إذا لم تجد التَّفسير في القرآنِ ولا في السُّنَّةِ، ولا وجدتَّهُ عن الصَّحابَةِ، فقد رجع كثير (مِن) (^٢) الأئمَّةِ في ذلكَ إلى أقوالِ التَّابعينَ، كمجاهدِ بنِ جَبْرٍ؛ فإنَّهُ كان آيةً في التَّفْسِيرِ، كما قال محمَّدُ بْنُ إسحاقَ (^٣): حدَّثنا أَبانُ بنُ صالحٍ، عن مُجَاهِدٍ؛ قال: عرضتُ المصحفَ على ابنِ عبَّاسٍ ثلاثَ عَرْضاتٍ مِنْ فاتِحتِه إلى خاتِمَتِهِ، أُوقِفُهُ عند كُلِّ آيةٍ منه، وأسألُهُ عنها.
وقَالَ ابنُ جَرير (^٤): حدثنا أبو كُرَيبٍ، ثنا طَلْقُ بنُ غَنَّام، عن عثمَانَ المكيِّ، عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ؛ قَالَ: رَأَيتُ مجاهدًا سأَلَ ابْنَ عبَّاسٍ عن تفسيرِ القرآنِ ومعه ألواحُهُ؛ قَالَ: فيقولُ له ابنُ عبَّاسٍ: اكتُبْ، حتَى سألَهُ عن التَّفسيرِ كُلِّهِ.
ولهذا كان سفيانُ (^٥) الثَّوريُّ يقولُ: إذا جاءَكَ التفسيرُ عن مُجاهدٍ فحَسْبُكَ بِهِ.
وكسعيدِ بنِ جُبيرٍ، وعِكْرمةَ مولى ابنِ عبَّاسٍ، وعَطاءِ بنِ أبي رباحٍ، والحسنِ البصريِّ، ومسروقِ بنِ الأجْدَعِ، وسَعِيدِ بنِ المسيَّب، وأَبي العالية، والرَّبيعِ بْنِ أَنسٍ، وقَتَادةَ، والضحاكِ بن مُزَاحمٍ، وغيرِهِم من التَّابعين وتابعيهم ومَنْ بعدهم، فَتُذْكرُ أقوالُهُم في الآيةِ فيقَعُ في عِبَاراتِهِم تبَاينٌ في الألفاظ يَحْسَبُها (بعض) (^٦) مَنْ لا عِلْمَ عندَهُ اختلافًا فيحكيها أَقْوَالًا؛ وليسَ كذلكَ؛ فإنَّ منهم من يعبِّرُ عن الشَّيءِ بلازمِهِ أو بِنَظيرِهِ، ومنهم من يَنُصُّ على الشَّيءِ بعينِهِ، والكلُّ بمعنىً واحدٍ (في كثيرٍ من) (^٧) الأماكنِ، فَلْيتَتَفطَّنِ اللَّبيبُ لذلك. والله الهادي.
وقال شعبةُ بنُ الحجَّاجِ وغيرُهُ: أقوالُ التَّابعينَ في الفُرُوعِ ليست حُجَّةً، فكيفَ تكون حجةً في التفسير؟ يعنى أنها لا تكون حجةً على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على
_________________
(١) إشارة إلى ما أخرجه البخاري (٩/ ٣١٧)؛ ومسلم (٢١٣٠/ ١٢٧).
(٢) ساقط من (ج).
(٣) أخرجه الطبري (١٠٨)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٧٩، ٢٨٠)، ومن طريقه الذهبي في "التذكرة" (٢/ ٧٠٦)؛ وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (ج ١٦/ ل ٢٥٢) من طريق ابن إسحاق بسنده سواء. قال الذهبي: "هذا حديث حسن الإسناد"، وأخرجه أحمد في "الفضائل" (١٨٦٦)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥٥٩) من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله.
(٤) في "تفسيره" (١٠٧)، ورجاله ثقات إلا عثمان المكي، ولعله عثمان بن أبي الكنات. ترجمه ابن أبي حاتم (٣/ ١/ ١٦٥) وقال: "روى عن ابن أبي مليكة، روى عنه البصريون ويسرة بن صفوان" وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٢٠١). ويحتمل أن يكون: عثمان بن الأسود المكي، أو عثمان بن صفوان. والله أعلم.
(٥) أخرجه ابن جرير (١٠٩) قال: حدثني عبيد الله بن يوسف الجبيري، عن أبي بكر الحنفي، قال: سمعت سفيان الثوري فذكره. وسنده جيد.
(٦) زيادة من (ح) و(ل).
(٧) في (ن): "في أكثر".
[ ١ / ١٠ ]
الشيء فلا يرتابُ في كونه حجة؛ فإن اختلفوا فلا يكون قولُ بعضِهِمْ حجةً على (قول) (^١) بعض، ولا على مَنْ بعدهم؛ ويُرجع في ذلك إلى لغةِ القرآن، أو السنَّة، أو عموم لغةِ العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك.
