قال العوفي، عن ابن عباس: نزلت سورة النساء بالمدينة (^١). وكذا روى ابن مردويه، عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت، وروى من طريق عبد الله بن لهيعة، عن أخيه عيسى، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت سورة النساء قال رسول الله ﷺ: "لا حبس" (^٢).
وقال الحاكم في مستدركه: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا [أبو البختري] (^٣) عبد الله بن محمد بن شاكر، حدثنا محمد بن بشر العبدي، حدثنا مسعر بن كدام، عن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرُني أن لي بها الدنيا وما فيها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ …﴾ الآية [النساء: ٤٠]، و﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ …﴾ الآية [النساء: ٣١]، و﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] و﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ …﴾ الآية [النساء: ٦٤]، [﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠]] (^٤) ثم قال: هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن سمع من أبيه فقد اختلف في ذلك (^٥).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن رجل، عن ابن مسعود قال: خمس آيات من النساء لهن أحب إليّ من الدنيا جميعًا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] وقوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠] وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾ [النساء] رواه ابن (^٦) جرير. ثم روَى من طريق صالح المري عن قتادة، عن ابن عباس قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما
_________________
(١) سنده ضعيف بسبب عطية العوفي: ضعيف، ويشهد له ما رواه البخاري عن عائشة أنها قالت: وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده (الصحيح، فضائل القرآن، باب تأليف القرآن ح ٤٩٩٣)، والنبي ﷺ لم يدخل على عائشة إلا بالمدينة (ينظر: الإصابة ٤/ ٣٥٩).
(٢) قال ابن الأثير: أراد أنه لا يوقف مال ولا يُزوى عن وارثه، وكأنه إشارة إلى ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من حبس مال الميت ونسائه (النهاية ١/ ٣٢٩)، والحديث ضعيف بسبب عيسى بن لهيعة (الضعفاء للعقيلي ٣/ ٣٩٧).
(٣) في الأصل: "أبو البحتري" وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح) والمستدرك.
(٤) الزيادة من (ح) و(حم).
(٥) المستدرك ٢/ ٣٠٥ وقد وافقه الذهبي فيما قاله الحاكم.
(٦) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وأخرجه الطبري من طريق عبد الرزاق به (وسنده ضعيف بسبب إبهام شيخ معمر).
[ ٣ / ٥ ]
طلعت عليه الشمس وغربت، أولهن: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾ [النساء] والثانية: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ [النساء] والثالثة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء]، ثم ذكر قول ابن مسعود سواء - يعني: في الخمسة الباقية (^١) -.
وروى الحاكم من طريق أبي نعيم، عن سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن أبي مليكة: سمعت ابن عباس يقول: سلوني عن سورة النساء فإني قرأت القرآن وأنا صغير. ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه (^٢).
﷽
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾.
يقول تعالى آمرًا خلقه بتقواه، وهي عبادته وحده لا شريك له، ومنبهًا لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة، وهي آدم ﵇ ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وهي حواء ﵍ خلقت من ضلعه الأقصر (^٣) من خلفه وهو نائم، فاستيقظ فرآها فأعجبته، فأنس إليها وأنست إليه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا وكيع، عن أبي هلال، عن قتادة، عن ابن عباس، قال: خلقت المرأة من الرجل فجعل نهمتها في الرجل وخلق الرجل من الأرض فجعل نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم (^٤).
وفي الحديث الصحيح: "إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج" (^٥).
وقوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ أي: وذرأ منهما؛ أي: من آدم وحواء رجالًا كثيرًا ونساءً، ونشرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم وصفاتهم وألوانهم ولغاتهم، ثم إليه بعد ذلك المعاد والمحشر. ثم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ أي: واتقوا الله بطاعتكم إياه. قال إبراهيم ومجاهد والحسن: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ أي كما يقال: أسألك بالله وبالرحم (^٦).
[وقال الضحاك] (^٧): واتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون به، واتقوا الأرحام أن تقطعوها
_________________
(١) أخرجه الطبري من طريق صالح المري به، وسنده ضعيف جدًّا بسبب صالح المري متروك كما في تهذيب التهذيب والتاريخ الكبير ٢/ ٢٧٤.
(٢) أخرجه الحاكم بسنده ومتنه وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ١/ ٣٠١).
(٣) أخرج الطبري بسند صحيح من طريق مجاهد قال: حواء من قُصيرى بن آدم. والقُصيرى: أسفل الأضلاع (تاج العروس: ق ص ر).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده منقطع لأن قتادة لم يسمع ابن عباس.
(٥) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته ح ٣٣٣١).
(٦) أخرجه الطبري بأسانيد صحاح عنهم ثلاثتهم.
(٧) الزيادة من (ح) و(حم).
[ ٣ / ٦ ]
ولكن بروها وصلوها، قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن والضحاك والربيع وغير واحد (^١).
وقرأ بعضهم: (والأرحام) بالخفض على العطف على الضمير في به، أي: تساءلون بالله وبالأرحام، كما قال مجاهدَ وغيره (^٢).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ أي: هو مراقب لجميع أحوالكم وأعمالكم، كما قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦].
وفي الحديث الصحيح: "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك" (^٣)، وهذا إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب. ولهذا ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب واحد وأم واحدة ليعطف بعضهم على بعض، ويحننهم على ضعفائهم.
وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله ﷺ حين قدم عليه أولئك النفر من مضر وهم [مجتابو] (^٤) النّمار (^٥) - أي: من عريهم وفقرهم - قام فخطب الناس بعد صلاة الظهر فقال في خطبته: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]، ثم حضّهم على الصدقة فقال: "تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره … " وذكر تمام الحديث (^٦)، وهكذا رواه أحمد وأهل السنن عن ابن مسعود في خطبة الحاجة، وفيها ثم يقرأ ثلاث آيات هذه منها ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ الآية (^٧).
﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾.
يأمر تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة، وينهى عن أكلها وضمها إلى أموالهم، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾.
_________________
(١) قول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق منصور بن عباد عنه، وقول عكرمة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق خُصيف عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند مرسل مرفوع من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الربيع أخرجه الطبري بسند جيد من طريق أبي جعفر الرازي عنه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، بلفظ: "أسألك بالله وبالرحم".
(٣) أخرجه مسلم من حديث عمر بن الخطاب مطولًا (الصحيح، الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ح ٨).
(٤) في الأصل تصحيف غير واضح والمثبت من (ح) و(حم) و(مح).
(٥) أي: يرتدون ثياب صوف مخططة.
(٦) صحيح مسلم، الزكاة، (باب الحث على الصدقة ح ١٠١٧).
(٧) المسند (ح ٢٤٨٨)، وهو بسند مسلم نفسه.
[ ٣ / ٧ ]
قال سفيان الثوري، عن أبي صالح: لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الرزق الحلال الذي قدر لك (^١).
وقال سعيد بن جبير: لا تتبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم، يقول: لا تبذروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام (^٢).
وقال سعيد بن المسيب والزهري: لا تعط مهزولًا وتأخذ سمينًا (^٣).
وقال إبراهيم النخعي والضحاك: لا تعط زائفًا وتأخذ جيدًا (^٤).
وقال السدي: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها الشاة المهزولة ويقول: شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف ويقول: درهم بدرهم (^٥).
وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والسدي وسفيان بن حسين: أي لا تخلطوها فتأكلوها جميعًا (^٦).
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ قال ابن عباس: أي: إثمًا كبيرًا عظيمًا (^٧).
وروى ابن مردويه عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾ قال: "إثمًا كبيرًا" ولكن في إسناده محمد بن يوسف الكُدَيْمي وهو ضعيف (^٨). وروي هكذا عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وابن سيرين وقتادة ومقاتل بن حيان والضحاك وأبي مالك وزيد بن أسلم وأبي سنان مثل قول ابن عباس (^٩).
وفي الحديث المروي في سنن أبي داود: "اغفر لنا حوبنا وخطايانا" (^١٠).
وروى ابن مردويه بإسناده إلى واصل مولى أبي عيينة، عن ابن سيرين، عن ابن عباس، أن أبا أيوب طلق امرأته فقال له النبي ﷺ: "يا أبا أيوب إن طلاق أم أيوب كان حوبًا" قال ابن سيرين: الحوب الإثم (^١١)، ثم قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير.
(٣) أخرجه الطبري بسند حسن عنهما.
(٤) قول النخعي أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق مغيرة عنه، وقول الضحاك أخرجه الثوري في تفسيره بسند صحيح عن أبي سنان ضرار بن مرة عنه.
(٥) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط بن نصر عنه.
(٦) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند إلا قول السدي فأخرجه بسند حسن كسابقه. وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس، وصححه الحافظ ابن حجر (الفتح ٨/ ٢٤٦).
(٨) لم يثبت مرفوعًا ولكن صح موقوفًا كما تقدم عن ابن عباس.
(٩) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم ومعظم أقوالهم أخرجها الطبري بأسانيد ثابتة.
(١٠) أخرجه أبو داود من طريق زيادة بن محمد الأنصاري عن محمد بن كعب القرظي عن فضالة بن عبيد عن أبي الدرداء مرفوعًا (السنن، الطب، باب كيف الرقى؟ ح ٣٨٩٢)، وسنده ضعيف بسبب زيادة بن محمد وهو منكر الحديث (التقريب ص ٢٢١).
(١١) أخرجه الطبراني من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني عن حماد بن زيد عن واصل به (المعجم الكبير=
[ ٣ / ٨ ]
[هَوْذة] (^١) بن خليفة، حدثنا عوف، عن أنس، أن أبا أيوب أراد طلاق أُم أيوب، فاستأذن النبي ﷺ فقال: "إن طلاق أُم أيوب لحوب" فأمسكها (^٢)، ثم روى ابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث علي بن عاصم، عن حميد الطويل، سمعت أنس بن مالك أيضًا يقول: أراد أبو طلحة أن يطلق [أم سليم] (^٣) امرأته فقال النبي ﷺ: "إن طلاق [أُم سليم] (^٤) لحوب" فكفّ (^٥). والمعنى: إن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم وخطأ كبير فاجتنبوه.
وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ أي: إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف أن لا يعطيها مهر مثلها فليعدل إلى ما سواها من النساء، فإنهن كثير ولم يضيق الله عليه.
وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن ابن جريج، أخبرني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رجلًا كانت له يتيمة فنكحها وكان لها عذق، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء فنزلت فيه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله (^٦).
ثم قال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، قالت: يا ابن أختي هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يُقسطوا إليهنَّ. ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فأنزل الله ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]، قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] رغبة أحدكم عن يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحو من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كُنَّ قليلات المال والجمال (^٧).
وقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ أي: انكحوا ما شئتم من النساء سواهن إن شاء أحدكم ثنتين وإن شاء
_________________
(١) = ١٢/ ١٩٦ ح ١٢٨٧٦)، وفي سنده الحماني: ضعيف (مجمع الزوائد ٩/ ٢٦٥)، وأخرجه أبو عمر الدوري مرسلًا عن ابن سيرين (قراءات النبي ﷺ ص ٨٢ ح ٣٠).
(٢) في الأصل: "هز" وهو تصحيف: والتصويب من (ح) و(حم) و(مح).
(٣) في سنده عوف وهو ابن أبي جميلة الأعرابي لم يسمع من أنس (ينظر: تهذيب التهذيب ٨/ ١٦٦).
(٤) (^٤) في الأصل: "أم سلمة" وهو تصحيف: من (ح) و(حم) و(مح) والمستدرك.
(٥) أخرجه الحاكم من طريق علي بن عاصم به وصححه وتعقبه الذهبي بقوله: لا والله، عليّ واهٍ (المستدرك ٢/ ٣٠٢)، وعلي بن عاصم هو ابن صهيب الواسطي: صدوق يخطئ ويصرّ ورمي بالتشيع (التقريب ص ٤٠٣)، وقد ذكر ابن عدي هذا الحديث ضمن مناكير علي بن عاصم (الكامل في الضعفاء ٥/ ١٨٣٨).
(٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣] ح ٤٥٧٣).
(٧) المصدر السابق (ح ٤٥٧٤).
[ ٣ / ٩ ]
ثلاثًا، وإن شاء أربعًا. كما قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١] أي: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ولا ينفي ما عدا ذلك في الملائكة لدلالة الدليل عليه، بخلاف قصر الرجال على أربع، فمن هذه الآية كما قال ابن عباس وجمهور العلماء، لأن المقام مقام امتنان واباحة، فلو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لذكره. قال الشافعي: وقد دلت سنة رسول الله ﷺ المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله ﷺ أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة، وهذا الذي قاله الشافعي ﵀: مجمع عليه بين العلماء إلا ما حكي عن طائفة من الشيعة، أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع. وقال بعضهم: بلا حصر. وقد يتمسك بعضهم بفعل رسول الله ﷺ في جمعه بين أكثر من أربع إلى تسع كما ثبت في الصحيحين (^١)، وأما إحدى عشرة كما جاء في بعض ألفاظ البخاري (^٢)، وقد علقه البخاري.
وقد روينا عن أنس أن رسول الله ﷺ تزوج بخمس عشرة امرأة، ودخل منهن بثلاث عشرة (^٣). واجتمع عنده إحدى عشرة، ومات عن تسع. وهذا عند العلماء من خصائصه دون غيره من الأمة لما سنذكره من الأحاديث الدالة على الحصر في أربع، ولنذكر الأحاديث في ذلك:
قال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا معمر عن الزهري، قال ابن جعفر في حديثه: أنبأنا ابن شهاب عن سالم، عن أبيه أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي ﷺ: "اختر منهن أربعًا" فلما كان في عهد عمر طلق نساءه، وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر فقال: إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك فقذفه في نفسك، ولعلك لا تمكث إلا قليلًا. وايم الله لتراجعن نساءك ولترجعن في مالك أو لأورثهن منك ولآمرن بقبرك فيرجم كما رجم قبر أبي رِغال (^٤) (^٥). وهكذا رواه الشافعي والترمذي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وغيرهم، من طرق عن إسماعيل بن علية وغندر ويزيد بن زريع وسعيد بن أبي عروبة وسفيان الثوري وعيسى بن يونس، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، والفضل بن موسى وغيرهم من الحفاظ، عن معمر بإسناده مثله إلى قوله: "اختر منهن أربعًا" (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري من حديث ابن عباس وأنس (الصحيح، النكاح، باب كثرة النساء ح ٥٠٦٧ و٥٠٦٨)، وأخرجه مسلم من حديث ابن عباس أيضًا (الصحيح، الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها ح ١٤٦٥).
(٢) أخرجه البخاري من حديث أنس موصولًا صحيح البخاري، الغسل، باب إذا جامع ثم عاد ح ٢٦٨، وبدايته: "كان النبي ﷺ يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهنّ إحدى عشرة … " وقد بيّن الحافظ ابن كثير المراد بالإحدى عشرة وهن: التسع المذكورات في حديث ابن عباس والجاريتان مارية وريحان (ينظر: البداية والنهاية ٥/ ٣١٣).
(٣) أخرجه ابن عدي من طريق بحر بن كُنيز عن قتادة عن أنس، وذلك ضمن مناكير بحر (الكامل ٢/ ٤٨٤)، وبحر بن كُنير ضعيف (التقريب ص ١٢٠).
(٤) أبو رغال: هو أبو ثقيف من ثمود (قصص الأنبياء للحافظ ابن كثير ١/ ١١٣).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٨/ ٢٥٢ ح ٤٦٣١)، وصححه محققوه، ونقلوا عن السندي: وقوله: فقذفه، أي: فطلقتهن فرارًا من إرثهن، والحديث يدل على كراهة طلاق الفارّ، وأنه ينبغي له المراجعة.
(٦) ترتيب مسند الشافعي، النكاح، (باب الترغيب في التزويج ح ٤٣)، وسنن الترمذي، النكاح، باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة (ح ١١٢٨)، وسنن ابن ماجه، باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده أكثر =
[ ٣ / ١٠ ]
وباقي الحديث في قصة عمر من أفراد أحمد (^١)، وهي زيادة حسنة وهي مُضَعّفة لما علل به البخاري هذا الحديث فيما حكاه عنه الترمذي حيث قال بعد روايته له: سمعت البخاري يقول: هذا الحديث غير محفوظ. والصحيح ما رواه شعيب وغيره عن الزهري [حُدّثت] (^٢) عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان بن سلمة … فذكره. قال البخاري: وإنما حديث الزهري عن سالم، عن أبيه أن رجلًا من ثقيف طلق نساءه فقال له عمر: لتراجعن نساءك أو لأرجمنَّ قبرك كما رجم قبر أبي رغال. وهذا التعليل فيه نظر، والله أعلم. وقد رواه عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري مرسلًا (^٣). وهكذا رواه مالك عن الزهري مرسلًا (^٤). قال أبو زرعة: وهو أصح.
وقال البيهقي: ورواه عُقيل عن الزهري: بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد (^٥). وقال أبو حاتم: وهذا وهم إنما هو الزهري، عن محمد بن أبي سويد. بلغنا أن رسول الله ﷺ … فذكره (^٦).
قال البيهقي: ورواه يونس وابن عيينة عن الزهري، عن محمد بن أبي سويد وهذا كما علله البخاري وهذا الإسناد الذي قدمناه من مسند الإمام أحمد، رجاله ثقات على شرط الشيخين ثم قد روي من غير طريق معمر بل والزهري.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو علي الحافظ، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي، حدثنا أبو بُرَيد عمرو بن يزيد الجرمي، أخبرنا [سيف] (^٧) بن عبيد الله، حدثنا سرار بن مجشر، عن أيوب، عن نافع وسالم، عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة كان عنده عشر نسوة فأسلم وأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعًا (^٨). هكذا أخرجه النسائي في سننه، قال أبو علي بن السكن: تفرد به سرار بن مجشر وهو ثقة. وكذا وثقه ابن معين قال أبو علي: وكذا رواه السميدع بن واهب عن سرار. قال البيهقي: وروينا من حديث قيس بن الحارث أو الحارث بن قيس، وعروة بن مسعود الثقفي وصفوان بن أمية - يعني حديث غيلان بن سلمة. فوجه الدلالة أنه لو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لسوغ له رسول الله ﷺ سائرهن في بقاء العشرة وقد أسلمن معه فلما أمره بإمساك أربع وفراق سائرهن دل على أنه لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع بحال، فإذا كان هذا في الدوام، ففي الاستئناف بطريق الأولى والأحرى، والله ﷾ أعلم بالصواب.
(حديث آخر في ذلك) روى أبو داود وابن ماجه في سننهما من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن حُمَيْضة بن الشمردل وعند ابن ماجه بنت الشمردل، حكى أبو داود أن منهم من
_________________
(١) = من أربع نسوة (ح ١٩٥٣)، وسنن الدارقطني ٣/ ٢٦٩، والسنن الكبرى للبيهقي ٧/ ١٨١.
(٢) قال الحافظ ابن حجر: والموقوف على عمر هو الذي حكم البخاري بصحته عن الزهري عن سالم عن أبيه (التلخيص الحبير ٣/ ١٩٢).
(٣) في الأصل: "حديث" وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح).
(٤) المصنف ٧/ ١٦٢ (ح ١٢٦٢١).
(٥) الموطأ، الطلاق، باب جامع الطلاق ٢/ ٥٨٦ (ح ٧٦).
(٦) السنن الكبرى ٧/ ١٨٢.
(٧) العلل ١/ ٤٠١.
(٨) في الأصل: "منيف" وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح).
(٩) السنن الكبرى ٧/ ١٨٣.
[ ٣ / ١١ ]
يقول: الشمرذل - بالذال المعجمة -، عن قيس بن الحارث، وعند أبي داود في رواية الحارث بن قيس بن عميرة الأسدي قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فذكرت للنبي ﷺ فقال: "اختر منهن أربعًا" (^١)، وهذا الإسناد حسن: ومجرد هذا الاختلاف لا يضر مثله لما للحديث من الشواهد.
(حديث آخر في ذلك) قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي في مسنده: أخبرني من سمع ابن أبي الزناد يقول: أخبرني عبد المجيد بن سُهيل بن عبد الرحمن عن عوف بن الحارث، عن نوفل بن معاوية الديلي ﵁، قال: أسلمت وعندي خمس نسوة فقال لي رسول الله ﷺ: "اختر أربعًا أيتهن شئت وفارق الأخرى" فعمدت إلى أقدمهن صحبة عجوز عاقر معي منذ ستين سنة فطلقتها (^٢). فهذه كلها شواهد لِصحة ما تقدم من حديث غيلان كما قاله البيهقي ﵀.
وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: فإن خشيتم من تعداد النساء أن لا تعدلوا بينهن، كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] فمن خاف من ذلك فليقتصر على واحدة أو على الجواري السراري فإنه لا يجب قسم بينهن، ولكن يستحب فمن فعل فحسن، ومن لا فلا حرج، وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال بعضهم: ذلك أدنى ألا تكثر عيالكم، قاله زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة (^٣) والشافعي ﵏، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] أي: فقرًا ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾ [التوبة: ٢٨] وقال الشاعر (^٤):
فما يدري الفقير متى غناه … وما يدري الغني متى يعيل
وتقول العرب: عال الرجل يعيل عيلة: إذا افتقر، ولكن في هذا التفسير ههنا نظر، فإنه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر كذلك يخشى من تعداد السراري أيضًا، والصحيح قول الجمهور: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي: لا تجورواه (^٥)، يقال: عال في الحكم إذا قسط وظلم وجار، وقال أبو طالب في قصيدته المشهورة (^٦):
بميزان قسط لا يخيس شعيرة … له شاهد زائدة من نفسه غير عائل
_________________
(١) سنن أبي داود، الطلاق، باب من أسلم وعنده نساء أكثر من أربع (ح ٢٢٤١)، وسنن ابن ماجه، النكاح، باب الرجل يسلم عنده أكثر من أربع نسوة (ح ١٩٥٢)، وحسنه الحافظ ابن كثير، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ١٩٦٠).
(٢) ترتيب مسند الشافعي، النكاح، باب الترغيب في التزويج (ح ٤٤)، وفي سنده إبهام شيخ الإمام الشافعي، ويشهد له ما سبق.
(٣) قول زيد بن أسلم أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي هلال عنه، وقول ابن عيينة أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن.
(٤) هو أُحيحة بن الجلاح، والبيت ذكره الفراء في معاني القرآن ١/ ٢٥٥، ونسبه إلى أحيحة ابن منظور (لسان العرب: مادة ع ي ل).
(٥) صح عن عائشة ﵂ موقوفًا.
(٦) ذكره الطبري وابن هشام (السيرة ١/ ٢٩٦)، وعلق محمود شاكر بقوله: من القصيدة التي زعموا أن أبا طالب قالها … وقوله: لا تُخس شعيرة؛ أي لا تنقص مقدار شعيرة. اهـ. والشاهد من البيت قوله: "غير عائل"، أي: غير جائر.
[ ٣ / ١٢ ]
وقال هشيم، عن أبي إسحاق قال: كتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: إني لست بميزان لا أعول. رواه ابن جرير (^١)، وقد روى ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو حاتم بن حبان في صحيحه من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، حدثنا محمد بن شعيب، عن عمر بن محمد بن زيد، عن عبد الله بن عمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال: "لا تجوروا" قال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث خطأ، والصحيح: عن عائشة موقوف (^٢).
