قد تقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة: "فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران، كان رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل"، وفي حديث النواس بن سمعان: "فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين واضعًا كفيه على
_________________
(١) كذا في المسند، وفي النسخ الثلاث: "خروج".
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٦)، وسنده صحيح.
(٣) صحيح مسلم، الفتن، باب في الآيات التي تكون قبل الساعة (ح ٢٩٠١).
(٤) وهي قراءة شاذة تفسيرية.
(٥) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (الصحيح، الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ح ٥٦٧٨).
[ ٣ / ٢٧٠ ]
أجنحة ملكين إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه مثل جمان اللؤلؤ، لا يحل لكافر أن يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث انتهى طرفه" (^١).
وروى البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "ليلة أسري بي لقيت موسى" قال: فنعته فإذا رجل أحسبه، قال: "مضطرب (^٢) رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة" قال: "ولقيت عيسى" فنعته النَّبِيّ ﷺ فقال: "رَبعة (^٣) أحمر كأنه خرج من ديماس" يعني: الحمام "ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به … " (^٤) الحديث، وروى البخاري من حديث مجاهد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيت موسى وعيسى وإبراهيم، فأما عيسى فاحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيم سَبِط (^٥) كأنه من رجال الزُطّ" (^٦)، وله ولمسلم من طريق موسى بن عقبة عن نافع، عن ابن عمر، ذكر النَّبِيّ ﷺ يومًا بين ظهراني الناس المسيح الدجال، فقال: "إن الله ليس بأعور ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كان عينه عنبة طافية"، ولمسلم عنه مرفوعًا: "وأراني الله عند الكعبة في المنام، وإذا رجل آدم كأحسن ما ترى من أدم [الرجال] (^٧)، تضرب لِمته (^٨) بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعًا يديه على منكبي رجلين وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: هو المسيح بن مريم، ثم رأيت وراءه رجلًا جعدًا قَططًا (^٩)، أعور العين اليمنى، كأشبه من رأيت بابن قطن (^١٠)، واضعًا يديه على منكبي رجل يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح الدجال" تابعه عبيد الله عن نافع (^١١).
ثم روى البخاري عن أحمد بن محمد المكي، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: لا والله ما قال النَّبِيّ ﷺ لعيسى: أحمر، ولكن قال: "بينما أنا نائم أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدم سبط الشعر، يُهادى (^١٢) بين رجلين ينطف رأسه ماء - أو يهراق رأسه ماء - فقلت: من هذا؟ فقالوا: ابن مريم، فذهبت ألتفت، فإذا رجل أحمر جسيم، جعد الرأس، أعور عينه اليمنى، كأنه عينه عنبة طافية، قلت: من هذا؟ قالوا: الدجال، وأقرب الناس به شبهًا ابن
_________________
(١) تقدم الحديثان قبل بضع صفحات.
(٢) المضطرب الطويل غير الشديد، وقيل: الخفيف اللحم (فتح الباري ٦/ ٤٨٤).
(٣) رَبعة: بفتح الراء وسكون الباء، وهو المربوع، والمراد ليس بطويل جدًّا ولا قصير جدًّا بل وسط (الفتح ٦/ ٤٨٤).
(٤) صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦] (ح ٣٤٣٧)، وصحيح مسلم، الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ (ح ١٦٨).
(٥) سَبِط: ليس بجعد الشعر (الفتح ٦/ ٤٨٥).
(٦) رجال الزطّ: جنس من السودان، وقيل: هم نوع من الهنود وهم طوال الأجسام مع نحافة فيها (المصدر السابق)، والحديث أخرجه البخاري في الباب السابق (ح ٣٤٣٨).
(٧) كذا في (حم) و(مح) وسقط من الأصل.
(٨) لِمته: شعر رأسه (المصدر السابق).
(٩) قَططا: شدة جعودة الشعر.
(١٠) ابن قطن: اسمه عبد العزى بن قطن بن عمرو بن جندب، من خزاعة هلك في الجاهلية (فتح الباري ٦/ ٤٨٨).
(١١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه (المصدر السابق ح ٣٤٣٩).
(١٢) يمشي متمايلًا بينهما (الفتح ٦/ ٤٨٨).
[ ٣ / ٢٧١ ]
قطن" قال الزهري: رجل من خزاعة هلك في الجاهلية (^١)، هذه كلها ألفاظ البخاري ﵀.
وقد تقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة أن عيسى ﵇ يمكث في الأرض بعد نزوله أربعين سنة، ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون وفي حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم أنه يمكث سبع سنين فيحتمل - واللّه أعلم - أن يكون المراد بلبثه في الأرض أربعين سنة مجموع إقامته فيها قبل رفعه، وبعد نزوله، فإنه رفع وله ثلاث وثلاثون سنة، في الصحيح، وقد ورد ذلك في حديث في صفة أهل الجنة أنهم على صورة آدم وميلاد عيسى ثلاث وثلاثين سنة، وأما ما حكاه ابن عساكر عن بعضهم أنه رفع وله مِائَة وخمسون سنة، فشاذ غريب بعيد.
وذكر الحافظ أبو القاسم بن عساكر في ترجمة عيسى ابن مريم من تاريخه عن بعض السلف أنه يدفن مع النَّبِيّ ﷺ في حجرته، فالله أعلم (^٢).
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ قال قتادة: يشهد عليهم أنه قد بلغهم الرسالة من الله وأقر بعبودية الله ﷿، وهذا كقوله تعالى في آخر سورة المائدة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة].
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾.
يخبر تعالى أنه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب [العظيمة] (^٣)، حرم عليهم طيبات كان أحلها لهم، كما قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة، عن عمرو، قال: قرأ ابن عباس: طيبات كانت أحلت لهم (^٤).
وهذا التحريم قد يكون قدريًا بمعنى أنه تعالى قيضهم لأن تأولوا في كتابهم، وحرفوا وبدلوا أشياء كانت حلالًا لهم فحرموها على أنفسهم تشديدًا منهم على أنفسهم وتضييقًا وتنطعًا قال الطبراني: حَدَّثَنَا بكر بن سهل ومطلب بن شعيب، عن عبد الله بن صالح، حدثني ابن سريح أنه سمع سهل بن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف يحدث عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "لا تشددوا على أنفسكم، فإنما هلك من كان قبلكم بتشديدهم على أنفسهم وستجدون بقاياهم في
_________________
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه وتعليقه (المصدر السابق ح ٣٤٤١).