فأما تفسيرُ القرآنِ بمجرَّدِ الرَأي فحرامٌ لما رواهُ (الإمامُ) (^٢) محمدُ بنُ جريرٍ ﵀ (تعالى) (^٣) حيث قال (^٤):
حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا سفيان، حدثني عبد الأعلى -هو ابن عامر الثعلبي- عن سعيد بن جُبير، عن ابنِ عبَّاسٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ؟ قال: "مَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِرَأيِهِ، أَوْ بِمَا لا يَعْلَمُ، فليتبوَّأ مقعدَهُ مِنَ النَّارِ".
وهَكَذَا أخرجهُ التِّرمِذِيُّ (^٥)، والنسائيُّ (^٦) من طُرُقٍ عن سُفيانَ الثَّوريِّ، به؛ ورواه أبو دَاوُدَ (^٧)، عن مُسَدَّدٍ، عن أبي عَوَانَةَ، عن عبدِ الأعلى، به، (مَرْفُوعًا) (^٨).
وَقَالَ التِّرمِذِيُّ: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ".
وهكذا رواهُ ابن جرير (^٩) أيضًا عن يحيى بن طلحة اليَرْبُوعي، عن شَريك، عن عبد الأعلى، به، مرفوعًا؛ ولكن رواه (^١٠) عن محمدِ بْنِ حُميدٍ، عن الحكم بن بشير، عن عمرو بنِ قيسٍ المَلائيِّ، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدٍ، عن ابْنِ عبَّاسٍ فَوَقَفَهُ، (١/ ٤/ ١).
_________________
(١) زيادة من (ن). ووقعت في (ز): "فلا يكون بعضهم حجةً على بعض".
(٢) زيادة من (ل).
(٣) زيادة من (ن).
(٤) في "تفسيره" (٧٤).
(٥) في "سننه" (٢٩٥١).
(٦) في "فضائل القرآن" (١٠٩، ١١٠).
(٧) كما في "أطراف المزي" (٤/ ٤٢٣). وهذا الحديث لا يوجد في نسخ السنن التي بأيدينا؛ لأنها من رواية اللؤلؤي، وقد وقع في رواية ابن العبد كما قال العراقي في "تخريج الإحياء" (١/ ٣٧)، والزبيدي في "الإتحاف" (٤/ ٥٢٦). وابن العبد؛ هو: علي بن الحسن بن العبد الأنصاري، أحد رواة "سنن أبي داود" والله الموفق.
(٨) زيادة من (ك) و(ن).
(٩) في "تفسيره" (٧٣). وأخرجه أيضًا أحمد (٢٠٦٩، ٢٤٢٩، ٢٩٧٦، ٣٠٢٥)؛ وأبو يعلى (ج ٤/ رقم ٢٥٨٥) بزيادة في أوله، والبزار في "مسنده" (ج ٢/ ق ٢٦٥، ٢٩٣)؛ والطحاوي في "المشكل" (١/ ١٦٧، ١٦٨)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ١٢/ رقم ١٢٣٩٢)؛ وأبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (١/ ٣٩٦)؛ وابن بطة في "الإبانة" (٧٩٩، ٨٠٥) وآخرون من طرق عن عبد الأعلى بن عامر بسنده سواء. وسنده ضعيف لأجل عبد الأعلى هذا، ووهم المنذري ﵀ وهمًا شديدًا إذ قال في "الترغيب" (١/ ١٢١): "رواه أبو يعلى ورواته ثقات محتج بهم في الصحيح"!! كذا قال! وعبد الأعلى بن عامر ما أخرجا له شيئًا أصلًا، لا احتجاجًا ولا متابعة.
(١٠) يعني ابن جرير (رقم ٧٦) وسنده ضعيف جدًا، ومحمد بن حميد واه. ورواه وكيع بن الجراح، عن الثوري، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٢) ونجم الدين النسفي في "ذكر علماء سمرقند" (رقم ٨٠٧) عن وكيع هكذا موقوفًا وقد رواه عن الثوري جماعة من الثقات مرفوعًا كما مر ذكره، وهذا الاختلاف من عبد الأعلى بن عامر.
[ ١ / ١١ ]
وعن (^١) محمد بن حُميدٍ، عن جرير، عن ليثٍ، عن بكرٍ، عن سعيدِ بْنِ جُبير، عن ابنِ عبَّاسٍ من قوله. فالله أعلم.
وقال ابن (^٢) جرير: حدَّثنا العباس بن عبد العظيم العَنْبَرِي، حدثنا حَبَّان (^٣) بن هلالٍ، حدثنا سهيلٌ أخو حزمٍ، حدَّثنا أبو عِمْران الجَوْنى، عن جُنْدَبٍ -أنَ رسولَ الله ﷺ- قال: "مَنْ قَالَ في القُرْآنِ برأيِهِ فقد أَخْطَأَ" (^٤).
وقد روى هَذَا الحديثَ أبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ، والنَّسائيُّ، مِنْ حديثِ سهيلِ بن أَبِي حَزْم (القُطعي) (^٥).
وقال الترمذيُّ: "غريبٌ. وقد تكلَّم بعضُ أهلِ العلم في سُهَيْلٍ".