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس وعائشة ومجاهد وعكرمة والحسن وأبي مالك وأبي رزين والنخعي والشعبي والضحاك وعطاء الخراساني وقتادة والسدي ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: لا تميلوا (^٣)، وقد استشهد عكرمة ﵀ ببيت أبي طالب الذي قدمناه، ولكن ما أنشده كما هو المروي في السيرة (^٤)، وقد رواه ابن جرير ثم أنشده جيدًا واختار ذلك (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: النحلة المهر (^٦).
وقال محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: نحلة فريضة (^٧). وقال مقاتل وقتادة وابن جريج: نحلة؛ أي: فريضة. زاد ابن جريج: مسماة (^٨).
وقال ابن زيد: النحلة في كلام العرب: الواجب، يقول: لا يَنكحُها إلا بشيء واجب لها، وليس ينبغي لأحد بعد النبي ﷺ أن ينكح امرأة إلا بصداق واجب، ولا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبًا بغير حق (^٩)، ومضمون كلامهم: أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حتمًا، وأن يكون طيب النفس بذلك كما يمنح المنحة ويعطي النحلة طيبًا بها كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيبًا بذلك، فإن طابت هي له به بعد تسميته أو عن شيء منه فليأكله حلالًا
_________________
(١) أخرجه الطبري من طريق هشيم به، وسنده منقطع لأن أبا إسحاق، وهو السبيعي، لم يسمع من عثمان ﵁.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه ونقده، وأخرجه ابن حبان عن ابن أسلم عن عبد الرحمن بن إبراهيم به (موارد الظمآن ص ٤٢٨).
(٣) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول ابن عباس أخرجه الطبري بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق الزبير بن الخريث عنه، وقول الحسن أخرجه الطبري بسند حسن من طريق يونس عنه، وقول أبي مالك أخرجه الثوري في تفسيره بسند صحيح من طريق إسماعيل بن أبي خالد عنه، وقول النخعي أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق مغيرة عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق معمر بن راشد عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه.
(٤) سيرة ابن هشام ١/ ٢٩٦.
(٥) أخرجه الطبري بنحو رواية ابن أبي حاتم المتقدمة عن عكرمة.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا، وفيه عنعنة ابن إسحاق، ويشهد له ما سبق وما لحق.
(٨) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول قتادة: أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول ابن جريج أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن ثور عنه.
(٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه بلفظه وأطول.
[ ٣ / ١٣ ]
طيبًا، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن السدي، عن يعقوب بن المغيرة بن شعبة، عن علي قال: إذا اشتكى أحدكم شيئًا فليسأل امرأته ثلاثة دراهم أو نحو ذلك فليبتع بها عسلًا ثم ليأخذ ماء السماء فيجتمع هنيئًا مريئًا شفاءً مباركًا (^١).
وقال هشيم، عن سيار، عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوج ابنته أخذ صداقها دونها فنهاهم الله عن ذلك. ونزل ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عمير [الخثعمي] (^٣)، عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي، عن عبد الرحمن بن البَيْلماني قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ قالوا: يا رسول الله فما العلائق بينهم؟ قال: "ما تراضى عليه أهلوهم" (^٤).
وقد روى ابن مردويه من طريق حجاج بن أرطأة عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الرحمن بن البَيْلماني عن عمر بن الخطاب قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "أنكحوا الأيامى - ثلاثًا -" فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله ما العلائق بينهم؟ قال: "ما تراضى عليه أهلوهم" ابن البَيْلماني ضعيف ثم فيه انقطاع أيضًا (^٥).
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾.
ينهى ﷾ عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس قيامًا، أي: تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها ومن ههنا يؤخذ الحجر على السفهاء وهم أقسام، فتارة يكون الحجر للصغر، فإن الصغير مسلوب العبارة، وتارة يكون الحجر للجنون، وتارة لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين، وتارة للفلس، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ماله عن وفائها، فإذا سأل الغرماء الحاكم الحجر عليه، حجر عليه.
وقد قال الضحاك، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ قال: هم بنوك والنساء (^٦).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وحكمه مفصل في تحقيقي لتفسير ابن أبي حاتم.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق هشيم به.
(٣) في الأصل: "الحنفي" وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف البيلماني وإرساله.
(٥) سنده كسابقه.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق جويبر عن الضحاك به، وسنده ضعيف بسبب ضعف جويبر، وعدم سماع الضحاك من ابن عباس.
[ ٣ / ١٤ ]
وكذا قال ابن مسعود والحكم بن عُتيبة والحسن والضحاك: هم النساء والصبيان (^١).
وقال سعيد بن جبير: هم اليتامى (^٢).
وقال مجاهد وعكرمة وقتادة: هم النساء (^٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: "وإن النساء السفهاء إلا التي أطاعت قيمها" (^٤). ورواه ابن مردويه مطولًا.
وقال ابن أبي حاتم: ذُكر عن مسلم بن إبراهيم، حدثنا حرب بن سُريح، عن معاوية بن قرة، عن أبي هريرة ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ قال: هم الخدم، وهم شياطين الإنس (^٥).
وقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، يقول: لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤونتهم ورزقهم (^٦). وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل كانت له امرأة [سيئة] (^٧) الخلق فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيهًا، وقد قال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، ورجل كان له على رجل دين فلم يُشهِد عليه (^٨).
وقال مجاهد: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ يعني: في البر والصلة (^٩).
وهذه الآية الكريمة تضمنت الإحسان إلى العائلة ومن تحت الحجر بالفعل من الإنفاق في الكساوي والأرزاق والكلام الطيب وتحسين الأخلاق.
_________________
(١) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سلمة بن نبيط عنه، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح من طريق معمر عنه.
(٢) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن كلاهما من طريق سالم عنه.
(٣) ذكرهم الطبري وابن أبي حاتم بحذف السند، وقول مجاهد: أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف رواية عثمان عن علي بن يزيد (التقريب ٢/ ١٠)، وضعف علي بن يزيد (التقريب ٢/ ٤٦).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا بسنده ومتنه، ولم أجد من رواه موصولًا.
(٦) أخرجه الطبري وأبي حاتم بسند ثابت من طريق علي به.
(٧) في الأصل: "سية" وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح).
(٨) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق شعبة به (المصنف ٤/ ٣٠٩)، وأخرجه الحاكم من طريق معاذ بن معاذ العنبري عن أبيه عن شعبة مرفوعًا وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى، وإنما أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإسناد … وقال الذهبي: لم يخرجاه لأن الجمهور رووه عن شعبة موقوفًا، ورفعه معاذ بن معاذ عنه (المستدرك ٢/ ٣٠٢)، ولا يصح رفعه.
(٩) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
[ ٣ / ١٥ ]
وقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ قال ابن عباس ومجاهد والحسن والسدي ومقاتل بن حيان؛ أي: اختبروهم (^١) ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ قال مجاهد: يعني الحلم (^٢)، قال الجمهور من العلماء: البلوغ في الغلام تارة يكون بالحلم، وهو أن يرى في منامه ما ينزل به الماء الدافق الذي يكون منه الولد، [وفي سنن أبي داود عن علي قال: حفظت من رسول الله ﷺ: "لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى الليل" (^٣)، وفي الحديث الآخر عن عائشة وغيرها من الصحابة ﵃ عن النبي ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستقيظ، وعن المجنون حتى يفيق" (^٤)] (^٥)، أو يستكمل خمس عشرة سنة وأخذوا ذلك من الحديث الثابت في الصحيحين عن ابن عمر، قال: عرضت على النبي ﷺ يوم أُحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني، وعُرضتُ عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني، فقال عمر بن عبد العزيز لما بلغه هذا الحديث: إن هذا الفرق بين الصغير والكبير (^٦).
واختلفوا في إنبات الشعر الخشن حول الفرج، وهي الشعرة، هل تدل على بلوغ أم لا؟ على ثلاثة أقوال، يُفرق في الثالث بين صبيان المسلمين فلا يدل على ذلك لاحتمال المعالجة، وبين صبيان أهل الذمة فيكون بلوغًا في حقهم لأنه لا يتعجل بها إلى ضرب الجزية عليه. فلا يعالجها، والصحيح أنها بلوغ في حق الجميع لأن هذا أمر جبلّي يستوي فيه الناس واحتمال المعالجة بعيد، ثم قد دلت السنة على ذلك في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عطية القرظي ﵁، قال: عُرضنا على النبي ﷺ يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلى سبيله، فكنت فيمن لم ينبت فخلي سبيلي (^٧)، وقد أخرجه أهل السنن الأربعة بنحوه، وقال الترمذي: حسن صحيح (^٨). وإنما كان كذلك لأن سعد بن معاذ ﵁ كان قد حكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي الذرية.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الغريب: حدثنا ابن علية، عن إسماعيل بن أمية،
_________________
(١) قول ابن عباس: أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه، وقول مجاهد أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عنه، وقول الحسن أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عنه، وقول السدي أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عنه، وقول مقاتل أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق بكير عنه.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٣) السنن، الوصايا، باب متى ينقطع اليُتم ح ٢٨٧٣، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٤٩٧).
(٤) أخرجه أبو داود (السنن، الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدًا ح ٤٣٩٨)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٣٦٩٨)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٥٩).
(٥) كذا في: (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل تأخر بعد رواية الصحيحين.
(٦) أخرجه البخاري (الصحيح، الشهادة، باب ما يكره من الأطناب في المدح ح ٢٦٦٤، وصحيح مسلم، الإمارة، باب بيان سن البلوغ ح ١٨٦٨).
(٧) أخرجه الإمام أحمد عن عطية بلفظه (المسند ٤/ ٣١٠)، وسنده صحيح.
(٨) أخرجه الترمذي من طريق عطية به (السنن، السير، باب ما جاء في النزول على الحكم ح ١٥٨٤، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ح ١٢٨٨)، وأخرجه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ١٢٣).
[ ٣ / ١٦ ]
عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمر، أن غلامًا ابتهر جارية في شعره، فقال عمر ﵁: انظروا إليه فلم يوجد أنبت فدرأ عنه الحد، قال أبو عبيد: ابتهرها؛ أي: قذفها، والابتهار أن يقول: فعلت بها وهو كاذب، فإن كان صادقًا فهو الابتيار، قال الكميت في شعره:
قبيح بمثلي نعت الفتاة … إما ابتهارًا وإما ابتيارًا (^١)
وقوله ﷿: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ قال سعيد بن جبير: يعني صلاحًا في دينهم وحفظًا لأموالهم (^٢). وكذا روي عن ابن عباس (^٣) والحسن البصري (^٤) وغير واحد من الأئمة وهكذا قال الفقهاء: متى بلغ الغلام مصلحًا لدينه وماله انفك الحجر عنه فيسلم إليه ماله الذي تحت يد وليه بطريقه.
وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ ينهى تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ أي: مبادرة قبل بلوغهم، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ من كان في غنية عن مال اليتيم فليستعفف عنه ولا يأكل منه شيئًا.
وقال الشعبي: هو عليه كالميتة والدم (^٥).
﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج، حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ نزلت في والي اليتيم، وحدثنا الأشج وهارون بن إسحاق قالا: حدثنا عبدة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ نزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه إذا كان محتاجًا أن يأكل منه، وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، حدثنا علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية في والي اليتيم ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بقدر قيامه عليه (^٦). ورواه البخاري عن إسحاق، عن عبد الله بن نمير، عن هشام به (^٧).
قال الفقهاء: له أن يأكل أقل الأمرين: أجرة مثله أو قدر حاجته، واختلفوا هل يرد إذا أيسر؟ على قولين؛ (أحدهما): لا، لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيرًا، وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعي، لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل.
قال أحمد: حدثنا عبد الوهاب، حدثنا حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: ليس لي مال ولي يتيم؟ فقال: "كُلْ من مال يتيمك غير
_________________
(١) غريب الحديث ٣/ ٢٨٩ وسنده صحيح، والبيت ذكره ابن منظور (لسان العرب: باب ب هـ ر).
