وقد ترخص جماعات من السلف في تلاوة القرآن في أقل من ذلك، منهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁.
قال أبو عبيد (^٢) ﵀: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن خصيفة، عن السائب بن يزيد أن رجلًا سأل عبد الرحمن بن عثمان التيمي، عن صلاة طلحة بن عبيد الله فقال: إن شئت أخبرتك عن صلاة عثمان ﵁، فقال: نعم، قال: قلت: لأغلبن الليلة على الحجر فقمت، فلما قمت إذا أنا برجل مقنع يزحمني، فنظرت فإذا عثمان بن عفان ﵁، فتأخرت عنه فصلى، فإذا هو يسجد سجود القرآن حتى إذا قلت: هذه هوادي الفجر أوتر بركعة لم يصل غيرها.
وهذا إسناد صحيح.
ثم قال (^٣): حدثنا هشيم، أنا منصور، عن ابن سيرين قال: قالت نائلة بنت الفرافصة الكلبية حيث دخلوا على عثمان ليقتلوه: إن تقتلوه أو تدعوه فقد كان يحيي الليل كله بركعة يجمع فيها القرآن.
وهذا حسن.
وقال (^٤) أيضًا: حدثنا أبو معاوية، عن عاصم بن سليمان، عن ابن سيرين أن تميمًا الداري قرأ القرآن في ركعة.
حدثنا (^٥) حجاج، عن شعبة، عن حماد، عن سعيد بن جبير أنه قال: قرأت القرآن في ركعة في البيت؛ يعني: الكعبة.
_________________
(١) ساقط من (أ) و(ط).
(٢) أخرجه أبو عبيد في "الفضائل" (ص ٩٠)؛ وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (ج ٣/ رقم ٤٦٥٣) من طريق ابن جريج بسنده سواء. وصحح المؤلف سنده وهو كما قال، ولكن ليس في هذه الرواية دلالة على أن عثمان ﵁ ختم القرآن في ركعة، بل فيها عكسه، فهي تدل بجلاء على أنه صلى أكثر من ركعة لكنه أوتر بواحد لم يصل غيرها، ولو أنه أثبت بدلها رواية ابن المنكدر عن عبد الرحمن بن عثمان لكان أولى من هذه في مقام الاحتجاج، وقد سقت لفظها مع طرق أخرى في "تسلية الكظيم" فللَّه الحمد.
(٣) أخرجه أبو عبيد (ص ٩٠، ٩١)؛ وأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٦٧) قال: حدثنا هشيم بإسناده سواء؛ وأخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٥٠٣) أيضًا؛ وابن سعد (٣/ ٧٥، ٧٦)؛ وعمر بن شبة في "تاريخ المدينة" (٤/ ١٢٧٢)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ١/ رقم ١٣٠)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٥٧) من طرق عن ابن سيرين فذكره.
(٤) أخرجه أبو عبيد (ص ٩١)؛ وأخرجه ابن المبارك في "الزهد" (١٢٧٧)؛ وابن أبي شيبة (٢/ ٥٠٢)، وعنه ابن حبان في "الثقات" (٣/ ٤٠)؛ والبيهقي في "الكبرى" (٣/ ٢٥)؛ وفي "الشعب" (ج ٥/ رقم ١٩٩٤) من طريق عاصم الأحول بسنده سواء.
(٥) أبو عبيد في "الفضائل" (ص ٩١)؛ وأخرجه ابن حبان في "الثقات" (٤/ ٢٧٦) عن وكيع؛ والطحاوي في "شرح المعاني" (١/ ٣٤٨) من طريق أبي نعيم؛ وابن سعد (٦/ ٢٥٩)، حدثنا يزيد بن هارون جميعًا عن =
[ ١ / ١١٦ ]
وحدثنا (^١) جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأ القرآن في ليلة، طاف بالبيت أسبوعًا، ثم أتى المقام فصلى عنده [فقرأ بالطول، ثم طاف بالبيت أسبوعًا، ثم أتى المقام فصلى عنده] (^٢)، فقرأ بالمئين، ثم طاف بالبيت أسبوعًا، ثم أتى المقام. فصلى عنده فقرأ بالمثاني، ثم طاف بالبيت أسبوعًا، ثم أتى المقام. فصلى عنده فقرأ بالمثاني، ثم طاف بالبيت أسبوعًا ثم أتى المقام فصلى عنده فقرأ بقية القرآن.
وهذه كلها أسانيد صحيحة.