_________________
(١) أخرجه ابن جرير أيضًا (٧٧) بلفظ: "من تكلم في القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده من النار" وسنده كسابقه، وليث هو ابن سليم، والكلام فيه مشهور. وبكر هو ابن سوادة. وزعم محقق أبي يعلى (٤/ ٢٢٨) أن بكرًا تابع عبد الأعلى الثعلبي، وهو قد خالفه فأوقفه كما ترى. والله أعلم. وهذا الحديث لا يصح مرفوعًا ولا موقوفًا، إذ مداره على عبد الأعلى وقد ضعفه أحمد وأبو زرعة وابن سعد. وقال أبو حاتم، وابن معين، والنسائي، والدارقطني: "ليس بالقوي". وقال الحافظ في "التهذيب": "وصحح له الحاكم، وهو من تساهله". ولكن وجدت له طريقًا آخر مرفوعًا. أخرجه ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٣٦٨) قال: حدثنا محمد بن المنذر، عن عبد الله بن شيبة الصغاني عن أبي عاصم النبيل، ثنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعًا: "من قال في القرآن برأيه … الحديث". وهذا إسناد ضعيف أيضًا. وعبد الله بن شيبة لا أعرف من حاله شيئًا. وابن جريج مدلس وقد عنعنه. والله أعلم.
(٢) في "تفسيره" (رقم ٨٠).
(٣) وقع في (ن): "حيان" بالياء وهو خطأ.
(٤) ضعيف. أخرجه أبو داود (٣٦٥٢)؛ والنسائي في "الفضائل" (١١١)؛ والترمذي (٢٩٥٣) من طرق عن سهيل بن أبي حزم، ثنا أبو عمران الجوني، عن جندب مرفوعًا. ومن هذا الوجه: أخرجه ابن أبي حاتم في "العلل" (ج ٢/ رقم ١٦٨٠)؛ وأبو يعلى في "المسند" (٣/ ٩٠)؛ وفي "المفاريد" (٣٢)؛ والروياني في "مسنده" (ج ٢٨/ ق ١٧٣/ ٢)؛ والطبراني في (ج ٢/ رقم ١٦٧٢)؛ وفي (الأوسط) (ج ٢/ ق ١٠/ ٢)؛ وابن عدي في "الكامل" (٣/ ١٢٨٨)؛ وابن بطة في "الإبانة" (٧٩٨، ٨٠٦)؛ والبيهقي في "الشعب" (ج ٥/ رقم ٢٠٨١) وآخرون. وعزاه الزبيدي في "الإتحاف" (٤/ ٥٢٦) لابن حبان فوهم. وقال البغوي في شرح السنة (١/ ٢٥٩): "غريب" وكذا نقل المصنف عن الترمذي وسبقه المزي في "الأطراف" (٢/ ٤٤٤) ولكني لم أجد هذا النقل في "المطبوعة، وفيها سقط كثير". فالله المستعان. وعلى كل حال فالسند ضعيف، وسهيل بن أبي حزم ضعفه أحمد والبخاري وأبو حاتم وغيرهم وقد خالفه حماد بن زيد في إسناده ومتنه كما شرحته في "تسلية الكظيم". وأخرج ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢١٣٠) من طريق محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس مرفوعًا: "من قال في القرآن برأيه، فإن أصاب لم يؤجر". وسنده ساقط، والكلبي تالف البتة، فكذبه غير واحد من النقاد. وفي الباب شواهد أخرى واهية.
(٥) في (ل) و(ن): "القطيعي" وهو خطأ.
[ ١ / ١٢ ]
وفي لفظٍ لهم: "مَنْ قَالَ فِي كِتَاب اللهِ بِرَأيِهِ فَأَصَابَ فَقَد أَخْطَأَ"؛ أَيْ: لأنَّهُ قد تكلَّفَ مَا لَا عِلْمَ له به، وسلكَ غيرَ مَا أُمرَ به، فلَو أنَّهُ أصابَ المعنى في نفْسِ الأَمْرِ لكَانَ قد أَخْطَأَ؛ لأنَّهُ لم يأْتِ الأمرَ من بَابِهِ، كمن حَكَمَ بين النَّاس على جَهْل فهو في النَّار، وإنْ وَافَقَ حكمُهُ الصَّوَابَ في نَفْسِ الأمْرِ، لكن يكونُ أَخَفَّ جُرْمًا ممَّنْ أخَطَأَ. والله أعلَمُ.
وهكذا سمى الله القَذَفَةَ: كاذِبِينِ؛ فقال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] فالقاذفُ كاذبٌ ولو كان قد قَذَفَ مَنْ زَنَى في نفس الأمر؛ لأنه أخبر بما لا يحلُّ له الإخبارُ به؛ ولو كان أخبر بما يعلم؛ لأنه تكلَّفَ ما لا علم له به. والله أعلم.