(٢) ذكره ابن أبي حاتم بحذف السند.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة عنه بلفظ: "فإن عرفتم منهم رشدًا".
(٤) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق مبارك بن فضالة عنه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن السائب عنه.
(٦) هذه الروايات الثلاث ذكرها ابن أبي حاتم بأسانيدها ومتونها وأصله في الصحيح كما سيأتي.
(٧) صحيح البخاري، التفسير، سورة النساء، باب ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] (ح ٤٥٧٥).
[ ٣ / ١٧ ]
مسرف ولا مبذر ولا متأثل (^١) مالًا ومن غير أن تقي مالك - أو قال - تفدي مالك بماله" شك حسين (^٢).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، حدثنا حسين المكتب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن عندي يتيمًا عنده مال وليس عندي شئ ما، آكل من ماله؟ قال: "بالمعروف غير مسرف" (^٣). ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث حسين المعلم به (^٤).
وروى أبو حاتم بن حبان في صحيحه وابن مردويه في تفسيره من حديث يعلى بن مهدي، عن جعفر بن سليمان، عن [أبي عامر] (^٥) الخزاز، عن عمرو بن دينار، عن جابر أن رجلًا قال: يا رسول الله مما أضرب يتيمي؟ قال: "ما كنت ضاربًا منه ولدك غير واق مالك بماله ولا متأثل منه مالًا" (^٦).
وقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال: جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال: إن في حجري أيتامًا وإن لهم إبلًا ولي إبل، وأنا أمنح في إبلي وأفْقر، فماذا يحل لي من ألبانها؟ فقال: إن كنت تبغي ضالتها وتهنأ (^٧) جرباها وتلوط حوضها (^٨) وتسقي عليها فاشرب غير مضر بنسل، ولا ناهك في الحلب (^٩). ورواه مالك في موطئه عن يحيى بن سعيد به (^١٠).
وبهذا القول وهو عدم أداء البدل، يقول عطاء بن أبي رباح وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطية العوفي والحسن البصري. (والثاني) نعم، لأن مال اليتيم على الحظر، وإنما أبيح للحاجة فيرد بدله كأكل مال الغير للمضطر عند الحاجة.
_________________
(١) يقال: مال مؤثل ومجد مؤثل، أي: مجموع ذو أصل، وأثلة الشيء: أصله (النهاية ١/ ٢٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٦٧٤٧)، وصححه أحمد شاكر وذكر الحافظ ابن حجر أن إسناده قوي (الفتح ٨/ ٢٤١).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وإسناده حسن، وقد فصلت الكلام عن إسناده في تحقيقي له.
(٤) سنن أبي داود، الوصايا، باب ما جاء فيما لولي اليتيم (ح ٢٨٧٨)، وسنن النسائي، الوصايا، باب ما للوصي من مال اليتيم ٦/ ٢٥٦، وسنن ابن ماجه، الوصايا، باب قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] (ح ٢٧١٨)، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن النسائي ح ٣٤٢٩).
(٥) في الأصل: "ابن عامر" وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح).
(٦) أخرجه ابن حبان من طريق مُعلى بن مهدي به (الإحسان ١٠/ ٥٥ ح ٤٢٤٤)، وأخرجه البيهقي من طريق معلى بن مهدي به، ثم قال: كذا رواه والمحفوظ ما أخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن قتادة، ثنا أبو منصور العباس بن الفضل النضروي، ثنا أحمد بن نجدة، ثنا سعيد بن منصور، ثنا حماد بن زيد وسفيان، عن عمرو بن دينار، عن الحسن العرني أن رجلًا قال: يا رسول الله … قال: وهذا مرسل (السنن الكبرى ٦/ ٤)، ويشهد له سابقه.
(٧) تهنأ: أي الطلاء بالهناء وهو القطران (ينظر: القاموس المحيط، مادة: هـ ن أ).
(٨) تلوط حوضها: أي تصلحه بالطين (ينظر: النهاية، مادة: ل وط).
(٩) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وأخرجه عبد الرزاق به وسنده صحيح.
(١٠) الموطأ، صفة النبي ﷺ، باب جامع ما جاء في الطعام والشراب ٢/ ٩٣٤ (ح ٣٣).
[ ٣ / ١٨ ]
وقد قال ابن أبي الدنيا: حدثنا ابن خيثمة، حدثنا وكيع عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن [حارثة] (^١) بن مضرب قال: قال عمر ﵁: إني أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن [احتجت] (^٢) استقرضت، فإذا أيسرت قضيت (^٣).
(طريق أخرى) قال سعيد بن منصور: حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: قال عمر ﵁: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم، إن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته، وإن استغنيت استعففت (^٤)، إسناد صحيح.
وروى البيهقي عن ابن عباس نحو ذلك (^٥)، وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يعني: القرض (^٦). قال: وروي عن عبيدة وأبي العالية، وأبي وائل، وسعيد بن جبير في إحدى الروايات ومجاهد والضحاك والسدي نحو ذلك (^٧)، وروى من طريق السدي عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: يأكل بثلاث أصابع (^٨). ثم قال: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا [ابن مهدي] (^٩)، عن سفيان، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: يأكل من ماله يقوت على يتيمه حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم (^١٠). قال: وروي عن مجاهد وميمون بن مهران في إحدى الروايات والحكم نحو ذلك (^١١).
وقال عامر الشعبي: لا يأكل منه إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة فإن أكل منه قضاه، رواه ابن أبي حاتم (^١٢).
وقال ابن وهب: حدثنا نافع بن أبي نعيم القارئ قال: سألت يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة عن قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فقالا: ذلك في اليتيم إن كان فقيرًا أنفق
_________________
(١) في الأصل: "حماد بن مضرب" وهو تصحيف والمثبت من (ح) و(حم) و(مح).
(٢) في الأصل: "احتجب" وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح).
(٣) أخرجه الطبري وابن المنذر كلاهما من طريق الثوري به، وسنده صحيح، وأخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم وصححه الحافظ ابن حجر (الفتح ١٣/ ١٩٤، وتغليق التعليق ٥/ ٢٩٣ - ٢٩٥).
(٤) أخرجه سعيد بن منصور بسنده ومتنه (السنن، تفسير سورة المائدة ٤/ ١٥٣٨ ح ٧٨٨)، وصححه الحافظ ابن كثير.
(٥) السنن الكبرى (٦/ ٤).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده الثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٧) ذكرهم ابن أبي حاتم كلهم بحذف السند، وقول سعيد بن جبير أخرجه الثوري في تفسيره بسند صحيح عن حماد عن سعيد، وقول مجاهد أخرجه الثوري أيضًا في تفسيره بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق السدي به، وسنده حسن.
(٩) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "ابن مخلدي" وهو تصحيف.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده حسن، وأخرجه الحاكم من طريق الثوري به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠٢).
(١١) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم: بحذف السند.
(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن السائب عن الشعبي.
[ ٣ / ١٩ ]
عليه بقدر فقره، ولم يكن للولي منه شيء (^١)، وهذا بعيد من السياق، لأنه قال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ يعني: من الأولياء. ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا﴾ أي: منهم ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالتي هي أحسن. كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] أي: لا تقربوه إلّا مصلحين له، فإن احتجتم إليه أكلتم منه بالمعروف.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [يعني: بعد بلوغهم الحلم وإيناسكم الرشد منهم فحينئذٍ سلموا إليهم أموالهم، فإذا دفعتم إليهم أموالهم] (^٢) ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ وهذا أمر من الله تعالى للأولياء أن يشهدوا على الأيتام إذا بلغوا الحلم وسلموا إليهم أموالهم لئلا يقع من بعضهم جحود وإنكار لما قبضه وتسلمه، ثم قال: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: وكفى بالله محاسبًا وشهيدًا ورقيبًا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام وحال تسليمهم للأموال هل هي كاملة موفرة أو منقوصة مبخوسة مدخلة، مروج حسابها، مدلس أمورها؟ الله عالم بذلك كله، ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تلين مال يتيم" (^٣).
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾.
قال سعيد بن جبير وقتادة: كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئًا، فأنزل الله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ …﴾ الآية (^٤)، أي: الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى، يستوون في أصل الوراثة، وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل منهم بما يدلي به إلى الميت من قرابة، أو زوجية، أو ولاء، فإنه لحمة كلحمة النسب. وقد روى ابن مردويه من طريق ابن هراسة عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: جاءت أم كُجّة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن لي ابنتين قد مات أبوهما وليس لهما شيء، فأنزل الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ …﴾ الآية (^٥)، وسيأتي هذا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٢) ما بين معقوفين سقط في الأصل واستدرك من (ح) و(حم) و(مح).
(٣) صحيح مسلم، الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة (ح ١٨٢٦).
(٤) قول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه لكنه مرسل ويتقوى بمرسل قتادة فقد أخرجه ابن أبي حاتم أيضًا بسند صحيح من طريق معمر بن راشد عنه.
(٥) في سنده ابن هراسة وهو: إبراهيم بن هراسة: متروك (التاريخ الكبير ١/ ٣٣٣، والجرح والتعديل ٢/ ١٤٣)، قال الحافظ ابن حجر: هو ضعيف وقد خالفه بشر بن المفضل عن عبد الله بن محمد بن جابر (الإصابة ١/ ٢٧٢)، وحديث بشر بن المفضل فيه أن البنتين ابنتا سعد بن الربيع. رواه أبو داود في السنن، الفرائض، باب ما جاء في ميراث الصلب (ح ٢٨٩١)، كما سيأتي في آية ١١ من هذه السورة.
[ ٣ / ٢٠ ]
الحديث عند آيتي الميراث بسياق آخر (^١)، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾، قيل: المراد وإذا حضر قسمة الميراث ذوو القربى ممن ليس بوارث ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ فليرضخ لهم من التركة نصيب، وإن ذلك كان واجبًا في ابتداء الإسلام، وقيل: يستحب.
واختلفوا هل هو منسوخ أم لا؟ على قولين، فقال البخاري: حدثنا أحمد بن حميد، أخبرنا عُبيد الله الأشجعي عن سفيان، عن الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾. قال: هي محكمة وليست بمنسوخة. تابعه سعيد عن ابن عباس (^٢).
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا عباد بن العوام، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: هي قائمة يعمل بها (^٣).
وقال الثوري: عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في هذه الآية، قال: هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم (^٤)، وهكذا روي عن ابن مسعود وأبي موسى وعبد الرحمن بن أبي بكر وأبي العالية والشعبي والحسن (^٥). وقال ابن سيرين وسعيد بن جبير ومكحول وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح والزهري ويحيى بن يعمر: إنها واجبة (^٦).
وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن إسماعيل بن علية، عن يونس بن عبيد، عن ابن سيرين قال: ولي عبيدة وصية فأمر بشاة فذبحت فأطعم أصحاب هذه الآية وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي (^٧).
[وقال مالك فيما يروى عنه من التفسير في جزء مجموع عن الزهري: أن عروة أعطى من مال مصعب حين قسم ماله، وقال الزهري: هي محكمة. وقال مالك: عن عبد الكريم، عن مجاهد قال: هي حق واجب ما طابت به الأنفس] (^٨).
ذكر من ذهب إلى أن ذلك أمر بالوصية لهم:
قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة: أن أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق والقاسم بن محمد أخبراه أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، قسم ميراث
_________________
(١) وهما آية ١١ و١٢ من هذه السورة، والحديث هو حديث الإمام أحمد عن جابر.
(٢) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ …﴾ [النساء: ٨] ح ٤٥٧٦).
(٣) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف الحسين وهو سُنيد، ويشهد له سابقه في صحيح البخاري.
