قال أبو عبيد (^١): قد تواترت هذه الأحاديث كلها على الأحرف السبعة إلا ما حدثني عفان، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ قال: "نزل القرآن على (ثلاثة) (^٢) أحرف".
قال أبو عبيد (^٣): ولا نرى المحفوظ إلا السبعة؛ لأنها المشهورة وليس معنى تلك السبعة أن يكون الحرف الواحد يقرأ على سبعة أوجه، وهذا شيء غير موجود، ولكنه عندنا أنه نزل سبع لغات متفرقة في جميع القرآن من لغات العرب، فيكون الحرف الواحد منها بلغة قبيلة، والثاني بلغة أخرى سوى الأولى، والثالث بلغة أخرى سواهما كذلك إلى السبعة، وبعض الأحياء أسعد بها وأكثر حظًا فيها من بعض، وذلك بيِّن في أحاديث تترى.
قال: وقد روى الكلبي (^٤)، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزل القرآن على سبع لغات منها خمس بلغة العجز من هوازن.
قال أبو عبيد (^٥): والعجز هم بنو سعد بن بكر وجشم بن بكر ونصر بن معاوية وثقيف وهم علياء هوازن الذين قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب علياء هوازن وسفلى تميم يعني بني دارم.
ولهذا قال عمر (^٦): لا يملي في مصاحفنا إلا غلمان قريش أو ثقيف، (^٧) [قال ابن جرير (^٨): واللغتان الأخريان قريش وخزاعة، رواه قتادة، عن ابن عباس ولكن لم يلقه] (٧).
_________________
(١) في "الفضائل" (ص ٢٠٣) ورواه عنه البيهقي في "الكبرى" (٢/ ٣٨٥) و"الصغرى" (١٠٠٣).
(٢) في "الأصول": "سبعة" وهو سبق قلم من المصنف أو الناسخ.
(٣) في "الفضائل" (ص ٢٠٣) ورواه عنه البيهقي في "الكبرى" (٢/ ٣٨٥)؛ و"الصغرى" (١٠٠٣).
(٤) انظر: "التمهيد" (٨/ ٢٨٠)؛ و"فتح الباري" (٩/ ٢٦، ٢٧) وسنده ضعيف جدًا، والكلبي هو محمد بن السائب، تالف البتة.
(٥) في "فضائل القرآن" (ص ٢٠٤).
(٦) أخرجه أبو عبيد في "الفضائل" (ص ٢٠٤)؛ وعمر بن شبة في "تاريخ المدينة" (٣/ ١٠١٤)؛ وابن أبي داود في "المصاحف" (ص ١١)؛ والخطيب في "تاريخه" (٧/ ٤٥٠) من طريق جرير بن حازم، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن معقل، عن عمر بن الخطاب ﵁. وقد خول جرير بن حازم في إسناده. خالفه شيبان بن عبد الرحمن وأبو عوانة فروياه عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، عن عمر بن الخطاب به. وهذا أصح. أخرجه أبو عبيد (ص ٢٠٤) معلقًا وابن أبي داود (ص ١١) وقال ابن كثير في "مسند عمر" (٢/ ٥٦٢): "إسناده صحيح" وتابعهما جرير بن عبد الحميد، عن عبد الملك، عن جابر، عن عمر. أخرجه سعيد بن منصور في "تفسيره" (٤١٩) قال: نا جرير بن عبد الحميد.
(٧) سقط من سياق (ط) وألحق بالهامش.
(٨) في "تفسيره" (١/ ٦٦) ونقل المصنف عبارته بشيء من التصرف وحديث قتادة عن ابن عباس أخرجه ابن جرير (٦٥). وأخرجه أبو عبيد (ص ٢٠٤) قال: وكذلك يحدثون عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عمن سمع ابن عباس فذكر نحوه. فهذا يؤيد كلام ابن جرير.
[ ١ / ٥٩ ]
قال أبو عبيد (^١): وحدثنا هشيم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس أنه كان يسئل عن القرآن فينشد فيه الشعر، قال أبو عبيد: يعني أنه كان يستشهد به على التفسير.
وحدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد - أو مجاهد - عن ابن عباس في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ [الانشقاق] قال: وما جمع. وأنشد:
قد اتسقن لو يجدن سائقًا (^٢)
حدثنا هشيم (^٣): أنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات] قال: الأرض.
