والبقرة جميعها مدنية بلا خلاف؛ (^٣) [وهي من أوائل ما نزل بها، لكن قوله تعالى فيها: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ. . .﴾ الآية [البقرة: ٢٨١] يقال: إنها آخر ما نزل من القرآن. ويحتمل أن تكون منها؛ وكذلك آيات الربا من (أواخر) (^٤) ما نزل؛ وكان خالد بن معدان يسمى البقرة فسطاط القرآن] (٣).
قال بعض العلماء: وهي مشتملة على ألف خبر، وألف أمر، وألف نهى.
وقال العادون: آياتها مائتان وثمانون وسبع آيات. وكلماتها ستة آلاف كلمة (ومائة) (^٥) وإحدى وعشرون كلمةً. وحروفها خمسة وعشرون ألفًا وخمسمائة - حرف فالله أعلم.
قال ابن جريج (^٦)، عن عطاء، عن ابن عباس: نزلت بالمدينة سورة البقرة.
وقال خصيف (^٧)، عن مجاهد، عن عبد الله بن الزبير؛ قال: نزلت بالمدينة سورة البقرة.
وقال الواقدي (^٨): حدثني الضحاك بن عثمان، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه؛ قال: نزلت البقرة بالمدينة. وهكذا قال غير واحد من الأئمة والعلماء والمفسرين؛ ولا خلاف فيه.
وقال ابن مردويه (^٩): حدثنا محمد بن معمر، حدثنا الحسن بن علي بن الوليد
_________________
(١) في "الفضائل" (ص ١٢٠). وأخرجه ابن جرير (٤/ ٥٣)؛ والبيهقي في "الشعب" (٢١٩٥) من طريق سعيد بن منصور، وهذا في "تفسيره" (ق ١٤٦/ ١) قال: حدثنا هشيم فذكره ووقع عند سعيد مختصرًا جدًّا وعزاه السيوطي في "الدر" (٤/ ١٠٥)؛ لابن الضريس وابن المنذر وابن أبي حاتم. ويأتي تخريجه في سورة الحجر إن شاء الله تعالى.
(٢) كذا في (ز) و(ك) و(ن) ووقع في (ج) و(ع) و(ل) و(هـ) و(ى): "القاري".
(٣) ساقط من (ز).
(٤) في (ن): "آخر".
(٥) في (ن): "مائتان".
(٦) أخرجه ابن الضريس في "الفضائل" (١٨) من طريق ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، وعزاه في "الدر" (١/ ١٧) لأبي جعفر النحاس في "الناسخ والمنسوخ"؛ وابن مردويه؛ والبيهقي في "الدلائل" من طرق عن ابن عباس.
(٧) أخرجه ابن مردويه، كما في "الدر المنثور" (١/ ١٧).
(٨) والواقدي متروك.
(٩) في "تفسيره"، كما في "اللآلئ المصنوعة" (١/ ٢٣٩)؛ وأخرجه ابن الضريس، كما في "الدر المنثور" (١/ ١٨)؛ والطبراني في "الأوسط" (ج ٢/ ق ٥٢/ ٢)؛ والعقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٤١٨)؛ والبيهقي في "الشعب" (ج ٥/ رقم ٢٣٤٦)؛ وابن قانع في "فوائده"، كما في "الفتح" (٩/ ٨٨)، وعنه ابن الجوزي في=
[ ١ / ٢٣٩ ]
(الفارسي) (^١)، حدثنا خلف بن هشام؛ وحدثنا (عُبيس) (^٢) بن ميمون، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقولوا سورة البقرة، ولا سورة آل عمران، ولا سورة النساء، وكذا القرآن كله؛ ولكن قولوا: السورة التي يذكر فيها البقرة، والتي يذكر فيها آل عمران؛ وكذا القرآن كله".
هذا حديث غريب لا يصح رفعه (عبيس) (^٣) بن ميمون هذا (هو) (^٤) (أبو) (^٥) سلمة الخواص، وهو ضعيف الرواية لا يحتج به.
وقد ثبت في ("الصحيح") (^٦)، عن ابن مسعود أنه رمى الجمرة من بطن الوادي، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه؛ ثم قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. أخرجاه.
وروى ابن مردويه (^٧). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = "الموضوعات" (١/ ٢٥٠) من طريق عبيس بن ميمون، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه مرفوعًا. قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن موسى بن أنس إلا عبيس بن ميمون، تفرد به خلف بن هشام، ولا يروى عن أنس إلا بهذا الإسناد". * قلت: أما قول الطبراني: تفرد به خلف، فليس كذلك فتابعه جعفر بن عبد الله بن الزبرقان، حدثني أبو عبيدة عبيس الخزاز فذكره. أخرجه البيهقي في "الشعب". وهذا حديث منكر، قال البيهقي: "عبيس بن ميمون منكر الحديث، وهو لا يصح وإنما يروى فيه عن ابن عمر من قوله". ونقل العقيلي عن عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: "هذا منكر" وكذلك نقل ابن الجوزي عن أحمد. ونقل السيوطي في "اللآلئ" (١/ ٢٣٩) عن الحافظ ابن حجر أنه انتقد ابن الجوزي في إيراده الحديث في "الموضوعات"، فقال في "الأمالي": "أفرط ابن الجوزي في إيراد هذا الحديث في "الموضوعات"، ولم يذكر مستنده، إلا قول أحمد وتضعيف عبيس، وهذا لا يقتضي وضع الحديث، وقد قال الفلاس في عبيس: هو صدوق يخطئ كثيرًا". اهـ ولذلك ضعف إسناده السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ١٨) وسبقه الحافظ في "الفتح" (٩/ ٨٨). والصواب في هذا الحديث الوقف، فقد أخرج البيهقي في "الشعب" (ج ٥/ رقم ٢٣٤٧) بسند صحيح عن ابن عمر قال: "لا تقولوا سورة البقرة، ولكن قولوا السورة التي يذكر فيها البقرة" وكان الحجاج بن يوسف الثقفي تلقى هذا عن ابن عمر، فكان ينهى أن يقال: "سورة كذا" كما يأتي ذكره قريبًا إن شاء الله تعالى.
(٢) ساقط من (ز).
(٣) تصحف في "الأصول" إلى "عيسى".
(٤) تصحف في "الأصول" إلى "عيسى".
(٥) ساقط من (ج).
(٦) في (ز): "ابن"!!
(٧) في (ز): "الصحيحين" وهو فيهما وقد مرّ تخريجه.
(٨) وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (ج ٦/ رقم ٣٦٠٦)؛ والطبراني في "الأوسط" (٢٧٥٨) من طريق محمد بن أبي بكر المقدمي، ثنا عمرو بن عاصم، ثنا أبو العوام عمران القطان، عن معمر، عن الزهري، عن أنس قال: لما كان يوم حنين، انهزم الناس عن رسول الله ﷺ إلا العباس بن عبد المطلب وأبا سفيان بن الحارث، وأمر رسول الله ﷺ أن ينادي: يا أصحاب سورة البقرة، يا معشر الأنصار!، ثم استحر النداء في بني الحارث بن الخزرج، فلما سمعوا النداء أقبلوا، فوالله ما شبهتهم إلا بالإبل تحن إلى أولادها، فلما التقوا التحم القتال فقال رسول الله ﷺ: "الآن حمي الوطيس" وأخذ كفًّا من حصًى أبيض، فرمى به وقال: "هزموا ورب الكعبة" وكان علي بن أبي طالب ﵁ يومئذٍ أشد الناس قتالًا بين يديه. قال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ١٨١): "رجالهما رجال الصحيح غير عمران بن داور القطان وهو أبو العوام وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه ابن معين وغيره"، وحسنه محقق مسند "أبي يعلى" ولم يصب لأنه معل، فقد=
[ ١ / ٢٤٠ ]
من حديث شعبة، عن عقيل بن طلحة، عن عتبة بن (فرقد) (^١) قال: رأى النَّبِيّ ﷺ في أصحابه تأخرًا، فقال: "يا أصحاب سورة البقرة". وأظن هذا كان يوم حنين (حين) (^٢) ولّوا مدبرين أمر العباس، فناداهم: ["يا أصحاب الشجرة"؛ يعني: أهل بيعة الرضوان. وفي رواية] (^٣): "يا أصحاب (سورة) (^٤) البقرة" (ينشطهم) (^٥) بذلك؛ فجعلوا يقبلون من كل وجه. وكذلك يوم اليمامة (^٦) مع أصحاب مسيلمة جعل الصحابة يفرون لكثافة (جيش) (^٧) بني حنيفة؛ فجعل المهاجرون والأنصار يتنادون: يا أصحاب سورة البقرة، حتَّى فتح الله عليهم، رضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين.
﷽
﴿الم (١)﴾
قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور؛ فمنهم من قال: هي مما استأثر الله بعلمه، فردوا علمها إلى الله، ولم يفسروها [حكاه القرطبي في "تفسيره" (^٨)، عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود ﵃ (أجمعين) (^٩)؛ وقاله عامر الشعبي، وسفيان الثوري، والربيع بن خثيم. واختاره أبو حاتم بن حبان] (^١٠). ومنهم من فسرها؛ واختلف هؤلاء في معناها؛ فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنما هي أسماء السور [قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في "تفسيره" (^١١): وعليه إطباق الأكثر، ونقل عن سِيْبَويَه أنه نص عليه] (^١٠).
ويعتضد (هذا) (^١٢) بما ورد في "الصحيحين" (^١٣) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم (١)﴾ و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.
_________________
(١) = خولف عمران القطان، خالفه عبد الرزاق، فرواه في "مصنفه" (ج ٥/ رقم ٩٧٤١) عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني كثير بن العباس بن عبد المطلب، عن أبيه العباس قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فساقه مطولًا. وليس فيه: "يا أصحاب سورة البقرة". ومن طريق عبد الرزاق: أخرجه مسلم (١٢/ ١١٧ - شرح النووي)؛ وأحمد (١٧٧٥) وأبو عوانة (٤/ ٢٠١ - ٢٠٣) وتابعه ابن المبارك، ومحمد بن ثور، ومحمد بن حميد العبدي جميعًا عن معمر عن الزهري بسنده سواء.
(٢) وقع في (ج) و(ل) و(ن): "مرثد". وفي (ع) و(هـ) و(ي): "مزيد" ووقع في (ز) و(ك): "مربد" وكله خطأ، والصواب أنه: "عتبة بن فرقد"، وانظر لذلك "الإصابة" (٤/ ٤٣٩) للحافظ ابن حجر ﵀.
(٣) في (ن): "يوم".
(٤) ساقط من (ج).
(٥) ساقط من (ز) و(ك) و(ل).
(٦) في (ز) و(ن): "لينشطهم".
(٧) أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (ج ٥/ رقم ٩٤٦٥) عن معمر. وابن أبي شيبة (١٢/ ٥٠٣)، عن وكيع وسعيد بن منصور في "سننه" (ج ٢/ رقم ٢٩٠٨) عن يعقوب بن عبد الرحمن ثلاثتهم عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان شعار المسلمين يوم مسيلمة: يا أصحاب سورة البقرة. وهو مرسل.
(٨) في (ز): "حشر".
(٩) انظر: "تفسير القرطبي" (١/ ١٥٤).
(١٠) زيادة من (ن).
(١١) ساقط من (ز).
(١٢) في "الكشاف" (١/ ١٠).
(١٣) في (ن): "لهذا".
(١٤) أخرجه البخاري (٢/ ٣٧٧، ٥٥٢)؛ ومسلم (٨٨٠/ ٦٥، ٦٦) وتقدم تخريجه.
[ ١ / ٢٤١ ]
وقال سفيان (^١) الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال: ﴿الم (١)﴾ و﴿حم (١)﴾ و﴿المص (١)﴾ و﴿ص﴾ فواتح افتتح الله بها القرآن. وكذا قال غيره (^٢) عن مجاهد.
وقال مجاهد (^٣) - في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عنه أنه قال -: ﴿الم (١)﴾ اسم من أسماء القرآن.
وهكذا قال قتادة (^٤)، وزيد بن أسلم (^٥): ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن (^٥) بن زيد (بن أسلم) (^٦): إنه اسم من أسماء السور؛ فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن، فإنه يبعد أن يكون ﴿المص (١)﴾ اسمًا للقرآن كله؛ لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول: قرأت ﴿المص (١)﴾ أنما ذلك عبارة (عن) (^٧) سورة الأعراف لا لمجموع القرآن. واللّه أعلم.
وقيل: هي اسم من أسماء الله تعالى؛ (قال) (^٨) الشعبي (^٩): فواتح السور من أسماء الله (تعالى) (^١٠) وكذلك قال سالم بن عبد الله، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي (^١١) الكبير.
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٢٣٠) بسند قوي. وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٢٣)؛ لابن المنذر وأبي الشيخ.
(٢) كابن جريج. أخرجه ابن جرير (٢٣١)؛ وابن أبي حاتم (٥١) من طريق حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، عن مجاهد مثله وصرح ابن جريج بالتحديث عند ابن أبي حاتم؛ وأخرجه ابن جرير (٢٢٨) عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن ابن جريج.
(٣) أخرجه ابن جرير (٢٢٦) قال: حدثني المثنى بن إبراهيم الآملي، ثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود به وشيخ ابن جرير: المثنى لم أجد له ترجمة، ولم يزد الشيخ أبو الأشبال ﵀ في تعليقه على "تفسير الطبري" (١/ ١٧٦) إلا أن قال: "يروى عنه الطبري كثيرًا في التفسير و"التاريخ"، وقد راجعت"التاريخ" و"تهذيب الآثار" فلم يتكلم المحققون عليه بشيء، ثم وقفت له على متابع والحمد لله. فتابعه أبو حاتم الرازي قال: ثنا أبو حذيفة بسنده سواء. أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥٠). وأبو حذيفة مختلف فيه، وهو جيد الحديث إلا عن الثوري، وشيخه هنا؛ هو شبل بن عباد المكي وبقية رجال السند معروفون، فالإسناد حسن والله أعلم. ثم رأيت في "كتاب الإرشاد" (ص ٣٩٣) لأبي يعلى الخليلي أنه قال: "وتفسير ابن عباد المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: قريب من الصحة". اهـ. فالحمد لله على التوفيق.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٣٩) ومن طريقه ابن جرير (٢٢٥) عن معمر، عن قتادة. وسنده صحيح، وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٢٢)؛ لابن أبي حاتم وعبد بن حميد، أما ابن أبي حاتم فلم يروه، إنما أشار إلى القول فقط.
(٥) أخرجه ابن جرير (٢٣٢).
(٦) زيادة من (ن).
(٧) ساقط من (ز).
(٨) في (ز) و(ن): "فقال".
(٩) أخرجه ابن أبي شيبة في "تفسيره"، وعبد بن حميد، وابن المنذر، كما في "الدر" (١/ ٢٢). [أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق ابن أبي شيبة عن سويد بن عمرو، عن أبي عوانة، عن إسماعيل بن سالم عن عامر الشعبي].
(١٠) من (ز) و(ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(ي).
(١١) أخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" (١/ ١٦٥) من طريق محمد بن سليمان الباغندي الكبير، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن السدي. وسنده جيد. وعزاه السيوطي في "الدرر" (١/ ٢٢) لأبي الشيخ.
[ ١ / ٢٤٢ ]
وقال شعبة، عن السدي: بلغني أن ابن عباس قال: ﴿الم (١)﴾ اسم من أسماء الله (تعالى) (^١) الأعظم؛ هكذا رواه ابن أبي حاتم (^٢)، من حديث شعبة.
ورواه ابن جرير (^٣)، عن بندار، عن ابن مهدي، عن شعبة؛ قال: سألت السدي عن ﴿حم (١)﴾ [غافر: ١] و﴿طس﴾ [النمل: ١] و﴿الم (١)﴾ فقال: قال ابن عَبَّاس: هي اسم الله الأعظم.
وقال ابن جرير (^٤): وحدثنا محمد بن المثنى، حَدَّثَنَا أبو النعمان، حَدَّثَنَا شعبة، عن إسماعيل السدي، عن مرة الهمداني؛ قال: قال عبد الله … فذكر نحوه.
[وَحُكِىَ مثله عن علي، وابن عباس] (^٥).
وقال علي بن أبي طلحة (^٦)، عن ابن عباس: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله تعالى.
_________________
(١) زيادة من (ج) و(ل) و(هـ).
(٢) في "تفسيره" (٤٤) من طريق يحيى بن عباد، عن شعبة. [وسنده ضعيف لأن السدي رواه بلاغًا].
(٣) في "تفسيره" (٢٣٣) قال: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى، قال: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة. فقول ابن كثير: "رواه ابن جرير عن بندار" سبق قلم، و"بندار" لقب لمحمد بن بشار، وهو من شيوخ الطبري أيضًا، وإنما رواه الطبري عن محمد بن المثنى، لا عن محمد بن بشار إلا أن يكون التصحيف وقع في "تفسير الطبري" والله أعلم، ثم ابن مهدي أثبت في شعبة من يحيى بن عباد الضبعي، ولكن رواية ابن مهدي تؤول إلى رواية يحيى بن عباد، فإنه يبعد سماع السدي من ابن عباس، إنما يروى عنه بواسطة، وليس له عن ابن عباس في الكتب الستة ولا في مسند أحمد غير حديث واحد رواه أبو داود (٣٠٤١) في "كتاب الخراج"، فعلق عليه المنذري في "تهذيب سننن أبي داود" (٤/ ٢٥١) بقوله: "في سماع السدي من عبد الله بن عباس نظر، وإنما قيل: إنه رآه، ورأى ابن عمر، وسمع من أنس بن مالك ﵃ ". اهـ.
(٤) في "تفسيره" (٢٣٤).
(٥) ساقط من (ز).