(٤) أخرجه الثوري في تفسيره بسنده ومتنه، وسنده صحيح، وأخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق الثوري به.
(٥) ذكرهم ابن أبي حاتم إلا رواية ابن مسعود، وذكر لهم بحذف السند إلا رواية أبي موسى الأشعري فقد أخرجها بسند صحيح من طريق حِطّان بن عبد الله الرقاشي عنه.
(٦) ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند، وقد أخرج الطبري وابن أبي شيبة معظم أقوالهم بأسانيد ثابتة (المصنف ١١/ ١٩٣ - ١٩٦، رقم ١٠٩٣٨ و١٠٩٤٨ و١٠٩٤٩).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٨) الزيادة من (ح) و(حم) (مح)، وأسانيد الإمام مالك ثابتة إلى الزهري ومجاهد.
[ ٣ / ٢١ ]
أبيه عبد الرحمن وعائشة حية، قالا: فلم يدع في الدار مسكينًا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه، قال: وتلا ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾، قال القاسم: فذكرت ذلك لابن عباس، فقال: ما أصاب، ليس ذلك له إنما ذلك إلى الوصية وإنما هذه الآية في الوصية يريد الميت يوصي لهم، رواه ابن أبي حاتم (^١).
ذكر من قال: هذه الآية منسوخة بالكلية:
قال سفيان الثوري، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ قال: منسوخة (^٢)، وقال إسماعيل بن مسلم المكي عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال في هذه الآية ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ نسختها الآية التي بعدها ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] (^٣). وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في هذه الآية ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض، فأنزل الله بعد ذلك الفرائض فأعطى كل ذي حق حقه، فجعلت الصدقة فيما سمى المتوفى (^٤)، [رواهن] (^٥) ابن مردويه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ نسختها آية الميراث فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر (^٦). وحدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا سعيد بن عامر، عن همام، حدثنا قتادة عن سعيد بن المسيب أنه قال: إنها منسوخة، كانت قبل الفرائض كان ما ترك الرجل من مال أعطى منه اليتيم والفقير والمسكين وذوي القربى إذا حضروا القسمة ثم نسخ بعد ذلك نسختها المواريث فألحق الله بكل ذي حق حقه، وصارت الوصية من ماله يوصي بها لذوي قرابته حيث شاء (^٧). [وقال مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: هي منسوخة، نسختها المواريث والوصية] (^٨). وهكذا روي عن عكرمة وأبي الشعثاء والقاسم بن محمد وأبي صالح وأبي مالك وزيد بن أسلم والضحاك وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وربيعة بن أبي عبد الرحمن أنهم قالوا: إنها منسوخة (^٩)، وهذا مذهب جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة وأصحابهم، وقد اختار ابن جرير ههنا قولًا غريبًا جدًّا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم عن الحسن بن أبي الربيع عن عبد الرزاق به، وهو بسنده ولفظه في تفسير عبد الرزاق وصححه الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ٢٤٢).
(٢) في سنده محمد بن السائب الكلبي وقد صرح بأن كل ما رواه عن أبي صالح فهو كذب.
(٣) أخرجه النحاس من طريق سلمة بن الفضل عن إسماعيل به (الناسخ والمنسوخ ص ٩٥)، في سنده إسماعيل بن مسلم المكي: ضعيف، كما في التقريب.
(٤) أخرجه الطبري من طريق عطية العوفي به، وسنده ضعيف بسبب ضعف العوفي.
(٥) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "رواه".
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب ضعف عثمان بن عطاء، وعطاء لم يسمع من ابن عباس.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وسنده صحيح.
(٨) الزيادة من (ح) و(حم) و(مح)، وسند مالك صحيح.
(٩) ذكرهم كلهم ابن أبي حاتم بحذف السند.
[ ٣ / ٢٢ ]
وحاصله أن معنى الآية عنده ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ أي: وإذا حضر قسمة مال الوصية أولو قرابة الميت ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا﴾ لليتامى والمساكين إذا حضروا ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ هذا مضمون ما حاوله بعد طول العبارة والتكرار، وفيه نظر، والله أعلم.
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ هي قسمة الميراث (^١)، وهكذا قال غير واحد، والمعنى على هذا لا على ما سلكه أبو جعفر بن جرير ﵀، بل المعنى أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يرثون واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل، فإن أنفسهم تتوق إلى شيء منه إذا رأوا هذا يأخذ وهذا يأخذ، وهم يائسون لا شيء يعطونه، فأمر الله تعالى وهو الرؤوف الرحيم أن يرضخ لهم شيء من الوسط يكون برًا بهم وصدقة عليهم، وإحسانًا إليهم وجبرًا لكسرهم. كما قال الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وذمّ الذين يستغلون المال خفية خشية أن يطلع عليهم المحاويج وذوو الفاقة. كما أخبر عن أصحاب الجنة ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧] أي: بليل. وقال: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)﴾ [القلم] فـ ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠] فمن جحد حق الله عليه عاقبه في أعز ما يملكه، ولهذا جاء في الحديث "ما خالطت الصدقة مالًا إلا أفسدته" (^٢)، أي: منعها يكون سبب محاق ذلك المال بالكلية.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يحضره الموت، فيسمعه الرجل يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله ويوفقه ويسدده للصواب. فينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة (^٣)، وهكذا قال مجاهد وغير واحد (^٤).
وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده، قال: يا رسول الله، إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا". قال: فالشطر؟ قال: "لا". قال: فالثلث؟ قال: "الثلث، والثلث كثير". ثم قال رسول الله ﷺ: "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" (^٥) [وفي الصحيح عن ابن عباس قال: لو أن الناس] (^٦) غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله ﷺ قال: "الثلث، والثلث كثير" (^٧).
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند ضعيف عن عطية العوفي به.
(٢) أخرجه الحميدي (المسند ح ٢٣٧)، والبزار (كشف الأستار ح ٨٨١)، والبيهقي (السنن الكبرى ٤/ ١٥٩)، كلهم من طريق محمد بن عثمان الجمحي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. ومحمد بن عثمان ضعيف (التقريب ص ٤٩٦).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بنحوه بسند ثابت من طريق ابن أبي طلحة به.
(٤) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بنحوه.
(٥) صحيح البخاري، الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس (ح ٢٧٤٢)، وصحيح مسلم، الوصية، باب الوصية بالثلث (ح ١٦٢٨).
(٦) زيادة من (ح) و(حم) و(مح).
(٧) صحيح البخاري، الوصايا، باب الوصية بالثلث (ح ٢٧٤٣)، وصحيح مسلم، الباب السابق (ح ١٦٢٩).
[ ٣ / ٢٣ ]
قال الفقهاء: إن كان ورثة الميت أغنياء، استحب للميت أن يستوفي في وصيته الثلث، [وإن كانوا فقراء] (^١) استحب أن ينقص الثلث، وقيل: المراد بقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ فليتقوا الله في مباشرة أموال اليتامى ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦]، حكاه ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس (^٢)، وهو قول حسن يتأيد بما بعده من التهديد في أكل أموال اليتامى ظلمًا، فأولًا رغبهم، أي: كما تحب أن تعامل ذريتك من بعدك، فعامل الناس في ذراريهم إذا وليتهم، ثم أعلمهم أن من أكل مال اليتيم ظلمًا، فإنما يأكل في بطنه نارًا ولهذا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ أي: إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب فإنما يأكلون نارًا تتأجج في بطونهم يوم القيامة.
وفي الصحيحين من حديث سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" (^٣) قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات" (^٤).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبيدة، أخبرنا أبو عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد العَمّي، حدثنا أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قلنا: يا رسول الله، ما رأيت ليلة أسري بك؟ قال: "انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير. رجال كل منهم له مشفران (^٥) كمشفر البعير، وهو موكل بهم رجال يفكون لحاء أحدهم، ثم يجاء بصخرة من نار فتقذف في فيّ أحدهم حتى يخرج من أسفله، ولهم خوار (^٦) وصراخ، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا، إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا" (^٧).
وقال السدي: يبعث أكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأنفه وعينيه، يعرفه كل من راه بأكل مال اليتيم (^٨).
وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا زياد بن المنذر، عن نافع بن الحارث، عن أبي برزة أن رسول الله ﷺ قال: "يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم نارًا" قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال: "ألم تر أن الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ
_________________
(١) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "وإن كان فقيرًا".
(٢) أخرجه الطبري بسند ضعيف لضعف العوفي.
(٣) الموبقات أي: المهلكات.
(٤) صحيح البخاري، الوصايا، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء] (ح ٢٧٦٦)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها (ح ٨٩).
(٥) أي شفتان (القاموس المحيط، باب: ش ف هـ).
(٦) جؤار: أي رفع الصوت والاستغاثة (النهاية ١/ ٢٣٢).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف بسبب أبي هارون العبدي وهو: عمارة بن جوين متروك ومنهم من كذبه (التقريب ٢/ ٤٩).
(٨) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند حسن من طريق أسباط بن نصر عن السدي.
[ ٣ / ٢٤ ]
فِي بُطُونِهِمْ نَارًا …﴾ الآية"، رواه ابن أبي حاتم [عن أبي زرعة، عن عقبة بن مكرم، وأخرجه] (^١) ابن حبان في صحيحه عن أحمد بن [علي] (^٢) بن المثنى عن عقبة بن مكرم (^٣). وقال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عامر العبدي، حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري، عن عثمان بن محمد، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "أُحرِّج مال الضعيفين: المرأة واليتيم" (^٤). أي: أوصيكم باجتناب مالهما، وتقدم في سورة البقرة من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن أبي عباس ﵄، قال: لما نزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾، انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] (^٥)، قال: فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم.
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾.
هذه الآية الكريمة والتي بعدها والآية التي هي خاتمة هذه السورة هن آيات علم الفرائض، وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث ومن الأحاديث الواردة في ذلك مما هي كالتفسير لذلك. ولنذكر منها ما هو متعلق بتفسير ذلك. وأما تقرير المسائل ونصب الخلاف والأدلة، والحجاج بين الأئمة، فموضعه كتب الأحكام، والله المستعان.
وقد ورد الترغيب في تعلم الفرائض وهذه الفرائض الخاصة من أهم ذلك، وقد روى أبو داود
_________________
(١) سقط في الأصل واستدرك من (ح) و(حم) و(مح)، وتفسير ابن أبي حاتم.
(٢) في الأصل: "يعلى" والمثبت من (ح) و(حم) و(مح)، وتفسير ابن أبي حاتم.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم وابن حبان بالإسناد المذكور (الإحسان ١٢/ ٣٧٧ ح ٥٥٦٦)، وفي إسناديهما وإسناد ابن مردويه: زياد بن المنذر: كذاب (المجروحين ١/ ٣٠٦، والمطالب العالية ٣/ ٣٢١ ح ٣٥٨٦)، فالإسناد ضعيف جدًّا.
(٤) في سنده أحمد بن عصام: ضعيف (لسان الميزان ١/ ٢٢٠)، وأخرجه ابن ماجه من طريق ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: "اللهم إني أُحرجُ حق الضعيفين: اليتيم والمرأة" (السنن، الأدب، باب حق اليتيم ح ٣٦٧٨)، وصححه البوصيري وذكر المعنى، أُحرج عن هذا الإثم: بمعنى: بضيع حقهما (مصباح الزجاج ٣/ ١٦٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢٩٦٧)، وأخرجه الحاكم من طريق المقبري به وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ١٢٨)، وكذا أخرجه ابن حبان (الإحسان ٢/ ٣٧٦ ح ٥٥٦٥).
(٥) تقدم الأثر عند هذه الآية.
