ﷺ دعا على المذكورين في صلاته فنزلت الآية في الآمرين معًا (الفتح ٨/ ٢٢٧).
[ ٢ / ٤١٨ ]
مطر، عن قتادة، قال: أُصيب النَّبِيّ ﷺ يوم أحد، وكُسرت رباعيته، وفرق حاجبه، فوقع وعليه درعان والدم يسيل، فمرَّ به سالم مولى أبي حذيفة فأجلسه ومسح عن وجهه، فأفاق وهو يقول: "كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى الله ﷿ فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ (^١)، وكذا رواه عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة بنحوه، ولم يقل: فأفاق (^٢).
ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الجميع ملك له، وأهلها عبيد بين يديه ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: هو المتصرف فلا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾
يقول تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافًا مضاعفة كما كانوا يقولون في الجاهلية (^٣): إذا حلَّ أجل الدين، إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن قضاه، وإلا زاده في المدة، وزاده الآخَر في القدر، وهكذا كلّ عام فربما تضاعف القليل حتَّى يصير كثيرًا مضاعفًا، وأمر تعالى عباده بالتقوى لعلهم يفلحون في الأولى والأخرى،
ثم توعدهم بالنار وحذرهم منها، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾
ثم نذبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات، فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ أي: كما أعدت النار للكافرين.
وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ تنبيه على اتساع طولها، كما قال في صفة فرش الجنة: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]؛ أي: فما ظنك بالظهائر؟، وقيل: [بل] (^٤) عرضها كطولها لأنها قُبة تحت العرش، والشيء المقبب والمستدير عرضه كطوله، وقد دلَّ على ذلك ما ثبت في الصحيح: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفرودس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة وسقفها عرش الرحمن" (^٥).
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل.
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده مرسل.
(٣) كذا في الأصل و(حم)، وفي (عف) و(مح) بلفظ: "في الجاهلية يقولون". وكلاهما صحيح.
(٤) سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(مح).
(٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب درجات المجاهدين (ح ٢٧٩٠).
[ ٢ / ٤١٩ ]
وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحديد: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [الحديد: ٢١] وقد روينا في مسند الإمام أحمد أن هرقل كتب إلى النَّبِيّ ﷺ إنك دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ فقال النَّبِيّ ﷺ: "سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار؟ " (^١).
وقد رواه ابن جرير فقال: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد، عن ابن خُثيم، عن سعيد بن أبي راشد، عن يعلى بن مُرَّة، قال: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص شيخًا كبيرًا قد فُنِّد (^٢)، فقال: قدمت على رسول الله ﷺ بكتاب هرقل فناول الصحيفة رجلًا عن يساره، قال: قلت: من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية، فإذا كتاب صاحبي: إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين، فأين النار (^٣)؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: "سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار؟ " (^٤).
وقال الأعمش وسفيان الثوري وشعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب: إن ناسًا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن جنة عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ فقال لهم عمر: أرأيتم إذا جاء النهار أين الليل؟ وإذا جاء الليل أين النهار؟ فقالوا: لقد نزعت مثلها من التوراة (^٥). رواه ابن جرير من ثلاثة طرق. ثم قال: حَدَّثَنَا أحمد بن حازم، حَدَّثَنَا أبو نعيم، حَدَّثَنَا جعفر بن برقان، أنبأنا يزيد بن الأصم: أن رجلًا من أهل الكتاب قال: يقولون: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فأين النار؟ فقال ابن عَبَّاس ﵁: أين يكون الليل إذا جاء النهار؟ وأين يكون النهار إذا جاء الليل (^٦)؟.
وقد روي هذا مرفوعًا، فقال البزار: حَدَّثَنَا محمد بن معمر، حَدَّثَنَا المغيرة بن سلمة أبو هشام، حَدَّثَنَا عبد الواحد بن زياد، عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه (^٧) يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى رسول اللّه ﷺ، فقال: أرأيت قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فأين النار؟ قال: "أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شيء، فأين النهار؟ " قال: حيث شاء الله، قال: "وكذلك النار تكون حيث شاء الله ﷺ " (^٨).
وهذا يحتمل معنيين:
(أحدهما): أن يكون المعنى في ذلك أنه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار أن لا
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد مطولًا المسند ٣/ ٤٤١، ٤٤٢ قال الحافظ ابن كثير: هذا حديث غريب وإسناده لا بأس به، تفرد به الإمام أحمد (البداية والنهاية ٥/ ١٥ - ١٦).
(٢) أي: كبر وحرم.
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "فأين الطول النار؟ ".
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وصحح سنده أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري.
(٧) قوله: "عمه"، زيادة من (حم) و(ح).
(٨) كشف الأستار بزوائد البزار (ح ٢١٩٦)، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ١/ ٣٠٦ ح ١٠٣)، والحاكم (المستدرك ١/ ٣٦) كلاهما من طريق محمد بن معمر به وصححه ووافقه الذهبي. قال الهيثمي: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٦/ ٣٣٠).
[ ٢ / ٤٢٠ ]
يكون في مكان، وإن كنا لا نعلمه، وكذلك النار تكون حيث يشاء الله ﷿، وهذا أظهر كما تقدم في حديث أبي هريرة عن البزار.
(الثاني): أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب، فإن الليل يكون من الجانب الآخر، فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السموات تحت العرش وعرضها، كما قال الله: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] والنار في أسفل سافلين فلا تنافي بين كونها كعرض السموات والأرض وبين وجود النار، واللّه أعلم.
ثم ذكر تعالى صفة أهل الجنة فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أي: في الشدة والرخاء والمنشط والمكره والصحة والمرض وفي جميع الأحوال، كما قال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤] والمعنى: أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى
والإنفاق في مراضيه. والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر.
وقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أي: إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموه فلم يعملوه، وعفى مع ذلك عمن أساء إليه. وقد ورد في بعض الآثار: "يقول الله تعالى: يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت، أذكرك إذا غضبت فلا أهلكك فيمن أهلك" رواه ابن أبي حاتم (^١). وقد قال أبو يعلى في مسنده: حَدَّثَنَا أبو موسى الزمن، حَدَّثَنَا عيسى بن شعيب الضرير أبو الفضل، حدثني الربيع بن سليمان النميري، عن أبي عمرو بن أنس بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "من كفَّ غضبه، كفَّ الله عنه عذابه، ومن خزن لسانه، ستر الله عورته، ومن اعتذر إلى الله، قبل الله عذره" (^٢). وهذا حديث غريب، وفي إسناده نظر.
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، حَدَّثَنَا مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (^٣). وقد رواه الشيخان من حديث مالك (^٤).
وقال الإمام أحمد أيضًا: حَدَّثَنَا أبو معاوية، حَدَّثَنَا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله وهو ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله: "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله"؟ قال: قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: "اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، مالك من مالك إلا ما قدمت، ومالُ وارثك ما أخرْتَ" قال: وقال رسول الله ﷺ: "ما تعدون الصرعة فيكم؟ " قلنا: الذي لا تصرعه الرجال. قال: "لا، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب". قال: قال رسول الله ﷺ: "ما تعدون فيكم الرقوب؟ " قلنا: الذي لا ولد له. قال: "لا، ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئًا" (^٥)
_________________
(١) لم أجده في تفسير ابن أبي حاتم.
(٢) أخرجه أبو يعلى الموصلي بسنده ومتنه (المسند ٧/ ٣٠٢ ح ٤٣٣٨) وحكم الحافظ ابن كثير على سنده ومتنه. قال الهيثمي: فيه الربيع بن سليمان الأزدي وهو ضعيف (مجمع الزوائد ١٠/ ٣٠١).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٢٣٦) وسنده صحيح.
(٤) صحيح البخاري، الأدب، باب الحذر من الغضب (ح ٦١١٤)، وصحيح مسلم، البر والصلة، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب (ح ٢٦٠٩).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٣٨٢) وسنده صحيح.
[ ٢ / ٤٢١ ]
أخرج البخاري الفصل الأول منه (^١)، وأخرج مسلم أصل هذا الحديث، من رواية الأعمش به (^٢).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، سمعت عروة بن عبد الله الجعفي يحدث، عن أبي حصبة (^٣) أو ابن حصبة، عن رجل شهد النَّبِيّ ﷺ يخطب، فقال: "تدرون ما الرقوب؟ " قلنا: الذي لا ولد له، قال: "الرقوب كل الرقوب الذي له ولد فمات ولم يقدم منهم شيئًا" قال: "تدرون ما الصعلوك؟ " قالوا: الذي ليس له مال، فقال النَّبِيّ ﷺ: "الصعلوك كل الصعلوك الذي له مال فمات ولم يقدم منه شيئًا" قال: ثم قال النَّبِيّ ﷺ: "ما الصرعة؟ " قالوا: الصريع. قال: فقال ﷺ: "الصرعة كل الصرعة الذي يغضب فيشتدّ غضبه ويحمرّ وجهه ويقشعرّ شعره فيصرع غضبه" (^٤).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا ابن نمير، حَدَّثَنَا هشام بن عروة، عن أبيه، عن الأحنف بن قيس، عن عمٍّ له يقال له: حارثة بن قدامة السعدي، أنه سأل رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، قل لي قولًا ينفعني وأقلل على لعلي أعيه، فقال رسول الله ﷺ: "لا تغضب" فأعاد عليه حتَّى أعاد عليه مرارًا كل ذلك يقول: "لا تغضب" (^٥). وهكذا رواه عن أبي معاوية عن هشام به، ورواه أيضًا عن يحيى بن سعيد القحطان عن هشام به أن رجلًا قال: يا رسول الله، قل لي قولًا وأقلل عليّ لعلي أعقله، فقال: "لا تغضب" الحديث، انفرد به أحمد.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب النَّبِيّ ﷺ قال: قال رجل: يا رسول الله أوصني، قال: "لا تغضب". قال الرجل: ففكرت حين قال النَّبِيّ ﷺ ما قال، فإذا الغضب يجمع الشرَّ كله (^٦). انفرد به أحمد.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو معاوية، حَدَّثَنَا داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبي الأسود، عن أبي ذرّ ﵁ عنه قال: كان يسقي على حوض له فجاء قوم، فقالوا: أيكم يورد على أبي ذرٍّ ويحتسب شعرات من رأسه؟ فقال رجل: أنا، فجاء الرجل فأورد (^٧) عليه الحوض فدقه، وكان أبو ذرّ قائمًا فجلس ثم اضطجع، فقيل له: يا أبا ذر لم
_________________
(١) الصحيح، الرقاق، باب ما قدم من ماله فهو له (ح ٦٤٤٢).
(٢) الصحيح، البر والصلة، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب (ح ٢٦٠٨) وأصل الرقوب الذي لا يعيش له ولد، ومعنى الحديث: "إنكم تعتقدون أن الرقوب المحزون هو المصاب بموت أولاده"، وليس هو كذلك، بل هو من لم يمت أحد من أولاده في حياته فيحتسبه ويكتب له ثواب مصيبته به (حاشية المصدر السابق).
(٣) في الأصل: "أبي حفصة"، والتصويب من (عف) و(مح) والمسند كما سيأتي.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسند ومتنه (المسند ٥/ ٣٦٧)، وفيه أبو حصبة أو ابن حصبة أو ابن حصبة: وهو مجهول (تعجيل ص ٤٧٦). والثلث الأول من الحديث له شاهد تقدم في الصحيحين.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٤) قال الهيثمي: وجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٨/ ٦٩)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ٦/ ١٦٣.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٧٣) قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٨/ ٦٩) وشطره الأول له شاهد تقدم.
(٧) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: (فأدرك) وهو تصحيف.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
جلست ثم اضطجعت، فقال: إن رسول الله ﷺ قال لنا: "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع" (^١). ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل بإسناده إلا أنه وقع في روايته عن أبي حرب عن أبي ذرّ (^٢)، والصحيح أبو حرب (^٣) عن أبيه، عن أبي ذرّ، كما رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا إبراهيم بن خالد، حَدَّثَنَا أبو وائل الصنعاني، قال: كنا جلوسًا عند عروة بن محمد إذا دخل عليه رجل فكلمه بكلام أغضبه، فلما أن غضب قام ثم عاد إلينا وقد توضأ، فقال: حدثني أبي عن جدي عطية هو ابن سعد السعدي (^٤) - وقد كانت له صحبة - قال: قال رسول الله: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء فإذا أغضب أحدكم فليتوضأ" (^٥). وهكذا رواه أبو داود من حديث إبراهيم بن خالد الصنعاني عن أبي وائل القاص المرادي الصنعانى، قال أبو داود: أراه عبد الله بن بحير.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الله بن يزيد، حَدَّثَنَا نوح بن جَعْونة السلمي، عن مقاتل بن حيان، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "من أنظر معسرًا أو وضع له، وقاه الله من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة حزن (^٦) بربوة - ثلاثًا - ألا إن عمل النار سهل بسهوة (^٧). والسعيد من وقي الفتن، وما من جرعة أحبّ إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد ما كظمها عبد الله إلا ملأ الله جوفه إيمانًا" (^٨)، انفرد به أحمد، وإسناده حسن ليس فيه مجروح، [ومتنه] (^٩) حسن.
(حديث آخر في معناه) قال أبو داود: حَدَّثَنَا عقبة بن مكرم، حَدَّثَنَا عبد الرحمن يعني ابن
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ١٥٢)، وأخرجه أبو داود من طريق الإمام أحمد به، ثم أخرجه من طريق داود بن أبي هند عن بكر أن النَّبِيّ ﷺ بعث أبا ذرّ بهذا الحديث. ثم قال أبو داود: وهذا أصح الحديثين. (السنن، الأدب، باب ما يقال عند الغضب ح ٤٧٨٢ - ٤٧٨٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٤٠٠٠ - ٤٠٠١).
(٢) المصدر السابق.
(٣) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل: "ابن حرب" وهو تصحيف.
(٤) في الأصل: "ابن سعيد السعدي" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٢٦) وأخرجه أبو داود من طريق إبراهيم بن خالد به (السنن، الأدب، باب ما يقال عند الغضب ح ٤٧٨٤)، وحسنه الأرناؤوط (جامع الأصول ٨/ ٤٣٩)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (ح ٥٨٢). وله شاهد صحيح تقدم.
(٦) حزن: بفتح فسكون، ما غلظ من الأرض وخشن والمراد أن يصعب على النفوس. قاله السندي في حاشية المسند.
(٧) السهوة: الأرض اللينة التربة، شبه المعصية في سهولتها على مرتكبيها بالأرض السهلة (النهاية في غريب الحديث ٢/ ٤٣٠).
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (٥/ ١٤٩ - ١٥١ ح ٣٠١٥) وقال محققوه: إسناده ضعيف جدًّا. وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (انظر: لسان الميزان ٦/ ١٧٢)، والقضاعي (المسند ح ١٤٢٣ والمصدر السابق) من طريق نوح به قال الذهبي: أجوز أن يكون نوح بن أبي مريم أتى بخبر منكر وذكر هذا الحديث (ميزان الاعتدال ٤/ ٢٧٥) ووافقه الحافظ ابن حجر (لسان الميزان ٦/ ١٧٢).
(٩) في الأصل: "سنده" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
[ ٢ / ٤٢٣ ]
مهدي عن بشر - يعني ابن منصور -، عن محمد بن عجلان، عن سويد بن وهب، عن رجل من أبناء أصحاب النَّبِيّ ﷺ، [عن أبيه] (^١) قال: قال رسول الله ﷺ: "من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه، ملأه الله أمنًا وإيمانًا، ومن ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه - قال بشر: أحسبه قال: تواضعًا - كساه الله حلة الكرامة ومن زوّج [لله] (^٢) كساه الله تاج الملك" (^٣).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الله بن يزيد قال: حَدَّثَنَا سعيد، حدثني أبو مرحوم عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه أن رسول الله قال: "من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق حتَّى يخيره من أي الحور شاء" (^٤). ورواه أبو داود [والترمذي وابن ماجة من حديث سعيد بن أبي أيوب به، وقال الترمذي: حسن غريب (^٥)] (^٦).
(حديث آخر) قال عبد الرزاق: أنبأنا داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن رجل من أهل الشام يقال له: عبد الجليل، عن عمٍّ له، عن أبي هريرة ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أن النَّبِيّ ﷺ قال: "من كظم غيظًا وهو يقدر (^٧) على إنفاذه ملأه الله أمنًا وإيمانًا" رواه ابن جرير (^٨).
(حديث آخر) قال ابن مردويه: حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن زياد، أنبأنا يحيى بن أبي طالب، أنبأنا علي بن عاصم، أخبرني يونس بن عبيد، عن الحسن، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول ﷺ: "ما تجرع عبد من جرعة أفضل أجرًا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله" وكذا رواه ابن ماجة عن بشر بن عمر، عن حماد بن سلمة، عن يونس بن عبيد به (^٩).
فقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أي: لا يعملون غضبهم في الناس بل يكفون عنهم شرهم، ويحتسبون ذلك عند الله ﷿. ثم قال تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أي مع كف الشر يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم فلا يبقى في أنفسهم [موجِدة] (^١٠) على أحد، وهذا أكمل الأحوال،
_________________
(١) هذه الزيادة من (ح) و(حم)، وهي في سنن أبي داود (ح ٤٣٧٨).
(٢) في الأصل: "ومن زوج فيه" أي في الله. والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٣) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب ما يقال عند الغضب ح ٤٧٧٨)، وفي سنده جهالة شيخ سويد بن وهب، وسويد نفسه مجهول (التقريب ص ٢٦١)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ١٠٢٣).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٤٠) وسنده حسن كما سيأتي.
(٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٦) سنن أبي داود، الأدب، باب من كظم غيظًا (ح ٤٧٧٧)، وسنن الترمذي، البر والصلة، باب في كظم الغيط (ح ٢٠٢١)، وسنن ابن ماجة، الزهد، باب الحلم (ح ٤١٨٦)، وحسنه الترمذي بقوله: حسن غريب، وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (ح ٣٣٧٥).
(٧) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "قادر".
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب إبهام شيخ زيد بن أسلم، وعمه.
(٩) أخرجه ابن ماجة عن زيد بن أخرم عن بشر بن عمر به (السنن، الزهد، باب الحلم ح ٤١٨٩) قال البوصيري: إسناده صحيح رجاله ثقات (مصباح الزجاجة ٣/ ٢٩١)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (ح ٣٣٧٧).
(١٠) كذا في (ح) و(حم) و(مح) و(عف)، وجاء تحتها: "معناها: غضب"، وفي الأصل: "مؤاخذة" وهو تصحيف.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فهذا من مقامات الإحسان، وفي الحديث: "ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، ومن تواضع للّه رفعه الله" (^١)، وروى الحاكم في مستدركه من حديث موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى بن طلحة القرشي، عن عبادة بن الصامت، عن أُبي بن كعب أن رسول الله ﷺ، قال: "من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات، فليعف عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويصل من قطعه" ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٢). وقد أورده ابن مردويه من حديث علي (^٣) وكعب بن عجرة (^٤) وأبي هريرة (^٥) وأم سلمة ﵃ بنحو ذلك.
وروي عن طريق الضحاك عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا كان يوم القيامة نادى مناد يقول: أين العافون عن الناس؟ هلمّوا إلى ربكم وخذوا أجوركم، وحق على كل امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة" (^٦).
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار.
قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا همام بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "إن رجلًا أذنب ذنبًا، فقال: ربِّ إني أذنبت ذنبًا فاغفره، فقال الله ﷿: عبدي [عمل] (^٧) ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنبًا آخر، فقال: ربِّ إني عملت ذنبًا فاغفره، فقال ﵎: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنبًا آخر فقال: ربِّ إني عملت ذنبًا فاغفره لي، فقال الله ﷿: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي ثم عمل ذنبًا آخر فقال: ربِّ، إني عملت ذنبًا فاغفره، فقال ﷿: عبدي علم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، أشهدكم أني قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء" (^٨). أخرجاه في الصحيحين من حديث إسحاق بن أبي طلحة بنحوه (^٩).
_________________
(١) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظه تقريبًا (الصحيح، البر، باب استحباب العفو والتواضع ح ٢٥٨٨) وورد في حاشيته: ما نقصت صدقة من مال: ذكروا فيه وجهين: أحدهما معناه أنه يبارك فيه ويدفع عنه المضرات فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية، وهذا مدرك بالحس والعادة، والثاني: أنه وإن نقصت صورته، كان في الثواب المرتب عليه جبر لنقصه وزيادة إلى أضعاف كثيرة.
(٢) وقد تعقبه الذهبي لأن الراوي عن موسى بن عقبة هو أبو أُمية بن يعلى الثقفي، ضعفه الدارقطني، وإسحاق لم يدرك عبادة (المستدرك ٢/ ٢٩٥)، وضعفه الحافظ ابن حجر (لسان الميزان ٧/ ١٣)، والهيثمي (المجمع ٨/ ١٩٢).
(٣) ذكره الهيثمي ونسبه إلى الطبراني في الأوسط وفيه الحارث الأعور وهو ضعيف (المجمع ٨/ ١٩١).
(٤) ذكره الهيثمي ونسبه إلى الطبراني وقال: وفيه محمد بن جابر السحيمي: وهو متروك (المجمع ٨/ ١٩١).
(٥) ذكره الهيثمي ونسبه إلى الطبراني في الأوسط ثم قال: وفيه سليمان بن داود اليامي وهو ضعيف (المجمع ٨/ ١٩٢).
(٦) في سنده الضحاك لم يسمع من ابن عباس وسنده ضعيف.
(٧) في الأصل: "أذنب" وما أثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والمسند كما في التخريج.
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٧٩٣٥) وسنده صحيح.
(٩) صحيح البخاري، التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] (ح ٧٥٠٧)، =
[ ٢ / ٤٢٥ ]
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا أبو النضر وأبو عامر، قالا: حَدَّثَنَا زهير، حَدَّثَنَا سعد الطائي، حَدَّثَنَا أبو المدله مولى أُم المؤمنين، سمع أبا هريرة، قلنا: يا رسول الله، إذا رأيناك رقت قلوبنا، وكنا من أهل الآخرة، وإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا، وشممنا النساء والأولاد، فقال: "لو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفِّهم، ولزارتكم في بيوتكم. ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون كي يغفر لهم". قلنا: يا رسول الله، حَدَّثَنَا عن الجنة، ما بناؤها؟ قال: "لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتَّى يفطر، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين" (^١). ورواه الترمذي وابن ماجة من وجه آخر من حديث سعد به (^٢).
ويتأكد الوضوء وصلاة ركعتين عند التوبة لما رواه الإمام أحمد بن حنبل: حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا مسعر وسفيان الثوري، عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن علي بن ربيعة، عن أسماء بن الحكم الفزاري عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا، نفعني الله بما شاء منه. وإذا حدثني عنه غيره استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر ﵁ حدثني - وصدق أبو بكر - أنه سمع رسول الله ﷺ، قال: "ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضأ فيحسن الوضوء - قال مسعر: - فيصلي - وقال سفيان: - ثم يصلي ركعتين، فيستغفر الله ﷿ إلا غفر له" (^٣). وهكذا (^٤) رواه علي بن المديني والحميدي وأبو بكر بن أبي شيبة وأهل السنن وابن حبان في صحيحه والبزار والدارقطني من طرق عن عثمان بن المغيرة [به] (^٥)، وقال الترمذي: هو حديث حسن (^٦)، وقد ذكرنا طرقه، والكلام عليه مستقصى في مسند أبي بكر الصديق ﵁، وبالجملة فهو حديث حسن، وهو من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن خليفة النَّبِيّ أبي بكر الصديق ﵁. ومما يشهد بصحة هذا الحديث ما رواه مسلم في صحيحه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء" (^٧).
_________________
(١) = وصحيح مسلم، التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب (ح ٢٧٥٨).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٨٠٣٠) وصححه أحمد شاكر، وأخرجه الترمذي من طريق سعد الطائي به وحسنه (السنن، الدعوات، باب في العفو والعافية ح ٣٥٩٨).
(٣) المصدر السابق وسنن ابن ماجة، الصيام، باب في الصائم لا ترد دعوته (ح ١٧٥٢).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢) وسنده حسن كما قال الحافظ ابن كثير وصححه أحمد شاكر، وحسنه الترمذي (السنن، التفسير، سورة آل عمران ح ٣٠٠٩)، وقال الحافظ ابن حجر: جيد الإسناد (تهذيب "التهذيب" ١/ ٢٦٨)، وقال ابن عدي: أرجو أن يكون صحيحًا (الكامل المجلد الثاني ق ٢٢٨ - ٢٢٩).
(٥) في الأصل: "وهذا" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٦) سقط من الأصل واستدرك كسابقه.
(٧) تقدم في الحاشية السابقة.
(٨) أخرجه مسلم من حديث عقبة بن عامر (الصحيح، الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء ح ٢٣٤).
[ ٢ / ٤٢٦ ]
وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: أنه توضأ لهم وضوء النَّبِيّ ﷺ، [ثم قال: سمعت النَّبِيّ ﷺ] (^١) يقول: "من تَوَضَّأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه" (^٢) فقد ثبت هذا الحديث من رواية الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، عن سيد الأولين والآخرين، ورسول رب العالمين كما دلَّ عليه الكتاب المبين، من أن الاستغفار من الذنب ينفع العاصين، وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁، قال: بلغني أن إبليس لعنه الله حين نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ..﴾ الآية، بكى (^٣).
وقال الحافظ أبو يعلى: حَدَّثَنَا محرز بن عون، حَدَّثَنَا عثمان بن مطر، حَدَّثَنَا عبد الغفور، عن أبي نُصَيرة، عن أبي رجاء، عن أبي بكر ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ، قال: "عليكم بلا إله إلا الله، والاستغفار، فأكثروا منهما، فإن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون" (^٤) عثمان بن مطر وشيخه ضعيفان.
وروى الإمام أحمد في مسنده من طريق عمرو بن أبي عمرو وأبي الهيثم العتواري عن أبي سعيد، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "قال إبليس: يا ربّ، وعزتك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني" (^٥).
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى، حَدَّثَنَا عمر بن أبي خليفة، سمعت أبا بدر يحدث، عن ثابت، عن أنس، قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله، أذنبت ذنبًا، فقال رسول الله ﷺ: "إذا أذنبت فاستغفر ربك". قال: فإني أستغفر ثم أعود فأذنب، قال: "فإذا أذنبت فعد فاستغفر ربك"، فقالها في الرابعة: "استغفر ربك حتَّى يكون الشيطان هو [المحسور] (^٦) " (^٧).
وهذا حديث غريب من هذا الوجه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: لا يغفرها أحد سواه، كما قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن مصعب، حَدَّثَنَا سلام بن مسكين والمبارك، عن الحسن، عن الأسود بن
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح).
(٢) صحيح البخاري، الوضوء، باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا (ح ١٥٩)، وصحيح مسلم، الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله (ح ٢٢٦).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره بدون ذكر أنس بن مالك (١/ ١٣٣)، وأخرجه الطبري وعبد بن حميد في تفسيريهما من طريق عبد الرزاق به بدون ذكر أنس أيضًا (تفسير عبد بن حميد في حاشية تفسير ابن أبي حاتم، سورة آل عمران) في النسخة الخطية الفريدة.
(٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ١/ ١٢٣ ح ١٣٦)، وحكم عليه الحافظ ابن كثير بالضعف.
(٥) أخرجه الإمام أحمد من طريق عمرو بن أبي عمرو به ومن طريق دراج عن أبي الهيثم به (المسند ١٧/ ٣٣٣ - ٣٣٧ ح ١١٢٣٧ وح ١١٢٤٤) وفي سنده درّاج وفي حديثه عن أبي الهيثم ضعف (التقريب ص ٢٠١) وعمرو بن أبي لم يسمع من أبي سعيد الخدري كما قرر الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٠٤).
(٦) في الأصل: "الحسرت" وما أُثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٧) كشف الأستار بزوائد البزار (ح ٣٢٤٩)، وفي سنده أبو بدر، وهو بشار بن الحكم الضبي، قال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال ابن حبان: ينفرد عن ثابت بأشياء ليست من حديثه (لسان الميزان ٢/ ١٦).
[ ٢ / ٤٢٧ ]
سريع أن النَّبِيّ ﷺ أُتي بأسير، فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد، فقال النَّبِيّ ﷺ: "عرف الحق لأهله" (^١).
وقوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: تابوا من ذنوبهم ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا عنه، كما قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حَدَّثَنَا إسحاق بن أبي إسرائيل وغيره، قالوا: حَدَّثَنَا أبو يحيى عبد الحميد الحماني، عن عثمان بن واقد، عن أبي نُصَيرة، عن مولى لأبي بكر، [عن أبي بكر] (^٢) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما أصرَّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة" (^٣). ورواه أبو داود والترمذي والبزار في مسنده من حديث عثمان بن واقد (^٤) - وقد وثقه يحيى بن معين به - وشيخه أبو نُصَيرة الواسطي واسمه: مسلم بن عبيد، وثقه الإمام أحمد وابن حبان، وقول علي بن المديني والترمذي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك، فالظاهر أنه لأجل جهالة مولى أبي بكر (^٥)، ولكن جهالة مثله لا تضر لأنَّهُ تابعي كبير، ويكفيه نسبته إلى أبي بكر، فهو حديث حسن، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال مجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن من تاب تاب الله عليه (^٦)، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤] وكقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠] ونظائر هذا كثيرة جدًّا. وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد، أنبأنا جرير، حَدَّثَنَا حبان هو ابن زيد الشرعبي، عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبِيّ ﷺ أنه قال وهو على المنبر: "ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويلٌ لأقماع (^٧) القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون" (^٨) تفرد به
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٤/ ٣٥٣ ح ١٥٥٨٧) وسنده ضعيف لأن الحسن لم يسمع من الأسود بن سريع، ومحمد بن مصعب صدوق كثير الغلط (التقريب ص ٥٠٧) قال السندي: قوله: عرف الحق لأهله؛ أي: التوبة حق له تعالى فمن قال ذلك فقد عرفها لمستحقها (حاشية المسند).
(٢) ما بين معقوفين سقط واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٣) أخرجه الموصلي بسنده ومتنه (المسند ١/ ١٢٤ ح ١٣٧) وسنده ضعيف كما سيأتي.
(٤) سنن أبي داود، الصلاة، باب في الاستغفار (ح ١٥١٤)، وسنن الترمذي، الدعوات، باب ما أصرّ من استغفر (ح ٣٥٥٩)، ومسند البزار (ح ٩٣) قال الترمذي: هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث أبي نُصيرة، وليس إسناده بالقوي، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ٣٢٦).
(٥) ليس لأجل جهالة أبي بكر بل بسبب عثمان بن واقد أيضًا فهو صدوق ربما وهم (التقريب ص ٣٨٧) ولم يتابع عليه فقد أخرجه المروزي في مسند أبي بكر (ح ١٢٢)، والترمذي وأبو داود والبزار كما تقدم في الحاشية السابقة، والطبري وابن أبي حاتم في تفسيريهما وابن السني في عمل اليوم والليلة (ح ٣٦١)، البيهقي في شعب الإيمان (ح ٦٤٢)، والبغوي في شرح السنة كلهم من طريق عثمان بن واقد به.
(٦) قول مجاهد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن، وقول عبد الله بن عبيد أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح.
(٧) الإقماع: جمع قمع وهو الإناء الذي يترك في رؤوس الظروف لتملأ بالمائعات من الأشربة والأدهان (النهاية ٤/ ١٠٩).
(٨) أخرجه الإمام بسنده ومتنه (المسند ح ٦٥٤١) وصححه أحمد شاكر، وقال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح (المجمع ١٠/ ١٩١)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير ١/ ٣٠٨.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
أحمد.
ثم قال تعالى بعد وصفهم بما وصفهم به: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي: جزاؤهم على هذه الصفات ﴿مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من أنواع المشروبات ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ يمدح تعالى الجنة.
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾.
يقول تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين الذين أصيبوا يوم أُحد وقتل منهم سبعون: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أي: قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم، والدائرة على الكافرين، ولهذا قال تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾
ثم قال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ يعني: القرآن فيه بيان الأمور على جليتها وكيف كان الأمم الأقدمون مع أعدائهم ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ يعني: القرآن فيه خبر ما قبلكم. ﴿وَهُدًى﴾ لقلوبكم، ﴿وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: زاجر عن المحارم والمآثم.
ثم قال تعالى مسليًا للمؤمنين: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ أي: لا تضعفوا بسبب ما جرى ﴿وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: العاقبة والنصرة لكم أيها المؤمنون ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أي: إن كنتم قد أصابتكم جراح وقتل منكم طائفة، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي: نديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت لكم العاقبة لما لنا في ذلك من الحكمة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عَبَّاس: في مثل هذا لنرى من يصبر على مناجزة الأعداء ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ يعني يقتلون في سبيله ويبذلون مُهجهم في مرضاته ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: يكفر عنهم من ذنوبهم إن كانت لهم ذنوب. وإلا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به.
وقوله: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم،
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ أي: أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد، كما قال تعالى في سورة البقرة ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤]. وقال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ١ - ٣] ولهذا قال ههنا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ أي: لا يحصل لكم دخول الجنة حتَّى تُبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله، والصابرين على
[ ٢ / ٤٢٩ ]
مقاومة الأعداء.
وقوله ﷺ ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾ أي: قد كنتم أيها المؤمنون قبل هذا اليوم، تتمنون لقاء العدو وتتحرّقون عليهم وتودون مناجزتهم ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه، فدونكم فقاتلوا وصابروا، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" (^١). ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يعني: الموت شاهدتموه وقت لمعان السيوف وحدّ الأسنة، واشتباك الرماح، وصفوف الرجال للقتال، والمتكلمون يعبرون عن هذا بالتخييل. وهو مشاهدة ما ليس بمحسوس كالمحسوس كما تتخيل الشاة صداقة الكبش، وعداوة [الذئب] (^٢).
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾.
لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أُحد وقتل من قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قتل، ورجع [بن قميئة] (^٣) إلى المشركين، فقال لهم: قتلت محمدًا، وإنما كان قد ضرب رسول الله ﷺ فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أن رسول الله ﷺ قد قتل، وجَوّزوا عليه ذلك، كما [قد قصَّ الله عن] (^٤) كثير من الأنبياء ﵈، فحصل ضعف ووهن وتأخر عن القتال، ففي ذلك أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (^٥) أي: له أسوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه.
قال ابن أبي نجيح، عن أبيه: أن رجلًا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان أشعرت أن محمدًا ﷺ قد قتل، فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل ﷺ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة (^٦).
_________________
(١) صحيح البخاري، الجهاد، باب كان النَّبِيّ ﷺ إذا لم يُقاتل أول النهار أخر القتال حتَّى تزول الشمس (ح ٢٩٦٥ - ٢٩٦٦)، وصحيح مسلم، الجهاد، والسير (ح ١٧٤٢).
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "الزبيب" وهو تصحيف.
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: "ابن أمية"، هو تصحيف.
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: "قد قضى الله على" وهو تصحيف.
(٥) أخرجه ابن المنذر من طريق أبي بكر عن عاصم بن كليب عن أبيه عن عمر بنحوه (التفسير ص ٤٠٢ رقم ٩٧٥)، وفي سنده أبو بكر وهو ابن عياش ثقة إلا أنه لما كبر ساء حفظه (التقريب ص ٦٢٤).
(٦) أخرجه البيهقي من طريق آدم بن أبي إياس، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح به (دلائل النبوة ٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩) وسنده مرسل.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
ثم قال تعالى منكِرًا على من حصل له ضعف: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أي: رجعتم القهقري ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: الذين قاموا بطاعته وقاتلوا عن دينه، واتبعوا رسوله حيًا وميتًا. وكذلك ثبت في الصحاح والمساند والسنن وغيرها من كتب الإسلام من طرق متعددة تفيد القطع، وقد ذكرت ذلك في مسندي الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ أن الصديق ﵁، تلا هذه الآية لما مات رسول الله ﷺ.
وقال البخاري: حَدَّثَنَا يحيى بن بكير، حَدَّثَنَا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة، أن عائشة ﵂، أخبرته أن أبا بكر ﵁، أقبل على فرس من مسكنه بالسُنح (^١) حتَّى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتَّى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله ﷺ يلّى وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكبَّ عليه وقبَّله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأُمي واللّهِ لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد منها، وقال الزهري: حدثني أبو سلمة عن ابن عباس أن أبا بكر خرج وعمر يحدّث الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس فاقبل الناس إليه وتركها عمر فقال أبو بكر: أما بعد من كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إلى قوله: ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ قال: فواللّه لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتَّى تلاها عليهم أبو بكر، فتلاها منه الناس كلهم فما سمعها بشر من الناس إلا يتلوها، وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: واللّه ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فَعَقِرتُ حتَّى ما تقلني رجلاي، وحتى هَوَيت إلى الأرض (^٢).
وقال أبو القاسم الطبراني: حَدَّثَنَا علي بن عبد العزيز، حَدَّثَنَا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حَدَّثَنَا أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن عليًا كان يقول في حياة رسول الله ﷺ ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، واللّهِ لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتَّى أموت، واللّه إني لأخوه ووليه وابن عمه ووارثه، فمن أحق به مني (^٣)؟
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ أي: لا يموت أحد إلا بقدر الله وحتى يستوفي المدة التي [ضربها] (^٤) الله له، ولهذا قال: كقوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١] وكقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢] وهذه الآية فيها تشجيع للجبناء وترغيب لهم في القتال، فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه، كما قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا العباس بن يزيد العبدي قال: سمعت أبا معاوية، عن الأعمش، عن حبيب بن صُهبان، قال: قال رجل من المسلمين وهو حُجْر بن عدي: ما يمنعكم أن تعبروا إلى هؤلاء العدو وهذه النطفة - يعني دجلة -
_________________
(١) السنح - بضم السن والنون -: موضع بعوالي المدينة فيه منازل بني الحارث بن الخزرج (النهاية ٢/ ٤٠٧).
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب مرض النَّبِيّ ﷺ ووفاته ح ٤٤٥٢ - ٤٤٥٤).
(٣) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١/ ١٠٧ ح ١٧٦) وفي سنده سماك بن حرب وروايته عن عكرمة فيها اضطراب.
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "صيرها".
[ ٢ / ٤٣١ ]
﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ ثم أقحم فرسه دجلة، فلما أقحم، أقحم الناس، فلما رآهم العدو قالوا: ديوان (^١) فهربوا (^٢).
وقولهْ ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أي: من كان عمله للدنيا فقط نال منها ما قدره الله له، ولم يكن له في الآخرة نصيب، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها مع ما قسم له في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [الشورى] وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء] ولهذا قال ههنا: ﴿وَسَنَجْزِى الشَّاكِرينَ﴾ أي: سنعطيهم من فضلنا ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم.
ثم قال تعالى مسليًا للمؤمنين عمّا كان وقع في نفوسهم يوم أُحد: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قيل: معناه كم من نبي قتل وقتل معه ربيّون من أصحابه كثير. وهذا القول هو اختيار ابن جرير فإنه قال: وأما الذين قرأوا: ﴿قَاتَلَ (^٣) مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ فإنهم قالوا: إنما عنى بالقتل: النَّبِيّ وبعض من معه من الربيين دون جميعهم، وإنما نفى الوهن والضعف عمّن بقي من الربيين ممن لم يقتل، قال: ومن قرأ قاتل فإنه اختار ذلك، لأنَّهُ قال: لو قتلوا لم يكن لقول الله: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ وجه معروف لأنَّهُ يستحيل أن [يوصفوا] (^٤) بأنهم لم يهنوا ولم يضعفوا بعد ما قتلوا، ثم اختار قراءة من قرأ ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ لأن الله عاتب بهذه الآيات والتي قبلها من انهزم يوم أُحد وتركوا القتال لما سمعوا الصائح يصيح بأن محمدًا قد قتل، فعذلهم الله على فرارهم وتركهم القتال، فقال لهم: (﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ أيها المؤمنون ارتددتم عن دينكم ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ وقيل: وكم من نبي قتل بين يديه من أصحابه ربيون كثير، وكلام ابن إسحاق في السيرة يقتضي قولًا آخر، فإنه قال: أي: و﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ كأين من نبي أصابه القتل ومعه ربيون أي: جماعات فما وهنوا بعد نبيهم، وما ضعفوا عن عدوهم، وما استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن دينهم، وذلك الصبر ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (^٥) فجعل قوله: حالًا، وقد نصر هذا القول السهيلي وبالغ فيه (^٦)، وله اتجاه لقوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ …﴾ الآية، وكذا حكاه الأُموي (^٧) في مغازيه عن كتاب محمد بن إبراهيم ولم يحكِ غيره، وقرأ بعضهم ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زرّ (^٨) عن ابن مسعود ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أي:
_________________
(١) ديوان: أي: شيطان (انظر: المعرب ص ٢٠٢).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) قراءة (قُتل) و(قاتل) كلتاهما متواترتان.
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "يوهنوا" وهو تصحيف.
(٥) أخرجه الطبري بسنده المتكرر عن ابن إسحاق.
(٦) قال السهيلي: وهذا أصح التفسيرين (الروض الأنف ٣/ ١٩٤).
(٧) وهو موسى بن عقبة الأُموي صاحب كتاب المغازي.
(٨) في الأصل: "عن ذر" وهو تصحيف.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
ألوف (^١)، وقال ابن عَبَّاس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والحسن وقتادة والسدي والربيع وعطاء الخراساني: الربيون الجموع الكثيرة (^٢).
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ أي: علماء كثير (^٣)، وعنه أيضًا: علماء صبر أبرار وأتقياء (^٤). وَحُكِىَ ابن جرير عن بعض نحاة البصرة أن الربيين هم الذين يعبدون الرب ﷿. قال: وردَّ بعضهم عليه، فقال: لو كان كذلك لقيل: الرَبيون بفتح الراء (^٥).
وقال ابن زيد: الربيون: الأتباع والرعية، والربانيون: الولاة (^٦).
﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [قال قتادة والربيع بن أنس: ﴿وَمَا ضَعُفُوا﴾ بقتل نبيهم ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾] (^٧) يقول: فما ارتدوا عن نصرتهم ولا عن دينهم أن قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتَّى لحقوا باللّه (^٨).
وقال ابن عَبَّاس: ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ تخشعوا (^٩).
وقال السدي وابن زيد: وما ذلوا لعدوهم (^١٠).
وقال محمد بن إسحاق والسدي وقتادة: أي ما أصابهم ذلك حين قتل نبيهم (^١١).
﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧)﴾ أي: لم يكن لهم هجير إلا ذلك
﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي: النصر والظفر والعاقبة ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ أي: جمع لهم ذلك مع هذا ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
_________________
(١) أخرجه الثوري بسنده ومتنه (التفسير ص ٤٠) وسنده حسن.
(٢) ذكرهم ابن أبي حاتم جميعًا بحذف الإسناد سوى قول ابن عباس، وقول ابن عباس وسعيد بن جبير أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن جبير عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي رجاء عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عمرو عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول عطاء الخراساني ورد ذلك في تفسيره بتحقيقي.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أبي الأشهب ومبارك عنه.
(٥) ذكره الطبري قولي البصريين والكوفيين.
(٦) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٧) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٨) قول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الربيع أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي جعفر الرازي عنه.
(٩) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم سند ضعيف من طريق ابن جريج عن ابن عباس.
(١٠) قول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن زيد أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(١١) قول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن أبي عروبة عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول ابن إسحاق ورد في سيرة ابن هشام ٢/ ١١٢.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)﴾.
يحذر تعالى عباده المؤمنين عن طاعة الكافرين والمنافقين، فإن طاعتهم تورث الردى في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾
ثم أمرهم بطاعته وموالاته والاستعانة به والتوكل عليه، فقال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)﴾
ثم بشرهم بأنه سيلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذلة لهم بسبب كفرهم وشركهم، مع ما ادخره (^١) لهم في الدار الآخرة من العذاب والنكال، فقال: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١)﴾ وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله أن رسول الله قال: "أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأُحلت لي الغنائم، وأُعطيت الشفاعة، وكان النَّبِيّ يبعث إلى قومه خاصة وبُعثتُ إلى الناس عامة" (^٢).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا محمد بن أبي عدي عن سليمان يعني: التيمي، عن سيار (^٣)، عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "فضلني ربي على الأنبياء - أو قال على الأمم - بأربع: قال: أُرسلت إلى الناس كافة، وجُعلت لي الأرض كلها ولأُمتي مسجدًا وطهورًا فأينما أدركت رجلًا من أُمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده وطهوره، ونُصرت بالرعب مسيرة شهر يقذفه في قلوب أعدائي، وأُحلت لي الغنائم" (^٤). ورواه من حديث سليمان التيمي عن سيار القرشي الأموي مولاهم الدمشقي سكن البصرة، عن أبي أُمامة [صُدي] (^٥) بن عجلان ﵁ به، وقال: حسن صحيح (^٦).
وقال سعيد بن منصور: أنبأنا ابن وهب، أخبرني [عمرو بن] (^٧) الحارث، أن أبا يونس حدثه،
_________________
(١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "ادخر" - بدون هاء -.
(٢) صحيح البخاري، التيمم، باب قول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا ﴾ [النساء: ٤٣] (ح ٣٣٥)، وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (ح ٥٢١).
(٣) في الأصل: "عن يسار" وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢٤٨)، وأخرجه الترمذي من طريق سليمان التيمي به وصححه (السنن، السير، باب ما جاء في الغنيمة ح ١٥٥٣)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ١٢٥٦).
(٥) في الأصل: "أخبرني"، وهو تصحيف.
(٦) المصدر السابق.
(٧) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
[ ٢ / ٤٣٤ ]
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ، قال: "نُصرت بالرعب على العدو"، ورواه مسلم من حديث ابن وهب (^١).
وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا حسين بن محمد، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبيه أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ: "أُعطيت خمسًا: بُعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرت بالرعب شهرًا، وأعطيت الشفاعة، وليس من نبي إلا وقد سأل شفاعته وإني اختبأت شفاعتي ثم جعلتها لمن مات لا يشرك باللّه شيئًا" (^٢). تفرد به أحمد.
وروى العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ قال: قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب فرجع إلى مكة، فقال النَّبِيّ ﷺ: "إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفًا، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب" رواه ابن أبي حاتم (^٣).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ قال ابن عَبَّاس: وعدهم الله النصر (^٤).
وقد يستدل بهذه الآية على أحد القولين المتقدمين في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ [آل عمران] أن ذلك كان يوم أُحد، لأن عددهم كان ثلاثة آلاف مقاتل، فلما واجهوهم كان الظفر والنصر أول النهار للإسلام، فلما حصل ما حصل من عصيان الرماة وفشل بعض المقاتلة، تأخر الوعد الذي كان مشروطًا بالثبات والطاعة، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: أول النهار ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ أي: تقتلونهم ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بتسليطه إياكم عليهم ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾.
وقال ابن جريج: قال ابن عَبَّاس: الفشل الجبن (^٥) ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ كما وقع للرماة ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ وهو الظفر منهم ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ وهم الذين رغبوا في المغنم حين [رأوا] (^٦) الهزيمة ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ ثم أدالهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ ثم أي: غفر لكم ذلك الصنيع، وذلك، واللّه أعلم، لكثرة عدد العدو وعددهم وقلة عدد المسلمين وعددهم.
قال ابن جريج: قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ قال: لم يستأصلكم، وكذا قال محمد بن إسحاق: رواهما ابن جرير (^٧) ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
_________________
(١) صحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة (ح ٥٢٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٢/ ٥١٢ ح ١٩٧٣٥) وقال محققوه: صحيح لغيره. ويشهد له حديث جابر المتقدم المتفق عليه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم وسنده ضعيف.
(٤) كسابقه.
(٥) سنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.
(٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "ولوا".
(٧) قول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سنيد، وقول ابن إسحاق ورد في سيرة ابن هشام ٣/ ٦٧.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
وقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عُبيد الله، عن ابن عباس أنه قال: ما نصر الله في موطن كما نصر يوم أُحد، قال: فأنكرنا ذلك، فقال ابن عَبَّاس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله، إن الله يقول في يوم أُحد: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ يقول ابن عباس الحس: القتل ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا﴾ الله ﴿عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، وإنما عنى بهذا الرماة، وذلك أن النَّبِيّ ﷺ أقامهم (^١) في موضع ثم قال: "احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا [قد غنمنا] (^٢) فلا تشركونا" فلما غنم النبي ﷺ، وأباحوا عسكر المشركين، أكبَّت الرماة جميعًا فدخلوا في العسكر ينهبون، ولقد التقت صفوف أصحاب رسول الله ﷺ فهم هكذا - وشبك بين يديه - وانتشبوا، فلما أخلَّ الرماة تلك الخلّة التي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول اللّه ﷺ، فضرب بعضهم بعضًا، والتبسوا وقُتل من المسلمين، ناس كثير، وقد كان لرسول الله ﷺ وأصحابه أول النهار حتَّى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون جولة نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغار، إنما كانوا تحت المهراس (^٣)، وصاح الشيطان: قُتل محمد، فلم يشك فيه أنه حق، فلا زلنا كذلك ما نشك أنه حق حتَّى طلع رسول الله ﷺ بين السعدين نعرفه بتكفئه إذا مشى، قال: ففرحنا حتَّى كأنه لم يصبنا ما أصابنا، قال: فرقى نحونا وهو يقول: "اشتد غضب الله على قوم دَمَّوا وجه رسول الله" ويقول مرة أخرى: "اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا" حتَّى انتهى إلينا فمكث ساعة، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل اعلُ هبل - مرتين يعني إلهه - أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر ﵁: يا رسول الله ألا أُجيبه؟ قال: "بلى". فلما قال: اعلُ هبل. قال عمر: الله أعلى وأجلّ. فقال أبو سفيان: قد أنعمت [عينها فعاد عنها أو فَعَالَ عنها] (^٤) فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله ﷺ، وهذا أبو بكر، وها أنا ذا عمر. قال: فقال أبو سفيان، يوم بيوم بدر، الأيام دول، وإن الحرب سجال، قال: فقال عمر: لا سواء قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار. قال: إنكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا وخسرنا إذن، فقال أبو سفيان: إنكم ستجدون في قتلاكم مثلة ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا. قال: ثم أدركته حمية الجاهلية، فقال: أما إنه إن كان ذلك لم نكرهه (^٥). هذا حديث غريب وسياق عجيب، وهو من مرسلات ابن عباس، فإنه لم
_________________
(١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "أقامه".
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "نقتل" وهو تكرار ما سبق من الجملة الشرطية.
(٣) تحت المهراس - بكسر الميم وسكون الهاء -: ماء بجبل أُحد (معجم البلدان ٥/ ٢٣٢).
(٤) الزيادة من المسند، وفي (عف) فعال عنها، وكذا في (حم) و(ح) و(مح)، وفي الأصل: "فعال عني".
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٦٠٩) وصححه أحمد شاكر، وعلى الرغم ما قاله الحافظ ابن كثير فإن سنده حسن فرجاله ثقات إلا ابن أبي الزناد: وهو عبد الرحمن بن أبي الزناد صدوق فتغير لكن علي بن المديني قال: ما رواه سليمان الهاشمي عنه فهي حسان، نظرت فيها فإذا هي مقاربة (انظر شرح علل الترمذي ص ٦٠٦) وله شواهد كثيرة سردها الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية ٤/ ٢٥ وأخرجه الحاكم من طريق سليمان بن داود به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٦) وله شاهد في صحيح البخاري=
[ ٢ / ٤٣٦ ]
يشهد أُحدًا ولا أبوه، وقد أخرجها الحاكم في مستدركه عن أبي النضر الفقيه، عن عثمان بن سعيد، عن سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس به (^١).
وهكذا رواه ابن أبي حاتم والبيهقي في دلائل النبوة من حديث سليمان بن داود الهاشمي به. ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها، فقال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن الشعبي، عن ابن مسعود، قال: إن النساء كن يوم أُحد خلف المسلمين يجهزنَّ على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبرّ أنه ليس منا أحد يريد الدنيا، حتى أنزل الله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ فلما خالف أصحاب رسول الله ﷺ، وعصوا ما أمروا به، [أفرد] (^٢) النبي ﷺ في تسعة: سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، وهو عاشرهم ﷺ، فلما رهقوه [قال: "رحم الله رجلًا ردهم عنا" قال: فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل، فلما رهقوه] (^٣) أيضًا قال: "رحم الله رجلًا ردَّهم عنا" فلم يزل يقول ذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: "ما أنصفنا أصحابنا" فجاء أبو سفيان فقال: اعلُ هبل: فقال رسول الله ﷺ: "قولوا: الله أعلى وأجلّ"، فقالوا: الله أعلى وأجلّ. فقال أبو سفيان لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله ﷺ: "قولوا: الله مولانا والكافرون لا مولى لهم" فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر:
فيوم علينا ويوم لنا … يوم نساء ويوم نُسَر
حنظلة بحنظلة وفلان بفلان وفلان بفلان. فقال رسول الله ﷺ: "لا سواء: أما قتلانا فأحياء يرزقون، وأما قتلاكم ففي النار يعذبون" فقال أبو سفيان: لقد كان في القوم مثلة، وإن كان لَعَنْ غير ملأ منا، ما أمرت ولا نهيت، ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني، قال: فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه، وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها. فقال: رسول الله ﷺ: "أكلت شيئًا"؟ قالوا: لا. قال: "ما كان الله ليدخل شيئًا من حمزة في النار" قال: فوضع رسول الله ﷺ: حمزة فصلى عليه، وجيء برجل من الأنصار فوضع إلى جنبه فصلى عليه، فرفع الأنصاري وترك حمزة حتى جيء بآخر فوضع إلى جنب حمزة فصلى عليه، ثم رفع وترك حمزة، حتى صلى عليه يومئذٍ سبعين صلاة (^٤). تفرد به أحمد أيضًا. وقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لقينا المشركين يومئذٍ وأجلس النبي ﷺ جيشًا من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير، وقال: "لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا" فلما لقيناهم هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في
_________________
(١) = من حديث البراء بن عازب (كتاب المغازي، باب غزوة أُحد (٥/ ١٢٠ - ١٢١).
(٢) المستدرك (٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧).
(٣) في الأصل: "أفرض"، وهو تصحيف والتصويب من المسند و(عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٤) ما بين معقوفين سقط واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والمسند كما في التخريج.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٤٤١٤) وصححه أحمد شاكر، وسنده حسن لأن رجاله ثقات إلا عطاء بن السائب صدوق اختلط لكن رواية حماد عنه قبل الاختلاط (انظر: تهذيب التهذيب ٧/ ٢٠٥ - ٢٠٧).
[ ٢ / ٤٣٧ ]
الجبل رفعن عن سوقهن، قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة. فقال عبد الله بن جبير: عهد إليّ النبي ﷺ أن لا تبرحوا فأبوا، فلما أبوا صرف وجوههم فأصيب سبعون قتيلًا، فأشرف أبو سفيان، فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: "لا تجيبوه". فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: "لا تجيبوه". فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قد قتلوا فلو كان أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه، فقال له: كذبت يا عدو الله قد أبقى الله لك ما يحزنك، قال أبو سفيان: اعلُ هبل. فقال النبي ﷺ: "أجيبوه" قالوا: ما نقول قال: "قولوا: الله أعلى وأجل". قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي ﷺ: "أجيبوه" قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم". قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني (^١). تفرد به البخاري من هذا الوجه، ثم رواه عن عمرو بن خالد، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن البراء بنحوه (^٢)، وسيأتي بأبسط من هذا.
وقال البخاري أيضًا: حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو أُسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: لما كان يوم أُحد هزم المشركون، فصرخ إبليس: أي: عباد الله أخراكم، فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فبصر حذيفة، فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي عباد الله أبي أبي. قال: قالت: فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم. قال عروة: فواللّه ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله ﷿ (^٣).
وقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن جده أن الزبير بن العوام قال: واللّهِ لقد رأيتني أنظر إلى خدم هِند وصواحباتها مشمرات هوارب ما دون أخذهن كثير ولا قليل، ومالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب، وخلوا ظهورنا للخيل، فأتتنا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم (^٤).
قال محمد بن إسحاق: فلم يزل لواء المشركين صريعًا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فدفعته لقريش فلاثوا بها (^٥).
وقال السدي، عن عبد خير قال: قال عبد الله بن مسعود: ما كنت أرى أن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ يريد الدنيا حتى نزل فينا ما نزل يوم أُحد ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (^٦)، وقد روي من غير وجه عن ابن مسعود، وكذا روي عن عبد الرحمن بن عوف وأبي طلحة، رواهن ابن مردويه في تفسيره.
_________________
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، غزوة أحد ح ٤٠٤٣).
(٢) أخرجه البخاري بسنده، صحيح البخاري، الجهاد، باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب (ح ٣٠٣٩).
(٣) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢] (ح ٤٥٦٥).
(٤) أخرجه ابن إسحاق بسنده ومتنه كما في الروض الأنف ٣/ ١٥٥ وسنده صحيح.
(٥) كذا في (عف) و(مح)، و(ح): "فلاذوا بها": أي هربوا بها، وفي الأصل: "فلاقوا" وهو تصحيف.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق أسباط عن السدي به، وسنده حسن. وحسنه العراقي في تخريجه للإحياء (٤/ ٢١٩)، وصححه السيوطي (الدر المنثور ٤/ ٧٥).
[ ٢ / ٤٣٨ ]
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ قال ابن إسحاق: حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أحد بني عدي بن النجار، قال: انتهى أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا ما بأيديهم، فقال: ما يجلسكم؟ فقالوا: قتل رسول الله ﷺ، قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل ﵁ (^١).
وقال البخاري: حدثنا حسان بن حسان، حدثنا محمد بن طلحة، حدثنا حميد، عن أنس بن مالك، أن عمَّه - يعني: أنس بن النضر -، غاب عن بدر فقال: غبت عن أول قتال النبي ﷺ لئن أشهدني الله مع رسول الله ليرين الله ما أجد، فلقي يوم أُحد فهزم الناس، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ، فقال: أين يا سعد إني أجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقتل، فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه أو بشامة، وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم (^٢). هذا لفظ البخاري، وأخرجه مسلم من حديث ثابت عن أنس بنحوه (^٣).
وقال البخاري أيضًا: حدثنا عبدان، حدثنا أبو حمزة، عن عثمان بن موهب، قال: جاء رجل حجَّ البيت فرأى قومًا جلوسًا، فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش. قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر، فأتاه فقال: إني سائلك عن شيء فحدثني، قال: سل، قال: أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أن عثمان بن عفان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغيَّب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. فكبر، فقال ابن عمر: تعالى لأخبرك ولأبيّن لك عما سالتني عنه، أما فراره يوم أُحد فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تغيّبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة، فقال له رسول الله: "إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه " وأما تغيّبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعزّ ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث عثمان، فكانت بيعة الرضوان بعدما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي ﷺ بيده اليمنى: "هذه يد عثمان" فضرب بها على يده فقال: "هذه يد عثمان اذهب بها الآن معك" (^٤). ثم رواه البخاري من وجه آخر عن أبي عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب (^٥).
وقوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: صرفكم عنهم ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾؛ أي في الجبل هاربين من أعدائكم. وقرأ الحسن وقتادة (إذ تَصْعَدون) (^٦) أي: في الجبل ﴿وَلَا
_________________
(١) أخرجه ابن إسحاق بسنده ومتنه، وسنده منقطع بين القاسم وأنس.
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب غزوة أُحد ح ٤٠٤٨).
(٣) صحيح مسلم، الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد (ح ١٩٠٣).
(٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ …﴾ [آل عمران: ١٥٥] ح ٤٠٦٦).
(٥) صحيح البخاري، فضائل الصحابة، باب مناقب عثمان بن عفان ﵁ (ح ٣٦٩٨).
(٦) هذه قراءة شاذة ذكرها الطبري ونسبها إلى الحسن. وقد أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن عروبة عن الحسن وقتادة.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: وأنتم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ أي: وهو قد خلفتموه وراء ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرة.
قال السدي: لما شدّ المشركون على المسلمين بأُحد فهزموهم دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها. فجعل الرسول ﷺ يدعو الناس: "إليّ عباد الله، إليَّ عباد الله" فذكر [الله] (^١) صعودهم إلى الجبل، ثم ذكر دعاء النبي ﷺ إياهم، فقال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ (^٢). وكذا قال ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد (^٣).
وقال عبد الله بن الزبعري (^٤): يذكر هزيمة المسلمين يوم أُحد في قصيدته وهو مشرك بعد لم يسلم التي يقول في أولها:
يا غراب البين أسمعت … إنما تنطبق شيئًا قد فعل
إن للخير وللشر مدى … وكلا ذلك وجه وقَبَل
إلى أن قال:
ليت أشياخي ببدر شهدوا … جزع الخزرج من وقع الأسل
حين حكّت بقباء بركها … واستحرّ القتل في عبد الأشل
ثم خفّوا عند ذاكم رُقّصا … وقصّ الحفّان يعلو في الجبل
فقتلنا الضعف من إشرافهم … وعدلنا ميل بدر فاعتدل (^٥)
الحفان: صغار النعم.
وقد كان النبي ﷺ قد أفرد في اثني عشر رجلًا من أصحابه كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، عن البراء بن عازب ﵁، قال: جعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أُحد - وكانوا خمسين رجلًا - عبد الله بن جبير قال: ووضعهم موضعًا، وقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم" [وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم] (^٦)، قال: فهزموهم قال: فأنا واللهِ رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسواقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن، فقال: أصحاب عبد الله الغنيمة، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ قال عبد الله بن جبير: أفنسيتم ما قاله
_________________
(١) لفظ الجلالة لم يرد في الأصل، وقد ورد في (عف) و(ح) و(مح).
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن عن السدي لكنه مرسل، ويتقوى بالمراسيل التالية.
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عنه، وقول قتادة والربيع بن أنس أخرجهما الطبري بأسانيد حسان، وقول ابن زيد أخرجه الطبري بسند صحيح عنه لكنه معضل.
(٤) في الأصل: "الربعي" وهو تصحيف والمثبت من (عف) و(ح) و(مح)، وسيرة ابن هشام كما سيأتي.
(٥) ذكره ابن إسحاق وذكر ردَّ حسان بن ثابت عليه (انظر: سيرة ابن هشام ٣/ ١٣٦ - ١٣٧).
(٦) ما بين معقوفين زيادة من المسند كما في التخريج، ولم تذكر في النسخ التي بين يدي.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
لكم رسول الله ﷺ؟ فقالوا: إنا واللهِ لنأتينّ الناس، فلنصيبنّ من الغنيمة. فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبقَ مع رسول الله إلا اثنا عشر رجلًا، فأصابوا مِنَّا سبعين، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر مائة وأربعين، سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا. قال أبو سفيان: أفي القوم محمد، أفي القوم محمد؟ - ثلاثًا - قال: فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ أفي القوم ابن الخطاب؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا وقد [كفيتموهم] (^١)، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبتَ واللهِ يا عدوَّ الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوؤك، فقال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال. وإنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها، ولم تسؤني (^٢). ثم أخذ يرتجز يقول: اعلُ هبلْ اعلُ هبلْ، فقال رسول الله ﷺ: "ألا تجيبوه؟ " قالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال: "قولوا: الله أعلى وأجلّ" قال: لنا العزى ولا عزى لكم. قال رسول الله ﷺ: "ألا تجيبونه؟ " قالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال: "قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم" (^٣). وقد رواه البخاري من حديث زهير بن معاوية مختصرًا، ورواه من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق بأبسط من هذا كما تقدم، والله أعلم (^٤).
وروى البيهقي في دلائل النبوة من حديث عمارة بن غزية، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: انهزم الناس عن رسول الله ﷺ يوم أُحد، وبقي معه أحد عشر رجلًا من الأنصار، وطلحة بن عبيد الله وهو يصعد من الجبل، فلقيهم المشركون، فقال: [ألا أحد لهؤلاء] (^٥)، فقال طلحة: أنا يا رسول الله، فقال: "كما أنت يا طلحة" فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل عنه، وصعد رسول الله ﷺ ومن بقي معه، ثم قتل الأنصاري فلحقوه، فقال: "ألا رجل لهؤلاء"؟ فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول الله ﷺ مثل قوله، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل عنه وأصحابه يصعدون، ثم قتل فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول، فيقول طلحة: فأنا يا رسول الله، فيحبسه فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال، فيأذن له، فيقاتل مثل من كان قبله، حتى لم يبقَ معه إلا طلحة فغشوهما، فقال: رسول الله ﷺ: "من لهؤلاء"؟ فقال طلحة: أنا، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله، وأُصيب أنامله، فقال: حَس، فقال رسول الله: "لو قلت: باسم الله وذكرت اسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك حتى تلج [بك] (^٦) في جو السماء" ثم صعد رسول الله ﷺ إلى أصحابه وهم مجتمعون (^٧).
وقد روى البخاري عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي
_________________
(١) في الأصل: "كتموهم" وهو تصحيف والتصويب من المسند و(عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٢) في الأصل: "ولم تسرني" والمثبت من (عف) و(ح) و(مح) و(حم) والمسند.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٩٣) وسنده صحيح.
(٤) صحيح البخاري، المغازي، باب غزوة أُحد (ح ٤٠٤٣).
(٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "ألا احذر هؤلاء" وهو تصحيف.
(٦) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٧) دلائل النبوة ٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧.
[ ٢ / ٤٤١ ]
حازم، قال: رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي ﷺ - يعني يوم أُحد (^١) - وفي الصحيحين من حديث معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يبقَ مع رسول الله ﷺ، في بعض الأيام التي قاتل فيهن رسول الله ﷺ، إلا طلحة بن عبيد الله وسعد عن حديثهما (^٢).
وقال الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن معاوية، عن هاشم بن هاشم الزهري، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: نَثَل لي رسول الله ﷺ كنانته يوم أُحد وقال: "ارمِ فداك أبي وأُمي"، وأخرجه البخاري عن عبد الله بن محمد (^٣)، عن مروان بن معاوية (^٤).
وقال محمد بن إسحاق: حدثني صالح بن كيسان، عن بعض آل سعد، عن سعد بن أبي وقاص، أنه رمى يوم أُحد دون رسول الله ﷺ، قال سعد: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يناولني النبل ويقول: "ارمِ فداك أبي وأُمي" حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصل فأرمي به (^٥) وثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: رأيت يوم أُحد عن يمين النبي ﷺ، وعن يساره رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عند أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده (^٦). يعني جبريل وميكائيل ﵇.
وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد وثابت، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، واثنين من قريش، فلما أرهقوه قال: "من يردّهم عنّا وله الجنة - أو وهو رفيقي في الجنة"؟ فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، ثم أرهقوه أيضًا، فقال: "من يردّهم عنا وله الجنة"؟ فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: "ما أنصفنا أصحابنا" رواه مسلم عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة به نحوه (^٧).
وقال أبو الأسود، عن عروة بن الزبير، قال: كان أُبي بن خلف أخو بني جمح قد حلف وهو بمكة ليقتلنّ رسول الله ﷺ، فلما بلغت رسول الله حلفته، قال: "بل أنا أقتله إن شاء الله " فلما كان يوم أُحد، أقبل أُبي في الحديد مقنعًا وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد، فحمل على
_________________
(١) صحيح البخاري، المغازي، باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا …﴾ [آل عمران: ١٢٢] (ح ٤٠٦٣).
(٢) المصدر السابق (ح ٤٠٦٠)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل طلحة والزبير (ح ٢٤١٤).
(٣) في الأصل: "عن صفوان مروان"، فأقحم اسم صفوان، والصواب ما أثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وصحيح البخاري.
(٤) المصدر السابق (ح ٤٠٥٥).
(٥) في سنده إبهام شيخ صالح بن كيسان، ويشهد له حديث علي الذي رواه البخاري وفيه: فإني سمعته يقول له يوم أُحد: "ارمِ سعد فداك أبي وأُمي" (الصحيح، الجهاد، باب المجن ومن يتترس بترس صاحبه الحديث الرابع).
(٦) صحيح البخاري، المغازي (ح ٤٠٥٤)، وصحيح مسلم، الفضائل، باب في قتال جبريل وميكائيل (ح ٢٣٠٦).
(٧) صحيح مسلم، الجهاد، باب غزوة أُحد (ح ١٧٨٩). وهذا النص: من قوله: وقال حماد بن سلمة .. إلى نهاية نص مسلم تقدم في الأصل على رواية البخاري السابقة، والمثبت كما في (عف) و(مح).
[ ٢ / ٤٤٢ ]
رسول الله ﷺ يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير، أخو بني عبد الدار، يقي رسول الله ﷺ بنفسه، فقُتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله ﷺ ترقوة أُبي بن خلف، من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة وطعنه فيها بحربته، فوقع إلى الأرض عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور، فقالوا له: ما أجزعك إنما هو خدش؟ فذكر لهم قول رسول الله ﷺ: "بل أنا أقتل أُبيًا" ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي، بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون، فمات إلى النار ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (^١) [الملك: ١١]. وقد رواه موسى بن عقبة في مغازيه، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب بنحوه (^٢).
وذكر محمد بن إسحاق، قال: لما أسند رسول الله ﷺ في الشعب، أُدركه أُبي بن خلف وهو يقول: لا نجوتُ إن نجوتَ، فقال القوم: يا رسول الله يعطف عليه رجل منا، فقال رسول الله ﷺ: "دعوه" فلما دنا تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة، فقال بعض القوم - ما ذكر لي - فلما أخذها رسول الله ﷺ منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله رسول الله ﷺ فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ (^٣) منها عن فرسه مرارًا. وذكر الواقدي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمرو بن قتادة، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، نحو ذلك. قال الواقدي: وكان ابن عمر يقول: مات أُبي بن خلف ببطن رابغ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوى من الليل، إذا أنا بنار تأجج فهبتها، فإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها يهيج به العطش، وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله ﷺ. هذا أُبي بن خلف (^٤).
وثبت في الصحيحين من رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن همَّام بن منبه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "اشتدَّ غضب الله على قوم فعلوا برسول الله ﷺ - وهو حينئذٍ يشير إلى رباعيته - واشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ﷺ في سبيل الله" (^٥)، ورواه البخاري أيضًا من حديث ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: اشتدّ غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ بيده في سبيل الله، واشتدّ غضب الله على قوم دَمّوا وجه رسول الله ﷺ (^٦).
قال ابن إسحاق: أُصيبت رباعية رسول الله ﷺ، وشُجَّ في وجنته، وكُلِمت (^٧) شفته، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص، فحدثني صالح بن كيسان، عمَّن حدثه، عن سعد بن أبي وقاص قال: ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص إن كان ما علمته
_________________
(١) أخرجه البيهقي عن أبي الأسود به (دلائل النبوة ٣/ ٢٥٨). وسنده مرسل ويتقوى بالمرسل التالي.
(٢) أخرجه البيهقي من طريق موسى بن عقبة به (دلائل النبوة ٣/ ٢١١)، وسنده مرسل أيضًا ويتقوى بالمرسل السابق.
(٣) أي: تقلب عن فرسه (سيرة ابن هشام ٣/ ٦٠١).
(٤) هذه الرواية من طريق الواقدي وفيه مقال.
(٥) صحيح البخاري، المغازي، باب ما أصاب النبي ﷺ من الجراح يوم أُحد (ح ٤٠٧٣)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب اشتداد غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ (ح ١٧٩٣).
(٦) صحيح البخاري، نفس الباب السابق (ح ٤٠٧٤).
(٧) أي: جُرحت.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
لسيء الخلق مبغضًا في قومه، ولقد كفاني فيه قول رسول الله ﷺ: ["اشتدَّ غضب الله على من دَمّى وجه رسول الله ﷺ " (^١)] (^٢)، وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري، عن عثمان الجزري (^٣)، عن مقسم أن رسول الله ﷺ دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أُحد حين كسر رباعيته ودَمّى وجهه، فقال: "اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرًا" فما حال عليه الحول حتى مات كافرًا إلى النار (^٤).
وذكر الواقدي عن ابن أبي سبرة، عن إسحاق (^٥) بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبي الحويرث، عن نافع بن جبير، قال: سمعت رجلًا من المهاجرين يقول: شهدت أُحدًا فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية ورسول الله ﷺ وسطها، كل ذلك يصرف عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذٍ: دلوني على محمد لا نجوت إن نجا، ورسول الله ﷺ إلى جنبه ليس معه أحد، ثم جاوزه فعاتبه في ذلك صفوان، فقال: والله ما رأيته أحلف بالله إنه منا ممنوع! خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص إلى ذلك، قال الواقدي: والثبت عندنا، أن الذي رمى في وجنتي رسول الله ﷺ ابن قميئه (^٦)، والذي دَمّى شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص (^٧).
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا ابن المبارك، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، أخبرني عيسى بن طلحة، عن أُم المؤمنين عائشة ﵄، قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أُحد، قال: ذاك يوم كله لطلحة ثم أنشأ يحدث، قال: كنت أول من فاء يوم أُحد، فرأيت رجلًا يقاتل مع رسول الله ﷺ دونه وأراه قال: حمية، فقال: فقلت: كن طلحة حيث فاتني ما فاتني، فقلت: يكون رجلًا من قومي أحب إلي وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه وأنا أقرب إلى رسول الله ﷺ[منه] (^٨)، وهو يخطف المشي خطفًا [لا أحفظه] (^٩)، فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح، فانتهينا إلى رسول الله ﷺ، وقد كُسرت رباعيته وشُجَّ في وجهه، وقد دخل في وجنته حلقتان من حِلَق المغفر، فقال رسول الله ﷺ: "عليكما صاحبكما" يريد طلحة، وقد نزف فلم نلتفت إلى قوله، قال: وذهبت لأن أنزع ذلك من وجهه، فقال أبو عبيدة: أقسمت عليك بحقي لما تركتني فتركته، فكره أن يتناولها بيده فيؤذي رسول الله ﷺ، فأزّم عليه بفيه فاستخرج إحدى الحلقتين، ووقعت ثنيّته مع الحلقة، وذهبت لأصنع [ما صنع] (^١٠)، فقال: أقسمت عليك بحقي لما تركتني، قال:
_________________
(١) في سنده إبهام شيخ صالح بن كيسان ويشهد له حديث ابن عباس المتقدم الذي رواه البخاري.
(٢) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٣) في الأصل: "الجوزي" وهو تصحيف، والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده مرسل.
(٥) في الأصل: "عن أبي إسحاق" والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٦) في الأصل: "ابن أمية" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٧) أخرجه البيهقي من طريق الواقدي به (دلائل النبوة ٣/ ٢٦٤) وفيه الواقدي.
(٨) "منه": سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٩) في الأصل: "لا أحفظه" وهو تصحيف والتصويب كسابقه.
(١٠) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
[ ٢ / ٤٤٤ ]
ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى، فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة أحسن الناس هَتَمًا (^١)، فأصلحنا من شأن رسول الله ﷺ ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار، فإذا به بضع وسبعون أو أقل أو أكثر من طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت أصبعه، فأصلحنا من شأنه (^٢). ورواه الهيثم بن كليب والطبراني من حديث إسحاق بن يحيى به. وعند الهيثم فقال أبو عبيدة: أنشدك الله يا أبا بكر إلا تركتني؟ فأخذ أبو عبيدِة السهم بفيه، فجعل ينضنضه (^٣) كراهية أن يؤذي رسول الله ﷺ ثم استلَّ السهم بفيه فندرت ثنية أبي عبيدة، وذكر تمامه، واختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه، وقد ضعّف علي بن المديني هذا الحديث من جهة إسحاق بن يحيى هذا فإنه تكلم فيه يحيى بن سعيد القطان وأحمد ويحيى بن معين والبخاري وأبو زرعة وأبو حاتم ومحمد بن سعد والنسائي وغيرهم.
وقال ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، أن عمر بن السائب حدثه، أنه بلغه، أن مالكًا أبا أبي سعيد الخدري لما [جرح] (^٤) النبي ﷺ يوم أُحد مصَّ الجرح حتى أنقاه ولاح أبيض فقيل له: مجه، فقال: لا والله لا أمجه أبدًا، ثم أدبر يقاتل، فقال النبي ﷺ: "من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا" فاستشهد (^٥).
[وقد ثبت في الصحيحين من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد، أنه سئل عن جرح رسول الله ﷺ فقال: جرح وجه رسول الله ﷺ وكُسرت رباعيته وهُشمت البيضة على رأسه ﷺ، فكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تغسل الدم وكان عليٌّ يسكب عليه الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها حتى إذا صارت رمادًا ألصقته بالجرح فاستمسك الدم (^٦)] (^٧).
وقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي: فجزاكم غمًّا على غمّ، كما تقول العرب: نزلت ببني فلان، ونزلت على بني فلان.
وقال ابن جرير: وكذا قوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: على جذوع النخل (^٨).
قال ابن عباس: الغمُّ الأول بسبب الهزيمة، وحين قيل: قتل محمد ﷺ، والثاني: حين
_________________
(١) جاء في حاشية (عف): "الهتم: كَسرُ الثنايا".
(٢) أخرجه الطيالسي بسنده ومتنه (المسند ص ٣) وسنده ضعيف بسبب إسحاق بن يحيى بن طلحة وهو ضعيف (التقريب ص ١٠٣).
(٣) جاء في حاشية (عف): "النضنضة" تحريك الحية لسانها. اهـ. وقال ابن الأثير: في حديث أبي بكر: "دخُل عليه وهو ينضنض لسانه" أي: يحركه (النهاية ٥/ ٧٢).
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) (مح)، وفي الأصل: "خرج" وهو تصحيف.
(٥) أخرجه البيهقي من طريق ابن وهب به (دلائل النبوة ٣/ ٢٦٦) وسنده ضعيف لإبهام شيخ عمر بن السائب.
(٦) صحيح البخاري، الجهاد، باب لبس البيضة (ح ٢٩١١)، وصحيح مسلم، الجهاد (ح ١٧٩٠).
(٧) ما بين معقوفين ورد في الأصل: "في آخر تفسير الآيات" وأثبت كما في (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٨) ذكره الطبري وذكر ما قبله في الآية (التفسير ٦/ ١٥٠).
[ ٢ / ٤٤٥ ]
علاهم المشركون فوق الجبل، وقال النبي ﷺ: "اللهم ليس لهم أن يعلونا" (^١).
وعن عبد الرحمن بن عوف: الغمُّ الأول: بسبب الهزيمة، والثاني: حين قيل: قُتل محمد ﷺ كان ذلك عندهم أشدّ وأعظم من الهزيمة، رواهما ابن مردويه، وروي عن عمر بن الخطاب نحو ذلك (^٢)، وذكر ابن أبي حاتم، عن قتادة نحو ذلك أيضًا (^٣).
وقال السدي: الغمُّ الأول: بسبب ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والثاني: بإشراف العدو عليهم (^٤).
وقال محمد بن إسحاق: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي: كربًا بعد كرب قتل مَنْ قتل من إخوانكم، وعلو عدوكم عليكم، وما وقع في أنفسكم من قول من قال: قُتل نبيكم، فكان ذلك يُتتابع عليكم غمًّا بغمّ (^٥).
وقال مجاهد وقتادة: الغمُّ الأول: سماعهم قتل محمد، والثاني: ما أصابهم من القتل والجراح (^٦).
وعن قتادة والربيع بن أنس عكسه (^٧).
وعن السدي: الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والثاني: إشراف العدو عليهم (^٨)، وقد تقدم هذا القول عن السدي.
قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ فأثابكم بغمكم أيها المؤمنون بحرمان الله إياكم غنيمة المشركين والظفر بهم والنصر عليهم، وما أصابكم من القتل والجراح، يومئذٍ بعد الذي كان قد أراكم في كل ذلك ما تحبون بمعصيتكم أمر ربكم، وخلافكم أمر نبيكم ﷺ غمّ ظنكم أن نبيكم قد قتل وميل العدو عليكم بعد فُلولكم [منهم] (^٩).
وقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ أي: على ما فاتكم من الغنيمة والظفر بعدوكم ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ من الجراح والقتل، قاله (^١٠) ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف والحسن وقتادة والسدي (^١١). ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سبحانه وبحمده] (^١٢).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسند حسن عن ابن عباس مطولًا (المسند ٤/ ٣٦٨ - ٣٧٠ ح ٢٦٠٩) وحسنه محققوه، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧).
(٢) ويشهد له سابقه عن ابن عباس.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم وعبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل عنه.
(٦) أخرجهما ابن أبي حاتم بأسانيد ثابتة.
(٧) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٩) سقط من الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(١٠) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "قال".
(١١) قول السدي أخرجه ابن أبي حاتم كسابقه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه.
(١٢) الزيادة من (عف) و(مح).
[ ٢ / ٤٤٦ ]
﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾.
يقول تعالى ممتنًا على عباده المؤمنين فيما أنزل عليهم من السكينة [والأمنة] (^١) وهو النعاس الذي غشيهم وهم مُسْتَلئمو (^٢) السلاح في حال همّهم وغمّهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان، كما قال تعالى في سورة الأنفال في قصة بدر: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾ [الأنفال].
وقال الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم ووكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله بن مسعود، قال: النعاس في القتال من الله، وفي الصلاة من الشيطان (^٣).
وقال البخاري: وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة ﵁، قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أُحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه (^٤). وهكذا رواه في المغازي معلقًا، ورواه في كتاب التفسير مسندًا عن شيبان، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة، قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أُحد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه (^٥).
وقد رواه الترمذي والنسائي والحاكم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة، قال: رفعت رأسي يوم أُحد وجعلت أنظر وما منهم يومئذٍ أُحد إلا يميد (^٦) تحت حجفته من النعاس، لفظ الترمذي، وقال: حسن صحيح (^٧)، ورواه النسائي أيضًا، عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن أبي قتيبة، عن ابن أبي عدي، كلاهما عن حميد، عن أنس قال: قال أبو طلحة: كنت فيمن ألقي عليه النعاس، الحديث. وهكذا رُوِي عن الزبير وعبد الرحمن بن عوف.
_________________
(١) سقط من الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٢) قوله: "مستلئموا" كذا في (عف) وجاء في الحاشية بيانه بلفظ: استلام الرجل إذا لبس لامته، وفي الأصل بلفظ: "مسلموا".
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٤) صحيح البخاري، المغازي، باب ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا …﴾ [آل عمران: ١٥٤]. (ح ٤٠٦٨).
(٥) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ ح ٤٥٦٢).
(٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، ومعناه: يميل، وفي الأصل: "ممتد".
(٧) سنن الترمذي، تفسير القرآن، سورة آل عمران (ح ٣٠٠٧).
[ ٢ / ٤٤٧ ]
وقال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الحسين محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك أن أبا طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أُحد فجعل سيفي يسقط من يدي واخذه ويسقط وآخذه. قال: والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم أجبن قوم وأرعنه وأخذله للحق ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ كَذَبة أنما هم أهل شك وريب في الله ﷿ (^١). هكذا رواه بهذه الزيادة وكأنها من كلام قتادة ﵀ وهو كما قال: [فإن] (^٢) الله ﷿ يقول: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ يعني: أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل الصادق وهم الجازمون بأن الله ﷿ سينصر رسوله وينجز له مأموله، ولهذا قال: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني: لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢)﴾ [الفتح]، وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة وأن الإِسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك إِذا حصل أمر من الأمور الفظيعة تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم ﴿يَقُولُونَ﴾ في تلك الحال ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فقال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ ثم فسر ما أخفوه في أنفسهم بقوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ أي: يسرون هذه المقالة عن رسول الله ﷺ.
قال ابن إسحاق: فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد الخوف علينا أرسل الله علينا النوم فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ لقول معتب، رواه ابن أبي حاتم (^٣).
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أي: هذا قدر قدره الله ﷿ وحكم حتم لا محيد عنه ولا مناص منه.
وقوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: يختبركم بما جرى عليكم ليميز الخبيث من الطيب ويظهر أمر المؤمن من المنافق للناس في الأقوال والأفعال ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي بما يتخالج في الصدور من السرائر والضمائر،
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ أي: ببعض ذنوبهم السالفة كما قال بعض السلف: إِن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإِن من جزاء السيئة السيئة بعدها.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أي: عما كان منهم من الفرار ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾
_________________
(١) دلائل النبوة ٣/ ٢٧٣.
(٢) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
أي: يغفر الذنب ويحلم عن خلقه ويتجاوز عنهم، وقد تقدم حديث ابن عمر في شأن عثمان وتوليه يوم أُحد وأن الله قد عفا عنه مع من عفا عنهم عند قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٢] ومناسب ذكره ههنا.
قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عاصم، عن شقيق، قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم حنين، قال عاصم: يقول: يوم أُحد، ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سنة عمر، قال: فانطلق فأخبر بذلك عثمان، قال: فقال عثمان: أما قوله أني لم أفر يوم عينين، فكيف يعيرني بذلك وقد عفى الله عنه؟ فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر، فإني كنت أمرض رقية بنت رسول الله ﷺ حتى ماتت، وقد ضرب لي رسول الله ﷺ بسهم، ومن ضرب له رسول الله ﷺ بسهم فقد شهد، وأما قوله أني تركت سنة عمر فإِني لا أطيقها ولا هو، فأتاه فحدثه بذلك (^١). والله أعلم.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾.
ينهى تعالى عباده المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد، الدال عليه قولهم عن إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار أو الحروب، لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ﴾ أي: عن إخوانهم ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافروا للتجارة [ونحوها] (^٢) ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ أي: كانوا في الغزو ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا﴾ أي: في البلد ﴿مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ أي: ما ماتوا في السفر، وما قتلوا في الغزو وقوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم ليزدادوا حسرة على موتاهم وقتلاهم، ثم قال تعالى رادًّا عليهم: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: بيده الخلق وإليه يرجع الأمر، ولا يحيي أحد ولا يموت أحد إلا بمشيئته وقدره، ولا يزاد في عمر أحد ولا ينقص منه شيء إلا بقضائه وقدره ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: علمه وبصره نافذ في جميع خلقه، لا يخفى عليه من أمورهم (^٣) شيء.
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٤٩٠) وصححه أحمد شاكر، وأخرجه الطبراني (المعجم الكبير ١/ ٤٥ ح ١٣٥)، والبزار من طريق عاصم به قال البزار: وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن أبي وائل من حديث عاصم، ومن حديث منصور وقد ذكرناه عن التيمي عن عاصم إذ كان حسن المخرج واقتصرنا عليه (البحر الزخار ٢/ ٥٢ ح ٣٩٥)، وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٧/ ٢٢٦).
(٢) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل: "وغيرها" وكذا في (ح) و(حم).
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(ح) و(مح)، وفي الأصل: "من أمرهم"، كلاهما صحيح.
[ ٢ / ٤٤٩ ]
تضمن هذا أن القتل في سبيل الله والموت أيضًا، وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا جَمْع حطامها الفاني،
ثم أخبر تعالى بأن كل من مات أو قتل فمصيره ومرجعه إلى الله ﷿، فيجزيه بعمله إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾.
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾.
يقول تعالى مخاطبًا رسوله، ممتنًا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أُمته المتَّبعين لأمره، التاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: أي شيء جعلك لهم لينًا، لولا رحمة الله بك وبهم.