ولهذا تحرَّج جماعةٌ من السَّلَفِ عن تفسيرِ ما لا عِلْمَ لهم به، كما روى شُعبةُ (^١)، عن سليمان، عن عبد الله بن مُرّة، عن أبي مَعْمَر؛ قال: قال أبو بكر الصِّدِّيقُ ﵁: أيُّ أرضٍ تُقِلُّني؛ وأيُّ سماءٍ تظلُّني، إذَا قُلتُ في كتابِ اللهِ (بِمَا) (^٢) (لا) (^٣) أعلم.
وقال أبو عبيدٍ (^٤) القاسمُ بنُ سَلَّامٍ: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن العوَّم بنِ حَوْشب، عن إبراهيمَ التَّيميِّ، أن أبا بكر الصدِّيقَ سُئل عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس] فقال: أيُّ سماءٍ تظلُّني؛ وأيُّ أرضٍ تُقِلُّني، إذا أَنَا قلتُ في كتابِ الله ما لا أعلمُ. مُنْقَطِعٌ.
_________________
(١) إسناده ضعيف. أخرجه ابن جرير (٧٩) قال: حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة بإسناده سواء. وأخرجه مسدد في "مسنده" كما في "المطلب العالية" (٣/ ٣٠٠) وعبد بن حميد - كما في "الفتح" (١٣/ ٢٧١) وهذا سند رجاله ثقات، ولكنه منقطع بين أبي معمر، -واسمه: عبد الله بن سخبرة-، وبين أبي بكر الصديق ﵁، كما صرح به الحافظ.
(٢) في (ن): "ما".
(٣) في (ع): "لم".
(٤) إسناده ضعيف. أخرجه أبو عبيد في "الفضائل" (٥٨/ ١)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٣)؛ وعبد بن حميد، كما في "الدر المنثور" (٦/ ٣١٧)، وهو منقطع كما ذكر المصنف ﵀، وسبقه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "أصول التفسير" (١٠٨) وتلاهما ابن حجر في "الفتح" (١٣/ ٢٧١) وقد خولف العوام بن حوشب فيه. خالفه الحسن بن عبيد الله، فرواه عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن أبي بكر الصديق ﵁. فزاد: "أبا معمر" في سنده. أخرجه ابن جرير (٧٨)؛ وابن عبد البر في "الجامع" (٢/ ٥٢) من طريق حفص بن غياث، عن الحسن به وهو منقطع أيضًا كما تقدم. وأخرج البيهقي في "المدخل" (٧٩٢) عن سعيد بن منصور وهو في "تفسيره" (٣٩) ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، قال: سئل أبو بكر الصديق عن آية من كتاب الله ﷿ … فذكر نحوه. قال البيهقي في "الشعب" (٥/ ٢٢٨): "ابن أبي مليكة عن أبي بكر مرسل". وأخرج ابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٢)؛ والخطيب في "الجامع" (٢/ ١٩٣) من طريقين عن الحسن بن عمرو، عن عامر الشعبي، عن أبي بكر ﵁ نحوه. وهذا منقطع أيضًا. وأخرجه البيهقي في "الشعب" (ج ٥/ رقم ٢٠٨٢) من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن القاسم، عن أبي بكر به. ورواية حماد بن سلمة عن علي بن زيد مقاربة، فقد كان أثبت الناس فيه كما قال أبو حاتم، لكنه منقطع بين القاسم وجده ﵁.
[ ١ / ١٣ ]
[وقال أبو (^١) عبيدٍ أيضًا: حدثنا يزيدٌ، عن حُميدٍ، عن أنسٍ -أنَّ عمرَ بْنَ الخطَّابِ قرأ على المنبر ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ فقال: هذه الفاكهةُ قد عرفناهَا، فما الأبُّ؟ ثم رجَعَ إلى نفسِهِ، فقال: إنَّ هذا لهو التكلُّفُ يا عمرُ!
وقال (محمد بن سعدٍ) (^٢): حدَّثنَا سليمانُ بنُ حرب، حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ؛ قال: كُنَّا عند عمرَ بْنِ الخطَّاب ﵁ وفي ظَهْرِ قميصِهِ أربعُ رِقاعٍ، فقرأ: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ فقال: فما الأبُّ؛ ثم قال: إنَّ هذا لهو التكلُّف؛ فما عليكَ أن لا تَدْريه؟] (^٣).
وهذا كُلُّه محمولٌ على أنَّهُما ﵄ إنما أرادَا استكشافَ عِلْم كيفيَّةِ الأبِّ، وإلّا فكونه نَبْتًا من الأرضِ ظَاهرٌ لا يُجْهَل؛ (لقوله) (^٤) تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا﴾ [عبس: ٢٧، ٢٨].
وقال ابنُ جريرٍ (^٥): حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدثنا ابنُ عُلَيَّة، عن أيُّوبَ، عن ابنِ أبي مُلَيكَةَ: أنَّ ابنَ عبَّاسٍ سُئل عن آيةٍ لو سُئلَ عنها بعضُكُم لقال فيها، فأبى أن يقولَ فيها.
"إسْنَادٌ" (^٦) صَحِيْحٌ.
وقال أبو عبيدٍ: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبي مُليكة، قال: سأل رجل ابْنَ عباس عن ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥]؟ فقال له ابن عباس: فما ﴿يَوْمٍ كَانَ (١/ ٤/ ٢) مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]؟ فقال له الرَّجُلُ: إِنَّما سألتُك لتحدِّثني؛ فقال ابنُ عبَّاسٍ: هما يومانِ ذكرهُما الله في كِتَابه الله أعلمُ بهما، فكره أنْ يقولَ في كتاب الله ما لا يعلم.
وقال (أيضًا) (^٧) ابنُ جريرٍ (^٨): حدَّثني يعقوبُ -يعني: ابنَ إبراهيمَ- ثنَا ابنُ عُلَيَّة، عن مَهْديِّ بنِ
_________________
(١) إسناده صحيح. أخرجه أبو عبيد (٥٨/ ١)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٢، ٥١٣)؛ وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ق ١٨٦/ ١)؛ والحاكم (٢/ ٥١٤)، وعنه البيهقي في "الشعب" (ج ٥/ رقم ٢٠٨٤) من طريق يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي.
(٢) ووقع في (ز) و(ك): "عبد بن حميد". وقد أخرجه عبد بن حميد في "تفسيره" - كما في "الفتح" (١٣/ ٢٧١)؛ وابن سعد (٣/ ٣٢٧) قالا: حدثنا سليمان بن حرب بسنده سواء. وأخرجه البخاري (١٣/ ٢٦٤، ٢٦٥) قال: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: كنا عند عمر فقال: "نهينا عن التكلف". هكذا أخرجه البخاري مختصرًا. وتكلم عليه الحافظ في "الفتح" بما يجدر أن يراجع. وأخرجه ابن جرير (٣٠/ ٦٠، ٦١)؛ وعبد بن حميد كما في "الفتح"؛ والبيهقي في "الشعب" (ج ٥/ رقم ٢٠٨٤)؛ والجوزقاني في "الأباطيل" (٧٠٤) من طرق عن الزهري، عن أنس. وسنده صحيح أيضًا. وقال الجوزقاني: "هذا حديث صحيح".
(٣) ساقط من (ن).
(٤) في (ن): "كقوله".
(٥) في "تفسيره" (٩٨) وسنده صحيح.
(٦) في (ل) و(ن): "إسناده".
(٧) في (ن): "ابن جرير أيضًا".
(٨) في "تفسيره" (٩٩) وسنده صحيح. والوليد بن مسلم هو ابن شهاب العنبري أبو بشر البصري وثقه ابن معين وأبو حاتم وابن حبان.
[ ١ / ١٤ ]
ميمونٍ، عن الوليدِ بنِ مسلمٍ؛ قال: جاء طَلْقُ بن حبيبٍ إلى جُنْدُب بنِ عبد الله، فسأله عن آيةٍ من القرآنِ. فقال: أُحرِّجُ عليك إن كنْتَ مسلمًا لما قمْتَ عني -أو قالَ-: أَن تُجالسني.
وقال مالك (^١)، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب - أنه كان إذا سُئلَ عن تفسير آيةٍ من القرآنِ قال: إنَّا لا نقولُ في القرآنِ شَيئًا.
وقال الليث (^٢)، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب - إنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن.
وقال شعبة (^٣)، عن عمرو بن مرة؛ قال: سأل رجلٌ سعيدَ بن المسيَّب عن آيةٍ من القرآنِ، فقال: لا تسألني عن القرآن، وسَلْ مَنْ يزعُم أنَّه لا يخفى عليه منه شيءٌ -يعني عِكْرمةَ-.
وقال ابن شَوْذَب (^٤): حدَّثني يزيد (بن أبي يزيد) (^٥)، قال: كُنَّا نَسألُ سعيدَ بنَ المسيَّبِ عن الحرَامِ والحَلَالِ، وكانَ أعلمَ النَّاسِ، فإذا سألناهُ عن تفسيرِ آيةٍ من القرآن سكت كأن لم يسمع.
وقال ابنُ جريرٍ (^٦): حدَّثني أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، ثَنَا حمَّادُ بن زيدٍ، ثَنَا عبيد الله بن عمر؛ قال: لقد أدركتُ فُقَهاءَ المدينةِ وإِنَّهم لُيَعظِّمونَ القولَ في التفسير؛ منهم سالمُ بنُ عبدِ الله، والقاسمُ بنُ محمدٍ، وسعيدُ بنُ المسيَّبِ، ونَافعٌ.
وقَالَ أبو عبيدٍ (^٧): حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح، عن (الليث) (^٨)، عن هشام بن عُرْوَة، قال: ما سمعت أبي يؤوِّل آيةً من كتابِ الله قطُّ.
وقال أيوبُ (^٩)، وابنُ عَوْنٍ، وهشامٌ الدَّسْتُوائيُّ، عن محمدِ بنِ سيرينَ؛ سألتُ عَبِيدة -يعني: السلْمَانِيَّ- عن آيةٍ من القرآنِ، فقال: ذَهَبَ الذينَ كانوا يعلمُون فيمَ أنْزِل القرآنُ. فاتَّق الله، وعليك بالسَّدادِ.