[ ٣ / ٢٥ ]
وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، عن عبد الرحمن بن [رافع] (^١) التنوخي، عن عبد الله بن عمرو ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة" (^٢).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أبا هريرة تعلموا الفرائض وعلموا فإنه نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شيء ينزع من أمتي" رواه ابن ماجه وفي إسناده ضعف (^٣). وقد روي من حديث ابن مسعود وأبي سعيد، وفي كل منهما نظر (^٤). قال سفيان بن عيينة: إنما سمّى الفرائض نصف العلم، لأنه يبتلى به الناس كلهم.
وقال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرني [ابن المنكدر] (^٥)، عن جابر بن عبد الله قال: عادني رسول الله ﷺ وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النبي ﷺ لا أعقل شيئًا، فدعا بماء فتوضأ منه، ثم رش علي فأفقت فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (^٦). وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج به (^٧)، ورواه الجماعة كلهم من حديث سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر.
(حديث آخر عن جابر في سبب نزول الآية) قال أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله هو ابن عمرو الرقي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في يوم أحد شهيدًا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالًا، ولا ينكحان إلا ولهما مال، قال: فقال: "يقضي الله في ذلك" فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: "أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك" (^٨). وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل به، قال الترمذي: ولا يعرف إلا من حديثه (^٩).
_________________
(١) في الأصل: "نافع" وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٢) سنن أبي داود، الفرائض، باب ما جاء في تعليم الفرائض (ح ٢٨٨٥)، وسنن ابن ماجه، المقدمة، باب اجتناب الرأي والقياس (ح ٥٤)، وسنده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن زياد كما في التقريب.
(٣) سنن ابن ماجه، الفرائض، باب الحث على تعليم الفرائض (ح ٢٧١٩)، وسنده ضعيف بسبب ضعف أحد رواته وهو حفص بن عمر بن أبي العطاف كما في التقريب ص ١٧٣.
(٤) حديث ابن مسعود أخرجه الترمذي ثم قال: هذا حديث فيه اضطراب (السنن، الفرائض، باب ما جاء في تعليم الفرائض ح ٢٠٩)، وأخرجه النسائي من طريق ابن المبارك عن عوف عمن حدثه عن سليمان بن جابر عن ابن مسعود (السنن الكبرى، الفرائض، باب الأمر بتعليم الفرائض ح ٦٣٠٦)، قال الدارقطني: والقول قول ابن المبارك ومن تابعه (العلل ٥/ ٧٨ ح ٧٢٦)، وحديث أبي سعيد وهو الخدري أخرجه الدارقطني من طريق عطية العوفي عنه (السنن ٤/ ٨٢)، وعطية العوفي ضعيف تقدم ذكره.
(٥) في الأصل: "ابن المنذر" وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] (ح ٤٥٧٧).
(٧) صحيح مسلم، الفرائض، باب ميراث الكلالة (ح ١٦١٦).
(٨) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٣٥٢)، وسنده حسن.
(٩) سنن أبي داود، الفرائض، باب ما جاء في ميراث الصلب (ح ٢٨٩١)، وسنن الترمذي، الفرائض، باب =
[ ٣ / ٢٦ ]
والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسبب الآية الأخيرة من هذه السورة كما سيأتي، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات، ولم يكن له بنات، وإنما كان يورث كلالة، ولكن ذكرنا الحديث ههنا تبعًا للبخاري ﵀ فإنه ذكره ههنا، والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الآية، والله أعلم.
فقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أي: يأمركم بالعدل فيهم، فإن أهل الجاهلية كانوا [يجعلون جميع الميراث للذكور] (^١) دون الإناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث، [وفاوت] (^٢) بين الصنفين، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤونة النفقة والكلفة ومعاناة التجارة والتكسب وتحمل المشاق، فناسب أن يعطى ضعفي ما تأخذه الأنثى، وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالدة بولدها، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعلم أنه أرحم بهم منهم، كما جاء في الحديث الصحيح وقد رأى امرأة من السبي فرق بينها وبين ولدها، فجعلت تدور على ولدها، فلما وجدته أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على ذلك "؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: "فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها" (^٣).
وقال البخاري ههنا: حدثنا محمد بن يوسف، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للزوجة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع (^٤).
وقال العوفي، عن ابن عباس قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وذلك لما أنزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم وقال: تعطى المرأة الربع أو الثمن، وتعطى البنت النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم، ولا يحوز الغنيمة، اسكتوا عن هذا الحديث لعل رسول الله ﷺ ينساه، أو نقول له فيغير، فقال بعضهم: يا رسول الله تُعطى الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس ولا تقاتل القوم، ويعطى الصبي الميراث وليس يغني شيئًا وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم ويعطونه الأكبر فالأكبر. رواه ابن أبي حاتم وابن
_________________
(١) = ميراث البنات (ح ٢٠٩٢)، وسنن ابن ماجه، الفرائض، باب فرائض الصلب (ح ٢٧٢٠)، وصححه الترمذي وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢١٩٩).
(٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "يعطون جميع الميراث للذكر" وكلاهما صحيح.
(٣) في الأصل: "قارب" وهو تصحيف والتصويب من (ح) و(حم) و(مح).
(٤) متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب ﵁ (صحيح البخاري، الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله ح ٥٩٩٩)، وصحيح مسلم، التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى (ح ٢٧٥٤).
(٥) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] ح ٤٥٧٨)، وسنده مسلسل بالمفسرين.
[ ٣ / ٢٧ ]
جرير أيضًا (^١).
وقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ قال بعض الناس: قوله: ﴿فَوْقَ﴾ زائدة، وتقديره فإن كن نساء اثنتين، كما في قوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢] وهذا غير مسلم لا هنا ولا هناك. فإنه ليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه، وهذا ممتنع، ثم قوله: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ لو كان المراد ما قالوه لقال: فلهما ثلث ما ترك وإنما استفيد كون الثلثين للبنتين من حكم الأختين في الآية الأخيرة، فإنه تعالى حكم فيها للأختين بالثلثين. وإذا ورثت الأختان الثلثين فلأن ترث البنتان الثلثين بالطريق الأولى والأحرى. وقد تقدم في حديث جابر أن النبي ﷺ، حكم لابنتي سعد بن الربيع بالثلثين، فدل الكتاب والسنة على ذلك، وأيضًا فإنه قال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ فلو كان للبنتين النصف لنصّ عليه أيضًا، فلما حكم به للواحدة على انفرادها، دل على أن البنتين في حكم الثلاث، والله أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (^٢)، الأبوان لهما في الإرث أحوال:
(أحدها): أن يجتمعا مع الأولاد فيفرض لكل واحد منهما السدس، فإن لم يكن للميت إلا بنت واحدة، فرض لها النصف، وللأبوين لكل واحد منهما السدس وأخذ الأب السدس الآخر [بالتعصيب] (^٣)، فيجمع له والحالة هذه بين الفرض والتعصيب.
الحال الثاني: أن ينفرد الأبوان بالميراث، فيفرض للأم والحالة هذه الثلث، ويأخذ الأب الباقي بالتعصيب المحض، ويكون قد أخذ ضعفي ما حصل للأُم، وهو الثلثان، فلو كان معهما - والحالة هذه - زوج أو زوجة أخذ الزوج النصف والزوجة الربع.
ثم اختلف العلماء ماذا تأخذ الأُم بعد فرض الزوج والزوجة، على ثلاثة أقوال:
(أحدها): أنها تأخذ ثلث الباقي في المسألتين، لأن الباقي كأنه جميع الميراث بالنسبة إليهما. وقد جعل الله لها نصف ما جعل للأب. فتأخذ ثلث الباقي ويأخذ الأب ثلثيه، هذا قول عمر وعثمان، [وأصح الروايتين] (^٤) عن علي، وبه يقول ابن مسعود وزيد بن ثابت، وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور العلماء.
(والقول الثاني): أنها تأخذ ثلث جميع المال لعموم قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فإن الآية أعمّ من أن يكون معها زوج أو زوجة أو لا، وهو قول ابن عباس. وروي عن علي ومعاذ بن جبل نحوه. وبه يقول شريح وداود الظاهري. واختاره أبو الحسين محمد بن عبد الله بن اللبان البصري في كتابه (الإيجاز في علم الفرائض) وهذا فيه نظر، بل هو ضعيف، لأن ظاهر الآية إنما هو إذا استبد بجميع التركة، وأما في هذه المسألة فيأخذ الزوج أو الزوجة الفرض ويبقى الباقي كأنه جميع التركة فتأخذ ثلثه كما تقدم.
_________________
(١) أخرجاه في تفسيريهما وسنده ضعيف.
(٢) تقدم في بداية تفسير الآية نفسها.
(٣) زيادة من (ح) و(حم) و(مح).
(٤) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "في الروايتين".
[ ٣ / ٢٨ ]
(والقول الثالث): أنها تأخذ ثلث جميع المال في مسألة الزوجة، فإنها تأخذ الربع وهو ثلاثة من اثني عشر، وتأخذ الأُم الثلث وهو أربعة، فيبقى خمسة للأب، وأما في مسألة الزوج فتأخذ ثلث الباقي لئلا تأخذ أكثر من الأب لو أخذت ثلث المال، فتكون المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة وللأم ثلث الباقي بعد ذلك وهو سهم، وللأب الباقي بعد ذلك وهو سهمان. ويحكى هذا عن ابن سيرين وهو قول مركب من القولين الأولين، موافق كلًا منهما في صورة وهو ضعيف أيضًا، والصحيح الأول، والله أعلم.
(والحال الثالث من أحوال الأبوين): وهو اجتماعهما مع الإخوة، سواء كانوا من الأبوين أو من الأب أو من الأم، فإنهم لا يرثون مع الأب شيئًا، ولكنهم مع ذلك يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس، فيفرض لها مع وجودهم السدس، فإن لم يكن وارث سواها وسوى الأب، أخذ الأب الباقي. وحكم الأخوين فيما ذكرناه كحكم الإخوة عند الجمهور.
وقد روى البيهقي من طريق شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس أنه دخل على عثمان، فقال: إن الأخوين لا يردان الأم عن الثلث، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ فالأخوان ليسا بلسان قومك إخوة، فقال عثمان: لا أستطيع [تغيير] (^١) ما كان قبلي، ومضى في [الأمصار] (^٢) وتوارث به الناس (^٣). وفي صحة هذا الأثر نظر، فإن شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس، ولو كان هذا صحيحًا عن ابن عباس لذهب إليه أصحابه الأخصاء به، والمنقول عنهم خلافه، وقد روى عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه [عن خارجة بن زيد، عن أبيه أنه قال: العرب] (^٤) تسمي الأخوين إخوة (^٥). وقد أفردت لهذه المسألة جزءًا على حدة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ أضروا بالأم ولا يرثون، ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث ويحجبها ما فوق ذلك، وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم عن الثلث أن أباهم يلي إنكاحهم، ونفقتهم عليهم دون أمهم (^٦). وهذا كلام حسن. لكن روي عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه كان يرى أن السدس الذي حجبوه عن أمهم يكون لهم وهذا قول
_________________
(١) زيادة من (ح) و(حم) و(مح).
(٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "الآثار"، وكذا أخرجه الطبري والحاكم (المستدرك ٤/ ٣٣٥)، والبيهقي (السنن الكبرى ٦/ ٢٢٧)، كلهم من طريق ابن أبي ذئب عن شعبة به، وشعبة هو ابن دينار الهاشمي: صدوق سيء الحفظ (التقريب ص ٢٦٦)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وقد نقل الحافظ ابن حجر تصحيح الحاكم ثم قال: وفيه نظر فإن شعبة ضعفه النسائي (التلخيص الحبير ٣/ ٨٥)، ولكنه قال في موفقه الخُبر الخَبر: هذا موقوف حسن (١/ ٤٨٢)، والعلة التي ذكرها الحافظ ابن كثير هي الفيصل في ضعف هذه الرواية.
(٣) قوله: "وتوارث به الناس" وردت في (السنن الكبرى للبيهقي ٦/ ٢٢٧)، ولم ترد في رواية الطبري.