(٦) أخرجه ابن جرير (٢٣٦) من طريق أبي صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة وهذه الصحيفة عن ابن عباس، والتي يرويها علي بن أبي طلحة في ثبوتها اختلاف بين أهل العلم، لأنهم أجمعوا على أن علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، ولم يره. صرّح بذلك دحيم وأبو حاتم الرازي، كما في "المراسيل" (ص ١٤٠)؛ وابن معين، كما في سؤالات يزيد بن الهيثم، رقم (٢٦٠)؛ وابن حبان في "الثقات" (٧/ ٢١١)؛ والخطيب في "الموضح" (١/ ٣٥٥)، ونقل الإجماع أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (ص ٣٩٤) وتبعهم في ذلك الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٥١)؛ والشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر في تعليقه على "تفسير الطبري" (٢/ ٥٢٧، ٥٢٨؛ و٣/ ٢٢٣ و٧/ ٥٣٨)، وشيخنا الألباني في "الصحيحة" (١٥٧٥). بينما يقول السيوطي في "الإتقان" (٢/ ٥): "وطريق علي بن أبى طلحة عن ابن عباس من أصح الطرق عنه". وعليها اعتمد البخاري في "صحيحه". اهـ. وأومأ الحافظ ابن حجر إلى ثبوتها فقال في "الفتح" (٨/ ٤٣٨، ٤٣٩): "وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث، رواها عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وهي عند البخاري، عن أبي صالح، وقد اعتمد عليها في "صحيحه" فيما يعلقه عن ابن عباس". وقد أسند أبو جعفر النحاس في "معاني القرآن" عن أحمد بن حنبل قال: "إن بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة، لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصدًا، ما كان كثيرًا" وليس قول أحمد صريحًا في ثبوتها، ما فيها إلا الإيماء، وإنما صححها من قبلها من العلماء على اعتبار أن عليًا يرويها عن مجاهد، فقد ذكر المزي في "التهذيب" (٢٠/ ٤٩٠) رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ثم قال: "مرسل بينهما مجاهد"، ولو ثبت عندنا أن الواسطة مجاهد لحكمنا بقوة هذا الإسناد، وقال السيوطي =
[ ١ / ٢٤٣ ]
وروى ابن أبي حاتم، وابن جرير (^١)، من حديث ابن عُلية، عن خالد الحذاء، عن عكرمة - أنه قال: ﴿الم (١)﴾ قسمٌ.
ورَويا (^٢) أيضًا من حديث شريك بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: ﴿الم (١)﴾ قال: أنا الله أعلم. وكذا قال سعيد بن جبير (^٣).
وقال السدي (^٤)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ ﴿الم (١)﴾ قال: أما ﴿الم (١)﴾ فهي حروف استفتحت من حروف هجاء (اسم) (^٥) الله تعالى.
وقال أبو جعفر (^٦) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية - في قوله تعالى: ﴿الم (١)﴾ - قال: هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفًا: دارت فيها الألسن كلها ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم.
قال عيسى بن مريم ﵇، وعجب؛ فقال: وأعجب أنهم ينطقون بأسمائه، ويعيشون في رزقه، فكيف يكفرون به؟ فالألف مفتاح (اسمه) (^٧) "الله"، واللام مفتاح اسمه لطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد، فالألف آلاء الله، واللام لطف الله، والميم مجد الله، والألف سنة، واللام (ثلاثون) (^٨)
_________________
(١) = في "الإتقان" (٤/ ٢٠٧): "وقال قوم: لم يسمع ابن أبي طلحة من ابن عباس التفسير، وإنما أخذه عن مجاهد أو سعيد بن جبير، قال ابن حجر: بعد أن عرفت الواسطة، وهو ثقة، فلا ضير من ذلك". اهـ. وقد علقها البخاري بصيغة الجزم عن ابن عباس، ولم يمرض الصيغة إلا في موضعين (٨/ ٢٤٥، ٥٦٣) ومرضها أيضًا في موضعين آخرين (٨/ ٦٨٥، ٧١١) من طريق آخر عن ابن عباس، وفي النفس غصة من تجويد هذا الإسناد، ولم أقف على قائل هذا القول: أن الواسطة بين ابن أبي طلحة وابن عباس هو مجاهد أو سعيد بن جبير، ولا على دليله على ذلك، ولقد مررت على كثير من كتب الحديث فلم أر لعلي بن أبي طلحة عن مجاهد إلا الحرف بعد الحرف، ولو سلمنا أنه روى عن مجاهد هذه الصحيفة، وهي طويلة، فما المصلحة من إسقاطه، وجعل السند منقطعًا؛ والذي يترجح عندي هو ضعف هذا الإسناد واللّه أعلم. [يمكن الوقوف على ذكر الواسطة بأنه مجاهد في مقدمة التفسير الصحيح فقد صرّح النسائي في تفسيره وابن زنجويه في الأموال].
(٢) في "تفسيره" (٥٢) قال: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج. وابن جرير (٢٣٧) قال: حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم كلاهما قال: ثنا ابن علية بسنده سواء. وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٣)؛ وابن جرير (٢٣٨)؛ والنحاس في "القطع والائتناف" (ص ١٩١)؛ والبيهقي في "الصفات" (١/ ١٦٤) وسنده ضعيف، لضعف شريك النخعي، واختلاط عطاء بن السائب. وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٢٢) لوكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
(٤) أخرجه ابن جرير (٢٣٩) وسنده ضعيف كسابقه.
(٥) أخرجه ابن جرير (٢٤٠)؛ والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١/ ١٦٥) وسنده حسن.
(٦) في (ز) و(ن): "أسماء". [وسنده ضعيف لأن السدي خلط بين الأسانيد].
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٩). وهو عند ابن جرير (٢٤٣، ٢٤٤) من وجهين آخرين عن أبي جعفر الرازي لكنه جعله من قول الربيع بن أنس حسب. [وسنده جيد].
(٨) كذا في (ج) و(ع) و(ل) و(هـ) و(ي) ووقع في (ز) و(ك) و(ن): "اسم".
(٩) ساقط من (ج).
[ ١ / ٢٤٤ ]
سنة، والميم أربعون (سنة) (^١).
هذا لفظ ابن أبي حاتم. ونحوه رواه ابن جرير؛ ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال، ويوفق بينها، وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخَر، وأن الجمع ممكن؛ فهي أسماء للسور، ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور؛ فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته؛ كما افتتح سورًا كثيرةً بتحميده وتسبيحه وتعظيمه؛ قال: ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله، وعلى صفة من صفاته، وعلى مدة؛ وغير ذلك؛ كما ذكره الربيع بن أنس، عن أبي العالية؛ لأن الكلمة الواحدة تطلق على (معان) (^٢) كثيرة؛ كلفظة "الأمة"؛ فإنها تطلق ويراد به الدين؛ كقوله (تعالى) (^٣): ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] وتطلق ويراد بها الرجل المطيع للّه؛ كقوله (تعالى) (^٢): ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾ [النحل] وتطلق ويراد بها الجماعة؛ كقوله (تعالى) (^٢): ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣] وقوله (تعالى) (^٢): ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦] وتطلق ويراد بها الحين من الدهر؛ كقوله (تعالى) (^٢): ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] أي: بعد حين، على أصح القولين - قال: فكذلك هذا.
هذا حاصل كلامه موجهًا؛ ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية؛ فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا وعلى هذا معًا، (ولفظ) (^٤) "الأمة" وما (أشبهه) (^٥) من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دلَّ في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام، فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول، ليس هذا موضع البحث فيها. والله أعلم.
ثم إن (لفظ) (^٦) "الأمة" يدلُّ على كل من (معانيه) (^٧) في سياق الكلام بدلالة الوضع، فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدلُّ على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخَر في التَّقديرُ أو الإضمار بوضع ولا بغيره؛ فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف.
والمسألة مختلف فيها، وليس فيها إجماع حتَّى يحكم به، وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة فإن في السياق ما يدلُّ على ما حذف بخلاف هذا؛ كما قال الشاعر (^٨):
قلنا لها قفى لنا فقالت قاف … لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف
تعني: وقفت.
_________________
(١) ساقط من (ز).
(٢) في (ج): "معاني" بإثبات الياء.
(٣) من (ن).
(٤) كذا في (ص) وفي سائر "الأصول": "لفظة" وقد اخترت ما في (هـ) لأن المصنف سيكررها.
(٥) كذا في سائر "الأصول"، وفى (ز) و(ن): "أشبهها".
(٦) في (ك) و(ن): "لفظة".
(٧) كذا في سائر "الأصول"، وفي (ن): "معانيها".
(٨) هذا الرجز للوليد بن عقبة كما ذكر الشيخ محمود شاكر في تحقيقه "الطبري" (١/ ٢١٢). والإيجاف: حث الدابة على سرعة السير.
[ ١ / ٢٤٥ ]
وقال الآخر (^١):
ما للظليم عال؟ كيف لايا … ينقد عنه جلده إذا يا
فقال ابن جرير: كأنه أراد أن يقول: إذا يفعل كذا وكذا، فاكتفى بالياء من يفعل.
وقال الآخر (^١):
بالخير خيرات وإن شرًّا فا … ولا أريد الشر إلا أن تا
يقول: وإن شرًا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء، فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما، ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام. واللّه أعلم.
[قال القرطبي (^٢): وفي الحديث (^٣): "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة … " الحديث، قال (سفيان) (^٤): هو أن يقول في "أقتل" "أق"] (^٥).
وقال خصيف (^٦)، عن مجاهد: إنه قال: فواتح السور كلها: ﴿قَ﴾ و﴿ص﴾ و﴿حمَ (١)﴾ و﴿طسم (١)﴾ و﴿الر﴾ وغير ذلك، هجاء موضوع.
وقال بعض أهل العربية: هي حروف من حروف المعجم، استغنى بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفًا؛ كما يقول القائل: ابني يكتب في - أب ت ث -؛ أي: في حروف المعجم الثمانية والعشرين، فيستغني بذكر بعضها عن
_________________
(١) انظر: "تفسير الطبري" (١/ ٢١٣).
(٢) في "تفسيره" (١/ ١٥٦).
(٣) أخرجه ابن ماجة (٢٦٢٠)؛ وأبو يعلى (ج ١٠/ رقم ٥٩٠٠)؛ وابن أبي عاصم في "الديات" (ص ٢٣)؛ والعقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٣٨٢)؛ وابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ١٠٤)؛ عن ابن عدي وهذا في "الكامل" (٧/ ٢٧١٤، ٢٧١٥)؛ والبيهقي في "الكبرى" (٨/ ٢٢) من طريق يزيد بن زياد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعًا فذكره ونقل الذهبي في "الميزان" (٤/ ٤٢٥)؛ والحافظ في "التلخيص" (٤/ ١٤) أن أبا حاتم الرازي قال: "باطل موضوع" وعزا الحافظ هذا النقل لـ"علل الحديث"؛ لابن أبي حاتم ولم أجده فيه، ولكن نقل ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٤/ ٢/ ٢٦٣)، عن أبيه أنه قال في يزيد بن أبي زياد "ضعيف الحديث، كأنه حديثه موضوع" ونقل ابن الجوزي عن الإمام أحمد أنه قال: "ليس هذا الحديث بصحيح" وقال ابن عدي: "ليس بمحفوظ، وليزيد غير هذين الحديثين، وكل رواياته مما لا يتابع عليه في مقدار ما يرويه". ونقل العقيلي عن البخاري قال: "يزيد هذا منكر الحديث" قال العقيلي: "ولا يتابعه إلا من هو نحوه"؛ وأخرجه نعيم بن حماد في "الفتن" (ص ١٠٥) عن سعيد بن المسيب مرسلًا ولا يصح أيضًا. واختلف في سنده فرواه سالم الأفطس عن سعيد بن المسيب عن عمر مرفوعًا. أخرجه ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ٧٥) وقال: "هذا حديث موضوع لا أصل له من حديث الثقات"؛ وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٧٤) عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر مرفوعًا مثله. وهو منكر أيضًا، وللحديث شواهد عن ابن عباس وابن عمر، وكلها ساقطة، لا يلتفت لواحد منها، فالصواب أن هذا الحديث منكر. وقد فصلت الكلام عليه في "تسلية الكظيم" فللَّه الحمد.
(٤) كذا في (ن) و(هـ) وهو الصواب، ووقع في بقية "الأصول": "شقيق" وهو خطأ، وقائل هذه العبارة هو سفيان بن عيينة كما في "التلخيص" (٤/ ١٥) للحافظ.
(٥) ساقط من (ز) و(ض).
(٦) أخرجه ابن جرير (٢٤٢) بسند ضعيف. وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٢٣) لابن المنذر.
[ ١ / ٢٤٦ ]
مجموعها؛ حكاه ابن جرير (^١).
قلت: مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفًا وهي - ا ل م ص ر ك هـ ي م ط (س) (^٢) ح ق ن - يجمعها قولك: "نص حكيم قاطع له سر"؛ وهي نصف الحروف عددًا، والمذكور منها أشرف من المتروك؛ وبيان ذلك من صناعة التصريف.
[قال الزمخشري (^٣): وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على (أنصاف) (^٤) أجناس الحروف؛ يعني: من المهموسة والمجهورة، ومن الرخوة والشديدة، ومن المطبقة والمفتوحة، ومن المستعلية والمنخفضة،] (^٥) [ومن حروف القلقلة. وقد سردها مفصلةً؛ ثم قال: فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته. وهذه الأجناس المعدودة (مكثورة) (^٦) بالمذكورة منها؛ وقد "علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله] (^٧).
ومن هاهنا (لخص) (^٨) بعضهم في هذا المقام كلامًا؛ فقال: لا شكَّ أن هذه الحروف لم ينزلها ﷾ عبثًا ولا سدًى؛ ومن قال من الجهلة: (إن) (^٩) في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية فقد أخطأ خطأً كبيرًا، فتعين أن لها معنًى في نفس الأمر؛ فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به، وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين؛ وإنما اختلفوا؛ فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه، وإلا فالوقف حتَّى يتبين. هذا مقام.
المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ما هي؟ مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها.
فقال بعضهم: إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور. حكاه ابن جرير (^١٠)؛ (وهذا ضعيف) (^١١)؛ لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوةً وكتابةً.
وقال آخرون: بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن، حتَّى إذا استمعوا له تلا عليهم المؤلف منه.
حكاه ابن جرير (^١٢) أيضًا؛ وهو ضعيف أيضًا؛ لأنَّهُ لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها، بل غالبها ليس كذلك؛ ولو كان كذلك أيضًا لا نبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك.
_________________
(١) في "تفسيره" (١/ ٢٠٩ - شاكر).
(٢) في (ح): (م) وهو سبق قلم.
(٣) انظر: "الكشاف" (١/ ١٧).
(٤) في (ن) و(ص): "أصناف".
(٥) ساقط من (ز) و(ض).
(٦) كذا في (ع) و(ن) و(هـ) و(ي) وهو الموافق لما في "الكشاف" (١/ ١٧) ووقع في (ج) و(ك) و(ل): "ثلاثون".
(٧) ساقط من (ز) و(ض).
(٨) كذا في (ع) و(ن) و(ص) و(ي) ووقع في "ز" و(ك): "لحظ" وفي (ج) و(ل): "يخص"!
(٩) وقع في (ج) و(ز) و(ك) و(ل): "إنه".
(١٠) في "تفسيره" (١/ ٢٢٠ - ٢٢٤).
(١١) في (ج): "وهذا حكاه ضعيف" وكأن صوابه: "وهذا الذي حكاه ضعيف".
(١٢) في "تفسيره" (١/ ٢١٠ - شا كر).
[ ١ / ٢٤٧ ]
ثم إن هذه السورة والتي تليها - أعني البقرة وآل عمران - مدنيتان ليستا خطابًا للمشركين، فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه.
وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله؛ هذا مع أنه (مركب) (^١) من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. [وقد حكى هذا المذهب (فخر الدين) (^٢) الرازي في "تفسيره" عن المبرد وجمع من المحققين] (^٣).
[وَحكى القرطبي (^٤) عن الفراء وقطرب نحو هذا، وقرره الزمخشري (^٥) في "كشافه"، ونصره أتم نصر. وإليه ذهب الشيخ (الإمام) (^٦) العلامة (شيخ الإسلام) (^٧) أبو العباس (أحمد) (^٨) (بن عبد الحليم) (^٩) لابن تيمية، وشيخنا الحافظ (الجهبذ) (^١٠) (الإمام) (^١١) أبو الحجاج (المزي) (^١٢)، وحكاه لي عن (أبي العباس) (^١٣) ابن تيمية.
قال الزمخشري (^٦): ولم ترد كلها مجموعةً في أول القرآن، وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي (والتبكيت) (^١٤)، كما كررت قصص كثيرة، وكرر (التحدي) (^١٥) (بالتصريح) (^١٦) في أماكن؛ قال: وجاء (منها) (^١٧) على حرف واحد؛ كقوله: ﴿ص﴾، ﴿ن﴾، ﴿ق﴾. وحرفين، مثل: ﴿حم (١)﴾. وثلاثة، مثل: ﴿الم (١)﴾. وأربعة، مثل: ﴿المر﴾ و﴿المص (١)﴾] (^١٨).
(١٩) [وخمسة، مثل: ﴿كهيعص (١)﴾ و﴿حم (١)﴾ ﴿عسق (٢)﴾؛ لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات؛ ما هو على حرف، وعلى حرفين، وعلى ثلاثة، وعلى أربعة، وعلى خمسة؛ لا أكثر من ذلك.
قلت] (^١٩) ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف، فلا بدّ أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظمته؛ وهذا معلوم بالاستقراء؛ وهو الواقع في تسع وعشرين سورةً، ولهذا يقول تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ١، ٢] ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ١ - ٣] ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١، ٢] ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: ١] ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾
_________________
(١) كذا في (ك) و(ن) و(ي) وفي (هـ): "ركب" وفي (ج) و(ل): "تركب" وسقط هذا اللفظ من (ز).
(٢) ساقط من (ن) و(هـ).
(٣) ساقط من (ز).
(٤) في "تفسيره" (١/ ١٥٥).
(٥) في "الكشاف" (١/ ١٢).
(٦) ساقط من (ى).
(٧) من (ك).
(٨) ساقط من (ك) و(ن).
(٩) من (ك) و(هـ).
(١٠) ساقط من (هـ) ووقع في (ن): "المجتهد".
(١١) من (ي).
(١٢) في (ك): "النرى"!
(١٣) من (هـ).
(١٤) في (ك): "التسكيت".
(١٥) في (ك): "البخاري"
(١٦) كذا في (ج) و(ل) و(هـ) وفي باقي "الأصول": "بالصريح".
(١٧) في (ج): "فيها".
(١٨) ساقط من (ز).
(١٩) ساقط من (ز).
[ ١ / ٢٤٨ ]
[السجدة] ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾ [فصلت: ١، ٢] ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ [الشورى: ١ - ٣] وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن (أنعم) (^١) النظر. واللّه أعلم.