وقال أبو عُبيدٍ (^١٠): حدَّثنا معاذٌ، عن ابن عَوْنٍ، عن عبدِ الله بنِ مسلم بن يَسَارٍ، عن أَبِيهِ؛ قال: إذا حدّثْتَ عن الله حديثًا فقِفْ حتَّى تنظُرَ ما قبلَهُ وما بعدَهُ.
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٩٣، ٩٤)؛ وابن سعد (٥/ ١٣٧) من طرق عن مالك بسنده سواء. وسنده صحيح.
(٢) أخرجه ابن جرير (٩٥) قال: حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت الليث … فذكره وهذا سند صحيح. وتابعه عبد الله بن صالح، عن الليث به. أخرجه أبو عبيد في "الفضائل" (٥٨/ ١، ٢).
(٣) أخرجه أبو عبيد (ق ٥٨/ ٢)؛ وابن جرير (١٠١)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١١) من طريق محمد بن جعفر، أخبرنا شعبة بسنده سواء. وسنده صحيح.
(٤) أخرجه ابن جرير (١٠٠) قال: حدثني عباس بن الوليد، قال: أخبرني أبي، قال: حدثنا عبد الله بن شوذب بسنده سواء. وسنده صحيح.
(٥) ساقط من (ج).
(٦) في "تفسيره" (٩٢) وسنده صحيح.
(٧) في "فضائل القرآن" (٥٨/ ٢) وسنده جيد.
(٨) في (ن): "ليث".
(٩) أخرجه ابن جرير (٩٧) قال: حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن أيوب، وابن عون، عن ابن سيرين به. وأخرجه أبو عبيد (٥٨/ ٢)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١١)؛ وسعيد بن منصور في "تفسيره" (٤٤)؛ والبيهقي في "الشعب" (ج ٥/ رقم ٢٠٨٥) من طريق آخر عن ابن عون به. وسنده صحيح.
(١٠) في "الفضائل" (٥٨/ ٢) وسنده صحيح.
[ ١ / ١٥ ]
حدَّثَنا (^١) هُشيمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبْرَاهيمَ؛ قال: كانَ أصحابنا يتَّقُونَ التَّفسيرَ ويهابُونَه.
وقال شعبة (^٢)، عن عبد الله بن أبي السّفَر؛ قال: قال الشعبي: والله ما من آيةٍ إلا وقد سألتُ عنها، ولكنَّها الرِّوايةُ عن الله ﷿.
وقال أبو عُبيدٍ (^٣): حدَّثنا هُشَيمٌ، حدثنا عمرُ بنُ أَبِي زَائِدَةَ، عن الشَّعبيِّ، عن مسروقٍ؛ قال: اتَّقُوا التفسيرَ؛ فَإنَّما هو الرِّوايةُ عنِ الله.
فهذه الآثارُ الصَّحيحةُ وما شَاكَلَهَا عن أئمَّة السَّلفِ محمولةٌ على تحرُّجِهِم عن الكلامِ في التفسيرِ بما لا علم لهم فِيهِ.
فأما مَنْ تكلَّم بما يعلمُ من ذلك لُغةً وشَرْعًا فلا حَرجَ عليه؛ ولهذا رُوى عن هؤلاءِ وغيرِهِم أقوالٌ في التفسيرِ؛ ولا مُنافَاةَ؛ لأنَّهم تكلَّموا فيما عَلِموهُ وسكَتُوا عما جَهِلوهُ. وهذا هو الواجبُ على كلِّ أحدٍ؛ فإنَّه كما يجبُ السكوتُ عما لا علم له به فكذلك يجبُ القولُ فيما سُئل عنه بما يعلمُهُ؛ لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]؛ ولمَا جَاءَ في الحديثِ (المرويِّ) (^٤) (١/ ٥/ ١) من طرقٍ: "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلجِمَ يومَ القِيَامَةِ بلجامٍ من نَّارٍ" (^٥).
(فَأَمَّا) (^٦) الحديثُ الَّذي رواه أبو جعفر (^٧) بنُ جريرٍ: حدَّثنا عبَّاسُ بنُ عبدِ العظيمِ، حدثنا
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في "الفضائل" (٥٨/ ٢). وأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٢)؛ والبيهقي في "الشعب" (٢٠٨٩) عن الثوري؛ وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٢٢٢) عن جرير كلاهما عن مغيرة، عن إبراهيم فذكره. وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه ابن جرير (١٠٢) قال: حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا سعيد بن عامر، عن شعبة بسنده سواء. وإسناده صحيح.
(٣) في "الفضائل" (ق ٥٨/ ٢) وسنده صحيح. تنبيه: شيخ هشيم في هذا الأثر هو: عمر بن أبي زائدة، ووقع في "المطبوعات" التي وقفت عليها من "تفسير ابن كثير": "عمرو" بالواو، فرجح الشيخ مقبل بن هادي حفظه الله في تحقيقه لـ"التفسير" أنه عمرو بن دينار قال: "قد ذكروه من مشايخ هشيم ويكون السند هكذا: هشيم، حدثنا عمرو وابن أبي زائدة. وابن أبي زائدة هو زكريا". اهـ. وقد علمت الصواب وأنه عمر بن أبي زائدة وهو أخو زكريا وقد وثقه ابن معين وغيره وأثنى عليه أحمد.
(٤) في (ن): "الذي روى".
(٥) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (١٠/ ٩١ - عون)؛ والترمذي (٧/ ٤٠٧، ٤٠٨ تحفة)؛ وابن ماجه (٢٦١)؛ وأحمد (٢/ ٢٩٦، ٢٩٩، ٥٠٨)؛ والطيالسي (٢٥٣٤)؛ وأبو يعلى (١١/ ٢٦٨)؛ وابن حبان (٩٥)؛ والحاكم (١/ ١٠١) وخلق آخرون من طرق كثيرة عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة مرفوعًا فذكره. قال المصنف في "تفسير سورة البقرة. الآية ١٥٩": "وقد ورد الحديث في "المسند" من طرق يشد بعضها بعضًا". وقال العقيلي: "إسناده صالح". وقال الحافظ في "القول المسدد": "والحديث صالح للحجة". وقد ورد الحديث من طريق جماعة من الصحابة، منهم: "عبد الله بن عمرو، وابن عباس، وابن عمر، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وأنس بن مالك، وعمرو بن عبسة، وطلق بن علي، وسعد بن المدحاس ﵃"، أتيت على تخريجها كلها في "تسلية الكظيم". فلله الحمد.
(٦) في (ن): "وأما".
(٧) منكر. =
[ ١ / ١٦ ]
محمدُ بنُ خالدِ بن عَثْمَةَ، حدَّثنا (جعفر) (^١) بنُ محمدٍ الزُّبيريُّ، حدَّثني هشامُ بنُ عروةَ، عن أَبيه، عن عَائشةَ؛ قالت: ما كَانَ النّبيُّ ﷺ يُفسِّرُ شَيئًا من القرآنِ إلا آيًا (بعَدَدٍ) (^٢) علَّمهنَّ إِيَّاهُ جبربلُ ﵇.
ثمَّ رواهُ (^٣) عن أبي بكر محمد بن يزيد الطَّرْسُوسي، عن مَعْن بن عيسى، عن جعفر بن خالد، عن هشام، به.
فإنَّهُ حَديثٌ مُنْكَرٌ غَرِيبٌ.
وجعفرٌ هذا هو ابنُ محمدِ بنِ خالدِ بنِ الزُّبيرِ بنِ العوَّامِ القُرشيُّ الزُّبيريُّ. قال البُخاريُّ: "لا يُتَابَعُ في حديثهِ". وقال الحافظُ أبو الفتحِ الأَزديُّ: "مُنْكَرُ الحديثِ"، وتكلَّم عليه الإمامُ أبو جعفرٍ بما حاصِلُهُ أنَّ هذهِ الآياتِ مما لا يُعْلَمُ إلَّا بالتَّوقيفِ عن الله تعالى مما وقفه عليها (جبريلُ) (^٤).
وهذا تأويلٌ صحيحٌ لو صحَّ الحديثُ فإنَّ من القرآنِ ما استأثَرَ الله تعالى بعلمِه.
ومنه ما يعلمُهُ العلماءُ، ومنه ما تعلمُهُ العربُ من لُغاتِها، ومنه ما لا يُعذَرُ أحدٌ في "جَهْلِهِ" (^٥)؛
_________________
(١) = أخرجه الطبري في "تفسيره" (٩٠) قال: حدثنا العباس بن عبد العظيم، قال: حدثنا محمد بن خالد بن عثمة، قال: حدثني جعفر بن محمد الزبيري، قال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة فذكرته. كذا رواه العباس. وخالفه محمد بن المثنى فقال: حدثنا محمد بن خالد بن عثمة، ثنا حفص، أظنه ابن عبد الله، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. فجعل شيخ "ابن عثمة" هو "حفص بن عبد الله" بدل "جعفر بن محمد الزبيري". أخرجه البزار (ج ٣/ رقم ٢١٨٥). وأخشى أن يكون هذا من البزار نفسه. فقد رواه معن القزاز عن فلان بن محمد بن خالد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. أخرجه أبو يعلى (ج ٨/ رقم ٤٥٢٨) قال: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا معن القزاز. و"فلان" هذا هو جعفر. فقد أخرجه الطبري (٩١) قال: حدثنا أبو بكر محمد بن يزيد الطرسوسي، قال: أخبرنا معن، عن جعفر بن خالد، عن هشام بسنده سواء. وأخرجه ابن شاهين في "الأفراد" (ج ٥/ ق ١٠٩/ ٢ - ١١٠/ ١) قال: حدثنا البغوي، قال: ثنا هارون بن عبد الله، قال: ثنا معن بن عيسى، قال: ثنا جعفر بن محمد بن خالد الزبيري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا. قال ابن شاهين: "وهذا حديث غريب من حديث المدينة، لا أعلم رواه عن جعفر بن محمد الزبيري إلا معن بن عيسى وخالد بن مخلد القطواني". ثم رواه من طريق القطواني وقال: قال لنا عبد الله بن محمد؛ يعني: البغوي، هذا حديث غريب لم نسمعه إلا منه؛ يعني: من هارون بن عبد الله. اهـ. وقول ابن شاهين: "لا أعلم رواه عن جعفر إلا معن وخالد، متعقب بأن محمد بن خالد بن عثمة رواه أيضًا عن جعفر كما مر ذكره". فيترجح من هذا أنه "جعفر بن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام القرشي الزبيري" كما قال ابن كثير: ﵀. قال البخاري: "لا يتابع على حديثه". وقال الأزدي: "منكر الحديث". وقال الطبري (١/ ٨٩ - شاكر): "وجعفر بن محمد الزبيري لا يعرف في أهل الآثار".