(٤) ما بين معقوفين زيادة من (ح) و(حم) و(مح).
(٥) أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن آدم عن عبد الرحمن بن أبي الزناد به (السنن الكبرى ٦/ ٢٢٧)، وما ذكره معروف عند العرب.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ولفظه، وسنده حسن.
[ ٣ / ٢٩ ]
شاذ رواه ابن جرير في تفسيره فقال: حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: السدس الذي حجبته الإخوة الأم لهم، إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أبيهم (^١)، ثم قال ابن جرير: وهذا قول مخالف لجميع الأمة. وقد حدثني يونس، أخبرنا سفيان، أخبرنا عمرو، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس أنه قال: الكلالة: من لا ولد له ولا والد (^٢).
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ أجمع العلماء من السلف والخلف على أن الدين مقدم على الوصية وذلك عند [إمعان] (^٣) النظر يفهم من فحوى الآية الكريمة. وقد روى أحمد والترمذي وابن ماجه وأصحاب التفاسير من حديث أبي إسحاق، عن الحارث بن عبد الله الأعور، عن علي بن أبي طالب، قال: إنكم تقرؤون ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ وإن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأُم يتوارثون دون بني العلات. يرث الرجل أخاه لأبيه وأُمه دون أخيه لأبيه. ثم قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحارث، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم (^٤).
(قلت): لكن كان حافظًا للفرائض معتنيًا بها وبالحساب، فالله أعلم.
وقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أي: إنما فرضنا للآباء والأبناء، وساوينا بين الكل في أصل الميراث على خلاف ما كان عليه الأمر [في الجاهلية وعلى خلاف ما كان عليه الأمر] (^٥) في ابتداء الإسلام من كون المال للولد وللأبوين الوصية، كما تقدم عن ابن عباس، إنما نسخ الله ذلك إلى هذا ففرض لهؤلاء ولهؤلاء بحسبهم، لأن الإنسان قد يأتيه النفع الدنيوي أو الأخروي أو هما من أبيه ما لا يأتيه من ابنه، وقد يكون بالعكس، فلهذا قال: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أي: كأن النفع متوقع ومرجو من هذا كما هو متوقع ومرجو من الآخر، فلهذا فرضنا لهذا ولهذا، وساوينا بين القسمين في أصل الميراث، والله أعلم.
وقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أي: هذا الذي ذكرناه من تفصيل الميراث وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض، هو فرض من الله، الله حكم به وقضاه، والله العليم الحكيم الذي يضع الأشياء
_________________
(١) كذا في النسخ وكذا في النسخة المحققة على عدة نسخ، وأما في نسخة أحمد شاكر بلفظ: "أُمهم".
(٢) أخرجه الطبري بسنده ومتنه وتعليقه، ولعل ابن عباس رجع عن ذلك بدليل ما ذكره ورواه الطبري بأنه قد روى عنه خلاف ذلك. وكلا الروايتين أخرجهما عبد الرزاق في مصنفه رقم (١٩٠٢٧ و١٩١٨٩).
(٣) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "إنعام".
(٤) المسند (ح ٥٩٥)، وسنن الترمذي، الفرائض، باب ما جاء في ميراث الأخوة من الأب والأم (ح ٨٧٣٧) وتتمة كلامه: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم، وسنن ابن ماجه، الفرائض باب ميراث العصبة (ح ٢٧٣٩)، والحارث الأعور الكوفي ضعيف كما في التقريب، وأخرجه الحاكم ثم قال: هذا حديث رواه الناس عن أبي إسحاق والحارث بن عبد الله … ولم يخرجه الشيخان، وقد صحت هذه الفتوى عن زيد (المستدرك ٤/ ٣٣٦).
(٥) الزيادة من (ح) و(حم) و(مح).
[ ٣ / ٣٠ ]
في محالها، ويعطي كلًا ما يستحقه بحسبه، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾.
يقول تعالى: ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم إذا متن من غير ولد، ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. وقد تقدم أن الدين مقدم على الوصية، وبعده الوصية ثم الميراث، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء وحكم أولاد البنين وإن سفلوا حكم أولاد الصلب ثم قال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ وسواء في الربع أو الثمن الزوجة والزوجتان والثلاث والأربع يشتركن فيه. وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ الكلام عليه كما تقدم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾ الكلالة مشتقة من الإكليل، وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا فروعه، كما روى الشعبي عن أبي بكر الصديق أنه سئل عن الكلالة، فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه، الكلالة من لا ولد له ولا والد، فلما ولي عمر بن الخطاب قال: إني لأستحي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه، رواه ابن جرير وغيره (^١).
وقال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، عن سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، قال: سمعت ابن عباس يقول: كنت آخر الناس عهدًا بعمر بن الخطاب فسمعته يقول: القول ما قلت وما قلت وما قلت، قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد (^٢). وهكذا قال علي وابن مسعود، وصحّ "مِن" غير وجه عن ابن عباس وزيد بن ثابت، وبه يقول الشعبي والنخعي والحسن وقتادة وجابر بن زيد والحكم (^٣)، وبه يقول أهل المدينة وأهل الكوفة والبصرة، وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف، بل جميعهم، وقد حكى الإجماع عليه غير واحد، وورد فيه حديث مرفوع، قال أبو الحسين بن اللبان: وقد روي
_________________
(١) أخرجه الطبري من طريق الشعبي به، وسنده منقطع فإن الشعبي لم يسمع أبا بكر ولا عمر، ويتقوى بالرواية التالية.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح صححه الحافظ ابن حجر (التلخيص الحبير ٣/ ٨٩)، وأخرجه الحاكم من طريق سفيان بن عيينة به، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/ ٣٠٤).
(٣) ذكرهم السيوطي في الدر المنثور.
[ ٣ / ٣١ ]
عن ابن عباس ما يخالف ذلك، وهو أنه من لا ولد له، والصحيح عنه الأول، ولعل الراوي ما فهم عنه ما [أراد] (^١) وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ أي: من أُم كما هو في قراءة بعض السلف، منهم سعد بن أبي وقاص (^٢)، وكذا [فسرها] (^٣) أبو بكر الصديق فيما رواه قتادة عنه (^٤) ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ إخوة الأُم يخالفون بقية الورثة من وجوه:
(أحدها): أنهم يرثون مع من أدلوا به، وهي الأُم.
(الثاني): أن ذكورهم وإناثهم سواء.
(الثالث): أنهم لا يرثون إلا إن كان ميتهم يورث كلالة، فلا يرثون مع أب ولا جد ولا ولد ولا ولد ابن.
(الرابع): أنهم لا يزادون على الثلث، وإن كثر ذكورهم وإناثهم.
قال ابن أبي حاتم: [حدثنا يونس] (^٥)، حدثنا ابن وهب، أخبرنا يونس، عن الزهري، قال: قضى عمر بن الخطاب ﵁ أن ميراث الإخوة من الأُم بينهم للذكر مثل الأنثى، قال محمد بن شهاب الزهري: ولا أرى عمر قضى بذلك حتى علم بذلك من رسول الله ﷺ، وهذه الآية هي التي قال الله تعالى فيها: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (^٦).
واختلف العلماء في المسألة المشتركة، وهي زوج وأم أو جدة واثنان من ولد الأُم وواحد أو أكثر من ولد الأبوين، فعلى قول الجمهور للزوج النصف، وللأُم أو الجدة السدس ولولد الأُم الثلث ويشاركهم فيه ولد الأب والأُم بما بينهم من القدر المشترك وهو إخوة الأُم، وقد وقعت هذه المسألة في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فأعطى الزوج النصف، والأُم السدس، وجعل الثلث لأولاد الأُم، فقال له أولاد الأبوين: يا أمير المؤمنين، هبّ أن أبانا كان حمارًا، ألسنا من أم واحدة؟ فشرك بينهم (^٧).
صحَّ التشريك عنه وعن عثمان، وهو إحدى الروايتين عن ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس ﵃، وبه يقول سعيد بن المسيب وشريح القاضي ومسروق وطاوس ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز والثوري وشريك، وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق بن راهويه، وكان علي بن أبي طالب لا يشرك بينهم، بل يجعل الثلث لأولاود الأُم، ولا شيء لأولاد الأبوين، والحالة هذه لأنهم عصبة. وقال وكيع بن الجراح: لم يختلف عنه في
_________________
(١) الزيادة من (ح) و(حم) و(مح).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة بسند حسن عنه (المصنف ١١/ ٤١٧ ح ١١٦٥٠).
(٣) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "قرأها".
(٤) قتادة لم يسمع من أبي بكر فسنده منقطع.
(٥) سقط في الأصل واستدرك من (ح) و(حم) و(مح)، وتفسير ابن أبي حاتم.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، والزهري لم يسمع من عمر.
(٧) أخرجه الحاكم بنحوه من طريق الشعبي عن عمر وعلي وعبد الله وزيد، وصححه ووافقه الذهبي (المستدرك ٤/ ٣٣٧).
[ ٣ / ٣٢ ]
ذلك. وهذا قول أُبي بن كعب وأبي موسى الأشعري. وهو المشهور عن ابن عباس. وهو مذهب الشعبي وابن أبي ليلى وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد [وزفر] (^١) بن الهُذيل والإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن آدم ونعيم بن حماد وأبي ثور وداود بن علي الظاهري، [واختاره أبو الحسين بن اللبان الفرضي] (^٢) ﵀ في كتابه (الإيجاز). وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ أي: لتكن وصيته على العدل لا على الإضرار والجور والحيف بأن يحرم بعض الورثة أو ينقصه، أو يزيده على ما قدر الله له من الفريضة، فمن سعى في ذلك، كان كمن ضادّ الله في حكمته، وقسمته. ولهذا قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو النضر الدمشقي الفراديسي، حدثنا عمر بن المغيرة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: "الإضرار في الوصية من الكبائر" (^٣). وكذا رواه ابن جرير من طريق عمر بن المغيرة هذا، وهو أبو حفص بصري سكن المصيصة، قال أبو القاسم بن عساكر: ويعرف بمفتي المساكين، وروى عنه غير واحد من الأئمة، وقال فيه أبو حاتم الرازي: هو شيخ (^٤)، وقال علي بن المديني: هو مجهول لا أعرفه، لكن رواه النسائي في سننه عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفًا: "الإضرار في الوصية من الكبائر" وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن عائذ بن حبيب، عن داود بن أبي هند (^٥)، ورواه ابن جرير من حديث جماعة من الحفاظ عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفًا (^٦)، وفي بعضها: ويقرأ ابن عباس ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾. قال ابن جرير: والصحيح الموقوف، ولهذا اختلف الأئمة في الإقرار للوارث، هل هو صحيح أم لا؟ على قولين:
(أحدهما): لا يصح لأنه مظنة التهمة أن يكون قد أوصى له بصيغة الإقرار. وقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث". وهذا مذهب مالك وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة، والقول القديم للشافعي ﵏، وذهب في الجديد إلى أنه يصح الإقرار. وهو مذهب طاوس وعطاء والحسن وعمر بن عبد العزيز واختاره البخاري في صحيحه، واحتج بأن رافع بن خدج أوصى أن لا تكشف الفزارية عما أغلق عليه بابها، قال: وقال بعض الناس: لا يجوز إقراره لسوء الظن به للورثة، وقد قال النبي ﷺ: "إياكم والظن، فإن الظن
_________________
(١) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "زيد" وهو تصحيف.
(٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "وأحباهم أبو الحسين بن اللبان القرظي" وهو تصحيف في أوله وآخره.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، في سنده عمر المغيرة ضعيف جدًّا (تهذيب التهذيب ١/ ٢٢٠)، ولم يصح مرفوعًا، وإنما صح موقوفًا، وأخرجه الطبري والبيهقي من طرق عن ابن عباس موقوفًا، وعقب البيهقي فقال: هذا هو الصحيح موقوف (السنن الكبرى ٦/ ٢٧١)، وأخرجه العقيلي في الضعفاء وقال: لا يعرف أحد رفعه غير عمر بن المغيرة المصيصي (انظر: نصب الراية ٤/ ٤٠٢)، وصححه الطبري موقوفًا أيضًا كما نقل عنه الحافظ ابن كثير.