وأما من زعم أنها دالة على معرفة المُدد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فقد ادعى ما ليس له؛ وطار في غير مطاره، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف (^٢)؛ وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته، وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار صاحب "المغازي": حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب؛ قال: مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله ﷺ، وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود؛ فقال: تعلمون والله، لقد سمعت محمدًا يتلو فيما أنزل (الله) (^٣) (تعالى) (^٤) عليه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ فقال: أنت سمعته؟ قال: نعم. قال: فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من (يهود) (^٥) إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: يا محمد؛ ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فقال رسول الله ﷺ: "بلى". فقالوا: جاءك بهذا جبريل من عند الله؟ فقال: "نعم". قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بيَّن لنبي منهم ما مدة ملكه، وما أجل أمته غيرك!
(فقال) (^٦) حُيي بن أخطب، وأقبل على من كان معه، فقال لهم: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون؛ فهذه إحدى وسبعون سنةً؛ أفتدخلون في دين نبيٍّ إنما مدة ملكه، وأجل أمته، إحدى وسبعون سنةً؛ ثم أقبل على رسول الله ﷺ فقال: يا محمد؛ هل مع هذا غيره؟ فقال: نعم، قال: ما ذاك؟ قال: ﴿المص (١)﴾ [الأعراف]. قال: هذا أثقل وأطول، الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون. فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة. هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: نعم. قال ما ذاك؟ قال: الر. قال: هذا أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنةً، فهل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: "نعم". قال: ماذا؟ قال: ﴿المر﴾ [الرعد: ١] قال: هذا أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان؛ فهذه إحدى وسبعون ومائتان.
ثم قال: لقد لبَّس علينا أمرك يا محمد حتَّى ما ندري أقليلًا أعطيت أم كثيرًا. ثم قال: قوموا عنه.
_________________
(١) كذا في (ج) و(ع) وأشار إليها في (ى) ووقع في (ز) و(ك) وال) و(ن) و(هـ) و(ي): "أمعن" وأشار إليه ناسخ (ع) وهما بمعنى. والله أعلم.
(٢) بل منكر، أخرجه ابن جرير (٢٤٦) وأطال الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر في نقده (١/ ٢١٨ - ٢٢٥) فراجعه.
(٣) من (ز) و(ع) و(ك) و(ن) و(ي). وفي (ج) و(ل) و(هـ): "أنزل عليه" لما لم يسم فاعله.
(٤) من (ن).
(٥) في (ز) و(ن): "اليهود".
(٦) في (ز): "فقام".
[ ١ / ٢٤٩ ]
ثم قال أبو ياسر لأخيه حُيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمدٍ كله إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان؛ فذلك سبعمائة وأربع سنين.
فقالوا: لقد تشابه علينا أمره؛ فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧].
فهذا (الحديث) (^١) مداره على محمد بن السائب الكلبي، وهو ممن لا يحتج بما انفرد به. ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحًا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها، وذلك يبلغ منه جملة كثيرة، وإن حسبت مع التكرار فأطم وأعظم (^٢). واللّه أعلم.
[قال الطبراني (^٣): حَدَّثَنَا فضيل بن محمد، حدّثنا أبو نعيم، حدّثنا أبو العميس، سمعت الشعبي يقول: (قال عبد الله) (^٤): "من قرأ عشر آيات من البقرة في بيت، لم يدخله شيطان تلك الليلة حتَّى يصبح: أربعًا من أولها، وآية الكرسي، (وآيتين) (^٥) بعدها، وخواتيمها"] (^٦).
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾.
قال (ابن جريج) (^٧): قال ابن عَبَّاس: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (أي) (^٨) هذا الكتاب. وكذا قال مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير، والسدي، ومقاتل بن حيان، وزيد بن أسلم، وابن جريج أن "ذلك" بمعنى هذا؛ والعرب (تقارض) (^٩) بين (هذين الاسمين) (^١٠) الإشارة؛ فيستعملون كلًّا منهما مكان الآخر. وهذا معروف في كلامهم [وقد حكاه البخاري عن معمر بن المثنى أبي عبيدة] (^١١).
[وقال (^١٢) [الزمخشري (^١٣): ذلك إشارة إلى ﴿الم (١)﴾، كما قال (تعالى) (^١٤): ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] وقال (تعالى) (^١٤)] (^١٣): ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ١٠] وقال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ [غافر: ٦٢] وأمثال ذلك (^١٥) [مما أشير به إلى ما تقدم ذكره (^١٥). والله أعلم] (^١٦).
_________________
(١) من (ن).
(٢) في (ع): "بلغ مقابلة بنسخة المصنف فسح الله في مدته".
(٣) في "المعجم الكبير" (ج ٩/ رقم ٨٦٧٣). وأخرجه الدارمي (٢/ ٣٢٢) قال: حَدَّثَنَا جعفر بن عون، أنا أبو العميس به وسنده جيد، وتكلمت عليه في أول السورة، وذكرت له متابعًا آخر هناك. فالحمد للّه.
(٤) سقط من (ج) و(ل) واستدركته من "المعجم".
(٥) في (ل): "اثنين".
(٦) من (ج) و(ل).
(٧) في (ك): "ابن جرير"! [سنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من ابن عباس، ويتقوى بالآثار التي تليه].
(٨) من (ن).
(٩) في (ن): "تعارض".
(١٠) كذا في سائر "الأصول"، وفي (ن): "بين اسمى الإشارة".
(١١) ساقط من (ز).
(١٢) ساقط من (هـ).
(١٣) في "الكشاف" (١/ ١٤).
(١٤) من (ن).
(١٥) ساقط من (ك).
(١٦) ساقط من (ز).
[ ١ / ٢٥٠ ]
[وقد ذهب بعض المفسرين فيما) (^١) حكاه القرطبي (^٢) وغيره] (^٣) [أن "ذلك" إشارة إلى القرآن الذي وُعِد الرسول ﷺ بإنزاله عليه، أو التوراة، أو الإنجيل، أو نحو ذلك في أقوال عشرة. وقد ضعف هذا المذهب كثيرون. واللّه أعلم] (^٤).
والكتاب: القرآن. ومن قال: إن المراد بـ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ الإشارة إلى التوراة والإنجيل كما حكاه ابن جرير (^٥) وغيره، فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع، وتكلف ما لا علم له به.
والريب (^٦): الشك. قال السدي (^٧)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شكَّ فيه.
وقاله أبو الدرداء (^٨)، وابن عباس (^٩)، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، (ونافع) (^١٠) مولى ابن عمر، وعطاء، وأبو العالية، والربيع (^١١) بن أنس، ومقاتل بن حيان، والسدي، وقتادة (^١٢)، وإسماعيل بن أبي خالد، وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم في هذا خلافًا.
_________________
(١) في (ج): "مما".
(٢) في "تفسيره" (١/ ١٥٧، ١٥٨).
(٣) ساقط من (ك).
(٤) ساقط من (ز).
(٥) انظر: "تفسير الطبري" (١/ ٢٢٧، ٢٢٨ - شاكر).
(٦) جاء في حاشية النسخة (ع): "قال الشيخ الإمام شمس الدين بن القيم عليه الرحمة: الريب ضد الطمأنينة واليقين، فهو قلق واضطراب وانزعاج، كما أن اليقين والطمأنينة ثبات واستقرار، والفرق بين الشك والريب من وجوه: أحدها: أنه يقال: شك مريب، ولا يقال: ريب مشك. الثاني: أن يقال: رابني أمر كذا، ولا يقال: شككني. الثالث: أن يقال: رابه يريبه، إذا أزعجه وأقلقه، ومنه قول النَّبِيّ ﷺ وقد مر بظبي خائف في أصل شجرة: "لا يريبه أحد"، ولا يحسن هنا أن يقال: لا يشككه أحد. الرابع: أنه لا يقال للشاك في طلوع الشمس أو غروبها، أو دخول الشهر، أو وقت الصلاة: هو مرتاب في ذلك، وإن كان شاكًا فيه. الخامس: أن يقال: رابني مجيئه وذهابه وفعله، ولا يقال: شككني، فإن الشك سبب الريب، فإنه يشك أولًا، فيوقعه شكه في الريب، فالشك مبدأ الريب، كما أن العلم مبدأ اليقين". اهـ. (*) قلت: ثم وجدت كلام ابن القيم، بحمد الله، في "بدائع الفوائد" (٤/ ١٠٧) فأضاف سادسًا، وهو في ترتيبها "خامسًا" قال: "إن الريب ضد الطمأنينة واليقين، فهو قلق واضطراب وانزعاج كما أن اليقين والطمأنينة ثبات واستقرار". وقد مضى في مطلع كلام الناقل عن ابن القيم فكأنه تصرف في عبارته. واللّه أعلم.
(٧) أخرجه ابن جرير (٢٥٤). وقال ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥٥): "ولا أعلم في هذا الحرف اختلافًا بين المفسرين".
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥٥) من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع، ثنا حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن عبد الرحمن بن مسعود الفزاري، عن أبي الدرداء قال: الريب؛ يعني: الشك من الكفر وأخرجه أحمد في "الزهد" (ص ١٤١) وقال: حَدَّثَنَا هاشم بن القاسم، ثنا حريز بسنده سواء ولم يذكر الشك. وذكر كلامًا آخر. ورجاله ثقات، إلا عبد الرحمن بن مسعود الفزاري، فذكره ابن حبان في (الثقات" (٥/ ١٠٨) وقال: "يروى عن أبي الدرداء، عداده في أهل الشام". [ويتقوى بما يليه].
(٩) أخرجه ابن جرير (٢٥٥، ٢٥٦) بسندين ضعيفين. [ويتقوى بما يليه].
(١٠) ساقط من (ج).
(١١) أخرجه ابن جرير (٢٥٨) بسند منقطع.
(١٢) أخرجه ابن جرير (٢٥٧) وعبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٣٩) بسند قوي.
[ ١ / ٢٥١ ]
[وقد يستعمل الريب في التهمة؛ قال جميل (^١):
بثينة قالت: يا جميل أربتني … فقلت كلانا يا بثين مريب
واستعمل أيضًا في الحاجة، كما قال بعضهم (^١):
قضينا من تهامة كل ريب … وخيبر ثم (أجمعنا) (^٢) السيوفا] (^٣)
ومعنى الكلام (هنا) (^٤) أنه هذا الكتاب، وهو القرآن لا شكَّ فيه أنه (منزل) (^٥) من عند الله، كما قال (تعالى) (^٦) في السجدة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾.
[وقال بعضهم: هذا خبر، ومعناه النهي؛ أي: لا ترتابوا فيه] (^٣).
ومن القراء من يقف على قوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ﴾ ويبتدئ بقوله تعالى: ﴿فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ والوِقف على (قوله تعالى) (^٧): ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أولى للآية التي ذكرناها، ولأنه يصير قوله تعالى: ﴿هُدًى﴾ صفة للقرآن؛ وذلك أبلغ من (كون) (^٨) ﴿فِيهِ هُدًى﴾.
وهدًى: يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعًا على النعت، ومنصوبًا على الحال، وخصت الهداية للمتقين، كما قال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن؛ لأنَّهُ هو في نفسه هدىً، ولكن لا يناله إلا الأبرار؛ كما قال (تعالى) (^٩): ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧].
وقد قال السُّدي (^١٠)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مُرَّةَ الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ يعني: نورًا للمتقين.
وقال الشعبي: هدى من الضلالة (^١١).
وقال سعيد بن جبير: تبيان للمتقين، وكل ذلك صحيح. وقال السدي (^١٢): عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس. وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب
_________________
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (١/ ١٥٩)، وعزا في "اللسان"، مادة: ريب، البيت الثاني إلى كعب بن مالك الأنصاري، وكذلك عزاه إليه ابن الأنباري في "الْوَقْف والابتداء" (ص ٥٧).
(٢) في (ك) و(ص): "أجمعنا" وهو تصحيف ظاهر.
(٣) ساقط من (ز).
(٤) زيادة من (*) و(ل) و(ن).
(٥) في (ز) و(ن): "نزل".
(٦) زيادة من (ز) و(ن).
(٧) من (ز) و(ن)، وفي (ل): "قوله" ولم يذكر "تعالى".
(٨) في (هـ): "كونه".
(٩) زيادة من (ن) و(ص).
(١٠) أخرجه ابن جرير (٢٦٠، ٢٦٣). [وسنده ضعيف].
(١١) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق بيان عن الشعبي].
(١٢) أخرجه ابن جرير (٢٦٠ - ٢٦٣).
[ ١ / ٢٥٢ ]
رسول الله ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾: قال: هم المؤمنون (^١).
[وقال أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿هُدًى﴾ (^٢) ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ قال (للمؤمنين) (^٣) ﴿الَّذِينَ﴾ [البقرة: ٣] (يتقون) (^٤) الشرك بي، ويعملون بطاعتي] (^٥).
وقال محمد بن (^٦) إسحاق، عن محمد (بن أبي محمد) (^٧) مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو (عن) (^٨) سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به.
[وقال سفيان (^٩) الثوري، عن رجل، عن الحسن البصري - قوله تعالى: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ - قال: اتقوا ما حرم (الله) (^١٠) عليهم] (^١١)، [وأدوا ما افترض عليهم] (^١٢).
وقال أبو بكر بن (^١٣) عياش: سألني الأعمش عن المتقين. قال: فأجبته، فقال لي: سل عنها الكلبي، فسألته، فقال: الذين يجتنبون كبائر الإثم. قال: فرجعت إلى الأعمش، فقال: (نرى) (^١٤) أنه كذلك ولم ينكره.
وقال قتادة (^١٥): ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ هم الذين نعتهم الله بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣] الآية والتي بعدها.
واختيار ابن (^١٦) جرير أن الآية تعم ذلك كله؛ وهو كما قال.
وقد روى الترمذي (^١٧)،
_________________
(١) [وسنده ضعيف].
(٢) من (ص).
(٣) في (ن): "هم المؤمنون".
(٤) في (ل): "يتعوذون".
(٥) هذا المقطع في (ز) متأخر عن الذي بعده. [وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يسمع من ابن عباس].
(٦) أخرجه ابن جرير (٢٦٢)؛ وابن أبي حاتم (٦٢) وسنده ضعيف تقدم التنبيه عليه. [لكن حسنه الحافظ ابن حجر والسيوطي، واعتبره الشيخ محمد نسيب الرفاعي من الأسانيد الثابتة، وحسنه ابن بشير كما في مقدمة التفسير الصحيح ١/ ٣٨، ٣٩].
(٧) ساقط من (ز).
(٨) ساقط من (ز) و(ن).
(٩) أخرجه ابن جرير (٢٦١) قال: حَدَّثَنَا سفيان بن وكيع، ثنا أبي، عن الثوري به وسنده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع، ولجهالة شيخ الثوري.
(١٠) من (ز) و(ن).
(١١) هذه الفقرة مقدمة في (ج) و(ل) على الفقرة السابقة عليها.
(١٢) (هذه الفقرة مقدمة في (ج) و(ل) على الفقرة السابقة عليها.
(١٣) أخرجه ابن جرير (٢٦٤).
(١٤) في (ن): "يرى".
(١٥) أخرجه ابن جرير (٢٦٥). [وسنده صحيح].
(١٦) (١٦) في "تفسيره" (١/ ٢٣٣، ٢٣٤).
(١٧) أخرجه الترمذي (٢٤٥١) وقال: "حسن غريب"؛ وابن ماجة (٤٢١٥)؛ وعبد بن حميد في "المنتخب" (٤٨٤)؛ والبخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ١/ ١٥٨)؛ وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦٠)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ١٧/ رقم ٤٤٦)؛ والحاكم (٤/ ٣١٩)؛ والبيهقي في "سننه" (٥/ ٣٣٥)، وفي "الشعب" (ج ١٠/ رقم ٥٣٦١)؛ والقضاعي في "مسند الشهاب" (٩٠٩، ٩١٠، ٩١١، ٩١٢) من طريق هاشم بن القاسم قال: ثنا أبو عقيل عبد الله بن عقيل بسنده سواء. قال الحاكم: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي!! وليس كما =
[ ١ / ٢٥٣ ]
وابن ماجة، من رواية أبي عقيل - (عبد الله بن عقيل) (^١)، عن عبد الله بن يزيد، عن ربيعة بن يزيد، وعطية بن قيس، عن عطية السعدي؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتَّى يدع ما لا بأس به حذرًا (لما) (^٢) به بأس". ثم قال الترمذي: "حسن غريب".
وقال ابن أبي حاتم (^٣): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا عبد الله بن عمران، حدّثنا إسحاق بن سليمان؛ يعني: الرازي، عن المغيرة بن مسلم، عن ميمون أبي حمزة؛ قال: كنت جالسًا عند أبي وائل، فدخل علينا رجل يقال له: أبو عفيف من أصحاب معاذ، فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيف!، ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل؟ قال: بلى، سمعته يقول: يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فينادي مناد: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن، لا يحتجب الله منهم ولا يستتر.
قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا للّه العبادة؛ فيمرون إلى الجنة.
[ويطلق الهدى ويراد به (ما يقر في) (^٤) القلب من الإيمان؛ وهذا لا يقدر على خلقه في قلوب العباد إلا الله ﷿. قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢] وقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وقال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] إلى غير ذلك من الآيات.
ويطلق ويراد به بيان الحق، وتوضيحه والدلالة عليه، والإرشاد إليه؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. وقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد] على تفسير من قال: المراد بهما الخير والشر؛ وهو الأرجح. واللّه أعلم.
وأصل التقوى التوقي مما يكره؛ لأن أصلها: "وقى" من الوقاية؛ قال النابغة (^٥)] (^٦):
[سقط النصيف ولم ترد إساقطه … فتناولته واتقتنا باليد
وقال (آخر) (^٧)] (^٨):
_________________
(١) = قالا، وعبد الله بن يزيد ترجمه ابن عدي (٤/ ١٥٥١) وقال: "سمعت ابن حماد؛ يعني: الدولابي، يقول: عبد الله بن يزيد الذي يروى عنه أبو عقيل الثقفي أحاديثه منكرة. قاله السعدي. وهذا الذي حكاه عن السعدي، لا أقف على معرفة ذلك". اهـ. والحديث رواه الدولابي في "الكنى" (٢/ ٣٤) وسقط بعض رجال السند، وليس عنده ما ذكره عنه ابن عدي. فالله أعلم، والكتاب كثير السقط والتحريف. فالحاصل أن السند ضعيف، لضعف عبد الله.
(٢) ساقط من (ج) ووقع في (هـ): "أبي عقيل عن عبد الله بن عقيل" وزيادة (عن) خطأ.
(٣) في (ز) و(ن): "مما".
(٤) في "تفسيره" (٦١) وسنده ضعيف، وميمون الأعور ضعيف، وأبو عفيف لم أعرفه، وما وجدت له ترجمةً. والله أعلم.
(٥) كذا في (ن) و(هـ) و(ي) ووقع في (ج) و(ك): "ما ينزل". وفي (ل) بياض.
(٦) وهو في "ديوانه" (ص ٣٤)، وانظر "تفسير القرطبي" (١/ ١٦١).
(٧) ساقط من (ز).
(٨) في (ن) و(هـ): "الآخر".
(٩) ساقط من (ز).
[ ١ / ٢٥٤ ]
[فألقت قناعا دونه الشمس وأتقت … بأحسن موصولين كفٍّ ومعصم
وقد قيل (^١): إن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أُبي بن كعب عن التقوى، فقال له: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال: بلى. قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت. قال: فذلك التقوى.
وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز؛ فقال:
خل الذنوب صغيرها … وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أر … ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة … إن الجبال من الحصى
وأنشد أبو الدرداء (^٢) يومًا:
يريد المرء أن يؤتى مناه … ويأبى الله إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي … وتقوى الله أفضل ما استفادا] (^٣)
[وفي "سنن ابن ماجة" (^٤)، عن أبي أُمامة ﵁؛ قال] (^٢): [قال رسول الله ﷺ: "ما استفاد المرء بعد تقوى الله (خيرًا) (^٥) (له) (^٦) من زوجة صالحة، إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله"] (^٧).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في "كتاب التقوى"، كما في "الدر" (١/ ٢٥)، عن محمد بن يزيد الرحبي قال: قيل لأبي الدرداء! إنه ليس أحد له بيت في الأنصار إلا قال شعرًا فما لك لا تقول؟ قال: وأنا قلت فاستمعوه، وذكره. وسنده ضعيف، ومحمد بن يزيد الرحبي ترجمه البخاري (١/ ١/ ٢٦١)؛ وابن حبان في "الثقات" (٩/ ٣٥)، وقالا: "يروى عن عروة بن رويم روى عنه إسماعيل بن عياش" فمع جهالته فظاهر أنه لم يدرك أبا الدرداء. واللّه أعلم.
(٢) ساقط من (ز).
(٣) وأخرج ابن أبي الدنيا في "كتاب التقوى"، كما في "الدر" (١/ ٢٤)، عن أبي هريرة أن رجلًا قال له: ما التقوى؟ قال: هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه، أو جاوزته، أو قصرت عنه. قال: ذاك التقوى.
(٤) أخرجه ابن ماجة (١٨٥٧)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٨/ رقم ٧٨٨١) من طريق هشام بن عمار، ثنا صدقة بن خالد، ثنا عثمان بن أبي عاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعًا قال البوصيري في "مصباح الزجاجة" (٧٠/ ٢): "هذا إسناد فيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، وعثمان بن أبي العاتكة مختلف فيه". اهـ. (*) قلت: كذا قال البوصيري: "علي بن زيد بن جدعان" وهو خطأ واضح، وكنت أظن الخلل من مطبوعة "الزوائد"، فراجعت مخطوطة الكتاب، وعندي نسختان، كلاهما بخط ولد البوصيري واسمه "محمد" النسخة الأولى كتبت سنة ٨٤ والنسخة الثانية كتبت في رمضان (٨٥٦) وكلتاهما اتفقتا على هذا الخطأ، والصواب أنه علي بن يزيد الألهاني، وهو واهٍ، وعثمان بن أبي العاتكة متماسك، لكن روايته عن علي بن يزيد ضعيفة أو واهية، وهشام بن عمار يضعف من قبل حفظه. فالسند ضعيف جدًّا.
(٥) في (ك) و(ص): "خير".
(٦) ساقط من (ن) و(ي).
(٧) ساقط من (ز).
[ ١ / ٢٥٥ ]
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾.
قال أبو جعفر (^١) الرازي، عن العلاء بن المسيب بن رافع، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله؛ قال: الإيمان: التصديق. وقال علي (^٢) بن أبي طلحة وغيره، عن ابن عباس ﵄: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يصدقون. وقال معمر (^٣)، عن الزهري: الإيمان: العمل.
وقال أبو جعفر (^٤) الرازي، عن الربيع بن أنس: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يخشون.
قال ابن جرير (^٥) (وغيره) (^٦): والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولًا واعتقادًا وعملًا؛ (قال) (^٦) وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل.
والإيمان كلمة جامعة (للإقرار) (^٧) باللّه وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل.
قلت: أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض، وقد يستعمل في القرآن والمراد به ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١] وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] وكذلك إذا استعمل مقرونًا مع الأعمال؛ كقوله (تعالى) (^٨): ﴿(إلَّا) (^٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ٣] فأما إذا استعمل مطلقًا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولًا وعملًا.
هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة؛ بل قد حكاه الشافعي، وأحمد بن حنبل، (وأبو عبيد) (^١٠)، وغير واحد إجماعًا: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.
وقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث أفردنا الكلام فيها في أول "شرح البخاري"؛ وللّه الحمد والمنة.
ومنهم من فسره بالخشية؛ (لقوله) (^١١) تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [الملك: ١٢] وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)﴾ [ق: ٣٣].
والخشية: خلاصة الإيمان والعلم؛ كما قال (تعالى) (^١٢): ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
[وقال بعضهم: يؤمنون بالغيب كما يؤمنون بالشهادة، وليسوا كما قال تعالى عن المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)﴾ [البقرة: ١٤] وقال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١] فعلى هذا يكون قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ (^١٣)
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٢٧١) قال: حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حَدَّثَنَا ابن أبي جعفر، عن أبيه وسنده ضعيف للانقطاع، وأبو إسحاق تغير.
(٢) أخرجه ابن جرير (٢٦٨). [وسنده ثابت].
(٣) أخرجه ابن جرير (٢٧٠) وسنده صحيح.
(٤) أخرجه ابن جرير (٢٦٩). [وسنده جيد].
(٥) في "تفسيره" (١/ ٢٣٥ - شاكر).
(٦) ساقط من (ن).
(٧) في (ن): "للإيمان".
(٨) من (ن).
(٩) في (ك): "ن".
(١٠) في (ن): "أبو عبيدة"، وهو أبو عبيد القاسم بن سلام.
(١١) في (ن) و(ص): "كقوله".
(١٢) من (ز) و(ن).
(١٣) ساقط من (ز).
[ ١ / ٢٥٦ ]
[﴿بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ حالًا؛ أي: في حال كونهم غيبًا عن الناس] (^١).
وأما الغيب المراد هاهنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه؛ وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد: قال أبو جعفر (^٢) الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ قال: يؤمنون باللّه وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، وجنته وناره، ولقائه؛ ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيب كله.
وكذا قال قتادة (^٣) بن دعامة.
وقال السدي (^٤)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ: أما الغيب: فما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار، وما ذكر في القرآن.
وقال محمد بن (^٥) إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ - قال: بما جاء منه -؛ يعنى: من الله تعالى.
وقال سفيان (^٦) الثوري، عن عاصم، عن زر؛ قال: الغيب: القرآن.
وقال عطاء بن (^٧) أبي رباح: من آمن باللّه فقد آمن بالغيب.
وقال إسماعيل (^٨) بن أبي خالد: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، قال: بغيب الإسلام.
وقال زيد بن (^٩) أسلم: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، قال: بالقدر؛ فكل هذه متقاربة في معنًى واحد؛ لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به.
وقال سعيد بن منصور (^١٠): حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن (يزيد) (^١١)؛ قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فذكرنا أصحاب النَّبِيّ ﷺ
_________________
(١) ساقط من (ز).
(٢) أخرجه ابن جرير (٢٧٦)؛ وابن أبي حاتم (٦٧) من طريقين عن أبي جعفر الرازي. وسنده حسن. [وقال الحافظ ابن حجر: سنده جيد. ينظر مقدمة التفسير الصحيح].
(٣) أخرجه ابن جرير (٢٧٥) وسنده صحيح.
(٤) أخرجه ابن جرير (٢٧٣). [وسنده ضعيف].
(٥) أخرجه ابن جرير (٢٧٢) وسنده [حسن].
(٦) أخرجه ابن جرير (٢٧٤)؛ وابن أبي حاتم (٦٩) من طريق أبي أحمد الزبيري، ثنا سفيان. وسنده صحيح.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٠) بسند قوي.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٧١). [بسند صحيح من طريق إبراهيم بن حميد عن إسماعيل بن أبي خالد].
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٢) بسند ضعيف، فيه عبد الله بن جعفر السعدي.
(١٠) في "تفسيره" (١٨٠). وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦٦)؛ وابن منده في "الإيمان" (٢٠٩)؛ والحاكم (٢/ ٢٦٠) من طرق عن الأعمش به قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي وهو كما قالا. [وصحح سنده الحافظ ابن حجر في الكافي الشافي ص ٤، ٥ (ح ٢٢)].
(١١) في (ك): "زيد" وهو خطأ.
[ ١ / ٢٥٧ ]
وما (سبقوا) (^١) به؛ فقال عبد الله: إن أمر محمد ﷺ كان بيّنًا لمن رآه؛ والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانًا أفضل من إيمان بغيب؛ ثم قرأ: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب …﴾ إلى قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥].
وهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم في "مستدركه" من طرق، عن الأعمش، به.
وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
وفي معنى هذا: الحديث الذي رواه (الإمام) (^٢) أحمد (^٣): حَدَّثَنَا أبو المغيرة، حَدَّثَنَا الأوزاعي، حدثني (أسيد) (^٤) بن عبد الرحمن، عن خالد بن دريك، عن ابن محيريز؛ قال: قلت لأبي جمعة: حَدَّثَنَا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ. قال: نعم، أحدثك حديثًا جيدًا: تغدينا مع رسول الله ﷺ، ومعنا أبو عبيدة بن الجراح؛ فقال: يا رسول الله؛ (أحد) (^٥) خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك! قال: "نعم، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني".
طريق أخرى: قال أبو بكر بن مردويه في "تفسيره" (^٦): حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر، حَدَّثَنَا
إسماعيل (بن) (^٧) عبد الله بن مسعود، حَدَّثَنَا عبد الله بن صالح، حَدَّثَنَا معاوية بن صالح، عن صالح بن جبير؛ قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري صاحب رسول الله ﷺ ببيت المقدس
_________________
(١) في (ن): "سبقونا".
(٢) زيادة من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).
(٣) في "مسنده" (٤/ ١٠٦). وأخرجه الدارمي (٢/ ٢١٧)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٤/ رقم ٣٥٣٨)؛ وابن قانع في "معجم الصحابة" (ج ٣/ ق ٣٦/ ١)؛ وأبو نعيم في "المعرفة" (ج ١/ ق ١٧٩/ ١)؛ وفي "الحلية" (٥/ ١٤٨، ١٤٩)؛ وابن عساكر في "تاريخه" (ج ٨/ ق ١٨٨)؛ ونجم الدين النسفي في "ذكر علماء سمرقند" (٧٦٧) من طرق عن الأوزاعي بسنده سواء. وقوى هذا الوجه: الحافظ في "الفتح" (٧/ ٧) وقد اختلف في إسناده على الأوزاعي وفصلته في "التسلية". [حسنه الحافظ ابن حجر الفتح ٧/ ٦].
(٤) في (ز) و(ك) و(ن): "أسد" مكبرًا، وهو خطأ.
(٥) في (ز) و(ن): "هل أحد" وفي (ك): "أأحد"، وأشار إلى هذه في (ي).
(٦) وعبد الله بن جعفر هو ابن أحمد بن فارس الأصبهاني أحد الثقات كما في "السير" (١٥/ ٥٥٣) وشيخه إسماعيل هو الملقب بـ"سمويه" صاحب الأجزاء والفوائد التي تنبئ بحفظه وسعة علمه وثقه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وغيرهما. وانظر "السير" (١٣/ ١٠، ١١)؛ وأخرجه البخاري في "خلق أفعال العباد" (١٢٤)، وفي "التاريخ الكبير" (١/ ٢/ ٣١١)؛ وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢١٣٦) والروياني في "مسنده" (ج ٣٣/ ق ٢٦٥/ ٢ - ٢٦٦/ ١)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٤/ رقم ٣٥٤٠)؛ والهروى في "ذم الكلام" (ق ١٤٨/ ١، ٢)؛ وابن عساكر في "تاريخه" (ج ٨/ ق ١٨٧، ١٨٨)؛ والنسفي في "الأربعين من حديث السلفي"، كما في "الإصابة" (٧/ ٦٧) للحافظ، من طريق عبد الله بن صالح بسنده سواء. قال الحافظ في "الفتح" (٧/ ٧): "وإسناد هذه الرواية أقوى من إسناد الرواية المتقدمة". (*) قلت: يعني الحافظ ﵀ بالرواية المتقدمة هي التي حكم بحسن إسنادها ويرويها أسيد بن عبد الرحمن، عن صالح بن جبير، عن أبي جمعة وفيها: "هل أحد خير منا؟ قال: نعم" أما في رواية معاوية بن صالح، عن صالح بن جبير ففيها: "هل قوم أعظم أجرًا منا؟ "، فليس هناك خير من الصحابة، وإن زاد بعضهم في الأجر عليهم في بعض العمل. هذا مراد الحافظ والله أعلم.
(٧) في (ن): "عن" وهو خطأ ظاهر.
[ ١ / ٢٥٨ ]
(ليصلي) (^١) فيه، ومعنا يومئذٍ رجاء بن (حيوة) (^٢) (﵁) (^٣)؛ فلما انصرف خرجنا نشيعه؛ فلما أراد الانصراف قال: إن لكم جائزةً وحقًا أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله ﷺ. قلنا: هات رحمكَ الله. قال: كنا مع رسول الله ﷺ، ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يا رسول الله، هل من قوم أعظم منا أجرًا؟ آمنا باللّه واتبعناك. قال: "ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحى من السماء؛ بل قوم (من) (^٤) بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به، ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرًا" - مرتين.
ثم رواه من حديث (^٥) ضمرة بن ربيعة، عن مرزوق بن نافع، عن صالح بن جبير، عن أبي جمعة، بنحوه.
وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوجادة التي اختلف فيها أهل الحديث، كما قررته في أول "شرح البخاري"؛ لأنَّهُ مدحهم على ذلك، وذكر أنهم أعظم أجرًا من هذه الحيثية لا مطلقًا.
وكذا الحديث الآخر الذي رواه الحسن بن عرفة (^٦) العبدي، حَدَّثَنَا إسماعيل بن عياش الحمصي، عن المغيرة بن قيس التميمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ قال: قال رسول الله ﷺ: أي الخلق أعجب إليكم إيمانًا؟ قالوا: الملائكة. قال: وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم! قالوا: فالنبيون. قال: وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم! قالوا: فنحن. قال: وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قال: فقال رسول اللّه ﷺ: "ألا إن أعجب الخلق إليَّ إيمانًا لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفًا فيها كتاب يؤمنون بما فيها".
قال أبو حاتم الرازي: المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث.
قلت: ولكن قد روى أبو يعلى في "مسنده" (^٧)، وابن مردويه في "تفسيره"؛ والحاكم في
_________________
(١) في (ن): "يصلى".
(٢) في (هـ): "حياة"!
(٣) من (ن)، وقد استقر أن الترضى خاص بالصحابة دفعًا للإيهام، ورجاء بن حيوة تابعي.
(٤) ساقط من (ن)، والعبارة فيها: "قوم بعدكم يأتيهم كتاب من بين لوحين".
(٥) أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٢/ ٣١٠) معلقًا، ووصله ابن قانع في "معجم الصحابة" (٣/ ٣٦/ ١)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٤/ رقم ٣٥٤١)؛ وأبو نعيم في "المعرفة" (١/ ١٧٩/ ١)؛ وابن عساكر في "تاريخه" (ج ٨/ ق ١٨٧) من طرق عن ضمرة بن ربيعة. ومرزوق بن نافع ترجمه البخاري في "الكبير" (٤/ ١/ ٣٨٣، ٣٨٤)؛ وابن أبي حاتم (٤/ ١/ ٢٦٥) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٩/ ١٨٩) على طريقته في توثيق المجاهيل ولكنه متابع.
(٦) في "جزئه" المشهور (١٩). ووقع في "الدر المنثور" (١/ ٢٦): "الحسن بن عروة في حزبه"! ومن طريقه إسماعيل الصفار في "جزئه" (٩٠/ ٢)؛ والبيهقي في "الدلائل" (٦/ ٥٣٨)؛ والخطيب في "شرف أصحاب الحديث" (٦١)؛ وطراد أبو الفوارس في "ما أملاه يوم الجمعة ١٤ شعبان سنة ٤٧٨"، كما في "الضعيفة" (٦٤٧)، وأبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب" (٤٨)، وسنده ضعيف وله علتان: الأولى: أن رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين والعراقيين منكرة، وهذه منها، والمغيرة بن قيس بصري. الثانية: أن المغيرة ترجمه ابن أبي حاتم (٤/ ٢٢٧/١) ونقل عن أبيه قال: "هو منكر الحديث"، وقد اختلف في إسناده.
(٧) أبو يعلى في "مسنده" (ج ١/ رقم ١٦٠). =
[ ١ / ٢٥٩ ]
"مستدركه"، من حديث محمد بن أبي حميد - وفيه ضعف - عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ بمثله أو نحوه.
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد. ولم يخرجاه".
وقد روى نحوه (^١) عن أنس بن مالك - مرفوعًا. واللّه أعلم.
وقال ابن أبي (^٢) حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد المسندي، حَدَّثَنَا إسحاق بن
_________________
(١) = وأخرجه أبو القاسم البغوي في "حديث مصعب بن الزبير" (١٥٢/ ٢)؛ والبزار (ج ٣/ رقم ٢٨٣٩)؛ والعقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٢٣٨)؛ والحاكم (٤/ ٨٥، ٨٦)؛ والهروى في "ذم الكلام" (ق ١٤٨/ ١)؛ وابن أبي شريح في "جزء بيبي" (١٠٤)؛ والخطيب في "شرف أصحاب الحديث" (٣٦، ٣٧)؛ وابن عساكر (ج ١٦/ ق ٥٤٨) من طريق محمد بن أبي حميد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب مرفوعًا. قال الحاكم: "صحيح الإسناد" فرده الذهبي قائلًا: "بل محمد ضعفوه". (*) قلت: وهو واه قال البزار: "إنما نعرف هذا من حديث محمد بن أبي حميد وهو مدني ليس بالقوي حدث بهذا وبحديث آخر لم يتابع عليه". وقد توبع تابعه يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن أسلم بسنده سواء. أخرجه البزار (٢٨٣٩)؛ والعقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٢٣٨) من طريق منهال بن بحر، قال: حَدَّثَنَا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير به. قال العقيلي: "وهذا الحديث إنما يعرف بمحمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم، وليس بمحفوظ من حديث يحيى بن أبي كثير، ولا يتابع منهال عليه أحد". وقال البزار: "لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه، وحديث المنهال بن بحر يرويه الحفاظ الثقات، عن هشام، عن يحيى، عن زيد مرسلًا". أما الهيثمي فقال في "المجمع" (١٠/ ٦٥) أشار إلى هذا الإسناد: "أحد إسنادي البزار المرفوع حسن، المنهال بن بحر وثقه أبو حاتم وفيه خلاف، وبقية رجاله رجال الصحيح". اهـ. (*) قلت: وكيف يكون حسنًا مع وجود هذه العلة التي أشار إليها البزار، وهي المخالفة، لا سيما قد قال: يرويه الحفاظ الثقات عن هشام مرسلًا، ومع تصريح العقيلي أن الحديث غير محفوظ عن يحيى بن أبي كثير؟!
(٢) أخرجه البزار (٢٨٤٠) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا مثله. وقال: "غريب من حديث أنس". أما الهيثمي فقال (١٠/ ٦٥): "فيه سعيد بن بشير، وقد اختلف فيه، فوثقه قوم وضعفه آخرون، وبقية رجاله ثقات". اهـ. (*) قلت: رواية سعيد بن بشير عن قتادة خاصة تكثر فيها المناكير، ولذلك استغربها البزار.
(٣) في "تفسيره" (٧٣). وأخرجه الطبراني، ومن طريقه ابن مردويه في "تفسيره"، كما عند المصنف (١/ ٢٧٩)، قال: حَدَّثَنَا الحسين بن إسحاق التستري، حَدَّثَنَا رجاء بن محمد السقطي، حَدَّثَنَا إسحاق بن إدريس به. وأخرجه ابن أبي عاصم، وعنه ابن الأثير في "أسد الغابة" (٧/ ٢٨٤) من وجه آخر عن إسحاق بن إدريس. وسنده ضعيف جدًّا، وإسحاق كذبه ابن معين، ووهاه أبو زرعة وتركه النسائي وغيره لكنه لم يتفرد به. فتابعه إبراهيم بن حمزة الزبيري، عن إبراهيم بن جعفر بسنده سواء ولم يذكر "أولئك قوم آمنوا بالغيب". أخرجه الطبراني في "الكبير" (ج ٢٤/ (رقم ٥٣٠)؛ وابن الأثير في "أسد الغابة" (٧/ ٤٤)؛ وإبراهيم بن حمزة ثقة، وثقه ابن سعد، وابن حبان، ومسلمة بن قاسم. وقال أبو حاتم: "صدوق"، وقال النسائي: "لا بأس به". =
[ ١ / ٢٦٠ ]
إدريس، أخبرني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري، أخبرني جعفر بن محمود، عن جدته (نويلة) (^١) بنت أسلم؛ قالت: صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء، فصلينا سجدتين، ثم جاءنا من يخبرنا أن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن (مستقبلوا) (^٢) البيت الحرام. قال إبراهيم: فحدثني رجال من بني حارثة أن رسول الله ﷺ حين بلغه ذلك قال: "أولئك قوم آمنوا بالغيب".
هذا حديث غريب من هذا الوجه.
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾.
قال ابن عَبَّاس: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ أي: يقيمون الصلاة بفروضها (^٣).
وقال الضحاك، عن ابن عباس: (إقامة) (^٤) الصلاة: (إتمام) (^٥) الركوع والسجود، والتلاوة، والخشوع، والإقبال عليها فيها.
وقال قتادة (^٦): (إقامة) (^٧) الصلاة: المحافظة على مواقيتها [ووضوئها، وركوعها وسجودها. وقال مقاتل (^٨) بن حيان: إقامتها المحافظة على مواقيتها] (^٩)، وإسباغ الطهور (فيها) (^١٠)، وتمام
_________________
(١) = وقال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ١٤): "رجاله موثقون". وإبراهيم بن جعفر ذكره ابن حبان في "الثقات" (٦/ ٧)، وترجمه البخاري في "الكبير" (١/ ٢٧٨/١، ٢٧٩)؛ وابن أبي حاتم (١/ ١/ ٩١) ونقل عن أبيه قال: "هو صالح" وأبوه جعفر بن محمود ذكره ابن حبان في "الثقات" (٤/ ١٠٧)، وترجمه البخاري (١/ ٢/ ١٩٩)؛ وابن أبي حاتم (١/ ١/ ٤٨٩) ونقل عن أبيه قال: "محله الصدق" ووقع عندهما: "مسلمة" بدل "سلمة" وهذا الإسناد حسن، وهو أجود من الذي أورده المصنف، لكن عذر المصنف في عدم إيراده، والله أعلم، أنه ليس فيه محل الشاهد الذي أورده من أجله وهو قوله: "أولئك قوم آمنوا بالغيب".
(٢) في (ن): "بديلة" وهو وجه في اسمها، ووجه ثان: "تويلة" بالتاء.
(٣) في (ز) و(ل) و(ن): "مستقبلون".
(٤) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس].
(٥) في (ج) و(ل): "إقام".
(٦) في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ص): "تمام". [وسنده ضعيف لأن الضحاك لم يلق ابن عباس، ومعناه صحيح].
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧٥) بسند صحيح. وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٢٧) لعبد بن حميد وحده.
(٨) في (ج): "إقام".
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٦) من طريق محمد بن مزاحم أنبأ بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان وهذا سند جيد، وبكير بن معروف متماسك، قال أحمد وأبو داود والنسائي: "لا بأس به" وضعفه أحمد في رواية وابن المبارك، وقال ابن عدي: "بكير بن معروف ليس بكثير الرواية، وأرجو أنه لا بأس به، وليس حديثه بالمنكر جدًّا". وهذا الذي قاله ابن عدي يتعلق بالأحاديث المرفوعة، والرجل فكان صاحب تفسير، اهتم به وعانى عليه، ولا شكَّ أنه في تفسيره أضبط وأحفظ، والله أعلم.
(١٠) ساقط من (ج).
(١١) أشار في (ج) و(ع) أنه وقع في نسخة: "لها".
[ ١ / ٢٦١ ]
ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النَّبِيّ ﷺ؛ فهذا إقامتها.
وقال علي بن أبي (^١) طلحة وغيره (^٢)، عن ابن عباس: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: زكاة أموالهم.
وقال السدي (^٣)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: نفقة الرجل على أهله. وهذا قبل أن تنزل الزكاة.
وقال جويبر (^٤)، عن الضحاك: كانت النفقات (قربات) (^٥) يتقربون بها إلى الله على قدر ميسرتهم وجهدهم، حتَّى نزلت فرائض الصدقات: سبع آيات في سورة براءة مما يذكر فيهن الصدقات هن الناسخات المثبتات.
وقال قتادة (^٦): ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فأنفقوا مما أعطاكم الله، هذه الأموال عواري وودائع عندك يا ابن آدم يوشك أن تفارقها.
واختار ابن جرير (^٧) أن الآية عامة في الزكاة والنفقات؛ فإنه قال: وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مؤدين - زكاةً (كان) (^٨) ذلك، أو نفقة من لزمته نفقته، من أهل (و) (^٩) عيال وغيرهم ممن يجب عليهم نفقته بالقرابة والملك، وغير ذلك؛ لأن الله تعالى عم وصفهم، ومدحهم بذلك. وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه.
قلت: كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال؛ فإن الصلاة حق الله وعبادته، وهي مشتملة على توحيده، والثناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه. والإنفاق: هو من الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات والأهلون والمماليك، ثم الأجانب؛ فكل من النفقات الواجبة، والزكاة المفروضة، داخل في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
ولهذا ثبت في "الصحيحين" (^١٠)، عن ابن عمر (﵄) (^١١): أن رسول الله ﷺ قال: "بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت".
والأحاديث في هذا كثيرة.
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٢٨٦) [وسنده ثابت].
(٢) أخرجه ابن إسحاق، ومن طريقه الطبري (٢٨٥)؛ وابن أبي حاتم (٧٧) قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه، [وسنده حسن].
(٣) أخرجه ابن جرير (٢٨٨) وهو حسن، وأخرجه ابن أبي حاتم (٧٨) من قول السدي. [وسنده ضعيف لخلط السدي بين الأسانيد].
(٤) أخرجه ابن جرير (٢٨٧) وجويبر تالف.
(٥) كذا في (ز)، وفي سائر "الأصول": "قرباتًا"!!
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٩) من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وسنده صحيح.
(٧) في "تفسيره" (١/ ٢٤٤ - شاكر).
(٨) في (ن): "كانت"، وسقط اللفظ من (ل).
(٩) في (ز) و(ن): "أو".
(١٠) أخرجه البخاري (١/ ٤٩)؛ ومسلم (٢٢/ ١٦).
(١١) من (ن).
[ ١ / ٢٦٢ ]
وأصل الصلاة في كلام العرب: الدعاء؛ قال الأعشى (^١):
لها حارس لا يبرح الدهر بيتها … وإن ذبحت صلى عليها وزمزما
وقال أيضًا (^١):
وقابلها الريح في دنها … وصلى على دنِّها وارتسم (^٢)
أنشدهما ابن جرير مستشهدًا على ذلك.
وقال الآخر، وهو الأعشى أيضًا (^١):
تقول بنتي وقد قربت مرتحلًا … يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضى … نومًا فإن لجنب المرء مضطجعا
يقول: عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي. وهذا ظاهر.
ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة، بشروطها المعروفة، وصفاتها وأنواعها المشهورة.
قال ابن جرير (^٣): (وأرى) (^٤) أن الصلاة (المفروضة) (^٥) سميت صلاة لأن المصلي يتعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله بعمله مع ما يسأل ربه (فيها) (^٦) من حاجته (^٧).
[وقيل: هي مشتقة من الصلوين إذا تحركا في الصلاة عند الركوع والسجود، وهما عرقان (يمتدان) (^٨) من الظهر حتَّى يكتنفا عجب الذنب. ومنه سمي المصلي، وهو (التالي) (^٩) للسابق في حلبة الخيل. وفيه نظر.
وقيل: هي مشتقة من "الصِلي"، وهو الملازمة للشيء، من قوله تعالى: ﴿لَا يَصْلَاهَا﴾ [الليل: ١٥] أي: لا يلزمها ويدوم فيها، ﴿إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥].
وقيل: مشتقة من تصلية الخشبة في النار لتقوَّم، كما أن المصلي يقوِّم عوجه بالصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. واشتقاقها من الدعاء أصح وأشهر. واللّه أعلم] (^١٠).
وأما الزكاة فسيأتي الكلام عليها في موضعه إن شاء الله (تعالى) (^١١).
_________________
(١) هو في "ديوانه" (ص ٢٩٣) و(ص ٣٥) و(ص ١٠١).
(٢) في حاشية (ج): "ارتسم؛ أي: كبر ودعا لها. قالها الجوهري".
(٣) في "تفسيره" (١/ ٢٤٣ - شاكر).
(٤) في (ن): "وروى" وأشار في الحاشية أنه وقع في نسخة: "أرى".
(٥) ساقط من (ن).
(٦) ساقط من (ز) و(ن) وهو الموافق لما في "تفسير ابن جرير".
(٧) عند "ابن جرير" بعدها: "تعرض الداعي بدعائه ربه استنجاح حاجته وسؤله".
(٨) في (ج) و(ل): "ممتدان".
(٩) في (ج): "الثاني".
(١٠) ساقط من (ز).
(١١) من (ن).
[ ١ / ٢٦٣ ]
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾.
قال ابن (^١) عباس: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: (يصدقونك) (^٢) بما جئت به من الله، وما جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم، ولا يجحدون ما جاؤوهم به من ربهم.
﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي: بالبعث والقيامة، والجنة والنار، والحساب والميزان، وإنما سميت الآخرة؛ لأنها بعد الدنيا.
وقد اختلف المفسرون في الموصوفين هنا، هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣] ومن هم؟ على ثلاثة أقوالٍ حكاها ابن جرير (^٣):
أحدها: أن الموصوفين أولًا هو الموصوفون ثانيًا، وهم كل مؤمن؛ مؤمنوا العرب و(مؤمنو) (^٤) أهل الكتاب وغيرهم؛ قاله مجاهد، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة.
والثاني: هما واحد، وهم مؤمنو أهل الكتاب.
وعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على صفات، كما قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥)﴾ [الأعلى] وكما قال الشاعر (^٥):
إلى الملك القرم وابن الهمام … وليث الكتيبة في المزدحم
فعطف الصفات بعضها على بعض، والموصوف واحد.
والثالث: أن الموصوفِين أولًا مؤمنو العرب، والموصوفون ثانيًا بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ (مؤمنوا) (^٦) أهل الكتاب. نقله السدي (^٧) في "تفسيره" عن ابن عباس، وابن مسعود، وأناس من الصحابة.
واختاره ابن جرير (﵀) (^٨)، ويستشهد لما قال بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ …﴾ الآية [آل عمران: ١٩٩].
وبقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)﴾ [القصص] وبما ثبت في "الصحيحين" (^٩) من حديث الشعبي، عن أبي
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٢٨٩)؛ وابن أبي حاتم (٨٠) من طريقين عن سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: فيما حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس. [وسنده حسن].
(٢) في (ز) و(ن) و(هـ): "يصدقون".
(٣) في "تفسيره" (١/ ٢٤٥).
(٤) ساقط من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).
(٥) والبيت في "خزانة الأدب" (١/ ٤٠٧) غير منسوب. وانظر "شواهد الكشاف" (١/ ١٨).
(٦) ساقط من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).
(٧) أخرجه ابن جرير (٢٩٢) [وسنده ضعيف].
(٨) من (ن).
(٩) [أخرجه الشيخان من طريق الشعبي به (صحيح البخاري، العلم، باب تعليم الرجل أمته وأهله (ح ٩٧)؛ =
[ ١ / ٢٦٤ ]
بُردة، عن أبي موسى - أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وآمن بي. ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه. ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها".
وأما ابن جرير (^١) فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة، وهي أن الله (تعالى) (^٢) وصف في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين، فكما أنه صنف الكافرين إلى صنفين: (منافق، وكافر) (^٣)، فكذلك المؤمنون صنفهم إلى صنفين: عربي، وكتابي.
قلت: والظاهر قول مجاهد فيما رواه الثوري (^٤)، عن رجل، عن مجاهد. ورواه غير (^٥) واحد عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد - أنه قال: أربع آيات من (أول) (^٦) سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، (وثلاث عشرة) (^٧) في المنافقين؛ فهذه الآيات الأربع عامات في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي وكتابي من إنسي وجني، وليس تصح واحدة من هذه الصفات بدون الأخرى؛ بل كل واحدة مستلزمة للأخرى، وشرط معها؛ فلا يصح الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة والزكاة إلا مع الإيمان بما جاء به الرسول (ﷺ) (^٨)، وما جاء به من قبله من الرسل (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) (^٩) والإيقان بالآخرة؛ كما أن هذا لا يصح إلا (بهذاك) (^١٠).
وقد أمر الله المؤمنين بذلك، كما قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [النساء: ١٣٦] وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ …﴾ الآية [العنكبوت: ٤٦] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧] وقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨].
وأخبر تعالى عن المؤمنين كلهم بذلك؛ فقال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقال (تعالى) (^١١): ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ١٥٢] إلى غير ذلك من
_________________
(١) = وصحيح مسلم، الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ ح ١٥٤)].
(٢) في "تفسيره" (١/ ٢٤٨، ٢٤٩).
(٣) من (خ) و(ز) و(ع) و(ك) و(ل) و(ص) و(ي).
(٤) في (ن): "كافر ومنافق".
(٥) أخرجه ابن جرير (٣١٦) من طريق سفيان بن وكيع قال: ثنا أبي، عن الثوري.
(٦) مثل عيسى بن ميمون، وشبل بن عباد المكي. أخرج ذلك ابن جرير (٣١٤، ٣١٥) وهو صحيح الإسناد، وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٢٣) للفريابي وعبد بن حميد وابن الضريس وابن المنذر.
(٧) زيادة من (ن).
(٨) في (ن): "ثلاثة عشر"!
(٩) من (ز) و(ن) و(هـ).
(١٠) من (ن).
(١١) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي)؛ وفي (ز) و(ن): "بذاك"، وفي (ل): "بذلك".
(١٢) يعني: "صحيح البخاري" ولكن المصنف ﵀ وهم في عزوه هذا اللفظ إلى البخاري، فليس عنده "إذا حدثكم أهل الكتاب" وكأن المصنف كتب الحديث من حفظه فلفقه من حديثين كما يأتي وإنما الذي عند =
[ ١ / ٢٦٥ ]
الآيات الدالة على أمر جميع المؤمنين بالإيمان باللّه ورسوله وكتبه، لكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية؛ وذلك أنهم يؤمنون بما بأيديهم مفصلًا؛ فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا به مفصلًا كان لهم على ذلك الأجر مرتين. وأما غيرهم فإنما يحصل له الإيمان بما تقدم مجملًا، كما جاء في "الصحيح" (^١): "إذا حدثكم أهل الكتاب (فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم) ولكن قولوا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ ".
ولكن قد يكون إيمان كثير من العرب بالإسلام الذي بعث به محمد ﷺ أتم وأكمل، وأعمَّ وأشمل، من إيمان من دخل منهم في الإسلام؛ فهم وإن حصل لهم أجران من تلك الحيثية، فغيرهم (قد) (^٢) يحصل له من التصديق ما ينيف ثوابه على الأجرين اللذين حصلا لهم. واللّه أعلم.
﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾.
يقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المتصفون بما تقدم من الإيمان بالغيب، وإقام الصلاة، والإنفاق من الذي رزقهم الله، والإيمان بما أنزل إلى الرسول ومن قبله من الرسل، والإيقان بالدار الآخرة؛ وهو (يستلزم) (^٣) الاستعداد لها من (العمل بالصالحات) (^٤) وترك المحرمات. ﴿عَلَى هُدًى﴾ أي: على نور وبيان وبصيرة من الله تعالى ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة.
وقال محمد بن إسحاق (^٥)، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: على نور من ربهم واستقامة على ما جاءهم (به) (^٦)؛ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الذين أدركوا ما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا.
وقال ابن جرير (^٧): وأما معنى قوله (تعالى) (^٨): ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
فإن معنى ذلك أنهم على نور من ربهم، وبرهان واستقامة، وسداد (بتسديد الله) (^٩) إياهم، وتوفيقه لهم.
وتأويل قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: المنجحون، المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم، وإيمانهم باللّه وكتبه ورسله من الفوز بالثواب، والخلود في الجنات، والنجاة مما أعد الله لأعدائه من العقاب.
وقد حكى ابن جرير (^١٠) قولًا عن بعضهم أنه أعاد اسم الإشارة في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى
_________________
(١) = البخاري: عن أبي هريرة ﵁ قال: "كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام] فقال رسول الله ﷺ: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا باللّه وما أنزل إلينا … الآية".
(٢) في (ن): "فلا تكذبوهم ولا تصدقوهم".
(٣) ساقط من (ز) و(ل) و(ن).
(٤) في (ن): "مستلزم".
(٥) في (ن): "الأعمال الصالحة".
(٦) أخرجه ابن جرير (٢٩٣، ٢٩٤)؛ وابن أبي حاتم (٨٤ - ٨٨) من طريق سلمة بن الفضل، قال: حَدَّثَنَا محمد بن إسحاق به [وسنده حسن].
(٧) من (ن).
(٨) في "تفسيره" (١/ ٢٤٩).
(٩) من (ن).
(١٠) في (ن): "بتسديده".
(١١) في "تفسيره" (١/ ٢٤٨).
[ ١ / ٢٦٦ ]
هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ إلى مؤمني أهل الكتاب الموصوفين بقوله (تعالى (^١): ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ …﴾ [البقرة: ٤] (الآية) (^٢)، [على ما تقدم من الخلاف. وعلى هذا فيجوز أن يكون قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾] (^٣). منقطعًا مما قبله، وأن يكون مرفوعًا على الابتداء وخبره ﴿[أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾] (^٤) وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ واختار أنه عائد إلى جميع من تقدم ذكره من مؤمني العرب وأهل الكتاب، لما رواه السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود؛ وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ. أما الذين يؤمنون بالغيب فهم المؤمنون من العرب، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك هم المؤمنون من أهل الكتاب، ثم جمع الفريقين: فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ وقد تقدم من الترجيح أن ذلك صفة (المؤمنين) (^٥) عامةً والإشارة عائدة عليهم. واللّه أعلم.
وقد نقل (هذا) (^٦) عن مجاهد، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة؛ ﵏.
وقال ابن أبي (^٧) حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، حدثني عبيد الله بن المغيرة، عن (أبي الهيثم) (^٨) - واسمه سليمان بن (عبد) (^٩)، عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبِيّ ﷺ؛ وقيل له: يا رسول الله، إنا نقرأ من القرآن فنرجوا، ونقرأ (من القرآن) (^١٠) فنكاد أن نيأس، أو كما قال. قال: "أفلا أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟ قالوا: بلى يا رسول الله؛ قال: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) …﴾ " إلى قوله تعالى: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ هؤلاء أهل الجنة. قالوا: إنا نرجوا أن نكون هؤلاء، ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ …﴾ [البقرة: ٦] إلى قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧] هؤلاء أهل النار. قالوا: لسنا هم يا رسول الله؟ قال: أجل" (^١١).
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: غطوا (الحق) (^١٢) وستروه، وقد كتب الله تعالى عليهم
_________________
(١) من (ز) و(ن).
(٢) من (ز).
(٣) ساقط من (ج).
(٤) ساقط من (ز) و(ن).
(٥) في (ز) و(ن): "للمؤمنين".
(٦) ساقط من (ن).
(٧) في "تفسيره" (٨٦) ورجاله ثقات غير ابن لهيعة، ففيه مقال مشهور.
(٨) في (ج) و(ل): "أبي القاسم"! وهو تصحيف.
(٩) كذا في (ج) و(ز) و(ع) و(ك) و(ل) و(ي) وهو الموافق لما في تفسير ابن أبي حاتم ووقع في (ن) و(هـ): "عبيد الله" وكتب ابن المحب في حاشية (ج) وأشار إلى "عبد" صوابه "عمرو "وهو سليمان بن عمرو بن عبيد أو عبد العتواري. قلت: فكأنهم نسبوه إلى جده. واللّه أعلم.
(١٠) كذا في (ز) و(ن) وهو الموافق لما في "تفسير ابن أبي حاتم" وسقط من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي).
(١١) [سنده ضعيف].
(١٢) في (ز): "الكفر" وهو خطأ واضح.
[ ١ / ٢٦٧ ]
ذلك، سواء عليهم إنذارك وعدمه؛ فإنهم لا يؤمنون بما جئتهم به؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس] وقال تعالى في حق المعاندين من أهل الكتاب: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ …﴾ الآية [البقرة: ١٤٥] أي: إن من كتب الله عليه الشقاوة فلا مسعد له، ومن أضله فلا هادي له؛ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وبلغهم الرسالة، فمن استجاب لك فله الحظ الأوفر، ومن تولى فلا تحزن عليهم، (ولا يهمدنك) (^١) ذلك؛ ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [هود: ١٢].
وقال علي بن أبي (^٢) طلحة، عن ابن عباس - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ قال: كان رسول الله ﷺ يحرص أن يؤمن جميع الناس، ويتابعوه على الهدى؛ فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول.
وقال محمد بن (^٣) إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة - أو سعيد بن جبير -، عن ابن عباس ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بما أنزل إليك، وإن قالوا: إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق، وقد كفروا بما جاءك، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا، وقد كفروا بما عندهم من علمك؟
وقال أبو جعفر (^٤) الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: نزلت هاتان الآيتان في قادة الأحزاب، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم: ٢٨، ٢٩].
والمعنى الذي ذكرناه أولًا، وهو المروي عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة أظهر، (ويفسره (^٥) بقية) الآيات التي في معناها. والله أعلم.
وقد ذكر ابن أبي حاتم (^٦) هاهنا حديثًا؛ فقال: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا يحيى بن عثمان بن صالح
_________________
(١) كذا في (ج) و(ز) و(ع) و(ك) و(ي)، ووقع في (ص): "يهدنك"، وفي (ن): "يهمنك"، وسقط هذا اللفظ من (ل).
(٢) أخرجه ابن جرير (٢٩٧)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ١٢/ رقم ١٣٠٢٥)؛ والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١٤٦) من طريق عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح [وسقط ذكره عند الطبري] عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس فذكره. [وسنده ثابت]. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٢٨، ٢٩) لابن أبي حاتم وابن مردويه.
(٣) أخرجه ابن جرير (٢٩٥)؛ وابن أبي حاتم (٩٢) من طريق سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق به وعزاه السيوطي (١/ ٢٩) لابن إسحاق. [وسنده حسن].
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٣) من طريق آدم بن أبي إياس، عن أبي جعفر الرازي به. [وسنده جيد]. وأخرجه ابن جرير (٢٩٨) من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، عن الربيع بن أنس من قوله ولم يذكر "أبا العالية".
(٥) في (ز) و(ن): "يفسر ببقية".
(٦) في "تفسيره" (٨٦) ومر الكلام عليه آنفًا.
[ ١ / ٢٦٨ ]
المصري، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، حدثني عبيد الله بن المغيرة، عن أبي الهيثم، عن عبد الله بن عمرو؛ قال: قيل: يا رسول الله؛ إنا نقرأ من القرآن فنرجوا؛ ونقرأ فنكاد أن نيأس؛ فقال: "ألا أخبركم"؟ ثم قال: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ هؤلاء أهل النار". قالوا: لسنا (هم) (^١) يا رسول الله. قال: "أجل" (^٢).
(٣) [وقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ محله من الإعراب أنه جملة مؤكدة للتي قبلها ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ أي: هم كفار في كلا الحالين؛ فلهذا أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ويحتمل أن يكون "لا يؤمنون" خبرًا؛ لأن تقديره إن الذين كفروا لا يؤمنون، ويكون قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ جملةً معترضةً. واللّه أعلم] (^٣).
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾.
قال السدي (^٤): ﴿خَتَمَ اللَّهُ﴾ أي: طبع الله. وقال قتادة في هذا الآية: استحوذ عليهم الشيطان؛ إذ أطاعوه، فختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة؛ فهم لا يبصرون هدًى، ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون (^٥).
وقال ابن جريج (^٦): قال مجاهد: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قال (الطبع) (^٧) ثبتت الذنوب على القلب، فحفت به من كل نواحيه حتَّى تلتقى عليه، فالتقاؤها عليه: الطبع. والطبع: الختم.
قال ابن جريج (^٨): الختم على القلب والسمع.
قال ابن جريج (^٩): وحدثني عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهدًا يقول: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد (من) (^١٠) ذلك كله.
وقال الأعمش (^١١): أرانا مجاهد بيده؛ فقال: كانوا يرون أن القلب في مثل هذه - يعني: الكف، فإذا أذنب العبد ذنبًا ضم منه، وقال بإصبعه الخنصر هكذا، فماذا أذنب ضم، وقال بإصبع أخرى، فإذا أذنب ضم، وقال بإصبع أخرى هكذا، حتَّى ضم أصابعه كلها، قال: ثم يطبع عليه بطابع.
وقال مجاهد: كانوا يرون أن ذلك الرين. ورواه ابن جرير (^١٢)، عن أبي كريب، عن وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، بنحوه.
_________________
(١) في (ن): "منهم".
(٢) [سنده ضعيف].
(٣) ساقط من (ز).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٧) عن السدي، عن أبي مالك قوله. وسنده حسن.
(٥) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة].
(٦) أخرجه ابن جرير (٣٠٢)؛ وابن أبي حاتم (٩٩) من طريق حجاج بن محمد، ثنا ابن جريج، عن مجاهد. وابن جريج مدلسٌ، ولم يسمع من مجاهد إلا حرفًا واحدًا.
(٧) ساقط من (ز).
(٨) أخرجه ابن جرير (٣٠٢ - ٣٠٦).
(٩) أخرجه ابن جرير (٣٠٣) وسندهُ قويٌّ.
(١٠) من (ن).
(١١) أخرجه ابن جرير (٣٠٠) من طريق يحيى بن عيسى، عن الأعمش. وسنده حسن.
(١٢) في "تفسيره" (٣٠١).
[ ١ / ٢٦٩ ]
قال ابن جرير (^١): وقال بعضهم: إنما معنى قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ إخبار من الله عن تكبرهم، وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحق؛ كما يقال: إن فلانًا (لأصم) (^٢) عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه، ورفع نفسه عن تفهمه تكبرًا؛ قال: وهذا يصح؛ لأن الله (تعالى) (^٣) قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم.
[قلت: وقد أطنب الزمخشري (^٤) في تقرير ما رده ابن جرير هاهنا، وتأول الآية من خمسة أوجه؛ وكلها ضعيفة جدًّا، وما (حداه) (^٥) على ذلك إلا اعتزاله؛ لأن الختم على قلوبهم ومنعها عن وصول الحق إليها قبيح عنده، يتعالى الله عنه في اعتقاده؛ ولو فهم قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام: ١١٠] وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم، وحال بينهم وبين الهدى جزاءً وفاقًا على تماديهم في الباطل، وتركهم الحق؛ وهذا عدل منه تعالى حسن، وليس بقبيح، فلو أحاط علمًا بهذا لما قال ما قال واللّه أعلم.
قال القرطبي (^٦): وأجمعت الأمة على أن الله (تعالى) (^٧) قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين مجازاةً لكفرهم، كما] (^٨) [قال: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] وذكر حديث تقليب القلوب (^٩)، و"يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك" (^١٠)] (^١١).
_________________
(١) في "تفسيره" (١/ ٢٦٠).
(٢) كذا في (ج) و(ز) و(ع) و(ل) و(هـ) و(ي) وهو الموافق لما في "تفسير الطبري"؛ وفي (ن): "أصم"؛ وفي (ك): "لأهتم"!!
(٣) من (ن).
(٤) في "الكشاف" (١/ ٢١).
(٥) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ي)؛ وفي (ن): "جرأه".
(٦) في "تفسيره" (١/ ١٨٧).
(٧) كذا في (ك) وهو الموافق لما في "القرطبي"، ووقع في (ن): " ﷿ " ولم يذكر لا هذا ولا ذاك في (ج) و(ع) و(ل) و(هـ) و(ي).
(٨) ساقط من (ز).
(٩) يعني حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا: "مثل القلب مثل ريشة، تقلبها الرياح بفلاة". أخرجه ابن ماجة (٨٨)؛ وابن أبي عاصم في "السنة" (٢٢٨) من طريق يزيد الرقاشي، عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى. ويزيد الرقاشي واه، وخالفه سعيد الجريري، فرواه عن غنيم بن قيس قال: قال أبو موسى فذكره موقوفًا. أخرجه أحمد في "الزهد" (ص ١٩٩) قال: حَدَّثَنَا إسماعيل، عن الجريري. وهذا سند جيد، وإسماعيل بن علية سمع من الجريري قبل الاختلاط، وخالفه يزيد بن هارون فرواه عن الجريري به مرفوعًا. أخرجه أحمد (٤/ ٤١٩)؛ وابن أبي عاصم (٢٢٧) ورواية إسماعيل أصح ويزيد سمع من الجريري في الاختلاط، ومما يؤيد رواية الْوَقْف أن علي بن مسهر رواه عن عاصم الأحول، عن أبي كبشة السدوسي، عن أبي موسى قال: "إنما سمى القلب لتقلبه … إلخ". أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٦٣) وتوبع علي بن مسهر. تابعه عبد الله بن المبارك في "الزهد" (٣٥٨)، وعزاه السيوطي في "الجامع الصغير" للطبراني في "الكبير" وصححه قال الشارح المناوي في "فيض القدير" (٣/ ٢): "قال العراقي: إسناده حسن".
(١٠) أخرجه النسائي في "النعوت" (٤/ ٤١٤ - الكبرى)؛ وابن ماجة (١٩٩)؛ وأحمد (٤/ ١٨٢)؛ وابن أبي عاصم في "السنة" (٢١٩ - ٢٣٠)؛ وابن حبان (٢٤١٩ - موارد)؛ والحاكم (٢/ ٢٨٩ و٤/ ٣٢١)؛ والطبراني في "الدعاء" (١٢٦٢)؛ والآجري في "الشريعة" (ص ٣١٧) من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، سمعت بسر بن عبيد الله، قال: سمعت أبا إدريس الخولاني يقول: حدثني النواس بن سمعان مرفوعًا: "ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه" وكان رسول الله ﷺ يقول: "يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك" قال: "والميزان بيد الرحمن يرفع أقوامًا ويخفض آخرين إلى يوم القيامة". قال البوصيري في "الزوائد" (٨٧/ ١): "هذا إسناد صحيح" ونقل المناوي في "فيض القدير" (٥/ ٤٩٣) عن العراقي أنه قال: "إسناده جيد" وللحديث شواهد عن جماعة من الصحابة يأتي تخريجها إن شاء الله تعالى في تفسير سورة الأنفال الآية [٢٤].
(١١) ساقط من (ز).
[ ١ / ٢٧٠ ]
[وذكر حديث حذيفة الذي في "الصحيح" (^١) عن رسول الله ﷺ؛ قال: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا؛ فأي قلب أُشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتَّى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مرباد كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا … " الحديث] (^٢).
قال (ابن جرير) (^٣): والحق عندي في ذلك ما صح بنظيره الخبر عن رسول الله ﷺ؛ وهو ما حدّثنا به محمد بن بشار، حَدَّثَنَا صفوان بن عيسى، حَدَّثَنَا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتةٌ سوداءُ في قلبه، فإن تاب ونزع (واستغفر) (^٤) صقل قلبه، وإن زاد زادت حتَّى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤].
وهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه الترمذي، والنسائي، عن قتيبة (عن) (^٥) الليث بن سعد؛ وابن ماجة، عن هشام بن عمار، عن حاتم بن إسماعيل، والوليد بن مسلم، ثلاثتهم عن محمد بن عجلان، به. وقال الترمذي: " (حديث) (^٦) حسن صحيح".
ثم قال ابن جرير (^٧): فأخبر (رسول الله) (^٨) ﷺ أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذٍ الختم من قبل الله تعالى والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا
_________________
(١) يعني: "صحيح مسلم" وهو في "كتاب الإيمان" (١٤٤/ ٢٣١).
(٢) ساقط من (ز).
(٣) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (٣٠٤)؛ وأخرجه الترمذي (٣٣٣٤)؛ والنسائي في "التفسير" (٦٧٨)، وفي "اليوم والليلة" (٤١٨)؛ وابن ماجة (٤٢٤٤)؛ وأحمد (٢/ ٢٩٧)؛ وابن حبان (١٧٧١ - موارد)؛ وابن جرير (٣٠/ ٦٢)؛ والآجري في "الشريعة" (١١١)؛ والحاكم (٢/ ٥١٧)؛ والبيهقي في "الكبرى" (١٠/ ١٨٨) وفي "الشعب" (٦٨٠٨)، وفي "الآداب" (١١٧٩)؛ والبغوي في "شرح السنة" (٥/ ٨٨، ٨٩) من طرق عن محمد بن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا. وسنده جيد. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح" وصححه الحاكم على شرط مسلم وفيه نظر، فإن مسلمًا لم يحتج بابن عجلان.
(٤) كذا في "تفسير الطبري" وسائر الكتب التي خرجت هذا الحديث، ووقع في سائر "الأصول": "واستعتب".
(٥) في (ن): "و" وهو خطأ فاحش.
(٦) من (ج).
(٧) في "تفسيره" (١/ ٢٦١).
(٨) من (ز) و(ن)، ووقع في (ك): "النَّبِيّ" وضرب عليها الناسخ.
