[وقد قيل: إنه كان يصلي إلى بيت المقدس قبل أن يبلغه الناسخ إلى الكعبة، كما حكاه القرطبي (^٢) عن قتادة.
وذكر القرطبي (^٢) [أنه ﵇ لما مات صلى عليه] (^٣)، فأخذ بذلك من ذهب إلى الصلاة على الغائب؛ قال: وهذا خاص عند أصحابنا من ثلاثة أوجه (^٤):
أحدها: أنه ﵇ شاهده حين سوى عليه؛ طويت له الأرض.
الثاني: أنه لما لم يكن عنده من يصلي عليه صلى عليه. واختاره ابن العربي. قال القرطبي: ويبعد أن يكون ملك مسلم ليس عنده أحد من قومه على دينه. وقد أجاب ابن العربي عن هذا: لعلهم لم يكن عندهم] (^٥) [شرعية الصلاة على الميت. وهذا جواب جيد.
الثالث: أنه ﵊ إنما صلى عليه ليكون ذلك كالتأليف لبقية الملوك. (والله أعلم) (^٦)] (^٧).
وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث أبي معشر، [عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المدينة وأهل الشام وأهل العراق" وله مناسبة ها هنا.
وقد أخرجه الترمذي (^٨)، وابن ماجه، من حديث أبي معشر] (^٩)، واسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني، به: "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
وقال الترمذي: "وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، وتكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه؛ ثم قال الترمذي (^١٠): حدثني الحسن بن (بكر) (^١١) المروزي، حدثنا المعلى بن
_________________
(١) من (ن).
(٢) في "تفسيره" (٢/ ٨٢).
(٣) كذا في (ج) و(ل)؛ وفي (ن): "إنه لما مات صلى عليه رسول الله ﷺ". وهو أوضح في المعنى.
(٤) وأقوى هذه الوجوه ما اختاره ابن العربي ﵀.
(٥) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى).
(٦) من (ن).
(٧) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى).
(٨) أخرجه الترمذي (٣٤٢، ٣٤٣)؛ وابن ماجه (١٠١١)؛ والعقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٣٠٩) والطبراني في "الأوسط" (٢٩٢٤) من طريق أبي معشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عمرو إلا أبو معشر".
(٩) ساقط من (ج). (*) قلت: وهو ضعيف كما قال الترمذي.
(١٠) في "سننه" (٣٤٤) ومن طريقه البغوي في "شرح السنة" (٢/ ٣٢٧) والحسن بن بكر شيخ الترمذي قال مسلمة بن قاسم: "مجهول" أما الحافظ فقال في "التقريب": "صدوق".
(١١) في (ل): "أبي بكر" وكذلك وقع في "سنن الترمذي" وما ذكرته هو الصواب كما يعلم من "التهذيب".
[ ١ / ٥٧٩ ]
منصور، حدثنا عبد الله بن جعفر (المخرمي) (^١)، عن عثمان بن محمد بن المغيرة الأخنسي، عن (سعيد) (^٢) المقبري، عن أبي هريرة (﵁) (^٣)، عن النبي ﷺ؛ قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"؛ ثم قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وحكى عن البخاري أنه قال: "هذا أقوى من حديث أبي معشر وأصح".
قال الترمذي: "وقد روى عن غير واحد من الصحابة: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"؛ منهم: عمر بن الخطاب (^٤)، وعلي (^٥)، وابن عباس (^٦) ﵃ أجمعين) (^٧) ".
وقال ابن عمر (^٨): "إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة".
ثم قال ابن مردويه: حدثنا علي بن أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا يعقوب بن يوسف مولى بني
_________________
(١) في (ن): "المخزومي" وهو خطأ. قال الترمذي: "وإنما قيل: عبد الله بن جعفر "المخرمي"؛ لأنه من ولد "المسور بن مخرمة".
(٢) في (ن): "أبي سعيد"؛ وفي (ك): "شعبة"! وكلاهما خطأ، وهو سعيد بن أبي سعيد المقبري.
(٣) من (ن).
(٤) أما أثر عمر بن الخطاب ﵁ فصحيح. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦١، ٣٦٢) قال: حدثنا أبو أسامة وعبد الرزاق (ج ٢/ رقم ٣٦٣٣) عن الثوري؛ والبيهقي (٢/ ٩) من طريق يحيى بن سعيد القطان قالوا: ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر. وهذا سند صحيح وعبيد الله بن عمر من نجوم أصحاب نافع. وتابعه نافع بن أبي نعيم فرواه عن نافع بسنده سواء وزاد: "إذا توجهت قبل البيت"؛ أخرجه البيهقي (٢/ ٩) من طريق خالد بن مخلد، ثنا نافع بن أبي نعيم. وهذا متابعة جيدة. وتابعه أيضًا عبد الله العمري، عن نافع بسنده سواء، أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٢) قال: حدثنا وكيع نا العمري. والعمري ضعيف لكنه متابع. وقد أشار البيهقي إلى أن آخرين رووه عن نافع هكذا. ولكن خالفهم مالك فرواه في "الموطأ (١/ ١٩٦/ ٨) عن نافع أن عمر بن الخطاب وذكره مثل لفظ نافع بن أبي نعيم. وتابعه أيوب السختياني فرواه عن نافع قال: قال عمر بن الخطاب … أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٢) قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب. وهذا منقطع بين نافع وعمر بن الخطاب والرواية الموصولة صحيحة. والله أعلم.
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٢) قال: حدثنا وكيع قال: نا إسرائيل، عن عبد الأعلى عن عامر الشعبي، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة. (*) قلت: وكذا وقع في "المصنف": "عبد الأعلى عن عامر الشعبي" وهو عندي خطأ محض، وصوابه: "عبد الأعلى بن عامر الثعلبي" وهو يروى عن أبي عبد الرحمن السلمي واسمه: عبد الله بن حبيب. وسند هذا الأثر ضعيف لضعف عبد الأعلى.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا وفي سنده عبد الأعلى بن عامر الثعلبي.
(٧) من (ن).
(٨) أخرجه الترمذي (٢/ ١٧٤) معلقًا ووصله ابن أبي شيبة (٢/ ٣٦٢) قال: حدثنا وكيع، نا المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن عن ابن عمر وهذا سند جيد والمسعودي اسمه: عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة كان اختلط. ولكن سماع وكيع منه قديم فإنه سمع منه بالكوفة كما قال أحمد وغيره. وقد خالفه حجاج بن أرطاة فرواه عن القاسم بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو. ذكره ابن أبي حاتم في "العلل" (٣٣٢) من طريق حماد بن سلمة عن حجاج. وسأل أباه عنه فرجح رواية المسعودي وأن الأثر عن "ابن عمر" لا عن "ابن عمرو".
[ ١ / ٥٨٠ ]
هاشم، حدثنا شعيب بن أيوب، حدثنا ابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ؛ قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
وقد رواه الدارقطني (^١) والبيهقي؛ وقال: "المشهور عن ابن عمر، عن عمر (﵄) (^٢)، قوله".
قال ابن جرير (^٣): ويحتمل فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم لي فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم؛ كما حدثنا القاسم (^٤)، حدثنا الحسين، حدثني حجاج؛ قال: قال ابن جريج: قال مجاهد: لما نزلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
قال ابن جرير (^٥): ومعنى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ يسع خلقه كلهم بالكفاية والجود والإفضال. وأما قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ فإنه يعني عليم بأعمالهم، ما يغب عنه منها شيء، ولا يعزب عن علمه؛ بل هو بجميعها عليم.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾.
اشتملت هذه الآية الكريمة والتي (تليها) (^٦) على الرد على النصارى، عليهم لعائن الله، وكذا من أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب؛ (من) (^٧) جعل الملائكة بنات الله، فأكذب الله جميعهم في دعواهم، وقولهم: إن لله ولدًا؛ فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوًا كبيرًا.
﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ليس الأمر كما افتروا؛ وإنما له ملك السماوات والأرض (ومن فيهن) (^٨)؛ وهو المتصرف فيهم، وهو خالفهم ورازقهم، ومقدرهم ومسخرهم، ومسيرهم ومصرفهم كما يشاء؛ والجميع عبيد له وملك له؛ فكيف يكون له ولد منهم؛ والولد إنما يكون متولدًا من الشيئين متناسبين، وهو ﵎ ليس له نظير، ولا مشارك في عظمته وكبريائه، ولا صاحبة له؛ فكيف يكون له ولد؟ كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ [الأنعام: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ
_________________
(١) أخرجه الحاكم (١/ ٢٠٥) وعنه البيهقي (٢/ ٩) قال: حدثنا أبو علي محمد بن علي الإسفرائيني؛ وأخرجه الدارقطني (١/ ٢٧٠)، ومن طريقه الضياء في "المختارة" (ج ٧٣/ ق ٥٦٥/ ٢) قالا: يعني الدارقطني وشيخ الحاكم، ثنا أبو يوسف يعقوب بن يوسف الواسطى ثنا شعيب بن أيوب بهذا الإسناد سواء. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فإن شعيب بن أيوب ثقة وقد أسنده". وقال البيهقي: "تفرد به يعقوب بن يوسف الخلال والمشهور رواية الجماعة: حماد بن سلمة، وزائدة بن قدامة، ويحيى بن سعيد وغيرهم، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قوله". انتهى.
(٢) من (ن).
(٣) في "تفسيره" (٢/ ٥٣٤ - شا كر).
(٤) هو في "تفسير ابن جرير" (١٨٤٧) وسنده ضعيف.
(٥) في "تفسيره" (/٥٣٧).
(٦) في (ز) و(ض): "قبلها".
(٧) في (ز) و(ض) و(ن): "ممن".
(٨) ساقط من (ز) و(ض) و(ك).
[ ١ / ٥٨١ ]
دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥) [مريم] وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص].
(فقرر) (^١) تعالى في هذه الآيات الكريمة أنه السيد العظيم الذي لا نظير له ولا شبيه له، وأن جميع الأشياء غيره مخلوقة له مربوبة، فكيف يكون له منها ولد؟
ولهذا قال البخاري (^٢) في تفسير هذه الآية من البقرة: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن عبد الله بن أبي الحسين، حدثنا نافع بن جبير - هو ابن مطعم - عن ابن عباس، عن النبي ﷺ؛ قال: "قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك؛ فأما تكذيبه إياي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان. وأما شتمه إياي فقوله: إن لي ولدًا (فسبحاني) (^٣) أن اتخذ صاحبةً أو ولدًا".
انفرد به البخاري من هذا الوجه.
وقال ابن مردويه (^٤): حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، حدثنا (إسحاق) (^٥) بن محمد الفروي، حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم (ولم ينبغ) (^٦) له أن يكذبني، وشتمني (ولم ينبغ) (^٦) له أن يشتمني، (أما) (^٧) تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليَّ (من إعادته) (^٨). وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا. وأنا الله الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد".
وفي "الصحيحين" (^٩) عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا أحد أصبر على أذىً سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدًا، وهو يرزقهم ويعافيهم".
وقوله (تعالى) (^١٠): ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ قال ابن أبي حاتم (^١١): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أسباط، عن مطرف، عن عطية، عن ابن عباس؛ قال: (قانتين) مصلين.
_________________
(١) في (ك): "يقرر".
(٢) في "كتاب التفسير" (٨/ ١٦٨ - فتح) وفي سياق المصنف هنا تغيير يسير. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (ج ١٠/ رقم ١٠٧٥١) قال: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة، ثنا أبو اليمان بسنده سواء.
(٣) كذا في (ز) و(ن) وهو الموافق لما في "صحيح البخاري"؛ وفي (ج) و(ض) و(ك) و(ل) و(ى): "سبحاني".
(٤) أخرجه البخاري في "كتاب التفسير" (٨/ ٧٣٩).
(٥) في (ن): "محمد بن إسحاق"!
(٦) كذا في (ج) و(ض) و(ك) و(ى)؛ وفي (ن): "ما ينبغي" في الموضعين؛ وفي (ز) و(ل): "ولم ينبغي" بإثبات الياء في الموضع الأول.
(٧) في (ن): "فأما".
(٨) في (ك): "بإعادته".
(٩) أخرجه البخاري في "صحيحه" (١٠/ ٥١١).
(١٠) من (ج) و(ض) و(ك) و(ل) و(ن) و(ى).
(١١) في "تفسيره" (١١٣٨) وفي إسناده عطية العوفي وهو ضعيف.
[ ١ / ٥٨٢ ]
وقال عكرمة (^١)، وأبو مالك (^٢): ﴿كُلٌّ لَهُ (قَانِتُونَ) (^٣)﴾ مقرون له بالعبودية.
وقال سعيد بن جبير (^٤): كل له قانتون: يقول: الإخلاص.
وقال الربيع بن أنس (^٥): يقول: ﴿كُلٌّ لَهُ (قَانِتُونَ) (^٣)﴾ (يقول) (^٦): قائم يوم القيامة.
وقال السدي (^٧): ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ (يقول) (^٨) مطيعون يوم القيامة.
وقال خصيف (^٩)، عن مجاهد: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ قال: مطيعون؛ كن إنسانًا فكان، وقال: كن حمارًا فكان.
وقال ابن أبي نجيح (^١٠)، عن مجاهد: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: مطيعون (يقول) (^١١): طاعة الكافر في سجود ظله وهو كاره. وهذا القول عن مجاهد، وهو اختيار ابن جرير يجمع الأقوال كلها؛ وهو أن القنوت والطاعة والاستكانة إلى الله، (وذلك) (^١٢) شرعي وقدري؛ كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾ [الرعد: ١٥].
وقد ورد حديث فيه بيان القنوت في القرآن ما هو المراد به؛ كما قال ابن أبي حاتم (^١٣): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث - أن دراجًا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ؛ قال: "كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة".
وكذا رواه الإمام أحمد، عن (حسن) (^١٤) بن موسى، عن ابن لهيعة، عن دراج بإسناده، مثله. [ولكن هذا الإسناد ضعيف] (^١٥) لا يعتمد عليه، ورفع هذا الحديث منكر؛ وقد يكون من (كلام) (^١٦) الصحابي، أو من دونه. والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٨٥٦) عن يحيى بن واضح؛ وابن أبي حاتم (١١٣٩) عن علي بن الحسين بن واقد قالا: ثنا الحسين بن واقد عن يزيد النحوي، عن عكرمة وسنده جيد.
(٢) ذكره ابن أبي حاتم (١/ ٣٥٠) ولم أقف عليه. وإسناده في الغالب هو إسناد السدي. فإن يكنه فهو حسن. والله أعلم.
(٣) من (ن).
(٤) أخرجه ابن جرير (٦/ ٤٠٣) من طريق الحماني؛ وابن أبي حاتم (١١٤١) من طريق يحيى بن إسحاق وحبان ثلاثتهم عن ابن المبارك، عن شريك، عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير. ولفظ ابن جرير: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣] قال سعيد: قال: أخلصي لربك. [وسنده حسن].
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٤٠) [وسنده جيد].
(٦) في (ن): "أي".
(٧) أخرجه ابن جرير (١٨٥٣). [وسنده حسن].
(٨) في (ن): "قال".
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٣٧) بسند ضعيف.
(١٠) أخرجه ابن جرير (١٨٥١)؛ وابن أبي حاتم (١١٣٦) من طريقين عن أبي نجيح، عن مجاهد. وهو في "تفسير [آدم بن أبي إياس المنسوب إلى] مجاهد" (ص ٢١٢) [وسنده صحيح].
(١١) في (ن): "قال".
(١٢) في (ن): "وهو".
(١٣) في "تفسيره" (١١٣٥) وهو حديث ضعيف. وأخرجه ابن حبان (١٧٢٣ - موارد)؛ والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (ج ٣/ ق ٢٥٤/ ١) والطبراني في "الأوسط" (٥١٨١)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣٢٥) من طرق عن عبد الله بن وهب بهذا الإسناد سواء.
(١٤) في (ج): "حسين"! وهو حسن بن موسى الأشيب من ثقات شيوخ أحمد.
(١٥) في (ن): "ولكن في هذا الإسناد ضعف".
(١٦) في (ك): "حديث".
[ ١ / ٥٨٣ ]
وكثيرًا ما يأتي بهذا الإسناد تفاسير فيها نكارة، فلا يغتر بها؛ فإن السند ضعيف. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما على غير مثال سبق؛ قاله مجاهد، والسدي (^١): وهو مقتضى اللغة؛ ومنه يقال للشيء المحدث: بدعة، كما جاء في "صحيح مسلم" (^٢): "فإن كل محدثة بدعة".
والبدعة على قسمين: تارة تكون بدعةً شرعيةً؛ كقوله: "فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"؛ وتارة تكون بدعةً لغويةً؛ كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم: "نعمت البدعة هذه" (^٣).
وقال ابن جرير (^٤): ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبدعهما، وإنما هو "مفعل"، فصرف إلى "فعيل"، كما صرف "المؤلم" إلى "الأليم"، و"المسمع" إلى "السميع". ومعنى المبدع: المنشئ والمحدث ما لا يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد.
قال (^٤): ولذلك سمي المبتدع في الدين مبتدعًا؛ [لإحداثه فيه ما لم (يسبق) (^٥) إليه غيره، وكذلك كل محدث قولًا أو فعلًا لم يتقدم فيه متقدم، فإن العرب تسميه مبتدعًا] (^٦) ومن ذلك قول أعشى بن ثعلبة في مدح هوذة بن علي الحنفي:
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٨٥٩) قال: حدثني موسى، وابن أبي حاتم (١١٤٣) قال: حدثنا أبو زرعة قالا: ثنا عمرو بن حماد بن طلحة، ثنا أسباط، عن السدي قال: ابتدعها، فخلقها، ولم يخلق قبلها شيء فيتمثل به. لفظ ابن جرير. وعند ابن أبي حاتم: "لم يخلق قبلها شيئًا". [وسنده حسن].
(٢) كذا قال المصنف ﵀، ولم يخرج مسلم هذا المقطع من الحديث. وأخرجه الدارمي (١/ ٦١) من طريق يحيى بن سليم؛ وأحمد (٣/ ٣١٠، ٣١١) قال: حدثنا مصعب بن سلام؛ وأبو يعلى (٢١١١٩) من طريق وهيب ثلاثتهم عن جعفر بن محمد هذا الإسناد مطولًا ومختصرًا ولم يقع عند واحد منهم: "كل محدثة بدعة". إنما وقع هذا اللفظ في رواية سفيان الثوري عن جعفر بن محمد بهذا الإسناد وفيه: " … وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" أخرجه مسلم (٨٦٧/ ٤٣) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن سفيان به ولكنه لم يسق لفظه وقال: "بمثل حديث الثقفي" ومعنى قوله: "مثل" أن لفظ الثوري مثل لفظ عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، وقد تقدم أن رواية الثقفي ليس فيها هذا المقطع من الحديث. ولكن أخرجه أحمد (٣/ ٣٧١)؛ والبيهقي (٣/ ٢١٤) من طريق ابن أبي شيبة قالا: ثنا وكيع، عن سفيان الثوري بهذا الإسناد وعندهم: "كل محدثة بدعة" ورواه أيضًا عبد الله بن المبارك، عن سفيان الثوري بهذا الإسناد مثل رواية وكيع لكنه زاد: "وكل ضلالة في النار"؛ أخرجه النسائي في "المجتبى" (٣/ ١٨٨، ١٨٩)؛ وفي "كتاب العلم" (٣/ ٤٤٩، ٤٥٠ - الكبرى)؛ وابن خزيمة (١٧٨٥)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ١٨٩) من طريق عتبة بن عبد الله، قال: أنبأنا ابن المبارك. وهذا في "سنده" (٨٧) مختصرًا، عن سفيان الثوري وتابعه حبان بن موسى ثنا ابن المبارك بسنده سواء. أخرجه الآجرى في "الشريعة" (ص ٤٥)؛ والبيهقي في "الأسماء والصفات" (ص ٨٢) وقال أبو نعيم: "صحيح ثابت".
(٣) أخرجه البخاري في "كتاب صلاة التراويح" (٤/ ٢٥٠).
(٤) في "تفسيره" (٢/ ٥٤٠).
(٥) في (ك) و(ن): "يسبقه" وهو الموافق لما في "تفسير الطبري".
(٦) ساقط من (ج).
[ ١ / ٥٨٤ ]
يُرعى (^١) إلى قول سادات الرجال إذا … أبدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعا
أي: يحدث ما شاء.
قال ابن جرير (^٢): فمعنى الكلام: سبحان الله (أنَّى) (^٣) يكون (لله) (^٤) ولد وهو مالك ما في السماوات والأرض، تشهد له جميعها بدلالتها عليه بالوحدانية، وتقر له بالطاعة، وهو بارئها وخالقها وموجدها من غير أصل ولا مثال احتذاها عليه؛ وهذا إعلام من الله (عباده) (^٥) أن ممن (يشهد له) (^٦) بذلك المسيح الذي أضافوا إلى الله بنوته، وإخبار منه لهم أن الذي ابتاع السماوات والأرض من غير أصل وعلى غير مثال هو الذي ابتاع المسيح عيسى من غير والد بقدرته؛ وهذا من ابن جرير ﵀ كلام جيد وعبارة صحيحة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يبين بذلك تعالى كمال قدرته، (وعظيم) (^٧) سلطانه، وأنه إذا قدَّر أمرًا، وأراد كونه، فإنما يقول له: كن؛ أي: مرةً واحدةٍ، فيكون؛ أي: فيوجد على وفق ما أراد؛ كما قال تعالى:
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر].
وقال الشاعر:
إذا ما أراد الله أمرًا فإنما … يقول له كن قولةً فيكون
ونبه تعالى (بذلك) (^٨) أيضًا على أنه خلق عيسى بكلمة "كن"، فكان كما أمره الله؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران].
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾.
قال محمد بن إسحاق (^٩): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: قال رافع بن حريملة لرسول الله ﷺ: يا محمد، إن كنت رسولًا من الله كما تقول فقل لله فيكلمنا حتى نسمع كلامه؛ فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾.
_________________
(١) يرعى: يصغى.
(٢) في "تفسيره" (٢/ ٥٤١).
(٣) في (ن): "أن".
(٤) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى)؛ وفي (ن): "له" وهو الموافق لما في "تفسير الطبري".
(٥) في (ن): "لعباده".
(٦) في (ج): "شهد له".
(٧) في (ج): "عظم".
(٨) في (ج): "ذلك".
(٩) أخرجه ابن إسحاق كما في "سيرة ابن هشام" (٢/ ٢٠٢)، ومن طريقه ابن جرير (١٨٦٢)؛ وابن أبي حاتم (١١٤٧) من طريق سلمة بن الفضل، زاد ابن جرير: ويونس بن بكير، قالا: ثنا محمد بن إسحاق بسنده سواء. [وسنده حسن].
[ ١ / ٥٨٥ ]
[وقال (ابن أبي نجيح، عن) (^١) مجاهد (في قوله) (^٢): ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾] (^٣) قال: النصارى تقوله، وهو اختيار ابن جرير؛ قال: لأن السياق فيهم. وفي ذلك نظر.
[وحكى القرطبي (^٤): ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ أي: يخاطبنا بنبوتك يا محمد. قلت: وهو ظاهر السياق. والله أعلم] (^٥).
وقال أبو العالية (^٦)، والربيع بن أنس (^٧)، وقتادة (^٨)، والسدي (^٩) في تفسير هذه الآية: هذا قول كفار العرب.
﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ قالوا: هم اليهود والنصارى. ويؤيد هذا القول وأن القائلين ذلك هم مشركو العرب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾ [الأنعام: ١٢٤].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ [الإسراء].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾ [الفرقان: ٢١].
وقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾ [المدثر: ٥٢]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب وعتوهم وعنادهم وسؤالهم ما لا حاجة لهم به؛ إنما هو الكفر والمعاندة، كما قال من قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم؛ كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥].
وقوله تعالى: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: أشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في
_________________
(١) من (ك). وهذا الأثر في "تفسير مجاهد" (ص ٢١٢) من طريق آدم بن أبي إياس نا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١١٤٩) من طريق شبابة عن ورقاء به؛ وأخرجه ابن جرير (١٨٦٠) من طريق عيسى بن ميمون الجرشي. وأيضًا (١٨٦١) من طريق شبل بن عباد كلاهما عن ابن أبي نجيح به. [وسنده صحيح].
(٢) ساقط من (ض).
(٣) ساقط من (ن)؛ وفي (ك): "في قول الله ﷿".
(٤) في "تفسيره" (٢/ ٩٢).
(٥) من (ج) و(ل) و(ن).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٤٨) [وسنده جيد].
(٧) أخرجه ابن جرير (١٨٦٤). [وسنده جيد].
(٨) أخرجه ابن جرير (١٨٦٣). [وسنده صحيح].
(٩) أخرجه ابن جرير (١٨٦٥). [وسنده حسن].
[ ١ / ٥٨٦ ]
الكفر والعناد والعتو؛ كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ [الذاريات: ٥٢].
وقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾ أي: قد أوضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر، وزيادة أخرى لمن (أيقن) (^١) وصدق، واتبع الرسل، وفهم ما جاءوا به عن الله ﵎. وأما من ختم الله على قلبه وسمعه، وجعل على بصره غشاوة، فأولئك قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (^٢) (٩٧)﴾ [يونس].
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾.
قال ابن أبي حاتم (^٣): حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن (عبيد الله) (^٤) الفزاري، عن شيبان النحوي، أخبرني قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ؛ قال: "أنزلت على ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ قال: بشيرًا بالجنة، ونذيرًا من النار".
وقوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ قراءة (أكثرهم) (^٥): ولا تسأل - بضم التاء على الخبر.
وفي قراءة أُبي بن كعب: "وما تُسأل". وفي قراءة ابن مسعود: "ولن تُسأل عن أصحاب الجحيم" (^٦)؛ نقلها ابن جرير؛ أي: لا نسألك عن كفر من كفر بك؛ كقوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾ [الرعد: ٤٠]، وكقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية]، وكقوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ [ق] وأشباه ذلك من الآيات.
وقرأ آخرون: "ولا تَسْأل عن أصحاب الجحيم" - بفتح التاء على النهي؛ أي: لا تسأل عن حالهم، كما قال عبد (^٧) الرزاق: أخبرنا الثوري، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب
_________________
(١) في (ك): "اتقى".
(٢) في هامش (ع): "بلغ مقابلة بقراءة المصنف معارضًا بأصله فسح الله في مدته".
(٣) في "تفسيره" (١١٥٥، ١١٥٦) وسنده ضعيف وعبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله قال أبو حاتم، كما في "الجرح والتعديل" (٢/ ٢/ ٢٨٢): "ليس بقوي" وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٩١) وقال: "يعتبر بحديثه من غير روايته عن أبيه". وقتادة لم يصرح بتحديث. والله أعلم.
(٤) في (ع) و(ك) و(ن) و(ى): "عبد الله"!
(٥) كذا في (ج) و(ل) و(ن)؛ وفي (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى): "بعضهم" وما أثبته هو الصواب. وقرأ نافع ويعقوب: "ولا تسأل".
(٦) [وهي قراءة شاذة].
(٧) في "تفسيره" (١/ ٥٩) ومن طريقه ابن جرير في "تفسيره" (١٨٧٦). وتوبع الثوري. تابعه سفيان بن عيينة، فرواه عن موسى بن عبيدة بسنده سواء. أخرجه ابن أبي حاتم (١١٥٨) قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، ثنا سفيان. وتابعه أيضًا وكيع بن الجراح عن موسى بن عبيدة بسنده سواء؛ أخرجه ابن جرير (١٨٧٥) قال: حدثنا أبو كريب، قال:=
[ ١ / ٥٨٧ ]
القرظي؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "ليت شعري ما فعل أبواي. ليت شعري ما فعل أبواي. ليت شعري ما فعل أبواي"؟ فنزلت: "ولا تسأل عن أصحاب الجحيم"؛ فما ذكرهما حتى توفاه الله ﷿.
ورواه ابن جرير، عن أبي كُريب، عن وكيع، عن موسى بن عبيدة (به مثله) (^١) [وقد تكلموا (^٢) فيه عن محمد بن كعب بمثله. وقد حكاه القرطبي (^٣)، عن ابن عباس، ومحمد بن كعب؛ قال القرطبي (^٣): وهذا كما يقال: لا تسأل عن فلان؛ أي: قد بلغ فوق ما تحسب، وقد ذكرنا في "التذكرة" (^٤) أن الله أحيا له أبويه وأجبنا عن قوله] (^٥): [إن أبي وأباك في النار".
قلت: والحديث المروي في حياة أبويه ﵇ ليس في شيء من الكتب الستة، ولا غيرها (من المعتمدة) (^٦)، وإسناده ضعيف (^٧)] (^٨).
[والله أعلم] (^٩).
ثم قال (ابن جرير) (^١٠): وحدثني القاسم (^١١)، أخبرنا الحسين، حدثني حجاج، عن ابن جريح، أخبرني داود بن أبي عاصم: أن النبي ﷺ قال ذات يوم: "أين أبواي؟ " فنزلت: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾.
وهذا مرسل كالذي قبله.
وقد رد ابن جرير (^١٢) هذا القول المروي عن محمد بن كعب (القرظي) (^١٣) وغيره في ذلك، لاستحالة الشك من الرسول ﷺ في أمر أبويه؛ واختار القراءة الأولى (^١٤)؛ وهذا الذي سلكه ها
_________________
(١) = حدثنا وكيع. وسنده ضعيف جدًّا. وموسى بن عبيدة ضعيف جدًّا، ثم هو مرسل.
(٢) من (ز) و(ض) و(ع) و(ى).
(٣) يعني أن النقاد تكلموا في موسى بن عبيدة.
(٤) في "تفسيره" (٢/ ٩٢).
(٥) (١/ ٥٨، ٥٩) وذكر حديثًا أخرجه ابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" (٦٥٦) من طريق أحمد بن يحيى الحضرمي، والمحب الطبري في "سيرته"، كما في "سبل الهدى والرشاد" (٢/ ١٦٥) للصالحي، من طريق القاضي أبي بكر محمد بن عمر بن محمد بن الأخضر قالا: ثنا أبو غزية محمد بن يحيى الزهري، ثنا عبد الوهاب بن موسى الزهري، ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵄ أن النبي ﷺ نزل إلى الحجون كئيبًا حزينًا فأقام به ما شاء الله ﷿، ثم رجع مسرورًا، فقلت: يا رسول الله نزلت إلى الحجون كئيبًا حزينًا، فأقمت به ما شاء الله، ثم رجعت مسرورًا! قال: "سألت ربي ﷿ فأحيا لي أمي، فآمنت بي ثم ردها". وهذا حديث باطل. قال ابن كثير في "البداية والنهاية" (٢/ ٢٨١): "حديث منكر جدًّا" وقال الذهبي في "الميزان" (٢/ ٦٨٤) في ترجمة "عبد الوهاب بن موسى": "لا يدري من ذا الحيوان الكذاب، فإن هذا الحديث، يعني حديث عائشة هذا، كذب مخالف لما صح أنه ﵇ استأذن ربه في الاستغفار لها فلم يأذن له". انتهى.
(٦) ساقط من (ز) و(ض) و(ع)، وقد وردت هذه الفقرة في (ج) و(ل) قبل الفقرة السابقة بعد قوله: "نقلها ابن جرير"، وترتيبها مشوش.
(٧) من (ج) و(ك) و(ل).
(٨) بل ضعيف جدًّا، وقد حكم عليه ابن كثير فقال: "منكر جدًّا" كما مر قبل قليل.
(٩) ساقط من (ز) و(ض) و(ع).
(١٠) ساقط من (ز) و(ض) و(ع).
(١١) من (ج) و(ع) و(ل) و(ن) و(ى).
(١٢) هو في "تفسير ابن جرير" (١٨٧٧) وسنده ضعيف لإعضاله أو إرساله.
(١٣) في "تفسيره" (٢/ ٥٦٠).
(١٤) من (ج) و(ل).
(١٥) وهي قراءة العامة من القراءة ﴿تُسْأَلُ﴾ بضم التاء واللام.
[ ١ / ٥٨٨ ]
هنا فيه (^١) نظر، لاحتمال أن هذا كان [في حال استغفاره لأبويه] (^٢) قبل أن يعلم أمرهما؛ فلما علم ذلك تبرأ منهما، وأخبر عنهما أنهما من أهل النار، كما ثبت هذا في "الصحيح" (^٣)، ولهذا أشباه كثيرة ونظائر، ولا يلزم ما (ذكره) (^٤) ابن جرير. والله أعلم.
وقال الإمام أحمد (^٥): أخبرنا موسى بن داود، حدثنا فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار؛ قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة: فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا للأميين، وأنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لا فظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع (السيئة بالسيئة)، ولكن يعفو ويغفر، (ولن يقبضه حتى يقيم به) الملة العوجاء؛ بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا.
انفرد بإخراجه البخاري؛ فرواه في "البيوع" عن محمد بن سنان، عن فليح، به. وقال: تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال. وقال سعيد، عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن سلام. ورواه في "التفسير" (^٦) عن عبد الله، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، به. فذكر نحوه؛ فعبد الله هذا هو ابن صالح، كما صرح به في "كتاب الأدب" (^٧)
_________________
(١) نظر في هذا النظر الشيخ محمود شاكر ﵀ في تعليقه على "تفسير الطبري" (٢/ ٥٦١) وقال: "ينسى ابن كثير غفر الله له، ما أعاد الطبري وأبدًا من ذكر سياق الآيات المتتابعة، والسياق كما قال هو في ذكر اليهود والنصارى وقصصهم، وتشابه قلوبهم في الكفر بالله، وقلة معرفتهم بعظمة ربهم، وجرأتهم على رسل الله وأنبيائه، وكل ذلك موجب عذاب الجحيم، فما الذي أدخل كفار العرب في هذا السياق؟ نعم إنهم يدخلون في معنى أنهم من أصحاب الجحيم، كما يدخل فيه كل مشرك من العرب وغيرهم. وقد بينا أن هذه الآيات السالفة والتي تليها، دالة أوضح الدلالة على أن قصتها كلها في اليهود والنصارى، ولا شأن لمشركي العرب بها. وإن دخل هؤلاء المشركون في معنى أنهم من أصحاب الجحيم، وإذن فسياق الآيات يوجب أن تكون في اليهود والنصارى، فتخصيص شطر من آية بأنه نزل في أمر بعض مشركي الجاهلية. تحكم بلا خبر ولا بينة".
(٢) ساقط من (ج) و(ل).
(٣) يشير إلى ما أخرجه البخاري (٣/ ٢٢٢؛ و٧/ ١٩٣؛ و٨/ ٣٤١، ٥٠٦؛ و١١/ ٥٦٦)؛ ومسلم (٢٤/ ٣٩، ٤٠) وغيرهما من طرق عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه المسيب بن حزن.
(٤) في (ز) و(ض) و(ن): "ذكر".
(٥) في "مسنده" (٢/ ١٧٤)؛ وأخرجه البخاري في "البيوع" (٤/ ٣٤٢، ٣٤٣).
(٦) في "تفسير سورة الفتح" (٨/ ٥٨٥).
(٧) وسبق المصنف إلى ذلك الترجيح شيخه: أبو الحجاج المزي في "تحفة الأشراف" (٦/ ٣٦٤) فتعقبه الحافظ ابن حجر في "النكت الظراف" (٦/ ٣٦٣، ٣٦٤) قال: "وأما قول المزي: إن البخاري أخرجه في "الأدب المفرد" عن عبد الله بن صالح، فقد تلقفه عنه الذهبي وجزم بأنه المراد في "الصحيح". قلت: وهو محتمل لكن مع ذلك لا يحسن الجزم به لما وقع من رواية أبي ذر، بل نقلها أولى أن يعتمد، فلا مانع أن يكون للبخاري شيخان كل منهما يسمى: عبد الله،. انتهى وسبق المزي إلى هذا الترجيح أبو علي الجياني. أودعه في "صحيحه". والله أعلم.
[ ١ / ٥٨٩ ]
وزعم أبو مسعود الدمشقي (^١) أنه عبد الله بن رجاء.
وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من "البقرة"، عن أحمد بن الحسن بن أيوب، عن محمد بن أحمد بن البراء، عن المعافى بن سليمان، عن فليح، به.
وزاد (^٢) قال عطاء: ثم لقيت كعب الأحبار، فسألته فما اختلفا في حرف إلا أن كعبًا قال بلغته: أعينًا عمومي، وآذانًا صمومي، وقلوبًا غلوفًا.
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾.
قال ابن جرير (^٣): (يعني) (^٤) بقوله جل ثناؤه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ وليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبدًا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ أي: قل يا محمد: إن هدى الله الذي بعثني به هو الهدى؛ يعني: هو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل.
قال قتادة (^٥) في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ قال: خصومة علمها الله محمدًا ﷺ وأصحابه، يخاصمون بها أهل الضلالة؛ قال قتادة: وبلغنا أن رسول الله ﷺ كان يقول: "لا تزال طائفة من أمتي (يقتتلون) (^٦) على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله".
قلت: هذا الحديث مخرج في (الصحيح) (^٧) عن عبد الله بن (^٨) عمرو.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ فيه تهديد ووعيد
_________________
(١) ووافقه على ذلك البيهقي في "الدلائل" (١/ ٣٧٥) فأخرج الحديث من طريق عبد الله بن رجاء ثنا عبد العزيز. ثم قال: "رواه البخاري في "الصحيح" عن عبد الله غير منسوب عن عبد العزيز بن أبي سلمة. قيل: هو ابن رجاء، وقيل: هو ابن صالح، والأشبه أن يكون ابن رجاء. والله أعلم". انتهى وكأن البدر العيني يذهب إلى ذلك فقال في "عمدة القارى" (١١/ ٢٤٣، ٢٤٤): "وقال أبو مسعود الدمشقي: هو عبد الله بن محمد بن رجاء. وقال الجياني: هو عبد الله بن صالح كاتب الليث، والحاكم قطع على أن البخاري لم يخرج في "صحيحه" عن عبد الله بن صالح كاتب الليث". انتهى.
(٢) هذا التخريج من المصنف ﵀ يوهم أن هذه الزيادة لم تقع إلا عند ابن مردويه من رواية المعافى بن سليمان عن فليح، وليس كذلك بل ذكرها من خرجوا الحديث ممن ذكرناهم وفيهم الإمام أحمد الذي ذكر المصنف روايته، ولكن البخاري لم يخرجها.
(٣) في "تفسيره" (٢/ ٥٦٢) وسياقه أطول.
(٤) ساقط من (ج) و(ل) وعندهما: "في قوله".
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٦٠) وسنده ضعيف معضل أو مرسل.
(٦) كذا في سائر "الأصول"، وكذلك هو في "تفسير ابن أبي حاتم". ووقع في (ن): "يقاتلون".
(٧) في (ج) و(ل): "الصحيحين" وهو خطأ فالحديث من مفاريد مسلم.
(٨) أخرجه مسلم (١٩٢٤/ ١٧٦).
[ ١ / ٥٩٠ ]
شديد للأمة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى بعد ما علموا من القرآن والسنة عياذًا باللّه من ذلك؛ فإن الخطاب مع الرسول (والأمة مرادة) (^١).
[وقد استدل كثير من الفقهاء بقوله: ﴿تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ حيث أفرد الملة، على أن الكفر كله ملة واحدة؛ كقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦] فعلى هذا لا يتوارث المسلمون والكفار، وكل منهم يرث قرينه سواء كان من أهل دينه أم لا؟ لأنهم كلهم ملة واحدة.
وهذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية عنه.
وقال في الرواية الأخرى كقول مالك: إنه لا يتوارث أهل ملتين شتى؛ كما جاء في الحديث (^٢). واللّه أعلم] (^٣).
وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال عبد الرزاق (^٤)، عن معمر، عن قتادة: هم اليهود والنصارى؛ وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٥)، واختاره ابن جرير (^٦).
وقال سعيد (^٧)، عن قتادة: هم أصحاب رسول اللّه ﷺ.
وقال ابن أبي حاتم (^٨): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا إبراهيم بن موسى، وعبد الله بن عمران الأصبهاني؛ قالا: حَدَّثَنَا يحيى بن يمان، حَدَّثَنَا أسامة بن زيد، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] قال: إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار تعوذ بالله من النار.
وقال أبو العالية (^٩): قال ابن مسعود: "والذي نفسي بيده، إن حق تلاوته أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئًا على غير تأويله".
وكذا رواه عبد الرزاق (^١٠)، عن معمر، عن قتادة ومنصور بن المعتمر، عن ابن مسعود.
_________________
(١) كذا في سائر "الأصول"؛ وفي (ز) و(ن): "والأمر لأمته".
(٢) حديث صحيح.
(٣) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ى). وجاءت هذه الفقرة في (ك) متأخرة. أخرجه أبو داود (٢٩١١)؛ وابن ماجة (٢٧٣١)؛ وأحمد (٢/ ١٧٨، ١٩٥)؛ وسعيد بن منصور (١٣٧)؛ والدارقطني (٤/ ٧٢، ٧٣)؛ وابن الجارود في "المنتقى" (٩٦٧)؛ والبغوي في "شرح السنة" (٨/ ٣٦٤، ٣٦٥) من طرق عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا.
(٤) ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم (١١٦٣).
(٥) أخرجه ابن جرير (١٨٧٩).
(٦) في "تفسيره" (٢/ ٥٦٥).
(٧) أخرجه ابن جرير (١٨٧٨)؛ وابن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (٣٨٨) وسنده صحيح.
(٨) في "تفسيره" (١١٦٧) وسنده ضعيف ويحيى بن يمان وأسامة بن زيد متكلم في حفظهما ثم هو منقطع وزيد بن أسلم لم يدرك عمر بن الخطاب ﵁.
(٩) أخرجه ابن جرير (١٨٨٦) قال: حدثت عن عمار، ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، قال: قال ابن مسعود فذكره وسنده ضعيف.
(١٠) في "تفسيره" (١/ ٥٦، ٥٧) ومن طريقه ابن جرير (١٨٨٧) وسنده ضعيف لانقطاعه.
[ ١ / ٥٩١ ]
وقال السدي (^١)، عن أبي مالك، عن ابن عباس - في هذه الآية؛ قال: يحلون حلاله، ويحرمون حرامه، ولا يحرفونه عن مواضعه.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن مسعود نحو ذلك.
وقال الحسن البصري (^٢): يعملون بمُحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أُشكل عليهم إلى عالمه.
وقال ابن أبي حاتم (^٣): حَدَّثَنَا أبو زرعة، حَدَّثَنَا إبراهيم بن موسى، أخبرنا ابن أبي زائدة، أخبرنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه؛ ثم قرأ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢)﴾ [الشمس: ٢] يقول: اتبعها. قال (^٤): وروي عن عكرمة (^٥)، وعطاء (^٦)، ومجاهد (^٧)، وأبي رزين (^٨)، وإبراهيم النخعي (^٩) نحو ذلك.
وقال سفيان الثوري (^١٠): أخبرنا زبيد، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه.
[قال القرطبي (^١١): وروى نصر بن عيسى، عن مالك، عن] (^١٢) [نافع، عن ابن عمر] (^١٣)،
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٨٨٣) قال: حدثني الحسين بن عمرو العنقزي و(١٨٨٤) قال: حدثني موسى وابن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (٣٨٦) قال: حَدَّثَنَا إسحاق بن راهويه. وابن أبي حاتم (١١٦٤) قال: حَدَّثَنَا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان قالوا: ثنا عمرو بن محمد ثنا أسباط بسنده سواء وإسناده جيد كما حققته فيما مضى (١/ ٤٨٩).
(٢) أخرجه ابن جرير (١٩٠١) قال: حَدَّثَنَا سفيان بن وكيع؛ وابن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (٣٨٩) قال: حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم وابن أبي حاتم (١١٦٥) من طريق مقاتل بن محمد والفريابي في "فضائل القرآن" (١٦٧) قال: حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم قالوا: ثنا وكيع، عن مبارك، عن الحسن. [وسنده حسن].
(٣) في تفسيره" (١١٦٦). وهو صحيح.
(٤) يعني: ابن أبي حاتم (١/ ٣٥٧).
(٥) أخرجه أبو عبيد في "الفضائل" (ص ٦١) قال: حَدَّثَنَا هشيم؛ وأبو داود في "الزهد" (٤٧٠)؛ وابن جرير (١٨٨٢) من طريق يزيد بن زريع. ابن جرير (١٨٨١) من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي وأيضًا (١٩٠٤) من طريق هشيم بن بشير. كلهم عن داود بن أبي هند، عن عكرمة. وسنده صحيح.
(٦) أخرجه ابن جرير (١٩٠٠) من طريق يحيى القطان، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء. وتابعه ابن المبارك، عن عبد الملك بهذا الإسناد؛ أخرجه ابن جرير (١٨٩٤)؛ والآجري في "أخلاق حملة القرآن" (٥، ٣٥). وسنده قوي؛ وأخرجه ابن جرير (١٨٨٩) من وجه آخر عن عطاء.
(٧) أخرجه سعيد بن منصور في "تفسيره" (٢١١)؛ وابن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (٣٨٥) من طريق خصيف؛ وابن جرير (١٨٩٤، ١٨٩٧)؛ والآجري في "أخلاق حملة القرآن" (٥، ٣٥) من طريق عبد الملك بن أبي سليمان؛ وابن جرير (١٨٩٦، ١٨٩٧)؛ وابن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (٣٨٧) من طريق ابن أبي نجيح. [وسنده صحيح].
(٨) أخرجه ابن جرير (١٨٩٠، ١٨٩١)؛ والخطيب في "اقتضاء العلم العمل" (١١٧) من طرق عن سفيان الثوري، عن منصور، عن أبي رزين به. وسنده صحيح.
(٩) أخرجه الفريابي في "فضائل القرآن" (١٦٦) قال: حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم، ثنا وكيع، عن الثوري، عن إبراهيم النخعي. وسنده صحيح.
(١٠) أخرجه ابن جرير (١٨٨٥). [وسنده صحيح].
(١١) في "تفسيره" (٢/ ٩٥).
(١٢) ساقط من (ز) و(ض).
(١٣) ساقط من (ز) و(ض).
[ ١ / ٥٩٢ ]
[عن النَّبِيّ (^١) ﷺ في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: "يتبعونه حق اتباعه"؛ ثم قال: في إسناده غير واحد من المجهولين فيما ذكره الخطيب إلا أن معناه صحيح.
وقال أبو موسى الأشهري (^٢): من يتبع القرآن يهبط به على (رياض) (^٣) الجنة].
[وعن (^٤) عمر بن الخطاب (﵁) (^٥): هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها.