(٤) الجرح والتعديل (٦/ ١٣٦).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده حسن.
(٦) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده حسن.
[ ٣ / ٣٣ ]
أكذب الحديث" وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] فلم يخص وارثًا ولا غيره (^١)، انتهى ما ذكره. فمتى كان الإقرار صحيحًا مطابقًا لما في نفس الأمر، جرى فيه هذا الخلاف، ومتى كان حيلة ووسيلة إلى زيادة بعض الورثة ونقصان بعضهم، فهو حرام بالإجماع وبنص هذه الآية الكريمة ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ ثم قال تعالى:
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾.
أي هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه [وفقدهم] (^٢) له عند عدمه، هي حدود الله، فلا تعتدوها ولا تجاوزوها، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيها فلم يزد بعض الورثة ولم ينقص بعضها بحيلة ووسيلة، بل تركهم على حكم الله وفريضته وقسمته ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ أي: لكونه غير ما حكم الله به وضادّ الله في حكمه، وهذا إنما يصدر عن عدم رضى بما قسم الله وحكم به، وضاد الله في حكمه وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به، ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم - قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة" قال: ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (^٣).
قال أبو داود في باب الإضرار في الوصية من سننه: حدثنا عَبْدَة بن عبد الله، أخبرنا عبد الصمد، حدثنا نصر بن علي الحُدّاني، حدثنا الأشعث بن عبد الله بن جابر الحداني، حدثني شهر بن حوشب أن أبا هريرة حدثه أن رسول الله ﷺ قال: "إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت، فيُضارّان في الوصية، فتجب لهما النار" وقال: قرأ عليّ أبو هريرة من ههنا ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢] حتى بلغ ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (^٤)،
_________________
(١) ذكر البخاري مذهب طاوس وعطاء والحسن وعمر بن عبد العزيز وقول رافع والحريث، والتعليق كله معلقًا الصحيح، الوصايا، باب قول الله ﷿: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] قبل حديث رقم ٢٧٤٩، والحديث ذكر الحافظ ابن حجر أن البخاري وصله في الأدب المفرد (الفتح ٥/ ٣٧٦).
(٢) كذا في (ح) و(حم) و(مح)، وفي الأصل: "وفقرهم" وهو تصحيف.
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ٧٧٢٨)، وسنده ضعيف بسبب شهر بن حوشب صدوق كثير الإرسال والأوهام (التقريب ص ٢٦٩).
(٤) أخرجه أبو داود بسنده ومتنه (السنن، الوصايا، باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية ح ٢٨٦٧)، ولم يذكره الألباني في صحيح سنن أبي داود.
[ ٣ / ٣٤ ]
وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أشعث ابن عبد الله بن جابر الحداني به، وقال الترمذي: حسن غريب (^١)، وسياق الإمام أحمد أتم وأكمل.
﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾.
كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة، حبست في بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت، ولهذا قال: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ يعني: الزنا ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك.
قال ابن عباس ﵁: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور، فنسخها بالجلد أو الرجم (^٢). وكذا رُوي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن وعطاء الخراساني وأبي صالح وقتادة وزيد بن أسلم والضحاك، أنها منسوخة (^٣)، وهو أمر متفق عليه.
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت، قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي، أثر عليه، وكرب لذلك، وتَرَبّد وجهه، فأنزل الله ﷿ عليه ذات يوم، فلما سُري عنه، قال: "خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا، الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر جلد مائة ثم نفي سنة" (^٤). وقد رواه مسلم وأصحاب السنن من طرق عن قتادة، عن الحسن، عن حطان، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ ولفظه: "خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" (^٥). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهكذا رواه أبو داود الطيالسي
_________________
(١) سنن الترمذي، الوصايا، باب ما جاء في الوصية بالثلث (ح ٢١١٧)، وسنن ابن ماجه، الوصايا، باب الحيف في الوصية (ح ٢٧٠٤).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عطاء بن السائب عن ابن عباس، وفي سنده عطاء لم يسمع من ابن عباس وقد تابعه علي بن أبي طلحة كما في رواية الطبري والنحاس في الناسخ والمنسوخ ص ٣١٠، ويشهد له حديث عبادة بن الصامت ﵁ كما سيأتي في صحيح مسلم. فالإسناد حسن لغيره.
(٣) هذه الأقوال ذكرها كلها ابن أبي حاتم بحذف السند، وقول عطاء الخراساني تقدم في سابقه ضمن إسناد ابن عباس، وقول قتادة أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عنه، وقول الضحاك أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه إبهام شيخ الطبري، وأخرجه الطبري بإسناد صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وأخرجه الطبري بإسناد حسن من طريق أسباط عن السدي. وقول زيد بن أسلم أخرجه الطبري بإسناد صحيح من طريق عبد الله بن وهب عنه.
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٥/ ٣١٨)، وسنده صحيح فقد أخرجه مسلم كما سيأتي.
(٥) صحيح مسلم، الحدود، باب حد الزنى (ح ١٦٩٠)، وسنن الترمذي، الحدود، باب ما جاء في الرجم على الثيب (ح ١٤٣٣).
[ ٣ / ٣٥ ]
عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة، أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل عليه الوحي، عُرف ذلك في وجهه، فلما أُنزلت ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فلما ارتفع الوحي قال رسول الله ﷺ: "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة ورمي بالحجارة" (^١). وقد روى الإمام أحمد أيضًا هذا الحديث عن وكيع بن الجراح، حدثنا الفضل بن دلهم، عن الحسن، عن قبيصة بن حُرَيث، عن سلمة بن المحبق، قال: قال رسول الله ﷺ: "خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" (^٢). وكذا رواه أبو داود مطولًا من حديث الفضل بن دلهم، ثم قال: وليس هو بالحافظ، كان قصابًا بواسط.
(حديث آخر) قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا عباس بن [حمدان] (^٣)، حدثنا أحمد بن داود، حدثنا عمرو بن عبد الغفار، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن أُبي كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: "البكران يجلدان وينفيان، والثيبان يجلدان ويرجمان، والشيخان يرجمان" (^٤) هذا حديث غريب من هذا الوجه.
وروى الطبراني من طريق ابن لهيعة عن أخيه عيسى بن لهيعة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت سورة النساء، [قال رسول الله ﷺ: "لا حبس بعد سورة النساء" (^٥)] (^٦).
وقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى القول بمقتضى هذا الحديث، وهو الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني، وذهب الجمهور إلى أن الثيب الزاني إنما يرجم فقط من غير جلد، قالوا: لأن النبي ﷺ رجم ماعزًا والغامدية واليهوديين، ولم يجلدهم قبل ذلك، فدل على أن الجلد ليس بحتم، بل هو منسوخ على قولهم، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ أي: واللذان يفعلان الفاحشة فآذوهما، قال ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبير وغيرهما؛ أي: بالشتم والتعيير والضرب بالنعال (^٧). وكان الحكم كذلك، حتى نسخه الله بالجلد أو الرجم.
_________________
(١) مسند الطيالسي (ح ٥٨٤).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٧٦)، وسنده ضعيف بسبب الفضل بن دلهم ضعفه ابن معين كما في (ميزان الاعتدال ٣/ ٣٠١)، وقال ابن أبي حاتم الرازي عن أبيه: هذا خطأ إنما أراه عن الحسن عن حطان عن قتادة (العلل ١/ ٤٥٦)، ولكن متنه صحيح كما تقدم.
(٣) كذا في (ح) و(حم)، وفي (مح): "حمران" وفي الأصل: "عمران" وهو تصحيف.
(٤) في سنده عمرو بن عبد الغفار وهو الفقيمي، قال أبو حاتم: متروك، وقال ابن عدي: اتهم بوضع الحديث (لسان الميزان ٤/ ٤٦٩).
(٥) أخرجه الطبراني بسنده ومتنه (المعجم الكبير ١١/ ٣٦٥)، وفي سنده عيسى بن لهيعة ضعيف كما تقدم في أول تفسير السورة.
(٦) ما بين معقوفين سقط في الأصل واستدرك من (ح) و(حم) و(مح) والتخريج.
(٧) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وقول سعيد بن جبير أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عطاء بن دينار عنه.
[ ٣ / ٣٦ ]
وقال عكرمة وعطاء والحسن وعبد الله بن كثير: نزلت في الرجل والمرأة إذا زنيا (^١).
وقال السدي: نزلت في الفتيان من قبل أن يتزوجوا (^٢).
وقال مجاهد: نزلت في الرجلين إذا فعلا (^٣) - لا يكنى، وكأنه يريد اللواط (^٤) - والله أعلم.
وقد روى أهل السنن من حديث عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به" (^٥).
وقوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا﴾ أي: أقلعا ونزعا عما كانا عليه وصلحت أعمالها وحسنت، ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ أي: لا تعنفوهما بكلام قبيح بعد ذلك، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. وقد ثبت في الصحيحين "إذا زنت أمة أحدكم، فليجلدها الحد ولا يثرب عليها" (^٦). أي: ثم لا يعيرها بما صنعت بعد الحد الذي هو كفارة لما صنعت.
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾.
يقول الله تعالى: إنما يتقبل الله التوبة ممن عمل السوء بجهالة ثم يتوب ولو قبل معاينة الملك ليقبض روحه قبل الغرغرة.
قال مجاهد وغير واحد: كل من عصى الله خطأً أو عمدًا، فهو جاهل حتى ينزع عن الذنب (^٧).
وقال قتادة، عن أبي العالية أنه كان يحدث أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة، رواه ابن جرير (^٨).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرأوا أن كل شيء عصي الله به، فهو جهالة عمدًا كان أو غيره (^٩).
_________________
(١) هذه الأقوال أخرجها الطبري بأسانيد ضعاف، ويشهد لها ما تقدم من روايات.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق أسباط عن السدي.
(٣) أخرجه الطبري بإسنادين أحدهما صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٤) كذا في النسخ التي بين يدي والمراد: "اللواط".
(٥) أخرجه أبو داود (السنن، الحدود، باب فيمن عمل عمل قوم لوط ح ٤٤٦٢)، والترمذي (السنن، الحدود، باب ما جاء في حد اللوطي ح ١٤٥٦)، والنسائي بنحوه (السنن الكبرى، الرجم، باب من عمل عمل قوم لوط ح ٧٣٣٧)، وابن ماجه (السنن، الحدود، باب من عمل عمل قوم لوط ح ٢٥٦١)، كلهم من طريق عمرو بن أبي عمرو به، وقال الألباني: حسن صحيح (صحيح سنن أبي داود ح ٣٧٤٥).
(٦) صحيح البخاري، الحدود، باب لا يثرب على الأمَة إذا زنت (ح ٦٨٣٩)، وصحيح مسلم الحدود، باب رجم اليهود، أهل الذمة في الزنى (ح ١٧٠٣).
(٧) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٨) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به.
(٩) أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن قتادة لكنه مرسل لأنه لم يسمع إلا من أنس ﵁.
[ ٣ / ٣٧ ]
وقال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال: كل عامل بمعصية الله فهو جاهل حين عملها، قال ابن جريج: وقال لي عطاء بن أبي رباح نحوه (^١).
وقال أبو صالح، عن ابن عباس: من جهالته عمل السوء (^٢).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ قال: ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت (^٣).
وقال الضحاك: ما كان دون الموت فهو قريب (^٤).
وقال قتادة والسدي: ما دام في صحته (^٥)، وهو مروي عن ابن عباس.
وقال الحسن البصري: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، ما لم يغرغر (^٦).
وقال عكرمة: الدنيا كلها قريب (^٧).