وقال قتادة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ يقول: فبرحمة من الله لنت لهم (^١).
وما صلة، والعرب تصلها بالمعرفة كقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] وبالنكرة كقوله: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ وهكذا ههنا قال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي برحمة من الله.
وقال الحسن البصري: هذا خلق محمد ﷺ بعثه الله به (^٢).
وهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة].
وقال الإمام أحمد: حدثنا حيوة، حدثنا [بقية] (^٣)، حدثنا محمد بن زياد، حدثني أبو راشد الحُبْراني قال: أخذ بيدي أبو أُمامة الباهلي وقال: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فقال: "يا أبا أُمامة إن من المؤمنين من يلين لي قلبه" (^٤). تفرد به أحمد.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ والفظ الغليظ، والمراد به ههنا غليظ الكلام [لقوله بعد ذلك: ﴿غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ أي: لو كنت سيء الكلام] (^٥)، قاسي القلب عليهم لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفًا لقلوبهم، كما قال
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عباد بن منصور عنه.
(٣) في الأصل: "شعبة" وهو تصحيف وما أثبت من المسند و(عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٢٦٧) وسنده حسن، وبقية، هو ابن الوليد صرح بالسماع، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (المجمع ١/ ٦٣).
(٥) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
[ ٢ / ٤٥٠ ]
عبد الله بن عمرو: "أنه رأى صفة رسول الله ﷺ في الكتب المتقدمة إنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح" (^١).
وروى أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي: أنبأنا بشر بن عبيد الدارمي، حدثنا عمار بن عبد الرحمن، عن المسعودي، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض" (^٢) حديث غريب. ولهذا قال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ وكذلك كان رسول الله ﷺ يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث تطييبًا لقلوبهم ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه، كما شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، فقالوا: يا رسول الله، لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون؟ ولكن نقول: اذهب، فنحن معك، وبين يديك، وعن يمينك، وعن شمالك (^٣) مقاتلون. وشاورهم أيضًا أين يكون المنزل؟ حتى أشار المنذر بن عمرو المُعْنق ليموت، بالتقدم إلى أمام القوم (^٤). وشاورهم في أُحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم، فخرج إليهم وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذٍ، فأبى ذلك عليه السعدان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فترك ذلك، وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين؛ فقال له الصّديق: إنا لم نجئ لقتال أحد وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال، وقال ﷺ في قصة الإفك: "أشيروا عليّ معشر المسلمين في قوم أبنوا أهلي ورموهم بسوء، والله ما علمت عليه إلا خيرًا" واستشار عليًا وأُسامة في فراق عائشة ﵂ (^٥). فكان ﷺ يشاورهم في الحروب ونحوها (^٦).
وقد اختلف الفقهاء هل كان ذلك واجبًا عليه أو من باب الندب تطييبًا لقلوبهم؟ على قولين. وقد قال الحاكم في مستدركه: أنبأنا أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي، حدثنا يحيى بن أيوب [العلاف] (^٧) بمصر، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ قال: أبو بكر وعمر ﵄، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٨)، وكذا رواه الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزلت
_________________
(١) أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص بنحوه وأطول (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ح ٤٨٣٨).
(٢) في سنده بشر بن عبيد، قال ابن عدي: منكر الحديث (الكامل في الضعفاء ٢/ ٤٤٧).
(٣) أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن مسعود مختصرًا (الصحيح، المغازي، باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ …﴾ [الأنفال: ٩] ح ٣٩٥٢).
(٤) تقدم الحديث عن مشاورته ﷺ في الآية ١٢١ من هذه السورة.
(٥) ينظر: طبقات ابن سعد ٣/ ٥٦٧.
(٦) سيأتي الحديث عن مشاورته ﷺ لعلي ﵁ في سورة النور آية ١١.
(٧) في الأصل: "العلاي" وهو تصحيف والمثبت من (عف) و(مح) و(ح).
(٨) أخرجه الحاكم سنده ومتنه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ٧٠).
[ ٢ / ٤٥١ ]
في أبي بكر وعمر، وكانا حواريّي رسول الله ﷺ ووزيريه، وأبوي المسلمين (^١).
وقد روى الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا عبد الحميد، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله ﷺ، قال لأبي بكر وعمر: "لو اجتمعنا في مشورة ما خالفتكما" (^٢).
وروى ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: سئل رسول الله ﷺ عن العزم؟ فقال: "مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم" (^٣).
وقد قال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن بكير، عن شيبان، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: "المستشار مؤتمن" (^٤) ورواه أبو داود والترمذي، وحسنه النسائي من حديث عبد الملك بن عمير بأبسط من هذا (^٥).
ثم قال ابن ماجه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أسود بن عامر، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيباني، عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "المستشار مؤتمن " (^٦) تفرد به. و[قال أيضًا] (^٧): حدثنا أبو بكر، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وعلي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه" (^٨) تفرد به أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: إذا شاورتهم في الأمر وعزمت عليه فتوكل على الله فيه ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾،
وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)﴾ وهذا كما تقدم من قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] ثم أمرهم بالتوكل عليه، فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾، قال ابن عباس مجاهد والحسن وغير واحد: ما ينبغي لنبي أن يخون (^٩).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن
_________________
(١) سنده ضعيف بسبب الكلبي ويشهد له ما سبق.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٢٧) وسنده مرسل قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن ابن غنم لم يسمع من النبي ﷺ (المجمع ٩/ ٥٣).
(٣) في النفس شيء من متنه.
(٤) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الأدب، باب المستشار مؤتمن ح ٣٧٤٥)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٠١٩).
(٥) سنن أبي داود، الأدب، باب في المشورة (ح ٥١٢٨)، وسنن الترمذي، الزهد، باب ما جاء في معيشة النبي ﷺ، وقال: حسن صحيح غريب.
(٦) سنن ابن ماجه (ح ٣٧٤٦) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٣٠٢٠).
(٧) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و(مح).
(٨) المصدر السابق (ح ٣٧٤٧)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه (ح ٣٧٤٧).
(٩) قول ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم بالسند التالي، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
سفيان، عن خُصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فقدوا قطيفة يوم بدر فقالوا: لعلَّ رسول الله ﷺ أخذها، فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي: يخون (^١).
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا خُصيف، حدثنا مِقسم، حدثني ابن عباس أن هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعلَّ رسول الله أخذها، فأكثروا في ذلك، فأنزل الله ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^٢). وكذا رواه أبو داود والترمذي جميعًا عن قتيبة، عن عبد الواحد بن زياد به. وقال الترمذي: حسن غريب (^٣)، ورواه بعضهم، عن خُصيف، عن مِقسم؛ يعني مرسلًا.
وروى ابن مردويه من طريق أبي عمرو بن العلاء، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: اتَّهم المنافقون رسولَ الله ﷺ بشيء فُقد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ (^٤). وروي من غير وجه عن ابن عباس نحو ما تقدم.
وهذا تبرئة له - صلوات الله وسلامه عليه - من جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة وغير ذلك.
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي: بأن يقسم لبعض السرايا ويترك بعضًا (^٥). وكذا قال الضحاك.
وقال محمد بن إسحاق: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ بأن يترك بعض ما أنزل إليه فلا يبلغه أُمته (^٦).
وقرأ الحسن البصري وطاوس ومجاهد والضحاك ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ بضم الياء (^٧)؛ أي يخان (^٨).
وقال قتادة والربيع بن أنس: نزلت هذه الآية يوم بدر، وقد غلَّ بعض أصحابه. رواه ابن جرير عنهما (^٩)، ثم حكى عن بعضهم أنه فسر هذه القراءة بمعنى: يتهم بالخيانة.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده بنحوه، وفي سنده المسيب بن واضح وهو: صدوق يخطيء ويصر، وخُصيف هو ابن عبد الرحمن الجزري: صدوق سيء الحفظ كما في التقريب. وقد توبعا فقد أخرجه الواحد من طريق أبي عمر حفص بن عمر الدوري عن أبي محمد اليزيدي عن أبي عمرو بن العلاء عن مجاهد عن ابن عباس (أسباب النزول ص ١٢١). وسنده حسن.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده أيضًا خُصيف.
(٣) سنن أبي داود، الحروف والقراءات، باب أول كتاب الحروف (ح ٣٩٧١)، وسنن الترمذي، التفسير، باب ومن سورة آل عمران (ح ٣٠٠٩) وقال: حسن غريب، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٠٧).
(٤) تقدم هذا الطريق في أسباب النزول كما تقدم في التخريج.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف بنحوه.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عنه بنحوه.
(٧) قراءة متواترة.
(٨) وقول الحسن أخرجه سعيد بن منصور في تفسير الطبري كلاهما من طريق هشيم عن عوف عن الحسن، وسنده حسن.
(٩) قول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر عنه لكنه مرسل وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند ضعيف مرسل.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وقد وردت السنة بالنهي عن ذلك أيضًا في أحاديث متعددة، قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الملك، حدثنا زهير - يعني ابن محمد -، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عطاء بن يسار، عن أبي مالك الأشجعي، عن النبي ﷺ قال: "أعظم الغلول عند الله ذراع من الأرض، تجدون الرجلين جارين في الأرض [أو في الدار] (^١)، فيقطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعًا، فإذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين إلى يوم القيامة" (^٢).
وفي الصحيحين عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ: "من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين" (^٣).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود (^٤)، حدثنا ابن لهيعة، عن ابن هبيرة والحارث بن يزيد، عن عبد الرحمن بن جبير قال: سمعت المستورد بن شداد يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ولي لنا عملًا وليس له منزل فليتخذ منزلًا أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له خادم فليتخذ خادمًا، أو ليست له دابّة فليتخذ دابّة، ومن أصاب شيئًا سوى ذلك فهو غالِّ" (^٥). هكذا رواه الإمام أحمد.
وقد رواه أبو داود بسند آخر وسياق آخر، فقال: حدثنا موسى بن مروان الرقي، حدثنا المعافى، حدثنا الأوزاعي، عن الحارث بن يزيد، عن جُبير بن نفير، عن المستورد بن شداد، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان لنا عاملًا فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادمًا، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنًا" قال: قال أبو بكر: أخبرت أن النبي ﷺ، قال: "من اتخذ غير ذلك فهو غالّ - أو سارق" (^٦).
قال شيخنا الحافظ المزي ﵀: رواه جعفر بن محمد الفريابي عن موسى بن مروان: فقال: عن عبد الرحمن بن جبير بدل (^٧) جبير بن نفير، وهو أشبه بالصواب (^٨).
[(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن بشر، حدثنا يعقوب القمي، حدثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء (^٩)، فينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك
_________________
(١) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والمسند كما يأتي.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٩/ ٣٣٤ ح ١٧٧٩٩) وحسنه محققوه، وحسنه الحافظ ابن حجر (الفتح ٥/ ١٠٥)، والمنذري في الترغيب ٣/ ١٦، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير ١/ ٣٠٤.
(٣) صحيح البخاري، المظالم، باب إثم من ظلم شيئًا من الأرض (ح ٢٤٥٢)، وصحيح مسلم (ح ١٦١٠).
(٤) في الأصل: "دار" وهو تصحيف.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٢٢٩) وفي سنده عبد الله بن لهيعة فيه مقال.
(٦) السنن، الخراج، باب في أرزاق العمال (ح ٢٩٤٥)، وأخرجه البغوي تعليفًا بصيغة التمريض (شرح السنة ١٠/ ٨٦) وفي ذلك إشارة إلى ضعفه، وفي سنده: موسى بن مروان الرقي: مقبول (التقريب ص ٥٥٣).
(٧) في الأصل: "بل"، وهو تصحيف.
(٨) تحفة الأشراف ٨/ ٣٧٧.
(٩) الثغاء: صياح الشاة.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
لك من الله شيئًا قد بلغتك، ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل جملًا له رغاء (^١)، فيقول: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد بلغتك، ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسًا له حمحمة ينادي: يا محمد، يا محمد. فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك. ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قَشْعًا من أدم (^٢) ينادي: يا محمد يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد بلغتك" (^٣). لم يروه أحد من أهل الكتب الستة] (^٤).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن الزهري، سمع عروة يقول: حدثنا أبو حميد الساعدي: قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلًا من الأزد يقال له: [ابن اللُتبية] (^٥) على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي. فقام رسول الله ﷺ على المنبر فقال: "ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي: أفلا جلس في بيت أبيه وأُمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا يأتي أحد منكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر" (^٦)، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه: ثم قال: "اللهم هل بلغت" ثلاثًا، وزاد هشام بن عروة: فقال أبو حميد: بصرته بعيني وسمعته بأذني واسألوا زيد بن ثابت (^٧)، أخرجاه من حديث سفيان بن عيينة، وعند البخاري: واسألوا زيد بن ثابت، ومن غير وجه عن الزهري ومن طريق عن هشام بن عروة، كلاهما عن عروة به (^٨).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: [حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى] (^٩) بن سعيد، عن عروة بن الزبير، عن أبي حميد، أن رسول الله ﷺ قال: "هدايا العمال غلول" (^١٠) وهذا الحديث من أفراد أحمد، وهو ضعيف الإسناد، وكأنه مختصر من الذي قبله، والله أعلم.
(حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي في كتاب الأحكام: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أُسامة، عن داود بن يزيد الأودي، عن المغيرة بن شبل، عن قيس بن أبي حازم، عن معاذ بن جبل، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فلما سرت أرسل في أثري فرددت، فقال: "أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبنَّ شيئًا بغير إذني فإنه غلول ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لهذا
_________________
(١) الرغاء: صوت الإبل.
(٢) أي: القربة البالية من الجلد.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وصححه أحمد شاكر برقم (٨١٥٨).
(٤) ما بين معقوفين جاء في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) في هذا الموطن، وفي الأصل جاء بعد الأحاديث الأربعة التالية.
(٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "اللثية" وهو تصحيف.
(٦) أي: تصيح.
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٢٣ - ٤٢٤) وسنده صحيح، متفق عليه.
(٨) صحيح البخاري، الهبة، باب من لم يقبل الهدية (ح ٢٥٩٧)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب تحريم هدايا العمال (ح ١٨٣٢).
(٩) سقط من الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(١٠) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٤٢٤) وضعفه الحافظ ابن كثير، وابن حجر (الفتح ٥/ ٢٢١) ويشهد له سابقه المتفق عليه.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
دعوتك فامض لعملك" هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي الباب عن عدي بن عميرة وبريدة والمستورد بن شداد وأبي حميد وابن عمر (^١).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن علية، حدثنا أبو حيان يحيى بن سعيد التيمي، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، قال: قام فينا رسول الله ﷺ يومًا فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، ثم قال: "لألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك، [لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة، فيقول: يا رسول الله أغثني، فاقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجي يوم القيامة على رقبته رقاع تخنق فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت (^٢)، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: "لا أملك لك من الله شيئًا قد بلغتك" (^٣). أخرجاه من حديث أبي حيان به (^٤)] (^٥).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، حدثني قيس، عن عدي بن عميرة الكندي قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أيها الناس من عمل لنا منكم عملًا فكتمنا منه مخيطًا فما فوقه، فهو غلّ يأتي به يوم القيامة" قال: فقام رجل من الأنصار أسود - قال مجالِد: [هو] (^٦) سعد بن عبادة كأني أنظر إليه - فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك. قال: "وما ذاك؟ " قال: سمعتك تقول: كذا وكذا، قال: "وأنا أقول ذاك الآن، من استعملناه على عمل فليجيء بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذه، وما نهي عنه انتهى" (^٧). وكذا رواه مسلم وأبو داود من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد به (^٨).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، عن أبي إسحاق الفزاري، عن ابن جريج، حدثني منبوذ رجل من آل أبي رافع، عن الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي رافع، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى العصر ربما ذهب إلى بني عبد الأشهل فيتحدث معهم حتى [ينحدر] (^٩) المغرب، قال أبو رافع: فبينما رسول الله ﷺ مسرعًا إلى المغرب، إذ مرَّ بالبقيع، فقال: "أف لك، [أف لك" مرتين] (^١٠)، فكبر في ذرعي (^١١) وتأخرت وظننت أنه يريدني، فقال:
_________________
(١) السنن، الأحكام، باب ما جاء في هدايا الأمراء (ح ١٣٣٥) وضعفه ابن عَدي في الكامل ٢/ ٩٤٨.
(٢) أي: الذهب والفضة (النهاية ٣/ ٥٢).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٢٦) وسنده صحيح.
(٤) صحيح البخاري، الجهاد، باب الغلول (ح ٣٠٧٣)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب غلظ تحريم الغلول (ح ١٨٣١).
(٥) ما بين معقوفين جاء في الأصل بعد رواية الطبري السابقة. وأثبت كما في (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "عن" وهو تصحيف.
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٩٢) وسنده صحيح.
(٨) صحيح مسلم، الإمارة، باب تحريم هدايا العمال (ح ١٨٣٣).
(٩) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "يقدر" وهو تصحيف.
(١٠) ما بين معقوفين سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والمسند.
(١١) قال السندي: أي ثبطني عما أردته، والحاصل أنه ظن أن الخطاب معه، فثقل عليه. كذا في حاشية المسند المحقق ٤٥/ ١٧٠.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
"ما لك؟ امش" قال: قلت: أحدثت حدثًا يا رسول الله، قال: "وما ذاك"؟ قلت: [أفّفْت بي، قال] (^١): "لا، ولكن هذا قبر فلان بعثته ساعيًا على آل فلان فغلَّ نمرة فدُرِّع (^٢) الآن مثلها من نار" (^٣).
(حديث آخر) قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن سالم الكوفي المفلوج - وكان ثقة - حدثنا عبيدة (^٤) بن الأسود، عن القاسم بن الوليد، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد، عن عبادة بن الصامت، قال: كان رسول الله ﷺ يأخذ الوبرة من جنب البعير من المغنم ثم يقول: "ما لي فيه إلا مثل ما لأحدكم، إياكم والغلول فإن الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة، أدوا الخيط والمخيط وما فوق ذلك، وجاهدوا في سبيل الله القريب والبعيد، في الحضر والسفر، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، إنه لينجي الله به من الهم والغم، وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد ولا تأخذكم في الله لومة لائم" (^٥). وقد روى ابن ماجه بعضه عن المفلوج به (^٦).
(حديث آخر) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: "ردُّوا الخياط والمخيط، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة" (^٧).
(حديث آخر) قال أبو داود: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا [جرير، عن مطرف] (^٨) عن أبي الجهم واسمه سليمان بن الجهم مولى البراء بن عازب، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: بعثني رسول الله ﷺ ساعيًا، ثم قال: "انطلق أبا مسعود لا ألفينك يوم القيامة تجيء على ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء، قد غللته" قال: إذًا لا أنطلق، قال: "إذًا لا أكرهك" (^٩)، تفرد به أبو داود.
(حديث آخر) قال أبو بكر بن مردويه: أنبأنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أنبأنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، أنبأنا عبد الحميد بن صالح، أنبأنا أحمد بن أبان، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بُريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ، قال: "إن [الحجر] (^١٠) ليُرْمى به في جهنم فيهوي سبعين خريفًا ما يبلغ قعرها، ويؤتي بالغلول فيقذف معه ثم يقال لمن غل: ائت به، فذلك قوله: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ " (^١١).
_________________
(١) كذا في (عف) و(مح) والمسند، وفي الأصل و(حم) لي. والصواب ما أثبت.
(٢) في الأصل: "تدرع"، وما أثبت من (عف) و(مح) والمسند.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٣٩٢)، وأخرجه النسائي من طريق أبي إسحاق وابن وهب عن ابن جريج به (السنن، الصلاة، باب الإسراع إلى الصلاة من غير سعي ٢/ ١١٥)، وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي ح ٨٣١)، وأخرجه ابن خزيمة من طريق ابن وهب به (الصحيح ٤/ ٢٣٣٤).
(٤) في الأصل: "عيينة" وهو تصحيف.
(٥) زوائد المسند ٥/ ٣٣٠، وصححه الألباني بالشواهد والمتابعات (السلسلة الصحيحة ح ٦٧٠ و١٩٤٢).
(٦) السنن، الحدود، باب في إقامة الحدود (ح ٢٥٤٠).
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مطولًا (المسند ح ٦٧٢٩) وسنده حسن، وصححه أحمد شاكر بعد أن خرجه تخريجًا وافيًا. قال الهيثمي: رواه أحمد ورجال أحمد ثقات (المجمع ٦/ ١٨٨).
(٨) في الأصل: "حرم بن مطرف" وهو تصحيف.
(٩) السنن، الخراج، باب في غلول الصدقة (ح ٢٩٤٧)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٥٥٤).
(١٠) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "المجرم". وهو تصحيف.
(١١) في سنده محمد بن عثمان بن أبي شيبة اتهموه بالوضع (لسان الميزان ٥/ ٢٨٠)، والشطر الأول من الحديث =
[ ٢ / ٤٥٧ ]
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني سماك الحنفي أبو زميل، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمر بن الخطاب، قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد، حتى أتوا على رجل، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله ﷺ: "كلَّا إني رأيته في النار في بُردة غلّها - أو عباءة - " ثم قال رسول الله ﷺ: "يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون". قال: فخرجت فناديت: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون (^١)، وكذا رواه مسلم والترمذي من حديث عكرمة بن عمار به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٢).
(حديث آخر) قال ابن جرير: حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ بعث سعد بن عبادة مصدقًا، فقال: "إياك يا سعد أن تجيء يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء". قال: لا آخذه ولا أجيء به، فأعفاه (^٣). ثم رواه من طريق عبيد الله عن نافع به نحوه (^٤).
(حديث آخر) قال أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد، حدثنا صالح بن محمد بن زائدة، عن سالم بن عبد الله أنه كان مع مسلمة (^٥) بن عبد الملك في أرض الروم، فوجد في متاع رجل غلول، قال: فسأل سالم بن عبد الله، فقال: حدثني أبي عبد الله عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من وجدتم في متاعه غلولًا فأحرقوه" قال: وأحسبه قال: "واضربوه" قال: فأخرج متاعه في السوق فوجد فيه مصحفًا، [فسأل سالمًا] (^٦) فقال: بعه وتصدق بثمنه (^٧)، وكذا رواه علي بن المديني وأبو داود والترمذي من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوَرْدي، زاد أبو داود وأبو إسحاق الفزاري، كلاهما عن أبي واقد الليثي الصغير صالح بن محمد بن زائدة به (^٨). وقد قال علي بن المديني والبخاري وغيرهما: هذا حديث منكر من رواية أبي واقد هذا، وقال الدارقطني: الصحيح أنه من فتوى سالم فقط،
_________________
(١) = ثابت في المسند ٤/ ١٧٤، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ٤/ ١٤٥.
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٠٣)، وأخرجه مسلم من طريق هاشم بن القاسم به (الصحيح، الأيمان، باب غلظ تحريم الغلول ح ١١٤).
(٣) السنن (ح ١٥٧٤).
(٤) أخرجه الطبري بسنده ولفظه وصححه أحمد شاكر رقم ٨١٦٣، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٩٩).
(٥) رواية الطبري هذه وما بعدها إلى ما قبل حديث عمر عند الطبري جاء بعد رواية عمر المذكورة، وما أثبت حسب (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٦) في الأصل: "سلمة" وهو تصحيف.
(٧) ما بين معقوفين سقط في الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ١٤٤) وضعفه أحمد شاكر بسبب صالح بن محمد بن زائدة، وهو كما قال: وقد سبقه ابن عدي في تضعيفه (الكامل ٤/ ١٣٤١)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (ح ٩٦٠).
(٩) سنن أبي داود، الجهاد، باب في عقوبة الغالّ (ح ١٧١٣)، وسنن الترمذي، الحدود، باب ما جاء في الغالّ ما يُصنع به (ح ١٤٦١) وقال: هذا الحديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
وقد ذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث الإمام أحمد بن حنبل ﵀ ومن تابعه من أصحابه.
(حديث آخر عن عمر ﵁) قال ابن جرير: حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثني عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن موسى بن جبير حدثه: أن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحباب الأنصاري حدثه: أن عبد الله بن أنيس حدثه: أنه تذاكر هو وعمر بن الخطاب يومًا الصدقة، فقال: ألم تسمع قول رسول الله ﷺ حين ذكر غلول الصدقة: "من غلّ منها بعيرًا أو شاة فإنه يحمله يوم القيامة؟ " قال عبد الله بن أنيس: بلى. ورواه ابن ماجه عن عمرو بن سَوّاد عن عبد الله بن وهب به (^١).
وقد رواه الأموي عن معاوية، عن أبي إسحاق، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، قال: عقوبة الغال أن يخرج رحله فيحرق على ما فيه. ثم روى عن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عفان بن عطاء، عن أبيه، عن علي، قال: الغالّ يجمع رحله فيحرق ويجلد دون حدِّ المملوك ويمنع نصيبه (^٢).
وخالفه أبو حنيفة ومالك والشافعي والجمهور فقالوا: لا يحرق متاع الغال، بل يعزَّر تعزير مثله.
وقال البخاري: وقد امتنع رسول الله ﷺ من الصلاة على الغال، ولم يحرق متاعه، والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أسود بن عامر، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن جبير بن مالك، قال: أمر بالمصاحف أن تغيّر، قال: فقال ابن مسعود: من استطاع منكم أن يغلَّ مصحفًا فليغله، فإنه من غلَّ شيئًا جاء به يوم القيامة، ثم قال: قرأت من فم رسول الله ﷺ سبعين سورة، أفأترك ما [أخذت] (^٣) من في رسول الله ﷺ (^٤)؟.
وروى وكيع [في تفسيره] (^٥) عن شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم، قال: لما أمر بتحريق المصاحف قال عبد الله بن مسعود ﵁: يا أيها الناس غلّوا المصاحف، فإنه من غلّ يأت بما غل يوم القيامة، ونِعم الغلّ المصحف يأتي به أحدكم يوم القيامة (^٦).
[وقال أبو داود، عن سمرة بن جندب (^٧)، قال: كان رسول الله ﷺ إذا غنم غنيمة أمر بلالًا فينادي
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن ماجه من طريق ابن وهب به (السنن، الزكاة، باب ما جاء في عمال الصدقة ح ١٨١٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٤٦٦).
(٢) في سنده عثمان بن عطاء وهو الخراساني وهو ضعيف كما في التقريب.
(٣) كذا في المسند و(عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "أُحدث" وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٩٢٩) وصححه أحمد شاكر ثم علق بأن ابن مسعود أخطأ خطأ شديدًا في تأويل الآية على ما أول … ولكن في سنده أبو إسحاق وهو السبيعي، وهو من مدلسي المرتبة الثالثة الذين لا تقبل روايتهم إلا إذا صرحوا بالسماع، وقد عنعن، وأخرجه ابن أبي داود من طريق أبي إسحاق به معنعنًا (المصاحف ص ٢١، ٢٢).
(٥) الزيادة من (عف) و(مح).
(٦) في سنده ثلاث علل: شريك، وهو ابن عبد الله النخعي الكوفي وهو صدوق يخطئ كثيرًا (التقريب ص ٢٦٦)، وإبراهيم بن مهاجر: وهو صدوق لين الحفظ (التقريب ص ٩٤) وشيخه إبراهيم النخعي لم يسمع من ابن مسعود.
(٧) كذا ذكره ابن كثير من حديث سمرة بن جندب، وهو وهم، فقد أخرجه أبو داود بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص (السنن، الجهاد، باب في القلول إذا كان يسيرًا .. ح ٢٧١٢)، وكذا أخرجه ابن حبان في =
[ ٢ / ٤٥٩ ]
في الناس، فيجيئون بغنائمهم، فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل يومًا بعد النداء بزمام من شعر فقال: يا رسول الله، هذا كان مما أصبنا من الغنيمة، فقال: "أسمعت بلالًا ينادي " ثلاثًا؟ قال: نعم. قال: "فما منعك أن تجيء؟ " فاعتذر إليه، فقال: "كلا أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك" (^١)] (^٢).
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢)﴾
أي: لا يستوي من اتبع رضوان الله فيما شرعه فاستحق رضوان الله وجزيل ثوابه، وأجير من وبيل عقابه، ومن استحق غضب الله وألزم به فلا محيد له عنه، ومأواه يوم القيامة جهنم وبئس المصير، وهذه لها نظائر كثيرة في القرآن، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ﴾ [الرعد: ١٩]، وكقوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾ الآية [القصص: ٦١].
ثم قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾، قال الحسن البصري ومحمد بن إسحاق: يعني أهل الخير وأهل الشر درجات (^٣).
وقال أبو عبيدة والكسائي: منازل، يعني: متفاوتون في منازلهبم ودرجاتهم في الجنة [ودركاتهم] (^٤) في النار (^٥)، كقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا …﴾ الآية [الأنعام: ١٣٢] ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: وسيوفيهم إياها، لا يظلمهم خيرًا ولا يزيدهم شرًا، بل يجازي كل عامل بعمله.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم: ٢١] أي: من جنسكم، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] وقال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسول إليهم منهم بحيث يمكنهم مخاطبته ومراجعته في فهم الكلام عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ يعني: القرآن ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي: يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر لتزكو نفوسهم وتُطهَّر (^٦) من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به
_________________
(١) = صحيحه (الإحسان ٤٨٠٩)، والحاكم (المستدرك ٢/ ١٢٧) وصححه ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٣٥٩). ومما يؤكد أن في مسند عبد الله بن عمرو وليس في مسند سمرة بن جندب أن الحافظ ابن كثير لم يذكره في مسند سمرة بن جندب (جامع المسانيد ٤/ ٧ - ٤٩) وإنما ذكره في مسند عبد الله بن عمرو، وكذا المزي في تحفة الأشراف ٦/ ٨٨٣٨.
(٢) ما بين معقوفين زيادة من (حم).
(٣) تقدم تخريجه في الحاشية السابقة.
(٤) قول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عباد بن منصور عنه، وقول ابن إسحاق ورد في السيرة لابن هشام ٣/ ١٢٤.
(٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "درجاتهم" وهو تصحيف.
(٦) قول أبي عبيدة، وهو معمر بن المثنى ورد في مجاز القرآن (١/ ١٠٧) مختصرًا بلفظ: "منازل".
(٧) في الأصل: "ويطهرهم" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
[ ٢ / ٤٦٠ ]
في حال شركهم وجاهليتهم، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني: القرآن والسنة، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا الرسول ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: لفي غيّ وجهل ظاهر جليّ بيّن لكل أحد.
﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾.
يقول تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ وهي ما أصيب منهم يوم أُحد من قتل السبعين منهم ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ يعني يوم بدر، فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلًا، وأسروا سبعين أسيرًا، ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ أي: من أين جرى علينا هذا؟ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا قُراد (^١) أبو نوح، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زميل، حدثني ابن عباس، حدثني عمر بن الخطاب، قال: لما كان يوم أُحد من العام المقبل، عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفرَّ أصحاب رسول الله ﷺ عنه، وكُسرت رباعيته، وهُشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ بأخذكم الفداء (^٢). وهكذا رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن غزوان وهو قُراد أبو نوح بإسناده ولكن بأطول منه (^٣)، وهكذا قال الحسن البصري (^٤).
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحشين، حدثنا إسماعيل بن علية، عن ابن عون، عن محمد، عن عبيدة، ح، قال سُنَيد وهو حسين: وحدثني حجاج، عن محمد، عن عَبيدة، عن علي ﵁، قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ، فقال: يا محمد، إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم، قال: فدعا رسول الله ﷺ الناس، فذكر لهم ذلك، فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا ألا نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا، ويستشهد منا عدتهم، فليس في ذلك ما نكره؟ قال: فقتل منهم يوم أُحد سبعون رجلًا، عدة أسارى أهل بدر (^٥). وهكذا رواه النسائي والترمذي من حديث أبي داود الحفري، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن سفيان بن سعيد، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين به، ثم قال الترمذي:
_________________
(١) في الأصل: "قرار" وهو تصحيف.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) المسند (ح ٢٠٨)، وصححه أحمد شاكر.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم وسنده مرسل ويشهد له ما سبق.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه سنيد فيه مقال، وقد توبع لكن المتابعة فيها نظر أيضًا كما سيأتي في رواية الترمذي والنسائي.
[ ٢ / ٤٦١ ]
حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة، وروى أبو أسامة عن هشام نحوه، وروى عن ابن سيرين عن عبيدة (^١)، عن النبي ﷺ مرسلًا (^٢).
وقال محمد بن إسحاق وابن جريج والربيع بن أنس والسدي: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: بسبب عصيانكم لرسول الله ﷺ حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم فعصيتم (^٣). يعني بذلك الرماة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا معقب لحكمه،
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: فراركم بين يدي عدوكم وقتلهم لجماعة منكم وجراحتهم لآخرين، كان بقضاء الله وقدره، وله الحكمة في ذلك ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ يعني بذلك: أصحاب عبد الله بن أُبي ابن سلول الذين رجعوا معه في أثناء الطريق، فاتبعهم رجال من المؤمنين يحرضونهم على الإياب والقتال والمساعدة، ولهذا قال: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾.
قال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأبو صالح والحسن والسدي: يعني: كثروا سواد المسلمين (^٤).
وقال الحسن بن صالح: ادفعوا بالدعاء، وقال غيره: رابطوا (^٥). فتعللوا قائلين: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾.
قال مجاهد: يعنون لو نعلم أنكم تلقون حربًا لجئنا، ولكن لا تلقون قتالًا (^٦).
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ومحمد بن يحيى بن حبّان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدث، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ - يعني حين خرج إلى أحد - في ألف
_________________
(١) في الأصل: "عن أبي عبيدة" وما أثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وهو الصواب.
(٢) السنن الكبرى للنسائي، السير، باب قتل الأسرى (ح ٨٦٦٢)، وسنن الترمذي، السير، باب ما جاء في قتل الأسرى والفداء (ح ١٥٦٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ٢/ ١١٠. ولكن لفظ الترمذي: وروى عن ابن سيرين عن عَبيدة عن علي عن النبي ﷺ مرسلًا. كذا في السنن في شرحه تحفة الأحوذي ٥/ ١٨٦، والصواب ما نقله الحافظ ابن كثير من نسخة الترمذي التي اعتمدها. وهذا الحديث وإن حسنه الترمذي وصححه الألباني إلا أنه يخالف ما صحَّ من أن أخذ الفداء من أسارى يوم بدر كان رأيًا عن النبي ﷺ بعد مشاورة أصحابه ﵃، ثم نزل الوحي بالعتاب موافقًا لرأي عمر في قتلهم، ولو صحّ التخيير لما جاء العتاب، وأخشى أن يكون من تدليس ابن أبي زائدة وهو زكريا، فإنه ثقة لكنه كان يدلس (التقريب ص ٢١٦)، والأصح مرسلًا فقد أخرجه الطبري بسند مرسل عن عَبيدة السلماني.
(٣) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند، إلا قول ابن إسحاق فقد أخرجه بسند حسن عنه، وقول ابن جريج أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق سنيد، وقول الربيع بن أنس أخرجه الطبري بسند ضعيف بسبب إبهام شيخ الطبري، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٤) قول ابن عباس أخرجه ابن المنذر بسند حسن من طريق كثير بن شِنظير عن مجاهد عن ابن عباس، وقول الضحاك أخرجه ابن المنذر من طريق شعيب بن سليمان عن الضحاك، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عتبة بن ضمرة عن أبي عون الأنصاري.
(٦) أخرجه ابن المنذر بنحوه بسند حسن من طريق ابن جريج عن عبد الله بن كثير عنه.
[ ٢ / ٤٦٢ ]
رجل من أصحابه، حتى إذا كان بالشرط بين أُحد والمدينة، [انخزل] (^١) عنه عبد الله بن أُبي بن سلول بثلث الناس، وقال: أطاعهم فخرج وعصاني، ووالله ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس؟ فرجع (^٢) بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أخو بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوكم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكن لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوا عليه وأبوا [إلا] (^٣) الإنصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم، ومضى رسول الله ﷺ (^٤).
قال الله ﷿: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال، فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان، لقوله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: أنهم يقولون القول ولا يعتقدون صحته، ومنه قولهم هذا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ فإنهم يتحققون أن جندًا من المشركين قد جاؤوا من بلاد بعيدة يتحزبون على المسلمين بسبب ما أُصيب من سراتهم يوم بدر. وهم أضعاف المسلمين أنه كائن بينهم قتال لا محالة. ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ أي: لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: إن كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت، فينبغي [أنكم] (^٥) لا تموتون، والموت لا بدّ آتٍ إليكم ولو كنتم في بروج مشيدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين.
قال مجاهد، عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أُبي (^٦) بن سلول.
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾.
يخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار، فإن أرواحهم حيّة مرزوقة في دار القرار.
_________________
(١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "اعدل".
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "فخرج".
(٣) سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٤) سيرة ابن هشام ٣/ ٦٨، وهذه المراسيل يقوي بعضها بضعًا، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به.
(٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "لكم".
(٦) أخرجه الطبري بسند ضعيف من طريق ابن جريج عن مجاهد به، وفيه سنيد وابن جريج لم يسمع من مجاهد.
[ ٢ / ٤٦٣ ]
قال محمد بن جرير: حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا عمر بن يونس، عن عكرمة، حدثنا ابن إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك في أصحاب رسول الله ﷺ الذين أرسلهم نبي الله ﷺ إلى أهل بئر معونة، قال: لا أدري أربعين أو سبعين، وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري، فخرج أولئك النفر من أصحاب رسول الله ﷺ حتى أتوا غارًا مشرفًا على الماء فقعدوا فيه، ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله ﷺ[أهل هذا الماء؟ فقال - أراه ابن ملحان الأنصاري -: أنا أبلغ رسالة رسول الله ﷺ، (^١) فخرج حتى أتى حيًا منهم فاختبأ أمام البيوت، ثم قال: يا أهل بئر معونة، إني رسول رسول الله إليكم، إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله، فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح، فضربه في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر فزتُ وربّ الكعبة، فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه في الغار فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل، وقال إسحاق (^٢): حدثني أنس بن مالك أن الله أنزل فيهم قرانًا: "بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه"، ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناها زمانًا، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (^٣) فقال: أما أنا قد سألنا عن ذلك فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل تحت العرش".
وقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، قال: سألنا عبد الله عن هذه الآية ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله ﷺ، فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا ربّ نريد أن تردّ أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة، تركوا" (^٤). وقد روي نحوه من حديث أنس وأبي سعيد (^٥).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، عن أنس أن رسول الله ﷺ، قال: "ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرها أن ترجع إلى الدنيا إلا الشهيد، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى لما يرى من فضل الشهادة" (^٦). تفرد به مسلم من طريق حماد.
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط في الأصل وبقية النسخ، واستدرك من تفسير الطبري.
(٢) أي: ابن طلحة.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه البخاري بنحوه من طريق قتادة عن أنس (الصحيح، المغازي، باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة ح ٤٠٩١).
(٤) صحيح مسلم، الإمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة (ح ١٨٨٧).
(٥) حديث أنس أخرجه مسلم (الصحيح، الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله (ح ١٨٧٧).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٢٦) وسنده صحيح، وأخرجه مسلم كما في الحاشية السابقة.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله المديني، حدثنا سفيان، عن محمد بن علي بن ربيعة السلمي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، قال: قال لي رسول الله ﷺ: "أعلمت أن الله أحيا أباك؟ فقال له: تمن. فقال له: أردُّ إلى الدنيا فأقتل مرة أخرى. قال: إني قضيت الحكم أنهم إليها لا يرجعون" (^١). تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما: أن أبا جابر وهو: عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري ﵁، قتل يوم أُحد شهيدًا. قال البخاري: وقال أبو الوليد عن شعبة، عن ابن المنكدر: قال سمعت جابرًا قال: لما قتل أبي: جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب رسول الله ﷺ ينهوني والنبي ﷺ لم ينه، وقال النبي ﷺ: "لا تبكه - أو ما تبكيه - أما زالت] (^٢) الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع" (^٣). وقد أسنده (^٤) هو ومسلم والنسائي من طريق آخر عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: لما قتل أبي يوم أُحد، جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، وذكر تمامه بنحوه (^٥).
(حديث آخر) قال أبو بكر بن مردويه، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا هارون بن سليمان، أنبأنا علي بن عبد الله المديني، أنبأنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشير بن الفاكه الأنصاري، سمعت طلحة بن خراش بن عبد الرحمن بن خراش بن الصّمة الأنصاري، قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: نظر إليَّ رسول الله ﷺ ذات يوم، فقال: "يا جابر ما لي أراك مهتمًا؟ " قال: قلت: يا رسول الله، استشهد أبي وترك دينًا وعيالًا، قال: فقال: "ألا أخبرك؟ ما كلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحًا، قال علي: الكفاح المواجهة، قال: سلني أعطك. قال: أسألك أن أردَّ إلى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال الربُّ ﷿: إنه قد سبق مني القول: أنهم إليها لا يرجعون. قال: أي ربِّ فأبلغ من ورائي، فأنزل الله ﷿ ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآية" (^٦). ثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن سليمان بن سليط الأنصاري، عن أبيه، عن جابر، به نحوه (^٧).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (٢٣/ ١٦٣ ح ١٤٨٨١) وحسنه محققوه بالمتابعات.
(٢) في الأصل: "رايت" والمثبت من صحيح البخاري و(عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٣) أخرجه تعليقًا (الصحيح، المغازي، باب من قتل من المسلمين يوم أُحد ح ٤٠٨٠) ووصله في (الصحيح، الجنائز، باب ٣٤ ح ١٢٩٣).
(٤) كما في الحاشية السابقة.
(٥) صحيح مسلم، فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر ﵄ (ح ٢٤٧١)، وسنن النسائي، الجنائز، باب في البكاء على الميت ٤/ ١٣.
(٦) أخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة آل عمران ح ٣٢١٠)، وابن ماجه (السنن، المقدمة، باب ما جاء فيما - أنكرت الجهمية ح ١٩٠) كلاهما من طريق موسى بن إبراهيم بن كثير به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٠٨)، وأخرجه الحاكم من الطريق نفسه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٠٣).
(٧) في سنده محمد بن سليمان بن سليط: وهو مجهول كما قال العقيلي في الضعفاء. وقد تابعه موسى بن إبراهيم كما في الحاشية السابقة.
[ ٢ / ٤٦٥ ]
وكذا رواه البيهقي في دلائل النبوة من طريق علي بن المديني به (^١). وقد رواه البيهقي أيضًا من حديث أبي عبادة الأنصاري وهو عيسى بن عبد الرحمن إن شاء الله عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال النبي ﷺ لجابر: "يا جابر ألا أبشرك؟ " قال: بلى، بشرك الله بالخير، قال: "شعرت أن الله أحيا أباك، فقال: تمن عليّ عبدي ما شئت أعطكه، قال: يا رب ما عبدتك حق عبادتك، أتمنى عليك أن تردَّني إلى الدنيا فأقاتل مع نبيك وأقتل فيك مرة أخرى، قال: إنه سلف مني أنه إليها لا يرجع" (^٢).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثنا إسماعيل بن أُمية بن عمرو بن سعيد، عن أبي الزبير المكي، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "لما أُصيب إخوانكم بأُحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم، وحسن متقلبهم قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا لئلا يزهدوا في الجهاد، [ولا ينكلوا عن الحرب] (^٣)، فقال الله ﷿: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله ﷿ هذه الآيات ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ (^٤) وما بعدها" هكذا رواه أحمد، وكذا رواه ابن جرير عن يونس، عن ابن وهب، عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن إسحاق به. ورواه أبو داود والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ فذكره، وهذا أثبت (^٥). وكذا رواه سفيان الثوري عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٦)، وكذلك قال قتادة والربيع والضحاك: أنها نزلت في قتلى أُحد (^٧).
_________________
(١) دلائل النبوة ٣/ ٢٩٨.
(٢) دلائل النبوة ٣/ ٢٩٨ وفي سنده ضعف بسبب فيض بن وثيق الراوي عن أبى عمارة الأنصاري، وفيض قد كذبه ابن معين (لسان الميزان ٤/ ٤٥٥)، ويشهد لبعضه رواية ابن مردويه عن جابر.
(٣) في الأصل: "ولا يتكلوا على الحرب" وهو تصحيف والتصويب من (عف) و(ح) (حم) و(حم) والمسند.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٣٨٨) وسنده حسن، وصححه أحمد شاكر في (المسند ح ٢٣٨٩)، وأخرجه أبو داود (السنن، الجهاد، باب فضل الشهادة ح ٢٥٢٠)، والحاكم (المستدرك ٢/ ٨٨) كلاهما من طريق عبد الله بن إدريس عن ابن إسحاق به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢١٩٩).
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ورواية أبي داود والحاكم تقدمت في الحاشية السابقة.
(٦) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٨٧).
(٧) قول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وهو مرسل ويتقوى بما سبق، وكذا قول الضحاك أخرجه من طريقين ضعيفين.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثنا الحارث بن فضيل الأنصاري، عن محمود بن لبيد، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًا" (^١). تفرد به أحمد. وقد رواه ابن جرير عن أبي كريب: حدثنا عبد الرحمن بن سليمان وعبيدة، عن محمد بن إسحاق به (^٢)، وهو إسناد جيد.
وكأن الشهداء أقسام: منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم إلى هذا النهر، فيجتمعون هنالك، ويُغدى عليهم برزقهم هناك ويراح، والله أعلم.
وقد روينا في مسند الإمام أحمد حديثًا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضًا فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعده الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم، اجتمع فيه [ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، فإن الإمام أحمد ﵀] (^٣)، رواه عن محمد بن إدريس الشافعي ﵀، عن مالك بن أنس الأصبحي ﵀، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه ﷺ أجمعين، قال: قال رسول الله ﷺ: "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه" (^٤).
قوله: "يعلق" أي: يأكل، وفي هذا الحديث: "إن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة" وأما أرواح الشهداء فكما تقدم في حواصل طير خضر، في الجنة كالراكب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين، فإنها تطير بأنفسها، فنسأل الله الكريم المنان أن يميتنا على الإيمان.
وقوله تعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾ أي: الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم، وهم فرحون بما هم فيه من النعمة والغبطة، وششبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يقدمون عليهم، وأنهم لا يخافون مما أمامهم ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم نسأل الله الجنة.
قال محمد بن إسحاق: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: ويسرون بلحوق من لحقهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم (^٥).
قال السدي: يُؤتى الشهيد بكتاب فيه: يقدم عليك فلان يوم كذا وكذا، ويقدم عليك فلان يوم كذا وكذا فيسر بذلك كما يسر أهل الدنيا بقدوم غائبهم (^٦).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٣٩٠) وسنده حسن، وصححه أحمد شاكر، وقال الهيثمي: ورجال أحمد ثقات (المجمع ٥/ ٢٩٨) وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به، وجود إسناده الحافظ ابن كثير.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحكمه كسابقه.
(٣) ما بين معقوفين سقط في الأصل، واستدرك في (عف) و(ح و(حم) و(مح).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٥٨٥ ح ١٥٧٧٨)، وصححه محققوه والحافظ ابن كثير.
(٥) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٩، وأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن عن ابن إسحاق.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط عن السدي، وما يذكره من الغيب لا يؤخذ من التابعين.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
وقال سعيد بن جبير: لما دخلوا الجنة ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء، قالوا: يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة، فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبوا ما أصبنا من الخير، فأخبر رسول الله ﷺ بأمرهم وما هم فيه من الكرامة، وأخبرهم، أي ربهم، أني قد أنزلت على نبيكم وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه، فاستبشروا بذلك، فذلك قوله: ﴿فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ …﴾ (^١) الآية.
وقد ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁ في قصة أصحاب بئر معونة السبعين من الأنصار الذين قتلوا في غداة واحدة، وقنت رسول الله ﷺ على الذين قتلوهم يدعو عليهم ويلعنهم، قال أنس: ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع "أن بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا" (^٢).
ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١﴾ قال محمد بن إسحاق: استبشروا وسروا لما عاينوا من وفاء الموعود وجزيل الثواب (^٣).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه الآية جمعت المؤمنين كلهم سواء الشهداء وغيرهم، وقلما ذكر الله فضلًا [ذكر به] (^٤) الأنبياء وثوابًا أعطاهم، إلا ذكر الله ما أعطى المؤمنين من بعدهم (^٥).
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ هذا كان يوم حمراء الأسد (^٦)، وذلك أن المشركين لما أصابوا ما أصابوا من المسلمين، كرّوا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم تندموا لم لا تمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ ندب المسلمين إلى الذهاب وراءهم ليرعبهم ويريهم أن بهم قوة وجلدًا، ولم يأذن لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أُحد سوى جابر بن عبد الله ﵁، لما سنذكره، فانتدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان طاعة لله عزَّ وحلَّ ولرسوله ﷺ.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن [عمرو] (^٧)، عن عكرمة، قال: لما رجع المشركون عن أحد، قالوا: لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، بئس ما صنعتم، ارجعوا، فسمع رسول الله ﷺ بذلك، فندب المسلمين، فانتدبوا حتى بلغوا حمراء الأسد - أو بئر أبي عنبة (^٨) - الشك من سفيان (^٩) فقال المشركون: نرجع من قابل، فرجع
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار.
(٢) صحيح البخاري، الجهاد، باب فضل قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا …﴾ [آل عمران: ١٦٩] (ح ٢٨١٤)، وصحيح مسلم، المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت. (ح ٦٧٧).
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ١١٩.
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "ذكرته" وهو تصحيف.
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(٦) حمراء الأسد تبعد عن المدينة (٢٠) كيلًا جنوبًا.
(٧) في الأصل: "عن عمر" والصواب المثبت.
(٨) كذا في الأصل و(ح) وفي تفسير ابن أبي حاتم ورد بلفظ: بئر أبي عتبة، وكذا في نسخة (عف) و(مح)، والصواب ما أثبته وهو بئر من آبار المدينة (ينظر: خلاصة الوفا بأخبار المصطفى ص ٤٦١).
(٩) والصحيح أنهم بلغوا حمراء الأسد كما هو المشهور في كتب السير (ينظر: سيرة ابن هشام ٣/ ٥٣، =
[ ٢ / ٤٦٨ ]
رسول الله ﷺ، فكانت تعد غزوة، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)﴾ (^١). ورواه ابن مردويه من حديث محمد بن منصور، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس … فذكره. وقال محمد بن إسحاق: كان يوم أُحد يوم السبت للنصف من شوال، فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال، أذّن مؤذن رسول الله ﷺ في الناس بطلب العدو، وأذّن مؤذنه أن لا يخرج معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقال: يا رسول الله، إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع، وقال: يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة، لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله ﷺ على نفسي فتخلف على [أخواتك] (^٢)، فتخلفت عليهنَّ، فأذن له رسول الله ﷺ فخرج معه، وإنما خرج رسول الله ﷺ مرهبًا للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم (^٣).
قال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان: أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ من بني عبد الأشهل، كان قد شهد أُحدًا، قال: شهدتُ أُحدًا مع رسول الله ﷺ أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي - أو قال لي -: أتفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ؟ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل فخرجنا مع رسول الله، وكنت أيسر جراحًا منه، فكان إذا غلب حملته عُقبة، ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون (^٤).
وقال البخاري: حدثنا محمد بن سلام، حدثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵄ ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)﴾ قالت لعروة: يا ابن [أختي] (^٥) كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر ﵁ لما أصاب نبي الله ﷺ ما أصاب يوم أُحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، فقال: "من يرجع في أثرهم"
_________________
(١) = والمغازي للواقدي ص ٣٣٨، وطبقات ابن سعد ٢/ ٤٩، وتاريخ الطبري ٢/ ٥٣٥، والبداية والنهاية ٤/ ٤٩، والاكتفاء في مغازي رسول الله ٢/ ١١٤)، وللمزيد ينظر: تفسير سورة آل عمران من تفسير ابن أبي حاتم بتحقيقي.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده مرسل، ووصله الطبراني (المعجم الكبير ١١/ ٢٧٤ ح ١١٦٣٢)، وابن مردويه (كما ذكره الحافظ ابن كثير) كلاهما من طريق محمد بن منصور عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس بنحوه. وصححه السيوطي في لباب النقول ص ٦١. وقال الحافظ ابن حجر: ورواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس .. إلا أن المحفوظ إرساله عن عكرمة ليس فيه ابن عباس (الفتح ٨/ ٢٢٨).
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "أخواتكم" وهو تصحيف.
(٤) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٦ - ١٠٧، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق عن حسين بن عبد الله عن عكرمة، وسنده مرسل.
(٥) سيرة ابن هشام ٣/ ١٠٧ - ١٠٨، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به. ولبعضه شواهد صحيحة كما في الرواية التالية.
(٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) وصحيح البخاري، وفي الأصل: "يا ابن أخي"، وفيه تصحيف.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
فانتدب منهم سبعون رجلًا فيهم أبو بكر والزبير ﵄ (^١). هكذا رواه البخاري منفردًا به بهذا السياق، وهكذا رواه الحاكم في مستدركه عن الأصم، عن عباس الدوري، عن أبي النضر، عن أبي سعيد المؤدب، عن هشام بن عروة به، ثم قال: صحيح، ولم يخرجاه، كذا قال (^٢).
ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار، وهديّة بن عبد الوهاب، عن سفيان بن عيينة. عن هشام بن عروة به (^٣)، وهكذا رواه سعيد بن منصور وأبو بكر الحميدي في مسنده عن سفيان به. وقد رواه الحاكم أيضًا من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن البهي، عن عروة، قال: قالت لي عائشة: يا بنيّ إن أباك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٤).
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر من أصل كتابه، أنبأنا سمويه، أنبأنا عبد الله بن الزبير، أنبأنا سفيان، أنبأنا هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵄، قال لي رسول الله ﷺ: "إن كان أبواك لمن الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح: أبو بكر والزبير ﵄، ورفع هذا الحديث خطأ محض من جهة إسناده لمخالفته رواية الثقات من وقفه على عائشة ﵂ كما قدمناه، ومن جهة معناه فإن الزبير ليس هو من آباء عائشة، وإنما قالت ذلك عائشة لعروة بن الزبير، لأنه ابن أختها أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵁.
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سعد، حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أُحد بعد ما كان منه ما كان، فرجع إلى مكة، فقال النبي ﷺ: "إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفًا، وقد رجع وقذف الله في قلبه الرعب" وكانت وقعة أُحد في شوال، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وإنهم قدموا بعد وقعة أُحد، وكان أصاب المؤمنين القرح، واشتكوا ذلك إلى النبي ﷺ واشتد عليهم الذي أصابهم، وإن رسول الله ﷺ ندب الناس لينطلقوا معه ويتبعوا ما كانوا متبعين، وقال: "إنما يرتحلون الآن فيأتون الحج، ولا يقدرون على مثلها حتى عام مقبل" فجاء الشيطان [فخوّف] (^٥) أولياءه، فقال: إن الناس قد جمعوا لكم، فأبى عليه الناس أن يتبعوه، فقال: "إني ذاهب وإن لم يتبعني أحد لأحضض الناس" فانتدب معه أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعلي والزبير وسعد وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلًا، فساروا في طلب أبي سفيان فطلبوه حتى بلغوا الصفراء (^٦)، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ
_________________
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، المغازي، باب ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عمران: ١٧٢] (ح ٤٠٧٧).
(٢) المستدرك ٢/ ٢٩٨ وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) السنن، المقدمة، باب فضل الزبير (ح ١٢٤)، وأخرجه مسلم من طريق هشام بن عروة به (الصحيح، فضائل طلحة والزبير ح ٢٤١٨).
(٤) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه (المستدرك ٣/ ٣٦٣)، وسنده صحيح أخرجه مسلم من طريق إسماعيل بن أبي خالد به (الصحيح، فضائل الصحابة، باب فضائل طلحة والزبير ﵄ ح ٢٤١٨/ ٥٢).
(٥) كذا في (عف) و(ح) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: "يخوف".
(٦) وهو وادٍ يبعد عن المدينة أكثر من ١٠٠ كيلًا جنوبًا على طريق مكة القديم.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢)﴾ (^١).
ثم قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال، قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أُم مكتوم، فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة، وقد مرَّ به - كما حدثني عبد الله بن أبي بكر - معبد بن أبي معبد الخزاعي، وكانت خزاعة مسلمهم [ومشركهم] (^٢) عيبة نصح لرسول الله ﷺ بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئًا كان بها، ومعبد يومئذٍ مشرك، فقال: يا محمد، أما والله لقد عزَّ علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددنا أن الله [عافاك] (^٣) فيهم، [ثم خرج] (^٤) ورسول الله ﷺ بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، وقالوا: أصبنا حَدّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم؟ لنكرّنّ على بقيتهم ثم فلنفرغنَّ منهم، فلما رأى أبو سفيان معبدًا، قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد وأصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثلهم، [يتحرقون] (^٥) عليكم تحرقًا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قال: فواللّه لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، فواللّه لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتًا من شعر، قال: وما قلت؟ قال: قلت:
كادت تهد من الأصوات راحلتي … إذ سالت الأرض بالجُرد الأبابيل (^٦)
تتردي بأسد كرام [لا تنابلة] (^٧) … عند اللقاء ولا ميل معازيل (^٨)
[فظلت] (^٩) عدوا أظن الأرض مائلة … لما سمعو برئيس غير مخذول
فقلت:
ويل ابن حرب من لقائكم … إذا تفطمطت (^١٠) البطحاء بالجيل
إني نذير لأهل [البسل (^١١) صاحية] (^١٢) … لكل ذي إربة منهم ومعقول
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف.
(٢) في الأصل: "شركهم" وما أثبت من (ح) و(حم) و(مح).
(٣) في الأصل: "عاك" وهو تصحيف والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٤) سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٥) في الأصل: "يتحزبون" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٦) الجرد جمع اجرد: وهو القصير الشعر من الخيل وهو من علامات عتقها وكرمها، والأبابيل: الجماعات المتفرقة، كما في حاشية تفسير الطبري (حاشية تفسير الطبري).
(٧) كذا في (عف) و(مح)، وسيرة ابن هشام، وفي الأصل: "تنايلة".
(٨) المعازيل: جمع معزال وهو الذي لا سلاح معه.