[ ١ / ٢٧١ ]
للكفر (منها) (^١) مخلص؛ فذلك هو الختم والطبع (^٢) [الذي (ذكره الله في قوله) (^٣): ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (وَعَلَى سَمْعِهِمْ)﴾ (^٤) نظير الختم والطبع] (٢) على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا (بفض) (^٥) ذلك عنها ثم حلها؛ فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلا بعد (فضه) (^٦) خاتمه وحله رباطه (عنها) (^٧).
واعلم أن الْوَقْف التام على قوله (تعالى) (^٨): ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ جملة تامة؛ فإن الطبع يكون على القلب وعلى السمع، والغشاوة - وهي الغطاء - تكون على البصر، كما قال السدي في "تفسيره" (^٩)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود؛ وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ في قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ يقول: فلا يعقلون ولا يسمعون. ويقول: "وجعل على أبصارهم غشاوة" يقول: على أعينهم فلا يبصرون.
وقال ابن جرير (^١٠): حدثني محمد بن سعد، حَدَّثَنَا أبي، حدثني عمي الحسين بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس: ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، والغشاوة على أبصارهم.
قال (^١١): وحدثنا القاسم، حَدَّثَنَا الحسين: يعني: ابن داود، وهو سُنيد، حدثني حجاج، وهو ابن محمد الأعور، حدثني (ابن) (^١٢) جريج؛ قال: الختم على القلب والسمع، والغشاوة على البصر؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] وقال: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣].
قال ابن جرير: (ومن) (^١٢) نُصِبَ "غشاوةً" من قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ يحتمل أنه نصبها بإضمار فعل؛ تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوةً. ويحتمل أن يكون نصبها على الاتباع على محل ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ [الواقعة: ٢٢].
وقول الشاعر:
(علفتها) (^١٣) تبنًا وماء باردًا … حتَّى شتت همالةً عيناها
وقال الآخر (^١٤):
_________________
(١) في (ز) و(ن): و"عنها".
(٢) ساقط من (ك).
(٣) كذا في (ج) و(ل) و(ى) وفي (ز) و(ن): "ذكر في قوله تعالى"؛ وفي (هـ): "قال الله".
(٤) من (ن).
(٥) في (ل): "بنقض".
(٦) كذا في (ج) و(ي)؛ وفي (ز) و(هـ): "فض"؛ وفي (ك) "فض به"؛ وفي (ن): "فظ"؛ وفي (ل): "نقض".
(٧) ساقط من (ز).
(٨) من (ز) و(ن).
(٩) أخرجه ابن جرير (٣٠٨)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٩٥) عن السدي قوله.
(١٠) في "تفسيره" (٣٠٥) وسنده ضعيف …
(١١) يعني: ابن جرير. وهو في "تفسيره" (٣٠٦).
(١٢) ساقط من (ج). [وسنده ضعيف لضعف سُنيد].
(١٣) في (ج) و(ك) و(ل) و(ي): "فعلفتها".
(١٤) نسبه القرطبي إلى عبد الله بن الزبعري، وهو في "الكامل" (١/ ٣٤٤) أيضًا.
[ ١ / ٢٧٢ ]
ورأيت زوجك في الوغى … متقلدًا سيفًا ورمحا
تقديره: وسقيتها ماءً باردًا. ومعتقلًا رمحًا.
لما تقدم وصفُ المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات، ثم عرف حال الكافرين بهاتين الآيتين - شرع تعالى في بيان حال المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر. ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس أطنب في ذكرهم بصفات متعددة؛ كل منها نفاق، كما أنزل سورة براءة فيهم، وسورة المنافقين فيهم، وذكرهم في سورة النور وغيرها من السور تعريفًا لأحوالهم لتجتنب ويجتنب من تلبس بها أيضًا؛ فقال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾.
النفاق: هو إظهار الخير، وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي؛ وهو الذي يخلد صاحبه في النار. وعملي؛ وهو من أكبر الذنوب، كما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله (تعالى) (^١).
وهذا كما قال (ابن جريج) (^٢): المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مغيبه (^٣).
وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية؛ لأن مكة لم يكن فيها نفاق؛ بل كان خلافه؛ من الناس من كان يظهر الكفر مستكرهًا وهو في الباطن مؤمن، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة مشركي العرب، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم، وكانوا ثلاث قبائل: بنو قينقاع حلفاء الخزرج؛ وبنو النضير وبنو قريظة حلفاء الأوس. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وأسلم من أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج، وقلَّ من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سلام ﵁، ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضًا؛ لأنَّهُ لم يكن للمسلمين بعد شوكة تخاف؛ بل قد كان عليه (الصلاة) (^٤) والسلام وادع اليهود وقبائل كثيرةً من أحياء العرب حوالي المدينة؛ فلما كانت وقعة بدر العظمى، وأظهر الله كلمته، (وأعلا) (^٥) الإسلام وأهله، قال عبد الله بن أُبي بن سلول - وكان رأسًا في المدينة، وهو من الخزرج، وكان سيد الطائفتين في الجاهلية، وكانوا قد عزموا أن يملكوه عليهم، فجاءهم الخير وأسلموا واشتغلوا عنه؛ فبقي في نفسه من الإسلام وأهله. فلما كانت وقعة بدر قال: هذا أمر قد توجه؛ فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونحلته، وآخرون من أهل الكتاب؛ فمن ثم وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب.
فأما المهاجرون فلم يكن فيهم أحد (نافق) (^٦) (لأنه لم يكن أحد) (^٧) يهاجر مكرهًا، بل يهاجر
_________________
(١) من (ز) و(ك) و(ن).
(٢) في (*): "ابن جرير"!
(٣) أخرجه ابن جرير (٣١٩) وسنده قوي.
(٤) من (ز) و(ن)؛ وفي (ك): " ﷺ ".
(٥) في (ن): "وأعز".
(٦) من (ن).
(٧) ساقط من (ي).
[ ١ / ٢٧٣ ]
(فيترك) (^١) ماله وولده وأرضه رغبةً فيما عند الله في الدار الآخرة.
قال محمد بن إسحاق (^٢): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ يعني: المنافقين من الأوس والخزرج، ومن كان على أمرهم.
وكذا فسرها بالمنافقين (من الأوس والخزرج) (^٣) أبو العالية والحسن، وقتادة، والسدي؛ ولهذا نبه الله سبحانه على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر؛ وهذا من المحذورات الكبار أن يظن بأهل الفجور خير؛ فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ أي: يقولون ذلك قولًا ليس وراءه شيء آخر كما قال (تعالى) (^٤): ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ) (^٥)﴾ [المنافقون: ١] أي: إنما يقولون ذلك إذا جاءوك فقط لا في نفس الأمر؛ ولهذا يؤكدون في الشهادة بـ"إن" ولام التأكيد في خبرها، كما أكدوا (قولهم) (^٦): قالوا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وليس الأمر كذلك، كما (أكذبهم) (^٧) الله في شهادتهم، وفي خبرهم هذا بالنسبة إلى اعتقادهم بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] وبقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: بظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه، كما قد يروج على بعض المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨)﴾ [المجادلة: ١٨].
ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله: ﴿وَمَا (يَخْدَعُونَ) (^٨) إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
(٩) [يقول: وما يغرون بصنيعهم هذا، ولا يخدعون إلا أنفسهم، وما يشعرون] (^٩) بذلك من أنفسهم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] ومن (^١٠) القراء من قرأ ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ وكلتا القراءتين ترجع إلى معنًى واحد.
قال ابن جرير (^١١): فإن قال قائل: كيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعًا، وهو لا يظهر
_________________
(١) في (ز): "ويترك".
(٢) أخرجه ابن إسحاق، كما في "الدر المنثور" (١/ ٢٩)، ومن طريقه ابن جرير (٣١٢)؛ وابن أبي حاتم (١٠٤). [وسنده حسن].
(٣) ساقط من (ي).
(٤) من (ز) و(ن).
(٥) من (ن).
(٦) في (ن): "أمرهم".
(٧) في (ن): "كذبهم".
(٨) في في (ز) و(ل) و(ن) و(هـ) ووقع في (ج) و(ع) و(ك) و(ي): "يخادعون" وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو بن العلاء.
(٩) ساقط من سياق (ج)، واستدركته من الحاشية.
(١٠) وهم بقية السبعة دون من سميتهم آنفًا.
(١١) في "تفسيره" (١/ ٢٧٣ - شاكر).
[ ١ / ٢٧٤ ]
بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقيةً؟ قيل: لا تمنع العرب أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي في ضميره تقية لينجو مما هو له خائف مخادعًا، فكذلك المنافق سمي مخادعًا للّه وللمؤمنين بإظهار ما ظهره بلسانه تقية بما يخلص به من القتل (والسباء) (^١) والعذاب العاجل، وهو لغير ما أظهره مستبطن؛ وذلك من فعله فين كان خداعًا للمؤمنين في عاجل الدنيا، فهو لنفسه بذلك من فعله خادع؛ لأنَّهُ يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها، ويسقيها كأس سرورها، وهو (مُوردها) (^٢) حياض عطبها، ومجرعها به كأس عذابها، (ومُزيرها) (^٣) من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به؛ فذلك خديعته نفسه ظنًّا منه، مع إساءته إليها في أمر معادها، أنه إليها محسن؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ إعلامًا منه عباده المؤمنين أن المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم، في إسخاطهم عليها ربهم، بكفرهم وشكهم وتكذيبهم غير شاعرين ولا دارين، ولكنهم على (عمياء) (^٤) من أمرهم مقيمون.
ومقال ابن أبي (^٥) حاتم: أنبأنا علي بن المبارك فيما كتب إلي، حَدَّثَنَا زيد بن المبارك، حَدَّثَنَا محمد بن ثور، عن ابن جريج - في قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ - قال: يظهرون لا إله إلا الله، يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم، وفي أنفسهم غير ذلك.
وقال سعيد (^٦)، عن قتادة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ نعت المنافق عند كثير: خنع الأخلاق، يصدق بلسانه، وينكر بقلبه، ويخالف بعمله، يصبح على حال، ويمسي على غيره، ويمسي على حال، ويصبح على غيره، ويتكفأ تكفأ السفينة كلما هبت ريح (هب) (^٧) معها.
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾.
قال السدي (^٨)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود؛ وعن أناس من أصحاب (النَّبِيّ) (^٩) ﷺ في هذه الآية: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قال: شكَّ، ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ قال: شكًّا.
وقال ابن إسحاق (^١٠)، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ - قال: شكّ.
_________________
(١) في (ك) و(ن): "السبي".
(٢) في "تفسير ابن جرير": "موردها به".
(٣) في (ك): "يزيدها" وفي "ابن جرير": "مذيقها" وأثبت الشيخ محمود شاكر حفظه الله ما أثبته هنا عن هذا الموضع وأزاره: يعني حمله على الزيارة، وهذا من باب السخرية بهم.
(٤) في (ن): "عمي".
(٥) في "تفسيره" (١٠٧) وسنده جيد.
(٦) هو سعيد بن أبي عروبة، والخبر أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٨) من طريق يزيد بن زريع، ثنا ابن أبي عروبة. وسنده صحيح.
(٧) في (ن): "هبت"، ووقع كذلك عند "ابن أبي حاتم"، وهو خطأ فإن هذا الفعل عائد على "المنافق" والله أعلم.
(٨) أخرجه ابن جرير (٣٢٤) [وسنده ضعيف].
(٩) في (ن) و(هـ): "رسول الله".
(١٠) أخرجه ابن إسحاق ومن طريقه ابن جرير (٣٢٢)؛ وابن أبي حاتم (١١٢، ١١٤) [وسنده حسن].
[ ١ / ٢٧٥ ]
وكذلك قال مجاهد، وعكرمة، والحسن البصري، وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة.
وعن عكرمة، وطاوس: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يعني: الرياء.
وقال الضحاك (^١)، عن ابن عباس: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ - قال: نفاق. ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ - قال: نفاقًا. وهذا كالأول.
وقال عبد الرحمن (^٢) بن زيد بن أسلم: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قال: هذا مرض في الدين، وليس مرضًا في الأجساد؛ وهم المنافقون. والمرض: الشكُّ الذي دخلهم في الإسلام.
﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ قال: زادهم رجسًا؛ وقرأ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥] قال: شرًّا إلى شرهم، وضلالةً إلى ضلالتهم. وهذا الذي قاله عبد الرحمن ﵀ حسن، وهو الجزاء من جنس العمل. وكذلك قاله الأولون؛ وهو نظير قوله تعالى أيضًا: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧].
[وقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ وقرئ (^٣) "يُكذِّبون". وقد كانوا متصفين بهذا وهذا؛ فإنهم كانوا كذبة ويكذبون (بالحق) (^٤)، يجمعون بين هذا وهذا.
وقد سئل القرطبي (^٥) وغيره من المفسرين عن حكمة كفه عليه (الصلاة) (^٦) والسلام [عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم، وذكروا أجوبةً عن ذلك؛ منها ما ثبت في "الصحيحين"] (^٧) أنه] (^٨) [(ﷺ) (^٩) قال لعمر ﵁: "أكره (^١٠) أن يتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه".
ومعنى هذا خشية (أن يقع) (^١١) بسبب ذلك (تنفير) (^١٢) لكثير من] (^١٣). [الأعراب عن الدخول في الإسلام ولا يعلمون حكمة قتله لهم، وأن قتله إياهم إنما هو على الكفر؛ فإنهم إنما يأخذونه بمجرد ما يظهر لهم فيقولون: إن محمدًا يقتل أصحابه] (^١٤).
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٣٢٣)؛ وابن أبي حاتم (١١١) وسنده ضعيف كما تقدم.
(٢) أخرجه ابن جرير (٣٢٥) وسنده صحيح.
(٣) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وأبي جعفر، ويعقوب.
(٤) في (ن): "بالغيب".
(٥) كما في "تفسيره" (١/ ١٩٨، ١٩٩).
(٦) من (ن).
(٧) ساقط من (ك).
(٨) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).
(٩) ساقط من (ج) و(ك) و(ل).
(١٠) أخرجه البخاري (٦/ ٥٤٦؛ و٨/ ٦٤٨، ٦٥٢)؛ ومسلم (٦٣/ ٢٥٨٤)، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع النَّبِيّ ﷺ في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: ياللأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فقال رسول الله ﷺ: "ما بال دعوى الجاهلية؟ " قالوا: يا رسول الله! كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: "دعوها فإنها منتنة" فسمعها عبد الله بن أبي فقال: قد فعلوها، والله! لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: "دعه، لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه" واللفظ لمسلم. وأخرجه البخاري في "فرض الخمس" (٦/ ٢٣٨) مختصرًا.
(١١) في (ج) و(ل): "أن لا يقع".
(١٢) كذا في (ج) و(ك) وفي (ل) و(ن): "تغير".
(١٣) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).
(١٤) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).
[ ١ / ٢٧٦ ]
[قال القرطبي (^١): وهذا قول علمائنا وغيرهم، كما كان يعطي المؤلفة (قلوبهم) (^٢) مع علمه (بسوء) (^٣) اعتقادهم.
قال ابن عطية (^٤): وهي طريقة أصحاب مالك، نص عليه محمد بن الجهم، والقاضي إسماعيل، (و) (^٥) الأبهري (و) (^٦) ابن الماجشون] (^٧).
[ومنها: ما قال مالك (﵀) (^٨): إنما كف رسول الله ﷺ عن المنافقين (ليسُن) (^٩) لأمته أن الحاكم لا يحكم بعلمه.
قال القرطبي (^١٠): وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه وإن اختلفوا في سائر الأحكام] (^١١).
[قال (^١٢): ومنها ما قال الشافعي: إنما منع رسول الله ﷺ من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم؛ لأن ما يظهرونه يجب ما قبله.
ويؤيد هذا قوله عليه (الصلاة) (^١٣) والسلام في الحديث المجمع على صحته في "الصحيحين" (^١٤) وغيرهما: "أمرت أن أقاتل الناس حتَّى يقولوا لا إله إلا الله، فماذا قالوها عصموا منى دمائهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ﷿".
ومعنى هذا أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهرًا؛ فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدار الآخرة، وإن لم يعتقدها لم ينفعه في الآخرة) (^١٥) جريان الحكم عليه في الدنيا، وكونه كان خليط أهل الإيمان: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ الآية [الحديد: ١٤] (^١٦).
[فهم يخالطونهم في بعض المحشر، فإذا حقّت المحقوقية تميزوا منهم، وتخلفوا بعدهم، وحيل بينهم وبينهم، ولم يمكنهم أن يسجدوا معهم، كما نطقت بذلك الأحاديث (^١٧)] (^١٨).
ومنها ما قاله بعضهم: إنه إنما لم يقتلهم؛ لأنَّهُ كان (لا يخاف) (^١٩) من شرهم مع وجوده ﷺ بين أظهرهم، يتلو عليهم آيات الله مبينات، فأما بعده فيُقتلون إذا أظهروا النفاق، وعلمه
_________________
(١) في "تفسيره" (١/ ١٩٩).
(٢) من (ج).
(٣) في (ج): "بشر".
(٤) في "تفسيره" (١/ ١٧١).
(٥) ساقط من (ج). والأبهري هو الفقيه المحدث محمد بن عبد الله بن محمد أبو بكر، مترجم في "سير النبلاء" (١٦/ ٣٣٢).
(٦) في (ن): "وعن".
(٧) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).
(٨) من (ج) و(ل).
(٩) في (ن): "ليبين".
(١٠) في "تفسيره" (١/ ١٩٨).
(١١) ساقط من (ز).
(١٢) يعني "القرطبي" (١/ ٢٠٠).
(١٣) من (ن).
(١٤) أخرجه البخاري (٣/ ٢٦٢؛ و١٢/ ٢٧٥؛ و١٣/ ٢٥٠)؛ ومسلم (٢٠/ ٣٢).
(١٥) ساقط من (ن).
(١٦) ساقط من (ز).
(١٧) وقد ذكر المصنف ﵀ بعضها في سورة القلم عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢].
(١٨) ساقط من (ز).
(١٩) في (ج): "يخاف".
[ ١ / ٢٧٧ ]
[المسلمون؛ قال مالك: المنافق في عهد رسول الله ﷺ هو الزنديق اليوم.