قال: وقال ابن عباس: قال أمية بن أبي الصلت:
عندهم لحم بحر ولحم ساهرة
حدثنا يحيى (^٤) بن سعيد، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن (مجاهد عن) (^٥) ابن عباس قال: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض؟ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أنا ابتدأتها.
إسناد جيد أيضًا.
وقال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري ﵀ بعد ما أورد طرفًا مما تقدم: "وصح وثبت أن الذي نزل به القرآن من ألسن العرب البعض منها دون (الجميع) (^٦)، إذ كان معلومًا أن ألسنتها ولغاتها أكثر من سبع بما يعجز عن إحصائه".
ثم قال: "وما برهانك على ما قلته دون أن يكون معناه ما قاله مخالفوك من أنه نزل بأمر
_________________
(١) في "الفضائل" (ص ٢٠٥) وإسناده جيد. وأخرجه ابن أبي شيبة (٨/ ٥١٧، ٥١٨ و١٠/ ٤٧٤) قال: حدثنا أبو داود الطيالسي، عن مسمع بن مالك اليربوعي، سمعت عكرمة، عن ابن عباس فذكره، ومسمع بن مالك ترجمه ابن عساكر (ج ١٦/ ل ٤٩٩، ٥٠٠) ولم يذكر فيه شيئًا يتعلق بروايته.
(٢) أخرجه أبو عبيد في "فضائله" (ص ٢٠٥). هكذا رواه هشيم بن بشير بالشك. وأخرجه ابن جرير (٣٠/ ٧٦) من طريق شعبة، عن أبي بشر، عن مجاهد، عن ابن عباس فذكره وسنده صحيح، ووقع عند ابن جرير: "مستوسقات لو يجدن سائقًا". وهذا عجز بيت صدره: "إن لنا قلائصًا حقائقًا". عزاه ابن منظور في "لسانه" (٥/ ٤٨٣٧)، للعجاج وعزاه في "الدر المنثور" (٦/ ٣٣٠) لابن صرمة ومطلعه عنده: "إن لنا قلائصًا نقانقا".
(٣) أخرجه أبو عبيد (ص ٢٠٥) وهذا الشطر مكسور، ليس بموزون. ووقع في "اللسان" (٣/ ٢١٣٢). قال ابن عباس وأنشد: وفيها لحم ساهرة وبحر … وما فاهوا به أبدًا مقيم وأخرج ابن أبي شيبة (٨/ ٥١٦، ١٠/ ٤٧٥) عن الشعبي أنه أنشد في تفسير هذه الآية أبياتًا لأمية بن أبي الصلت: "وفيها لحم ساهرة وبحر".
(٤) أخرجه أبو عبيد أيضًا. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٢٤٤) لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر، والبيهقي في "الشعب". وإبراهيم بن مهاجر فيه ضعف من قبل حفظه.
(٥) ساقط من (أ).
(٦) في (أ) "الجمع".
[ ١ / ٦٠ ]
وزجر وترغيب وترهيب وقصص ومثل، ونحو ذلك من الأقوال فقد علمت قائل ذلك عن سلف الأمة وخيار الأئمة؟
قيل له: إن الذين قالوا ذلك لم يدعوا أن تأويل الأخبار التي تقدم ذكرها هو ما زعمت أنهم قالوه في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن دون غيره، فيكون ذلك لقولنا مخالفًا، وإنما أخبروا أن القرآن نزل على سبعة أحرف يعنون بذلك أنه نزل على سبعة أوجه، والذي قالوا من ذلك كما قالوا، وقد روينا بمثل الذي قالوا من ذلك عن رسول الله ﷺ وعن جماعة من الصحابة من أنه نزل من سبعة أبواب الجنة كما تقدم".
يعني كما تقدم في رواية (عن) (^١) أُبي بن كعب وعبد الله بن مسعود أن القرآن نزل من سبعة أبواب الجنة.
قال ابن جرير: والأبواب السبعة من الجنة هي المعاني التي فيها من الأمر والنهي، والترغيب والترهيب، والقصص والمثل، التي إذا عمل بها العامل وانتهى إلى حدودها المنتهى استوجب به الجنة.
ثم بسط (^٢) القول في هذا بما حاصله أن الشارع رخص للأمة التلاوة على سبعة أحرف.
ثم لما رأى الإمام أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ اختلاف الناس في القراءة، وخاف من تفرق كلمتهم. جمعهم على حرف واحد، وهو هذا المصحف الإمام. قال: واستوسقت له الأمة على ذلك بالطاعة، ورأت أن فيما فعله من ذلك الرشد والهداية، وتركت القراءة بالأحرف الستة، التي عزم عليها إمامها العادل في تركها طاعة منها له، ونظرًا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها، حتى درست من الأُمة معرفتها، (وتعفت) (^٣) آثارها. فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها، لدثورها وعفو آثارها - إلى أن قال:
فإن قال من ضعفت معرفته: وكيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها رسول الله ﷺ وأمرهم بقراءتها؟
قيل: إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة؛ لأن القراءة بها لو كانت فرضًا عليهم لوجب أن يكون العمل بكل حرف من تلك الأحرف السبعة عند من يقوم بنقله الحجة، ويقطع خبره العذر ويزيل الشك من قراءة الأمة. وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين، - إلى أن قال:- فأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف ونصبه وجره، وتسكين حرف وتحريكه، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة، فمن معنى قول النبي ﷺ: "أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف" بمعزل؛ لأن المراء في مثل هذا ليس بكفر في قول أحد من علماء الأمة. وقد أوجب ﷺ بالمراء في الأحرف السبعة الكفر كما تقدم (^٤).
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) (١/ ٥٧ - ٦٧) فأطنب وأطاب رحمه الله تعالى، ورضي عنه.
(٣) في (أ): "وانعفت".
(٤) هذا كله من كلام ابن جرير، لم ينقله المصنف بلفظه، بل تصرف فيه.
[ ١ / ٦١ ]
الحديث الثاني: قال البخاري (^١) ﵀: حدّثنا سعيد بن عفير، حدّثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: (أخبرني) (^٢) عروة بن الزبير أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القاري حدثاه أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة (رسول الله) (^٣) ﷺ فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره في الصلاة. فتصبرت حتى سلم فلببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ (قال) (^٤): أقرأنيها رسول الله ﷺ، فقلت: كذبت، فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله ﷺ: " (أرسله) (^٥) اقرأ يا هشام" فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال ﷺ "كذلك أنزلت" ثم قال: (اقرأ يا عمر) فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﷺ: "كذلك أنزلت، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه".
وقد رواه الإمام أحمد (^٦) والبخاري أيضًا ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي من طرق عن الزهري.
ورواه الإمام أحمد (^٧) (أيضًا) (^٨)، عن ابن مهدي، عن مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبد، عن عمر، فذكر الحديث بنحوه.
وقد قال الإمام أحمد (^٩): حدثنا عبد الصمد، حدّثنا حرب بن ثابت، حدّثنا إسحاق بن
_________________
(١) في "فضائل القرآن" (٩/ ٢٣ - فتح).
(٢) في "الصحيح" "حدثني".
(٣) في (أ): "النبي".
(٤) في (ج) و(ط): "فقال".
(٥) ساقط من (أ).
(٦) في "مسنده" (٢٩٧). أخرجه البخاري في "الفضائل" (٩/ ٨٧)، وفي "استتابة المرتدين" (١٢/ ٣٠٣) معلقًا، وفي "التوحيد" (١٣/ ٥٢٠)؛ ومسلم (٨١٨/ ٢٧١).
(٧) في "مسنده" (٢٧٧). وأخرجه البخاري في "الخصومات" (٥/ ٧٣)؛ ومسلم (٨١٨/ ٢٧٠).
(٨) ساقط من (ج) و(ط) و(ل).
(٩) في "مسنده" (٤/ ٣٠). وأخرجه الطبري في "تفسيره" (١٦) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث بسنده سواء. ووقع عند ابن جرير: "فوقع في صدر عمر شيء، فعرف النبي ﷺ ذلك في وجهه"، قال: فضرب صدره وقال: "ابعد شيطانًا" - قالها ثلاثًا - ثم قال: "يا عمر! … فذكره". وقد خولف عبد الصمد في إسناده. خالفه موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حرب بن ثابت المنقري، قال: حدثني إسحاق الأنصاري، عن أبيه، عن جده وكانت له صحبة عن النبي ﷺ فذكره. أخرجه البغوي في "معجمه" - كما في "الكنز" (١/ ٦١٨) -، والبخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ١/ ٣٨٢) وقال: "وقال عبد الصمد: حدثنا حرب أبو ثابت، سمع إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ مثله. وقال بعضهم: لقن عبد الصمد، فقال: ابن عبد الله بن أبي طلحة، ولم يكن في كتابه =
[ ١ / ٦٢ ]
عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن جده قال: قرأ رجل عند عمر فغير عليه، فقال: قرأت على رسول الله ﷺ فلم يغير علي، قال: فاجتمعا عند النبي ﷺ فقرأ الرجل على النبي ﷺ فقال له: "قد أحسنت" قال: فكأن عمر وجد من ذلك، فقال رسول الله ﷺ: "يا عمر إن القرآن كله صواب ما لم تجعل عذاب مغفرةً، ومغفرةً عذاب".