(٢) ينظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ٢٠/ ١٥٤)، والأثر لم يصح.
(٣) كذا في (حم) و(مح) وسقط من الأصل.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
[ ٣ / ٢٧٢ ]
الصوامع والديارات" (^١).
ويحتمل أن يكون شرعيًا بمعنى أنه تعالى حرم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالًا لهم قبل ذلك، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران: ٩٣] وقد قدمنا الكلام على الآية، وأن المراد أن الجميع من الأطعمة كانت حلالًا لهم من قبل أن تنزل التوراة ما عدا ما كان حرم إسرائيل على نفسه من لحوم الإبل وألبانها، ثم إنه تعالى حرم أشياء كثيرة في التوراة كما قال في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾ [الأنعام: ١٤٦] أي: إنما حرمنا عليهم ذلك، لأنهم يستحقون ذلك بسبب بغيهم وطغيانهم ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه، ولهذا قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠)﴾ أي: صدوا الناس وصدوا أنفسهم عن اتباع الحق وهذه سجية لهم متصفون بها من قديم الدهر وحديثه، ولهذا كانوا أعداء الرسل وقتلوا خلقًا من الأنبياء، وكذبوا عيسى ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهما.
وقوله: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ أي: أن الله قد نهاهم عن الربا فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع من الحيل وصنوف من الشبه، وأكلوا أموال الناس بالباطل، قال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾،
ثم قال تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ أي: الثابتون في الدين لهم قدم راسخة في العلم النافع. وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة آل عمران (^٢) ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطفٌ على الراسخين وخبره ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قال ابن عَبَّاس: أنزلت في عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية (^٣) [وزيد بن سعية] (^٤) وأسد بن عبيد، الذين دخلوا في الإسلام، وصدقوا بما أرسل الله به محمدًا ﷺ (^٥).
وقوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ هكذا هو في جميع مصاحف الأئمة، وكذا هو في مصحف أبي بن كعب، وذكر ابن جرير أنها في مصحف ابن مسعود: (والمقيمون الصلاة)، قال: والصحيح قراءة الجميع ثم ردّ على من زعم أن ذلك من غلط الكتاب (^٦)، ثم ذكر اختلاف الناس فقال بعضهم: هو مضصوب على المدح، كما جاء في قوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [البقرة: ١٧٧]، قال: وهذا سائغ في كلام العرب، كما قال الشاعر (^٧):
_________________
(١) هذا الحديث زيادة من (مح) ولا يوجد في النسخ المطبوعة، والحديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٦/ ٨٨ وقال الهيثمي: وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث وثقه جماعة وضعفه آخرون (مجمع الزوائد ١/ ٦٢).
(٢) آية ٧.
(٣) في الأصل: "شعية" والتصويب من تفسير ابن أبي حاتم.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا بدون اسم شيخه.
(٥) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وسقط من الأصل.
(٦) ذكرت أن هذه لم تصح، وفصلت الرد على هذه الشبهة الخطيرة في (استدراكات على تاريخ التراث العربي ١/ ٤٨ - ٤٠).
(٧) ديوان الخرنق بنت بدر بن هفان ص ٢٩ كما في طبعة الشعب.
[ ٣ / ٢٧٣ ]
لا يبعدنّ قومي الذين همو … سُمّ العداة وآفة الجزُر
النازلين بكل معترك … والطيبون معاقد الأزر
بمعنى: مدح النازلين.
وقال آخرون: هو مخفوض عطفًا على قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: وبالمقيمين الصلاة، وكأنه يقول: وبإقامة الصلاة؛ أي: يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم، أو أن المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة وهذا اختيار ابن جرير، يعني: يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالملائكة، وفي هذا نظر، واللّه أعلم.
وقوله: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال، ويحتمل زكاة النفوس، ويحتمل الأمرين، والله أعلم.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: يصدقون بأنه لا إله إلا الله، ويؤمنون بالبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها. وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ هو الخبر عما تقدم ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [يعني: الجنة] (^١).
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾.
قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال سكين وعدي بن زيد: يا محمد ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى، فأنزل الله في ذلك من قولهما: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ …﴾ إلى آخر الآيات (^٢). وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا الحارث، حَدَّثَنَا عبد العزيز، حَدَّثَنَا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي، قال: أنزل الله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء: ١٥٣] إلى قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] قال: فلما تلاها عليهم يعني: على اليهود، وأخبرهم بأعمالهم الخبيثة، جحدوا كل ما أنزل الله وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء، ولا موسى ولا عيسى ولا على نبي من شيء، قال: فحلّ حبوته (^٣)، وقال: ولا على أحد! فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ (^٤) [الأنعام ة ٩١، وفي هذا الذي قاله محمد بن كعب القرظي نظر، فإن هذه الآية التي في سورة الأنعام مكية، وهذه الآية التي
_________________
(١) كذا في (حم) و(مح) وسقط من الأصل.
(٢) أخرجه الطبري بسند حسن من طريق ابن إسحاق به، وفيه تصريح ابن إسحاق بالسماع وهذا الإسناد قد بحثته مفصلًا في مقدمة التفسير الصحيح.
(٣) فحل حبوته: الحُبوة الاسم من الاحتباء، وهو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ويشده عليه، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب (لسان العرب: ح ب و).
(٤) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده مرسل، وقد ردَّه الحافظ ابن كثير.
[ ٣ / ٢٧٤ ]
في سورة النساء مدنية، وهي ردٌّ عليهم لما سألوا النَّبِيّ ﷺ أن ينزل عليهم كتابًا من السماء.
قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣] ثم ذكر فضائحهم ومعايبهم وما كانوا عليه وما هم عليه الآن من الكذب والافتراء، ثم ذكر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله محمد ﷺ، كما أوحى إلى غيره من الأنبياء المتقدمين، فقال: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ والزبور اسم الكتاب الذي [أوحاه] (^١) الله إلى داود ﵇ وسنذكر ترجمة كل واحد من هؤلاء الأنبياء عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام، عند قصصهم في السور الآتية إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
وقوله: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي: من قبل هذه الآية، يعني: في السور المكية وغيرها وهذه تسمية الأنبياء الذين نص الله على أسمائهم في القرآن وهم: آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وأيوب وشعيب وموسى وهارون ويونس وداود وسليمان وإلياس واليسع وزكريا ويحيى وعيسى، وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين وسيدهم محمد ﷺ.