ومن أغرب ما ههنا ما رواه أبو (^٣) عبيد ﵀، حدثنا سعيد بن غفير، عن بكر بن مضر أن سليم بن عتر التجيبي كان يقرأ القرآن في ليلة ثلاث مرات، ويجامع ثلاث مرات، قال: فلما مات قالت امرأته: رحمك الله إن كنت لترضى ربك وترضي أهلك، قالوا: وكيف ذلك؟ قالت: كان يقوم من الليل فيختم بالقرآن، ثم يلم بأهله، ثم يغتسل ويعود فيقرأ حتى يختم، ثم يلم بأهله، ثم يغتسل ويعود فيقرأ حتى يختم، ثم يلم بأهله، ثم يغتسل ويخرج إلى صلاة الصبح.
قلت: كان سليم بن عتر تابعيًا جليلًا ثقةً نبيلًا وكان قاضيًا بمصر أيام معاوية وقاصها.
قال أبو حاتم (^٤): روى عن أبي الدرداء وعنه ابن زحر.
ثم قال: حدثني محمد بن عوف، عن أبي صالح كاتب الليث، حدثني حرملة بن عمران، عن كعب بن علقمة قال: كان سليم بن عتر من خير التابعين.
وذكره ابن يونس في "تاريخ مصر".
وقال: روى ابن أبي داود، عن مجاهد أنه كان يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء.
وعن منصور (^٥) قال: كان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب والعشاء كل ليلة من رمضان.
وعن إبراهيم بن سعد قال: كان أبي يحتبي فما يحل حبوته حتى يختم القرآن.
قلت: وروي عن منصور (^٦) بن زاذان أنه كان يختم فيما بين الظهر والعصر، ويختم أخرى فيما بين المغرب والعشاء، وكانوا يؤخرونها قليلًا.
_________________
(١) = الثوري، عن حماد مثله؛ وأخرجه عبد الله بن أحمد في "زواهد الزهد" (ص ٣٠٧)؛ وعنه أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٢٧٣) من طريق إسحاق مولى عبد الله بن عمر، عن هلال بن يساف قال: دخل سعيد بن جبير الكعبة فقرأ القرآن في ركعة؛ وعلق الذهبي في "السير" (٤/ ٣٢٥) بقوله: "هذا خلاف السنة".
(٢) أخرجه أبو عبيد (ص ٩١)؛ وعنه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (ج ١١/ ق ٨٢٢)؛ وأخرجه الفريابي في "فضائل القرآن" (١٤٠) قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة وابن حبان في "الثقات" (٥/ ٢٠٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة قالا: حدثنا جرير بسنده سواء.
(٣) ساقط من (أ)، وليس هو في "كتاب أبي عبيد" أيضًا، فالله أعلم.
(٤) في "الفضائل" (ص ٩١) وهو غريب جدًا، لا أصدقه فإنه لا يكاد المرء يفعل ذلك ولو قرأ القرآن هذًّا هذًّا. نعم! ذكر الذهبي في "السير" (٤/ ١٣٢) عن ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد أن سليم بن عتر كان يقرأ القرآن كله كل ليلة ثلاث مرات وسنده ضعيف.
(٥) في "الجراح والتعديل" (٢/ ١/ ٢١١، ٢١٢).
(٦) أخرجه ابن حبان في "الثقات" (٥/ ١٦٤، ١٦٥) من طريق ابن أبي شيبة، ثنا عبيدة بن حميد، عن منصور به وسنده صحيح.
(٧) أخرجه بحشل في "تاريخ واسط" (ص ٨١)؛ وابن حبان في "الثقات" (٧/ ٤٧٤)؛ والبيهقي في "الشعب" =
[ ١ / ١١٧ ]
وعن الإمام الشافعي ﵀ أنه كان يختم في اليوم والليلة من شهر رمضان ختمتين وفي غيره ختمة.
وعن أبي عبد الله البخاري صاحب "الصحيح" أنه كان يختم في الليلة ويومها من رمضان ختمةً.
ومن غريب هذا وبديعه ما ذكره الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي قال: سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي يقول: كان ابن الكاتب يختم بالنهار أربع ختمات، وبالليل أربع ختمات.
وهذا نادر جدًا، فهذا وأمثاله من الصحيح عن السلف محمول إما على أنه ما بلغهم في ذلك حديث مما تقدم، أو أنهم كانوا يفهمون ويتفكرون فيما يقرؤونه (مع) (^١) هذه السرعة، والله ﷾ أعلم.
قال الشيخ أبو زكريا النواوي في كتابه "التبيان" (^٢) بعد ذكر طرف مما تقدم: والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص فمن كان له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر يحصل له كمال فهم ما يقرؤه وكذا من كان مشغولًا بنشر العلم وغيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، وإن لم يكن من هؤلاء فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة.
ثم قال البخاري (^٣) ﵀: