قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية شيبان، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله ﷺ، إذ نزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدق عَضُد الناقة (^١).
وروى ابن مردويه من حديث صباح بن سهل، عن عاصم الأحول، قال: حدثتني أم عمرو، عن عمها أنه كان في مسير مع رسول الله ﷺ، فنزلت عليه سورة المائدة، فاندق عُنق الراحلة من ثقلها (^٢).
وقال أحمد أيضًا: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، قال: أنزلت على رسول الله ﷺ سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله، فنزل عنها، تفرد به أحمد (^٣).
وقد روى الترمذي عن قتيبة، عن عبد الله بن وهب، عن حُي، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة والفتح، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: آخر سورة أنزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١] [النصر] (^٤).
وقد روى الحاكم في مستدركه من طريق عبد الله بن وهب بإسناده نحو رواية الترمذي، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٥).
وقال الحاكم أيضًا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا يحيى بن نصر، قال: قرئ على عبد الله بن وهب، أخبرني معاوية بن صالح عن أبي [الزاهرية] (^٦)، عن جبير بن نفير، قال:
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤٥/ ٥٥٧ ح ٢٧٥٧٥)، وضعفه محققوه بسبب ليث وهو ابن أبي سليم وشهر بن حوشب ثم بالشواهد حكموا عليه بأنه حسن لغيره. وستأتي شواهده في الروايات التالية:
(٢) أخرجه البيهقي من طريق إبراهيم بن طهمان عن عاصم الأحول به (دلائل النبوة ٧/ ١٤٥)، ويشهد له الروايات اللاحقة.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١١/ ٢١٨ ح ٦٦٤٣)، وقال محققوه: حسن لغيره. قال السندي: وحدوث الثقل فيه ﷺ عند نزول القرآن معلوم من الأحاديث الصحاح.
(٤) أخرجه الترمذي بسنده ومتنه لكن بدون ذكر "الفتح" (السنن التفسير، باب ومن سورة المائدة ح ٣٠٦٣)، لكن في نسخة المباركفوري بذكر الفتح (تحفة الأحوذي ٨/ ٤٣٦)، والمراد بالفتح هنا أي سورة النصر، لأن سورة الفتح ليست من آخر ما نزل. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي كما سيأتي عزوه.
(٥) المستدرك ٢/ ٣١١.
(٦) كذا في (حم) و(مح) والمستدرك، وفي الأصل: "الزاهوية"، وهو تصحيف.
[ ٣ / ٢٩٣ ]
حججت فدخلت على عائشة فقالت لي: يا جبير، تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم، فقالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرموه، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، لم يخرجاه (^١)، ورواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، وزاد: وسألتها عن خُلُق رسول الله ﷺ فقالت: القرآن. ورواه النسائي من حديث ابن مهدي (^٢).
﷽
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مسعر، حدثني معن [وعوف] (^٣) أو أحدهما، أن رجلًا أتى عبد الله بن مسعود، فقال: اعهد إلي، فقال: إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فارعها سمعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه (^٤).
وقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، عن الزهري، قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ افعلوا، فالنبي ﷺ منهم (^٥).
وحدثنا أحمد بن سنان، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن خيثمة قال: كل شيء في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو في التوراة يا أيها المساكين (^٦).
فأما ما رواه عن زيد بن إسماعيل الصائغ البغدادي، حدثنا معاوية يعني ابن هشام، عن عيسى بن راشد، عن علي بن بذيمة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلا أن عليًا سيدها وشريفها وأميرها، وما من أصحاب النبي ﷺ أحد إلا قد عوتب في القرآن إلا علي بن أبي طالب، فإنه لم يعاتب في شيء منه (^٧). فهو أثر غريب، ولفظه فيه نكارة، وفي إسناده نظر.
_________________
(١) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وتصحيحه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣١١).
(٢) المسند ٦/ ١٨٨، والسنن الكبرى (ح ١١١٣٨).
(٣) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: "عوان" وهو تصحيف.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه (التفسير سورة الأنفال آية ١٥)، وسنده منقطع لأن معنا وعوفًا لم يسمعا من ابن مسعود.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم كسابقه، وسنده صحيح.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه كسابقه، وسنده صحيح.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم كسابقه. وضعفه الحافظ ابن كثير سندًا ومتنًا.
[ ٣ / ٢٩٤ ]
وقال البخاري: عيسى بن راشد هذا مجهول، وخبره منكر، قلت: وعلي بن بذيمة وإن كان ثقة إلا أنه شيعي غال، وخبره في مثل هذا فيه تهمة فلا يقبل، وقوله: فلم يبق أحد من الصحابة إلا عوتب في القرآن إلا عليًا، إنما يشير به إلى الآية الآمرة بالصدقة بين يدي النجوى، فإنه قد ذكر غير واحد أنه لم يعمل بها أحد إلا علي، ونزل قوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [المجادلة: ١٣]، وفي كون هذا عتابًا نظر، فإنه قد قيل: إن الأمر كان ندبًا لا إيجابًا، ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل، فلم يصدر من أحد منهم خلافه، وقوله: عن علي أنه لم يعاتب في شيء من القرآن فيه نظر أيضًا، فإن الآية التي في الأنفال التي فيها المعاتبة على أخذ الفداء، عمَّت جميع من أشار بأخذه ولم يسلم منها إلا عمر بن الخطاب ﵁، فعلم بهذا وبما تقدم ضعف هذا الأثر، والله أعلم.
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، حدثني يونس قال: قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم فيه "هذا بيان من الله ورسوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ فكتب الآيات منها حتى بلغ ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] " (^١).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال: هذا كتاب رسول الله ﷺ عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم، فكتب له كتابًا وعهدًا، وأمره فيه بأمره، فكتب "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ عهد من محمد رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" (^٢).
قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود العهود (^٣). وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك، قال: والعهود ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره (^٤).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ يعني: العهود، يعني: ما أحلّ الله وما حرم وما فرض وما حد في القرآن كله، ولا تغدروا ولا تنكثوا، ثم شدّد في ذلك فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ إلى قوله: ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾ (^٥) [الرعد: ٢٥].
وقال الضحاك: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال: ما أحلّ الله وحرم، وما أخذ الله من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام (^٦).
_________________
(١) أخرجه الطبرى بسنده ومتنه، وسنده مرسل.
(٢) سنده مرسل لأن أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم من صغار التابعين.
(٣) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٤) ذكره الطبري كسابقه.
(٥) أخرجه الطبري كسابقه.
(٦) يشهد له سابقه عن ابن عباس.
[ ٣ / ٢٩٥ ]
وقال زيد بن أسلم: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال: هي ستة: عهد الله، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح وعقد اليمين (^١).
وقال محمد بن كعب: هي خمسة منها حلف الجاهلية، وشركة المفاوضة (^٢). وقد استدل بعض من ذهب إلى أنه لا خيار في [مجلس] (^٣) البيع بهذه الآية ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال: فهذه تدل على لزوم العقد وثبوته فيقتضي نفي خيار المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، وخالفهما في ذلك الشافعي وأحمد والجمهور، والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (^٤) وفي لفظ آخر للبخاري "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا" (^٥) وهذا صريح في إثبات خيار المجلس المتعقب لعقد البيع، وليس هذا منافيًا للزوم العقد، بل هو من مقتضياته شرعًا، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود.
وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ هي الإبل والبقر والغنم، قاله الحسن وقتادة وغير واحد.
قال ابن جرير: وكذلك هو عند العرب، وقد استدل ابن عمر وابن عباس وغير واحد بهذه الآية على إباحة الجنين إذا وجد ميتًا في بطن أمه إذا ذبحت.
وقد ورد في ذلك حديث في السنن رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طريق مجالد، عن أبي الوداك [جبر بن نوف] (^٦)، عن أبي سعيد قال: قلنا: يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: "كلوه إن شئتم فإِن ذكاته ذكاة أُمه" وقال الترمذي: حديث حسن (^٧).
قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عتاب بن بشير، حدثنا [عبيد الله] (^٨) بن أبي زياد القداح المكي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ، قال: "ذكاة الجنين ذكاة أُمه" (^٩) تفرد به أبو داود.
_________________
(١) أخرجه الطبري من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن، ويشهد له قول ابن عباس المتقدم.
(٢) أخرجه الطبري من طريق موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب وسنده ضعيف لضعف موسى، ويشهد له قول ابن عباس المتقدم.
(٣) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وسقط من الأصل.
(٤) صحيح البخاري، البيوع، باب إذ لم يوقت الخيار هل يجوز البيع (ح ٢١٠٩).
(٥) صحيح البخاري، البيوع، باب إذ خير أحدهما (ح ٢١١٢).
(٦) كذا في (حم) والتخريج، وفي الأصل (ومح): "حُييّ بن نوف" وهو تصحيف.
(٧) سنن أبي داود، الأضاحي، باب ما جاء في ذكاة الجنين (ح ٢٨٢٧)، وسنن الترمذي، الأطعمة، باب ما جاء في ذكاة الجنين (ح ١٤٧٦)، وقال هذا حديث حسن صحيح، وسنن ابن ماجه، الذبائح، باب ذكاة الجنين ذكاة أمه (ح ٣١٩٩)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٥١).
(٨) كذا في (حم) و(مح) والتخريج وهو الصواب، وفي الأصل: "عبيد".
(٩) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (المصدر السابق ح ٢٨٢٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٥٢).
[ ٣ / ٢٩٦ ]
وقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني بذلك الميتة والدم ولحم الخنزير (^١).
وقال قتادة: يعني بذلك الميتة وما لم يذكر اسم الله عليه (^٢).
والظاهر - والله أعلم - أن المراد بذلك قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ [المائدة: ٣] فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض، ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] يعني: منها فإنه حرام لا يمكن استدراكه وتلاحقه، ولهذا قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: إلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال.
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ قال بعضهم: هذا منصوب على الحال والمراد بالأنعام ما يعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم، ويعم الوحشي كالظباء والبقر والحمر، فاستثنى من الإنسي ما تقدم، واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام.
وقيل: المراد أحللنا لكم الأنعام، إلا ما استثني منها لمن التزم تحريم الصيد، وهو حرام لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥] أي: أبحنا تناول الميتة للمضطر بشرط أن يكون غير باغ ولا متعد، وهكذا ههنا؛ أي: كما أحللنا الأنعام في جميع الأحوال فحرموا الصيد في حال الإحرام، فإن الله قد حكم بهذا، وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يعني بذلك مناسك الحج (^٣).
وقال مجاهد: الصفا والمروة، والهدي والبُدن من شعائر الله (^٤). وقيل: شعائر الله محارمه؟ أي: لا تحلوا محارم الله التي حرمها تعالى، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ يعني بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه من الابتداء بالقتال وتأكيد اجتناب المحارم، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٣٦].
وفي صحيح البخاري عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" (^٥) وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت، كما هو مذهب طائفة من السلف.
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، وسنده صحيح.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) صحيح البخاري، التفسير، سورة براءة، باب ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا …﴾ [التوبة: ٣٦] (ح ٤٦٦٢).