وقوله: ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي: خلقًا آخرين لم يذكروا في القرآن، وقد اختلف في عدة الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك حديث أبي ذر الطويل، وذلك فيما رواه ابن مردويه ﵀ في تفسيره حيث قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بن محمد حَدَّثَنَا جعفر بن محمد بن الحسن والحسين بن عبد الله بن يزيد، قالا: حَدَّثَنَا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، حدثني أبي، عن جدي، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذرٍّ، قال: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: "مِائَة ألف وأربعة وعشرون ألفًا". قلت: يا رسول الله. كم الرسل منهم؟ قال: "ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير". قلت: يا رسول الله، من كان أولهم؟ قال: "آدم" قلت: يا رسول الله، نبي مرسل؟ قال: "نعم خلقه الله بيده، ثم نفخ فيه من روحه، ثم سواه قبلًا" ثم قال: "يا أبا ذر، أربعة سريانيون: آدم وشيث ونوح وخنوخ وهو إدريس، وهو أول من خط بالقلم، وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر، وأول نبي من بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى، وأول النبيين آدم، وآخرهم نبيك" (^٢)، وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم بن حبان البستي في كتابه الأنواع والتقاسيم (^٣)، وقد وسمه بالصحة، وخالفه أبو الفرج بن الجوزي، فذكر هذا الحديث في كتابه "الموضوعات" واتهم به إبراهيم بن هشام هذا، ولا شكَّ أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث، واللّه أعلم.
وقد روي هذا الحديث من وجه آخر عن صحابي آخر فقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا محمد بن عوف، حَدَّثَنَا أبو المغيرة، حَدَّثَنَا معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أُمامة، قال: قلت: يا نبي الله، كم الأنبياء؟ قال: "مِائَة ألف وأربعة وعشرون ألفًا والرسل من
_________________
(١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "أنزل".
(٢) في سنده إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني: كذاب (الجرح والتعديل ٢/ ١٤٣، وميزان الاعتدال ١/ ٧٣).
(٣) أخرجه ابن حبان من طريق إبراهيم بن هشام به (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ح ٣٦١).
[ ٣ / ٢٧٥ ]
ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمًا غفيرًا" (^١). معان بن رفاعة السلامي ضعيف، وعلي بن يزيد ضعيف، والقاسم أبو عبد الرحمن ضعيف أيضًا. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حَدَّثَنَا أحمد بن إسحاق أبو عبد الله الجوهري البصري، حَدَّثَنَا مكي بن إبراهيم، حَدَّثَنَا موسى بن عبيدة [الربذي] (^٢) عن يزيد الرقاشي، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: "بعث الله ثمانية آلاف نبي: أربعة آلاف إلى بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر الناس" (^٣)، وهذا أيضًا إسناد ضعيف، فيه الربذي ضعيف وشيخه الرقاشي أضعف منه، واللّه أعلم.
قال أبو يعلى: حَدَّثَنَا أبو الربيع، حَدَّثَنَا محمد بن ثابت العبدي، حَدَّثَنَا معبد بن خالد الأنصاري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: "كان فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي، ثم كان عيسى بن مريم، ثم كنت أنا" (^٤).
وقد رويناه عن أنس من وجه آخر، فأخبرنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي، أخبرنا أبو الفضل بن عساكر، أنبأنا الإمام أبو بكر القاسم بن أبي سعيد الصفار، أخبرتنا عمة أبي عائشة بنت أحمد بن منصور بن الصفار، أخبرنا الشريف أبو السنابك هبة الله بن أبي الصهباء محمد بن حيدر القرشي، حَدَّثَنَا الإمام الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، قال: أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، حَدَّثَنَا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا أحمد بن طارق، حَدَّثَنَا مسلم بن خالد، حَدَّثَنَا زياد بن سعد، عن محمد بن المنكدر، عن صفوان بن سليم، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "بعثت على إثر ثمانية آلاف نبي، من بني إسرائيل" وهذا غريب من هذا الوجه، وإسناده لا بأس به، رجاله كلهم معرفون إلا أحمد بن طارق هذا (^٥)، فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح، والله أعلم.
[حديث أبي ذر الغفاري الطويل في عدد الأنبياء ﵈. قال محمد بن حسين الآجري: حَدَّثَنَا أبو بكر جعفر بن محمد بن الفريابي - إملاء في شهر رجب سنة سبع وتسعين ومائتين -، حَدَّثَنَا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، حَدَّثَنَا أبي، عن جده، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، قال: دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس وحده، فجلست إليه، فقلت: يا رسول الله، إنك أمرتني بالصلاة. قال: "الصلاة خير موضوع، فاستكثر أو استقل".
قال: قلت: يا رسول الله، فأي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان باللّه وجهاد في سبيله". قلت: يا رسول الله، فأي المؤمنين أفضل؟ قال: "أحسنهم خلقًا". قلت: يا رسول الله، فأي المسلمين
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف علي بن يزيد وهو الألهاني، وخاصة في روايته عن أبي أُمامة (تهذيب التهذيب ٧/ ٣٩٦ - ٣٩٧).
(٢) كذا في (حم) و(مح) ومسند أبي يعلى، وفي الأصل: "الترمذي" وهو تصحيف.
(٣) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٧/ ١٥٩ ح ٤١٣٢) وسنده ضعيف للعلتين اللتين ذكرهما الحافظ ابن كثير.
(٤) أخرجه أبو يعلى بسنده ومتنه (المسند ٧/ ١٣١ ح ٤٠٩٢)، وسنده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي أيضًا.
(٥) وقد توبع أحمد بن طارق إذ أخرجه أبو نعيم من طريق زكريا بن عدي عن مسلم بن خالد به (حلية الأولياء ٣/ ١٦٢)، وزكريا هذا ثقة كما في التقريب.