وهذا إسناد حسن. وحرب بن ثابت هذا يكنى بأبي ثابت، لا نعرف أحدًا جرحه.
وقد اختلف العلماء في معنى هذه السبعة الأحرف وما أُريد منها على أقوال.
قال أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري القرطبي المالكي في "مقدمات تفسيره": وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولًا ذكرها أبو حاتم محمد بن حبان البُستي، ونحن نذكر منها خمسة أقوال.
(قلت): ثم سردها القرطبي وحاصلها ما أنا مورده ملخصًا:
(فالأول) وهو قول أكثر أهل العلم منهم سفيان بن عيينة وعبد الله بن وهب وأبو جعفر محمد بن جرير والطحاوي أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو أقبل وتعال وهلم.
وقال الطحاوي: وأبين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة (^١) قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال: اقرأ على حرف، فقال ميكائيل: استزده، فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استزده. حتى بلغ سبعة أحرف فقال: اقرأ فكل كاف شاف إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمةٍ، (على) (^٢) نحو هلم وتعال وأقبل، واذهب وأسرع وعجل.
وروى ورقاء (عن) (^٣) (ابن أبي) (^٤) نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب أنه كان يقرأ ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا (نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ) (٣)﴾ [الحديد: ١٣] للذين آمنوا أمهلونا، للذين آمنوا أخرونا، للذين آمنوا ارقبونا، وكان يقرأ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠] مروا فيه، سعوا فيه.
_________________
(١) = "ابن عبد الله". وقال الحسن بن علي، حدثنا يزيد بن هارون، عن حرب، عن إسحاق بن جارية، قال: لقيته بواسط القصب، أو كما قال". اهـ. قلت: فالبخاري يشير إلى الاختلاف في نسب "إسحاق"، وكأن البخاري يرجح أنه "إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة"، فإنه نقل توهيم عبد الصمد بعبارة قلقة، فقال: "وقال بعضهم" وفي ترجمة "حرب بن أبي حرب أبي ثابت" (٢/ ١/ ٦٢) قال: "وقال مسلم: حدثنا حرب بن ثابت، سمع إسحاق بن عبد الله. حدثني إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا عبد الصمد، قال: حدثنا حرب أبو ثابت، قال: حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. ويقال: إن هذا إسحاق ليس بـ "ابن أبي طلحة"، وهم فيه عبد الصمد من حفظه، وأصله صحيح". اهـ. فقد استفدنا من ترجمة البخاري هذه أن عبد الصمد توبع على جعله "إسحاق بن عبد الله"، تابعه مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وكأن البخاري يضعف دعوى توهيم عبد الصمد، إذ إنه نقله بلفظ "يقال" الذي يفيد التضعيف غالبًا.
(٢) مرّ تخريجه آنفًا، وكلام الطحاوي هذا ذكره في "المشكل" (٤/ ١٩١ - ١٩٤).
(٣) ساقط من (أ).
(٤) ساقط من (ج) و(ط) و(ل).
(٥) في (أ): "أبي نجيح".
[ ١ / ٦٣ ]
قال الطحاوي وغيره: وإنما كان ذلك رخصةً أن يقرأ الناس القرآن على سبع لغات، وذلك لما كان يتعسر على كثير من الناس التلاوة على لغة قريش وقراءة رسول الله ﷺ لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ، وقد ادعى الطحاوي والقاضي الباقلاني والشيخ أبو عمر بن عبد البر أن ذلك كان رخصةً في أول الأمر، ثم نسخ بزوال العذر وتيسر الحفظ وكثرة الضبط وتعلم الكتابة.