[ ٣ / ٢٩٧ ]
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ يعني: لا تستحلوا القتال فيه (^١)، وكذا قال مقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك الجزري، واختاره ابن جرير أيضًا.
وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] والمراد أشهر التسيير الأربعة، قالوا: فلم يستثن شهرًا حرامًا من غيره، وقد حكى الإمام أبو جعفر الإجماع على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة، قال: وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه أو ذراعيه بلحاء (^٢) جميع أشجار الحرم لم يكن ذلك له أمانًا من القتل إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان، ولهذه المسألة بحث آخر له موضع أبسط من هذا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ يعني: لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام، فإن فيه تعظيم شعائر الله، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها هدي إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، فإن من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ولهذا لما حج رسول الله ﷺ، بات بذي الحليفة وهو وادي العقيق، فلما أصبح طاف على نسائه وكن تسعًا، ثم اغتسل وتطيب وصلى ركعتين، ثم أشعر هديه وقلده، وأهل للحج والعمرة (^٣)، وكان هديه إبلًا كثيرة تنيف على الستين من أحسن الأشكال والألوان، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج] وقال بعض السلف إعظامها استحسانها واستسمانها.
قال علي بن أبي طالب: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن، رواه أهل السنن (^٤).
وقال مقاتل بن حيان: وقوله: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ فلا تستحلوها وكان أهل الجاهلية إذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم، قلدوا أنفسهم بالشعر والوبر وتقلد مشركوا الحرم من لحاء شجر الحرم فيأمنون به، رواه ابن أبي حاتم ثم قال: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا سعيد بن سليمان، قال: حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، قال: نسخ من هذه السورة آيتان آية القلائد وقوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] (^٥) وحدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا محمد بن
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) أي قشر الشجر (النهاية ٤/ ٢٤٣).
(٣) أخرجه البخاري من حديث عروة بن الزبير والمسور بن مخرمة ومروان وعائشة بنحوه (الصحيح، الحج، باب من أشعر وقلد بذي الحليفة … ح ١٦٩٤ و١٦٩٥ و١٦٩٦).
(٤) سنن أبي داود، الأضاحي، باب ما يكره من الضحايا (ح ٢٨٠٤)، وسنن الترمذي، الأضاحي، باب ما يكره من الأضاحي (ح ١٤٩٨)، وقال حسن صحيح وبين معنى نستشرف أي: ننظر صحيحًا، وسنن النسائي، كتاب الأضاحي، باب المقابلة وهي ما قطع طرف أذنها ٧/ ٢١٦، وسنن ابن ماجه، الأضاحي، باب ما يكره أن يضحى به (ح ٣١٤٣)، وقال الألباني حسن صحيح (صحيح سنن ابن ماجه ح ٢٥٤٤).
(٥) سنده صحيح، وهذه الرواية وسابقتها إلى الآية ٤٠ من هذه السورة من الجزء المفقود من تفسير ابن أبي حاتم.
[ ٣ / ٢٩٨ ]
أبي عدي، عن ابن عوف قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة شيء؟ قال: لا (^١). وقال عطاء: كانوا يتقلدون من شجر الحرم فيأمنون فنهى الله عن قطع شجره وكذا قال مطرف بن عبد الله (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ أي: ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام الذي من دخله كان آمنًا وكذا من قصده طالبًا فضل الله وراغبًا في رضوانه فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه.
قال مجاهد وعطاء وأبو العالية ومطرف بن عبد الله وعبد الله بن عبيد بن عمير والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وقتادة وغير واحد في قوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ يعني بذلك التجارة (^٣)، وهذا كما تقدم في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وقوله: ﴿وَرِضْوَانًا﴾ قال ابن عباس: يترضون الله بحجهم (^٤).
وقد ذكر عكرمة والسدي وابن جريج أن هذه الآية نزلت في الحطم بن هند البكري كان قد أغار على سرح المدينة فلما كان من العام المقبل اعتمر إلى البيت فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا عليه في طريقه إلى البيت فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ (^٥).
وقد حكى ابن جرير الإجماع على أن المشرك يجوز قتله إذا لم يكن له أمان وإن أم البيت الحرام أو بيت المقدس وأن هذا الحكم منسوخ في حقهم - والله أعلم - فأما من قصده بالإلحاد فيه والشرك عنده والكفر به فهذا يمنع، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، ولهذا بعث رسول الله ﷺ عام تسع لما أمر الصديق على الحجيج عليًا وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول الله ﷺ ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (^٦).
وقال ابن أبي طلحة: عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ يعني: من توجه قبل البيت الحرام فكان المؤمنون والمشركون يحجون فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدًا مني مؤمن أو كافر ثم أنزل الله بعدها ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ الآية [التوبة:
_________________
(١) سنده صحيح.
(٢) قول عطاء ومطرف بن عبد الله الشخير أخرجهما الطبري والسند الأول فيه ابن حميد، وهو محمد بن حميد الرازي والسند الآخر فيه سفيان بن وكيع، وكلاهما ضعيف.
(٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه، وقول مطرف بن عبد الله أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه ابن وكيع: وهو سفيان: ضعيف.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٥) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود ولقبه سُنيد: ضعيف وكذلك الإسناد معضل لأن ابن جريج من اتباع التابعين.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، تفسير سورة التوبة "باب وآذان من الله ورسوله … " (ح ٤٦٥٥).
[ ٣ / ٢٩٩ ]
٢٨]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧] وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] فنفى المشركين من المسجد الحرام (^١).
وقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ قال: منسوخ، كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من الشجر فلم يعرض له أحد، فإذا رجع تقلد قلادة من شعر فلم يعرض له أحد، وكان [المشرك] (^٢) يومئذٍ لا يُصد عن البيت، فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت فنسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٣) [التوبة: ٥].
وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ يعني: إن تقلدوا قلادة من الحرم فأمّنوهم، قال: ولم تزل العرب تعير من أخفر ذلك، قال الشاعر (^٤):
ألم تَقتلا الحِرْجين إذ أعورا لكم … يُمرَّان بالأيدي اللّحاء المضفّرا (^٥)
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ أي: إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه فقد أبحنا لكم ما كان محرمًا عليكم في حال الإحرام من الصيد وهذا أمر بعد الحظر والصحيح الذي يثبت على السير، أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإِن كان واجبًا رده واجبًا وإن كان مستحبًا فمستحب أو مباحًا فمباح، ومن قال: إنه على الوجوب ينتقض عليه بآيات كثيرة، ومن قال: إنه للإباحة يرد عليه آيات أخرى، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه، كما اختاره بعض علماء الأصول، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ من القراء من قرأ ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ بفتح الألف من أن (^٦)، ومعناها ظاهر؛ أي: لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية على أن تعتدوا حكم الله فيهم فتقتصوا منهم ظلمًا وعدوانًا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في حق كل أحد، وهذه الآية كما سيأتي من قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وتفسير عبد الرزاق، وفي الأصل: "المشركون" وهو تصحيف.
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه وسنده صحيح.
(٤) هو حذيفة بن أنس الهذلي كما صرح الأستاذ محمود شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري معتمدًا على كتاب أشعار الهذليين ٣/ ١٩.
(٥) هذا البيت استشهد به الطبري في تفسيره وبين معنى "الحرجين" أي: المقتولين، ومعنى قوله: "أعوراكم" أي: أمكناكم من عورتهما. وقال محمود شاكر: والحرج بكسر الحاء وسكون الراء، الودعة قالوا: عنى بالحرجين: رجلين أبيضين كالودعة، فإما أن يكون البياض لونهما، وإما أن يكون كنى بذلك عن شرفهما … واللحاء: قشر الشجر، والمضفر: الذي جدل ضفائر .. وذكر سبب الشعر أن جُندبًا أخو البريق بن عياض اللحياني قتل قيسًا وسالمًا ابني عامر بن عريب الكنانيين، وقتل سالم جُنْدبًا، اختلفا ضربتين. (حاشية تفسير الطبري ٩/ ٤٧٠).
(٦) هذه قراءة متواترة وكذلك قراءة "إن".
[ ٣ / ٣٠٠ ]
[المائدة: ٨] أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فإن العدل واجب على كل أحد في كل أحد في كل حال، وقال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. والعدل به قامت السموات والأرض.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سهل بن عفان، حدثنا عبد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم قال: كان رسول الله ﷺ بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت وقد اشتد ذلك عليهم فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة فقال أصحاب النبي ﷺ: نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم فأنزل الله هذه الآية (^١).
والشنآن هو البغض قاله ابن عباس وغيره (^٢). وهو مصدر من شنأته أشنؤه شنآنًا بالتحريك، مثل قولهم جمزان ودرجان ورقلان، من جمز ودرج ورقل.
وقال ابن جرير: من العرب من يسقط التحريك في ﴿شَنَآنُ﴾ فيقول: شنان، ولم أعلم أحدًا قرأ بها. ومنه قول الشاعر (^٣):
وما العيش إلا ما تحب وتشتهي … وإن لام فيه ذو الشَّنان وفنّدا
وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم، قال ابن جرير: الإثم ترك ما أمر الله بفعله والعدوان مجاوزة ما حد الله في دينكم ومجاوزة ما فرض الله عليكم في أنفسكم وفي غيركم (^٤).
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا عبيد الله بن أبي بكر [بن أنس] (^٥) عن جده أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" قيل: يا رسول الله هذا نصرته مظلومًا فكيف أنصره إذا كان ظالمًا؟ قال: "تحجزه وتمنعه من الظلم فذاك نصره" (^٦) انفرد به البخاري من حديث هشيم به نحوه (^٧)، وأخرجه من طريق ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" قيل: يا رسول الله هذا نصرته مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: "تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه".
وقال أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا سفيان بن سعيد، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من
_________________
(١) سنده ضعيف ومرسل، لأن عبد الله بن جعفر هو ابن نجيح السعدي ضعيف (التقريب ١/ ٤٠٦)، وزيد بن أسلم تابعي.
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وأخرجه أيضًا عن قتادة بسند صحيح، وأخرجه عن عبد الرحمن بن زيد بسند صحيح.
(٣) هو الأحوص بن محمد الأنصاري إذ ورد هذا البيت منسوبًا إليه في طبقات فحول الشعراء ص ٥٣٩.
(٤) ذكره الطبري بنحوه.
(٥) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: "عن أنس" وهو تصحيف.
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٩٩) وسنده صحيح.
(٧) صحيح البخاري، المظالم، باب أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا (ح ٢٤٤٤).
[ ٣ / ٣٠١ ]
الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" (^١). وقد رواه أحمد أيضًا في مسند عبد الله بن عمر، حدثنا حجاج، حدثنا شعبة عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب النبي ﷺ - قال الأعمش: هو ابن عمر - عن النبي ﷺ أنه قال: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم" وهكذا رواه الترمذي من حديث شعبة وابن ماجه من طريق إسحاق بن يوسف كلاهما عن الأعمش به (^٢).
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد أبو شيبة الكوفي، حدثنا بكر بن عبد الرحمن، حدثنا عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى، عن فضيل بن عمرو، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "الدال على الخير كفاعله" ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد (^٣).