(٩) كذا في (عف) و(مح)، وسيرة ابن هشام، وفي الأصل: "وطلب عددًا مك" وهو تصحيف.
(١٠) اهتزت وارتجت.
(١١) أهل البسل: أي قريش.
(١٢) كذا في (عف) و(مح)، وسيرة ابن هشام، وفي الأصل: "البسر صاحبة".
[ ٢ / ٤٧١ ]
من جيش أحمد لا وخشٍ تنابلة … وليس بوصف ما أنذرت بالقيل
قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ومرّ به ركب من بني عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة. قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة. قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدًا رسالة أرسلكم بها إليه وأحمل لكم هذه غدًا زبيبًا بعكاظ إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا المسير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمرّ الركب برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل (^١).
وذكر ابن هشام عن أبي عبيدة، قال: قال رسول الله ﷺ حين بلغه رجوعهم: "والذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة لو أصبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب".
وقال الحسن البصري في قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾: إن أبا سفيان وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا ورجعوا، فقال رسول الله ﷺ: إن أبا سفيان قد رجع، وقد قذف الله في قلبه الرعب، فمن ينتدب في طلبه؟ فقام النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وناس من أصحاب رسول الله ﷺ، فاتبعوهم، فبلغ أبا سفيان أن النبي ﷺ يطلبه، فلقي عيرًا من التجار، فقال: ردوا محمدًا ولكم من الجعل كذا وكذا، وأخبروهم أني قد جمعت لهم جموعًا وأني راجع إليهم، فجاء التجار فأخبروا رسول الله ﷺ بذلك، فقال النبي ﷺ: "حسبنا الله ونعم الوكيل". فأنزل الله هذه الآية (^٢).
وهكذا قال عكرمة وقتادة وغير واحد: إن هذا السياق نزل في شأن حمراء الأسد (^٣).
وقيل: نزلت في بدر الموعد (^٤)، والصحيح الأول.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا …﴾ الآية، أي الذين توعدهم الناس بالجموع خوّفهم بكثرة الأعداء، فما اكترثوا لذلك بل توكلوا على الله واستعانوا به، ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
قال البخاري: حدثنا أحمد بن يونس، قال: أراه قال: حدثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانًا، وقالوا: "حسبنا الله ونعم الوكيل" (^٥).
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ١٠٢ - ١٥٣، وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق به.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن لكنه مرسل ويتقوى بالمراسيل التالية.
(٣) قول عكرمة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عمرو بن دينار عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد نحوه.
(٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ …﴾ [آل عمران: ١٧٣] الآية ح ٤٥٦٣).
[ ٢ / ٤٧٢ ]
وقد رواه النسائي عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم وهارون بن عبد الله، كلاهما عن يحيى بن أبي بكير، عن أبي بكر وهو ابن عياش به (^١)، والعجب أن الحاكم أبا عبد الله رواه من حديث أحمد بن يونس به، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٢). ثم رواه البخاري عن أبي غسان مالك بن إسماعيل، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: كان آخر قول إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار: ﴿ا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (^٣).
وقال عبد الرزاق: قال ابن عيينة: وأخبرني زكريا، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو، قال: هي كلمة إبراهيم ﵇ حين ألقي في البنيان (^٤) رواه ابن جرير (^٥).
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا إبراهيم بن موسى الثوري، حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن زياد السكري، أنبأنا أبو بكر بن عياش، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ أنه قيل له يوم أُحد: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فأنزل الله هذه الآية (^٦).
وروى أيضًا بسنده عن محمد بن عُبيد الله الرافعي، عن أبيه، عن جده أبي رافع: أن النبي ﷺ، وجَّه عليًا في نفر معه في طلب أبي سفيان، فلقيهم أعرابي من خزاعة، فقال: إن القوم قد جمعوا لكم، فقالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فنزلت فيهم هذه الآية (^٧).
ثم قال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا الحسن بن سفيان، أنبأنا أبو خيثمة مصعب بن سعيد، أنبأنا موسى بن أعين، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا وقعتم في الأمر العظيم، فقولوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (^٨) هذا حديث غريب من هذا الوجه.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا حيوة بن شريح وإبراهيم بن أبي العباس، قالا: حدثنا بقية، حدثنا بحير بن سَعْد، عن خالد بن معدان، عن سيف، عن عوف بن مالك أنه حدثهم أن النبي ﷺ، قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال النبي ﷺ: "ردّوا علي الرجل" فقال: "ما قلت؟ " قال: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل. فقال النبي ﷺ: "إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر، فقل: حسبي الله
_________________
(١) السنن الكبرى، التفسير (ح ١١٠٨١).
(٢) المستدرك ٢/ ٢٩٨.
(٣) الصحيح، التفسير، باب ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ …﴾ [آل عمران: ١٧٣] (ح ٤٥٦٤).
(٤) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه وزيادة بيان بلفظ: في البنيان؛ يعني النار. ورجاله ثقات لكن الشعبي لم يسمع ابن عبد الله بن عمرو، وشهد له ما سبق في صحيح البخاري.
(٥) أخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق بلفظ: "حين ألقي في النار".
(٦) يشهد له ما سبق عن ابن عباس في صحيح البخاري.
(٧) في سنده: محمد بن عبيد الله الرافعي قال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: منكر الحديث جدًّا ذاهب (ميزان الاعتدال ٣/ ٦٣٤ - ٦٣٥).
(٨) في سنده: مصعب بن سعيد قال ابن عدي: يحدث عن الثقات بالمناكير ويصحف عليهم، والضعف على حديثه بيّن (الكامل في الضعفاء ٦/ ٢٣٦٢).
[ ٢ / ٤٧٣ ]
ونعم الوكيل" وكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث بقية عن بحير عن خالد، عن سيف وهو الشامي، ولم ينسب عن عوف بن مالك، عن النبي ﷺ بنحوه (^١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أسباط، حدثنا مطرف، عن عطية، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ [المدثر]، قال: قال رسول الله ﷺ: "كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته يسمع متى يؤمر فينفخ؟ "، فقال أصحاب رسول الله ﷺ، فما نقول؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا" (^٢) وقد روي هذا من غير وجه، وهو حديث جيد.
وروينا عن أُم المؤمنين زينب بنت جحش وعائشة ﵂، أنهما تفاخرتا، فقالت [زينب] (^٣) زوجني الله وزوكجن [أهلوكن] (^٤) وقالت عائشة: نزلت براءتي من السماء في القرآن، فسلمت لها زينب، ثم قالت: كيف قلت حين ركبت راحلة صفوان بن المعطل؟ فقالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل. قالت زينب: قلت كلمة المؤمنين (^٥).
ولهذا قال تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ أي: لما توكلوا على الله كفاهم ما أهمهم وردّ عنهم بأس من أراد كيدهم فرجعوا إلى بلدهم ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ مما أضمر لهم عدوهم ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾.
وقال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر بن داود الزاهد، حدثنا محمد بن نعيم، حدثنا [بشر] (^٦) بن الحكم، حدثنا مبشر بن عبد الله بن رزين، حدثنا سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ قال: النعمة أنهم سلموا، والفضل أن عيرًا مرت وكان في أيام الموسم فاشتراها رسول الله ﷺ فربح فيها مالًا فقسمه بين أصحابه (^٧).
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ قال: هذا أبو سفيان، قال لمحمد ﷺ، موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا. فقال محمد ﷺ: "عسى"، فانطلق رسول الله ﷺ لموعده حتى نزل بدرًا، فوافقوا السوق فيها، فابتاعوا، فذلك قول الله ﷿: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٤، ٢٥)، وأخرجه أبو داود من طريق بقية به (السنن، الأقضية، باب الرجل يحلف على حقه ح ٣٦٢٧) وفي سنده: بحير: وهو مجهول (التقريب ١/ ٩٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٢٣٩٠) وضعفه أحمد شاكر، وقال الحافظ ابن كثير: حديث جيد.
(٣) سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(مح) وتفسير الطبري.
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "أهلك".
(٥) أخرجه الطبري من طريق المعلى بن عرفان عن محمد بن عبد الله بن جحش بنحوه (التفسير ٦/ ١٩٤ - ١٩٥) وفي سنده المعلى بن عرفان قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث السان الميزان ٦/ ٦٤). وسنده ضعيف.
(٦) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتقريب، ودلائل النبوة، وفي الأصل: "بشير"، وهو تصحيف.
(٧) دلائل النبوة ٣/ ٣١٨، وسنده صحيح.
[ ٢ / ٤٧٤ ]
سُوءٌ …﴾ الآية، قال: وهى غزوة بدر الصغرى، رواه ابن جرير (^١)، وروى أيضًا عن القاسم، عن الحسين، عن حجاج، عن ابن جريج، قال: لما عهد رسول الله ﷺ لموعد أبي سفيان فجعلوا يلقون المشركين فيسألونهم عن قريش، فيقولون: قد جمعوا لكم، يكيدونهم بذلك، يريدون أن يرعبوهم، فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى قدموا بدرًا، فوجدوا أسواقها عافية لا ينازعهم فيها أحد، قال فقدم رجل من المشركين فأخبر أهل مكة بخيل محمد، وقال في ذلك:
نفرت قلوصي من خيول محمد … وعجوة منثورة كالعُنجد (^٢)
واتخذت ماء قديد (^٣) موعدي
قال ابن جرير: هكذا أنشدنا القاسم وهو خطأ، وإنما هو:
قد نفرت من رفقتي محمد … وعجوة (^٤) من يثرب كالعُنجد
تهوي على دين أبيها [الأتلد] (^٥) … قد جعلت ماء قديد موعدي
وماء ضَجنان (^٦) لها ضحى الغد (^٧)
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي: يخوفكم أولياءه، ويوهمكم أنهم ذوو بأس وذوو شدة (^٨)، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إذا سول لكم وأوهمكم فتوكلوا علي والجأوا إِلي، فإِني (^٩) كافيكم وناصركم عليهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٦ - ٣٨] وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩] وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ [المجادلة] وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢﴾ [غافر].
_________________
(١) أخرجه الطبري من طريق ابن أبي نجيح به، وسنده صحيح لكنه مرسل يتقوى بسابقه.
(٢) العنجد: هو الزبيب الأسود.
(٣) قرية تبعد عن مكة ١٠٠ كيلًا شمالًا.
(٤) العجوة: أحد التمور المشهورة في المدينة.
(٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: "الأتيدي" وهو تصحيف.
(٦) ضَجنان: بفتح الضاد وسكون الجيم جبل قريب من قديد.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وتعليقه، وفي سنده سنيد وهو ضعيف وابن جريج أرسله، ولأوله شاهد تقدم عن ابن عباس.
(٨) في الأصل: "ذو بأس وذو شدة" والمثبت من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٩) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل و(ح) و(حم): "فأنا".
[ ٢ / ٤٧٥ ]
﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨) مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾.
يقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ وذلك من شدة حرصه على الناس، كان يحزنه مبادرة الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق، فقال تعالى: لا يحزنك ذلك ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: حكمته فيهم أنه يريد بمشيئته وقدره أن [لا] (^١) يجعل لهم نصيبًا في الآخرة ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
ثم قال تعالى مخبرًا عن ذلك إِخبارًا مقررًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ أي: استبدلوا هذا بهذا ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ أي: ولكن يضرون أنفسهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ كقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون] وكقوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤)﴾ [القلم] وكقوله: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة].
ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أي: لا بدّ أن يعقد سببًا من المحنة، يظهر فيه وليه ويفضح به عدوه، يعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر، يعني بذلك: يوم أُحد الذي امتحن الله به المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله ولرسوله ﷺ، وهتك به ستر المنافقين. فظهر مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد وخيانتهم لله ولرسوله ﷺ، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.
قال مجاهد: ميز بينهم يوم أُحد (^٢).
وقال قتادة: ميز بينهم بالجهاد والهجرة (^٣).
وقال السدي: قالوا: إن كان محمد صادقًا فليخبرنا بمن يؤمن به منا ومن يكفر، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، حتى يخرج المؤمن من الكافر (^٤). روى ذلك كله ابن جرير.
_________________
(١) سقط في الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٢) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
[ ٢ / ٤٧٦ ]
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ أي: أنتم لا تعلمون غيب الله في خلقه حتى يميز لكم المؤمن من المنافق لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ الآية [الجن]، ثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي: أطيعوا الله ورسوله واتبعوه فيما شرع لكم ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ﴾ أي: لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه بل هو مضرة عليه في دينه، وربما كان في دنياه. ثم أخبر بمآل [أمر ماله] (^١) يوم القيامة، فقال: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن منير، سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن هو ابن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مثل له شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه - يعني: بشقيه - يقول: أنا مالك، أنا كنزك" ثم تلا هذه الآية ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية (^٢)، تفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه، وقد رواه ابن حبان في صحيحه من طريق الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح به (^٣).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا [حُجين] (^٤) بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، قال: "إِن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل الله له ماله يوم القيامة شجاعًا (^٥) أقرع له زبيبتان، ثم يلزمه يطوقه يقول: أنا كنزك أنا كنزك" (^٦) وهكذا رواه النسائي عن الفضل بن سهل، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة به (^٧). ثم قال النسائي: ورواية عبد العزيز عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أثبت من رواية عبد الرحمن، عن أبيه عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
(قلت): ولا منافة بين الروايتين، فقد يكون عند عبد الله بن دينار من الوجهين، والله أعلم.
وقد ساقه الحافظ أبو بكر بن مردويه من غير وجه عن أبي صالح، عن أبي هريرة. ومن حديث محمد بن أبي حميد عن زياد الخطمي، عن أبي هريرة به (^٨).
_________________
(١) كذا في (عف) و(مح)، وفي الأصل: "أمرنا له"، وفي (حم): "أمره إليه".
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ …﴾ آل عمران: ١٨٠] ح ٤٥٦٥).
(٣) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (ح ٣٢٥٨).
(٤) كذا في (عف) و(مح)، وفي (حم): "حجر"، وفي الأصل: "حجاج" والصواب ما أثبت كما في المسند وترجمته في التقريب.
(٥) الشجاع: الحية.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١٠/ ٢٢ ح ٥٧٢٩) وصححه محققوه.
(٧) سنن النسائي، الزكاة، باب مانع زكاة ماله ٥/ ٣٨، وصحح إسناده المنذري (الترغيب والترهيب ١/ ٥٤٠).
(٨) يشهد له ما تقدم في صحيح البخاري.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد: حدثنا سفيان، عن جامع، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له شجاع أقرع يتبعه، يفر منه وهو يتبعه، فيقول: أنا كنزك" ثم قرأ عبد الله مصداقه من كتاب الله ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^١)، وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة، عن جامع بن أبي راشد، زاد الترمذي: وعبد الملك بن أعين، كلاهما عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود به، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٢). وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث أبي بكر بن عياش وسفيان الثوري، كلاهما عن أبي إِسحاق السبيعي، عن أبي وائل، عن ابن مسعود به (^٣)، ورواه ابن جرير من غير وجه عن ابن مسعود موقوفًا (^٤).
(حديث آخر) قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أُمية بن بسطام، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: "من ترك بعده كنزًا مثل له شجاعًا أقرع يوم القيامة له زبيبتان يتبعه، ويقول: من أنت؟ ويلك، فيقول: أنا كنزك الذي خلفت بعدك، فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها (^٥)، ثم يتبع سائر جسده" (^٦) إِسناد جيد قوي، ولم يخرجوه. وقد رواه الطبراني عن جرير بن عبد الله البجلي (^٧)، ورواه ابن جرير وابن مردويه من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ، قال: "لا يأتي الرجل مولاه فيسأله من فضل ماله عنده فيمنعه إياه إِلا دُعي له يوم القيامة شجاع يتلمظ (^٨) فضله الذي منع" (^٩) لفظ ابن جرير.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن أبي قزعة، عن رجل، عن النبي ﷺ، قال: "ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل جعله الله عنده، فيبخل به عليه، إِلا أخرج له من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوقه" ثم رواه من طريق أخرى عن أبي قزعة واسمه: حجر بن بيان (^١٠)، عن أبي مالك العبدي موقوفًا، ورواه من وجه آخر عن أبي قزعة مرسلًا (^١١).
وقال العوفي، عن ابن عباس: نزلت في أهل الكتاب الذين بخلوا بما في أيديهم من الكتب المنزلة أن يبينوها، رواه ابن جرير (^١٢)، والصحيح الأول وإِن دخل هذا في معناه، وقد يقال: إن
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٣٥٧٧) وصححه أحمد شاكر.
(٢) سنن الترمذي، التفسير، سورة آل عمران (ح ٣٠١٢)، وسنن النسائي، الزكاة، باب التغليظ في حبس الزكاة ٥/ ١١.
(٣) المستدرك ٢/ ٢٩٨.
(٤) أخرجه الطبري موقوفًا بأسانيد صحيحة.
(٥) القضم: الأكل بأطراف الأسنان (النهاية ٤/ ٧٧).
(٦) أخرجه البزار من طريق يزيد بن زريع به (مسند البزار ح ٨٨٢)، وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٣/ ٦٧).
(٧) المعجم الكبير (ح ٢٣٤٣).
(٨) يتلمظ: يدير لسانه ويحركه (النهاية ٤/ ٢٧١).
(٩) أخرجه الطبري من طريق بهز بن حكيم به وصححه أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري.
(١٠) "حجر بن بيان" كذا في كل النسخ وفي رواية الطبري: "حجير بن بيان" كما في النسخة المحققة على عدة نسخ خطية بإشراف معالي د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، وهكذا أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي معاوية عن داود بن أبي هند عن أبي قزعة عن حجير بن بيان (مسند ابن أبي شيبة ٢/ ٩٤) وسنده صحيح.
(١١) أخرجه الطبري بسنده مرسلًا ومتصلًا.
(١٢) أخرجه الطبري من طريق عطية العوفي به، وسنده ضعيف.
[ ٢ / ٤٧٨ ]
هذا أولى بالدخول، والله ﷾ أعلم، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧] فإن الأمور كلها مرجعها إلى الله ﷿. فقدموا من أموالكم ما ينفعكم يوم معادكم ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: بنياتكم وضمائركم.
﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾.
قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] قالت اليهود: يا محمد، افتقر ربك، فسأل عباده القرض؟ فأنزل الله ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ الآية، رواه ابن مردوله وابن أبي حاتم (^١).
وقال محمد بن إِسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أنه حدثه، عن ابن عباس ﵁، قال: دخل أبو بكر الصديق ﵁ بيت المدراس فوجد من يهود أناسًا كثيرًا قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له: فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له: أشيع، فقال له أبو بكر: ويحك يا فنحاص اتقِ الله وأسلم، فوالله إِنك لتعلم أن محمدًا رسول من عند الله قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل. فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة من فقر، وإنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنيًا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطينا، ولو كان غنيًا ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر ﵁ فضرب وجه فنحاص ضربًا شديدًا، وقال: والذي نفسي بيده لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو الله، فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين. فذهب فنحاص إِلى رسول الله ﷺ، فقال: يا محمد أبصر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: "ما حملك على ما صنعت؟ " فقال: يا رسول الله، إن عدو الله قد قال قولًا عظيمًا، زعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك، غضبت لله مما قال: فضربت وجهه، فجحد فنحاص ذلك، وقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله فيما قال فنحاص ردًّا عليه وتصديقًا لأبي بكر: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ الآية، رواه ابن أبي حاتم (^٢).
وقوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ تهديد ووعيد، ولهذا قرنه تعالى بقوله: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد به.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن إسحاق به، وحسنه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ٢٣١).
[ ٢ / ٤٧٩ ]
حَقٍّ﴾ أي: هذا قولهم في الله وهذه معاملتهم لرسل الله وسيجزيهم الله على ذلك شر الجزاء، ولهذا قال تعالى: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢)﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا وتحقيرًا وتصغيرًا،
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ يقول تعالى تكذيبًا لهؤلاء الذين زعموا أن الله عهد إليهم في كتبهم، أن لا يؤمنوا لرسول حتى يكون من معجزاته أن من تصدق بصدقة من أمته، فتقبلت منه، أن تنزل نار من السماء تأكلها، قاله ابن عباس والحسن (^١) وغيرهما.
قال الله ﷿: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج والبراهين، ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ أي: وبنار تأكل القرابين المتقبلة، ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ أي: فلم قابلتموهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة وقتلتموهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تتبعون الحق وتنقادون للرسل.
ثم قال تعالى مسليًا لنبيه محمد ﷺ: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾ أي: لا [يهيدنك] (^٢) تكذيب هؤلاء لك، فلك أسوة بمن قبلك من الرسل الذين كذبوا مع ما جاءوا به من البينات وهي الحجج والبراهين القاطعة، ﴿وَالزُّبُرِ﴾ وهي الكتب المتلقاة من السماء كالصحف المنزلة على المرسلين، ﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ أي: البين الواضح الجلي.
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾.
يخبر تعالى إخبارًا عامًّا يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن] فهو تعالى وحده هو الحي الذي إلا يموت، والجن والإنس يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخرًا كما كان أولًا، وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت، فإذا انقضت المدة وفرغت النطفة التي قدر الله وجودها في صلب آدم وانتهت البرية، أقام الله القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها، كثيرها (^٣) وقليلها، فلا يظلم أحدًا مثقال ذرة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز الأويسي، حدثنا علي بن أبي علي
_________________
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ضعيف من طريق عطية العوفي عن ابن عباس، وقول الحسن أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عباد بن منصور مختصرًا.
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "لا يهمنك"، وجاء في (عف) بيان المعنى: "لا يزعجنك.
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "كبيرها".
[ ٢ / ٤٨٠ ]
الهاشمي، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: لما توفي النبي ﷺ وجاءت التعزية، جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه، فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإِياه فارجوا، فإِن المصاب من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال جعفر بن محمد: فأخبرني أبي أن علي بن أبي طالب قال: أتدرون من هذا؟ هذا ﵇ (^١).
وقوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ أي: من جنب النار ونجا منها وأدخل الجنة فقد فاز كل الفوز.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرؤوا إن شئتم ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ " (^٢). هذا حديث ثابت في الصحيحين، من غير هذا الوجه بدون هذه الزيادة (^٣)، وقد رواه بدون هذه الزيادة أبو حاتم، وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه (^٤)، ومن حديث محمد بن عمرو هذا ورواه ابن مردويه من وجه آخر، فقال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، أنبأنا حميد بن مسعدة، أنبأنا عمر بن علي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ: "لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها" قال: ثم تلا هذه الآية ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ (^٥).
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ما رواه الإمام أحمد عن وكيع بن الجراح [في تفسيره] (^٦)، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ: "من أحبَّ أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه" (^٧).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفي سنده علي بن أبي علي الهاشمي: وهو ضعيف (الجرح والتعديل ٦/ ١٩٧) ومحمد بن علي بن الحسين لم يسمع من علي ﵁، وسنده ضعيف. وقد أشبع الحافظ ابن حجر هذا الحديث تخريجًا ولكن جميع طرقه ضعيفة (الإصابة ١/ ٤٤٢ - ٤٤٣) وبالنسبة للمتن فإن فيه نكارة لأن الخضر ميت، وإن قيل: إنه حي!
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٣) صحيح البخاري، الجهاد، باب فضل رباط يوم في سبيل الله (ح ٢٨٩٢)، وصحيح مسلم، الإمارة، باب فضل الغدوة والروحة في سبيل الله (ح ١٨٨١).
(٤) الإحسان (ح ٧٤١٧)، والمستدرك ٢/ ٢٩٩.
(٥) أخرجه البخاري من طريق أبي حازم عن سهل (الصحيح، الجهاد، باب فضل رباط يوم في سبيل الله ح ٢٨٩٢).
(٦) الزيادة من (عف).
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه مطولًا (المسند ح ٦٧٩٣) وصححه أحمد شاكر، وأخرجه مسلم من طريق الأعمش به (الصحيح، الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول ح ١٨٤٤).
[ ٢ / ٤٨١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ تصغير لشأن الدنيا، وتحقير لأمرها، وأنها دنيئة فانية، قليلة زائلة، كما قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾] [الأعلى] وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦] وقال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص: ٦٠]. وفي الحديث: "والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع إليه" (^١)؟
قال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ قال: هي متاع هي متاع متروكة [أوشكت] (^٢) - والله الذي لا إله إلا هو - أن تضمحل عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله (^٣).
وقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة]، أي: لا بدّ أن يبتلى المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده أو أهله، ويبتلى المؤمن على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ يقول تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر مسليًا لهم عما ينالهم من الأذى من أهل الكتاب والمشركين، وآمرًا لهم بالصفح والصبر والعفو حتى يفرج الله، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، أن أُسامة بن زيد أخبره، قال: كان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ قال: وكان رسول الله ﷺ يتأول في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم (^٤). هكذا رواه مختصرًا.
وقد ذكره البخاري عند تفسير هذه الآية مطولًا، فقال: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، أن أُسامة بن زيد، حدثه أن رسول الله ﷺ ركب على حمار عليه قطيفة فدكية، وأردف أُسامة بن زيد وراءه، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، قال: حتى مرّ بمجلس فيه عبد الله بن أُبي بن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أُبي، وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خَمّر عبد الله بن أبي أنفه بردائه
_________________
(١) أخرجه مسلم من حديث المستورد بن شداد (الصحيح، الجنة وصفة نعيمها، باب فناء الدنيا ح ٢٨٥٨).
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: "وسكن"، وهو تصحيف.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه البخاري من طريق أبي اليمان به مطولًا كما سيأتي.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
وقال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله ﷺ، ثم وقف، فنزل، ودعاهم إلى الله ﷿ وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أُبي: أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقًّا فلا تؤذنا به في مجالسنا. ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة ﵁: بلى يا رسول الله، فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحب ذلك، فاستبَّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا [يتثاورون] (^١) فلم يزل النبي ﷺ[يخفضهم] (^٢) حتى سكتوا، ثم ركب النبي ﷺ دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي ﷺ: "يا سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب؟ " يريد عبد الله بن أُبي، قال: كذا وكذا، فقال سعد: يا رسول الله، اعف عنه واصفح، فوالله الذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة، فلما [أبى] (^٣) الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله، شرق بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ، وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا …﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا …﴾ الآية [البقرة: ١٠٩]، وكان النبي ﷺ يتأول في العفو ما أمره الله به حتى أذن له فيهم، فلما غزا رسول الله ﷺ بدرًا، فقتل الله به صناديد كفار قريش قال عبد الله بن أُبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه فبايعوا الرسول ﷺ على الإسلام فأسلموا (^٤).
فكل من قام بحق أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر فلا بدّ أن يؤذى، فما له دواء إلا الصبر في الله، والاستعانة بالله والرجوع إلى الله ﷿.
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾.
هذا توبيخ وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ﷺ، وأن ينوهوا بذكره في الناس، ليكونوا على أهبة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والخط الدنيوي السخيف، فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم، وفي هذا تحذير للعلماء أن
_________________
(١) كذا في صحيح البخاري و(حم)، وفي الأصل: "يتوارون"، وفي (عف): "يتبارزون" والصحيح ما في الصحيح.
(٢) في الأصل: "يحضهم" وما أثبت من رواية البخاري.
(٣) في الأصل: "أتى" وما أثبت من رواية البخاري.
(٤) البخاري، التفسير، باب ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] (ح ٤٥٦٦).
[ ٢ / ٤٨٣ ]
يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويسلك بهم مسالكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئًا، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي ﷺ، أنه قال: "من سئل عن علم فكتمه أُلجم يوم القيامة بلجام من نار" (^١).
وقوله تعالى ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يعني بذلك: [المرائين] (^٢) المتكثرين بما لم يعطوا، كما جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ: "من ادعى دعوة كاذبة ليتكثر بها، لم يزده الله إلا قلة" (^٣). وفي الصحيح أيضًا: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" (^٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة، أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره أن مروان قال: اذهب يا رافع لبوابه إلى ابن عباس. فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا لنعذبن أجمعون، فقال ابن عباس: ما لكم وهذه، إنما نزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾. وقال ابن عباس: سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أرَوه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ما سألهم عنه (^٥)، وهكذا رواه البخاري في التفسير، ومسلم والترمذي والنسائي في تفسيريهما، وابن أبي حاتم، وابن جرير، والحاكم في مستدركه وابن مردويه كلهم من حديث عبد الملك بن جريج بنحوه، ورواه البخاري أيضًا من حديث ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن علقمة بن وقاص، أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس … فذكره.
وقال البخاري: حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا محمد بن جعفر، حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رجالًا من المنافقين كان إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ فإذا قدم رسول الله ﷺ من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا …﴾ الآية (^٦)، وكذا رواه مسلم من حديث ابن أبي مريم بنحوه (^٧).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة (المسند ح ٧٥٦١) وصححه أحمد شاكر.
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(مح) وهو الصواب، وفي الأصل و(حم): "المرابين" وهو تصحيف.
(٣) أخرجه مسلم من حديث ثابت بن الضحاك بلفظه وأطول (الصحيح، الأيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه بعد حديث ١١٠).
(٤) صحيح البخاري، النكاح، باب المتشبع بما لم ينل (ح ٥٢١٩)، وصحيح مسلم، اللباس، باب النهي عن التزوير في اللباس وغيره (ح ٢١٢٩).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢٧١٢) وهو متفق عليه فقد أخرجه البخاري (الصحيح، التفسير، باب ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا …﴾ [آل عمران: ١٨٨] ح ٤٥٦٨)، ومسلم (الصحيح، صفات المنافقين ح ٢٠١٥).