[ ٣ / ٢٧٦ ]
أسلم؟ قال: "من سلم الناس من لسانه ويده". قلت: يا رسول الله، فأي الهجرة أفضل؟ قال: "من هجر السيئات".
قلت: يا رسول الله أي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت" فقلت: يا رسول الله، فأي الصيام أفضل؟ قال: "فرض مجزئ وعند الله أضعاف كثيرة" قلت: يا رسول الله فأي الجهاد أفضل؟ قال: "من عقر جواده وأهريق دمه". قلت: يا رسول الله، فأي الرقاب أفضل؟ قال: "أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها". قلت: يا رسول الله، فأي الصدقة أفضل؟ قال: "جهد من مقل وسر إلى فقير". قلت: يا رسول الله، فأي آية ما أنزل عليك أعظم؟ قال: "آية الكرسي"، ثم قال: "يا أبا ذرّ": "وما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة".
قال: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: "مِائَة ألف وأربعة وعشرون ألفًا". قال: قلت: يا رسول الله، كم الرسل من ذلك؟ قال: "ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير كثير طيب". قلت: فمن كان أولهم؟ قال: "آدم" قلت: أنبي مرسل؟ قال: "نعم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، سواه قبيلًا"، ثم قال: "يا أبا ذر، أربعة سريانيون: آدم وشيث وخنوخ وهو إدريس، وهو أول من خط بقلم، ونوح، وأربعة من العرب: هود وشعيب وصالح ونبيك يا أبا ذر، وأول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى، وأول الرسل آدم وآخرهم محمد" قال: قلت: يا رسول الله، كم كتاب أنزله الله؟ قال: "مِائَة كتاب وأربعة كتب، أنزل الله على شيث خمسين صحيفة، وعلى خنوخ ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى من قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان".
قال: قلت: يا رسول الله، ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: "كانت كلها يا أيها الملك المسلط المبتلى المغرور إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكني بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها ولو كانت من كافر، وكان فيها أمثال، وعلى العاقل أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل أن لا يكون ضاغنًا إلا لثلاث: تزود لمعاد، أو مرمّة لمعاش، أو لذة في غير محرم، وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلًا على شأنه: حافظًا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه".
قال: قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف موسى؟ قال: "كانت عبرًا كلها، عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب، وعجبت لمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم يطمئن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدًا ثم هو لا يعمل". قال: قلت: يا رسول الله، فهل في أيدينا شيء مما كان في أيدي إبراهيم وموسى، وما أنزل الله عليك؟ قال: "نعم اقرأ يا أبا ذر: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٩].
قال: قلت: يا رسول الله، أوصني قال: "أوصيك بتقوى الله فإنه رأس أمرك" قال: قلت: يا رسول الله زذني قال: "عليك بتلاوة القرآن وذكر الله، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض".
[ ٣ / ٢٧٧ ]
قال: قلت: يا رسول الله زدني. قال: "إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه". قال: قلت: يا رسول الله زدني، قال: "عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي". قلت: زدني. قال: "عليك بالصمت إلا من خير فإنه مطردة للشيطان، وعون لك على أمر دينك". قلت: زدني. قال: "انظر إلى من هو تحتك، ولا تنظر إلى من هو فوقك، فإنه أجدر لك أن لا تزدري نعمة الله عليك". قلت: زدني. قال: "أحبب المساكين وجالسهم، فإنه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عليك". قلت: زدني. قال: "صل قرابتك وإن قطعوك". قلت: زدني. قال: "قل الحق وإن كان مرًا" قلت: زدني. قال: "لا تخف في الله لومة لائم". قلت: زدني. قال: "يردك عن الناس ما تعرف من نفسك، ولا تجد عليهم فيما تحب، وكفى بك عيبًا أن تعرف من الناس ما تجهل من نفسك، أو تجد عليهم فيما تحب"، ثم ضرب بيده صدري فقال: "يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق" (^١).
وروى الإمام أحمد عن أبي المغيرة، عن معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي - أُمامة أن أبا ذرٍّ - سأل النَّبِيّ ﷺ، فذكر أمر الصلاة والصيام والصدقة، وفضل آية الكرسي، ولا حول ولا قوة إلا باللّه، وأفضل الشهداء، وأفضل الرقاب، ونبوة آدم وأنه مكلم، وعدد الأنبياء، والمرسلين كنحو ما تقدم] (^٢).
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: وجدت في كتاب أبي بخطه: حدثني عبد المتعالي بن عبد الوهاب، حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد الأموي، حَدَّثَنَا مجالد، عن أبي الوداك، قال: قال أبو سعيد: هل تقول الخوارج بالدجال؟ قال: قلت: لا، فقال: قال رسول الله ﷺ: "إني خاتم ألف نبي أو أكثر، وما بعث نبي يتبع إلا وقد حذر أمته منه، وإني قد بين لي فيه ما لم يبين لأحد، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى كأنها نخامة في حائط مجصص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري، معه من كل لسان، ومعه صورة الجنة خضراء يجري فيها الماء، وصورة النار سوداء تدخن" (^٣).
[وقد رويناه في الجزء الذي فيه رواية أبي يعلى الموصلي عن يحيى بن معين: حَدَّثَنَا مروان بن معاوية، حَدَّثَنَا مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: "إني أختم ألف ألف نبي أو أكثر، ما بعث الله من نبي إلى قومه إلا حذرهم الدجال"، وذكر تمام الحديث، هذا لفظه بزيادة ألف وقد تكون مقحمة (^٤)، واللّه أعلم.
وسياق رواية الإمام أحمد أثبت وأولى بالصحة، ورجال إسناد هذا الحديث لا بأس بهم] (^٥).
وقد روي هذا الحديث من طريق جابر بن عبد الله ﵁، قال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا عمرو بن علي، حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، حَدَّثَنَا مجالد عن الشعبي، عن جابر، قال: قال
_________________
(١) أخرجه الآجري في تابه (الأربعون ص ١٢٧)، وفي سنده أيضًا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني وهو كذاب. ولبعض فقرات الحديث أصل في الصحيح.
(٢) ما بين معقوفين زيادة من (حم)، ولا يوجد في الأصل و(مح).
(٣) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٧٩)، وصنده ضعيف بسبب مجالد وهو ابن سعيد بن عمير الهمداني: ليس بالقوي كما في التقريب.