(٢) في (ن): "أبو جعفر" وهو خطأ.
(٣) في (ز) و(ك): "تعد" وهي مخالفة لما في "الطبري" وبقية الأصول.
(٤) رقم ٩١.
(٥) في (ى): "جبرائيل".
(٦) في (ن): "جهالته".
[ ١ / ١٧ ]
كما صرَّحَ بِذلكَ ابنُ عبَّاسٍ فيما (^١) قال ابنُ جريرٍ (^٢): حدَّثَنَا (محمدُ) (^٣) بنُ بَشَّارٍ، حدّثنا مُؤَمَّلٌ، حدّثنا سُفَيانُ، عن أبي الزِّنِادِ؛ قال: قال ابنُ عبَّاسٍ: التَّفسيرُ على أربعةِ أوجهٍ: وجهٌ تعرفُهُ العربُ من كلامِهَا، وتفسيرٌ لا يُعْذرُ أحدٌ بِجَهَالتِهِ، وتفسيرٌ يعلمُهُ العلماءُ، وتفسيرٌ (لا يعلمُهُ) (^٤) إلَّا اللهُ.
وقال ابنُ جَريرٍ (^٥): وقد رُوى نحوُهُ في حديثٍ في إسْنَادِهِ نظرٌ؛ حدَّثني (يونسُ) (^٦) بنُ عبدِ الأعلى الصَّدفيُّ، أنبأنا ابنُ وهب (قال) (^٧): سمِعتُ عمرو بنَ الحارثِ يحدِّث عن الكَلْبي، عن أبي صالح (مولى أم هانئ) (^٨) عن ابنِ عبَّاسٍ -أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أُنزِلَ القُرآنُ على أَرْبَعَةِ أحرُفٍ: حلالٌ وحرامٌ لا يُعْذَر أحدٌ بالجهالة بِهِ، وتفسيرٌ: تفسِّرُهُ العربُ، وتفسيرٌ تفسِّرُهُ العلماءُ، ومتشابِهُ لا يعلمُهُ إلّا الله ﷿، وَمَنِ ادَّعى علمَهُ سوى الله فهو كاذبٌ".
والنَّظَرُ الذي أشارَ إليه في إسنادِهِ هو من جِهَةِ محمَّدِ بنِ السَّائِبِ الكَلْبِيِّ، فإنَّه متروكُ الحديثِ، لكن قد يكونُ إنَّما وَهِمَ في رَفعِهِ؛ ولعلَّه من كلامِ ابنِ عبَّاسٍ كما تقدَّمَ. والله أعلمُ.
_________________
(١) من أول هنا: بداية النسخة (هـ).
(٢) في "تفسيره" (٧١) وسنده ضعيف لانقطاعه، فإن أبا الزناد لم يسمع من ابن عباس فقد قال أبو حاتم الرازي، كما في "المراسيل": (١١١): "أبو الزناد لم ير ابن عمر" وكلاهما مدني، فأولى أن لا يرى ابن عباس، وذلك لأن ابن عمر مات سنة (٧٣) ومات ابن عباس بالطائف سنة (٦٨). وقال البخاري: "أبو الزناد لم يسمع من أنس" ومات أنس سنة (٩٢) أو بعدها بسنة، فأولى أن لا يسمع من ابن عباس، والله أعلم.
(٣) ساقط من (هـ).
(٤) في (ن): "يعلمه أحد".
(٥) في "تفسيره" (٧٢)، وأخرجه ابن المنذر، وأبو نصر السجزي، وابن الأنباري في "الوقف"، كما في "الكنز" (٢/ ٥٥)، وإسناده ساقط، ومحمد بن السائب تالف.
(٦) في (ى): "يوسف"! وهو خطأ ظاهر.
(٧) زيادة من (ز) وهي ثابتة في "الطبري".
(٨) كذا في "الطبري" و(ج) و(ك) و(ل) و(ن) وهو الصواب. ووقع في (ز) و(ع) و(ى): "عن أم هانئ" وهو خطأ ظاهر. ووقع في (هـ): "عن مرة الهمداني"!! وهو خطأ فاحش!
[ ١ / ١٨ ]