(٦) المصدر السابق.
(٧) صحيح مسلم، صفات المنافقين (ح ٢٧٧٧).
[ ٢ / ٤٨٤ ]
وقد رواه ابن مردويه في تفسيره من حديث الليث بن سعد، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، قال: كان أبو سعيد ورافع بن خديج وزيد بن ثابت عند مروان، فقال: يا أبا سعيد رأيت قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾، ونحن نفرح بما أتينا ونحب أن نحمد بما لم نفعل؟ فقال أبو سعيد: إن هذا ليس من ذاك، إنما ذاك أن ناسًا من المنافقين كانوا يتخلفون إذا بعث رسول الله ﷺ بعثًا، فإن كان فيهم نكبة فرحوا بتخلفهم، وإن كان لهم نصر من الله وفتح حلفوا لهم ليرضوهم ويحمدوهم على سرورهم بالنصر والفتح، فقال مروان: أين هذا من هذا؟ فقال أبو سعيد: وهذا يعلم هذا؟ فقال مروان: أكذلك يا زيد؟ قال: نعم، صدق أبو سعيد. ثم قال أبو سعيد: وهذا يعلم ذاك يعني رافع بن خديج، ولكنه يخشى إن أخبرك أن تنزع قلائصه في الصدقة، فلما خرجوا قال زيد لأبي سعيد الخدري: ألا تحمدني على ما شهدت لك، فقال أبو سعيد، شهدت الحق، فقال زيد: أَوَلا تحمدني على ما شهدت الحق؟ ثم رواه من حديث مالك، عن زبد بن أسلم، عن رافع بن خديج: أنه كان هو وزيد بن ثابت عند مروان بن الحكم وهو أمير المدينة، فقال مروان: يا رافع في أي شيء نزلت هذه الآية؟ فذكره كما تقدم عن أبي سعيد ﵃ (^١)، وكان مروان يبعث بعد ذلك يسأل ابن عباس كما تقدم، فقال له: ما ذكرناه. ولا منافاة بين ما ذكره ابن عباس وما قاله هؤلاء، لأن الآية عامة في جميع ما ذكره، والله أعلم.
وقد روى ابن مردويه أيضًا من حديث محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة، عن الزهري، عن محمد بن ثابت الأنصاري، أن ثابت بن قيس الأنصاري قال: يا رسول الله، والله لقد خشيت أن أكون هلكت، قال: "لِمَ"؟ قال: نهى الله المرء أن يحب أن يُحمد بما لم يفعل وأجدني أحب الحمد، ونهى الله عن الخيلاء وأجدني أحبُّ الجمال، ونهى الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك وأنا امرؤ جهير الصوت، فقال رسول الله ﷺ: "ألا ترضى أن تعيش حميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنة؟ " فقال: بلى يا رسول الله. فعاش حميدًا وقتل شهيدًا يوم مسيلمة [الكذاب] (^٢) (^٣).
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يقرأ بالتاء على مخاطبة المفرد، وبالياء (^٤) على الإخبار عنهم أي: لا يحسبون أنهم ناجون من العذاب بل لا بد لهم منه ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾ أي: هو مالك كل شيء، والقادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء، فهابوه ولا تخالفوه، واحذروا غضبه ونقمته فإنه العظيم الذي لا أعظم منه، والقدير الذي لا أقدر منه.
_________________
(١) تقدم تخريجه من الصحيحين.
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "الدواب" وهو تصحيف.
(٣) سنده ضعيف لأن الزهري لم يسمع من محمد بن ثابت الأنصاري كما في ترجمة محمد بن ثابت في تهذيب التهذيب ٧/ ٨٤.
(٤) القراءتان متواترتان.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾.
قال الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التُستَري، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أتت قريش اليهود، فقالوا: [بمَ] (^١) جاءكم موسى؟ قالوا: عصاه ويده بيضاء للناظرين، وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهبًا، فدعا ربه، فنزلت هذه الآية ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ فليتفكروا فيها (^٢). وهذا مشكل فإن هذه الآية مدنية، وسؤالهم أن يكون الصفا ذهبًا كان بمكة، والله أعلم، ومعنى الآية أن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هذه في ارتفاعها واتساعها، وهذه انخفاضها وكثافتها واتضاعها، وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات، وثوابت وبحار وجبال وقفار وأشجار ونبات، وزروع وثمار، وحيوان ومعادن، ومنافع مختلفة الألوان والروائح والطعوم والخواص.
﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: تعاقبهما وتقارضهما الطول والقصر، فتارة يطول هذا ويقصر هذا، ثم يعتدلان ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرًا، ويقصر الذي كان طويلًا. وكان ذلك تقدير العزيز العليم، ولهذا قال تعالى: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: العقول التامة الذكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها، وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون، الذين قال الله فيهم: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف]
ثم وصف تعالى أولي الألباب، فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾. كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ قال: "صلّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبك" (^٣) أي: لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم، ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: يفهمون ما فيهما من الحكم الدالة على عظمة الخالق وقدرته وعلمه وحكمته واختياره ورحمته.
وقال الشيخ أبو سليمان الداراني: إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة ولي فيه عبرة. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل والاعتبار (^٤).
_________________
(١) كذا في (عف) و(ح) و(مح)، وفي الأصل و(حم): "بما".
(٢) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١٢/ ١٢ ح ١٢٣٢٣) وسنده ضعيف بسبب يحيى وهو ابن عبد الحميد الحماني وهو حافظ لكنه متهم بسرقة الحديث كما في التقريب، وجعفر بن أبي المغيرة عن سعيد ليس بالقوي (تهذيب التهذيب ٢/ ١٠٨) ومتنه فيه نكارة.
(٣) صحيح البخاري، تقصير الصلاة، باب إذا لم يُطق قاعدًا صلى على جنب (ح ١١٧).
(٤) هذا النص وما بعده إلى إنشاد الحسين بن عبد الرحمن يبدو أنه منقول من كتاب التوكل والاعتبار.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
وعن الحسن البصري أنه قال: تفكر ساعة خير من قيام ليلة، وقال الفضيل: قال الحسن: الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك.
وقال سفيان بن عيينة: الفكرة نور يدخل قلبك وربما تمثل بهذا البيت:
إذا المرء كانت له فكرة … ففي كل شيء له عبرة
وعن عيسى ﵇ أنه قال: طوبى لمن كان قيله تذكرًا، وصمته تفكرًا، ونظره عبرًا.
قال لقمان الحكيم: إن طول الوحدة ألهم للفكرة، وطول الفكرة دليل على طرق باب الجنة.
وقال وهب بن منبه: ما طالت فكرة امرئ قط إلا فهم ولا فهم امرؤ قط إلا علم، ولا علم امرؤ قط إلا عمل.
وقال عمر بن عبد العزيز: الكلام بذكر الله ﷿ حسن، والفكرة في نعم الله أفضل العبادة.
وقال مغيث الأسود: زوروا القبور كل يوم تفكركم، وشاهدوا الموقف بقلوبكم، وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة أو النار، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها. وكان يبكي عند ذلك حتى يرفع صريعًا من بين أصحابه قد ذهب عقله.
وقال عبد الله بن المبارك: مرَّ رجل براهب عند مقبرة ومزبلة، فناداه فقال: يا راهب، إن عندك كنزين من كنوز الدنيا لك فيهما معتبر: كنز الرجال، وكنز الأموال. وعن ابن عمر: أنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة فيقف على بابها فينادي بصوت حزين، فيقول: أين أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه، فيقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].
وعن ابن عباس أنه قال: ركعتان مقتصدتان في تفكر، خير من قيام ليلة والقلب ساه.
وقال الحسن البصري: يا ابن آدم، كل في ثلث بطنك، واشرب في ثلثه، ودع ثلثه الآخر تتنفس للفكرة، وقال بعض الحكماء: من نظر إلى الدنيا بغير العبرة، انطمس من بصر قلبه بقدر تلك الغفلة.
وقال بشر بن الحارث الحافي: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه.
وقال الحسن، عن عامر بن عبد قيس، قال: سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ، يقولون: إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر. وعن عيسى ﵇ أنه قال: يا ابن آدم الضعيف اتق الله حيث ما كنت، وكن في الدنيا ضيفًا، واتخذ المساجد بيتًا، وعلم عينيك البكاء، وجسدك الصبر، وقلبك الفكر، ولا تهتم برزق غد. وعن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁، أنه بكى يومًا بين أصحابه، فسئل عن ذلك، فقال: فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها، فاعتبرت منها بها ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر إن فيها مواعظ لمن ادكر. وقال ابن أبي الدنيا: أنشدني الحسين بن عبد الرحمن:
نزهة المؤمن الفكر … لذة المؤمن العبر
نحمد الله وحده … نحن كل على خطر
رُبَّ لاه وعمره … قد تقضى وما شَعر
رُبَّ عيش قد كان فو … ق المنى مونقَ الزهر
[ ٢ / ٤٨٧ ]
في خرير من العيو … ن وظل من الشجر
وسرور من النبا … ت وطيب من الثمر
غيرته وأهله … سرعة الدهر بالغير
نحمد اللّه وحده … إن في ذا المعتبر
إن في ذا لعبرة … للبيب إن اعتبر
وقد ذمَّ الله تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته، فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف] ومدح عباده المؤمنين [﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾] (^١) قائلين: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ أي: ما خلقت هذا الخلق عبثًا، بل بالحق لتجزي الذين أساؤوا بما عملوا، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ثم نزهوه من العبث وخلق الباطل، فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: عن أن تخلق شيئًا باطلًا ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ أي: يا من خلق الخلق بالحق والعدل، يا من هو منزه عن النقائص والعيب [والعبث، قنا من عذاب النار بحولك وقوتك] (^٢) وقيضنا لأعمال ترضى بها عنا. ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم، وتجيرنا به من عذاب كالأليم.
ثم قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ أي: أهنته وأظهرت خزيه لأهل الجمع ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [أي]: (^٣) يوم القيامة لا مجير لهم منك. ولا محيد لهم عما أردت بهم
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ أي: داعيًا يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول ﷺ ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ أي: يقول آمنوا بربكم فآمنا؛ أي: فاستجبنا له واتبعناه؛ ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [أي: بإيماننا واتباعنا نبيك] (^٤)، ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ أي: استرها. ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ فيما بيننا وبينك، ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ أي: ألحقنا بالصالحين،
﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ قيل: معناه على الإيمان برسلك، وقيل: معناه على ألسنة رسلك. وهذا أظهر.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن محمد، عن أبي عقال، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "عسقلان (^٥) أحد العروسين يبعث الله منها يوم القيامة سبعين ألفًا لا حساب عليهم، ويبعث منها خمسين ألفًا شهداء وفودًا إلى الله، وبها صفوف الشهداء رؤوسهم مقطعة في أيديهم تثجُّ أوداجهم (^٦) دمًا، يقولون: ﴿رَبَّنَا
_________________
(١) هذه الزيادة ما بين معقوفين لا توجد في النسخ التي بين يدي، وهو مثبت من الأزهرية كما في طبعة الشعب، وفي نسخة جار الله كما في طبعة دار طيبة بتحقيق سامي السلامة، ومن هاتين الطبعتين أضفت النص.
(٢) هذه الزيادة من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم)، وفي الأصل: "إلى" وهو تصحيف.
(٤) الزيادة من (عف) و(مح).
(٥) عسقلان: مدينة في فلسطين على ساحل البحر تقع بين غزة وبيت جبرين (معجم البلدان ٤/ ١٢٢).
(٦) الأوداج: جمع ودج وهو: عرق في العنق (الصحاح ١/ ٣٤٦).
[ ٢ / ٤٨٨ ]
وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ فيقول الله: صدق عبيدي اغسلوهم بنهر البيضة، فيخرجون منه نقاء بيضًا، فيسرحون (^١) في الجنة حيث شاؤوا" (^٢). وهذا الحديث يُعدُّ من غرائب المسند، ومنهم من يجعله موضوعًا، والله أعلم.
﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: على رؤوس الخلائق، ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ أي: لا بد من الميعاد الذي أخبرت عنه رسلك وهو القيام يوم القيامة بين يديك.
وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحارث بن سُريج، حدثنا المعتبر، حدثنا الفضل بن عيسى، حدثنا محمد بن المنكدر، أن جابر بن عبد الله حدثه، أن رسول الله ﷺ قال: " [العار] (^٣) والتخزية تبلغ من ابن آدم في القيامة في المقام بين يدي الله ﷿ ما يتمنى العبد أن يؤمر به إلى النار" (^٤). حديث غريب.
وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده، فقال البخاري ﵀: حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرني شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب، عن ابن عباس ﵄، قال: بتُّ عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر قعد فنظر إلى السماء فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) …﴾ الآيات، ثم قام فتوضأ واستن، فصلى إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى بالناس الصبح (^٥). وهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن إسحاق الصنعاني، عن [ابن أبي مريم (^٦)] (^٧) به. ثم رواه البخاري من طرق عن مالك، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، أن ابن عباس أخبره أنه بات عند ميمونة زوج النبي ﷺ وهي خالته، قال: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها، [فنام] (^٨) رسول الله ﷺ حتى إذا انتصف الليل أو قبله أو بعده بقليل، استيقظ رسول الله ﷺ من منامه فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شَنٍّ معلقة فتوضأ منها، فأحسن وضوءه، ثم قام يصلي. قال ابن عباس ﵄: فقمت فصنعت مثل ما صنع، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يفتلها، فصلى ركعتين ثم
_________________
(١) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "فيروحون".
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٢٥) وسنده ضعيف جدًّا بسبب أبي عقال وهو: هلال بن زيد بن يسار البصري نزيل عسقلان وهو متروك (التقريب ٢/ ٣٢٣). وعده ابن الجوزي ضمن الموضوعات ٢/ ٥٤، ٥٥، ورد عليه الحافظ ابن حجر في القول المسدد ص ٣٣.
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) ومسند أبي يعلى، وفي الأصل: "المعاد" وهو تصحيف.
(٤) أخرجه أبو يعلى سنده ومتنه (المسند ٣/ ٣١١ ح ١٧٧٦). وسنده ضعيف بسبب الفضل بن عيسى وهو: الرقاشي منكر الحديث ورمي بالقدر (التقريب ص ٤٤٦).
(٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية ح ٤٥٦٩).
(٦) كذا في صحيح مسلم، وفي الأصل: "ابن مريم".
(٧) صحيح مسلم، صلاة المسافرين (ح ١٩٠).
(٨) كذا في صحيح البخاري و(عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "قام" وهو تصحيف.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح (^١). وهكذا أخرجه بقية الجماعة من طرق عن مالك به. ورواه مسلم أيضًا (^٢) وأبو داود من وجوه أخر عن مخرمة بن سليمان به.
(طريق أخرى) لهذا الحديث عن ابن عباس ﵄، قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن محمد بن علي، حدثنا أبو يحيى بن أبي مسرّة، أنبأنا خلاد بن يحيى، أنبأنا يونس بن أبي إسحاق، عن المنهال بن عمرو، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن عبد الله بن عباس، قال: أمرني العباس أن أبيت بآل رسول الله ﷺ وأحفظ صلاته. قال: فصلى رسول الله ﷺ بالناس صلاة العشاء الآخرة حتى إذا لم يبق في المسجد أحد غيره، قام [فمرَّ بي] (^٣)، فقال: من هذا؟ عبد الله؟ قلت: نعم، قال: فمه قلت أمرني العباس أن أبيت بكم الليلة. قال: "فالحق الحق فلما أن دخل قال: افرش عبد الله؟ فأتى بوسادة من مسوح. قال: فنام رسول الله ﷺ عليها حتى سمعت غطيطه (^٤)، ثم استوى على فراشه قاعدًا، قال: فرفع رأسه إلى السماء، فقال: "سبحان الملك القدوس" ثلاث مرات ثم تلا هذه الآيات من آخر سورة آل عمران حتى ختمها (^٥). وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي من حديث علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه حديثًا في ذلك أيضًا.
(طريق أخرى) رواها ابن مردويه من حديث عاصم بن بهدلة، عن بعض أصحابه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ خرج ذات ليلة بعدما مضى ليل، فنظر إلى السماء وتلا هذه الآية ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾، ثم قال: "اللهم اجعل في قلبي نورًا، [وفي سمعي نورًا] (^٦) وفي بصري نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، ومن بين يدي نورًا، ومن خلفي نورًا، ومن فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا وأعظم لي نورًا يوم القيامة" (^٧).
وهذا الدعاء ثابت في بعض طرق الصحيح من رواية كريب عن ابن عباس ﵁، ثم روى ابن مردويه وابن أبي حاتم من حديث جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أتت قريش اليهود، فقالوا: بمَ جاءكم موسى من الآيات؟ قالوا: عصاه ويده البيضاء للناظرين. وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبًا، فدعا ربه ﷿، فنزلت
_________________
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، الوضوء، باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره ح ١٨٣).
(٢) صحيح مسلم، صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل (ح ٧٦٣).
(٣) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "حرى"!
(٤) الغطيط: الصوت الذي يخرج مع نفس النائم (النهاية ٣/ ٣٧٢).
(٥) حديث صحيح أخرجه مسلم من طريق محمد بن علي بن عبد الله بن عباس به (الصحيح، صلاة المسافرين، باب الدعاء في صلاة الليل ح ٧٦٣).
(٦) ما بين المعقوفين سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٧) سنده ضعيف لإبهام شيخ عاصم بن بهدلة.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ قال: فليتفكروا فيها (^١)، لفظ ابن مردويه. وقد تقدم هذا الحديث من رواية الطبراني في أول الآية، وهذا يقتضي أن تكون هذه الآيات مكية، والمشهور أنها مدنية، ودليله الحديث الآخر.
قال ابن مردويه: حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن علي الحراني، حدثنا شجاع بن أشرس، حدثنا حشرج بن نباتة الواسطي أبو مكرم، عن الكلبي وهو أبو جَناب، عن عطاء، قال: انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة ﵂، فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب، فقالت: يا عبيد ما يمنعك من زيارتنا؟ قال: قول الشاعر: زر غبًا تزدد حبًا. فقال ابن عمر: ذرينا أخبرينا بأعجب شيء رأيتِهِ من رسول الله ﷺ، فبكت وقالت: كل أمره كان عجبًا، أتاني في ليلتي حتى مسَّ جلده جلدي، ثم قال: "ذريني أتعبد لربي ﷿ قالت: فقلت: والله إني لأحب قربك، وإني أحب أن تَعَبّد لربك، فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صبَّ الماء، ثم قام يصلي فبكى حتى بلَّ لحيته، ثم سجد فبكى حتى بلَّ الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى حتى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح. قالت: فقال: يا رسول الله، ما يبكيك وقد غفر الله لك ذنبك ما تقدم وما تأخر؟ فقال: "ويحك يا بلال، وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل عليّ في هذه الليلة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ " ثم قال: "ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها" (^٢).
وقد رواه عبد بن حميد في تفسيره عن جعفر بن عون، عن أبي جناب الكلبي، عن عطاء (^٣). قال: دخلت أنا وعبد الله بن عمر وعبيد بن عمير على أُم المؤمنين عائشة ﵂ وهي في خدرها، فسلمنا عليها، فقالت: من هؤلاء؟ قال: فقلنا: هذا عبد الله بن عمر وعبيد بن عمير. قالت: يا عبيد بن عمير. ما يمنعك من زيارتنا، قال: ما قال الأول: زر غبًا تزدد حبًا. قالت: إنا لنحب زيارتك وغشيانك. قال عبد الله بن عمر: دعينا من بطالتكما هذه، أخبرينا بأعجب ما رأيت من رسول الله ﷺ. قال: فبكت ثم قالت: كل أمره كان عجبًا، أتاني في ليلتي حتى دخل معي في فراشي، حتى لصق جلده بجلدي، ثم قال: "يا عائشة ائذني لي أتعبد لربي". قالت: إني لأحب قربك وأحب هواك. قالت: فقام إلى قربة في البيت فما أكثر صبّ الماء، ثم قام فقرأ القرآن، ثم بكى حتى رأيت أن دموعه بلغت حقويه حجره، قالت: ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه، قالت: ثم اتكأ على جنبه الأيمن ووضع يده تحت خده، ثم بكى حتى رأيت دموعه قد بلغت الأرض فدخل عليه بلال فآذنه بصلاة الفجر، ثم قال: الصلاة يا رسول الله، فلما رآه بلال يبكي قال: يا رسول الله، تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم مختصرًا من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني عن يعقوب القمي عن جعفر به، وسنده ضعيف بسبب يحيى وجعفر كما تقدم في أول رواية لتفسير الآية. وما ذكره الحافظ من دليل آخر فإنه ضعيف أيضًا كما سيأتي.
(٢) سنده ضعيف بسبب أبي جناب الكلبي وهو: يحيى بن أبي حَيَّن ضعفوه لكثرة تدلسيه (التقريب ص ٥٨٩) ولم يصرح بالسماع. وفي متنه مبالغة في قوله: فبكى حتى بلّ الأرض!
(٣) في الأصل ورد بلفظ: "وقد رواه عبد بن حميد عن جعفر بن عون عن أبي جناب الكلبي عن عطاء" بأطول من هذا وأتم سياقًا. وكذا في (حم) و(ح)، وأما في (عف) و(مح) فقد ساقه بطوله كما أثبت أعلاه.
[ ٢ / ٤٩١ ]
تأخر؟ فقال: "يا بلال أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ وما لي لا أبكي وقد نزل عليّ الليلة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ إلى قوله: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ " ثم قال: "ويل لمن قرأ هذه الآيات ولم يتفكر فيها" (^١). وهكذا رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه عن عمران بن موسى، عن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن زكريا، عن إبراهيم بن سويد النخعي، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة … فذكر نحوه (^٢). وهكذا رواه عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب التفكر والاعتبار عن شجاع بن أشرس به (^٣). ثم قال: حدثني الحسن بن عبد العزيز: سمعت سُنيدًا يذكر عن سفيان هو الثوري رفعه، قال: "من قرأ آخر آل عمران فلم يتفكر فيها ويله" يعد بأصابعه عشرًا (^٤). قال الحسن بن عبد العزيز: فأخبرني عبيد بن السائب قال: قيل للأوزاعي: ما غاية التفكر فيهن؟ قال: يقرؤهن وهو يعقلهن.
قال ابن أبي الدنيا: وحدثني قاسم بن هاشم، حدثنا علي بن عياش، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان قال: سألت الأوزاعي عن أدنى ما يتعلق به المتعلق من الفكر فيهن وما ينجيه من هذا الويل؟ فأطرق هنية ثم قال: يقرؤهن وهو يعقلهن.
(حديث آخر) فيه غرابة. قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن بشير بن نمير، حدثنا إسحاق بن إبراهيم البستي (^٥) (ح) قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أحمد بن عمرو قال: أنبأنا هشام بن عمار، أنبأنا سليمان بن موسى الزهري، أنبأنا مظاهر بن أسلم المخزومي، أنبأنا سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة (^٦). مظاهر بن أسلم: ضعيف.
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾.
يقول تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: فأجابهم ربهم، كما قال الشاعر (^٧):
وداعٍ دعا يا من يجيبُ إلى النَّدى … فلم يستجبْه عند ذاك مجيبُ
قال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سلمة رجل من آل أُم سلمة، قال: قالت أُم سلمة: يا رسول الله لا نسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء. فأنزل الله تعالى:
_________________
(١) سنده ضعيف بسبب أبي جناب الكلبي كما تقدم آنفًا.
(٢) الإحسان ٢/ ٣٢٩ (ح ٦٢٠) في سنده عبد الملك بن أبي سليمان: صدوق له أوهام (التقريب ص ٣٦٣).
(٣) في سنده أبو جناب الكلبي أيضًا.
(٤) في سنده سنيد وهو الحسين بن داود ضعيف.
(٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "الليثي".
(٦) سنده ضعيف بسبب مظاهر بن أسلم المخزومي: وهو ضعيف كما قرر الحافظ ابن كثير.
(٧) هو كعب بن سعد الغنوي، وقد ورد هذا البيت في تفسير الطبري، والأصمعيات ص ١٤، وأمالي القالي ٢/ ١٥١.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى …﴾ إلى آخر الآية. وقالت الأنصار: هي أول ظعينة قدمت علينا (^١). وقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينة. ثم قال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أُم سلمة، قالت: آخر آية نزلت هذه الآية: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ …﴾ إلى آخرها، رواه ابن مردويه (^٢)، ومعنى الآية أن المؤمنين ذوي الألباب لما سألوا [ما سألوا] (^٣) مما تقدم ذكره فاستجاب لهم ربهم عقب ذلك بفاء التعقيب، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة] وقوله تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ هذا تفسير للإجابة، أي قال لهم مجيبًا لهم أنه لا يضيع عمل عامل منكم لديه، بل يوفى كل عامل بقسط عمله من ذكر أو أنثى، وقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: جميعكم في ثوابي سواء، ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ أي: تركوا دار الشرك وأتوا إلى دار الإيمان وفارقوا الأحباب والإخوان والخلان والجيران، ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ أي: ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجؤوهم إلى الخروج من بين أظهرهم، ولهذا قال: ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ أي: إنما كان ذنبهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] وقال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ [البروج] وقوله تعالى: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله فيعقر جواده ويعفر وجهه بدمه وترابه.
وقد ثبت في الصحيحين أن رجلًا قال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، أيكفر الله عني خطاياي؟ قال: "نعم"، ثم قال: "كيف قلت؟ فأعاد عليه ما قال، فقال: نعم، إلا الدّين، قاله لي جبريل آنفًا" (^٤). ولهذا قال تعالى: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن، وغير ذلك مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وقوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أضافه إليه ونسبه إليه ليدل على أنه عظيم، لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلًا كثيرًا، كما قال الشاعر:
إن يعذب يكن غرامًا وإن … يُعط جزيلًا فإنه لا يبالي
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور بسنده ومتنه (السنن، كتاب التفسير ٣/ ١١٣٦ ح ٥٥٢)، وأخرجه الترمذي (السنن، التفسير، باب ومن سورة النساء ح ٢٠٢٣)، والحاكم (المستدرك ٢/ ٣٠٠) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الألباني: صحيح بما قبله (صحيح سنن الترمذي ح ٢٤٢٠) ويقصد بما قبله طريق مجاهد عن أُم سلمة التالي.
(٢) أخرجه الطبري والحاكم كلاهما من طريق ابن أبي نجيج به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٤١٦) وصححه أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري.
(٣) سقط في الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٤) أخرجه مسلم من حديث أبي قتادة (الصحيح، الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كُفرت خطاياه إلا الدين ح ١٨٨٥).
[ ٢ / ٤٩٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ أي: عنده حسن الجزاء لمن عمل صالحًا.
قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن [دحيم] (^١) بن إبراهيم قال: قال الوليد بن مسلم: أخبرني حَريز بن عثمان، أن شداد بن أوس كان يقول: يا أيها الناس، لا تتهموا الله في قضائه، فإنه لا يبغي على مؤمن، فإذا أنزل بأحدكم شيء مما يحب، فليحمد الله، وإذا أنزل به شيء مما يكره، فليصبر وليحتسب، فإن الله عنده حسن الثواب (^٢).
﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾.
يقول تعالى: لا تنظر إلى ما هؤلاء الكفار مترفون فيه من النعمة والغبطة والسرور، فعما قليل يزول هذا كله عنهم ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة، فإنما نمد لهم فيما هم فيه استدراجًا، وجميع ما هم فيه ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤)﴾ [غافر]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ [يونس]، وقال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ [لقمان] وقال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق] أي: قليلًا، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾ [القصص]
وهكذا لما ذكر حال الكفار في الدنيا وذكر أن مآلهم إلى النار، قال بعده: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي ضيافة من عند الله ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾.
وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن نصر، حدثنا أبو طاهر سهل بن عبد الله، أنبأنا هشام بن عمار، أنبأنا سعيد بن يحيى، أنبأنا عبيد الله بن الوليد [الوصافي] (^٣)، عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ قال: "إنما سموا الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقًّا كذلك لولدك عليك حق" كذا رواه ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن جناب، حدثنا عيسى بن يونس، عن عبد الله بن الوليد [الوصافي] (^٤).
عن محارب بن دثار، عن ابن عمر، قال: إنما سماهم الله أبرارًا لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقًّا كذلك لولدك عليك حق (^٥)، وهذا أشبه، والله أعلم.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، عن
_________________
(١) كذا في تفسير ابن أبي حاتم و(عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "رحيم" وهو تصحيف.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، ورجاله ثقات لكنه معلق.
(٣) (^٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: "الرصافي" وهو تصحيف.
(٤) رواية ابن مردويه وابن أبي حاتم فيها عبيد الله بن الوليد الوصافي وهو ضعيف (التقريب ١/ ٥٤٠)، وأخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
رجل، عن الحسن، قال: الأبرار الذين لا يؤذون الذرّ (^١).
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة، عن الأسود، قال: قال عبد الله يعني: ابن مسعود: ما من نفس برّة ولا فاجرة إلا الموت خير لها، لئن كان برًّا لقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ (^٢).