(٤) وفي سنده أيضًا مجالد.
(٥) ما بين معقوفين زيادة من (حم).
[ ٣ / ٢٧٨ ]
رسول اللّه ﷺ: "إني لخاتم ألف نبي أو أكثر، وإنه ليس منهم نبي إلا وقد أنذر قومه الدجال، وإني قد بين لي ما لم يبين لأحد منهم، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور" (^١).
قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وهذا تشريف لموسى ﵇ بهذه الصفة، ولهذا يقال له: الكليم، وقد قال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن سليمان المالكي، حَدَّثَنَا مسيح بن حاتم، حَدَّثَنَا عبد الجبار بن عبد الله، قال: جاء رجل إلى أبي بكر بن عياش، فقال: سمعت رجلًا يقرأ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، فقال أبو بكر: ما قرأ هذا إلا كافر، قرأت على الأعمش، وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب، وقرأ يحيى بن وثاب على أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي على علي بن أبي طالب، وقرأ علي بن أبي طالب على رسول الله ﷺ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (^٢).
وإنما اشتد غضب أبي بكر بن عياش ﵀ على من قرأ كذلك، لأنَّهُ حرف لفظ القرآن ومعناه، وكأن هذا من المعتزلة الذين ينكرون أن يكون الله كلم موسى ﵇ أو يكلم أحدًا من خلقه، كما رويناه عن بعض المعتزلة أنه قرأ على بعض المشايخ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ فقال له: يا ابن اللخناء، كيف تصنع بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ يعني: أن هذا لا يحتمل التحريف، ولا التأويل.
وقال ابن مردويه: حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حَدَّثَنَا أحمد بن الحسين بن بهرام، حَدَّثَنَا محمد بن مرزوق، حَدَّثَنَا هانئ بن يحيى، عن الحسن بن أبي جعفر، عن قتادة، عن يحيى بن وثاب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "لما كلم الله موسى كان يبصر دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء" (^٣).
وهذا حديث غريب، وإسناده لا يصح، وإذا صح موقوفًا كان جيدًا، وقد روى الحاكم في مستدركه وابن مردويه من حديث حميد بن قيس الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "كان على موسى يوم كلمه ربه جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، ونعلان من جلد حمار غير ذكي" (^٤).
وقال ابن مردويه بإسناده، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: إن الله ناجى
_________________
(١) أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٤/ ١٣٥) وفيه أيضًا مجالد.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (كما في مجمع البحرين ح ٣٣٢٥)، من طريق مسيح بن حاتم به، وقال الطبراني: لم يروه عن الأعمش إلا أبو بكر، وذكره الهيثمي وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وعبد الجبار بن عبد الله لم أعرفه وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٧/ ١٥).
(٣) أخرجه الطبراني من طريق أحمد بن الحسين بن بهرام به (المعجم الصغير ح ٧٧)، وقال الهيثمي: فيه الحسن بن أبي جعفر الحفري: متروك (مجمع الزوائد ٨/ ٢٠٣).
(٤) أخرجه الحاكم من طريق حميد بن قيس به وصححه بقوله على شرط البخاري وتعقبه الذهبي بقوله: بل ليس على شرطه، وإنما غره أن في إسناده حميد بن قيس كذا، وهو خطأ، إنما هو حميد الأعرج الكوفي … أحد المتروكين، فظن أنه المكي الصادق (المستدرك ٢/ ٣٧٩)، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات ١/ ١٩٢. ولقد سبق الترمذي بالإشارة إلى حميد الأعرج إذ أخرجه من طريقه وقال: إنه منكر الحديث (السنن، اللباس، باب ما جاء في لبس الصوف ح ١٧٣٤).
[ ٣ / ٢٧٩ ]
موسى بمائة ألف كلمة وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام، وصايا كلها، فلما سمع موسى كلام الآدميين مقتهم مما وقع في مسامعه من كلام الرب ﷿ (^١).
وهذا أيضًا إسناد ضعيف، فإن جويبر أضعف، والضحاك لم يدرك ابن عباس ﵄.
فأما الأثر الذي رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه وغيرهما من طريق الفضل بن عيسى الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله أنه قال: لما كلم الله موسى يوم الطور، كلمه بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه، فقال له موسى: يا رب هذا كلامك الذي كلمتني به، قال: لا يا موسى، إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسنة كلها، وأنا أقوى من ذلك، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل، قالوا: يا موسى، صف لنا كلام الرحمن. قال: لا أستطيعه. قالوا: فشبه لنا. قال: ألم تسمعوا إلى صوت الصواعق، فإنه قريب منه وليس به (^٢).
وهذا إسناد ضعيف، فإن الفضل الرقاشي هذا ضعيف بمرة.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن جزء بن جابر الخثعمي، عن كعب، قال: إن الله لما كلم موسى بالألسنة كلها، فقال له موسى: يا رب، هذا كلامك؟ قال: لا، ولو كلمتك بكلامي لم تستقم له. قال: يا رب، فهل من خلقك شيء يشبه كلامك؟ قال: لا، وأشد خلقي شبهًا بكلامي أشد ما تسمعون من الصواعق (^٣).
فهذا موقوف على كعب الأحبار، وهو يحكي عن الكتب المتقدمة المشتملة على أخبار بني إسرائيل وفيها الغث والسمين.
وقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ أي: يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي: أنه تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة، وبين ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه، لئلا يبقى لمعتذر عذر، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ [طه] وكذا قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ [القصص].
وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله ﷿، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين" (^٤)، وفي لفظ آخر: "من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه" (^٥).
_________________
(١) سنده ضعيف جدًّا لأن جويبر متروك.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده ضعيف جدًّا لأن الفضل الرقاشي منكر الحديث (التقريب ٢/ ١١١).
(٣) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق عبد الرزاق به، وفي سنده جزء بن جابر سكت عنه ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٢/ ٥٤٦) وهو من آثار كعب الإسرائيلية.
(٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] (ح ٤٦٣٤)، وصحيح مسلم، التوبة، باب غيرة الله تعالى (ح ٢٧٦٠).
(٥) صحيح مسلم، الباب السابق (ح ٢٧٦٠/ ٣٥).