(قلت): وقال بعضهم: إنما كان الذي جمعهم على قراءة واحدة أمير المؤمنين عثمان بن عفان أحد الخلفاء الراشدين المهديين المأمور باتباعهم. وإنما جمعهم عليها لما رأى من اختلافهم في القراءة المفضية إلى تفرق الأمة وتكفير بعضهم بعضًا. فرتب لهم المصاحف الأئمة على العرضة الأخيرة التي عارض بها جبريل رسول الله ﷺ في آخر رمضان كان من عمره ﵇ وعزم عليهم أن لا يقرؤوا بغيرها. وأن لا يتعاطوا الرخصة التي كانت لهم (فيها) (^١) سعة. ولكثها أدت إلى الفرقة والاختلاف، كما ألزم عمر بن الخطاب الناس [بالطلاق الثلاث المجموعة حتى تتابعوا فيها وأكثروا منها قال: فلو أنا أمضيناه عليهم، وأمضاه عليهم. وكذلك كان ينهى] (^٢) عن المتعة في أشهر الحج؛ لئلا تقطع زيارة البيت في غير أشهر الحج. وقد كان أبو موسى (يفتي) (^٣) بالتمتع، فترك فتياه اتباعًا لأمير المؤمنين وسمعًا وطاعةً للأئمة المهديين.
(القول الثاني): أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وليس المراد أن جميعه يقرأ على سبعة أحرف، ولكن بعضه على حرف وبعضه على حرف آخر.
قال الخطابي: وقد يقرأ بعضه بالسبع لغات كما في قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] و﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢].
قال (^٤) القرطبي: ذهب إلى هذا القول أبو عبيد واختاره ابن عطية.
قال أبو عبيد (^٥): وبعض اللغات أسعد به من بعض.
وقال القاضي الباقلاني: ومعنى قول عثمان إنه نزل بلسان قريش؛ أي: معظمه ولم يقم دليل على أن جميعه بلغة قريش كله، قال الله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] ولم يقل: قرشيًا، قال: واسم العرب يتناول جميع القبائل تناولًا واحدًا؛ يعني: حجازها ويمنها.
وكذا قال الشيخ (^٦) أبو عمر ابن عبد البر، قال: لأن لغة غير قريش موجودة في صحيح القراءات كتحقيق الهمزات فإن قريشًا لا تهمز.
وقال ابن عطية: قال ابن عباس: ما كنت أدري معنى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] حتى سمعت أعرابيًا يقول لبئر ابتدأ حفرها: أنا فطرتها.
(القول الثالث): أن لغات القرآن السبع منحصرة في مضر على اختلاف قبائلها خاصةً، لقول عثمان: إن القرآن نزل بلغة قريش، وقريش هم بنو النضر بن الحارث على الصحيح من أقوال أهل النسب، كما ينطق به الحديث في "سنن ابن ماجه" وغيره.
_________________
(١) ساقط من (ج).
(٢) سقط من سياق (ط) وقيد بالحاشية.
(٣) في (أ) و(ط): "يبيح".
(٤) في "تفسيره" (١/ ٤٣، ٤٤).
(٥) في "فضائل القرآن" (ص ٢٠٣) وعبارته هناك: "وبعض الأحياء أسعد بها وأكثر حظًا فيها من بعض".
(٦) في "التمهيد" (٨/ ٢٨٠).
[ ١ / ٦٤ ]
(القول الرابع): وحكاه الباقلاني عن بعض العلماء أن وجوه القراءات ترجع إلى سبعة أشياء منها ما (تتغير) (^١) حركته ولا تتغير صورته ولا معناه، مثل ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ [الشعراء: ١٣] ويضيق. ومنها ما لا تتغير صورته ويختلف معناه. مثل ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ - (وباعد (^٢» - بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩] وقد يكون الاختلاف في الصورة والمعنى بالحرف، مثل ﴿نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] و(ننشزها) أو بالكلمة مع بقاء المعنى مثل ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]- أو - (كالصوف المنفوش) أو باختلاف الكلمة واختلاف (المعنى) (^٣)، مثل ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ [الواقعة] (وطلع منضود) أو بالتقدم والتأخر: مثل ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩] أو (سكرة الحق بالموت) أو بالزيادة، مثل ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً - أنثى﴾ [ص: ٢٣] ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ - كافرًا وكان - أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٠] ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ - لهن - غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣].
(القول الخامس): أن المراد بالأحرف السبعة معاني القرآن، وهي أمر، ونهي، ووعد ووعيد، وقصص، ومجادلة، وأمثال.
قال ابن عطية: وهذا ضعيف؛ لأن هذه لا تسمى حروفًا، وأيضًا فالإجماع أن التوسعة لم تقع في تحليل (حرام) (^٤)، ولا في تغيير شيء من المعاني، وقد أورد القاضي الباقلاني في هذا حديثًا، ثم قال: وليست هذه هي التي أجاز لهم القراءة بها.