وكذا رواه عبد الرزاق عن الأعمش، عن الثوري به. وقرأ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ …﴾ الآية [آل عمران: ١٧٨].
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا ابن أبي جعفر، عن فرج بن فضالة، عن لقمان، [عن] (^٣) أبي الدرداء أنه كان يقول: ما من مؤمن إلا والموت خير له، وما من كافر إلا والموت خير له، ومن لم يصدقني فإن الله يقول: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ ويقول: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ (^٤) [آل عمران: ١٧٨].
﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾.
يخبر تعالى عن طائفة من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالله حق الإيمان، ويؤمنون بما أنزل على محمد مع ما هم مؤمنون به من الكتب المتقدمة، وأنهم خاشعون لله أي مطيعون له، خاضعون متذللون بين يديه، ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: لا يكتمون ما بأيديهم من البشارات بمحمد ﷺ وذكر صفته ونعته ومبعثه وصفة أمته، وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم، سواء كانوا هودًا أو نصارى، وقد قال تعالى في سورة القصص: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٢ - ٥٤] الآية، وقد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ …﴾ [البقرة: ١٢١] الآية. وقد قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء] وهذه الصفات توجد في اليهود، ولكن قليلًا كما وجد في عبد الله بن سلام وأمثاله ممن آمن من أحبار اليهود، ولم يبلغوا عشرة أنفس، وأما النصارى فكثير منهم يهتدون وينقادون للحق، كما قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وفيه شيخ هشام: مبهم.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة عن أبي معاوية به (المصنف ١٣/ ٣٠٣ رقم ١٦٤٢٠)، وأخرجه الحاكم من طريق الأعمش به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٢٩٨).
(٣) في الأصل: "بن" وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب فرج بن فضالة: وهو ضعيف (التقريب ص ٤٤٤).
[ ٢ / ٤٩٥ ]
لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا …﴾ الآية [المائدة: ٨٢ - ٨٥]، وهكذا قال ههنا: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
وقد ثبت في الحديث أن جعفر بن أبي طالب ﵁، لما قرأ سورة ﴿كهيعص (١)﴾ [مريم] بحضرة النجاشي ملك الحبشة وعنده البطاركة والقساوسة، بكى وبكوا معه حتى أخضبوا لحاهم.
وثبت في الصحيحين أن النجاشي لما مات نعاه النبي ﷺ إلى أصحابه وقال: "إن أخًا لكم بالحبشة قد مات، فصلوا عليه" فخرج إلى الصحراء فصفّهم وصلّى عليه (^١).
وروى ابن أبي حاتم والحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: لما توفي النجاشي قال رسول الله ﷺ: "استغفروا لأخيكم" فقال بعض الناس: يأمرنا أن نستغفر لعلج مات بأرض الحبشة، فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ …﴾ الآية (^٢)، ورواه [عبد بن حميد و] (^٣) ابن أبي حاتم من طريق أخرى عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن (^٤) عن النبي ﷺ، ثم رواه ابن مردويه من طرق عن حميد، عن أنس بن مالك، بنحو ما تقدم (^٥) ورواه أيضًا ابن جرير من حديث أبي بكر الهذلي، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ حين مات النجاشي: "إن أخاكم أصحمة قد مات"، فخرج رسول الله ﷺ فصلى كما يصلي على الجنائز فكبر عليه أربعًا، فقال المنافقون: يصلي على علج مات بأرض الحبشة، فأنزل الله ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾ (^٦) وقال أبو داود (^٧): حدثنا محمد بن عمرو الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: لما مات النجاشي كنا نحدث أنه لا يزال يرى على قبره (^٨) نور.
_________________
(١) صحيح البخاري، الجنائز، باب الصفوف على الجنازة (ح ١٣٢٠)، وصحيح مسلم، الجنائز، باب في التكبير على الجنازة (ح ٩٥١).
(٢) أخرجه ابن حاتم من طريق أحمد بن محمد بن القاسم بن أبي بزة عن مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن سلمة به، وأحمد هذا ضعيف الحديث (الجرح والتعديل ٢/ ٧١) وله متابعات وشواهد ترقيه إلى درجة الحسن لغيره. وقد سردتها في تحقيقي لتفسير ابن أبي حاتم.
(٣) الزيادة من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٤) أخرجه النسائي من طريق حميد وعن الحسن (التفسير ١/ ٣٥٩ ح ١٠٩) وسنده مرسل.
(٥) أخرجه النسائي من طريق حميد به (التفسير ١/ ٣٥٨ ح ١٠٨) وصححه محققوه.
(٦) أخرجه الطبري من طريق أبي بكر الهذلي به، وسنده ضعيف بسبب أبي بكر متروك كما في التقريب.
(٧) رواية أبي داود تقدمت رواية الحاكم في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل جاءت بعد رواية الحاكم.
(٨) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب في النور يرى عند قبر الشهيد ح ٢٥٢٣)، وسنده حسن.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
وقد روى الحافظ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه: أنبأنا أبو العباس السياري بمرو، حدثنا عبد الله بن علي الغزال، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: نزل بالنجاشي عدو من أرضهم، فجاءه المهاجرون، فقالوا: إنا نحب أن نخرج إليهم حتى نقاتل معك وترى جرأتنا ونجزيك بما صنعت بنا، فقال: لا، دواء بنصرة الله ﷿ خير من دواء بنصرة الناس، قال: وفيه نزلت ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (^١).
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: مسلمة أهل الكتاب (^٢).
وقال عباد بن منصور: سألت الحسن البصري عن قول الله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ …﴾ الآية، قال: هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد ﷺ فاتبعوه، وعرفوا الإسلام فأعطاهم الله تعالى أخبر اثنين: للذي كانوا عليه من الإسلام من قبل محمد ﷺ، وبالدين الذي اتبعوا محمدًا ﷺ (^٣)، رواهما ابن أبي حاتم.
وقد ثبت في الصحيحين عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين" فذكر منهم: ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي (^٤).
وقوله تعالى: ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: لا يكتمون ما بأيديهم من العليم كما فعله الطائفة المرذولة منهم، بل يبذلون ذلك [مجانًا] (^٥)، ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
قال مجاهد: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يعني: سريع الإحصاء، رواه ابن أبي حاتم (^٦) وغيره.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [قال الحسن البصري ﵀: أمروا أن يصبروا] (^٧) على دينهم الذي ارتضاه الله لهم وهو الإسلام، فلا يدعوه لسراء ولا لضراء ولا لشدة ولا لرخاء، حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يَملّون دينهم (^٨)، وكذا قال غير واحد من علماء السلف، وأما المرابطة فهي المداومة في مكان العبادة والثبات، وقيل: انتظار الصلاة بعد الصلاة، قاله ابن عباس وسهل بن حنيف ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم (^٩)، وروى ابن أبي حاتم ههنا الحديث الذي رواه مسلم والنسائي من حديث مالك بن أنس، عن العلاء بن
_________________
(١) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وتعليقه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠٠).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق شبل عن ابن أبي نجيح به.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم مختصرًا بسند حسن من طريق أبي بكر الحنفي عن عباد به.
(٤) صحيح البخاري، العلم، باب تعليم الرجل أمته (ح ٩٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ (ح ١٥٤).
(٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "حجابًا" وهو تصحيف.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٧) سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن.
(٩) سيأتي ذكره مرفوعًا وموقوفًا في الروايات التالية.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: "ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط" (^١).
وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا أبو جحيفة علي بن يزيد الكوفي، أنبأنا ابن أبي كريمة، عن محمد بن يزيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: أقبل عليّ أبو هريرة يومًا، فقال: أتدري يا ابن أخي فيمَ نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾؟ قلت: لا. قال: أما إنه لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يرابطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد ويصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها، فعليهم أنزلت ﴿اصْبِرُوا﴾ أي: الصلوات الخمس، ﴿وَصَابِرُوا﴾ أنفسكم وهواكم، ﴿وَرَابِطُوا﴾ في مساجدكم، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما عليكم، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من طريق سعيد بن منصور عن ابن المبارك، عن مصعب بن ثابت، عن داود بن صالح، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بنحوه (^٢).
وقال ابن جرير: حدثني أبو السائب، حدثني ابن فضيل، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن جده، عن شرحبيل، عن علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا أدلكم على ما يكفر الذنوب والخطايا؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط" (^٣).
وقال ابن جرير أيضًا: حدثني موسى بن سهل الرملي، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا محمد بن مهاجر، حدثني يحيى بن يزيد، عن زيد بن أبي أنيسة، عن شرحبيل، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويكفر به الذنوب"؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: "إسباغ الوضوء في أماكنها، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط" (^٤).
وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي، أنبأنا محمد بن عبد الله بن السلام البيروتي، أنبأنا محمد بن غالب الأنطاكي، أنبأنا عثمان بن عبد الرحمن، أنبأنا الوازع بن نافع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي أيوب ﵁، قال: وقف علينا رسول الله ﷺ، فقال: "هل لكم إلى ما يمحو الله به الذنوب ويعظم به الأجر؟ " قلنا: نعم يا رسول الله، وما هو؟ قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة". قال: وهو قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ فذلك هو الرباط في المساجد، وهذا حديث غريب من هذا الوجه جدًّا (^٥).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ومسلم (الصحيح، الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء ح ٣٥١).
(٢) أخرجه الحاكم من طريق سعيد به (المستدرك ٢/ ٣٠٠، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي).
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًّا بسبب عبد الله بن سعيد المقبري وهو متروك (التقريب ص ٣٠٦).
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وحسنه محققه أحمد شاكر.
(٥) في سنده الوازع بن نافع العقيلي، قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك (لسان الميزان ٦/ ٢١٣).
[ ٢ / ٤٩٨ ]
وقال عبد الله بن المبارك، عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، حدثني داود بن صالح، قال: قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: [يا ابن أخي هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾؟ قال: قلت: لا. قال: إنه لم يكن] (^١) يا ابن أخي في زمان رسول الله ﷺ غزو يرابط فيه، ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة، رواه ابن جرير (^٢)، وقد تقدم سياق ابن مردويه له، وأنه من كلام أبي هريرة ﵁، والله أعلم، وقيل: المراد بالمرابطة ههنا: مرابطة الغزو [في نحور العدو] (^٣) وحفظ ثغور الإسلام وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة بلاد المسلمين، وقد وردت الأخبار بالترغيب في ذلك وذكر كثرة الثواب فيه، فروى البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد الساعدي ﵄ أن رسول الله ﷺ، قال: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما [عليها] " (^٤) (^٥).
(حديث آخر) روى مسلم عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجرى عليه رزقه وأمن الفَتَّان" (^٦).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، أخبرني أبو هانئ الخولاني، أن عمرو بن مالك الجَنْبي أخبره، أنه سمع فضالة بن عبيد يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه يَنْمي (^٧) له عمله إلى يوم القيامة ويأمن فتنة القبر" (^٨)، وهكذا رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي هانئ الخولاني وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن حبان في صحيحه أيضًا.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، وحسن بن موسى وأبو سعيد عبد الله بن يزيد كلهم عن عبد الله بن لهيعة، حدثنا [مشرح بن هاعان] (^٩)، سمعت عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ميت يختم له على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه
_________________
(١) ما بين معقوفين سقط في الأصل واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) و(مح).
(٢) أخرجه الطبري من طريق ابن المبارك به، وأخرجه الحاكم من طريق ابن المبارك به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠١).
(٣) سقط كسابقه.
(٤) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وصحيح البخاري، وفي الأصل: "وما فيها" وهو تصحيف.
(٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب فضل رباط يوم في سبيل الله (ح ٢٨٩٢).
(٦) صحيح مسلم، الإمارة، باب فضل الرباط في سبيل الله (ح ١٩١٣).
(٧) كذا في المسند، وفي كل النسخ: ينمو، وكذا في سنن أبي داود كما في التخريج.
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٦/ ٢٠)، وأخرجه الترمذي من طريق ابن المبارك به وقال: حسن صحيح (السنن، الجهاد، باب ما جاء في فضل من مات مرابطًا ح ١٦٢١)، وأخرجه أبو داود من طريق ابن وهب عن أبي هانئ به (السنن، الجهاد، باب في فضل الرباط ح ٢٥٠٠)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢١٨٢)، وأخرجه الحاكم من طريق ابن المبارك به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٤٤).
(٩) كذا في (عف) و(ح) و(حم) والمسند وفي الأصل: "مسوح بن عاهان" وهو تصحيف.
[ ٢ / ٤٩٩ ]
يجري عليه عمله حتى يبعث ويأمن من الفتَّان" (^١). وروى الحارث بن محمد بن أبي أُسامة في مسنده عن المقبري وهو عبد الله بن يزيد به إلى قوله: "حتى يبعث" دون ذكر "الفتان" (^٢). وابن لهيعة إذا صرح بالتحديث فهو حسن ولا سيما مع ما تقدم من الشواهد.
(حديث آخر) قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في سننه: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني الليث، عن زهرة بن معبد، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "من مات مرابطًا في سبيل الله أجرى عليه عمله الصالح الذي كان يعمل، وأجرى عليه رزقه، وأمن من الفتَّان، وبعثه الله يوم القيامة آمنًا من الفزع" (^٣).
(طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا موسى، أنبأنا ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "من مات مرابطًا وقي فتنة القبر، وأمن من الفزع الأكبر، وغدا عليه وريح برزقه من الجنة، وكتب له أجر المرابط إلى يوم القيامة" (^٤).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي، عن إسحاق بن عبد الله، عن أُم الدرداء ترفع الحديث، قالت: "من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام أجزأت عنه رباط سنة" (^٥).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا كهمس، حدثنا مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، قال: قال عثمان ﵁ وهو يخطب على منبره: إني محدثكم حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ لم يكن يمنعني أن أحدثكم به إلّا الظن بكم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها" (^٦) وهكذا رواه أحمد أيضًا عن روح، عن كهمس، عن مصعب بن ثابت، عن عثمان (^٧)، وقد رواه ابن ماجه عن هشام بن عمار، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن مصعب بن ثابت، عن عبد الله بن الزبير، قال: خطب عثمان بن عفان الناس، فقال: يا أيها الناس إني سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا لم يمنعني أن أحدثكم به إلا الظن بكم [وبصحابتكم] (^٨) فليختر مختار لنفسه أو ليدع سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رابط ليلة في سبيل الله كانت كألف ليلة صيامها وقيامها" (^٩).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (المسند ٤/ ١٥٠، ١٥٧) وسنده حسن، وحسنه الحافظ ابن كثير كما سيأتي ويشهد له ما سبق.
(٢) بغية الباحث بزوائد الحارث (ح ٦٢٧).
(٣) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب فضل الرباط في سبيل الله ح ٢٧٦٧)، وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة ٢/ ٣٩١، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٢٣٤).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٤٠٤) وسنده حسن بالشواهد.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٤/ ٥٨٨ ح ٢٧٠٤٠) وضعفه محققوه.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٢/ ٥٠٩ ح ٤٦٣) وضعفه محققوه بسبب ضعف مصعب بن ثابت وعدم سماعه من عثمان.
(٧) فيه مصعب بن ثابت أيضًا.
(٨) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وسنن ابن ماجه، وفي الأصل: "ونصحا منكم" وهو تصحيف.
(٩) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب فضل الرباط في سبيل الله ح ٢٧٦٦)، وسنده ضعيف بسبب مصعب بن ثابت.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
(طريق أخرى) عن عثمان ﵁. قال الترمذي: حدثنا الحسن بن علي الخلال، حدثنا هشام بن عبد الملك، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا أبو عقيل [زهرة بن معبد] (^١) عن أبي صالح مولى عثمان بن عفان، قال: سمعت عثمان وهو على المنبر يقول: إني كتمتكم حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ كراهية تفرقكم عني، ثم بدا لي أن أحدثكموه: ليختار امرؤ لنفسه ما بدا له، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه (^٢)، قال محمد - يعنى البخاري -: أبو صالح مولى عثمان اسمه: بركان، وذكر غير الترمذي أن اسمه الحارث، والله أعلم. وهكذا رواه الإمام أحمد من حديث الليث بن [سعد] (^٣) وعبد الله بن لهيعة، وعنده زيادة في آخره، فقال يعني عثمان: فليرابط امرؤ كيف شاء هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد.
(حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، حدثنا محمد بن المنكدر، قال: مرَّ سلمان الفارسي. بشرحبيل بن السمط، وهو في مرابَط له وقد شقّ عليه وعلى أصحابه، فقال: أفلا أحدثك يا ابن السمط بحديث سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: بلى، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "رباط يوم في سبيل الله أفضل - أو قال: خير - من صيام شهر وقيامه، ومن مات فيه وقي فتنة القبر، ونمي له عمله إلى يوم القيامة" (^٤) تفرد به الترمذي من هذا الوجه، وقال: هذا حديث حسن، وفي بعض النسخ زيادة وليس إسناده بمتصل، وابن المنكدر لم يدرك سلمان.
(قلت): الظاهر أن محمد بن المنكدر سمعه من شرحبيل بن السمط، وقد رواه مسلم والنسائي من حديث مكحول وأبي عبيدة بن عقبة، كلاهما عن شرحبيل بن السمط وله صحبة، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات، جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتَّان" وقد تقدم سياق مسلم بمفرده (^٥).
(حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة، حدثنا محمد بن يعلى السلمي، حدثنا عمر بن صبيح، عن عبد الرحمن بن عمرو، عن مكحول، عن أُبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: "لرباط يوم في سبيل الله، من وراء عورة المسلمين محتسبًا من غير شهر رمضان أعظم أجرًا من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها، ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبًا من غير شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجرًا - أراه قال: - من عبادة ألف سنة صيامها وقيامها، فإن رده الله تعالى إلى أهله سالمًا لم تكتب عليه سيئة ألف سنة،
_________________
(١) كذا في سنن الترمذي و(عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "زهرة بن سعيد".
(٢) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، الجهاد، باب ما جاء في فضل المرابط ح ١٦٦٧)، وأخرجه الإمام أحمد من طريق الليث به (المسند ١/ ٥١٣ ح ٤٧٠) وحسنه محققوه، وصححه أحمد شاكر في المسند برقم (٤٧٠).
(٣) في الأصل: "سعيد" وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه (السنن، فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل المرابط ح ١٦٦٥) وحسنه، وفي سنده محمد بن المنكدر لم يسمع من سلمان الفارسي ويشهد له ما تقدم في الصحيحين.
(٥) تقدم في الحديث الثاني من هذه الأحاديث الواردة في فضل الرباط في سبيل الله تعالى.
[ ٢ / ٥٠١ ]
وتكتب له الحسنات، ويجري له أجر الرباط إلى يوم القيامة" (^١) هذا حديث غريب، بل منكر من هذا الوجه، وعمر بن صبيح متهم.
(حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا عيسى بن يونس الرملي، حدثنا محمد بن شعيب بن شابور، عن سعيد بن خالد بن أبي طويل، سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حرس ليلة في سبيل الله خير من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة. السنة ثلثمائة وستون يومًا، واليوم كألف سنة" (^٢) وهذا حديث غريب أيضًا، وسعيد بن خالد هذا ضعفه أبو زرعة وغير واحد من الأئمة، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. وقال الحاكم: روى عن أنس أحاديث موضوعة.
(حديث آخر) قال ابن ماجه: حدثنا محمد بن الصباح، أنبأنا عبد العزيز بن محمد عن صالح بن محمد بن زائدة، عن [عمر بن عبد العزيز] (^٣)، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: قال رسول الله ﷺ: "رحم الله حارس الحرس" (^٤) فيه انقطاع بين عمر بن عبد العزيز وعقبة بن عامر، فإنه لم يدركه، والله أعلم.
(حديث آخر) قال أبو داود: حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية يعني ابن سلام عن زيد - يعني ابن سلام - أنه سمع أبا سلام قال: حدثني السلولي أنه حدثه سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين حتى كانت عشية، فحضرت الصلاة مع رسول الله ﷺ، فجاء رجل فارس، فقال: يا رسول الله، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم فتبسم النبي ﷺ وقال: "تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله" ثم قال: "من يحرسنا الليلة"؟ قال: أنس [بن أبي مرثد] (^٥): أنا يا رسول الله، فقال: "فاركب" فركب فرسًا له، فجاء إلى رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: "استقبل هذا الشعب حتى تكون في أعلاه ولا نغز من قبلك الليلة" فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى [مصلاه] (^٦)، فركع ركعتين ثم قال: "هل أحسستم فارسكم؟ " فقال رجل: يا رسول الله ما أحسسناه فثوب بالصلاة، فجعل النبي ﷺ وهو يصلي يلتفت إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته قال: "أبشروا فقد جاءكم فارسكم" فجعلنا ننظر إلى خلال الشجر في الشعب، فإذا هو قد جاء حتى وقف على النبي ﷺ، فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرتني،
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب فضل الرباط في سبيل الله ح ٢٨٦٨)، وحكم عليه الحافظ ابن كثير أيضًا في جامع الأسانيد ١/ ١٥٠ بأنه من وضع عمر بن صبيح.
(٢) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الجهاد، باب فضل الحرس والتكبير في سبيل الله ح ٢٧٧٠)، وذكره ابن الجوزي وضعفه في العلل المتناهية (ح ٩٥٦)، وقال الألباني: إنه موضوع (السلسلة الضعيفة ح ١٢٣٤).
(٣) في الأصل: "يحيى بن عبد العزيز" وهو تصحيف.
(٤) أخرجه ابن ماجه بسنده ومتنه (السنن، الحهاد، باب فضل الحرس والتكبير ح ٢٧٦٩)، وضعفه الحافظ ابن كثير بسبب الانقطاع، وضعفه البوصيري بسبب صالح بن محمد بن زائدة (مصباح الزجاجة ٢/ ٣٩٤).
(٥) كذا في (عف) و(ح) و(حم) و(مح) وسنن أبي داود، وفي الأصل: "ابن أبي مزيد" وهو تصحيف.
(٦) في الأصل: "الصلاة" والتصويب كسابقه.
[ ٢ / ٥٠٢ ]
فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أرَ أحدًا، فقال له رسول الله ﷺ: "هل نزلت الليلة؟ " قال: لا إلا مصليًا أو قاضي حاجة، فقال له: "أوجبت فلا عليك أن لا تعمل بعدها". ورواه النسائي عن محمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحراني عن أبي توبة، وهو الربيع بن نافع به (^١).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا عبد الرحمن بن شريح، سمعت محمد بن [شمير] (^٢) الرعيني يقول: سمعت أبا عامر التّجيي، قال الإمام أحمد: وقال غير زيد أبا علي الجنبي يقول: [سمعت أبا ريحانة يقول] (^٣): كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة، فأتينا ذات ليلة إلى شرف، فبتنا عليه، فأصابنا برد شديد حتى رأيت من يحفر في الأرض حفرة يدخل فيها ويلقي عليه الجحفة يعني الترس، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ من الناس نادى: "من يحرسنا في هذه الليلة فأدعو له بدعاء يكون له فيه فضل؟ " فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله، فقال: "ادن" فدنا، فقال: "من أنت "؟ فتسمى له الأنصاري، ففتح رسول الله ﷺ بالدعاء فأكثر منه. فقال أبو ريحانة: فلما سمعت ما دعا به رسول الله ﷺ، قلت: أنا رجل آخر، فقال: "ادن"، فدنوت فقال: "من أنت؟ " قال: فقلت: أنا أبو ريحانة، فدعا بدعاء هو دون ما دعا للأنصاري، ثم قال: "حرمت النار على عين دمعت - أو بكت - من خشية الله، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله" (^٤).
وروى النسائي منه: "حرمت النار … " إلى آخره عن عصمة بن الفضل عن زيد بن الحباب به، وعن الحارث بن مسكين عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن شريح به (^٥)، وأتم وقال في الروايتين عن أبي علي الجَنَبي.
(حديث آخر) قال الترمذي: حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا بشر بن عمر، حدثنا [شعيب بن رُزيق] (^٦) أبو شيبة، عن عطاء الخراساني، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله" ثم قال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث شعيب بن رُزيق، قال: وفي الباب عن عثمان وأبي ريحانة (^٧). (قلت): وقد تقدما، ولله الحمد.
_________________
(١) سنن أبي داود، الجهاد، باب فضل الحرس في سبيل الله تعالى (ح ٢٥٠١)، وسنن النسائي الكبرى، كتاب السير (ح ٨٨٧٠)، وأخرجه الحاكم من طريق أبي توبة به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٢٣٧)، وحسنه الحافظ ابن حجر (الفتح ٨/ ٢٧)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢١٨٣).
(٢) كذا في (عف) و(ح) و(مح) والمسند، وفي الأصل: "سهر" وهو تصحيف.
(٣) سقط في الأصل، واستدرك من (عف) و(ح) و(حم) (مح) والمسند.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ١٣٤)، وأخرجه النسائي من طريق زيد به ولكن من طريق أبي علي الجنبي كما سيأتي، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٢٩٢٠)، وأخرجه الحاكم من طريق عبد الرحمن بن شريح وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٨٣).
(٥) سنن النسائي، الجهاد، باب ثواب عين سهرت في سبيل الله ﷿ ٦/ ١٥، وتقدم تصحيحه.
(٦) كذا في سنن الترمذي و(عف) و(ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "بن رزين".
(٧) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه وتعليقه (السنن، الجهاد، باب في فضل الحرس في سبيل الله ح ١٦٣٩) وفيه =
[ ٢ / ٥٠٣ ]
(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا [رِشدين، عن زَبّان] (^١)، عن سهل بن معاذ، عن أبيه معاذ بن أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: " [من] (^٢) حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعًا لا بأجرة سلطان، لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم، فإن الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] " (^٣) تفرد به أحمد ﵀.
(حديث آخر) روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه، مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع" (^٤).
فهذا آخر ما تيسر إيراده من الأحاديث المتعلقة بهذا المقام، ولله الحمد على جزيل الإنعام، على تعاقب الأعوام والأيام.
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا مطرف بن عبد الله المديني، حدثنا مالك، عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعًا من الروم [وما] (^٥) يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدة يجعل الله بعدها فرجًا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ (^٦).
[وهكذا روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن المبارك من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة.
قال: أملى علي عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، وودعته للخروج، وأنشدها معي إلى الفضيل بن عياض في سنة سبعين ومائة، وفي رواية سنة سبع وسبعين ومائة.
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا … لعلمت أنك في العبادة تلعب
_________________
(١) = شعيب بن زريق وحديثه لا يعتبر عن عطاء الخراساني (تهذيب التهذيب ٤/ ٣٥٣)، وعطاء الخراساني صدوق كثير الأوهام كما في التقريب ص ٢٩٢، ويشهد له حديث أبي ريحانة السابق وحديث عثمان السابق. فيكون حسنًا لغيره.
(٢) كذا في المسند و(عف) و(ح) و(مح)، وفي الأصل صحف إلى: "رشدين بن علي بن رباح".
(٣) في الأصل: "حق" وهو تصحيف والتصويب كسابقه.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٣٧) وسنده ضعيف بسبب رِشدين وهو: ابن سعد المَهري ضعيف (التقريب ص ٢٠٩).
(٥) صحيح البخاري، الجهاد، باب الحراسة في الغزو (ح ٢٨٨٧).
(٦) في الأصل: "وأنا" وهو تصحيف والتصويب كسابقه.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه الإمام مالك عن زيد بن أسلم به (الموطأ، الجهاد، باب الترغيب في الجهاد ٢/ ٤٤٦) وفي سنده زيد بن أسلم لم يسمع من أبي عبيدة ولا من عمر ﵄، وأخرجه الحاكم معضولًا من طريق زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠١) وأخرجه الإمام أحمد بسند صحيح من طريق عياض الأشعري عن أبي عبيدة، وليس فيه ذكر الآية (المسند ٣٤٤).
[ ٢ / ٥٠٤ ]
من كان يخضب خده بدموعه … فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل … فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا … وهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا … قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي وغبارَ خيل الله في … أنف امرئ ودخانَ نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا … ليس الشهيد بميت لا يكذب
قال: فلقيت الفضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام، فلما قرأه ذرفت عيناه وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصحني، ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث؟ قال: قلت: نعم، قال: فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا وأملى عليّ الفضيل بن عياض: حدثنا منصور بن المعتمر عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله، علمني عملًا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله، فقال: "هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر؟ " فقال: يا رسول الله، أنا أضعف من أن أستطيع ذلك، ثم قال النبي ﷺ: "فوالذي نفسي بيده لو طُوّقْتَ ذلك ما بلغت المجاهدين في سبيل الله، أَوَما علمت أن الفرس المجاهد ليستن في طوله، فيكتب له بذلك الحسنات"] (^١) (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم وأحوالكم، كما قال النبي ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة.
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقول في قول الله ﷿: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ واتقوا الله فيما بيني وبينكم لعلكم تفلحون غدًا إذا لقيتمونى (^٣).
والحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) أخرجه البخاري من طريق ذكوان عن أبي هريرة بنحوه (الصحيح، الجهاد، باب فضل الجهاد والسير ح ٢٧٨٥).
(٢) ما بين معقوفين زيادة من الأزهرية حسب طبعة الشعب.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
[ ٢ / ٥٠٥ ]