[ ٣ / ٢٨٠ ]
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩) يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾.
لما تضمن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ …﴾ [النساء: ١٦٣] إلى آخر السياق، إثبات نبوته ﷺ والرد على من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب، قال الله تعالى ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ أي: وإن كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك، فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب وهو القرآن العظيم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت] ولهذا قال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي: في علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا أن يعلمه الله به، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا علي بن الحسين، حَدَّثَنَا الحسن بن سهل الجعفري وخزرُ بن المبارك، قالا: حَدَّثَنَا عمران بن عيينة، حَدَّثَنَا عطاء بن السائب، قال: أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي القرآن، وكان إذا قرأ عليه أحدنا القرآن قال: قد أخذت علم الله، فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل، ثم [يقرأ] (^١) قوله: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ (^٢).
قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أي: بصدق ما جاءك وأوحى إليك وأنزل عليك مع شهادة الله تعالى بذلك ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: دخل على رسول الله ﷺ جماعة من اليهود، فقال لهم: "إني لأعلم والله إنكم لتعلمون أني رسول الله" فقالوا: ما نعم ذلك. فأنزل الله ﷿: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾] (^٣).
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧)﴾ أي: كفروا في أنفسهم، فلم يتبعوا الحق، وسعوا في صد الناس عن اتباعه والاقتداء به، قد خرجوا عن الحق وضلوا عنه، وبعدوا منه بعدًا عظيمًا شاسعًا،
ثم أخبر تعالى عن حكمه في الكافرين بآياته وكتابه
_________________
(١) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وفي تفسير ابن أبي حاتم: "قرأ".
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه مع الخلاف السابق، وفي سنده الحسن بن سهل الجعفري ذكره ابن أبي حاتم وسكت عنه (الجرح والتعديل ٣/ ١٧).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق به وقد صرّح ابن إسحاق بالتحديث، وسنده حسن درسته في مقدمة التفسير الصحيح.
[ ٣ / ٢٨١ ]
ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك وبالصد عن سبيله وارتكاب مآثمه وانتهاك محارمه بأنه لا يغفر لهم ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ أي: سبيلًا إلى الخير ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ وهذا استثناء منقطع ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾،
ثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ أي: قد جاءكم محمد صلوات الله وسلامه عليه بالهدى ودين الحق والبيان الشافي من الله ﷿، فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه، يكن خيرًا لكم. ثم قال: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: فهو غني عنكم وعن إيمانكم، ولا يتضرر بكفرانكم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾ [إبراهيم] وقال ههنا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ أي: بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغواية فيغويه، ﴿حَكِيمًا﴾ أي: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾.
ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيز النبوة، إلى أن اتخذوه إلهًا من دون الله يعبدونه كما يعبدونه. بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن زعم أنه على دينه، فادعوا فيهم العصمة، واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقًّا أو باطلًا، أو ضلالًا أو رشادًا، أو صحيحًا أو كذبًا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة].
وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم قال: زعم الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم. فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" (^١). ثم رواه هو وعلي بن المديني عن سفيان بن عيينة، عن الزهري كذلك، وقال علي بن المديني: هذا حديث صحيح سنده وهكذا رواه البخاري عن [الحميدي] (^٢)، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به، ولفظه: "فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" (^٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رجلًا قال: يا محمد يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا فقال رسول الله ﷺ: "أيها الناس عليكم بقولكم ولا يستهويكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ح ١٥٤)، وصححه محققه أحمد شاكر.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وصحيح البخاري، وفي الأصل: "الحيدي" وهو تصحيف.
(٣) صحيح البخاري، الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ …﴾ [مريم: ١٦] (ح ٣٤٤٥).
[ ٣ / ٢٨٢ ]
عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿ (^١) تفرد به من هذا الوجه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ أي: لا تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولدًا، تعالى الله ﷿ عن ذلك علوًا كبيرًا، وتنزه وتقدس وتوحد في سؤدده وكبريائه وعظمته، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه، ولهذا قال: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: إنما هو عبد من عباد الله وخلق من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول من رسله وكلمته ألقاها إلى مريم، أي خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل ﵇ إلى مريم فنفخ فيها من روحه بإذن ربه ﷿، فكان عيسى بإذنه ﷿، وكانت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها، فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق الله ﷿، ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه، لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها: ﴿كُنْ﴾ [آل عمران: ٥٩] فكان، والروح التي أرسل بها جبريل قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩] وقال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾ [الأنبياء] وقال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم] وقال تعالى إخبارًا عن المسيح: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ الآية [الزخرف].
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ هو قوله: ﴿كُنْ﴾ [آل عمران: ٥٩] فكان (^٢). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي قال: سمعت [شاذ] (^٣) بن يحيى يقول في قول الله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ قال: ليس الكلمة صارت عيسى ولكن بالكلمة صار عيسى (^٤).
وهذا أحسن مما ادعاه ابن جرير في قوله: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ أي: أعلمها بها، كما زعمه في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] أي: يعلمك بكلمة منه ويجعل ذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦] بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم، فنفخ فيها بإذن الله فكان عيسى ﵇.
وقال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثني عمير بن
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ١٥٣)، وأخرجه ابن حبان من طريق حماد به (الإحسان ١٤/ ١٣٣ ح ٦٢٤٠)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (ح ١٠٩٧).
(٢) أخرجه عبد الرزاق بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٣) كذا في (حم) و(مح) وتفسير ابن أبي حاتم، وفي الأصل: "ساد" وهو تصحيف.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه وسنده إلى شاذ صحيح وإن كان مجهولًا كما في التقريب، وقد سأل أبو داود الإمام أحمد فقال: عرفته، وذكره بخير (تهذيب التهذيب ٤/ ٢٩٩ - ٣٠٠).
[ ٣ / ٢٨٣ ]
هانئ، حدثنا جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل".
وقال الوليد: فحدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عمير بن هانئ، عن جنادة زاد: "من أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" (^١)، وكذا رواه مسلم عن داود بن رشيد، عن الوليد، عن ابن جابر به (^٢)، ومن وجه آخر عن الأوزاعي به (^٣).