قلت: وله شاهد في الصحيح "من دعا إلى هدىً كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا" (^٤).
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن زبريق الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي قال عياش بن مؤنس: إن أبا الحسن نمران بن مُخمر، حدثه أن أوس بن شرحبيل أحد بني المجمع حدثه أن رسول الله ﷺ قال: "من مشى مع ظالم ليعينه وهو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام" (^٥).
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾.
يخبر تعالى عباده خبرًا متضمنًا النهي عن تعاطي هذه المحرمات من الميتة، وهي ما مات من الحيوانات حتف أنفه من غير ذكاة ولا اصطياد، وما ذاك إلا لما فيها من المضرة لما فيها من
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣٦٥)، وصححه أحمد شاكر والألباني كما يلي.
(٢) أخرجه الإمام أحمد وصححه محققه أحمد شاكر (المسند ح ٥٠٢٢)، وأخرجه الترمذي (السنن، القيامة، باب ٥٥ ح ٢٥٠٧)، وابن ماجه (السنن، الفتن، باب الصبر على البلاء ح ٤٠٣٢)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ٩٣٩).
(٣) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (ح ١٥٤)، وقال الهيثمي: فيه عيسى بن المختار تفرد عنه بكر بن عبد الرحمن (مجمع الزوائد ١/ ١٦٦)، وله شاهد في صحيح مسلم كما يلي:
(٤) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، (الصحيح، كتاب العلم، باب من سن سنّة حسنة أو سيئة ح ٢٦٧٤).
(٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١/ ١٩٧)، وسنده ضعيف بسبب ضعف إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصي: صدوق يهم كثيرًا، واطلق محمد بن عوف أنه يكذب (التقريب ص ٩٩)، وقال الهيثمي: فيه عياش.
[ ٣ / ٣٠٢ ]
الدم المحتقن فهي ضارة للدين وللبدن، فلهذا حرمها الله ﷿، ويستثنى من الميتة السمك، فإِنه حلال سواء مات بتذكية أو غيرها، لما رواه مالك في موطئه، والشافعي وأحمد في مسنديهما، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في سننهم، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن ماء البحر، فقال: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" (^١)، وهكذا الجراد، لما سيأتي من الحديث.
وقوله: ﴿وَالدَّمُ﴾ يعني به المسفوح، كقوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] قاله ابن عباس وسعيد بن جبير.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب المذحجي، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو - يعني: ابن أبي قيس -، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سئل عن الطحال فقال: كلوه، فقالوا: إنه دم، فقال: إنما حرم عليكم الدم المسفوح (^٢). وكذا رواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة، قالت: إنما نهى عن الدم السافح.
وقد قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعًا، قال: قال رسول الله ﷺ: "أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان. فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال" (^٣). وكذا رواه أحمد بن حنبل وابن ماجه والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف، قال الحافظ البيهقي: ورواه إسماعيل بن أبي إدريس، عن أُسامة، وعبد الله وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن ابن عمر مرفوعًا قلت: وثلاثتهم كلهم ضعفاء، ولكن بعضهم أصلح من بعض، وقد رواه سليمان بن بلال - أحد الأثبات - عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر فوقفه بعضهم عليه، قال الحافظ أبو زرعة الرازي: وهو أصح (^٤).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا بشير بن سريج عن [أبي غالب] (^٥)، عن أبي أُمامة - وهو صُدي بن عجلان -، قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله، وأعرض عليهم شرائع الإسلام، فأتيتهم فبينما
_________________
(١) الموطأ، الطهارة، باب الطهور للوضوء ١/ ٢٢ (ح ١٢) ومسند الشافعي، (ح ٢٥)، ومسند أحمد ٢/ ٢٣٧، وسنن أبي داود، الطهارة، باب الوضوء بماء البحر (ح ٨٣)، وسنن الترمذي، الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور (ح ٦٩)، وسنن النسائي، الطهارة، باب ماء البحر ١/ ٥٠، وسنن ابن ماجه، الطهارة، باب الوضوء بماء البحر (ح ٣٨٦)، وصحيح ابن خزيمة (ح ١١١)، وترتيب صحيح ابن حبان (ح ١٢٤٣)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ١٤٠)، وصححه البخاري فيما سأله الترمذي عنه (علل الترمذي ١/ ١٣٦)، وصححه البيهقي (المعرفة ١/ ١٥٢)، والبغوي (شرح السنة ٢/ ٥٥ ح ٢٨١)، والألباني في صحيح سنن ابن ماجه.
(٢) في سنده عمرو بن أبي قيس له أوهام، وسماك في روايته عن عكرمة اضطراب ويشهد له سابقه.
(٣) أخرجه الشافعي بسنده ومتنه ترتيب مسند الشافعي، كتاب الصيد والذبائح ٢/ ١٧٣ (ح ٦٠٧)، وسنده ضعيف بسبب عبد الرحمن بن زيد بن أسلم والأصح وقفه على ابن عمر ﵄، كما سيأتي عن أبي زرعة.
(٤) ينظر العلل لابن أبي حاتم (٢/ ١٧).
(٥) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "بن غالب" وهو تصحيف.
[ ٣ / ٣٠٣ ]
نحن كذلك، إذ جاؤوا بقصعة من دم فاجتمعوا عليها يأكلونها فقالوا: هلم يا صُدي فكل، قال: قلت: ويحكم إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم فأقبلوا عليه، قالوا: وما ذاك؟ فتلوت عليهم هذه الآية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآية (^١).
ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث ابن أبي الشوارب بإسناده مثله، وزاد بعده هذا السياق قال: فجعلت أدعوهم إلى الإسلام ويأبون عليّ، فقلت: ويحكم اسقوني شربة من ماء، فإِني شديد العطش، قال: وعليّ عباءتي، فقالوا: لا، ولكن ندعك حتى تموت عطشًا، قال: فاغتممت وضربت برأسي في العباء، ونمت على الرمضاء في حر شديد، قال: فأتاني آت في منامي بقدح من زجاج لم ير الناس أحسن منه، وفيه شراب لم ير الناس ألذ منه، فأمكنني منه فشربته، فلما فرغت من شرابي استيقظت فلا والله ما عطشت، ولا عريت بعد تيك الشربة (^٢).
ورواه الحاكم في مستدركه عن علي بن حماد، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني عبد الله بن سلمة بن عياش العامري، حدثنا صدقة بن هرمز عن أبي غالب، عن أبي أمامة وذكر نحوه، وزاد بعد قوله: بعد تيك الشربة، فسمعتهم يقولون: أتاكم رجل من سراة قومكم فلم تمجعوه بمذقة، فأتوني بمذقة فقلت: لا حاجة لي فيها، إن الله أطعمني وسقاني، وأريتهم بطني، فأسلموا عن آخرهم (^٣). وما أحسن ما أنشد الأعشى في قصيدته التي ذكرها ابن إسحاق:
وإياك والميتات لا تقربنّها … ولا تأخذُن عظمًا حديدًا فتفصدا (^٤)
أي لا تفعل فعل الجاهلية، وذلك أن أحدهم كان إذا جاع يأخذ شيئًا محددًا من عظم ونحوه، فيفصد به بعيره أو حيوانًا من أي صنف كان، فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه، ولهذا حرم الله الدم على هذه الأمة، ثم قال الأعشى:
وذا النُصب المنصوبَ لا تأتينّه … ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا (^٥)
وقوله: ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ يعني: إنسيه ووحشيه، واللحم يعمّ جميع أجزائه حتى الشحم، ولا يحتاج إلى تحذلق الظاهرية في جمودهم ههنا، وتعسفهم في الاحتجاج بقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ يعنون قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير حتى يعم جميع أجزائه، وهذا بعيد من حيث اللغة، فإنه لا يعود الضمير إلا إلى المضاف دون المضاف إليه، والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء كما هو المفهوم من لغة العرب، ومن العرف المطرد.
وفي صحيح مسلم عن بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "من لعب بالنردشير، فكأنما صبغ يده في لحم الخنزير ودمه" (^٦) فإذا كان هذا التنفير لمجرد ملابسته
_________________
(١) في سنده بشير بن سريح ضعفه الهيثمي (مجمع الزوائد ٩/ ٣٨٩)، وفيه أيضًا أبو غالب صاحب أبي أمامة صدوق يخطئ (التقريب ٢/ ٤٦٠)، ولم يتابع فسنده ضعيف.
(٢) حكمه كسابقه.
(٣) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه وتعقبه الذهبي بأنّ صدقة بن هرمز ضعفه ابن معين (المستدرك ٣/ ٦٤١).
(٤) سيرة ابن هشام ١/ ٣٨٦.
(٥) سيرة ابن هشام ١/ ٣٨٧.
(٦) صحيح مسلم، الشعر، باب تحريم اللعب بالنردشير (ح ٢٢٦٠).
[ ٣ / ٣٠٤ ]
بالمسّ، فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد على أكله والتغذي به، وفيه دلالة على شمول اللحم لجميع الأجزاء من الشحم وغيره؟ وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا، هو حرام" (^١). وفي صحيح البخاري من حديث أبي سفيان أنه قال لهرقل ملك الروم: نهانا عن الميتة والدم.
وقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي: ما ذبح فذكر عليه اسم غير الله فهو حرام لأن الله تعالى أوجب أن تذبح مخلوقاته على اسمه العظيم، فمتى عدل بها عن ذلك وذكر عليها اسم غيره من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر المخلوقات فإنها حرام بالإجماع. وإنما اختلف العلماء في متروك التسمية إما عمدًا أو نسيانًا كما سيأتي تقريره في سورة الأنعام (^٢).
وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل قال: نزل آدم بتحريم أربع ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، وإن هذه الأربعة الأشياء لم تحل قط، ولم تزل حرامًا منذ خلق الله السموات والأرض، فلما كانت بنو إسرائيل حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم بذنوبهم، فلما بعث الله عيسى ابن مريم ﵇ نزل بالأمر الأول الذي جاء به آدم وأحل لهم ما سوى ذلك، فكذبوه وعصوه (^٣). وهذا أثر غريب.
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا ربعي، عن عبد الله، قال: سمعت الجارود بن أبي سبرة، قال: هو جدي، قال: كان رجل من بني رباح يقال له ابن وثيل، وكان شاعرًا، نافرًا (^٤) - غالبًا - أبا الفرزدق بماء بظهر الكوفة على أن يعقر هذا مائة من إبله وهذا مائة من إبله إذا وردت الماء، فلما وردت الماء قاما إليها بسيفيهما فجعلا يكسفان (^٥) عراقيبها، قال: فخرج الناس على الحمرات والبغال يريدون اللحم، قال: وعلي بالكوفة، قال: فخرج علي على بلغة رسول الله ﷺ البيضاء وهو ينادي: يا أيها الناس لا تأكلوا من لحومها، فإنها أهل بها لغير الله (^٦).
هذا أثر غريب، ويشهد له بالصحة ما رواه أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا حماد بن [مسعدة] (^٧) عن عوف، عن أبي ريحانة، عن ابن عباس، قال: نهى رسول الله ﷺ عن معاقرة الأعراب، ثم قال أبو داود: محمد بن جعفر: هو غندر، أوقفه على ابن عباس (^٨)، تفرد به أبو داود.