قال (^٦): وقد روي هذا المعنى عن النَّبِيّ (^٧) ﷺ أنه كان إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب تعوذ] (^٨).
وقوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ خبر عن ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ أي: من أقام كتابه من أهل الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدمين حق إقامته آمن بما أرسلتك به يا محمد، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ …﴾ الآية [المائدة: ٦٦] وقال: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨] أي: إذا أقمتموها حق الإقامة، وآمنتم بها حق الإيمان، وصدقتم ما فيها من الإخبار بمبعث محمد ﷺ ونعته وصفته، والأمر باتباعه ونصره ومؤازرته، قادكم ذلك إلى الحق، واتباع الخير في الدنيا والآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ
_________________
(١) حديث باطل. أخرجه الخطيب في "اقتضاء العلم والعمل" (١١٨) من طريق العباس بن أحمد الخواتيمي، نا العباس بن الفضل الأرسوفي، نا أحمد بن عبد العزيز، نا نصر بن عيسى بسنده سواء. وصرح الخطيب في "كتاب الرواة عن مالك" أن في إسناده غير واحد من المجاهيل وهم الخواتيمي وأحمد بن عبد العزيز ونصر بن عيسى. أما الأرسوفي فقد اتهمه الذهبي في "الميزان" (٢/ ٣٨٦) بخبر باطل. ونقل الذهبي في "الميزان" (٤/ ٢٥٣) كلام الخطيب في ترجمة "نصر بن عيسى" وأعله السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ١١١) فقال: "فيه مجاهيل".
(٢) أخرجه الدارمي (٢/ ٣١٢)؛ وأبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص ٣٤، ٣٥)؛ وفي "الغريب" (٤/ ١٧٣)؛ وابن الضريس (٦٧)؛ والفريابي (٢٢) كلاهما في "فضائل القرآن"؛ والآجري في "أخلاق حملة القرآن" (٣)؛ وسعيد بن منصور في "تفسيره" (٨)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٨٤؛ و١٣/ ٣٨٦، ٣٨٧)؛ والبيهقي في "الشعب" (ج ٤/ رقم ١٨٦٦)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٥٧)؛ والشجري في "الأمالي" (١/ ٨٣) من طريق زياد بن مخراق، عن أبي إياس، عن أبي كنانة، عن أبي موسى قال: "إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا، وكائن لكم ذخرًا، وكائن لكم وزرًا، فاتبعوا القرآن، ولا يتبعنكم القرآن، فإنه من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة، ومن يتبعه القرآن يزخ [يعني: يدفع] في قفاه حتَّى يقذفه في نار جهنم". وسقط ذكر "أبي إياس" عند ابن الضريس، وتحرف عند الدارمي إلى "ابن عباس" وهذا سند ضعيف، وأبو كنانة القرشي مجهول كما قال الحافظ.
(٣) في (ج) و(ل): "رياط" وهي صحيحة أيضًا، وانظر "النهاية" (٢/ ٢٨٩).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٦٧) من طريق يحيى بن يمان، ثنا أسامة بن زيد، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب قال: "إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار تعوذ بالله من النار". وسنده ضعيف، ويحيى بن يمان سيئ الحفظ وأسامة بن زيد فيه ضعف، وزيد بن أسلم لم يدرك عمر بن الخطاب ﵁.
(٥) من (ج) و(ل).
(٦) يعني: القرطبي وهو في "تفسيره" (٢/ ٩٥).
(٧) أخرجه مسلم (٧٧٢/ ٢٠٣).
(٨) ساقط من (ز) و(ض).
[ ١ / ٥٩٣ ]
النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧] وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾ [الإسراء] أي: إن كان ما وعدنا به من شأن محمد ﷺ لواقعًا. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)﴾ [القصص] وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾ [آل عمران: ٢٠] ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧].
وفي "الصحيح" (^١): "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار".
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾.
قد تقدم نظير هذه (الآية) (^٢) في صدر السورة، وكررت ها هنا للتأكيد والحث على اتباع الرسول (ﷺ) (^٣) النَّبِيّ الأمي الذي يجدون صفته في كتبهم، ونعته واسمه، وأمره وأمته؛ (فحذرهم) (^٤) من كتمان هذا، وكتمان ما أنعم به عليهم، وأمرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم من النعم الدنيوية والدينية، ولا يحسدوا بني عمهم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال الرسول الخاتم منهم، ولا يحملهم ذلك الحسد على مخالفته وتكذيبه (والحيدة) (^٥) عن موافقته، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين (^٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٥٣/ ٢٤٠).
(٢) ساقط من (ج).
(٣) من (*) و(ل).
(٤) في (ز) و(ض): "يحذرهم".
(٥) في (ن): "الحيد".
(٦) في (ع): "تم المجلد الأول من "كتاب التفسير" تأليف الشيخ الإمام الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الشافعي نفع الله به، ويتلوه في الثاني بإذن الله تعالى قوله ﷿: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] والحمد للّه رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه. (*) قلت: وبهذا الجزء ينتهي ما عندي من هذه النسخة، واللّه نسأل أن نظفر بباقيها. وفي النسخة (ى) ما يأتي: "قوبل على نسخة المصنف ﵀. آخر المجلد الأول من "كتاب التفسير" تأليف الشيخ الإمام الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الشافعي نفع الله به، ويتلوه في الثاني إن شاء الله قوله ﷿: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد، وآله وعلى جميع الأنبياء والمرسلين. كتبه العبد الحقير عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد التميمي … بيده في العشر الأول من محرم سنة أربع وثمانمائة هجرية، ووفق على أولاده المستفيدين إن شاء الله وله نفسه ثم إياهم حامدًا مصليًا مسلمًا".
[ ١ / ٥٩٤ ]
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾.
يقول تعالى منبهًا على شرف إبراهيم خليله، عليه (الصلاة و) (^١) السلام، وأن الله تعالى جعله إمامًا للناس يقتدى به في التوحيد، (حين) (^٢) قام بما كلفه الله تعالى به من الأوامر والنواهي؛ ولهذا قال: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ أي: (واذكر) (^٣) - يا محمد - لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملة إبراهيم وليسوا عليها، وإنما الذي هو عليها مستقيم فأنت (والذين) (^٤) معك من المؤمنين، اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم؛ أي: (اختباره) (^٥) له بما كلفه به من الأوامر والنواهي ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: (قام) (^٦) بهن كلهن، كما قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧] أي: وفَّى جميع ما شرع له، فعمل به صلوات الله (وسلامه) (^٧) عليه، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل] وقال تعالى: (﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام] وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ [آل عمران].
وقوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ أي: بشرائع وأوامر ونواهي، فإن الكلمات تطلق؛ ويراد بها الكلمات القدرية؛ كقوله تعالى عن مريم ﵍: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وتطلق ويراد بها الشرعية؛ كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥] أي: كلماته الشرعية. وهي إما خبر صدق، وإما طلب عدل إن كان أمرًا أو نهيًا، ومن ذلك هذ الآية الكريمة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: قام بهن. قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ أي: جزاءً على ما فعل، كما قام بالأوامر وترك الزواجر، جعله الله للناس قدوة وإمامًا يقتدى به، ويحتذى حذوه.
وقد اختلف (العلماء) (^٨) في (تفسير) (^٩) الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل ﵇.
فروي عن ابن عباس في ذلك روايات:
فقال عبد الرزاق (^١٠)، عن معمر، عن قتادة، قال ابن عَبَّاس: ابتلاه الله بالمناسك. وكذا
_________________
(١) من (ل).
(٢) كذا في (ج) و(ك) و(ل) و(ن) و(ى). ووقع في (ز) و(ض): "حتَّى".
(٣) في (*): "فاذكر"؛ وفي (ل): "اذكر".
(٤) في (ل): "والذي".
(٥) في (*): "إخباره".
(٦) في (ل): "أقام".
(٧) من (ل).
(٨) من (ك).
(٩) في (ن) و(ى): "تعيين".
(١٠) أخرجه ابن جرير (١٩٢٦) قال: حَدَّثَنَا الحسن بن يحيى؛ وابن أبي حاتم (١١٧٦) قال حَدَّثَنَا الحسن بن أبي الربيع قالا: ثنا عبد الرزاق بسنده سواء. وسنده ضعيف لانقطاعه بين قتادة، وابن عباس وقد صرّح =
[ ١ / ٥٩٥ ]
رواه (^١) أبو إسحاق السبيعي، عن (التميمي) (^٢)، عن ابن عباس.
وقال عبد الرزاق (^٣) - أيضًا -: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد؛ في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن المسيب، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وأبي صالح، وأبي الجلد، نحو ذلك.
قلت: وقريب من هذا ما ثبت في "صحيح مسلم" (^٤)، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: "عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء". (قال مصعب) (^٥): ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
قال وكيع: انتقاص الماء؛ يعني: الاستنجاء.
وفي "الصحيحين" (^٦)، عن أبي هريرة، عن النَّبِيّ ﷺ، قال: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط". ولفظه لمسلم.
وقال ابن أبي حاتم (^٧): (أخبرنا) (^٨) يونس بن عبد الأعلى، قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني
_________________
(١) = الحاكم بأن قتادة لم يسمع من صحابي غير أنس؛ وأخرجه ابن جرير (١٩٢٤) من طريق عمر بن نبهان وهو ضعيف جدًّا، وأيضا (١٩٢٥) من طريق سعيد بن أبي عروبة كلاهما عن قتادة، عن ابن عباس.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٧٧) معلقًا ووصله ابن جرير (١٩٢٨) من طريق أبي أحمد الزبيري و(١٩٢٩) من طريق الحماني قالا: ثنا شريك النخعي، عن أبي إسحاق عن التميمي، عن ابن عباس فذكره وسنده ضعيف. وشريك النخعي سيئ الحفظ وسمع من أبي إسحاق بآخرة، والتميمي هو أربدة ولم يرو عنه إلا أبو إسحاق، وقد صرّح ابن البرقي بجهالته، وذكره أبو العرب القيرواني في جملة الضعفاء، بينما وثقه العجلي وابن حبان، وقد ذكر المزي في "تهذيب الكمال" (٢/ ٣١١) راويًا آخر عن أربدة غير أبي إسحاق وهو المنهال بن عمرو ولكن السند إليه لا يثبت. والله أعلم.
(٣) في هامش (ج): "اسمه: أربدة".
(٤) في "تفسيره" (١/ ٥٧)، ومن طريقه ابن جرير في "التفسير" (١٩١٠)؛ وفي "التاريخ" (١/ ١٤٤)؛ وابن أبي حاتم - في "تفسيره" (١١٧٢)؛ والحاكم (٢/ ٢٦٦) وعنه البيهقي (١/ ١٤٩) قال: أخبرنا معمر بسنده سواء. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي وهو كما قالا. وقال الحافظ في "الفتح" (١٠/ ٣٣٧): "سنده صحيح عن طاوس". اهـ.
(٥) أخرجه مسلم (٢٦١/ ٥٦).
(٦) ساقط من (ز).
(٧) أخرجه البخاري في "صحيحه" (١٠/ ٣٤٩؛ و١١/ ٨٨)، ومسلم (٣/ ١٤٦ نووي).
(٨) في "تفسيره" (١١٧٥). وأخرجه ابن جرير (١٩١٤) قال: حدثني المثنى، قال: حَدَّثَنَا إسحاق، قال: حَدَّثَنَا محمد بن حرب، حَدَّثَنَا ابن لهيعة بسنده سواء. وهذا سند جيد. وعبد الله بن وهب من قدماء أصحاب ابن لهيعة. وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تخريجه "تفسير الطبري" (٣/ ١٠).
(٩) في (ز) و(ض): "أنبأنا".
[ ١ / ٥٩٦ ]
ابن لهيعة، عن ابن هبيرة، عن (حنش) (^١) بن عبد الله الصنعاني، عن ابن عباس: أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال: عشر، ست في الإنسان، وأربع في المشاعر. فأما التي في الإنسان: حلق العانة، ونتف الإبط، والختان. وكان ابن هبيرة يقول: هؤلاء الثلاثة واحدة. وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والسواك، وغسل يوم الجمعة. والأربعة التي في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة.
وقال داود بن أبي هند (^٢): عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قلت له: وما الكلمات التي ابتلى الله إبراهيم بهن فأتمهن؛ قال: الإسلام ثلاثون سهمًا، منها عشر آيات في براءة: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ …﴾ إلى آخر الآية [التوبة: ١١٢] وعشر آيات في أول سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] و﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] وعشر آيات في الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ …﴾ الآية [٣٥] إلى آخر (الآية) (^٣)، فأتمهن كلهن، فكتبت له براءة. قال الله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧].
هكذا رواه الحاكم، وأبو جعفر بن جرير، وأبو محمد بن أبي حاتم، بأسانيدهم إلى داود بن أبي هند، به. وهذا لفظ ابن أبي حاتم.
وقال محمد بن إسحاق (^٤)، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن، فراق قومه - في الله - حين أُمر بمفارقتهم. ومحاجته (نمروذ) (^٥) - في الله - حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه. وصبره على قذفه إياه في النار ليحرقوه - في الله - على هول ذلك من أمرهم. والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده - في الله - حين أمره بالخروج عنهم، وما أمره به من الضيافة والصبر عليها (وماله)، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه، [فلما مضى على ذلك من الله كله وأخلصه للبلاء] (^٦)، قال الله له: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] على ما كان من خلاف الناس وفراقهم.
_________________
(١) في (ل): "خيش"! وفى (ك): "حسين"!
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٧٣) من طريق محمد بن حرب، ثنا الزبيدي، عن عدي، عن داود بن أبي هند بهذا الإسناد سواء. والزبيدي هو سعيد بن عبد الجبار الزبيدي كما نص عليه أبو حاتم الرازي، كما في ترجمة "عدي بن عبد الرحمن" من "الجرح والتعديل" (٣/ ٢/ ٣)؛ والزبيدي هذا منكر الحديث، ضعفه أبو حاتم، وقال ابن عدي: "عامة حديثه مما لا يتابع عليه". وكان جرير بن عبد الحميد يكذبه. وقال النسائي: "ليس بشيء". وعدي بن عبد الرحمن لم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحًا ولا تعديلًا وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٢٩٢) وقال: "روى الزبيدي عنه عن داود بن أبي هند نسخة مستقيمة".
(٣) في (ج) و(ل): "آية".
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٧٤) من طريق سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق. [وسنده حسن].
(٥) في (ل): "بنمروذ".
(٦) في (ل): "فلما مضى على ذلك من البلاء كله وأخلصه للّه".
[ ١ / ٥٩٧ ]
وقال ابن أبي حاتم (^١): حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا إسماعيل بن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن - يعني: البصري -: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ (فَأَتَمَّهُنَّ) (^٢)﴾ قال: ابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه، وابتلاه بالختان فرضي عنه، وابتلاه بابنه فرضي عنه.
وقال ابن جرير (^٣): حَدَّثَنَا بشر بن معاذ، حَدَّثَنَا يزيد بن زريع، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول: إي والله، ابتلاه بأمر فصبر عليه: ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر، فأحسن في ذلك، وعرف أن (ربه) (^٤) دائم لا يزول، فوجه وجهه للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما كان من المشركين. ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتَّى لحق بالشام مهاجرًا إلى الله، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصبر على ذلك. وابتلاه الله بذبح (ابنه) (^٥) والختان فصبر على ذلك.
وقال عبد الرزاق (^٦): أخبرنا معمر، عمن سمع الحسن يقول في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ (^٧)﴾ قال: ابتلاه الله بذبح ولده، وبالنار، (والكوكب) (^٨)، والشمس والقمر.
وقال أبو جعفر بن جرير (^٩): حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا سلم بن قتيبة، حَدَّثَنَا أبو هلال، عن الحسن ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: ابتلاه بالكوكب، وبالشمس، والقمر، فوجده صابرًا.
وقال العوفي في "تفسيره" (^١٠)، عن ابن عباس: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ فمنهن: (قال) (^١١) ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] ومنهن: الآيات في شأن المنسك والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرزق الذي رزق ساكنو البيت، ومحمد بعث في دينهما.
وقال ابن أبي حاتم (^١٢): حَدَّثَنَا الحسن بن محمد بن الصباح، حَدَّثَنَا شبابة، عن ورقاء، عن
_________________
(١) في "تفسيره" (١١٧٨) وسنده صحيح. وأخرجه ابن جرير (١٩٣٣)؛ وابن عساكر (٦/ ١٩٣) من طريق المحاملي قالا: ثنا يعقوب بن إبراهيم ثنا ابن علية بهذا الإسناد وأبو رجاء هذا، اسمه: محمد بن سيف الأزدي الحداني البصري وثقه ابن معين، والنسائي وابن سعد وابن حبان. وقال أبو حاتم: "صالح الحديث".
(٢) من (ك).
(٣) في "تفسيره" (١٩٣٤) وسنده صحيح.
(٤) في (ل): "الله ربه".
(٥) في (ج): "ولده" وصححها في الحاشية كما في باقي "الأصول".
(٦) في "تفسيره" (١/ ٥٧) ومن طريقه ابن جرير (١٩٣٥)؛ وابن عساكر (٦/ ١٩٣). وضعفه ظاهر.
(٧) من (ل).
(٨) في (ز): "والكواكب".
(٩) في "تفسير" (١٩٣٦)؛ وأخرجه ابن عساكر (٦/ ١٩٣) من طريق أحمد بن الفضل الصائغ ثنا آدم بن أبي إياس، نا أبو هلال الراسبي. وسنده صالح. وأبو هلال هو الراسبي محمد بن سليم وثقه أبو داود ومشاه أحمد وقال ابن معين: ليس به بأس ولينه أبو زرعة والنسائي وضعفه غيرهما.
(١٠) ومن طريقه ابن جرير (١٩٢٣) وسنده ضعيف.
(١١) من (ج) و(ل).
(١٢) في "تفسيره" (١١٧٩). وهو في "تفسير مجاهد" (ص ٢١٣) من طريق آدم بن أبي إياس قال: نا ورقاء بسنده سواء. وسنده صحيح.
[ ١ / ٥٩٨ ]
ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال الله لإبراهيم: إني مبتليك بأمر فما هو؟ قال: تجعلني للناس إمامًا. قال: نعم. قال: ومن ذريتي؟ ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: تجعل البيت مثابةً للناس؟ قال: نعم. قال: وأمنًا. قال: نعم. قال: وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمةً مسلمةً لك؟ قال: نعم. قال: وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم باللّه؟ قال: نعم.
قال ابن أبي نجيح: سمعته عن عكرمة، فعرضته على مجاهد، فلم ينكره.
وهكذا رواه ابن جرير (^١) من غير وجه، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
وقال سفيان الثوري (^٢)، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال: ابتلى بالآيات التي بعدها: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
وقال أبو جعفر الرازي (^٣)، عن الربيع بن أنس: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ (فَأَتَمَّهُنَّ) (^٤)﴾ قال: الكلمات: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ الآية، قال: فذلك كله من الكلمات التي ابتُلي بهن إبراهيم.
وقال السدي (^٥): الكلمات التي ابتُلي بهن إبراهيم ربه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٧، ١٢٨] ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ) (^٦)﴾ [البقرة: ١٢٩].
[وقال القرطبي (^٧): وفي "الموطأ" (^٨) وغيره، عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إبراهيم ﵇، أول من اختتن وأول من ضاف الضيف، وأول من استحد، وأول من قلم أظفاره، وأول من قص الشارب، وأول من شاب فلما رأى الشيب، قال: ما هذا؟ قال: وقار، قال: يا رب، زدني وقارًا] (^٩).
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٩١٧) من طريق عيسى بن ميمون الحرشي و(١٩١٨، ١٩١٩) من طريق شبل بن عباد المكي [وسنده صحيح] و(١٩٢٠) من طريق ابن جريج. كلهم عن مجاهد بن جبر بسنده سواء.
(٢) أخرجه ابن جرير (١٩٢١) قال: حَدَّثَنَا سفيان بن وكيع، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١١/ ٥٢١) قالا: حَدَّثَنَا وكيع بن الجراح، عن سفيان الثوري بهذا الإسناد. وسنده صحيح.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٩٢٢) قال: حدثت عن عمار، ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه فذكره وضعفه ظاهر. [ولكن معناه صحيح، ويشهد له سابقه].
(٤) من (ك).
(٥) أخرجه ابن جرير (١٩٣٧). [وسنده حسن].
(٦) في (ك).
(٧) في "تفسيره" (٢/ ٩٨).
(٨) في "كتاب صفة النَّبِيّ ﷺ" (٢/ ٩٢٢/ ٤) ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخه" (٦/ ١٩٩)؛ وأخرجه ابن أبي شيبة (١١/ ٥٢٢) قال: حَدَّثَنَا ابن نمير وابن عساكر (٦/ ١٩٩) من طريق جعفر بن عون كلاهما، عن يحيى بن سعيد به. وأخرجه ابن عساكر (٦/ ٢٠٠) من طريق عكرمة بن إبراهيم عن يحيى بن سعيد وسنده صحيح عن سعيد بن المسيب.
(٩) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).
[ ١ / ٥٩٩ ]
[وذكر ابن أبي شيبة (^١)، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: أول من خطب على المنابر إبراهيم ﵇.
قال غيره: وأول من ثرد الثريد، وأول من ضرب بالسيف، وأول من استاك، وأول من استنجى بالماء، وأول من لبس السراويل.
وروى معاذ بن جبل (^٢) قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم، وإن اتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم"] (^٣).
[قلت: هذا حديث لا يثبت. واللّه أعلم.
ثم شرع القرطبي يتكلم على ما يتعلق بهذه الأشياء من الأحكام الشرعية] (^٤).
قال أبو جعفر بن جرير (^٥) ما حاصله: أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع. قال: ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له.
قال: غير أنه قد روي عن النَّبِيّ ﷺ في نظير معنى ذلك خبران، أحدهما (^٦): ما حَدَّثَنَا به أبو كريب، حَدَّثَنَا رشدين بن سعد، حدثني زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه قال: كان النَّبِيّ ﷺ يقول: "ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى؛ لأنَّهُ كان
_________________
(١) في "المصنف" (١١/ ٥٢٣)؛ والبزار (٦٣٤) قال: حَدَّثَنَا إبراهيم بن يوسف الكوفي قالا: حَدَّثَنَا عيسى بن يونس، عن ربيعة بن عثمان التيمي، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه فذكره. وسنده حسن. وربيعة بن عثمان وثقه ابن معين وابن سعد وابن حبان. وقال النسائي: "ليس به بأس" ولينه أبو زرعة وقال أبو حاتم: "منكر الحديث، يكتب حديثه". وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ١٨١): "منقطع الإسناد".
(٢) هذا حديث منكر باطل. أخرجه الطبراني في "الكبير" (ج ٢٠/ رقم ٣٥٤) قال: حَدَّثَنَا علي بن عبد العزيز. وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ١٧٥) من طريق إسماعيل بن عبد الله قالا: ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني، ثنا عقبة بن خالد، عن موسى بن محمد بن إبراهيم، ثنا أبي، عن السلولي، عن معاذ بن جبل مرفوعًا. وتابعه عبد الله بن سعيد الكندي، ثنا عقبة بن خالد بهذا الإسناد؛ أخرجه البزار في "مسنده" (٦٣٣) عن الكندي وقال: "لا نعلمه عن النَّبِيّ ﷺ إلا بهذا الإسناد"؛ وأخرجه ابن عساكر في "تاريخه" (٦/ ٢٢٦) من طريق آخر عن عبد الله بن سعيد الكندي به. (*) قلت: وسنده ضعيف جدًّا، وموسى بن محمد بن إبراهيم وهاه أبو زرعة الرازي جدًّا، وتركه الدارقطني. وقال ابن معين في رواية: "ليس بشيء" وقال النسائي وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو أحمد الحاكم: "منكر الحديث" زاد أبو حاتم: "ضعيف الحديث وأحاديث عقبة بن خالد التي رواها عنه من جناية موسى، ليس لعقبة فيها جرم". وضعفه أحمد وابن سعد وغيرهما.
(٣) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).
(٤) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).
(٥) في "تفسيره" (٣/ ١٥) واختصره المصنف.
(٦) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (١٩٣٨) و(٢٧/ ٧٣)؛ وفي "التاريخ" (١/ ٢٨٦) قال: حَدَّثَنَا أبو كريب؛ وأخرجه الطبراني في "الكبير" (ج ٢٠/ رقم ٤٢٨) من طريق محمد بن أبي السري؛ وابن عدي في "الكامل" (٣/ ١٠١١) من طريق زهير بن عباد وابن عساكر (٦/ ٢١٢، ٢١٣) من طريق محمد بن يوسف قالوا: ثنا رشدين بن سعد بهذا الإسناد سواء. ورشدين بن سعد ضعيف جدًّا.
[ ١ / ٦٠٠ ]
يقول كلما أصبح وكلما أمسى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ [الروم] حتَّى يختم الآية".
قال: والآخر منهما (^١): حَدَّثَنَا به أبو كريب، أخبرنا الحسن (ابن) (^٢) عطية، أخبرنا إسرائيل، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أُمامة قال: قال رسول الله ﷺ: " ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧]: أتدرون ما وفَّى؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "وفَّى عمل يومه، أربع ركعات في النهار".
ورواه آدم في "تفسيره"، عن حماد بن سلمة. وعبد بن حميد، عن يونس بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن جعفر بن الزبير، به.
ثم شرع ابن جرير يضعِّف هذين الحديثين، وهو كما قال؛ فإنه لا تجوز روايتهما إلا ببيان ضعفهما، وضعفهما من وجوه عديدة، فإن كلًا من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء، مع ما في متن الحديث مما يدلُّ على ضعفه (والله أعلم) (^٣).
ثم قال ابن جرير (^٤): ولو قال قائل: إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس أولى بالصواب من القول الذي قاله غيرهم كان مذهبًا، فإن قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥] وسائر الآيات التي هي نظير ذلك؛ كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلى بهن إبراهيم.
قلت: والذي قاله أولًا من أن الكلمات تشمل جميع ما ذكر، أقوى من هذا الذي جوزه من قول مجاهد ومن قال مثله؛ لأن السياق يعطى غير ما قالوه، والله أعلم.
وقوله: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ لما جعل الله إبراهيم إمامًا، سأل الله أن تكون الأئمة من بعده من ذريته، فأُجيب إلى ذلك، وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، (فلا) (^٥) يكونون أئمةً فلا يقتدى بهم: والدليل على أنه أجيب إلى طلبته (قول الله) (^٦) تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] فكل نبي أرسله الله، وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم، ففي ذريته صلوات الله وسلامه عليه (وعليهم أجمعين) (^٧).
وأما قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فقد اختلفوا في ذلك.
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٩٣٩) و(٢٧/ ٤٣)؛ وفي "التاريخ" (١/ ٢٨٦)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره"، كما في (ابن كثير) (٧/ ٤٣٩، ٤٤٠)، من طريق حماد بن سلمة؛ وابن عساكر في "تاريخه" (٦/ ٢١٣، ٢١٤) من طريق يزيد بن هارون ومكي بن إبراهيم كلهم عن جعفر بن الزبير بسنده سواء. وسنده ساقط وجعفر بن الزبير تالف. قال أبو حاتم: "روى جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة نسخة موضوعة أكثر من مِائَة حديث".
(٢) في (ز): "عن" وهو خطأ.
(٣) ساقط من (ز) و(ض).
(٤) في "تفسيره" (٣/ ١٧).
(٥) كذا في (خ) و(ض) و(ى). ووقع في (ز) و(ك) و(ل) و(ن): "ولا".
(٦) في (ل) و(ن): "قوله".
(٧) من (ل).
[ ١ / ٦٠١ ]
فقال خصيف (^١)، عن مجاهد في قوله: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: إنه سيكون في ذريته ظالمون.
وقال ابن أبي نجيح (^٢)، عن مجاهد: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا يكون لي إمام (ظالم) (^٣). وفي رواية: لا أجعل إمامًا ظالمًا يقتدى به.
وقال سفيان (^٤)، (عن) (^٥) منصور، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا يكون إمام ظالم يقتدى به.
وقال ابن أبي حاتم (^٦): حدثني أبي، حَدَّثَنَا مالك بن إسماعيل، حَدَّثَنَا شريك، عن منصور، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ قال: أما من كان منهم صالحًا فسأجعله إمامًا يقتدى به. وأما من كان ظالمًا فلا ولا نعمة عين.
وقال سعيد بن جبير (^٧): ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ المراد به المشرك، لا يكون إمام ظالم. يقول: لا يكون إمام مشرك.
وقال ابن جريج (^٨)، عن عطاءً، قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ فأبى أن يجعل من ذريته إمامًا ظالمًا. قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره.
وقال ابن أبي حاتم (^٩): أخبرنا عمرو بن ثور (القيساري) (^١٠) فيما كتب إلي، حَدَّثَنَا الفريابي، حَدَّثَنَا إسرائيل، حَدَّثَنَا سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال الله لإبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ فأبى أن يفعل، ثم قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
وقال محمد بن إسحاق (^١١)، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس:
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٩٥١) قال: مشرف بن أبان الحطاب، ثنا وكيع، عن سفيان الثوري عن خصيف، عن مجاهد. وهذا سند صحيح لو كان شيخ ابن جرير ثقة، فإن الخطيب ترجمه في "تاريخه" (١٣/ ٢٢٤) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
(٢) أخرجه ابن جرير (١٩٥٢) وسعيد بن منصور في "تفسيره" (٢١٣) من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن أبي نجيح به؛ أخرجه ابن جرير (١٩٤٦، ١٩٤٧) ورواه ابن جريج عن مجاهد؛ أخرجه ابن جرير (١٩٥٣) وسنده ضعيف.
(٣) في (ج): "ظلم يقتدى به" ثم شطب ابن المحب قوله: "يقتدى به".
(٤) أخرجه ابن جرير (١٩٤٩) قال: حَدَّثَنَا ابن بشار، ثنا أبو عاصم، ثنا سفيان الثوري عن منصور، عن مجاهد. وتابعه أبو أحمد الزبيري، ثنا سفيان الثوري به أخرجه ابن جرير (١٩٥٠) قال: حَدَّثَنَا أحمد بن إسحاق الأهوازي، ثنا أبو أحمد الزبيري وسنده صحيح.
(٥) في (ك): ابن" وهو خطأ.
(٦) في "تفسيره" (١١٨٨) وشريك النخعي سيئ الحفظ، لكن تابعه الثوري كما مر آنفًا.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٩٣) من طريق يحيى بن عبد الله بن بكير حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير. [وسنده حسن].
(٨) أخرجه ابن جرير (١٩٥٣). [وأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن جريج به].
(٩) في "تفسيره" (١١٨٥) وعمرو بن ثور لم أجد له ترجمة. وسماك بن حرب تغير.
(١٠) في (ك): "النيسابوري"!
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٨٤) من طريق سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق به. [وسنده حسن].
[ ١ / ٦٠٢ ]
﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يخبره أنه كائن في ذريته ظالم لا ينال عهده - ولا ينبغي (له) (^١) أن يوليه شيئًا من أمره وإن كان من ذرية خليله - ومحسن ستنفذ فيه دعوته، وتبلغ له فيه ما أراد من مسألته.
وقال العوفي (^٢)، عن ابن عباس: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: يعني لا عهد لظالم عليك في ظلمه، أن تطيعه فيه.
وقال ابن جرير: (حَدَّثَنَا المثنى) (^٣)، حَدَّثَنَا إسحاق، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن عبد الله، عن إسرائيل، عن مسلم الأعور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: ليس للظالمين عهد، وإن عاهدته؛ (فانقضه) (^٤).
وروي عن مجاهد، وعطاء، ومقاتل بن حيان، نحو ذلك (^٥).
وقال الثوري (^٦)، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، قال: ليس لظالم عهد.
وقال عبد الرزاق (^٧): أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا ينال (عهد الله) (^٨) في الآخرة الظالمين، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به، وأكل وعاش.
وكذا قال إبراهيم النخعي (^٩)، وعطاء، والحسن، وعكرمة.
وقال الربيع بن أنس (^١٠): عهد الله الذي عهد إلى عباده: دينه، يقول: لا ينال دينه الظالمين، ألا ترى أنه قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ [الصافات: ١١٣] يقول: ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق.
وكذا روي عن أبي العالية (^١١)، وعطاء، ومقاتل بن حيان.
وقال جويبر (^١٢)، عن الضحاك: لا ينال طاعتي عدو لي يعصيني، ولا أنحلها إلا وليًا لي يطيعني.
_________________
(١) ساقط من (ز) و(ن).
(٢) أخرجه ابن جرير (١٩٥٤) وسنده ضعيف.
(٣) ساقط من كل "الأصول" واستدركته من "تفسير الطبري" (١٩٥٥) وهو المثنى بن إبراهيم ولم أجد له ترجمة وقد نبهت على ذلك أكثر من مرة فيما تقدم. ومسلم الأعور هو: ابن كيسان. وهو ضعيف. [وأخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق عنترة عن ابن عباس بلفظ: ليس لظالم عليك عهد].
(٤) كذا في سائر "الأصول"؛ وفي "الطبري". ووقع في (ز) و(ض): "فأنتقضه".
(٥) [ذكرهم ابن أبي حاتم بحذف السند].
(٦) أخرجه ابن جرير (١٩٥٦) من طريق حجاج بن محمد؛ وابن أبي حاتم (١١٩٥) من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق كلاهما عن سفيان الثوري بسنده سواء. وسنده جيد.
(٧) أخرجه ابن جرير (١٩٥٨) قال: حَدَّثَنَا الحسن بن يحيى؛ وابن أبي حاتم (١١٩٦) قال: حَدَّثَنَا الحسن بن أبي الربيع قالا: أخبرنا عبد الرزاق بسنده سواء. [وسنده صحيح].
(٨) في (ج): "عهد الله ظالم" وضرب ابن المحب على قوله: "ظالم".
(٩) أخرجه ابن جرير (١٩٥٩) وفي إسناده المثنى بن إبراهيم [ويتقوى بما سبق].
(١٠) أخرجه ابن جرير (١٩٦٠) بسند ضعيف.
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٨٩) وسنده حسن.
(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٩٢) من طريق مروان بن معاوية الفزاري؛ وابن جرير (١٩٦١) من طريق يزيد بن زريع كلاهما عن جويبر بن سعيد الأزدي، عن الضحاك. وسنده ضعيف جدًّا، وجويبر متروك.
[ ١ / ٦٠٣ ]
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه (^١): حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن محمد بن حامد، حَدَّثَنَا أحمد بن (عبد الله) (^٢) بن [سعيد (الأسدي) (^٣)، حَدَّثَنَا (سليم) (^٤) بن] (^٥) سعيد الدامغاني، حَدَّثَنَا وكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، عن النَّبِيّ ﷺ، قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: "لا طاعة إلا في المعروف".
وقال السدي (^٦): ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يقول: عهدي: نبوتي.
فهذه أقوال مفسري السلف في هذه الآية على ما نقله ابن جرير، وابن أبي حاتم، رحمهما الله تعالى. واختار ابن جرير أن هذه الآية - وإن كانت ظاهرةً في الخبر - أنه لا ينال عهد الله بالإمامة ظالمًا. ففيها إعلام من الله لإبراهيم الخليل ﵇ أنه سيوجد من ذريتك من هو ظالم لنفسه، كما تقدم عن مجاهد وغيره، واللّه أعلم.
[قال (ابن خويز منداد) (^٧) المالكي: الظالم لا يصلح أن يكون خليفةً، ولا حاكمًا، ولا مفتيًا، ولا إمام صلاة، ولا شاهدًا، ولا راويًا] (^٨).
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
قال العوفي (^٩)، عن ابن عباس: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ يقول: لا يقضون منه وطرًا، يأتونه، ثم يرجعون إلى أهليهم، ثم يعودون إليه.
وقال علي بن أبي طلحة (^١٠)، عن ابن عباس: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ يقول: يثوبون.
(رواهما) (^١١) ابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم (^١٢): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا عبد الله بن رجاء، أخبرنا إسرائيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: يثوبون إليه ثم يرجعون.
قال: وروى عن أبي العالية، وسعيد بن جبير (^١٣) - في رواية - وعطاء (^١٤)،
_________________
(١) كذا رواه الدامغاني بهذا السياق [بذكر الآية]. وهو منكر.
(٢) في (ج): "عيينة".
(٣) ساقط من (ن).
(٤) في (ل): "الأزدي".
(٥) في (ك): "سليمان".
(٦) أخرجه ابن جرير (١٩٤٥) قال: حدثني موسى؛ وابن أبي حاتم (١١٩١) قال: حَدَّثَنَا أبو زرعة قالا: ثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط، عن السدي. [وسنده حسن].
(٧) في (ل): "جويبر مندان"!
(٨) من (ج) و(ك) و(ل).
(٩) ومن طريقه ابن جرير (١٩٦٧). [وسنده ضعيف].
(١٠) أخرجه ابن جرير (١٩٧٦). [وسنده ثابت].
(١١) كذا في (ز) و(ن) و(ى)؛ وفي (ج) و(ض) و(ك): "رواه"؛ وفي (ل): "رواه إبراهيم بن جرير"!!
(١٢) في "تفسيره" (١٢٠٠) وسنده جيد.
(١٣) أخرجه ابن جرير (١٩٧٢، ١٩٧٣، ١٩٧٤) من طريق الثوري ومسعر بن كدام كلاهما عن أبي الهذيل غالب بن الهذيل، عن سعيد بن جبير. وسنده جيد.
(١٤) أخرجه ابن جرير (١٩٦٩، ١٩٧٠) من طريق هشيم بن بشير وجرير بن عبد الحميد كلاهما عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء. وسنده صحيح.
[ ١ / ٦٠٤ ]
ومجاهد (^١)، والحسن، وعطية (^٢)، والربيع بن أنس (^٣)، والضحاك، نحو ذلك.
وقال ابن جرير (^٤): حدثني عبد الكريم بن أبي عمير، حدثني الوليد بن مسلم قال: قال أبو عمرو - يعني: الأوزاعي - حدثني عبده بن أبي لبابة، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرًا.
وحدثني يونس (^٥)، عن ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: يثوبون إليه من البلدان كلها ويأتونه.
[وما أحسن ما قال الشاعر في هذا المعنى، أورده القرطبي (^٦):
جعل البيت مثابًا لهم … ليس منه الدهر يقضون الوطر] (^٧)
وقال سعيد بن جبير (^٨) - في الرواية الأخرى - وعكرمة، وقتادة، وعطاء الخراساني: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: مجمعًا.
﴿وَأَمْنًا﴾ قال الضحاك (^٩)، عن ابن عباس: أي أمنًا للناس
وقال أبو جعفر الرازي (^١٠)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ يقول: أمنًا من العدو، وأن يحمل فيه السلاح. وقد كانوا في الجاهلية يُتخطف الناس من حولهم، وهم آمنون لا يسبون.
وروي عن مجاهد (^١١)، وعطاءٍ، والسدي (^١٢)، وقتادة، والربيع بن أنس، قالوا: من دخله كان آمنًا.
_________________
(١) هو في "تفسير مجاهد" (ص ٢١٤) من طريق آدم بن أبي إياس، نا ورقاء بن عمر، عن أبي نجيح، عن مجاهد. وأخرجه ابن جرير (١٩٦٣) من طريق عيسى بن ميمون و(١٩٦٤) من طريق معمر بن راشد و(١٩٦٥) من طريق شبل بن عباد كلهم عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وهو صحيح.
(٢) أخرجه ابن جرير (١٩٧١) قال: حدثني محمد بن عمارة الأسدي، قال: حَدَّثَنَا سهل بن عامر قال: حَدَّثَنَا مالك بن مغول، عن عطية. وسنده ضعيف جدًّا.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٩٧٧) بسند ضعيف معلق.
(٤) في "تفسيره" (١٩٦٨) وشيخ الطبري لم أجد له ترجمة ووجدت له ذكرًا في خبر رواه ابن جرير في "تهذيب الآثار" (٣٤٨ - مسند علي)؛ والوليد بن مسلم مدلس وقد استخدم ما يدلُّ على التدليس. فالسند ضعيف. [ومعناه صحيح].
(٥) القائل هو ابن جرير (١٩٧٨) وسنده صحيح.
(٦) في "تفسيره" (٢/ ١١٠).
(٧) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٠١) من طريق ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير. [وسنده حسن].
(٩) أخرجه ابن جرير (١٩٨٣)؛ وابن أبي حاتم (١٢٠٢) وسنده ضعيف.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٢٣) [وسنده جيد]؛ وأخرجه ابن جرير (١٩٨٢) عن الربيع بن أنس والسند عنده معلق.
(١١) أخرجه ابن جرير (١٩٨١) من طريق عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. [وسنده صحيح].
(١٢) أخرجه ابن جرير (١٩٨٠). [وسنده حسن].
[ ١ / ٦٠٥ ]
ومضمون ما فسر به هؤلاء الأئمة هذه الآية: أن الله تعالى يذكر شرف البيت، وما جعله موصوفًا به شرعًا وقدرًا، من كونه مثابة للناس؛ أي: جعله محلًا تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه، ولا تقضى منه وطرًا، ولو ترددت إليه كل عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم ﵇ في قوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ إلى أن قال: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ (دُعَاءِ) (^١)﴾ [إبراهيم: ٣٧ - ٤٠] ويصفه تعالى بأنه جعله أمنًا، من دخله أمن، ولو كان قد فعل ما فعل ثم دخله كان آمنًا.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٢): كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يعرض له. كما وصفها في سورة المائدة بقوله: (تبارك و) (^٣) تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] أي: (يدفع) (^٤) عنهم (بسبب) (^٥) تعظيمها السوء، كما قال ابن عَبَّاس: لو لم يحج الناس هذا البيت لأطبق الله السماء على الأرض؛ وما هذا الشرف إلا لشرف بانيه أولًا وهو خليل الرحمن، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج: ٢٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧].
وفي هذه الآية الكريمة نبه على مقام إبراهيم مع الأمر بالصلاة عنده، فقال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقد اختلف المفسرون في المراد بالمقام ما هو؟
فقال ابن أبي حاتم (^٦): حَدَّثَنَا عمر بن شبة النميري، حَدَّثَنَا أبو خلف - يعني: عبد الله بن عيسى - حَدَّثَنَا داود بن أبي هند، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: مقام إبراهيم: الحرم كله. وروي عن مجاهد (^٧) وعطاء (^٨) مثل ذلك.
وقال (^٩) (أيضًا) (^١٠): حَدَّثَنَا الحسن بن محمد بن الصباح، حَدَّثَنَا حجاج، عن ابن جريج،
_________________
(١) في (ج) و(ل): "دعائي". بإثبات الياء وهي قراءة حمزة الزيات وأبي عمرو بن العلاء وورش وأبي جعفر وصلًا، والبزي ويعقوب وصلًا ووقفًا.
(٢) أخرجه ابن جرير (١٩٧٩) بسند صحيح.
(٣) من (ل).
(٤) في (ز) و(ض): "يرفع".
(٥) في (ل): "لسبب".
(٦) في "تفسيره" (١٢٠٧) وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ١١٩) لـ "عبد بن حميد" وسنده ضعيف جدًّا وعبد الله بن عيسى تالف. فقال النسائي: "ليس بثقة". وقال أبو زرعة: "منكر الحديث" وقال ابن عدي: "يروى عن داود بن أبي هند ما لا يوافقه عليه الثقات، أحاديثه أفراد كلها". والكلام فيه طويل الذيل.
(٧) أخرجه سعيد بن منصور في "تفسيره" (٢١٤)؛ والفاكهي في "أخبار مكة" (٩٧٢) قال حَدَّثَنَا محمد بن أبي عمر قالا: ثنا سفيان، هو ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، زاد سعيد: وغيره، عن مجاهد فذكر الآية وقال: "الحج كله مصلًى ومدعى" وسنده صحيح؛ وأخرجه ابن جرير (٢٠٠٤) من وجه آخر عن ابن عيينة.
(٨) أخرجه ابن جرير (١٩٩٢) بلفظ: "الحج كله مقام إبراهيم". [وسنده صحيح].
(٩) يعني ابن أبي حاتم. والخبر في "تفسيره" (١٢٠٦)؛ وأخرجه الفاكهي في "أخبار مكة" (٩٧١) قال: حَدَّثَنَا الحسن بن محمد الزعفراني بهذا الإسناد سواء بطوله. وسنده صحيح؛ وأخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٥٩) ومن طريق ابن جرير (١٩٩٠) قال: نا ابن جريج عن عطاء قال: الحج كله مقام إبراهيم.
(١٠) من (ن).
[ ١ / ٦٠٦ ]
قال: سألت عطاء عن ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فقال: سمعت ابن عباس قال: أما مقام إبراهيم الذي ذكر ها هنا، فمقام إبراهيم هذا (الذي) (^١) في المسجد. ثم قال: و﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يَعُدُّ كثير، ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾: الحج كله. ثم فسره لي عطاء فقال: التعريف، وصلاتان بعرفة، والمشعر، ومنى، ورمي الجمار، والطواف بين الصفا والمروة. فقلت: أفسره ابن عباس؟ قال: لا. ولكن قال: مقام إبراهيم: الحج كله. قلت: أسمعت ذلك لهذا أجمع؟ قال: نعم، سمعته منه.
وقال سفيان الثوري (^٢)، عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: الحجر مقام إبراهيم (لينه الله) (^٣) قد جعله الله رحمةً، فكان يقوم عليه ويناوله إسماعيل الحجارة. ولو غسل رأسه كما يقولون لاختلف رجلاه.
[وقال السدي (^٤): المقام: الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حتَّى غسلت رأسه. حكاه القرطبي (^٥)، وضعفه ورجحه غيره، وحكاه الرازي في "تفسيره" (^٦) عن الحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس] (^٧).
وقال ابن أبي حاتم (^٨): حَدَّثَنَا الحسن بن محمد بن الصباح، حَدَّثَنَا عبد الوهاب بن عطاء، عن ابن جريج، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، سمع جابرًا يحدث عن حجة النَّبِيِّ ﷺ قال: لما طاف النبي ﷺ، قال له عمر: هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: نعم، قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
وقال عثمان بن أبي شيبة (^٩): أخبرنا أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة
_________________
(١) في (ل): "الذي هو".
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٠٨) قال: حَدَّثَنَا أبي، ثنا قبيصة، ثنا سفيان الثوري به. وسنده صحيح. وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ١١٩) لعبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(٣) كذا في (ض) و(ك) و(ل) و(ى) وهو الموافق لما في "ابن أبي حاتم"؛ وفي (ج): "لين". ووقع في (ز) و(ن): "بنى الله".
(٤) أخرجه ابن جرير (٢٠٠٢) وسنده حسن وقد ساقه مطولًا.
(٥) في "تفسيره" (٢/ ١١٣).
(٦) انظر: "تفسير الرازي" (٤/ ٥٣).
(٧) ساقط من (ز) و(ض) و(ي).
(٨) رقم (١٢٠٥) وسنده ضعيف من أجل عنعنة ابن جريج وقد روى آخرون من الثقات حجة النَّبِيّ ﷺ عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر بن عبد الله وفيه أن النَّبِيّ ﷺ أتى مقام إبراهيم وصلى ركعتين ولم يذكروا مراجعة عمر بن الخطاب وقد ثبتت هذه المراجعة كما يأتي تخريجه إن شاء الله تعالى.
(٩) أخرجه الدارقطني في "الأفراد" (ق ٣٠/ ٢ - الأطراف) وقال: "غريب من حديث أبي إسحاق عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل عن عمر، تفرد به: زكريا بن أبي زائدة عنه". وذكره الدارقطني في "العلل" (٢/ ١٨٦) فقال: "هو حديث رواه زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق واختلف عنه، فرواه علي بن مسهر عن زكريا، عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عمر وخالفه أبو أسامة فرواه عن زكريا، عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة واسمه: عمرو بن شرحبيل عن عمر والله أعلم بالصواب. ورواه زهير عن أبي إسحاق عن طلحة بن مصرف مرسلًا عن عمر ويشبه أن يكون قول زهير هو المحفوظ، لأن زهيرًا أثبت من زكريا في أبي إسحاق".
[ ١ / ٦٠٧ ]
قال: قال عمر: قلت: يا رسول الله، هذا مقام خليل ربنا؟ قال: نعم. قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
وقال ابن مردويه: حَدَّثَنَا دعلج بن أحمد، حَدَّثَنَا (غيلان) (^١) بن عبد الصمد، حَدَّثَنَا مسروق بن المرزبان (^٢)، حَدَّثَنَا زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب (﵁) (^٣)، أنه مر بمقام إبراهيم، فقال: يا رسول الله، أليس نقوم مقام (خليل ربنا) (^٤)؟ قال: "بلى". قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فلم يلبث إلا يسيرًا حتَّى نزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
وقال ابن مردويه (^٥): حَدَّثَنَا (علي) (^٦) بن أحمد بن محمد القزويني، حَدَّثَنَا علي بن الحسين بن الجنيد، حَدَّثَنَا هشام بن خالد، حَدَّثَنَا الوليد، عن مالك بن أنس، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، قال: لما وقف رسول الله ﷺ يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم، قال له عمر: يا رسول الله، هذا مقام إبراهيم الذي قال الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: "نعم". قال الوليد: قلت لمالك: هكذا حدثك ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ قال: نعم. هكذا وقع في الرواية. وهو غريب.
وقد روى النسائي من حديث الوليد بن مسلم، نحوه.
وقال البخاري (^٧): باب قوله: ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ مثابةً: يثوبون يرجعون.
حَدَّثَنَا مسدد، حَدَّثَنَا يحيى، عن (حميد) (^٨)، عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب (رضي الله تعالى عنه) (^٩): وافقت ربي في ثلاث، (أو وافقني) (^١٠) ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله آية الحجاب. وقال: وبلغني معاتبة النَّبِيّ ﷺ بعض نسائه، فدخلت (عليهن) (^١١) فقلت: إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله خيرًا منكن، حتَّى أتيت إحدى نسائه، فقالت: يا عمر، أما في رسول الله ما
_________________
(١) كذا في سائر "الأصول"؛ وفي (ج): "علان".
(٢) ومسروق بن المرزبان لينه أبو حاتم فقال: "ليس بقوي، يكتب حديثه" وذكره ابن حبان في "الثقات" (٩/ ٢٠٦)، وقال صالح بن محمد: "صدوق" ولم يتفرد به فتابعه علي بن مسهر عن زكريا بن أبي زائدة بسنده سواء. ذكره الدارقطني في "العلل" (٢/ ١٨٦).
(٣) من (ل).
(٤) في (ل): "خليل الله".
(٥) وأخرجه ابن ماجة (١٠٠٨) قال: حَدَّثَنَا العباس بن عثمان الدمشقي ثنا الوليد بن مسلم بسنده سواء بلفظه. [وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجة]. وأخرجه النسائي (٥/ ٢٣٦)؛ وابن أبي داود في "المصاحف" (ص ٩٧) قالا: أخبرنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، عن الوليد بن مسلم بسنده سواء وليس عنده هذه المحاورة بين النَّبِيّ ﷺ وبين عمر بن الخطاب، ولا قول الوليد بن مسلم لمالك.
(٦) في (ز) و(ض): "محمد".
(٧) في "كتاب التفسير" (٨/ ١٨ - سورة البقرة).
(٨) في (ل): "عبد الحميد"! وكأنه صححها في الحاشية، لكنه مطموس بسبب التصوير والله أعلم.
(٩) من (ل).
(١٠) كذا في "الأصول" وهو الموافق لما في "صحيح البخاري". ووقع في (ج): "ووافقني"!
(١١) في (ل): "عليهن بالحجاب"!
[ ١ / ٦٠٨ ]
يعظ نساءه حتَّى تعظهن أنت؟! فأنزل الله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ الآية [التحريم: ٥].
وقال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثني حميد، قال: سمعت أنسًا عن عمر، ﵄.
هكذا ساقه البخاري ها هنا، وعلق (^١) الطريق الثانية عن شيخه سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري. وقد تفرد بالرواية عنه البخاري من بين أصحاب الكتب الستة. وروى عنه الباقون بواسطة، وغرضه من تعليق هذا الطريق (ليبين) (^٢) فيه اتصال إسناد الحديث، وإنما لم (^٣) يسنده؛ لأن يحيى بن أيوب الغافقي (^٤) فيه شيء، كما قال الإمام أحمد فيه: "هو سيئ الحفظ"، واللّه أعلم.
وقال الإمام أحمد (^٥): حَدَّثَنَا هشيم، حَدَّثَنَا حميد، عن أنس، قال: قال عمر، رضي الله (عنه): وافقت ربي ﷿، في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟ فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله ﷺ نسائه في الغيرة. فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] فنزلت كذلك. ثم رواه أحمد، عن يحيى وابن أبي عدي (^٦)، كلاهما عن حميد، عن أنس، عن عمر أنه قال: وافقت ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، فذكره.
وقد رواه البخاري عن عمرو بن عون، والترمذي، عن أحمد بن منيع، والنسائي، عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وابن ماجة، عن محمد بن الصباح، كلهم عن هشيم بن بشير، به. ورواه الترمذي (^٧) - أيضًا - عن عبد بن حميد، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة. والنسائي (^٨)، عن هناد، عن يحيى بن أبي زائدة، كلاهما عن حميد، وهو ابن تيرويه الطويل،
_________________
(١) علقها البخاري في "كتاب التفسير" لكنه وصلها في "كتاب الصلاة" (١/ ٥٠٥) في رواية كريمة المروزية قال: حَدَّثَنَا ابن أبي مريم وذكره. قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٥٠٥): "وفائدة إيراد هذا الإسناد ما فيه من التصريح بسماع حميد من أنس فأمن من تدليسه". انتهى.
(٢) في (ل): "ليتبين".
(٣) قد ذكرنا أنه أسنده في رواية كريمة.
(٤) لكن يحيى بن أيوب لم يتفرد بذكر التصريح بالتحديث فقد تابعه هشيم بن بشير قال: أخبرنا حميد حَدَّثَنَا أنس؛ أخرجه الإسماعيلي في "المستخرج"، كما في "الفتح" (١/ ٥٠٦)، من رواية يوسف القاضي، عن أبي الربيع الزهراني عن هشيم.
(٥) في "مسنده" (١٥٧)؛ وأخرجه أحمد أيضًا في "فضائل الصحابة" (٤٣٥). وأخرجه البخاري (١/ ٥٠٤؛ و٨/ ٦٦٠).
(٦) في "المسند" (١٦٠)؛ وفي "فضائل الصحابة" (٤٣٤) قال: حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن حميد الطويل، عن أنس. وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" (١٩٨٦)؛ وفى "تهذيب الآثار" (١/ ٤٠٤ - مسند عمر) قال: حَدَّثَنَا محمد بن بشار، ثنا ابن أبي عدي به. أما رواية يحيى القطان فقد مضى تخريجها آنفًا.
(٧) رقم (٢٩٥٩) وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
(٨) في "كتاب التفسير" (٦/ ٢٨٩، ٢٩٠ - الكبرى)، قال: أخبرنا هناد بن السري به.
[ ١ / ٦٠٩ ]
به. وقال الترمذي: "حسن صحيح" ورواه الإمام علي ابن المديني (^١)، عن يزيد بن زريع، عن حميد، به. وقال: "هذا من صحيح الحديث، وهو بصري". ورواه الإمام مسلم بن الحجاج في "صحيحه" (^٢) بسند آخر، ولفظ آخر، فقال: حَدَّثَنَا عقبة بن مكرم، أخبرنا سعيد بن عامر، عن (جويرية) (^٣) بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، قال: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب، وفي أُسارى بدر، وفي مقام إبراهيم.
وقال (أبو حاتم) (^٤) الرازي: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله الأنصاري، حَدَّثَنَا حميد الطويل، عن أنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب: وافقني ربي في ثلاث - أو وافقت ربي (قلت) (^٥): يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقلت: يا رسول الله، لو حجبت النساء؟ فنزلت آية الحجاب. والثالثة: لما مات عبد الله بن أبي جاء رسول الله ﷺ ليصلى عليه. قلت: يا رسول الله، تصلي على هذا الكافر المنافق! فقال: "إيهًا عنك يابن الخطاب"، فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤].
وهذا إسناد صحيح أيضًا، ولا تعارض بين هذا ولا هذا، بل الكل صحيح، ومفهوم العدد إذا عارضه منطوق قدم عليه، والله أعلم.
وقال (ابن جريج) (^٦): أخبرني جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر (^٧): أن رسول الله ﷺ رمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعًا، حتَّى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
وقال ابن جرير (^٨): حَدَّثَنَا يوسف بن (سلمان) (^٩)، حَدَّثَنَا حاتم بن إسماعيل، حَدَّثَنَا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: استلم رسول الله ﷺ الركن، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم، فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين.
وهذا قطعة من الحديث الطويل الذي رواه مسلم في "صحيحه"، من حديث حاتم بن إسماعيل.
_________________
(١) وتابعه عمرو بن علي ثنا يزيد بن زريع بهذا الإسناد سواء. أخرجه البزار (٢٢٠ - البحر)؛ وابن جرير في "تفسيره" (١٩٨٧)؛ وفي "تهذيب الآثار" (١/ ٤٠٦ مسند عمر)؛ وابن أبي داود في "المصاحف" (ص ٩٨) قالوا جميعًا: حَدَّثَنَا عمرو بن علي بن بحر به. قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلمه يروى إلا عن عمر بن الخطاب".
(٢) في "كتاب فضائل الصحابة" (٢٣٩٩/ ٢٤).
(٣) في "ك": "جرير".
(٤) في "ن": "ابن أبي حاتم" وهو خطأ. [وصحح سنده الحافظ ابن كثير].
(٥) في (ج) و(ل): "فقلت".
(٦) في (ل): "ابن جرير"!!
(٧) أخرجه مسلم (٢٣٦/ ١٢٦٣) من طريق ابن وهب، أخبرني مالك وابن جريج، عن جعفر بن محمد بهذا الإسناد ولم يذكر "ومشى أربعًا … إلخ".
(٨) في "تفسيره" (٢٠٠٣)؛ وأخرجه مسلم (١٤٧/ ١٢١٨).
(٩) في (ج) و(ل): "سليمان" وهو خطأ وهو يوسف بن سلمان الباهلي أبو عمر البصري من رجال "التهذيب" ومن شيوخ النسائي والترمذي. وثقه النسائي في رواية وابن حبان. وقال النسائي مرة: "مشهور، لا بأس به". وقال أبو حاتم: "شيخ".
[ ١ / ٦١٠ ]
وروى البخاري (^١) بسنده، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: قدم رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين.
فهذا كله مما يدلُّ على أن المراد بالمقام إنما هو الحجر الذي كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل ﵇ به ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، كلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول الكعبة، وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها هكذا، حتَّى تم جدارات الكعبة، كما سيأتي بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت، من رواية ابن عباس عند البخاري. وكانت آثار (قدميه) (^٢) ظاهرةً فيه، ولم يزل هذا معروفًا تعرفه العرب في جاهليتها؛ ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية.
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة … على قدميه حافيًا غير ناعل
وقد (أدرك) (^٣) المسلمون ذلك فيه أيضًا (كما قال) (^٤) عبد الله بن وهب (^٥): أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب: أن أنس بن مالك حدثهم، قال: رأيت المقام فيه أثر أصابعه ﵇، وإخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم.
وقال ابن جرير (^٦): حَدَّثَنَا بشر بن معاذ، حَدَّثَنَا يزيد بن زريع، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت هذه الأمة شيئًا تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه بن وأصابعه (فيه) (^٧)، فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتَّى اخلولق وانمحى.
قلت: وقد كان المقام ملصقًا بجدار الكعبة قديمًا، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل ﵇، لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك؛ ولهذا - واللّه أعلم - أمر بالصلاة هناك عند فراغ الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه، وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله (تعالى) (^٨) عنه، (وهو) (^٨) أحد الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين، الذين أمرنا باتباعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله ﷺ: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" (^٩). وهو الذي نزل القرآن بوفاقه
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢/ ٤٩٩؛ و٣/ ٤٨٤، ٥٠٢، ٦١٥)؛ ومسلم (١٢٣٤/ ١٨٩).
(٢) في (ج): "قديمة".
(٣) في (ل): "استدرك".
(٤) كذا في "الأصول"؛ وفي (ز): "وقال".
(٥) أخرجه أبو عبد الله الفاكهي في "أخبار مكة" (٩٨٦) [من طريق ابن وهب به، وسنده صحيح].
(٦) في "تفسيره" (٢٠٠٠) وسنده صحيح؛ وأخرجه الأزرقي في "أخبار مكة" (٢/ ٢٩، ٣٠) من طريق عمر بن سهل بن مروان، ثنا يزيد بن زريع بهذا الإسناد سواء.
(٧) كذا في (ز) و(ن) وهو الموافق لما في "تفسير الطبري". ووقع في (ج) و(ض) و(ك) و(ل) و(ى): "فيها".
(٨) من (ل).
(٩) وهو حديث جيد يرويه عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان مرفوعًا. هكذا رواه سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير؛ أخرجه الترمذي (٣٦٦٢).
[ ١ / ٦١١ ]
في الصلاة عنده؛ ولهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة، ﵃ أجمعين.
قال عبد الرزاق (^١)، عن ابن جريج، حدثني عطاء وغيره من أصحابنا، قالوا: أول من نقله عمر بن الخطاب ﵁.
[وقال عبد الرزاق (^٢) أيضًا، عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال: أول من أخَّر المقام إلى موضعه الآن، عمر بن الخطاب (﵁) (^٣)] (^٤).
وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (^٥): أخبرنا أبو (الحسين بن) (^٦) الفضل القطان، أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل، حَدَّثَنَا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي، حَدَّثَنَا أبو ثابت، حَدَّثَنَا الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن المقام كان في زمان رسول الله ﷺ، وزمان أبي بكر ملتصقًا بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب، ﵁. وهذا إسناد صحيح مع ما تقدم.
وقال ابن أبي حاتم (^٧): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا ابن أبي عمر العدني قال: قال سفيان - (يعني: ابن عيينة (^٨) وهو إمام المكيين في زمانه -[كان المقام من (سقع) (^٩) البيت على عهد رسول الله ﷺ، فحوله عمر إلى مكانه] (^١٠) بعد النَّبِيّ ﷺ، وبعد قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا، فرده عمر إليه.
وقال سفيان: لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله. قال سفيان: لا أدري (أكان) (^١١) لاصقًا بها أم لا؟
فهذه الآثار متعاضدة على ما ذكرناه، واللّه أعلم.
وقد قال الحافظ أبو بكر بن مردويه (^١٢): حَدَّثَنَا (أبو) (^١٣) عمرو - (وهو أحمد بن محمد بن حكيم) -، حَدَّثَنَا محمد بن عبد الوهاب (ابن أبي تمام) (^١٤)، حَدَّثَنَا آدم - (هو ابن أبي إياس
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (ج ٥/ رقم ٨٩٥٥) وسنده صحيح إلى عطاء.
(٢) في "المصنف" أيضًا (ج ٥/ رقم ٨٩٥٣) وسنده صحيح إلى مجاهد.
(٣) ساقط من (ج).
(٤) ساقط من (ز) و(ض).
(٥) وأخرجه الفاكهي في "أخبار مكة" (٩٩٨) قال: حَدَّثَنَا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال عبد العزيز: أراه عن عائشة ﵄، قالت: إن المقام كان في زمن النَّبِيّ ﷺ إلى سقع البيت. [وصحح سنده الحافظ ابن كثير]. وقوى الحافظ إسناده في "الفتح" (٨/ ١٦٩).
(٦) ساقط من (ز) و(ض).
(٧) في "تفسيره" (١٢٠٩) وسنده صحيح كما قال الحافظ في "الفتح" (٨/ ١٦٩).
(٨) ساقط من (ز) و(ض).
(٩) في (ن): "سقف"! والسقع والصقع: الناحية.
(١٠) ساقط من (ك).
(١١) في (ل): "إن كان" وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٢٩٠) لابن أبي داود.
(١٢) عزاه الحافظ في "الفتح" (٨/ ١٦٩) إلى ابن مردويه وقال: "بسند ضعيف".
(١٣) في "ن": "ابن".
(١٤) من (ن).
[ ١ / ٦١٢ ]
في "تفسيره") (^١) -، حَدَّثَنَا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، قال: قال عمر: يا رسول الله، لو صلينا خلف المقام؟ فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فكان المقام عند البيت، فحوله رسول الله ﷺ إلى موضعه هذا. قال مجاهد: قد كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن.
هذا مرسل عن مجاهد، وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق (^٢)، عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد أن أول من أخَّر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁، وهذا أصح من طريق ابن مردويه، مع اعتضاد هذا بما تقدم، والله أعلم.
﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾.
قال الحسن البصري (^٣): قوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ قال: أمرهما الله أن يطهراه من الأذى والنجس ولا يصيبه من ذلك شيء.
وقال ابن جريج (^٤): قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٥): ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: أمرناه. كذا قال. والظاهر أن هذا الحرف إنما عدي بإلى؛ لأنَّهُ في معنى: تقدمنا وأوحينا.
وقال سعيد بن جبير (^٦)، عن ابن عباس، قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ قال: من الأوثان.
وقال مجاهد (^٧) وسعيد بن جبير: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ إن ذلك من الأوثان والرفث وقول الزور والرجس.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن عبيد بن عمير (^٨)، وأبي العالية، وسعيد بن جبير (^٩)،
_________________
(١) من (ن).
(٢) وقد مر تخريجه قبل قليل.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢١٢) بسند ضعيف.
(٤) أخرجه ابن جرير (٢٠٠٧).
(٥) أخرجه ابن جرير (٢٠٠٨) وسنده صحيح.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢١٤)، وفي إسناده عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف ضعفه أحمد وابن معين والنسائي وأبو داود وغيرهم. وقال ابن عدي: "أحاديثه ليست بالكثيرة، وأحاديثه مقدار ما يرويه لا يتابع عليه".
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢١٥) وسنده كسابقه. وأخرجه ابن جرير (٢٠١٤) وفي إسناده أبو إسرائيل الملائي واسمه: إسماعيل بن خليفة مختلف فيه، وهو إلى الضعف أقرب.
(٨) أخرجه ابن جرير (٢٠١١، ٢٠١٢؛ و١٧/ ١٠٦) من طريق ابن أبي نجيح وابن جريج كلاهما عن عطاء بن أبي رباح، عن عبيد بن عمير. وهو صحيح.
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢١٦) من طريق عمرو بن أبجد عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير وعمرو هذا لم أجد له ترجمة. وعطاء بن السائب كان اختلط.
[ ١ / ٦١٣ ]
ومجاهد (^١)، وعطاء، وقتادة (^٢) ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ أي: بلا إله إلا الله، من الشرك.
وأما قوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ فالطواف بالبيت معروف، وعن سعيد بن جبير (^٣) أنه قال في قوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ يعني: من أتاه من غربة، ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ المقيمين فيه. وهكذا رُوي عن قتادة (^٤)، والربيع بن أنس: أنهما فسرا العاكفين بأهله المقيمين فيه، كما قال سعيد بن جبير.
وقال يحيى (بن) (^٥) القطان، عن عبد الملك - هو ابن أبي سليمان -، عن عطاء (^٦) في قوله: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ قال: من (انتابه) (^٧) من الأمصار فأقام (عنده) (^٨)، وقال لنا - ونحن مجاورون -: أنتم (من) (^٩) العاكفين.
وقال وكيع (^١٠)، عن أبي بكر الهذلي، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: إذا كان جالسًا فهو من العاكفين.
وقال ابن أبي حاتم (^١١): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، حَدَّثَنَا ثابت، قال: قلت لعبد الله بن عبيد بن عمير: ما أراني إلا مكلِّم الأمير أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام، فإنهم (يجنبون) (^١٢) ويحدثون. قال: لا تفعل، فإن ابن عمر سئل عنهم، فقال: هم العاكفون.
[ورواه عبد بن حميد، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن سلمة، به] (^١٣).
قلت: وقد ثبت في "الصحيح" (^١٤) أن ابن عمر كان ينام في مسجد الرسول ﷺ وهو عزب.
وأما قوله تعالى: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فقال وكيع (^١٥)، عن أبي بكر الهذلي، عن عطاء، عن
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٢٠١٣؛ و١٧/ ١٠٦) وفي إسناده ليث بن أبي سليم. وهو ضعيف.
(٢) أخرجه ابن جرير (٢٠١٥؛ و١٧/ ١٠٦) وابن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" (١٣) من طريق عبد الرزاق وهذا في "تفسيره" (١/ ٥٨)، قال: نا معمر عن قتادة. وأخرجه ابن جرير (١٧/ ١٠٦) من طريق محمد بن ثور عن معمر مثله. وأخرجه ابن جرير (٢٠١٦) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة مثله وزاد: "وقول الزور". [وسنده صحيح].
(٣) أخرجه ابن جرير (٢٠١٧) قال: حَدَّثَنَا أبو كريب. وابن أبي حاتم (١٢٢٠) من طريق علي بن إسحاق السمرقندي قالا: ثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير. وأبو بكر بن عياش تغير في آخر عمره، وكتابه صحيح.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٢٢) وفي إسناده أبو جعفر الرازي؛ وأخرجه ابن جرير (٢٠٢٢) من وجه آخر صحيح عن قتادة.
(٥) من (ك).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٢٣) قال: حَدَّثَنَا علي بن الحسن، ثنا مسدد، ثنا يحيى القطان به وسنده صحيح.
(٧) في (ل): "أتى".
(٨) في (ك): "عندنا"!
(٩) ساقط من (ج).
(١٠) أخرجه ابن جرير (٢٠١٩) قال: حَدَّثَنَا أبو كريب، ثنا وكيع به. ولكن أبا بكر الهذلي متروك الحديث.
(١١) في "تفسيره" (١٢٢٤) وسنده صحيح.
(١٢) في "ل": "يخبتون"!
(١٣) من (ن).
(١٤) هو في "الصحيحين"؛ أخرجه البخاري في "كتاب التهجد" (٣/ ٦).
(١٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٢٥) قال: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج قالا: حَدَّثَنَا وكيع بسنده سواء. وسنده ضعيف جدًّا، وأبو بكر الهذلي متروك. والله أعلم.
[ ١ / ٦١٤ ]
ابْن عباس: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ قال: إذا كان مصليًا فهو من الركع السجود. وكذا قال عطاء (^١) وقتادة (^٢).
وقال ابن جرير (^٣) ﵀: فمعنى الآية: وأمرنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين. والتطهير الذي أمرهما به في البيت هو تطهيره من الأصنام وعبادة الأوثان فيه ومن الشرك. ثم أورد سؤالًا فقال: فإن قيل: فهل كان قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه؟ وأجاب بوجهين:
أحدهما: أنه أمرهما بتطهيره مما (كان) (^٤) يعبد عنده زمان قوم نوح من الأصنام والأوثان، ليكون ذلك سنة لمن بعدهما، (إذ كان) (^٥) الله تعالى قد جعل إبراهيم إمامًا يقتدى به، كما قال عبد الرحمن بن زيد: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ قال: من الأصنام التي يعبدون، التي كان المشركون يعظمونها.
قلت: وهذا الجواب مفرع على أنه كان يعبد عنده أصنام قبل إبراهيم ﵇، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم (محمد ﷺ) (^٦).
الجواب الثاني: أنه أمرهما أن يخلصا (في) (^٧) بنائه للّه وحده لا شريك له، فيبنياه مطهرًا من الشرك والريب، كما قال جل ثناؤه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩] قال: فكذلك قوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [على طهر من الشرك بي والريب، كما قال السدي: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ ابنيا بيتي للطائفين] (^٨).
وملخص هذا الجواب: أن الله تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل ﵇، أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له، للطائفين به والعاكفين عنده، والمصلين إليه من الركع السجود، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦].
[وقد اختلف الفقهاء: أيما أفضل، الصلاة عند البيت أو الطواف؟ فقال مالك: الطواف به لأهل الأمصار أفضل من الصلاة عنده، وقال الجمهور: الصلاة أفضل مطلقًا، وتوجيه كل منهما يذكر في "كتاب الأحكام"] (^٩).
والمراد من ذلك الرد على المشركين الذين كانوا يشركون باللّه عند بيته، المؤسس على عبادته وحده لا شريك له، ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٢٠٢٤) قال: حَدَّثَنَا أبو كريب، ثنا وكيع، عن أبي بكر الهذلي عن عطاء. وسنده كسابقه.
(٢) أخرجه ابن جرير (٢٠٢٥) وسنده صحيح.
(٣) في "تفسيره" (٣/ ٣٨، ٣٩).
(٤) ساقط من (ز) و(ض).
(٥) كذا في (ز) و(ك) وهو الموافق لما عند "ابن جرير".
(٦) من (ز) و(ض) و(ن) و(ى) والصلاة والتسليم من (ز) و(ض).
(٧) ساقط من (ز) و(ض).
(٨) ساقط من (ك).
(٩) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).
[ ١ / ٦١٥ ]
وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ [الحج: ٢٥].
ثم ذكر أن البيت إنما أسس لمن يعبد الله وحده لا شريك له، إما بطواف أو صلاة، فذكر في سورة الحج أجزاءها الثلاثة: قيامها، وركوعها؛ وسجودها، ولم يذكر العاكفين لأنَّهُ تقدم ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ وفي هذه الآية الكريمة ذكر الطائفين والعاكفين، واجتزأ بذكر الركوع والسجود عن القيام؛ لأنَّهُ قد علم أنه لا يكون ركوع ولا سجود إلا بعد قيام. وفي ذلك - أيضًا - رد على من لا يحجه من أهل الكتابين: اليهود والنصارى؛ لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وعظمته، ويعلمون أنه بنى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة، وغير ذلك، وللاعتكاف والصلاة عنده، وهم لا يفعلون شيئًا من ذلك، فكيف (يكونون) (^١) (مقتدين) (^٢) بالخليل، وهم لا يفعلون ما شرع الله له! وقد حج البيت موسى بن عمران وغيره من الأنبياء ﵇، كما أخبر بذلك المعصوم (^٣)، الذي لا ينطق عن الهوي ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤].
وتقدير الكلام إذن: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [أي: تقدمنا بوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل] (^٤) ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي: طهراه من الشرك والريب، وابنياه خالصًا لله، معقلًا للطائفين والعاكفين والركع السجود. وتطهير المساجد مأخوذ من هذه الآية، ومن قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)﴾ [النور] ومن السنة من أحاديث كثيرة، من الأمر بتطهيرها وتطييبها (^٥) وغير ذلك، من صيانتها من الأذى (والنجاسات) (^٦) وما أشبه ذلك. ولهذا قال ﵇ (^٧): "إنما بنيت المساجد لما بنيت له". وقد جمعت في ذلك جزءًا على حدة، ولله الحمد والمنة.
[وقد اختلف الناس في أول من بنى الكعبة، فقيل: الملائكة قبل آدم، وروى هذا عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين، ذكره القرطبي (^٨) وَحُكِىَ لفظه، وفيه غرابة، وقيل:] (^٩)
_________________
(١) في (ل): "يكون".
(٢) في (ج): "مقتدون".
(٣) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان (١٦٥/ ٢٦٨). تنبيهٌ: الجؤار: هو رفع الصوت. ووادي الأزرق: هو واد في الحجاز قريب من مكة. وهرشى: هي ثنية بين مكة والمدينة، ويقال: هي قريبة من الجحفة.
(٤) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).
(٥) أما الأمر بتطهير المساجد ففيه نصوص شهيرة معروفة. وأما الأمر بتطييبها ففيه أحاديث منها ما أخرجه أبو داود (٤٧٩)؛ وابن خزيمة (٢/ ٢٧٠) بسند صحيح عن ابن عمر قال: بينما رسول الله ﷺ يخطب يومًا إذ رأى نخامةً في قبلة المسجد، فتغيظ على الناس، ثم حكَّها. قال: وأحسبه قال: فدعا بزعفران فلطخه به وقال: "إن الله قبل وجه أحدكم إذا صلى، فلا يبزق بين يديه".
(٦) في (ل): "النجاسة".
(٧) أخرجه مسلم (٨٠/ ٥٦٩).
(٨) في "تفسيره" (٢/ ١٢٠)، ولفظه: "وروى عن جعفر بن محمد قال: سئل أبي، وأنا حاضر، عن بدء خلق البيت، فقال: "إن الله ﷺ لما قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] فغضب عليهم، فعاذوا بعرشه وطافوا حوله سبعة أشواط يسترضون ربهم حتَّى ﵃، وقال لهم: ابنوا لي بيتًا في الأرض يتعوذ به من سخطت عليه من بني آدم، ويطوف حوله كما طفتم حول عرشي فارضي عنه كما رض عنكم، فبنوا هذا البيت". وهذا سياق غريب جدًّا، وكثير مما ينسب إلى أبي جعفر الباقر لا يثبت عنه.
(٩) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).
[ ١ / ٦١٦ ]
[آدم (﵇) (^١)، رواه عبد الرزاق (^٢)، عن ابن جريج، عن عطاء وسعيد بن المسيب وغيرهم: أن آدم بناه من خمسة أجبل: من حراء، وطور سيناء، وطور زيتا، وجبل لبنان، والجودى، وهذا غريب أيضًا. وروى نحوه عن ابن عباس وكعب الأحبار وقتادة، وعن وهب بن منبه: أن أول من بناه شيث ﵇، وغالب من يذكر هذا إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب، وهي مما لا يصدق ولا يكذب ولا يعتمد عليها بمجردها، وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين] (^٣).
[وقال فخر الدين الرازي (^٤): الأكثرون من أهل الأخبار على أن البيت كان موجودًا قبل إبراهيم على ما روينا فيه من الأحاديث، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ فدلَّ على وجود القواعد قبل ذلك، وفيما قاله نظر، فإنه لم يرد شيء من الأحاديث المرفوعة تدل على ما ذكره، وفي الاستدلال على ما ذكره من الآية نظر، إذ لا يلزم وجود القواعد قبل ذلك. والله أعلم] (^٥).
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
قال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٦): حَدَّثَنَا ابن بشار قال: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهدي، حَدَّثَنَا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن إبراهيم حرم بيت الله وأمنه، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، فلا يصاد صيدها ولا يقطع عضاهها".
وهكذا رواه النسائي، عن محمد بن بشار، عن بندار، به.
وأخرجه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، كلاهما عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري.
وقال ابن جرير (^٧) - أيضًا -: حَدَّثَنَا أبو كريب وأبو السائب قالا: حَدَّثَنَا ابن إدريس. وحدثنا أبو كريب، حَدَّثَنَا عبد الرحيم الرازي، قالا جميعًا: سمعنا أشعث، عن نافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن إبراهيم كان عبد الله وخليله، وإني عبد الله ورسوله. وإن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاهها وصيدها، لا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يقطع منها شجرة إلا لعلف بعير".
_________________
(١) من (ن). وسقط من (ج) و(ل).
(٢) أخرجه ابن جرير (٢٠٣٧) وصحح ابن كثير إسناده واستغربه كما يأتي قريبًا.
(٣) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).
(٤) في "تفسيره" (٢/ ٦٢).
(٥) من (ج) و(ل).
(٦) في "تفسيره" (٢٠٢٩)؛ وأخرجه مسلم (١٣٦٢/ ٤٥٨).
(٧) في "تفسيره" (٢٠٣٠). وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (١/ ٣٦٥) قال: حَدَّثَنَا ابن ذريح، هو محمد بن صالح، ثنا مسروق بن المرزبان، ثنا ابن أبي زائدة، ثنا أشعث بن سوار بسنده سواء. قال ابن عدي: "وهذا الحديث يرويه ابن أبي الزناد، عن الأشعث". وهذا الحديث أورده ابن عدي فيما استنكر على أشعث بن سوار.
[ ١ / ٦١٧ ]
وهذا الطريق غريبة، ليست في شيء من الكتب الستة، وأصل الحديث في "صحيح مسلم" (^١) من وجه آخر، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر، جاؤوا به إلى رسول الله ﷺ، فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال: "اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا. اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك. وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة، ومثله معه". ثم يدعو أصغر وليد له، فيعطيه ذلك الثمر. وفي لفظ (^٢): "بركة مع بركة". ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان. لفظ مسلم.
ثم قال ابن جرير (^٣): حَدَّثَنَا أبو كريب، حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد، حَدَّثَنَا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها".
انفرد بإخراجه مسلم، فرواه عن قتيبة، عن بكر بن مضر، به. ولفظه كلفظه سواء. وفي "الصحيحين" (^٤) عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة: "التمس لي غلامًا من غلمانكم يخدمني". فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول الله ﷺ كلما نزل. وقال في الحديث: ثم أقبل حتَّى إذا بدا له أُحد قال: "هذا جبل يحبنا ونحبه". فلما أشرف على المدينة قال: "اللهم إني أحرم ما بين جبليها، مثلما حرم به إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم [في مدهم وصاعهم". وفي لفظ (^٥) لهما: "اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم] (^٦) في صاعهم، وبارك لهم في مُدهم". زاد البخاري (^٧): يعني: أهل المدينة.
"ولهما" (^٨) أيضًا عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: " (اللهم) (^٩) اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة".
وعن عبد الله بن زيد بن عاصم (^١٠) له، عن النَّبِيّ ﷺ: "إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، (وحرمت) (^١١) المدينة كما حرم إبراهيم مكة، (ودعوت) (^١٢) لها في (مدها وصاعها) (^١٣)
_________________
(١) رقم (١٣٧٣/ ٤٧٣).
(٢) أخرجه مسلم (١٣٧٣/ ٤٧٤).
(٣) في "تفسيره" (٢٠٣١)؛ وأخرجه مسلم (١٣٦١/ ٤٥٦).
(٤) أخرجه البخاري (٩/ ٥٥٣، ٥٥٤؛ و١١/ ١٧٣)؛ ومسلم (١٣٦٥/ ٤٦٢).
(٥) أخرجه البخاري في "كفارات الإيمان" (١١/ ٥٩٧) قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن يوسف؛ ومسلم في "كتاب الحج" (٤٦٥/ ١٣٦٨) قال: حَدَّثَنَا قتيبة بن سعيد كلاهما عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس.
(٦) ساقط من (ج).
(٧) أخرجه البخاري في "كتاب البيوع" (٤/ ٣٤٧)؛ وفي "كتاب الاعتصام" (١٣/ ٣٠٤).
(٨) يعني: للشيخين. وأخرجه البخاري في "فضائل المدينة" (٤/ ٩٧ - فتح).
(٩) من (ن) و(ى) وهو ثابت عند الشيخين، وسقط من بقية النسخ.
(١٠) أخرجه البخاري (٤/ ٣٤٦).
(١١) كذا في سائر "الأصول"؛ وفي "البخاري"؛ وفي (ل): "وإني حرمت".
(١٢) في (ل): "وإني دعوت".
(١٣) في (ل): "صاعها ومدها".
[ ١ / ٦١٨ ]
(ومثل) (^١) ما دعا إبراهيم لمكة".
رواه البخاري وهذا لفظه، ومسلم ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: "إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت لها في صاعها ومدها (بمثليْ) (^٢) ما دعا إبراهيم لأهل مكة".
وعن أبي سعيد (^٣) ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين (مأزميها) (^٤)، (أن لا يهراق) (^٥) فيها دم ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف. اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مدنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين" الحديث رواه مسلم.
والأحاديث في تحريم المدينة كثيرة، وإنما أوردنا منها ما هو متَعَلِّقٌ. بتحريم إبراهيم ﵇، لمكة، لما في ذلك في مطابقة الآية الكريمة.
[وتمسك بها من ذهب إلى (أن) (^٦) تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل، وقيل: إنها محرمة منذ خلقت مع الأرض وهذا أظهر وأقوى] (^٧).
وقد وردت أحاديث أخر تدل على أن الله تعالى حرم مكة قبل خلق السموات والأرض، كما جاء في "الصحيحين" (^٨)، عن عبد الله بن عباس، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعةً من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها". فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنه لقيْنهم ولبيوتهم. فقال: "إلا الإذخر" وهذا لفظ مسلم.
"ولهما" (^٩) عن أبي هريرة نحو من ذلك.
ثم قال البخاري (^١٠) بعد ذلك: (وقال) (^١١) أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة: سمعت النَّبِيّ ﷺ، مثله.
_________________
(١) أشار ناسخ (ج) إلى أنه وقع في نسخة: "مثلى" وقد تقدم البحث فيه.
(٢) وقع في "الأصول": "بمثل" والصواب ما أثبته، وإلا لماذا سجل ابن كثير لفظ مسلم وهو مثل لفظ البخاري؛ ما أعاد لفظ مسلم إلا ليبين التفاوت بينهما في هذا الحرف. والله أعلم.
(٣) أخرجه مسلم في "كتاب الحج" (١٣٧٤/ ٤٧٥).
(٤) في (ض): "لازمها"!! والمأزم: كل طريق ضيق بين جبلين.
(٥) كذا في (ج) و(ل) و(ن) و(ى) وهو الموافق لما في "صحيح مسلم"، ووقع في (ز) و(ض) و(ك): "لا يهراق".
(٦) ساقط من (ج).
(٧) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).
(٨) أخرجه البخاري (٣/ ٤٤٩؛ و٦/ ٢٨٣). وأخرجه البخاري (٦/ ٣، ٣٧)؛ وأبو داود (٢٤٨٠)؛ والترمذي (١٥٩٠)؛ وأحمد (٢٣٥٣)؛ وابن الجارود في "المنتقى" (٥٠٩)؛ وعبد الرزاق (٩٧١٣)؛ والبيهقى (٩/ ١٦) من طرق عن منصور. بهذا الإسناد مطولًا ومختصرًا.
(٩) أخرجه البخاري (١/ ٢٠٥؛ و١٢/ ٢٠٥)؛ ومسلم (١٣٥٥/ ٤٤٧).
(١٠) في "كتاب الجنائز" (٣/ ٢١٣).
(١١) في (ز) و(ض): "قال".
[ ١ / ٦١٩ ]
وهذا الذي علقه البخاري (^١) رواه الإمام أبو عبد الله بن ماجة، عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم بن يناق، عن صفية بنت شيبة، قالت: سمعت النَّبِيّ ﷺ يخطب عام الفتح، فقال: "يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها، ولا يأخذ لقطتها إلا منشد". فقال العباس: إلا الإذخر؛ فإنه للبيوت والقبور. فقال رسول الله ﷺ: "إلا الإذخر".
وعن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد - وهو يبعث البعوث إلى مكة -: ائذن لي - أيها الأمير - أن أحدثك قولًا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به، إنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن باللّه واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يضعد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب". فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيًا، ولا فارًا بدم، ولا فارًا بخربة.
رواه البخاري (^٢) ومسلم، وهذا لفظه.
فإذا علم هذا فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالة على أن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم ﵇، حرمها؛ لأن إبراهيم بلَّغ عن الله حكمه فيها وتحريمه إياها، وأنها لم تزل بلدًا حرامًا عند الله قبل بناء إبراهيم ﵇، لها، كما أنه قد كان رسول الله ﷺ مكتوبًا عند الله خاتم النبيين، وإن آدم لمنجَدلٌ في طينته (^٣)، ومع هذا قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] الآية. وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقدره. ولهذا جاء في الحديث (^٤) أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن بدء أمرك. فقال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ابن مريم، ورأت أمي (كأنه) (^٥) خرج منها نور أضاءت له قصور الشام".
أي: أخبرنا عن بدء ظهور أمرك. كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله.
_________________
(١) وصله البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ١/ ٤٥١، ٤٥٢) قال: قال لي عبيد بن يعيش، حَدَّثَنَا يونس بن بكير، أخبرنا محمد بن إسحاق قال: حدثني أبان بن صالح بسنده سواء؛ وأخرجه الطحاوي في "المشكل" (٣١٤٣) قال: حَدَّثَنَا محمد بن علي بن داود، ثنا عبيد بن يعيش بهذا الإسناد؛ وأخرجه ابن ماجة (٣١٠٩) قال: حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا يونس بن بكير بسنده سواء. وإسناده حسن.
(٢) أخرجه البخاري في "جزاء الصيد" (٤/ ٤١ - صحيحه)؛ ومسلم (١٣٥٤/ ٤٤٦).
(٣) لا يثبت الحديث بهذا اللفظ. [وله شاهد]. أخرجه ابن أبي عاصم في [الآحاد والمثانى] (٢٩١٨)؛ وفي "السنة" (٤١١) قال: حَدَّثَنَا هدبة. قال الحافظ في "الإصابة" (٦/ ٢٤٠): "إسناده صحيح" وكذلك قال شيخنا الألباني في "ظلال الجنة".
(٤) وهو حديث حسن.
(٥) في (ل): "كأنها".
[ ١ / ٦٢٠ ]
وأما مسألة تفضيل مكة على المدينة، كما هو قول الجمهور، أو المدينة على مكة، كما هو مذهب مالك وأتباعه، فتذكر في موضع آخر بأدلتها، إن شاء الله، وبه الثقة.
وقوله تعالى إخبارًا عن الخليل أنه قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ أي: من الخوف، لا يرعب أهله، وقد فعل الله ذلك شرعًا وقدرًا؛ (كقوله تعالى) (^١): ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] (وقوله) (^٢) ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] إلى غير ذلك من الآيات. وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيها. وفي "صحيح مسلم" (^٣)، عن جابر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح". وقال في هذه السورة: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ أي: اجعل هذه البقعة بلدًا آمنًا، وناسب هذا؛ لأنَّهُ قبل بناء الكعبة. وقال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] وناسب هذا هناك لأنَّهُ - واللّه أعلم - كأن وقع دعاء (مرةً ثانية) بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنًا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة؛ ولهذا قال في آخر الدعاء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾ [إبراهيم: ٣٩].
وقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
قال أبو جعفر الرازي (^٤)، عن الرب بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ قال: هو قول الله تعالى. وهذا قول مجاهد (^٥) وعكرمة وهو الذي صوبه ابن جرير، رحمه الله تعالى: قال: وقرأ آخرون: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم، كما رواه أبو جعفر (^٦)، عن الربيع، عن أبي العالية قال: كان ابن عباس يقول: ذلك قول إبراهيم، يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلًا.
وقال ابن أبي جعفر (^٧)، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ يقول: ومن كفر فارزقه أيضًا ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
وقال محمد بن إسحاق (^٨): لما عزل إبراهيم ﵇، الدعوة عمن أبى الله أن يجعل له الولاية
_________________
(١) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ن) و(ى)؛ وفي (ل): "كما قال الله تعالى"؛ وفي (ك): "لقوله تعالى".
(٢) من (ن) و(ى).
(٣) في "كتاب الحج" (١٣٥٦/ ٤٤٩).
(٤) أخرجه ابن جرير (٢٠٣٣)؛ وابن أبي حاتم (١٢٣٣) وسنده حسن.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٣٥) من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح قال: سمعت عكرمة فذكر مثله. قال ابن أبي نجيح: سمعت هذا من عكرمة ثم عرضته على مجاهد فلم ينكره. [وسنده صحيح].
(٦) أخرجه ابن جرير (٢٠٣٥)؛ وابن أبي حاتم (١٢٣٤). [وسنده جيد].
(٧) أخرجه ابن جرير (٢٠٣٥) قال: حَدَّثَنَا المثنى، ثنا إسحاق، ثنا ابن أبي جعفر فذكره. وسنده ضعيف لجهالة شيخ ابن جرير، ولضعف ليث بن أبي سليم. ولكن أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٣٦) من طريق ابن أبي زائدة أنا إسرائيل عن خصيف عن سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد فذكره، وهذا سند صالح يعتبر به وخصيف بن عبد الرحمن مختلف فيه.
(٨) أخرجه ابن جرير (٢٠٣٤) قال: حَدَّثَنَا ابن حميد، ثنا سلمة، قال ابن إسحاق فذكره. وسنده ضعيف جدًّا =
[ ١ / ٦٢١ ]
- انقطاعًا إلى الله ومحبته، وفراقًا لمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم أنه ظالم ألا يناله عهده، بخبر الله له بذلك - قال الله: ومن كفر فإني أرزق البر والفاجر وأمتعه قليلًا.
وقال حاتم بن إسماعيل (^١)، عن حميد الخراط، عن عمار الدهني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ قال ابن عَبَّاس: كان إبراهيم يحجرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله ومن كفر أيضًا أرزقهم كما أرزق المؤمنين أأخلق خلقًا لا أرزقهم؟! أمتعهم قليلًا، ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير. ثم قرأ ابن عباس: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾ [الإسراء]. رواه ابن مردويه. وروى عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضًا. وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ [يونس] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ [لقمان] وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ [الزخرف].
وقوله: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير. ومعناه: أن الله تعالى ينظرهم ويمهلهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾ [الحج: ٤٨] وفي "الصحيحين" (^٢): "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدًا، وهو يرزقهم ويعافيهم"، وفي "الصحيح" (^٣) (أيضًا) (^٤): "إن الله (ليملي) (^٥) للظالم حتَّى إذا أخذه لم يفلته". ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢].
[وقرأ بعضهم "قال: ومن كفر فأمتعه قليلًا، ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير"] (^٦)
_________________
(١) = لوهاء ابن حميد. وسلمة بن الفضل لين الحفظ.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٢٢٨) قال: حَدَّثَنَا أبي، ثنا هشام بن عمار، ثنا حاتم بن إسماعيل به. وهشام بن عمار في حفظه مقال. وقد تابعه إبراهيم بن موسى الرازي، ثنا حاتم بن إسماعيل. أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٢٦) قال: حَدَّثَنَا أبي، ثنا إبراهيم. وإبراهيم هذا هو الملقب بـ "الصغير" وهو ثقة؛ وأخرجه الطبراني في "الكبير" (ج ١٢/ رقم ١٢٤٠٢) من طريق سعيد بن عمرو الأشعثي ثنا حاتم بن إسماعيل به وهذا إسناد جيد، لولا ما نقله العلائي في "جامع التحصيل" (٥٥٠) عن الإمام أحمد أنه قال: "عمار بن معاوية الدهني لم يسمع من سعيد بن جبير شيئًا".
(٣) مر تخريجه تحت الآية (١١٦).
(٤) وهو في "الصحيحين"؛ أخرجه البخاري في "كتاب التفسير" (٨/ ٣٥٤)، ومسلم (٢٥٨٣/ ٦١).
(٥) ساقط من (ك).
(٦) في (ج) و(ل): "يملى".
(٧) ساقط من (ز) و(ض) و(ى). واستدركته من (ج) و(ك) و(ل) و(ن).
[ ١ / ٦٢٢ ]
[جعله من تمام دعاء إبراهيم، وهي قراءة شاذة، مخالفة للقراء السبعة، وتركيب السياق يأبى (معناها) (^١)، واللّه أعلم، فإن الضمير في ﴿قَالَ﴾ راجع إلى الله تعالى في قراءة الجمهور، والسياق يقتضيه، وعلى هذه القراءة الشاذة، يكون الضمير عائدًا على إبراهيم، وهو خلاف نظم الكلام، والله سبحانه هو العلام] (^٢).
وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾ فالقواعد: جمع قاعدة، وهي السارية والأساس، يقول تعالى: واذكر - يا محمد - لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل ﵇، البيت، ورفعهما القواعد منه، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [وحكى القرطبي (^٣) وغيره عن أُبي وابن مسعود أنهما كانا يقرآن: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ويقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.
قلت: ويدل على هذا قولهما بعده: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ الآية] (^٤).
فهما في عمل صالح، وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما، كما روى ابن أبي حاتم (^٥) من حديث محمد بن يزيد بن خنيس المكي، عن وهيب بن الورد: أنه قرأ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مشفق أن لا يتقبل منك؟. وهذا كما حكى الله تعالى عن حال المؤمنين (الخلص) (^٦) في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ أي: يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أي: خائفة ألا يتقبل منهم. كما جاء به الحديث الصحيح، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ كما سيأتي في موضعه (^٧).
وقال بعض المفسرين: الذي كان يرفع القواعد هو إبراهيم، والداعي إسماعيل: والصحيح أنهما كانا يرفعان ويقولان، كما سيأتي بيانه.
وقد روى البخاري ها هنا حديثًا سنورده ثم نتبعه بآثار متعلِّقةٌ بذلك، قال البخاري (^٨) ﵀:
حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد، حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا معمر، عن أيوب السختياني، وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة - يزيد أحدهما على الآخر - عن سعيد بن جبير، عن ابن
_________________
(١) ساقط من (ل)؛ وفي (ك): "معناه".
(٢) ساقط من (ز) و(ض) و(ى). واستدركته من (ج) و(ك) و(ل) و(ن).
(٣) في "تفسيره" (٢/ ١٢٦).
(٤) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).
(٥) في "تفسيره" (١٢٥٠) ومن طريق أبي بكر بن محمد بن يزيد بن خنيس وابن أبي زياد قالا: ثنا محمد بن يزيد بن خنيس به. والراويان عن محمد بن يزيد لم أقف لهما على ترجمة. ومحمد بن يزيد بن خنيس وثقه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (٤/ ١/ ١٢٧) وذكره ابن حبان في "الثقات" (٩/ ٦١) وقال: "ربما أخطأ، يعتبر بحديثه إذا بين السماع في خبره ولم يرو عنه إلا ثقة" ومع ذلك فقد قال الحافظ فيه "مقبول"!
(٦) في (ز) و(ض): "المخلصين".
(٧) من تفسير سورة المؤمنون الآية [٦٠].
(٨) في "كتاب الأنبياء" (٦/ ٣٩٦ - ٣٩٨) من طريق عبد الرزاق وهذا في "المصنف" (ج ٥/ رقم ٩١٠٧) بسنده سواء؛ وأخرجه البخاري أيضًا في "كتاب المساقاة" (٥/ ٤٣) بهذا الإسناد مختصرًا.
[ ١ / ٦٢٣ ]
عباس ﵄، قال: أول (ما) (^١) اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل، (عليهما) (^٢) السلام. اتخذت منطقًا (لتعفي) (^٣) أثرها على سارة. ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل، (عليهما) (^٤) السلام، وهي ترضعه، حتَّى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذٍ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر وسقاءً فيه ماء، ثم قفى إبراهيم ﵇ منطلقًا. فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها. (فقالت له) (^٥): الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا. ثم رجعت. فانطلق إبراهيم ﵇، حتَّى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه، قال: ﴿رَبَّنَا (^٦) إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم] وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل ﵇، وتشرب من ذلك الماء، حتَّى إذا نفد (ما في السقاء) (^٧) عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى - أو قال: يتلبط (^٨) - فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض (يليها) (^٩)، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا. فهبطت من الصفا حتَّى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعى الإنسان المجهود حتَّى جاوزت الوادي. ثم أتت المروة، فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا. ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عَبَّاس: قال النَّبِيّ ﷺ: "فلذلك سعيُ الناس بينهما".
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صه، تريد: نفسها، ثم تسمعت فسمعت أيضًا. فقالت قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه - أو قال: بجناحه - حتَّى ظهر الماء، فجعلت تحوضه، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف. قال ابن عَبَّاس: قال النَّبِيّ ﷺ: "يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم - أو قال: لو لم تغرف من الماء - لكانت زمزم عينًا معينًا".
(قال) (^١٠): فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا يتخافى الضيعة؛ فإن ها هنا
_________________
(١) في (ل): "من".
(٢) في (ل): "عليه، ولم يقع ذكر التسليم أصلًا في "الصحيح".
(٣) في (ل): "لتقتفى"؛ وفي (ز) و(ض): "ليعفى" بالتحتانية.
(٤) في (ج) و(ل): "عليه" وسقط من (ك) و(ن) و(ى).
(٥) في (ك): "وقالت"؛ وفي (ج): "قالت".
(٦) كذا وقع في كل "الأصول" ما عدا (ز) ففيها (ربنا) وكذلك وقع في رواية الكشميهنيّ كما نبه عليه الحافظ في "الفتح"، وأظن أن المحققين لطبعة "الشعب" من "التفسير" غيروا ما جاء في "الأصل" لأن النسخة (ض)، وهي مأخوذة عن النسخة الأزهرية، وقع فيها "رب"، ونبه ناسخ (ن) و(ى) إلى أنها في المصحف: "ربنا".
(٧) كذا في (ج) و(ك) و(ل) و(ن) و(ى) وهو الموافق لما في "الصحيح". ووقع في (ز) و(ض): "ماء السقاء".
(٨) يتلبط؛ يعني: يتمرغ.
(٩) في (ل): "إليها".
(١٠) من (ن) و(ى). وهو في "الصحيح".
[ ١ / ٦٢٤ ]
بيتًا للّه ﷿ يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله ﷿، لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتَّى مرت بهم رفقة من جرهم - أو أهل بيت من جرهم - مقبلين من طريق كداء. فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا، فقالوا: إن هذا الطائر (ليدور) (^١) على (ماء) (^٢) لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء. فأرسلوا جريًا أو جريين، فإذا هم بالماء. فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا. قال: وأم إسماعيل عند الماء. فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم.
قال (عبد الله) (^٣) بن عباس: فقال النَّبِيّ ﷺ: "فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس". فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم. حتَّى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلام، وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأةً منهم. وماتت أم إسماعيل (﵇) (^٤)، فجاء إبراهيم (﵇) (^٥) بعد ما تزوج إسماعيل (يطالع) (^٦) تركته. فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه. فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة. وشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك (اقرئي) (^٧) عليه¬ السلام، وقولي له: يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل ﵇، كأنه آنس شيئًا. فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، (فسألنا) (^٨) عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنَّا في جهد وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، (ويقول) (^٩): غيِّر عتبة بابك. قال: ذاك أبي. (وقد) (^١٠) أمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك، فطلقها وتزوج منهم بأخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده. فدخل على امرأته، فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم. فقالت: نحن بخير وسعة. وأثنت على الله ﷿. فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: "اللهم بارك لهم في اللحم والماء". قال النَّبِيّ ﷺ: "ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم، لدعا لهم فيه. قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه". قال: "فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه¬ السلام، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل ﵇، قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، (وأثنت عليه) (^١١)، فسألني عنك،
_________________
(١) ساقط من (ز) و(ض).
(٢) كذا في (ن) و(ى) وأشار إليها ناسخ (ج) في الحاشية، وهو الموافق لما في "الصحيح". ووقع في (ز) و(ض) و(ك) و(ل): "الماء".
(٣) من (ج) و(ض) و(ل) و(ى).
(٤) ساقط من (ن) و(ى)؛ وفي (ز): "عليهما".
(٥) من (ج) و(ك) و(ل).
(٦) كذا في (ج) و(ل) و(ن) وهو الموافق لما في "الصحيح"؛ وفي (ز) و(ض): "ليطالع"؛ وفي (ك): "وطالع بركته"!!
(٧) كذا في (ج) و(ض) و(ك) و(ل) و(ى)؛ وفي (ز) و(ض) فأقرئي وهو الموافق لما في "الصحيح".
(٨) كذا في (ج) و(ك) و(ل) و(ن) و(ى) وهو الموافق لما في "الصحيح". ووقع في (ز) و(ض): "فسألني".
(٩) في (ك): "ويقول لك".
(١٠) ساقط من (ج) و(ز) و(ض) و(ل).
(١١) في (ل): "أثنت عليه خيرًا".
[ ١ / ٦٢٥ ]
فأخبرته، [فسألني: كيف عيشنا؟ فأخبرته] (^١) أنا بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء الله ﷿، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل (يبري نبلًا له) (^٢) تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الولد بالوالد، والوالد بالولد. ثم قال: يا إسماعيل، إن الله (﷿) (^٣) أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك ﷿. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني ههنا بيتًا - وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها - قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت (فجعل) (^٤) إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتَّى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبنى، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ "، [قال: "فجعلا يبنيان حتَّى (يدورا) (^٥) حول البيت، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ "] (^٦).
[ورواه عبد بن حميد، عن عبد الرزاق به مطولًا] (^٧).
ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي عبد الله محمد بن حماد الظهراني، وابن جرير، عن أحمد بن ثابت الرازي، كلاهما عن عبد الرزاق (به) (^٨) مختصرًا.
وقال أبو بكر بن مردويه (^٩): حَدَّثَنَا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حَدَّثَنَا بشر بن موسى، حَدَّثَنَا أحمد بن محمد الأزرقي، حَدَّثَنَا مسلم بن خالد الزنجي، عن عبد الملك بن جريج، عن كثير بن كثير، قال: كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين في ناس مع سعيد بن جبير، في أعلى المسجد ليلًا، فقال سعيد بن جبير: سلوني قبل أن لا تروني. فسألوه عن المقام. فأنشأ يحدثهم عن ابن عباس، فذكر الحديث بطوله:
ثم قال البخاري (^١٠): حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد، حَدَّثَنَا أبو عامر عبد الملك بن
_________________
(١) ساقط من (ج).
(٢) في (ل): "يبنى بيتًا له"! وسقطت لفظة "له" من (ج).
(٣) من (ج) و(ض) و(ك) و(ل).
(٤) في (ل): "قال: فجعل".
(٥) في (ل): "تدور".
(٦) ساقط من (ج).
(٧) من (ن) و(ى).
(٨) ساقط من (ز) و(ض).
(٩) أخرجه أبو الوليد الأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ٥٤، ٥٥، ٥٧، ٥٨، و٥٨، ٥٩) قال: حدثني جدي، هو أحمد بن محمد الأزرقي، ثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جريج، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، حَدَّثَنَا عبد الله بن عباس وذكر طرفًا من الحديث. والزنجي ضعيف ولكنه توبع. تابعه محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حَدَّثَنَا ابن جريج قال: أما كثير بن كثير فحدثني قال: إني وعثمان بن أبي سليمان جلوس مع سعيد بن جبير فقال: ما هكذا حدثني ابن عباس وذكره مختصرًا جدًّا؛ أخرجه البخاري (٦/ ٣٩٦) معلقًا ووصله عمر بن شبة في "كتاب مكة"؛ وأبو نعيم في "المستخرج"، كما في "الفتح" (٦/ ٤٠٠)، وتابعه أيضًا محمد بن جشعم، عن ابن جريج بسنده سواء.
(١٠) في "كتاب الأنبياء" (٦/ ٣٩٨، ٣٩٩). وأخرجه النسائي في "كتاب المناقب" (٥/ ١٠١، ١٠٢ - الكبرى) قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك قال: أنا أبو عامر وعثمان بن عمر، عن إبراهيم بن نافع بهذا الإسناد بطوله. وأخرجه ابن أبي حاتم (١٢٤٣) قال: حَدَّثَنَا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، ثنا عثمان بن عمر ثنا إبراهيم بن نافع بهذا =
[ ١ / ٦٢٦ ]
(عمرو) (^١)، حَدَّثَنَا إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، ومعهم شنة فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل تشرب من الشنة، فيدر لبنها على صبيها، حتَّى قدم مكة فوضعها تحت دوحة، ثم رجع إبراهيم إلى أهله، فاتبعته أم إسماعيل، حتَّى (لما) (^٢) بلغوا كداء (نادته) (^٣) من ورائه: يا إبراهيم، إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله ﷺ. قالت: رضيت باللّه. قال: فرجعت، فجعلت تشرب من الشنة، ويدر لبنها على صبيها حتَّى لما فنى الماء قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدًا. قال: فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونظرت هل تحس أحدًا، فلم تحس أحدًا. فلما بلغت الوادي (سعت) (^٤) حتَّى أتت المروة، ففعلت ذلك أشواطًا ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل، تعني: الصبي، فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ للموت، فلم تقرها نفسها، فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدًا. قال: فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونظرت فلم تحس أحدًا، حتَّى أتممت سبعًا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإذا هي بصوت، فقالت: أغث إن كان عندك خير. فإذا جبريل ﵇ قال: فقال بعقبه هكذا، وغمز عقبه على الأرض. قال: فانبثق الماء، فدهشت أم إسماعيل، فجعلت تحفر.
قال: فقال أبو القاسم ﷺ: "لو تركته لكان الماء (ظاهرًا) (^٥) ".
قال: فجعلت تشرب من الماء ويدر لبنها على صبيها.
قال: فمر ناس من جرهم ببطن الوادي، فإذا هم بطير، كأنهم أنكروا ذلك، وقالوا: ما يكون الطير إلا على ماء فبعثوا رسولهم فنظر، فإذا هو بالماء. فأتاهم فأخبرهم. فأتوا إليها فقالوا: يا أم إسماعيل، أتأذنين لنا أن نكون معك - أو نسكن معك؟ - فبلغ ابنها ونكح (فيهم) (^٦) امرأةً.
قال: ثم إنه بدا لإبراهيم (ﷺ) (^٧)، فقال لأهله: إني مطلع تركتي. قال: فجاء فسلم، فقال: أين إسماعيل؟ قالت امرأته: ذهب يصيد. قال: قولي له إذا جاء: غيِّر عتبة بيتك. فلما جاء أخبرته، قال: أنت ذاك، فاذهبي إلى أهلك.
قال: ثم إنه بدا لإبراهيم، فقال لأهله: إني مطلع تركتي. قال: فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد. فقالت: ألا تنزل فتطعم وتشرب؟ فقال: ما طعامكم وما شرابكم؟ قالت: طعامنا اللحم، وشرابنا الماء. قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم.
_________________
(١) = الإسناد مختصرًا؛ وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" (١٩٩٩، ٢٠٥٦)؛ والحاكم (٢/ ٥٥١، ٥٥٢) قال: حَدَّثَنَا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم، قالا: ثنا محمد بن سنان القزاز، ثنا أبو علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن إبراهيم بن نافع [وسقط ذكره من "المستدرك"] بسنده سواء. وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين، فتعجب ابن كثير من استدراكه هذا على البخاري، ولم ينبه على أنه ليس على شرط مسلم أيضًا، لأنَّهُ لم يخرج هذه الترجمة في "صحيحه": "إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير عن سعيد بن جبير". ولم يخرج الشيخان لأبي على الحنفي شيئًا عن إبراهيم بن نافع.
(٢) في (ك): "عمير" وهو خطأ.
(٣) ساقط من (ز)؛ وفي (ن): "إذا".
(٤) في (ل): "سألته"!
(٥) في (ل): "وسعت".
(٦) في (ل): "ظاهر".
(٧) في (ل): "منهم".
(٨) في (ك) و(ل): " ﵇ ".
[ ١ / ٦٢٧ ]
قال: فقال أبو القاسم ﷺ: "بركة بدعوة إبراهيم".
قال: ثم إنه بدا لإبراهيم ﷺ فقال لأهله: إني مطلع تركتي. فجاء فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح (نبلًا له) (^١). فقال: يا إسماعيل، إن ربك ﷿، أمرني أن أبني له بيتًا. فقال: أطع ربك ﷿. قال: إنه قد أمرني أن تعينني عليه؟ فقال: إذن أفعل - أو كما قال - قال: (فقاما) (^٢)، (فجعل) (^٣) إبراهيم يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [قال: حتَّى ارتفع البناء وضعف الشيخ عن نقل الحجارة. فقام على حجر المقام، فجعل يناوله الحجارة ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾] (^٤).
هكذا رواه من هذين الوجهين في "كتاب الأنبياء".
والعجب أن الحافظ أبا عبد الله الحاكم رواه في كتابه "المستدرك"، عن أبي العباس الأصم، عن محمد بن سنان القزاز، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن إبراهيم بن نافع، به. وقال: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". كذا قال! وقد رواه البخاري كما ترى، من حديث إبراهيم بن نافع، كأن فيه اقتصارًا، فإنه لم يذكر فيه (شأن) (^٥) الذبح. وقد جاء في "الصحيح" (^٦)، أن قرني الكبش كانا معلقين بالكعبة. وقد جاء (^٧) أن إبراهيم ﵇، كان يزور أهله بمكة (على البراق سريعًا) (^٨)، ثم يعود (إلى أهله بالبلاد) (^٩) المقدسة، واللّه أعلم. والحديث - والله أعلم - إنما فيه - مرفوع - أماكن صرّح بها ابن عباس، عن النبي ﷺ.
_________________
(١) في (ل): "بيتًا له".
(٢) من (ز) و(ك). وهو الموافق لما في "الصحيح"؛ وفي سائر "الأصول": فقام.
(٣) في (*) و(ل): "قال: فجعل".
(٤) هذا القدر ليس في "الصحيح" وهو عند ابن جرير (٢٠٥٦) وقد ذكره الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٦/ ٤٠٦).
(٥) ساقط من (ز) و(ض).
(٦) لم أظفر به، فلينظر. وقد أخرج أبو داود (٢٠٣٠) قال: حَدَّثَنَا ابن السرح وسعيد بن منصور ومسدد وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٦١١) قال: حَدَّثَنَا يعقوب بن حميد بن كاسب؛ وأحمد (٤/ ٦٨؛ و٥/ ٣٨٠)؛ وابن أبي شيبة (٢/ ٤٦)؛ والحميدي (٥٦٥) ومن طريقه ابن قانع (٢/ ٢٥٥)؛ وعبد الرزاق في "المصنف" (٩٠٨٣) ومن طريقه الطبراني في "الكبير" (ج ٩/ رقم ٨٣٩٦)؛ والبيهقي (٢/ ٤٣٨)؛ وابن قانع في "معجم الصحابة" (٢/ ٢٥٥) من طريق مسدد من طريق أحمد بن شيبان الرملي تسعتهم عن سفيان بن عيينة، عن منصور الحجبي، حدثني خالي: مسافع بن شيبة، عن صفية بنت شيبة أم منصور، قالت: أخبرتني امرأة من بني سليم ولدت عامة أهل دارنا: أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن طلحة. وقالت مرةً: إنها سألت عثمان بن طلحة: لم دعاك النَّبِيّ ﷺ؟ قال: "إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت، فنسيت أن آمرك أن تخمرهما، فخمرهما، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلى" قال سفيان: لم تزل قرنا الكبش في البيت حتَّى احترق البيت، فاحترقا. وسنده صحيح. وانظر "أخبار مكة" (١/ ١٥٩ - ١٦٢) للأزرقي؛ و"المصنف" (٥/ ٨٦، ٨٧) لعبد الرزاق.
(٧) قال الحافظ في "الفتح" (٦/ ٤٠٤): "في حديث أبي جهيم: كان إبراهيم يزور هاجر كل شهر على البراق يغدو غدوةً، فيأتي مكة، ثم يرجع فيقيل في منزله بالشام. وروى الفاكهي من حديث علي بإسناد حسن نحوه، وأن إبراهيم كان يزور إسماعيل وأمه على البراق". انتهى.
(٨) في (ل): "سريعًا على البراق".
(٩) في (ل): "لأهله إلى البلاد".
[ ١ / ٦٢٨ ]
وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (﵁) (^١) في هذا السياق ما يخالف بعض (هذا) (^٢)، كما قال ابن جرير (^٣):
حَدَّثَنَا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى قالا: حَدَّثَنَا مؤمل، حَدَّثَنَا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي بن أبي طالب، قال: لما أمر إبراهيم ببناء البيت، خرج معه إسماعيل وهاجر. قال: فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة، فيه مثل الرأس. فكلمه، قال: يا إبراهيم، ابنِ على ظلي - أو قال: على قدري - ولا تزد ولا تنقص، فلما بنى خرج، وخلَّف إسماعيل وهاجر، فقالت هاجر: يا إبراهيم، إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله. قالت: انطلق، فإنه لا يضيعنا. قال: فعطش إسماعيل عطشًا شديدًا، قال: فصعدت هاجر إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا، حتَّى أتت المروة فلم تر شيئًا، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا، حتَّى أتت المروة فلم تر شيئًا، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا، حتَّى فعلت ذلك سبع مرات، فقالت: يا إسماعيل، (مُت) (^٤) حيث لا أراك. فأتته وهو يفحص برجله من العطش. فناداها جبريل فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا هاجر أم ولد إبراهيم. قال: (^٥) [فإلى من وكلكما؟ قالت: وكلنا إلى الله (﷿) (^٦) قال] (٥): (وكلكما) (^٧) (إلى) (^٨) كافٍ. قال: ففحص الأرض فيصبعه، فنبعت زمزم. فجعلت تحبس الماء فقال: فإنها رواء.
ففي هذا السياق أنه بنى البيت قبل أن يفارقهما، وقد يحتمل - إن كان محفوظًا - أن يكون أولًا وضع له حوطًا وتحجيرًا، لا أنه بناه إلى أعلاه، حتَّى كبر إسماعيل فبنياه معًا، كما قال الله تعالى.
ثم قال ابن جرير (^٩): حَدَّثَنَا هناد بن السري، حَدَّثَنَا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة، أن رجلًا قام إلى علي ﵁، فقال: ألا تخبرني عن البيت، أهو أول بيت وضع في الأرض؟ قال: لا، ولكنه أول بيت وضع (فيه) (^١٠) البركة مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا، وإن شئت أنبأتك كيف بُني: إن الله أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتًا في الأرض، قال: فضاق إبراهيم بذلك ذرعًا فأرسل الله السكينة - وهي ريح خجوج (^١١)، ولها رأسان - فأتبع أحدهما
_________________
(١) من (ل).
(٢) في (ل): "هذاك".
(٣) في "تفسيره" (٢٠٥٧)؛ وأخرجه في "التاريخ" (١/ ١٢٩) بهذا الإسناد سواء. وأخرج الأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ٦٠) طرفًا منه من طريق محمد بن أبان عن أبي إسحاق السبيعي بهذا الإسناد، ومؤمل بن إسماعيل صدوق لكنه كان كثير الخطأ، ولم يكن من الرفعاء من أصحاب الثوري.
(٤) كذا في (ز) وهو الموافق لما في "تفسير الطبري"؛ وفي سائر "الأصول": "من".
(٥) ساقط من (ل) وعنده: "فإنه وكلكما".
(٦) من (ك).
(٧) في (ج): "كلكما"!
(٨) ساقط من (ز) و(ض).
(٩) في "تفسيره" (٢٠٥٨)؛ وأخرجه في "تاريخه" (١/ ١٢٨، ١٢٩) بهذا الإسناد. أخرجه الحاكم (٢/ ٢٩٢، ٢٩٣) وقال: "صحيح على شرط مسلم". كذا قال، وخالد بن عرعرة فضلًا عن أنه ليس من رجال مسلم، بل لم يخرج له أحد من الستة.
(١٠) في سائر "الأصول": "في". وانظر ما كتبه الشيخ محمود شاكر (٣/ ٧٠) ﵀.
(١١) الخجوج: هي الرياح الشديدة العاتية.
[ ١ / ٦٢٩ ]
صاحبه، حتَّى انتهت إلى مكة، (فتطوت) (^١) على موضع البيت كطي الحجفة، وأمر إبراهيم أن يبنى حيث تستقر السكينة. فبنى إبراهيم وبقي حجر، فذهب الغلام يبغي شيئًا. فقال إبراهيم: أبغني حجرًا كما آمرك. قال: فانطلق الغلام يلتمس له حجرًا، فأتاه به، فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه. فقال: يا أبه، من أتاك بهذا الحجر؟ فقال: أتاني به من (لم) (^٢) يتكل على بنائك، جاء به جبريل ﵇، من السماء. فأتماه.
وقال ابن أبي حاتم (^٣): حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حَدَّثَنَا سفيان، عن بشر بن عاصم، عن سعيد بن المسيب، عن كعب الأحبار، قال: كان البيت غثاءةً على الماء قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين عامًا، ومنه دحيت الأرض.
قال سعيد (^٤): وحدثنا علي بن أبي طالب: أن إبراهيم أقبل من أرمينية، ومعه السكينة تدلُّه على (تبوء) (^٥) البيت كما تتبوأ العنكبوت بيتًا، قال: فكشفت عن أحجار (لا يطيق) (^٦) الحجر إلا ثلاثون رجلًا. (فقلت) (^٧): يا أبا محمد، فإن الله يقول: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ قال: كان ذلك بعد.
وقال السدي (^٨): إن الله ﷿، أمر إبراهيم أن يبني (البيت) (^٩) هو وإسماعيل: ابنيا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود، فانطلق إبراهيم ﵇، حتَّى أتى مكة، فقام هو وإسماعيل، وأخذا المعاول لا يدريان أين البيت؟ فبعث الله ريحًا، يقال لها: ريح الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكشفت لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتَّى
_________________
(١) في (ك): "فنظرت"! وتطوت: يعني: استدارت. يقال: تطوت الحية؛ تحوت والتفت بعضها على بعض واستدارت كالطوق. والحجفة: الترس من الجلد. (شاكر).
(٢) في (ل): "لا".
(٣) في "تفسيره" (١٢٤٥). وأخرجه ابن جرير (٢٠٥٠) من طريق عبد الرزاق. والأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ٣١) قال: حَدَّثَنَا جدي أحمد بن محمد بن الوليد قالا: ثنا سفيان بن عيينة بهذا الإسناد. وسنده صحيح إلى كعب.
(٤) هو ابن المسيب، وهذا من تتمة الخبر وقد وقع هكذا في "تفسير ابن أبي حاتم": "سعيد بن المسيب قال: وحدثنا علي بن أبي طالب" وكذلك أخرجه الأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ٦٢) قال: حدثني جدي، ثنا ابن عيينة، عن بشر بن عاصم، عن سعيد بن المسيب قال: أخبرني علي بن أبي طالب؛ وأخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" (١٠/ ٣٢) من وجه آخر عن ابن عيينة؛ وأخرجه الحاكم (٢/ ٢٦٧) من طريق زكريا بن إسحاق، عن بشر بن عاصم لإسناده وفيه: "سعيد ثنا علي بن أبي طالب". ولكن وقع في "تفسير الطبري" (٢٠٥٠) من طريق عبد الرزاق نا ابن عيينة، بسنده قال: "سعيد: وحدثنا عن علي". وهذا يدلُّ على الانقطاع. ورجح الشيخ أبو الأشبال ﵀ أن الصواب ما وقع عند ابن أبي حاتم وغيره من ثبوت الاتصال. والله أعلم. وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ١٢٦) لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
(٥) في (ك): "بنوا".
(٦) في (ج): "ولا يطيق".
(٧) في (ز) و(ض): "قلت".
(٨) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (٢٠٠٩، ٢٠٥٣)؛ وفي "تاريخه" (١/ ١٢٩) قال: حدثني موسى بن هارون؛ وابن أبي حاتم (١٢٤٧) قال: قال: حَدَّثَنَا أبو زرعة قالا: ثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط، عن السدي. [وسنده حسن].
(٩) ساقط من (ز) و(ض).
[ ١ / ٦٣٠ ]
وضعا الأساس. فذلك حين يقول (الله) (^١) تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾، ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] فلما بنيا القواعد فبلغا مكان الركن. قال إبراهيم لإسماعيل: يا بني! اطلب لي حجرًا حسنًا أضعه ها هنا. قال: يا أبت، إني كسلان (لغب) (^٢).
قال: علي بذلك فانطلق (^٣) يطلب له حجرًا، وجاءه جبريل بالحجر الأسود من الهند، وكان أبيض، ياقوتةً (بيضاء) (^٤) مثل الثغامة، وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبه، من جاءك بهذا؟ قال: جاء به من هو أنشط منك. فبنيا وهما يدعوان الكلمات التي ابتلي (بهن) (^٥) إبراهيم ربُّه، (فقال) (^٦): ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وفي هذا السياق ما يدلُّ على أن قواعد البيت كانت مبنيةً قبل إبراهيم. وإنما هُديَ إبراهيم إليها وبوئ لها. وقد ذهب إلى (هذا) (^٧) ذاهبون، كما قال الإمام (عبد الرزاق) (^٨): أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ (قال) (^٩): القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك.
وقال عبد الرزاق (^١٠) أيضًا: أخبرنا هشام بن حسان، عن سوَّار - ختن عطاء - عن عطاء بن أبي رباح، قال: لما أهبط الله آدم من الجنة، كانت رجلاه في الأرض ورأسه في السماء يسمع كلام أهل السماء ودعاءهم، يأنس إليهم، (فهابت) (^١١) الملائكة، حتَّى شكت إلى الله في دعائها
_________________
(١) لفظ الجلالة من (ل).
(٢) في (ك): "تعب". وهي كذلك في "تفسير الطبري"؛ وفي سائر "الأصول" ما أثبته وهو الموافق لما في "تفسير ابن أبي حاتم".
(٣) في "تفسير الطبري" زيادة قبل هذه اللفظة وهي: "فانطلق فطلب حجرًا فجاءه بحجر فلم يرضه، قال: ائتني بحجر أحسن من هذا، فانطلق يطلب له حجرًا … إلخ".
(٤) ساقط من (ج).
(٥) من (ل).
(٦) في (ل): "بكلمات فقال".
(٧) في (ز) و(ض): "ذلك".
(٨) في (ج): "عبد الرزاق أيضًا" وقوله: "أيضًا" لا وجه له لأنَّهُ لم يتقدم ذكر لعبد الرزاق إنما قالها ابن كثير بعد ذلك في رواية هشام بن حسان، فكأنه سبق قلم ابن المخب ناسخ (ج) فكتبها. والله أعلم. وقد أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٥٨، ٥٩) ومن طريقه ابن جرير (٢٠٣٨) قال: أخبرنا معمر. وتوبع عبد الرزاق. تابعه محمد بن ثور عن معمر مثله أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٤٢) من طريق نعيم بن حماد ثنا محمد بن ثور. [وصحح سنده الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٨/ ١٧٠)].
(٩) في (ج): "قالوا".
(١٠) أخرجه ابن جرير (٢٠٤١)؛ وفي "تاريخه" (١/ ٦١) من طريق عبد الرزاق به. وسنده ضعيف وسوار ختن عطاء هو ابن أبي حكيم. ترجمه البخاري في "الكبير" (٢/ ٢/ ١٦٨)؛ وابن أبي حاتم (٢/ ١/ ٢٧٣) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكره ابن حبان في "الثقات" (٦/ ٤٢٢) فهو مجهول الحال. وانتقل نظر الشيخ أحمد شاكر ﵀ فنقل في تعليقه على "تفسير الطبري" (٣/ ٦٠) تصحيح ابن كثير لهذا الخبر وابن كثير إنما صحح الخبر الذي بعده. والله أعلم. ثم رأيته في "أخبار مكة" (١/ ٣٦) للأزرقي فرواه من طريق جده قال: ثنا سعيد بن سالم، عن طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس وسياقه مطول. وسنده ضعيف جدًّا. وطلحة بن عمرو متروك الحديث.
(١١) كذا في سائر "الأصول"؛ وفي (ز): "فهابته" وهو الموافق لما في "تفسير الطبري".
[ ١ / ٦٣١ ]
وفي صلاتها. فخفضه الله إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتَّى شكا ذلك إلى الله في دعائه وفي صلاته. فوجَّه إلى مكة، فكانت موضع قدمه قريةً، وخطوه مفازةً، حتَّى انتهى إلى مكة، وأنزل الله ياقوتةً من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن. فلم يزل يطوف به حتَّى أنزل الله الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة، حتَّى بعث الله إبراهيم ﵇، فبناه. وذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦].
وقال عبد الرزاق (^١): أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، قال: قال آدم: إني لا أسمع أصوات الملائكة؟! قال: بخطيئتك، ولكن اهبط إلى الأرض، فابن لي بيتًا ثم احفف به، كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء. فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من حراء، وطور زيتا، وطور سينا، وجبل لبنان، والجودي. وكان ربضه من حراء. فكان هذا بناء آدم، حتَّى بناه إبراهيم ﵇، بعد.
وهذا صحيح إلى عطاء، ولكن في بعضه نكاره، والله أعلم.
وقال عبد الرزاق (^٢) أيضًا: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: وضع الله البيت مع آدم (حين) (^٣) أهبط الله آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند. وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه، فنقص إلى ستين ذراعًا؛ فحزن (آدم) (^٤) إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم. فشكا ذلك إلى الله ﷿، فقال الله: يا آدم، إني قد أهبطت لك بيتًا تطوف به كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يصلَّى عند عرشي، فانطلق إليه آدم، فخرج ومد له في خطوه، فكان بين كل خطوتين مفازة. فلم تزل تلك (المفاوز) (^٥) بعد ذلك. فأتى آدم البيت فطاف به، ومن بعده من الأنبياء.
وقال ابن جرير (^٦): حَدَّثَنَا (ابن حميد) (^٧)، حَدَّثَنَا يعقوب (القمي) (^٨)، عن حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: وضع الله البيت على أركان الماء، على أربعة أركان، قبل أن تخلق الدنيا بألفى عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت.
وقال محمد بن إسحاق (^٩): حدثني (عبد الله) (^١٠) بن أبي نجيح، عن مجاهد وغيره من أهله العلم: أن الله لما بوأ إبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام، وخرج معه بإسماعيل وبأمه
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٢٠٣٧). [وصحح سنده الحافظ ابن كثير، والخبر من الإسرائيليات].
(٢) في "تفسيره" (٢/ ٣٤) ومن طريقه ابن جرير (٢٠٤٢). [وسنده صحيح لكنه من الإسرائيليات].
(٣) ساقط من (ز) و(ض) و(ك) و(ن) و(ى) وأشار ناسخ (ى) إلى أنها ثبتت في نسخة.
(٤) ساقط من (ز) و(ض).
(٥) في (ز) و(ض): "المفازة"؛ وفي (ك): "المفاوزة"!
(٦) في "تفسيره" (٢٠٤٦) وابن حميد هو محمد وتقدم ذكرنا لضعفه.
(٧) في (ج) و(ل): "أبو حميد"!
(٨) في (ك): "النقسمي"!
(٩) ومن طريقه ابن جرير (٢٠٤٨) وفي إسناده محمد بن حميد وسلمة بن الفضل. ولكن أخرجه الأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ٥٤) قال: حدثني جدي، قال: حدثني سعيد بن سالم، عن عثمان بن ساج، أخبرني محمد بن إسحاق، حدثني ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وعثمان هذا ترجمه البخاري (٣/ ٢٢٧/٢)؛ وابن أبي حاتم (٣/ ١/ ١٥٣) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. ولم أره في "فهارس الثقات" لابن حبان.
(١٠) ساقط من (ز) و(ض).
[ ١ / ٦٣٢ ]
هاجر، وإسماعيل طفل صغير يرضع، وحُملوا - فيما حدثني - على البراق، ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم. وخرج معه جبريل، فكان لا يمر بقرية إلا قال: أبهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل: امضه. حتَّى قدم به مكة، وهي إذ ذاك (عضاه) (^١) سلم (وسمر و) (^٢) بها أناس يقال لهم: "العماليق" خارج مكة وما حولها. والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة (^٣)، فقال إبراهيم لجبريل: أها هنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم. فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشًا، فقال: (ربِّ (^٤) ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
وقال عبد الرزاق (^٥): أخبرنا هشام بن حسان، أخبرني حميد، عن مجاهد، قال: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئًا بألفي سنة، وأركانه في الأرض السابعة.
وكذا قال ليث بن أبي سليم (^٦)، عن مجاهد: القواعد في الأرض السابعة.
وقال ابن أبي حاتم (^٧): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا عمرو بن رافع، حَدَّثَنَا عبد الوهاب بن معاوية، عن عبد المؤمن بن خالد، عن علباء بن أحمر: أن ذا القرنين قدم مكة فوجد إبراهيم وإسماعيل يبنيان قواعد البيت من خمسة أجبل. فقال: ما لكما ولأرضى؟ (فقالا) (^٨): نحن عبدان مأموران، أُمرنا ببناء هذه الكعبة. قال: فهاتا بالبينة على ما تدعيان. فقامت خمسة أكبش، فقلن: نحن نشهد أن إبراهيم وإسماعيل عبدان مأموران، أَمرا ببناء هذه الكعبة. فقال: قد رضيت وسلمت. ثم مضى.
وذكر الأزرقي في "تاريخ مكة" (^٩) أن ذا القرنين طاف مع إبراهيم ﵇، بالبيت، وهذا يدلُّ على تقدم زمانه، واللّه أعلم.
_________________
(١) في (ن): "عظاه" ووقعت العبارة في (ج) و(ل) و(ن): عضاه وسلم وسمر. والعضاه: كل شجر يعظم وله شوك شديد. والسلم والسمر: ضربان من شجر العضاه.
(٢) في (ل): "وسكنوا".
(٣) المدرة: طين يابس لزج لا رمل فيه، وهو الطين الخالص.
(٤) كذا في سائر "الأصول"؛ وفي "تفسير الطبري". ووقع في (ز): "ربنا" على قراءة المصحف، وأظن أن المحققين غيروها. والله أعلم.
(٥) ومن طريقه ابن جرير (٢٠٤٩) وسنده صحيح؛ وأخرجه الأزرقي في "أخبار مكة" (١/ ٣١، ٣٢) من طريق هشام بن حسان. وحميد هو ابن هلال.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٤٠) قال: حَدَّثَنَا الحسن بن محمد بن الصباح، ثنا عثمان، ثنا عبد الواحد، ثنا ليث عن مجاهد. وقوله: "عثمان" هو عندي خطأ وتصحيف صوابه فيما أرى: "عفان" وهو ابن مسلم. والله أعلم وليث بن أبي سليم ضعيف الحديث.
(٧) في "تفسيره" (١٢٤١). وأيضًا (١٢٤٨) مختصرًا. وإسناده حسن إلى علباء بن أحمر. وعبد الوهاب بن معاوية. قال أبو حاتم، كما في "الجرح والتعديل" (٣/ ١/ ٧٢، ٧٣): "صالح الحديث" وعبد المؤمن بن خالد. ذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ١٣٧)؛ وقال أبو حاتم: "لا بأس به" كما في "الجرح" (٣/ ١/ ٦٦). [والخبر من الإسرائيليات].
(٨) في (ز): "فقال".
(٩) (١/ ٧٤) بإسناده عن عطاء بن السائب أن إبراهيم ﵇ رأى رجلًا يطوف بالبيت فأنكره فسأله: ممن أنت؟ فقال: من أصحاب ذي القرنين. قال: وأين هو؟ قال: هو ذا بالأبطح، فتلقاه إبراهيم فاعتنقه، فقيل لذي =
[ ١ / ٦٣٣ ]
وقال البخاري (^١) ﵀: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ الآية: القواعد: أساسه واحدها: قاعدة. والقواعد من النساء: واحدتها قاعد.
حَدَّثَنَا إسماعيل، حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبر عبد الله بن عمر، عن عائشة زوج النَّبِيّ ﷺ: أن رسول الله ﷺ قال: "ألم (تري) (^٢) أن قومك حين بنوا (الكعبة) (^٣) اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ " فقلت: يا رسول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: "لولا حدثان قومك بالكفر". فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت (هذا) (^٤) من رسول الله ﷺ ما أرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم ﵇.
وقد رواه في "الحج" (^٥) عن القعنبي، وفي "أحاديث (الأنبياء) (^٦) "عن عبد الله بن يوسف (^٧). ومسلم (^٨)، عن يحيى بن يحيى، ومن حديث ابن وهب (^٩). والنسائي (^١٠) من حديث عبد الرحمن بن القاسم، كلهم عن مالك (^١١)، به.
ورواه مسلم (^١٢) أيضًا من حديث نافع، قال: سمعت عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن أبي قحافة يحدث عبد الله بن عمر، عن عائشة، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية - أو قال: بكفر - لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها الحجر".
وقال البخاري (^١٣): حَدَّثَنَا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود،
_________________
(١) = القرنين: لم لا تركب؟ قال: ما كنت لأركب وهذا يمشي. فحج ماشيًا. ولا يصح إسناده إلى عطاء. [والخبر من الإسرائيليات].
(٢) في "كتاب التفسير" (٨/ ١٧٠).
(٣) في (ج) و(ض) و(ل): "تر".
(٤) كذا في (ج) و(ض) و(ك) و(ل) وهو الموافق لما في "البخاري". ووقع في (ز) و(ن) و(ى): "البيت".
(٥) في (ل): "ذلك".
(٦) (٣/ ٤٣٩). وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" (٣٠٩٦) من طريق محمد بن غالب تمتام وأبي مسلم الكشي؛ والبيهقي (٥/ ٨٨، ٨٩) من طريق عثمان بن سعيد قالوا: ثنا القعنبي، وهو عبد الله بن مسلمة، ثنا مالك بسنده سواء.
(٧) ساقط من (ج).
(٨) هو في "كتاب الأنبياء" (٦/ ٤٠٧).
(٩) رقم (١٣٣٣/ ٣٩٩)؛ وأخرجه البيهقي (٥/ ٨٨، ٨٩) من طريق محمد بن عبد السلام ثنا يحيى بن يحيى بهذا الإسناد سواء.
(١٠) هذا وهم من المصنف ﵀، فلم يخرجه مسلم من حديث ابن وهب عن مالك. ولكن خرجه من طريق ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه، عن نافع عن عبد الله بن أبي بكر، عن عائشة. وذكر مسلم هذا الطريق عقب طريق مالك، فسبق نظر المصنف ﵀. أما طريق ابن وهب عن مالك فأخرجه الطحاوي في "شرح المعاني) (٢/ ١٨٥) قال: حَدَّثَنَا يونس بن عبد الأعلى، أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه ثم ذكر مثله.
(١١) في "كتاب الحج" من "المجتبى" (٥/ ٢١٤، ٢١٥) ومن "السنن الكبرى" (٢/ ٣٩١) وفي "كتاب العلم" (٣/ ٤٥٤، ٤٥٥ - الكبرى).
(١٢) وهو في "الموطأ" (١/ ٣٦٣، ٣٦٤/ ١٠٤).
(١٣) في "صحيحه" (١٣٣٣/ ٤٠٠)؛ وأبو نعيم في "المستخرج" (٣٠٩٧) من طريقين عن ابن وهب قال: أخبرني مخرمة بن بكير، عن أبيه، عن نافع به.
(١٤) في "كتاب العلم" (١/ ٢٢٤).
[ ١ / ٦٣٤ ]
قال: قال لي ابن الزبير: كانت عائشة تسر إليك حديثًا كثيرًا، فما حدثتك في الكعبة؟ قال: قلت: قالت لي: قال النَّبِيّ ﷺ: "يا عائشة، لولا قومك حديث عهدهم - فقال ابن الزبير: بكفر - لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين: بابًا يدخل منه الناس، وبابًا يخرجون". ففعله ابن الزبير.
انفرد (^١) بإخراجه البخاري، فرواه هكذا في "كتاب العلم" من "صحيحه".
وقال مسلم في "صحيحه" (^٢): حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ: "لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم، فإن قريشًا حين بنت (البيت) (^٣) استقصرت، ولجعلت لها خلفًا".
قال (^٤): وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، قالا: حَدَّثَنَا ابن نمير، عن هشام بهذا الإسناد. انفرد (^٥) به مسلم.
قال (^٦): وحدثني محمد بن حاتم، حدثني ابن مهدي، حَدَّثَنَا سليم بن حيان، عن سعيد - يعني: ابن ميناء - قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: حدثتني خالتي - يعني: عائشة ﵂ - قالت: قال النَّبِيّ ﷺ: "يا عائشة، لولا قومك حديثو (عهد) (^٧) بشرك، لهدمت الكعبة، فألزقتها بالأرض، ولجعلت لها: بابًا شرقيًا، وبابًا غربيًا، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر؛ فإن قريشًا اقتصرتها حيث بنت الكعبة". انفرد به أيضًا.