فقوله في الآية والحديث: "وروح منه"، كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾ [الجاثية: ١٣] أي: من خلقه ومن عنده وليست من للتبعيض كما تقوله النصارى - عليهم لعائن الله المتتابعه - بل هي لابتداء الغاية كما في الآية الأخرى، وقد قال مجاهد في قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أي: ورسول منه (^٤)، وقال غيره: ومحبة منه (^٥)، والأظهر الأول وهو أنه مخلوق من روح مخلوقة وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٤] وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] وكما ورد (^٦) في الحديث الصحيح: "فأدخل على ربي في داره" أضافها إليها إضافة تشريف، وهذا كله من قبيل واحد ونمط واحد.
وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي: فصدقوا بأنّ الله واحد أحد، لا ولد له ولا صاحبة، واعلموا وتيقنوا بأنّ عيسى عبد الله ورسوله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ أي: لا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وهذه الآية كالتي في سورة المائدة حيث يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣] وكما قال في آخر السورة المذكورة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ …﴾ الآية [المائدة: ١١٦]، وقال في أولها: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ [المائدة]. فالنصارى عليهم [لعائن] (^٧) الله من جهلهم ليس لهم ضابط، ولا لكفرهم حد، بل أقوالهم وضلالهم منتشر، فمنهم من يعتقده إلهًا، ومنهم من يعتقده شريكًا، ومنهم من يعتقده ولدًا، وهم طوائف كثيرة لهم آراء مختلفة، وأقوال غير مؤتلفة. ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث قال: لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا على أحد عشر قولًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، أحاديث الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] ح ٣٤٣٥).
(٢) صحيح مسلم، الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت (ح ٢٨).
(٣) المصدر السابق بعد (ح ٢٨).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم معلقًا.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم من طريق شاذ بن يحيى عن يزيد بن هارون، وسنده حسن.
(٦) كذا في الأصل، وفي (مح): "روي" وما في الأصل أفصح.
(٧) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "لعنة".
[ ٣ / ٢٨٤ ]
ولقد ذكر بعض علمائهم المشاهير عندهم وهو سعيد بن بطريق بترك الإسكندرية في حدود سنة أربعمائة من الهجرة النبوية، أنهم اجتمعوا المجمع الكبير الذي عقدوا فيه الأمانة الكبيرة التي لهم، وإنما هي الخيانة الحقيرة الصغيرة، وذلك في أيام قسطنطين باني المدينة المشهورة، وأنهم اختلفوا عليه اختلافًا لا ينضبط ولا ينحصر، فكانوا أزيد من ألفين أسقفًا، فكانوا أحزابًا كثيرة، كل خمسين منهم على مقالة، وعشرون على مقالة، ومائة على مقالة، وسبعون على مقالة، وأزيد من ذلك وأنقص. فلما رأى منهم عصابة قد زادوا على الثلاثمائة بثمانية عشر نفر، وقد توافقوا على مقالة، فأخذها الملك ونصرها وأيدها، وكان فيلسوفًا داهية، ومحق ما عداها من الأقوال، وانتظم دست أولئك الثلاثمائة والثمانية عشر، وبنيت لهم الكنائس، ووضعوا لهم كتبًا وقوانين، وأحدثوا فيها الأمانة التي يلقنونها الولدان من الصغار ليعتقدوها ويعمدونهم عليها وأتباع هؤلاء هم الملكانية (^١). ثم إنهم اجتمعوا مجمعًا ثانيًا، فحدث فيهم اليعقوبية (^٢)، ثم مجمعًا ثالثًا فحدث فيهم النسطورية (^٣)، وكل هذه الفرق تثبت الأقانيم الثلاثة في المسيح ويختلفون في كيفية ذلك، وفي اللاهوت والناسوت على زعمهم هل اتحدا، أو ما اتحدا، أو امتزجا، أو حل فيه على ثلاث مقالات وكل منهم يكفر الفرقة الأخرى، ونحن نكفر الثلاثة، ولهذا قال تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ أي: يكن خيرًا لكم ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: تعالى وتقدس عن ذلك علوًا كبيرًا ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: الجميع ملكه وخلقه، وجميع ما فيها عبيده وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل على كل شيء، فكيف يكون له منهم صاحبة وولد، كما قال في الآية الأخرى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم].
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣)﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: قوله: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ﴾ لن يستكبر (^٤).
وقال قتادة: لن يحتشم ﴿الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (^٥).
_________________
(١) تقدم تعريفها في تفسير الآيات ١٥٥ - ١٥٩ من هذه السورة.
(٢) (^٣) تقدم تعريف هاتين الفرقتين كما سبق في الحاشية السابقة.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وصحح إسناده الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ٢٣٧).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
[ ٣ / ٢٨٥ ]
وقد استدل بعض من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية حيث قال: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وليس له في ذلك دلالة، لأنه إنما عطف الملائكة على المسيح، لأن الاستنكاف هو الامتناع، والملائكة أقدر على ذلك من المسيح، فلهذا قال: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل. وقيل: إنما ذكروا لأنهم اتخذوا آلهة مع الله كما اتخذ المسبيح، فأخبر تعالى أنهم عبيد من عباده وخلق من خلقه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء]، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ أي: فيجمعهم إليه يوم القيامة، ويفصل بينهم بحكمه العدل الذي لا يجور فيه، ولا يحيف، ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: فيعطيهم من الثواب على قدر أعمالهم الصالحة، ولزيدهم على ذلك من فضله وإحسانه وسعة رحمته وامتنانه.
وقد روى ابن مردويه من طريق بقية، عن إسماعيل بن عبد الله الكندي، عن الأعمش، عن [شقيق، عن عبد الله] (^١) مرفوعًا، قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: أجورهم "أدخلهم الجنة" ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: "الشفاعة فيمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في دنياهم" (^٢) وهذا إسناد لا يثبت. وإذا روي عن ابن مسعود موقوفًا (^٣)، فهو جيد.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾ أي: امتنعوا من طاعة الله وعبادته واستكبروا عن ذلك ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] أي: صاغرين حقيرين ذليلين كما كانوا ممتنعين مستكبرين.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾.
يقول تعالى مخاطبًا جميع الناس ومخبرًا بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم، وهو الدليل القاطع للعذر والحجة المزيلة للشبهة، ولهذا قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ أي: ضياء واضحًا على الحق، قال ابن جريج وغيره: وهو القرآن (^٤).
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ أي: جمعوا بين مقامي العبادة، والتوكل على الله في
_________________
(١) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "شقيق بن عبد الله" وهو تصحيف.
(٢) في سنده إسماعيل بن عبد الله الكندي ضعيف (ميزان الاعتدال ١/ ٢٣٥)، وضعف إسناده الحافظ ابن كثير.
(٣) أخرجه أبو نعيم من طريق الثوري عن شقيق به موقوفًا (حلية الأولياء ٤/ ١٠٨).
(٤) أخرجه الطبري بسند ضعيف فيه الحسين وهو ابن داود الملقب بسنيد وهو ضعيف.
[ ٣ / ٢٨٦ ]
جميع أمورهم، وقال ابن جريج: آمنوا بالله واعتصموا بالقرآن. رواه ابن جرير (^١)، ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ أي: يرحمهم فيدخلهم الجنة، ويزيدهم ثوابًا ومضاعفة ورفعًا في درجاتهم من فضله عليهم وإحسانه إليهم، ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: طريقًا واضحًا قصدًا قوامًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق [السلامة] (^٢) في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات. وفي حديث الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "القرآن صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين" وقد تقدم الحديث بتمامه في أول التفسير (^٣)، ولله الحمد والمنة.
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾.
قال البخاري: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء قال: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ (^٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ ثم صب علي، أو قال: صبوا عليه، فعقلت، فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة، فكيف الميراث؟ فأنزل الله آية الفرائض (^٥)، أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة (^٦)، ورواه الجماعة من طريق سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر به، وفي بعض الألفاظ فنزلت آية الميراث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ …﴾ الآية.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان، وقال أبو الزبير قال - يعني جابرًا -: نزلت فيَّ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ [فِي الْكَلَالَةِ﴾ (^٧).
وكأن معنى الكلام - والله أعلم - يستفتونك عن الكلالة ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾] (^٨) فيها، فدل المذكور على المتروك. وقد تقدم الكلام على الكلالة واشتقاقها، وأنها مأخوذة من الإكليل الذي
_________________
(١) أخرجه الطبري بالسند السابق.
(٢) كذا في (حم) و(مح) وفي الأصل: "الاستقامة".
(٣) تقدم في تفسير سورة الفاتحة آية ٦، لا يصح رفعه.
(٤) أخرجه البخاري بسنده ومتنه (الصحيح، التفسير، باب ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ …﴾ [النساء: ١٧٦] ح ٤٦٠٥).
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٢٩٨)، وسنده صحيح.
(٦) صحيح البخاري، الوضوء، باب حب النبي ﷺ (ح ١٩٤)، وصحيح مسلم، الفرائض، باب ميراث الكلالة (ح ١٦١٦).
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم بسنده ومتنه، وسنده صحيح.
(٨) ما بين معقوفين سقط من الأصل واستدرك من (حم) و(مح).
[ ٣ / ٢٨٧ ]
يحيط بالرأس من جوانبه ولهذا فسرها أكثر العلماء بمن يموت وليس له ولد ولا والد ومن الناس من يقول: الكلالة من لا ولد له، كما دلت عليه هذه الآية ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾، وقد أشكل حكم الكلالة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، كما ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: ثلاث وَددتُ أن رسول الله ﷺ، كان عهد إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه: الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا (^١).
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، قال: قال عمر بن الخطاب: ما سألت رسول الله ﷺ عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بإصبعه في صدري، وقال: "يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء" (^٢) هكذا رواه مختصرًا، وأخرجه مسلم مطولًا أكثر من هذا (^٣).
(طريق أخرى) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك - يعني ابن مغول - يقول: سمعت الفضل بن عمرو، عن إبراهيم، عن عمر قال: سألت رسول الله ﷺ عن الكلالة، فقال: "يكفيك آية الصيف" فقال: لأن أكون سألت رسول الله ﷺ عنها أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم (^٤). وهذا إسناد جيد إلا أن فيه انقطاعًا بين إبراهيم وبين عمر، فإنه لم يدركه. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن الكلالة، فقال: "يكفيك آية الصيف" (^٥). وهذا إسناد جيد، رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي بكر بن عياش به (^٦).
وكان المراد بآية الصيف أنها نزلت في فصل الصيف، والله أعلم، ولما أرشده النبي ﷺ إلى تفهمها، فإِن فيها كفاية نسي أن يسأل النبي ﷺ عن معناها، ولهذا قال: فلأن أكون سألت رسول الله ﷺ عنها أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا جرير عن الشيباني، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب، قال: سأل عمر بن الخطاب النبي ﷺ عن الكلالة، فقال: "أليس قد بيّن الله ذلك" فنزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ (^٧).
_________________
(١) صحيح البخاري، الأشربة، باب ما جاء في أن الخمر ما خامر العقل من الشراب (ح ٥٥٨٨)، وصحيح مسلم، التفسير، باب في نزول تحريم الخمر (ح ٣٠٣٢).
(٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٦)، وسنده صحيح.
(٣) صحيح مسلم، المساجد، باب نهي من أكل ثومًا أو بصلًا … (ح ٥٦٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ١/ ٢٦)، وسنده ضعيف بسبب إبراهيم لم يسمع من عمر، ولشطره الأول شاهد صحيح تقدم في الحاشية السابقة.
(٥) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣٠/ ٥٥١ ح ١٨٥٨٩)، وضعفه محققوه لأن سماع أبي بكر بن عياش من أبي إسحاق السبيعي ليس بذاك القوي، ولكن الألباني صححه كما يلي.
(٦) سنن أبي داود، الفرائض، باب من كان ليس له ولد وله أخوات (ح ٢٨٨٩)، وسنن الترمذي، تفسير سورة النساء (ح ٣٠٤٢)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (ح ٢٥١٢).
(٧) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وسنده ضعيف لضعف ابن وكيع وهو سفيان.
[ ٣ / ٢٨٨ ]
قال قتادة: وذُكر لنا أن أبا بكر الصديق قال في خطبته: ألا إن الآية التي نزلت في أول سورة النساء في شأن الفرائض أنزلها الله في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأُم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها في أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله مما جرت الرحم من العصبة، رواه ابن جرير (^١).