_________________
(١) صحيح البخاري، البيوع، باب بيع الميتة والأصنام (ح ٢٢٣٦)، وصحيح مسلم، البيوع، باب تحريم بيع الخمر والميتة … (ح ١٥٨١).
(٢) آية ١٢١.
(٣) في سنده نعيم بن حماد صدوق يخطئ كثيرًا ولم يتابع، فسنده ضعيف.
(٤) نافر أي: فاخر.
(٥) يكسفان أي: يقطعان.
(٦) سنده حسن.
(٧) كذا في (حم) و(مح) وسنن أبي داود، وفي الأصل: "سعد" وهو تصحيف.
(٨) سنن أبي داود، الأضاحي، باب ما جاء في أكل معاقرة الأعراب (ح. ٢٨٢)، وقال الألباني: حسن صحيح، (صحيح سنن أبي داود ح ٢٤٤٦).
[ ٣ / ٣٠٥ ]
وقال أبو داود أيضًا: حدثنا هارون بن زيد بن أبي [الزرقاء] (^١)، حدثنا أبي، حدثنا جرير بن حازم، عن الزبير بن حريث، قال: سمعت عكرمة يقول: إن رسول الله ﷺ نهى عن طعام المتباريين أن يؤكل، ثم قال أبو داود: أكثر من رواه عن جرير لا يذكر فيه ابن عباس (^٢)، تفرد به أيضًا.
قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ وهي التي تموت بالخنق، إما قصدًا وإما اتفاقًا بأن تتخبل في وثاقتها، فتموت به فهي حرام، وأما (الموقوذة) فهي التي تضرب بشيء ثقيل غير محدد حتى تموت، كما قال ابن عباس وغير واحد: هي التي تضرب بالخشبة حتى يوقذها فتموت (^٣).
قال قتادة: كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصي حتى إذا ماتت أكلوها (^٤).
وفي الصحيح أن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، قال: "إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصاب بعرضه فإنما هو وقيذ فلا تأكله" (^٥) ففرق بين ما أصابه بالسهم أو بالمعراض ونحوه بحده، فأحله، وما أصاب بعرضه فجعله وقيذًا لم يحله، وهذا مجمع عليه عند الفقهاء.
واختلفوا فيما إذا صدم الجارحة الصيد فقتله بثقله، ولم يجرحه على قولين، هما قولان للشافعي ﵁:
(أحدهما): لا يحل كما في السهم والجامع أن كلًا منها ميت بغير جرح فهو وقيذ.
(والثاني): إنه يحل لأنه حكم بإباحة ما صاده الكلب ولم يستفصل، فدل على إباحة ما ذكرناه، لأنه قد دخل في العموم، [وقد قررت لهذه المسألة فصلًا فليكتب ههنا] (^٦).
فصل: اختلف العلماء رحمهم الله تعالى فيما إذا أرسل كلبًا على صيد فقتله بثقله ولم يجرحه، أو صدمه: هل يحل أم لا؟ على قولين:
(أحدهما): أن ذلك حلال لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، وكذا عمومات حديث عدي بن حاتم، وهذا قول حكاه الأصحاب عن الشافعي ﵀، وصححه بعض المتأخرين منهم كالنووي والرافعي.
(قلت): وليس ذلك بظاهر من كلام الشافعي في الأم والمختصر، فإنه قال في كلا الموضعين: يحتمل معنيين، ثم وجه كلًا منهما فحمل ذلك الأصحاب منه، فأطلقوا في المسألة قولين عنه، اللهم إلا أنه في بحثه حكايته للقول بالحلّ رشحه قليلًا، ولم يصرح بواحد منهما،
_________________
(١) كذا في (حم) و(مح) وسنن أبي داود، وفي الأصل: "الرقاشي" وهو تصحيف.
(٢) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأطعمة، باب في طعام المتباريين ح ٣٧٥٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣١٩٣).
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق شعبة عن قتادة.
(٥) صحيح البخاري، البيوع، باب تفسير المشبهات (ح ٢٠٥٤)، وصحيح مسلم، الصيد، باب الصيد بالكلاب المعلمه (ح ١٩٢٩).
(٦) زيادة من (حم).
[ ٣ / ٣٠٦ ]
ولا جزم به، والقول بذلك - أعني الحلّ - نقله ابن الصباغ عن أبي حنيفة من رواية الحسن بن زياد عنه، ولم يذكر غير ذلك. وأما أبو جعفر بن جرير فحكاه في تفسيره عن سلمان الفارسي وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وابن عمر، وهذا غريب جدًّا، وليس يوجد ذلك مصرحًا به عنهم، إلا أنه من تصرفه ﵀ ورضي عنه.
(والقول الثاني): أن ذلك لا يحل، وهو أحد القولين عن الشافعي ﵀ واختاره المزني، ويظهر من كلام ابن الصباغ ترجيحه أيضًا، والله أعلم. ورواه أبو يوسف ومحمد عن أبي حنيفة، وهو المشهور عن الإمام أحمد بن حنبل ﵁، وهذا القول أشبه بالصواب، والله أعلم، لأنه أجرى على القواعد الأصولية وأمشى على الأصول الشرعية، واحتج ابن الصباغ له بحديث رافع بن خديج، قلت: يا رسول الله، إنا ملاقوا العدو غدًا، وليس معنا مُدى، أفنذبح بالقصب؟ قال: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه" الحديث بتمامه (^١)، وهو في الصحيحين. وهذا وإن كان واردًا على سبب خاص، فالعبرة بعموم اللفظ عند جمهور من العلماء في الأصول والفروع، كما سئل ﵇ عن البتع - وهو نبيذ العسل -، فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام" (^٢)، أفيقول فقيه: إن هذا اللفظ مخصوص بشراب العسل، [وهكذا] (^٣) هذا، كما سألوه عن شيء من الذكاة، فقال لهم كلامًا عامًا يشمل ذاك المسؤول عنه وغيره لأنه ﵇ كان قد أوتي جوامع الكلم، إذا تقرر هذا، فما صدمه الكلب أو غمّه بثقله ليس مما أنهر دمه، فلا يحل لمفهوم هذا الحديث، فإن قيل: هذا الحديث ليس من هذا القبيل بشيء، لأنهم إنما سألوه عن الآلة التي يذكى بها، ولم يسألوه عن الشيء الذي يذكى، ولهذا استثنى من ذلك السن والظفر حيث قال: "ليس السن والظفر وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبشة" (^٤) والمستثنى يدل على جنس المستثنى منه، وإلا لم يكن متصلًا، فدل على أن المسؤول عنه هو الآلة، فلا يبقى فيه دلالة لما ذكرتم، فالجواب عن هذا بأن في الكلام ما يشكل عليكم أيضًا، حيث يقول: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه"، ولم يقل: فاذبحوا به، فهذا يؤخذ منه الحكمان معًا، يؤخذ حكم الآلة التي يذكى بها، وحكم المُذكى وأنه لا بدّ من إنهار دمه بآلة ليست سنًا ولا ظفرًا، هذا مسلك.
(والمسلك الثاني): طريقة المزني، وهي أن السهم جاء التصريح فيه بأنه إن قتل بعرضه فلا تأكل، وإن خزق فكل، والكلب جاء مطلقًا، فيحمل على ما قيد هناك من الخَزق لأنهما اشتركا في الموجب وهو الصيد فيجب الحمل هنا وإن اختلف السبب كما وجب حمل مطلق الإعتاق في الظهار على تقييده بالإيمان في القتل، بل هذا أولى، وهذا يتوجه له على من يسلّم له أصل هذه
_________________
(١) صحيح البخاري، الشركة، باب قسمة الغنم (ح ٢٤٨٨)، وصحيح مسلم، الأضاحي، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم … (ح ١٩٦٨).
(٢) صحيح البخاري، الوضوء، باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر (ح ٢٤٢)، وصحيح مسلم، الأشربة، باب بيان إن كل مسكر خمر … (ح ٢٠٠١).
(٣) زيادة من (حم).
(٤) هذا الحديث تتمة لحديث رافع المذكور قبل الحديث السابق.
[ ٣ / ٣٠٧ ]
القاعدة من حيث هي، وليس فيها خلاف بين الأصحاب قاطبة، فلا بدّ لهم من جواب عن هذا، وله أن يقول: هذا قتله الكلب بثقله، فلم يحل قياسًا على ما قتله السهم بعرضه، والجامع أن كلًا منهما آلة للصيد، وقد مات بثقله فيهما، ولا يعارض ذلك بعموم الآية، لأن القياس مقدم على العموم، كما هو مذهب الأئمة الأربعة والجمهور، وهذا مسلك حسن أيضًا.
(مسلك آخر): وهو أن قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] عام فيما قتلن بجرح أو غيره، لكن هذا المقتول على هذه الصورة المتنازع فيها لا يخلو إما أن يكون نطيحًا أو في حكمه، أو منخنقًا أو في حكمه، وأيًا ما كان، فيجب تقديم هذه الآية على تلك الوجوه:
(أحدها): أن الشارع قد اعتبر حكم هذه الآية حالة الصيد حيث يقول لعدي بن حاتم: "وإن أصابه بعرضه، فإنما هو وقيذ فلا تأكله" (^١)، ولم نعلم أحدًا من العلماء فصلَ بين حكم وحكم من هذه الآية، فقال: إن الوقيذ معتبر حالة الصيد، والنطيح ليس معتبرًا، فيكون القول بحل المتنازع فيه خرقًا للإجماع لا قائل به، وهو محظور عند كثير من العلماء.
(الثماني): أن تلك الآية ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] ليست على عمومها بالإجماع بل مخصوصة بما [صدْن] (^٢) من الحيوان المأكول، وخرج من عموم لفظها الحيوان غير المأكول بالاتفاق، والعموم المحفوظ مقدم على غير المحفوظ.
(المسلك الآخر): أن هذا الصيد والحالة هذه في حكم الميتة سواء، لأنه قد احتقن فيه الدماء وما يتبعها من الرطوبات، فلا تحل قياسًا على الميتة.
(المسلك الآخر): أن آية التحريم، أعني قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ …﴾ إلى آخرها، محكمة لم يدخلها نسخ ولا تخصيص وكذا ينبغي أن تكون آية التحليل محكمة، أعني قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية [المائدة: ٤]، فينبغي أن لا يكون بينهما تعارض أصلًا، وتكون السنة جاءت لبيان ذلك، وشاهد ذلك قصة السهم، فإِنه ذكر حكم ما دخل في هذه الآية، وهو ما إذا خزقه المعراض فيكون حلالًا، لأنه من الطيبات، وما دخل في حكم تلك الآية، آية التحريم، وهو ما إذا أصابه بعرض فلا يؤكل، لأنه وقيذ، فيكون أحد أفراد آية التحريم، وهكذا يجب أن يكون حكم هذا سواء إن كان قد جرحه الكلب، فهو داخل في حكم آية التحليل، وإن لم يجرحه بل صدمه أو قتله بثقله، فهو نطيح أو في حكمه، فلا يكون حلالًا.
