فأما نقط المصحف وشكله، فيقال: إن أول من أمر به عبد الملك بن مروان، فتصدى لذلك الحجاج وهو بواسط، فأمر الحسن البصري ويحيى بن يعمر ففعلا ذلك، ويقال إن أول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلي، وذكروا أنه كان لمحمد بن سيرين مصحف قد نقطه له يحيى بن يعمر، والله أعلم.
_________________
(١) يعني: البخاري في "الفضائل" (٩/ ٣٩ - فتح). وأخرجه مسلم (٧٢٢/ ٢٧٥ - ٢٧٨)؛ وأبو داود (١٣٩٦)؛ والنسائي (٢/ ١٧٤ - ١٧٦)؛ والترمذي (٦٠٢)؛ وأحمد (١/ ٣٨٠، ٤١٧، ٤٢٧، ٤٣٦، ٤٥٥) وغيرهم، وقد سقت طرقه وألفاظه في "التسلية".
(٢) كذا في "الأصول" كلها، والذي في "البخاري": "تعلمت" ولم يشر الحافظ إلى وقوع هذا اللفظ في إحدى روايات "الصحيح" فالله أعلم.
(٣) في "مسنده" (٤/ ٩، ٣٤٣) ومن طريقه المزي في "التهذيب" (١٩/ ٤١١). وأخرجه أبو داود (١٣٩٣)؛ وابن ماجه (١٣٤٥)؛ والبخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٢/ ١٦)؛ وابن أبي شيبة (٢/ ٥٠١، ٥٠٢)؛ والطيالسي (١١٠٨)؛ وابن سعد في "الطبقات" (٥/ ٥١٠)؛ وأبو عبيد في "الفضائل" (ص ٩٢، ٩٣) في آخرين من طرق عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده أوس بن حذيفة فذكره. وإسناده محتمل للتحسين، لولا الاختلاف الذي وقع في إسناده والذي يترجح لدي ضعف إسناده. والله أعلم.
(٤) في (ج): "رسول الله"؛ وكتب فوقها بخط دقيق: "النبي".
[ ١ / ٧٠ ]
وأما كتابة الأعشار على الحواشي، فينسب إلى الحجاج أيضًا.
وقيل: بل أول من فعله المأمون.
وحكى أبو عمرو الداني، عن ابن مسعود أنه كره التعشير في المصحف وكان يحكه، وكره مجاهد ذلك أيضًا.
وقال مالك: لا بأس به بالحبر. فأما بالألوان المصبغة فلا. وكره تعداد آي السور في أولها في المصاحف الأمهات، فأما ما يتعلم فيه الغلمان فلا أرى به بأسًا.
وقال قتادة: بدأوا فنقطوا ثم خمسوا ثم عشروا.
وقال يحيى بن (أبي) (^١) كثير: أول ما أحدثوا النقط، وقال: هو نور له، ثم أحدثوا النقط عند آخر الآي، ثم أحدثوا الفواتح والخواتم.
ورأى إبراهيم النخعي: فاتحة سورة كذا، فأمر بمحوها، وقال: قال ابن مسعود: لا تخلطوا بكتاب الله ما ليس فيه.
قال أبو عمرو الداني: ثم قد أطبق المسلمون في ذلك في سائر الآفاق على جواز ذلك في الأمهات وغيرها.
ثم قال البخاري ﵀: (^٢) كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ.
قال مسروق عن فاطمة، عن عائشة: أسر إلي رسول الله ﷺ: "إن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي".
هكذا ذكره (^٣) معلقًا، وقد أسنده (^٤) في (موضع) (^٥) آخر.
ثم قال (^٦): حدثنا يحيى بن قزعة، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في (شهر) (^٧) رمضان؛ لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة.
وهذا الحديث متفق (^٨) عليه.
وقد تقدم الكلام عليه في أول الصحيح وما فيه من الحكم والفوائد، والله أعلم.
ثم قال (^٩): حدثنا خالد بن يزيد، حدّثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) أسقط المصنف من كلام البخاري كلمة: "باب"، وقد نبهنا عليه قبل ذلك.
(٣) في "فضائل القرآن" (٩/ ٤٣ - فتح).
(٤) في "كتاب الاستئذان" (١١/ ٧٩، ٨٠). وأخرجه مسلم (١٦/ ٥ - نووي).
(٥) في (أ): "مواضع".
(٦) يعني: البخاري في "الفضائل" (٩/ ٤٣).
(٧) ساقط من (أ).
(٨) أخرجه البخاري (١/ ٣٠ و٤/ ١١٦ و٦/ ٣٠٥، ٥٦٥)؛ وفي "الأدب المفرد" (٢٩٢)؛ ومسلم (٢٣٠٨/ ٥٠)؛ والنسائي (٤/ ١٢٥)؛ والترمذي في "الشمائل" (٣٤٦)؛ وأحمد (١/ ٢٨٨، ٣٢٦، ٣٦٣، ٣٦٦، ٣٦٧، ٣٧٣) وآخرون من طرق عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس فذكره.
(٩) يعني: البخاري في "الفضائل" (٩/ ٤٣).
[ ١ / ٧١ ]
هريرة قال: كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام مرةً، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف كل عام عشرًا؛ فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه.
ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من غير وجه عن أبي بكر - وهو ابن عياش - عن أبي حصين واسمه عثمان بن عاصم به.
والمراد من معارضته له بالقرآن كل سنة مقابلته على ما أوحاه إليه عن الله تعالى ليبقى ما بقي، ويذهب ما نسخ توكيدًا واستثباتًا وحفظًا.
ولهذا عرضه في السنة الأخيرة من عمره ﵇ (اقتراب أجله) (^١) على جبريل مرتين وعارضه به جبريل كذلك، ولهذا فهم ﵇ اقتراب أجله.
وعثمان ﵁ جمع المصحف الإمام على العرضة الأخيرة ﵁ وأرضاه، وخص بذلك رمضان من بين الشهور؛ لأن ابتداء الإيحاء كان فيه. ولهذا يستحب دراسة القرآن وتكراره فيه، ومن ثم كثر اجتهاد الأئمة في تلاوة القرآن، كما تقدم ذكرنا لذلك.