(فإِن قيل): فلم لا فصّل في حكم الكلب، فقال: ما ذكرتم إن جرحه فهو حلال، وإن لم يجرحه فهو حرام.
فالجواب: أن ذلك نادر، لأن من شأن الكلب أن يقتل بظفره أو نابه أو بهما معًا، وأما اصطدامه هو والصيد فنادر، وكذا قتله إياه بثقله، فلم يحتج إلى الاحتراز من ذلك لندوره أو لظهور حكمه عند من علم تحريم الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة. وأما السهم والمعراض فتارة يخطئ لسوء رمي راميه، أو للهو أو لنحو ذلك، بل خطؤه أكثر من إصابته،
_________________
(١) تقدم عزوه في الصحيح في تفسير "الموقوذة" من هذه الآية.
(٢) كذا في (مح) وفي الأصل: "صدر"، وفي (حم): "صرق".
[ ٣ / ٣٠٨ ]
فلهذا ذكر كلًا من حكميه مفصلًا، والله أعلم، ولهذا لما كان الكلب، من شأنه أنه قد يأكل من الصيد ذكر حكم ما إذا أكل من الصيد فقال: "إن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه" (^١) وهذا صحيح ثابت في الصحيحين، وهو أيضًا مخصوص من عموم آية التحليل عند كثيرين، فقالوا: لا يحل ما أكل منه الكلب، حكي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس، وبه قال الحسن والشعبي والنخعي: وإليه ذهب أبو حنيفة وصاحباه، وأحمد بن حنبل والشافعي في المشهور عنه.
وروى ابن جرير في تفسيره عن علي وسعيد وسلمان وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس: إن الصيد يؤكل وإن أكل منه الكلب، حتى قال سعيد وسلمان وأبو هريرة وغيرهم: يؤكل ولو لم يبق منه إلا بضعة (^٢)، وإلى ذلك ذهب مالك والشافعي في قوله القديم، وأومأ في الجديد إلى قولين، قال ذلك الإمام أبو نصر بن الصباغ وغيره من الأصحاب عنه.
وقد روى أبو داود بإسناد جيد قوي عن أبي ثعلبة الخشني عن رسول الله ﷺ أنه قال في صيد الكلب: "إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله، فكل وإن أكل منه وكل ما ردت عليك يدك" (^٣) ورواه أيضًا النسائي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أن أعرابيًا يقال له أبو ثعلبة قال: يا رسول الله، فذكر نحوه (^٤).
وقال محمد بن جرير في تفسيره: حدثنا عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا عبد العزيز بن موسى هو: اللاحوني، حدثنا محمد بن دينار هو: الطاحي، عن أبي إياس وهو معاوية بن قرة، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا أرسل الرجل كلبه على الصيد فأدركه وقد أكل منه، فليأكل ما بقي" (^٥) ثم إن ابن جرير علله بأنه قد رواه قتادة وغيره عن سعيد بن المسيب، عن سلمان موقوفًا.
وأما الجمهور فقدّموا حديث عدي على ذلك، وراموا تضعيف حديث أبي ثعلبة وغيره، وقد حمله بعض العلماء على أنه إن أكل بعد ما انتظر صاحبه فطال عليه الفصل ولم يجئ، فأكل منه لجوعه ونحوه فإنه لا بأس بذلك، لأنه والحالة هذه لا يخشى أنه إنما أمسك على نفسه بخلاف ما إذا أكل منه أول وهلة، فإنه يظهر منه أنه أمسك على نفسه، والله أعلم.
فأما الجوارح من الطيور فنص الشافعي على أنها كالكلب، فيحرم ما أكلت منه عند الجمهور، ولا يحرم عند الآخرين، واختار المزني من أصحابنا أنه لا يحرم أكل ما أكلت منه الطيور والجوارح، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، قالوا: لأنه لا يمكن تعليمها كما يعلم الكلب بالضرب ونحوه، وأيضًا فإنها لا تعلم إلا بأكلها من الصيد فيعفى عن ذلك، وأيضًا فالنص إنما
_________________
(١) تتمة حديث عدي بن حاتم وقد تقدم عزوه في تفسير "الموقوذة" من هذه الآية.
(٢) سيأتي تخريج هذه الآثار في الآية ٤ من هذه السورة بعنوان: ذكر الآثار بذلك.
(٣) سنن أبي داود، الصيد، باب في الصيد (ح ٢٨٥٢)، وحكم عليه الحافظ بأنّ إسناده جيد قوي.
(٤) سنن النسائي، الصيد، باب الرخصة في ثمن كلب الصيد ٧/ ١٩١، وسنده حسن.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه محمد بن دينار الطاحي: صدوق سيء الحفظ كما في التقريب، ولعله هو الذي رفع الحديث.
[ ٣ / ٣٠٩ ]
ورد في الكلب لا في الطير. وقال الشيخ أبو علي في "الإفصاح": إذا قلنا: يحرم ما أكل منه الكلب، ففي تحريم ما أكل منه الطير وجهان، وأنكر القاضي أبو الطيب هذا التفريع والترتيب لنص الشافعي ﵀، على [التسوية] (^١) بينهما، والله ﷾ أعلم.
وأما المتردّية: فهي التي تقع من شاهق أو موضع عال، فتموت بذلك، فلا تحل.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: المتردّية التي تسقط من جبل (^٢).
وقال قتادة: هي التي تتردى في بئر (^٣).
وقال السدي: هي التي تقع من جبل أو تتردى في بئر (^٤).
وأما النطيحة: فهي التي ماتت بسبب نطح غيرها لها، فهي حرام وإن جرحها القرن وخرج منها الدم ولو من مذبحها، والنطيحة فعيلة بمعنى مفعولة؛ أي: منطوحة، وأكثر ما ترد هذه البنية في كلام العرب بدون تاء التأنيث، فيقولون: عين كحيل، وكف خضيب، ولا يقولون: كف خضيبة، ولا عين كحيلة، وأما هذه فقال بعض النحاة: إنما استعمل فيها تاء التأنيث، لأنها أجريت مجرى الأسماء كما في قولهم: طريقة طويلة، وقال بعضهم: إنما أتي بتاء التأنيث فيها لتدل على التأنيث من أول وهلة بخلاف عين كحيل وكف خضيب لأن التأنيث مستفاد من أول الكلام.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ أي: ما عدا عليها أسد أو فهد أو نمر أو ذئب أو كلب، فأكل بعضها فماتت بذلك، فهي حرام وإن كان قد سال منها الدم ولو من مذبحها، فلا تحل بالإجماع، وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة أو البعير أو البقرة أو نحو ذلك، فحرم الله ذلك على المؤمنين.
وقوله: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ عائد على ما يمكن عوده عليه مما انعقد سبب موته، فأمكن تداركه بذكاة وفيه حياة مستقرة، وذلك إنما يعود على قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ يقول: إلا ما ذبحتم من هؤلاء وفيه روح فكلوه، فهو ذكي (^٥)، وكذا روي عن سعيد بن جبير والحسن البصري والسدي.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي في الآية قال: إن مصعت بذنبها أو ركضت برجلها أو طرفت بعينها، فكل (^٦).
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم: حدثنا الحسين، حدثنا هشيم وعباد، قالا: حدثنا حجاج،
_________________
(١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "السوية".
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ: "التي تتردى من الجبل".
(٣) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة به نحوه.
(٦) سنده حسن.
[ ٣ / ٣١٠ ]
عن حصين، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردّية والنطيحة، وهي تحرك يدًا أو رجلًا فكلها (^١). وهكذا [روي] (^٢) عن طاوس والحسن وقتادة وعبيد بن عمير والضحاك وغير واحد: أن المذكاة متى تحركت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح، فهي حلال (^٣)، وهذا مذهب جمهور الفقهاء، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل.
قال ابن وهب: سئل مالك عن الشاة التي يخرق جوفها السبع حتى تخرج أمعاؤها، فقال مالك: لا أرى أن تذكى أي شيء يذكى منها (^٤)؟
وقال أشهب: سئل مالك عن الضبع يعدو على الكبش فيدقّ ظهره، أترى أن يذكى قبل أن يموت فيؤكل؟ فقال: إن كان قد بلغ السُّحْرة فلا أرى أن يؤكل، وإن كان أصاب أطرافه فلا أرى بذلك بأسًا، قيل له: وثب عليه فدقّ ظهره؟ فقال: لا يعجبني هذا لا يعيش منه. قيل له: فالذئب يعدو على الشاة فيثقب بطنها ولا يثقب الأمعاء؟ فقال: إذا شق بطنها فلا أرى أن تؤكل (^٥).
هذا مذهب مالك ﵀. وظاهر الآية عام فيما استثناه مالك ﵀ من الصورة التي بلغ الحيوان فيها إلى حالة لا يعيش بعدها فيحتاج إلى دليل مخصص للآية، والله أعلم.
وفي الصحيحين عن رافع بن خديج أنه قال: قلت: يا رسول الله، إنا لاقو العدو غدًا وليس معنا مُدى، أفنذبح بالقصب؟ فقال: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوه، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة" (^٦).
وفي الحديث الذي رواه الدارقطني مرفوعًا، وفيه نظر، وروي عن عمر موقوفًا وهو أصح "ألا إن الذكاة في الحلق واللّبّة، ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق" (^٧).
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من رواية حماد بن سلمة، عن أبي العشراء الدارمي، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا من اللّبّة والحلق؟ فقال: "لو
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن حزم من طريق هشيم به (المحلى ٨/ ١٩٤)، وفي سنديهما الحارث وهو: الأعور الهمداني تُكلم فيه وكذبه الشعبي كما في التقريب. وقد توبع كما في الرواية السابقة.
(٢) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "رواه".
(٣) قول طاوس أخرجه عبد الرزاق عن ابن طاوس عن طاوس به (المصنف رقم ٨٦٣٣)، وقول قتادة أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه في تفسير ومصنفه رقم (٨٦٣٥)، وقول الحسن أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن ابن فضيل عن أشعث عنه (كما في التمهيد لابن عبد البر ٥/ ١٤٩)، وقول عبيد بن عمير أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن ابن جريج عن أبي الزبير عنه (المصنف رقم ٨٦٣٨)، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند فيه شيخه لم يسم، وأخرجه ابن أبي شيبة موصولًا لكن فيه جويبر: متروك.
(٤) أخرجه الطبري عن يونس عن ابن وهب به وسنده صحيح.
(٥) أخرجه الطبري عن يونس عن أشهب به وسنده صحيح.
(٦) تقدم تخريجه في تفسير هذه الآية.
(٧) أخرجه الدارقطني بسند فيه سعيد بن سلام العطار ضعيف ومتهم (لسان الميزان ٣/ ٣٧)، وقد أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح عن ابن عباس نحوه (فتح الباري ٩/ ٦٤١).
[ ٣ / ٣١١ ]
طعنت في فخذها لأجزأ عنك" (^١)، وهو حديث صحيح (^٢)، ولكنه محمول على ما لا يقدر على ذبحه في الحلق واللبة.
وقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ قال مجاهد وابن جريج: كانت النصب حجارة حول الكعبة (^٣)، قال ابن جريج: وهي ثلاثمائة وستون نصبًا، كانت العرب في جاهليتها يذبحون عندها، وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح، ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب (^٤)، وكذا ذكره غير واحد، فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله لما في الذبح عند النصب من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، وينبغي أن يحمل هذا على هذا، لأنه قد تقدم تحريم ما أهل به لغير الله.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ أي: حرّم عليكم أيها المؤمنون الاستقسام بالأزلام، واحدها زلم وقد تفتح الزاي، فيقال: زلم، وقد كانت العرب في جاهليتها يتعاطون ذلك، وهي عبارة عن قداح ثلاثة، على أحدها مكتوب: افعل، وعلى الآخر: لا تفعل، والثالث غفل ليس عليه شيء، ومن الناس من قال: مكتوب على الواحد: أمرني ربي، وعلى الآخر: نهاني ربي، والثالث غفل ليس عليه شيء، فإذا أجالها فطلع سهم الأمر فعله، أو النهي تركه، وإن طلع الفارغ أعاد، والاستقسام مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام، هكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير (^٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا الحجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ قال: والأزلام قداح كانوا يستقسمون بها في الأمور (^٦). وكذا روي عن مجاهد وإبراهيم النخعي والحسن البصري ومقاتل بن حيان (^٧).
وقال ابن عباس: هي قداح كانوا يستقسمون بها الأمور (^٨).
وذكر محمد بن إسحاق وغيره: إن أعظم أصنام قريش صنم كان يقال له: هُبل منصوب على
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد عن وكيع عن حماد بن سلمة به، وضعفه محققوه بسبب جهالة أبي العشراء وأبيه (المسند ٣١/ ٢٧٨ ح ١٨٩٤٧).
(٢) قال أبو داود: وهذا في السنن "لا يصلح" إلا في المتردية والمتوحش (السنن، الأضاحي، باب ما جاء في ذبيحة المتردية ح ٢٨٢٥)، بعد الحديث مباشرة. وقال الحافظ ابن حجر: من قواه حمله على الوحش والمتوحش (الفتح ٩/ ٦٤١).
(٣) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٤) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو ابن داود الملقب بسنيد ضعيف.
(٥) ذكره الطبري عند هذه الآية، وقد أخرجه بنحوه من طريق عباد بن راشد عن الحسن البصري، وسنده حسن.
(٦) سنده ضعيف بسبب الانقطاع بين عطاء الخراساني وابن عباس ويشهد له سابقه ولاحقه.
(٧) قول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن البصري تقدم.
(٨) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
[ ٣ / ٣١٢ ]
بئر داخل الكعبة، فيها توضع الهدايا، وأموال الكعبة فيه، وكان عنده سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه مما أشكل عليهم، فما خرج لهم منها رجعوا إليه ولم يعدلوا عنه (^١).
وثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ لما دخل الكعبة، وجد إبراهيم وإسماعيل مصورين فيها، وفي أيديهما الأزلام فقال: "قاتلهم الله لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدًا" (^٢).
وفي الصحيح: أن سراقة بن مالك بن جعشم، لما خرج في طلب النبي ﷺ وأبي بكر، وهما ذاهبان إلى المدينة مهاجرين، قال: فاستقسمت بالأزلام، هل أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره لا تضرهم. قال: فعصيت الأزلام واتبعتهم، ثم إنه استقسم بها ثانية وثالثة، كل ذلك يخرج الذي يكره لا تضرهم، وكان كذلك، وكان سراقة لم يُسلم إذ ذاك ثم أسلم بعد ذلك (^٣).
وروى ابن مردويه من طريق إبراهيم بن يزيد، عن رقبة، عن عبد الملك بن عمير، عن رجاء بن حيوة، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: "لن يلج الدرجات من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر طائرًا" (^٤).
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ قال: هي سهام العرب، وكعاب فارس والروم، كانوا يتقامرون (^٥). وهذا الذي ذكر عن مجاهد في الأزلام أنها موضوعة للقمار، فيه نظر، اللهم إلا أن يقال: إنهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة وفي القمار أخرى، والله أعلم. فإن الله سبحانه قد قرن بينها وبين القمار وهو الميسر فقال في آخر السورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة] وهكذا قال ههنا: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ أي: تعاطيه فسق وغي وضلالة وجهالة وشرك.
وقد أمر الله المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه بأن يعبدوه ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه. كما روى الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن من طريق عبد الرحمن بن أبي الموالي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول: "إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويسميه باسمه - خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: عاجل أمري وآجله - فاقدره لي، وشره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ١٦٨.
(٢) صحيح البخاري، كتاب الحج، باب من كبَّر في نواحي الكعبة (ح ١٦٠١).
(٣) صحيح البخاري، مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ … (ح ٣٩٠٦).
(٤) سنده ضعيف لضعف إبراهيم بن يزيد (الجرح والتعديل ٢/ ١٤٥)، وعدم سماع رجاء من أبي الدرداء (فتح الباري ١٠/ ٢١٣).
(٥) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد.
[ ٣ / ٣١٣ ]
ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفني عنه، واصرفه عني، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به" (^١) لفظ أحمد، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي الموالي.
وقوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني: يئسوا أن يراجعوا دينهم (^٢)، وكذا روي عن عطاء بن أبي رباح والسدي ومقاتل بن حيان (^٣)، وعلى هذا المعنى يورد الحديث الثابت في الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم" (^٤)، ويحتمل أن يكون المراد أنهم يئسوا من مشابهة المسلمين لما تميز به المسلمون من هذه الصفات المخالفة للشرك وأهله، ولهذا قال تعالى آمرًا لعباده المؤمنين أن يصبروا ويثبتوا في مخالفة الكفار ولا يخافوا أحدًا إلا الله، فقال: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ أي: لا تخافوهم في مخالفتكم إياهم، واخشوني أنصركم عليهم وأبيدهم، وأظفركم بها، وأشف صدوركم منهم، وأجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] أي: صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل لهم الدين، تمت عليهم النعمة، ولهذا قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ أي: فارضوه أنتم لأنفسكم، فإنه الدين الذي أحبه الله ورضيه، وبعث به أفضل الرسل الكرام، وأنزل به أشرف كتبه.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وهو الإسلام، أخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدًا (^٥).
وقال أسباط، عن السدي: نزلت هذه الآية يوم عرفة، ولم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ورجع رسول الله ﷺ فمات قالت أسماء بنت عميس: حججت مع رسول الله ﷺ تلك الحجة فبينما نحن نسير إذ تجلّى له جبريل، فمال رسول الله ﷺ على الراحلة، فلم تطق الراحلة من ثقل
_________________
(١) مسند الإمام أحمد ٣/ ٣٤٤، وصحيح البخاري، التهجد، باب ما جاء في المتطوع مثنى مثنى (ح ١١٦٢)، وسنن الترمذي، أبواب الصلاة، باب في صلاة الاستخارة (ح ٤٨٠).
(٢) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عن ابن عباس بنحوه.
(٣) قول عطاء أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو بن داود الملقب بسُنيد: ضعيف، ويتقوى بسابقه ولاحقه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٤) أخرجه مسلم من حديث جابر ﵁ (الصحيح، صفات المنافقين، باب تحريش الشيطان … ح ٢٨١٢).
(٥) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
[ ٣ / ٣١٤ ]
ما عليها من القرآن، فبركت، فأتيته فسجيّت عليه بردًا كان عليّ (^١).
وقال ابن جريج وغير واحد: مات رسول الله ﷺ بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يومًا، رواهما ابن جرير (^٢)، ثم قال:
حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن فضيل، عن هارون بن [عنترة]، عن (^٣) أبيه، قال: لما نزلت ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وذلك يوم الحج الأكبر، بكى عمر، فقال له النبي ﷺ: "ما يبكيك؟ " قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا أكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، فقال: "صدقت" (^٤).
ويشهد لهذا المعنى الحديث الثابت "إن الإسلام بدأ غريبًا، وسيعود غريبًا، فطوبى للغرباء" (^٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو العميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، إنكم تقرؤون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: وأي آية؟ قال: قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله ﷺ، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله ﷺ: عشية عرفة في يوم جمعة (^٦). ورواه البخاري عن الحسن بن الصباح عن جعفر بن عون به. ورواه أيضًا مسلم والترمذي والنسائي أيضًا من طرق عن قيس بن مسلم به (^٧). ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية من طريق سفيان الثوري، عن قيس، عن طارق قال: قالت اليهود لعمر: والله إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذناها عيدًا. فقال عمر: إني لأعلم حين أنزلت، وأين أنزلت، وأين رسول الله ﷺ حيث أنزلت: يوم عرفة، وأنا والله بعرفة، قال سفيان: وأشك، كان يوم الجمعة أم لا ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية (^٨).
وشك سفيان ﵀ إن كان في الرواية، فهو تورع حيث شك هل أخبره شيخه بذلك أم لا، وإن كان شكًا في كون الوقوف في حجة الوداع كان يوم جمعة، فهذا ما أخاله يصدر عن الثوري ﵀، فإن هذا أمر معلوم مقطوع به، لم يختلف فيه أحد من أصحاب المغازي والسير، ولا من الفقهاء وقد وردت في ذلك أحاديث متواترة [لا يُشك] (^٩) في صحتها، والله أعلم، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن عمر.
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لأن السدي لم يسمع من أسماء بنت عميس ﵂.
(٢) أخرجه الطبري بسند فيه الحسين وهو بن داود ضعيف والإسناد معضل.
(٣) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: "غيره" وهو تصحيف.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف سفيان.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا (ح ١٤٦).
(٦) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ١٨٨) وسنده صحيح.
(٧) صحيح البخاري، الاعتصام بالكتاب والسنة (ح ٧٢٦٨)، وصحيح مسلم، التفسير (ح ٣٠١٧).
(٨) صحيح البخاري، التفسير، باب قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] (ح ٤٦٠٦).
(٩) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "لا أشك".
[ ٣ / ٣١٥ ]
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا رجاء بن أبي سلمة، أخبرنا عبادة بن نسي، أخبرنا أميرنا إسحاق، قال أبو جعفر بن جرير - وهو إسحاق بن خرشة - عن قبيصة يعني: ابن ذؤيب، قال: قال كعب: لو أن غير هذه الأُمة نزلت عليهم هذه الآية، لنظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم، فاتخذوه عيدًا يجتمعون فيه، فقال عمر: أي آية يا كعب؟ فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أنزلت، والمكان الذي أنزلت فيه: نزلت في يوم الجمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد (^١).
وقال ابن جرير: حدثنا أبو بكر، حدثنا قبيصة، حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار - هو مولى بني هاشم -: أن ابن عباس قرأ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا، لاتخذنا يومها عيدًا، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد، ويوم جمعة (^٢).
وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا يحيى بن الحماني، حدثنا قيس بن الربيع، عن إسماعيل بن سليمان، عن أبي عمر البزار، عن ابن الحنفية، عن علي قال: نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو قائم عشية عرفة ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (^٣).
وقال ابن جرير: حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السكوني، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا ابن عياش، حدثنا عمرو بن قيس السكوني، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينتزع بهذه الآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ حتى ختمها، فقال: نزلت في يوم عرفة في يوم جمعة (^٤).
وروى ابن مردويه من طريق محمد بن إسحاق، عن عمرو بن موسى بن دحية، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: نزلت هذه الآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ يوم عرفة، ورسول الله ﷺ واقف على الموقف يوم الموقف (^٥).
فأما ما رواه ابن جرير وابن مردويه والطبراني من طريق ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن [حنش] (^٦) بن عبد الله الضعاني، عن ابن عباس قال: ولد نبيكم ﷺ يوم الإثنين، وخرج من مكة يوم الإثنين، ودخل المدينة يوم الإثنين، وفتح بدرًا يوم الإثنين، وأنزلت سورة المائدة يوم الإثنين ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. ورفع الذكر يوم الإثنين (^٧). فإنه أثر غريب، وإسناده ضعيف، وقد رواه الإمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وتقدم نحوه في الصحيحين.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن، وأخرجه الترمذي من طريق حماد بن سلمة به وقال: حسن غريب من حديث ابن عباس وهو صحيح (السنن، التفسير، باب ومن سورة المائدة ح ٣٠٤٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (ح ٢٤٣٨).
(٣) يشهد له حديث عمر المتقدم في الصحيحين وفيه: نزلت على رسول الله ﷺ عشية عرفة.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويشهد له حديث عمر السابق أيضًا.
(٥) في سنده عنعنة ابن إسحاق وقتادة، وهذه رواية الحسن عن سمرة. فيها انقطاع ويشهد له حديث عمر المتقدم.
(٦) كذا في (حم) و(مح) والتخريج، وفي الأصل: "حبيش"، وهو تصحيف.
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وضعفه الحافظ ابن كثير وهو مخالف لما في الصحيح عن عمر.
[ ٣ / ٣١٦ ]
حنش الضعاني، عن ابن عباس قال: ولد النبي ﷺ يوم الإثنين، واستنبئ يوم الإثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إلى المدينة يوم الإثنين، وقدم المدينة يوم الإثنين، وتوفي يوم الإثنين، ووضع الحجر الأسود يوم الإثنين (^١)، هذا لفظ أحمد، ولم يذكر نزول المائدة يوم الإثنين، فالله أعلم،
ولعل ابن عباس أراد أنها نزلت يوم عيدين اثنين، كما تقدم فاشتبه على الراوي، والله أعلم.
وقال ابن جرير: وقد قيل: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس (^٢)، ثم روى من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يقول: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس (^٣)، قال: وقد قيل: إنها نزلت على رسول الله ﷺ في مسيره إلى حجة الوداع، ثم رواه من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس.
قلت: وقد روى ابن مردويه من طريق أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري: أنها نزلت على رسول الله ﷺ يوم [غدير] (^٤) خم (^٥) حين قال لعلي: "من كنت مولاه فعلي مولاه" (^٦). ثم رواه عن أبي هريرة، وفيه أنه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة يعني مرجعه ﵇ من حجة الوداع (^٧). ولا يصح هذا ولا هذا بل الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية أنها أنزلت يوم عرفة، وكان يوم جمعة كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وأول ملوك الإسلام معاوية بن أبي سفيان، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، وسمرة بن جندب ﵃، وأرسله الشعبي وقتادة بن دعامة وشهر بن حوشب وغير واحد من الأئمة والعلماء، واختاره ابن جرير [الطبري] (^٨) ﵀.
وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: فمن احتاج إلى تناول شيء من هذه المحرمات التي ذكرها الله تعالى لضرورة ألجأته إلى ذلك، فله تناوله، والله غفور رحيم له لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطر وافتقاره إلى ذلك، فيتجاوز عنه، ويغفر له، وفي المسند وصحيح ابن حبان عن ابن عمر مرفوعًا قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله يحب أن تؤتى رخصته كما يكره أن تؤتى معصيته" لفظ ابن حبان (^٩)، وفي لفظ لأحمد "من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة" (^١٠).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وضعفه محققوه بسبب ابن لهيعة (المسند ٤/ ٣٠٤ ح ٢٥٠٦).
(٢) هذا القول ذكره ضمن عدة أقوال ثم رجح حديث عمر لصحة سنده أنها نزلت يوم عرفة يوم جمعة (التفسير ٩/ ٥٣١)، ط. شاكر.
(٣) طريق العوفي أخرجه الطبري وكذلك طريق أبي جعفر الرازي وسنده جيد لكنه مرسل.
(٤) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "عزيز" وهو تصحيف.
(٥) غدير خم هو: واد بين مكة والمدينة عند الجحفة به غدير، (ينظر معجم البلدان ٢/ ٣٨٩ و٤/ ١٨٨).
(٦) سنده ضعيف جدًّا بسبب أبي هارون العبدي وهو عمارة بن جوين متروك - ومنهم من كذبه -، شيعي (التقريب ص ٤٠٨).
(٧) ضعفه الحافظ ابن كثير أيضًا وضعفه السيوطي في الدر المنثور.
(٨) زيادة من (مح).
(٩) أخرجه الإمام أحمد (المسند ١٠/ ١١٢ ح ٥٨٧٣)، وحسن إسناده محققوه، وأخرجه ابن حبان (الإحسان ٦/ ٤٥١ ح ٢٧٤٢)، قال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (المجمع ٣/ ١٦٢)، وصححه الألباني "إرواء الغليل ح ٥٦٤).
(١٠) أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن عمر ﵄، ضعفه محققوه بسبب ابن لهيعة (المسند ٩/ ٢٩٠ ح ٥٣٩٢)، =
[ ٣ / ٣١٧ ]
ولهذا قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجبًا في بعض الأحيان وهو ما إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون مباحًا بحسب الأحوال.
واختلفوا هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق، أو له أن يشبع أو يشبع ويتزود؟ على أقوال كما هو مقرر في كتاب الأحكام، وفيما إذا وجد ميتة وطعام الغير أو صيدًا وهو محرم، هل يتناول الميتة أو ذلك الصيد ويلزمه الجزاء أو ذلك الطعام ويضمن بدله، على قولين: هما قولان للشافعي ﵀. وليس من شرط جواز تناول الميتة أن يمضي عليه ثلاثة أيام لا يجد طعامًا كما قد يتوهمه كثير من العوام وغيرهم، بل متى اضطر إلى ذلك جاز له.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية، عن أبي واقد الليثي، أنهم قالوا: يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة (^١)، فمتى تحل لنا بها الميتة؟ فقال: "إذا لم تصطبحوا (^٢)، ولم تغتبقوا (^٣)، ولم تحتفئوا (^٤) بها بقلًا (^٥) فشأنكم بها" (^٦) تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو إسناد صحيح على شرط الصحيحين، وكذا رواه ابن جرير عن عبد الأعلى بن واصل عن محمد بن القاسم الأسدي عن الأوزاعي به (^٧)، لكن رواه بعضهم عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن مسلم بن يزيد، عن أبي واقد به (^٨) [ومنهم من رواه عن الأوزاعي، عن حسان، عن مرثد أو أبي مرثد عن أبي واقد به] (^٩) (^١٠). ورواه ابن جرير عن هناد بن السري، عن عيسى بن يونس، عن حسان، عن رجل قد سمي له فذكره، ورواه أيضًا عن هناد، عن ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان مرسلًا (^١١).
وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، قال: وجدت عند الحسن كتاب سمرة فقرأته عليه، فكان فيه: ويجزئ من الاضطرار غبوق أو صبوح (^١٢).
حدثنا أبو كريب، حدثنا هشيم عن الخصيب بن زيد التميمي، حدثنا الحسن: أن رجلًا سأل
_________________
(١) = وحسنه الهيثمي (مجمع الزوائد ٣/ ١٦٥)، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند.
(٢) المخمصة: المجاعة.
(٣) تصطبحوا: من الصَّبوح وهو الشرب أول النهار، كما في حاشية السندي على المسند.
(٤) تغتبقوا: من الغبوق وهو الثرب آخر النهار، كما في حاشية السندي على المسند.
(٥) تحتفئوا: من الحُفا مهموز مقصور، وهو أصل البرديّ الأبيض الرطب منه وقد يؤكل، يقول: ما لم تقتلعوا هذا بعينه فتأكلوه.
(٦) البقل هو ما نبت في بزره (النهاية ١/ ٢٧٧).
(٧) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه وحسنه محققوه بالشواهد (المسند ٣٦/ ٢٣٢ ح ٢١٩٠١).
(٨) أخرجه الإمام أحمد المسند ٥/ ٢١٨، والطبري والحاكم من طريق الأوزاعي به (المستدرك ٤/ ١٢٥)، وصححه الحاكم وتعقبه الذهبي فقال: فيه انقطاع. اص. ويتقوى بسابقه.
(٩) أخرجه الطبراني من طريق الأوزاعي به (المعجم الكبير ٣/ ٢٨٤).
(١٠) زيادة من (حم).
(١١) أخرجه الطبراني (المصدر السابق).
(١٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه رجل مبهم ويتقوى بسابقه الصحيح.
(١٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، ويتقوى أيضًا بشاهده السابق الصحيح. وتقدم معنى الغبوق والصبوح.
[ ٣ / ٣١٨ ]
النبي ﷺ فقال: متى يحل الحرام؟ قال: فقال: "إلى متى يروى أهلك من اللبن أو تجيء ميرتهم" (^١).
حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، حدثني عمر بن عبد الله بن عروة، عن جده عروة بن الزبير، عن جدته: أن رجلًا من الأعراب أتى النبي ﷺ يستفتيه في الذي حرّم الله عليه، والذي أحل له، فقال النبي ﷺ: "يحل لك الطيبات، ويحرم عليك الخبائث، إلا أن تفتقر إلى طعام لك، فتأكل منه حتى تستغني عنه". فقال الرجل: وما فقري الذي يحل لي وما غنائي الذي يغنيني عن ذلك؟ فقال النبي ﷺ: "إذا كنت ترجو غناء تطلبه فتبلغ من ذلك شيئًا فأطعم أهلك ما بدا لك حتى تستغني عنه" فقال الأعرابي: ما غنائي الذي أدعه إذا وجدته، فقال ﷺ: "إذا أرويت أهلك غبوقًا من الليل، فاجتنب ما حرم الله عليك من طعام مالك، فإنه ميسور كله فليس فيه حرام" (^٢).
ومعنى قوله: "ما لم تصطبحوا" يعني: به الغداء "وما لم تغتبقوا" يعني: به العشاء "أو تحتفئوا بقلًا فشأنكم بها" فكلوا منها. وقال ابن جرير: يروى هذا الحرف، يعني قوله: "أو تحتفئوا" على أربعة أوجه: تحفؤا بالهمزة، وتحتفيوا: بتخفيف الياء والحاء، وتحتفّوا بتشديد، وتحتفوا بالحاء وبالتخفيف، ويحتمل الهمز، كذا رواه في التفسير (^٣).
(حديث آخر) قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا وهب بن عقبة العامري، سمعت أبي يحدث عن النجيع العامري أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: ما يحل لنا من الميتة؟ قال: "ما طعامكم"؟ قلنا: نصطبح ونغتبق. قال أبو نعيم (^٤): فسره لي عقبة، قدح غدوة وقدح عشية، قال: ذاك وأبي الجوع، وأحل لهم الميتة على هذه الحال (^٥). تفرد به أبو داود وكأنهم كانوا يصطبحون ويغتبقون شيئًا لا يكفيهم، فأحل لهم الميتة لتمام كفايتهم وقد يحتج به من يرى جواز الأكل منها حتى يبلغ حد الشبع، ولا يتقيد ذلك بسد الرمق، والله أعلم.
(حديث آخر) قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا سماك، عن جابر، عن سمرة: أن رجلًا نزل الحرة ومعه أهله وولده، فقال له رجل: إن ناقتي ضلّت، فإن وجدتها فأمسكها، فوجدها ولم يجد صاحبها، فمرضت، فقالت له امرأته: انحرها فأبى، فنفقت (^٦) فقالت له امرأته: اسلخها حتى تقدد شحمها ولحمها فنأكله، قال: لا حتى أسأل رسول الله ﷺ فأتاه فسأله، فقال: "هل عندك غنى يغنيك؟ " قال: لا، قال: "فكلوها" قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر، فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال استحييت منك (^٧). تفرد به.
_________________
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل ضعيف.
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن حميد وهو محمد بن حميد الرازي.
(٣) ذكره الطبري في آخر تفسير هذه الآية.
(٤) هو الفضل بن دكين.
(٥) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأطعمة، باب في المضطر إلى الميتة ح ٣٨١٧)، وقال الحافظ ابن حجر إسناد لا بأس به (الإصابة ٨/ ٨٢)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (ح ٨٢٢)، ويشهد له ما تقدم من صحيح.
(٦) نفقت أي: ماتت.
(٧) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الأطعمة، باب في المضطر إلى الميتة ح ٣٨١٦)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٢٣٤).
[ ٣ / ٣١٩ ]
وقد يحتج به من يجوز الأكل والشبع والتزود منها مدة يغلب على ظنه الاحتياج إليها والله أعلم.
وقوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ أي: متعاط لمعصية الله، فإن الله قد أباح ذلك له وسكت عن الآخر، [كما قال في سورة البقرة] (^١): ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [١٧٣] وقد استدل بهذه الآية من يقول بأنّ العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر، لأن الرخص لا تنال بالمعاصي، والله أعلم.
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾.
لما ذكر تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها إما في بدنه أو في دينه أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حالة الضرورة كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [لأنعام: ١١٩] قال بعدها: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ كما قال في سورة الأعراف في صفة محمد ﷺ أنه ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [١٥٧].
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن أبي بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن عدي بن حاتم وزيد بن مهلهل (^٢) الطائيين، سألا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله قد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (^٣). قال سعيد: يعني الذبائح الحلال الطيبة لهم. وقال مقاتل: الطيبات ما أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه وهو الحلال من الرزق، وقد سئل الزهري عن شرب البول للتداوي فقال: ليس هو من الطيبات، رواه ابن أبي حاتم، وقال ابن وهب: سئل مالك عن بيع الطير الذي يأكله الناس، فقال: ليس هو من الطيبات.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ أي: أحل لكم الذبائح التي ذكر اسم الله عليها، والطيبات من الرزق، وأحل لكم ما صدتموه بالجوارح، وهي الكلاب والفهود والصقور وأشباهها، كما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة، وممن قال ذلك علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٤) في قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ وهن الكلاب المعلمة، والبازي، وكل طير يعلم للصيد والجوارح، يعني: الكلاب الضواري والفهود والصقور وأشباهها. رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: وروي عن خيثمة وطاوس ومجاهد ومكحول ويحيى بن أبي كثير نحو ذلك (^٥).
_________________
(١) زيادة من (حم) و(مح).
(٢) زيد بن مهلهل هو زيد الخيل بن مهلهل بن زيد بن منهب الطائي وفد سنة تسع وسماه النبي ﷺ زيد الخير (الإصابة ١/ ٥٥٥).
(٣) في سنده ابن لهيعة فيه مقال.
(٤) أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٥) قول خيثمة أخرجه الطبري من طريق طلحة اليامي عنه، ويتقوى بسابقه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند =
[ ٣ / ٣٢٠ ]
وروي عن الحسن أنه قال: الباز والصقر من الجوارح، وروي عن علي بن الحسين مثله (^١)، ثم روي عن مجاهد أنه كره صيد الطير كله، وقرأ قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ قال: وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك.
ونقله ابن جرير عن الضحاك والسدي (^٢)، ثم قال: حدثنا هناد، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرنا ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: أما ما صاد من الطير البازات وغيرها من الطير، فما أدركت فهو لك وإلا فلا تطعمه (^٣).
قلت: والمحكي عن الجمهور إن الصيد بالطيور كالصيد بالكلاب لأنه تكلب الصيد بمخالبها كما تكلبه الكلاب، فلا فرق، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم واختاره ابن جرير، واحتج في ذلك بما رواه عن هناد، حدثنا عيسى بن يونس عن مجالد، عن الشعبي، عن [عدي بن حاتم] (^٤) قال: سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي فقال: "ما أمسك عليك فكل" (^٥).
واستثنى الإمام أحمد صيد الكلب الأسود، لأنه عنده مما يجب قتله ولا يحل اقتناؤه لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذرّ أن رسول الله ﷺ قال: "يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود" فقلت: ما بال الكلب الأسود من الأحمر؟ فقال: "الكلب الأسود شيطان" (^٦).
وفي الحديث الآخر أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثم قال: "ما بالهم وبال الكلاب، اقتلوا منها كل أسود بهيم" (^٧).
وسميت هذه الحيوانات [التي] (^٨) يصطاد بهن جوارح من الجرح، وهو الكسب، كما تقول العرب: فلان جرح أهله خيرًا؛ أي: كسبهم خيرًا، ويقولون: فلان لا جارح له؛ أي: لا كاسب له، وقال الله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أي: ما كسبتم من خير وشر، وقد ذكر في سبب نزول هذه الآية الشريفة الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم: حدثنا حجاج بن
_________________
(١) = صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه. وقول طاوس أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه (المصنف رقم ٨٤٩٧).
(٢) قول الحسن أخرجه الطبري بإسنادين يقوي أحدهما الآخر، وقول علي بن الحسين أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق نافع عنه.
(٣) ما نقله الطبري عن الضحاك والسدي هو الاقتصار على ذكر الكلاب دون ذكر الطير، وسنده إلى السدي حسن من طريق أسباط.
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن نافع به (المصنف رقم ٨٥٢٠).
(٥) كذا في (حم) و(مح) وتفسير الطبري، وفي الأصل: "عدي بن أبي حاتم"، وهو خطأ.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده مجالد ليس بالقوي كما في التقريب. وأخرجه أبو داود بنحوه وصححه الألباني بدون ذكر الباز (سنن أبي داود، الصيد، باب في الصيد ح ٢٨٥١، وصحيح السنن ح ٢٤٧٧).
(٧) صحيح مسلم، الصلاة، باب قدر ما يستر المصلي (ح ٥١٠).
(٨) أخرج مسلم بلفظ: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب ثم قال: ما بالهم وبال الكلاب (الصحيح، المساقاة، باب الأمر بقتل الكلاب وبيان نسخه ح ١٥٧٣).
(٩) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "اللاتي".
[ ٣ / ٣٢١ ]
حمزة، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني موسى بن عبيدة، حدثني أبان بن صالح، عن القعقاع بن حكيم، عن سلمى أم رافع، عن [أبي رافع] (^١) مولى رسول الله ﷺ أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب، فقلت: فجاء الناس فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت؟ فأنزل الله ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية، فقال النبي ﷺ: "إذا أرسل الرجل كلبه وسمى، فأمسك عليه، فليأكل ما لم يأكل" (^٢).
وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب، عن زبد بن الحباب بإسناده، عن أبي رافع قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ ليستأذن عليه، فأذن له، فقال: قد أذنَّا لك يا رسول الله، قال: أجل "ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب" قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها، فتركته رحمة لها، ثم جئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فأمرني فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاؤوا فقالوا: يا رسول الله ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقلتها؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ، قال: فأنزل الله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (^٣).
ورواه الحاكم في مستدركه من طريق محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح به، وقال: صحيح، ولم يخرجاه (^٤).
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة أن رسول الله ﷺ بعث أبا رافع في قتل الكلاب حتى بلغ العوالي، فجاء عاصم بن عدي وسعد بن خيثمة وعويم بن ساعدة، فقالوا: ماذا أحل لنا يا رسول الله؟ فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (^٥).
ورواه الحاكم من طريق سماك عن عكرمة (^٦)، وكذا قال محمد بن كعب القرظي في سبب نزول هذه الآية: أنه في قتل الكلاب (^٧).
وقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ يحتمل أن يكون حالًا من الفاعل ويحتمل أن يكون حالًا من المفعول، وهو الجوارح، أي وما علمتم من الجوارح في حال كونهن مكلبات للصيد، وذلك أن تقتنصه بمخالبها أو أظفارها، فيستدل بذلك والحالة هذه على أن الجارح إذا قتل الصيد بصدمته لا بمخلابه وظفره، أنه لا يحل له، كما هو أحد قولي الشافعي وطائفة من العلماء، ولهذا قال: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ أنه إذا أرسله استرسل، وإذا أشلاه استشلى، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه حتى يجيء إليه، ولا يمسكه لنفسه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا
_________________
(١) كذا في (حم) و(مح)، وفي الأصل: "ابن رافع" وهو تصحيف.
(٢) سنده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة وهو الربذي.
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف موسى أيضًا.
(٤) المستدرك ٢/ ٣١١، وفيه عنعنة محمد بن إسحاق.
(٥) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفيه الحسين وهو ابن داود الملقب بسُنيد: ضعيف، وفيه إرسال عكرمة.
(٦) الذي رواه الحاكم من هذا الطريق غير هذا المتن إذ أورده بعد رواية ابن إسحاق مباشرة (المستدرك ٢/ ٣١١).
(٧) أخرجه الطبري وفيه إبهام الراوي عن محمد بن كعب، وإرسال محمد بن كعب، فسنده ضعيف.
[ ٣ / ٣٢٢ ]
اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فمتى كانت الجارحة معلمًا وأمسك على صاحبه، وكان قد ذكر اسم الله عليه وقت إرساله، حل الصيد وإن قتله بالإجماع. وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، كما ثبت في الصحيحين عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إني أرسل الكلاب المعلمة وأذكر اسم الله! فقال: "إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك". قلت: وإن قتلن؟ قال: "وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس منها، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره" قلت له: فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؟ فقال: "إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصابه بعرض فإنه وقيذ فلا تأكله" (^١).
وفي لفظ لهما: "وإذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك فأدركته حيًا، فاذْبحه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاته".
وفي رواية لهما: "فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه" فهذا دليل للجمهور، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو أنه إذا أكل الكلب من الصيد يحرم مطلقًا، ولم يستفصلوا كما ورد بذلك الحديث، وحكي عن طائفة من السلف أنهم قالوا: لا يحرم مطلقًا.