قلت: وقد اختلف العلماء في قتل الزنديق إذا أظهر الكفر؛ هل يستتاب أم لا؟ أو يفرق بين أن يكون داعيةً أم لا؟ أو يتكرر منه ارتداده أم لا؟ أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء نفسه، أو بعد أن ظهر عليه؟ على أقوال متعددة، موضع بسطها وتقريرها وعزوها "كتاب الأحكام".
تنبيه: قول من قال: كان عليه (الصلاة) (^١) والسلام يعلم أعيان بعض المنافقين إنما مستنده حديث (^٢) حذيفة بن اليمان في تسمية] (^٣). [أولئك الأربعة عشر منافقًا في غزوة تبوك الذين هموا أن يفتكوا برسول الله ﷺ في ظلماء الليل عند عقبة (هنالك) (^٤) عزموا على أن ينفروا به الناقة ليسقط عنها؛ فأوحى (الله) (^٥) إليه أمرهم (وأطلع) (^٦) على ذلك حذيفة. ولعلَّ الكف عن قتلهم كان لمدرك من هذه المدارك أو لغيرها. واللّه أعلم.
فأما غير هؤلاء فقد قال الله (تعالى) (^٥): ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١].
وقال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾ [الأحزاب: ٦٠، ٦١] ففيها دليل على أنه لم يغر بهم، ولم (يدل) (^٧) على أعيانهم؛ وإنما كان يذكر له صفاتهم فيتوسمها في بعضهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠].
وقد كان من أشهرهم بالنفاق عبد الله بن أُبي بن سلول، وقد شهد عليه زيد بن أرقم بذلك الكلام الذي سبق في صفات المنافقين، ومع هذا] (^٣). [لما مات صلى عليه رسول الله ﷺ وشهد دفنه كما يفعل ببقية المسلمين وقد عاتبه عمر بن الخطاب (﵁) (^٨) فيه، فقال: "إني أكره أن تتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه" (^٩).
وفي رواية في "الصحيح" (^١٠): "إني خيرت فاخترت". وفي رواية (^١٠): "لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر له لزدت"] (^١١).
_________________
(١) من (ن).
(٢) أخرجه مسلم (٢٧٧٩/ ٩ - ١١).
(٣) ساقط من (ز).
(٤) في (ن): "هناك".
(٥) من (ن).
(٦) في (ن): "فاطلع".
(٧) في (ن): "يدرك"!
(٨) من (ن).
(٩) لم يقل النَّبِيّ ﷺ هذا الكلام في هذا الموضع، فلعل قلم المصنف ﵀ سبقه، وقد مرت مناسبة هذا الحديث منذ قليل. والله أعلم.
(١٠) يعني: "صحيح البخاري" وقد رواه في "الجنائز" (٣/ ٢٢٨)؛ وفي "التفسير" (٨/ ٣٣٣).
(١١) ساقط من (ز).
[ ١ / ٢٧٨ ]
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾.
قال السدي في "تفسيره" (^١)، عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة الطيب (الهمداني) (^٢)، عن ابن مسعود، وعن أنس من أصحاب النَّبِيّ ﷺ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ (قال: هم المنافقون) (^٣).
أما ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال: الفساد هو الكفر، والعمل بالمعصية.
وقال أبو جعفر (^٤)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية - في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال: يعني لا تعصوا في الأرض، وكان فسادهم ذلك معصية الله؛ لأنَّهُ من عصى الله في الأرض، (أو) (^٥) (بمعصية الله) (^٦)، فقد أفسد في الأرض لأنَّ صلاح الأرض والسماء بالطاعة.
وهكذا (^٧) قال الربيع بن أنس، وقتادة.
وقال ابن (^٨) جريج، عن مجاهد: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال: إذا ركبوا معصية الله فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا، قالوا: إنما نحن (على الهدى) (^٩) مصلحون.
و(قد) (^١٠) قال وكيع، وعيسى بن يونس، وعثام بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن سلمان الفارسي (^١١): ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ قال سلمان: لم يجئ أهل هذه (الآية) (^١٢) بعد.
وقال ابن جرير (^١٣): حدثني أحمد بن عثمان بن حكيم، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن شريك، حدثني أبي، عن الأعمش، عن زيد بن وهب وغيره، عن سلمان (الفارسي) (^١٤) في هذه الآية، قال: ما جاء هؤلاء.
_________________
(١) ومن طريقه: أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (٣٣٩).
(٢) من (ز) و(ن).
(٣) من (ن) وحدها، وهو الموافق لما في "تفسير الطبري". [وسنده ضعيف].
(٤) أخرجه ابن جرير (٣٤٠)؛ وابن أبي حاتم (١٢١) من طريقين عن أبي جعفر الرازي عن الربيع، عن أبي العالية. [وسنده جيد].
(٥) في (ج) و(ل): "و".
(٦) في (ن): "بمعصيته".
(٧) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٢٢).
(٨) أخرجه ابن جرير (٣٤٢).
(٩) ساقط من (ج)، ووقع في (هـ): "مصلحون على الهدى" وأشار الناسخ إلى أنه وقع تقديم وتأخير في الكلام.
(١٠) ساقط من (ن).
(١١) أخرجه ابن جرير (٣٣٧)؛ وابن أبي حاتم (١٢٣) من طريق ثلاثتهم عن الأعمش به وسنده ضعيف لضعف عباد بن عبد الله ولكن تابعه زيد بن وهب وغيره عن سلمان الفارسي مثله. أخرجه ابن جرير (٣٣٨) من طريق عبد الرحمن بن شريك، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حدثني الأعمش، عن زيد بن وهب. وسنده ضعيف أيضًا وعبد الرحمن بن شريك وثقه ابن حبان ولكن وهاه أبو حاتم الرازي، وأبوه شريك النخعي سيء الحفظ وانضمام أحد السندين إلى آخر يشعر أن للكلام أصلًا. والله أعلم.
(١٢) في (ك): "الأمة"!
(١٣) في "تفسيره" (٣٣٨).
(١٤) ساقط من (ن).
[ ١ / ٢٧٩ ]
قال ابن جرير: يحتمل أن سلمان (﵁) (^١) أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فسادًا من الذين كانوا في زمن النَّبِيّ ﷺ، لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد.
قال ابن جرير (^٢): فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دينه الذي لا يقبل من أحد (عملًا) (^٣) إلا بالتصديق به، والإيقان بحقيقته، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب، ومظاهرتهم أهل التكذيب باللّه وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلًا؛ فذلك إفساد المنافقين في (الأرض) (^٤)، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها.
وهذا الذي قاله حسن؛ فإن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء؛ كما قال تعالى: (﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ [الأنفال: ٧٣] فقطع الله الموالاة بين المؤمنين والكافرين، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)﴾ [النساء: ١٤٤].
ثم قال: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء] فالمنافق لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، فكان الفساد من جهة المنافق حاصل؛ لأنَّهُ هو الذي غرَّ المؤمنين بقوله الذي لا حقيقة له؛ ووالى الكافرين على المؤمنين، ولو أنه استمر على (حاله الأول) (^٥) لكان شره أخف، ولو أخلص العمل للّه وتطابق قوله وعمله لأفلح وأنجح؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ أي: نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين؛ ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء؛ كما قال محمد (^٦) بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾ أي: إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب.
يقول الله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾ يقول: ألا إن هذا الذي يعتمدونه، ويزعمون أنه إصلاح، هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادًا.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾.
يقول تعالى: وإذا قيل للمنافقين: ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ أي: كإيمان الناس باللّه وملائكته،
_________________
(١) من (ن).
(٢) في "تفسيره" (١/ ٢٨٩، ٢٩٠).
(٣) كذا في كل "الأصول" وهو الموافق لما في "تفسير الطبري"، ووقع في (ز): "عمل" بالرفع، على اعتبار أن الفعل مبني لما لم يسم فاعله.
(٤) في "الطبري": "أرض الله".
(٥) في (ز) و(هـ): "حالته الأولى".
(٦) أخرجه ابن إسحاق ومن طريقه: ابن جرير (٣٤١)؛ وابن أبي حاتم (١٢٤). [وسنده حسن].
[ ١ / ٢٨٠ ]
وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، وغير ذلك مما أخبر (المؤمنون) (^١) به وعنه؛ وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ يعنون - لعنهم الله -: أصحاب رسول الله ﷺ ﵃؛ قاله أبو العالية (^٢)، والسدي في "تفسيره" (^٣) بسنده عن ابن عباس، وابن مسعود، وغير واحد من الصحابة؛ وبه يقول الربيع بن (^٤) أنس، وعبد الرحمن بن زيد (^٥) بن أسلم، وغيرهم: يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة، وعلى طريقة واحدة، وهم سفهاء؟
والسفهاء: جمع سفيه كما أن الحكماء جمع حكيم، (والحلماء جمع حليم) (^٦). والسفيه: هو الجاهل الضعيف الرأي، القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضار؛ ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء في قوله (تعالى) (^٧): ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] قال عامة علماء (التفسير) (^٨): هم النساء والصبيان.
وقد تولى الله (﷾) (جوابهم) (^٩) في هذه المواطن كلها؛ فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ فأكد وحصر السفاهة فيهم.
﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل؛ وذلك أردى لهم، وأبلغ في العمى والبعد عن الهدى.
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾.
يقول تعالى: وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا: ﴿آمَنُوا﴾ (أي) (^١٠): أظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة غرورًا منهم للمؤمنين ونفاقًا، ومصانعةً وتقيةً، وليشركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم.
﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ يعني: وإذا انصرفوا وذهبوا (وخلصوا) (^١١) إلى شياطينهم، فضمن "خلوْا" معنى انصرفوا؛ لتعديته بـ"إلى"، ليدلَّ على الفعل المضمر، والفعل الملفوظ به.
ومنهم من قال: "إلى" هنا بمعنى "مع". والأول أحسن. وعليه يدور كلام ابن جرير (^١٢).
وقال السدي (^١٣)، عن أبي مالك: ﴿خَلَوْا﴾ يعني: مضوا. وشياطينهم: سادتهم وكبراؤهم ورؤساؤهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين.
_________________
(١) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي) ووقع في (ز) و(ل) و(ن): "المؤمنين" على اعتبار أن الفعل مبني للمعلوم.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٩). [وسنده جيد].
(٣) أخرجه ابن جرير (٣٤٤). [وسنده ضعيف ويتقوى بالآثار التي تليه].
(٤) أخرجه ابن جرير (٣٤٥، ٣٤٦). [وسنده جيد].
(٥) ساقط من (ز).
(٦) من (ز) و(ن).
(٧) في (ز): "السلف".
(٨) ل في (ع) و(ل) و(هـ) و(ي) وسقط لفظ "تعالى" من (ز) و(ن).
(٩) في (ل): "إخوانهم".
(١٠) ساقط من (ن).
(١١) في (ز): "وأخلصوا".
(١٢) في "تفسيره" (١/ ٢٩٨).
(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٤٠). [وسنده حسن].
[ ١ / ٢٨١ ]
قال السدي في "تفسيره" (^١)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة (الهمداني) (^٢)، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [يعني: هم رؤوسهم في الكفر] (^٣).
[وقال الضحاك (^٤)، عن ابن عباس: وإذا خلوا إلى أصحابهم وهم شياطينهم] (^٥).
وقال محمد بن (^٦) إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب، وخلاف ما جاء به الرسول ﷺ.
وقال مجاهد (^٧): ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين.
وقال قتادة (^٨): ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ قال: إلى رؤوسهم وقادتهم في الشرك والشر.
وبنحو ذلك فسره أبو مالك، وأبو العالية، والسدي، والربيع بن أنس.
قال ابن جرير: وشياطين كل شيء مردته، ويكون الشيطان من الإنس والجن؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢].
وفي "المسند" (^٩)، عن أبي ذرٍّ؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "تعوَّذ باللّه من شياطين الإنس والجن". فقلت: يا رسول الله، أو للإنس شياطين؟ قال: "نعم".
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ قال محمد بن إسحاق (^١٠)، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أي: إنا على مثل ما أنتم عليه ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم.
وقال الضحاك (^١١)، عن ابن عباس؛ قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ساخرون بأصحاب محمد ﷺ.
_________________
(١) ومن طريقه ابن جرير (٣٥١). [وسنده ضعيف، ويشهد له سابقه].
(٢) من (ن).
(٣) ساقط من (ك).
(٤) أخرجه ابن جرير (٣٤٩)؛ وابن أبي حاتم (١٣٦) وسنده ضعيف.
(٥) ساقط من (ك).
(٦) أخرجه ابن جرير (٣٥٠)؛ وابن أبي حاتم (١٣٧). [وسنده حسن].
(٧) أخرجه ابن جرير (٣٥٥)؛ وابن أبي حاتم (١٣٩)؛ وعبد بن حميد، كما في "الفتح" (٨/ ١٦١)، من طريقين عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد وسنده صحيح.
(٨) أخرجه ابن جرير (٣٥٢)؛ وابن أبي حاتم (١٣٨) من طريق عبد الوهاب بن عطاء ويزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وهذا سند صحيح، وعبد الوهاب ويزيد من قدماء أصحاب سعيد.
(٩) للإمام أحمد (٥/ ١٧٨، ١٧٩) وتقدم تخريجه في "سورة الفاتحة" عند الكلام على الاستعاذة.
(١٠) أخرجه ابن جرير (٣٥٠)؛ وابن أبي حاتم (١٤١). [وسنده حسن].
(١١) أخرجه ابن جرير (٣٥٩)؛ وابن أبي حاتم (١٤٢) وسنده ضعيف [ويشهد له ما يليه].
[ ١ / ٢٨٢ ]
وكذلك قال الربيع (^١) بن أنس، وقتادة.
وقوله تعالى جوابًا لهم ومقابلةً على صنيعهم: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾.
وقال ابن جرير (^٢): أخبر تعالى أنه فاعل بهم ذلك يوم القيامة في قوله (تعالى) (^٣): ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣)﴾ الآية [الحديد] وقوله (تعالى) (^٣): ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ الآية [آل عمران: ١٧٨].
قال (^٤): فهذا وما أشبهه من استهزاء الله تعالى ذكره، وسخريته ومكره، وخديعته للمنافقين وأهل الشرك به، عند قائل هذا القول ومتأول هذا التأويل.
قال (^٥): وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم، ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه والكفر به.
قال (^٥): وقال آخرون: هذا وأمثاله على سبيل الجواب؛ كقول الرجل لمن يخدعه إذا ظفر به: أنا الذي خدعتك. ولم يكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذا صار الأمر إليه.
قالوا: وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾ [آل عمران]، و﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على الجواب؛ واللّه لا يكون منه المكر ولا الهزء. والمعنى أن المكر والهزء حاق بهم.
وقال آخرون: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] و﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] وما أشبه ذلك، إخبار من الله تعالى أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، (ومعاقبهم) (^٥) عقوبة الخداع، فأخرج خبره عن (جزائه) (^٦) إياهم، وعقابه لهم، مخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ، وإن اختلف المعنيان، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (^٧) [الشورى: ٤٠] وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤] فالأول ظلم، والثاني عدل، فهما وإن اتفق لفظهما فقد اختلف معناهما. قال: وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك.
قال (^٨): وقال آخرون: إن معنى ذلك أن الله أخبر عن المنافقين أنهم إذا خلوا إلى مردتهم قالوا: إنا معكم على دينكم في تكذيب محمد (ﷺ) (^٩) وما جاء به وإنما نحن بما نظهر لهم من قولنا لهم مستهزئون؛ فأخبر تعالى أنه يستهزئ بهم، فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا - يعني: من عصمة دمائهم وأموالهم - خلاف الذي لهم عنده في الآخرة؛ يعني: من العذاب والنكال.
_________________
(١) أخرجهما ابن جرير (٣٦١، ٣٦٢). [بسندين ثابتين].
(٢) في "تفسيره" (١/ ٣٠١).
(٣) من (ز) و(ن).
(٤) يعني: ابن جرير (١/ ٣٠١، ٣٠٢).
(٥) في (ز): "يعاقبهم".
(٦) في (ز): "جوابه".
(٧) في (ن): "فمن عفا وأصلح فأجره على الله".
(٨) يعني: ابن جرير (١/ ٣٠٣).
(٩) من (ز) و(ن).
[ ١ / ٢٨٣ ]
ثم شرع ابن جرير (^١) يوجه هذا القول وينصره، لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب (والعبث) (^٢) (منتف) (^٣) عن الله ﷿ بالإجماع. وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك.
قال: وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس (^٤): حَدَّثَنَا أبو كريب، حَدَّثَنَا عثمان، حَدَّثَنَا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس - في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ قال: يسخر بهم للنقمة منهم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال السدي (^٥)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة (الهمداني) (^٦)، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النَّبِيّ ﷺ: يمدهم: يملي لهم. وقال مجاهد (^٧): يزيدهم.
[وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ [المؤمنون: ٥٥، ٥٦] وقال:] (^٨) ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] قال بعضهم: كلما أحدثوا ذنبًا أحدث لهم نعمةً، وهي في الحقيقة نقمة. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ (^٩) [الأنعام].
قال ابن (^١٠) جرير: والصواب يزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم؛ كما قال (تعالى) (^١١): ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ [الأنعام: ١١٠].
والطغيان: هو المجاوزة في الشيء، كما قال (تعالى) (^١٢): ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ [الحاقة: ١١].
وقال الضحاك (^١٣)، عن ابن عباس: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ في كفرهم يترددون. وكذا فسره السدي (^١٤) بسنده عن الصحابة، وبه (^١٥) يقول أبو العالية، وقتادة، والربيع بن أنس، ومجاهد، وأبو مالك، وعبد الرحمن بن زيد: في كفرهم وضلالتهم.
_________________
(١) في "تفسيره" (١/ ٣٠٣).
(٢) في (ج): "العنت"!
(٣) في (ن): "منتفى"!
(٤) يعني ابن جرير (٣٦٣) وسنده ضعيف.
(٥) في (تفسيره)، ومن طريقه ابن جرير (٣٦٤)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١٤٤) عن السدي قوله. [وسنده ضعيف].
(٦) من (ن).
(٧) أخرجه ابن جرير (٣٦٥)؛ وابن أبي حاتم (١٤٥). [وسنده صحيح] وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٣١) للفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٨) ساقط من (ز).
(٩) ساقط من (ز).
(١٠) في "تفسيره" (١/ ٣٠٧).
(١١) من (ز) و(ن).
(١٢) من (ن).
(١٣) أخرجه ابن جرير (٣٦٦)؛ وابن أبي حاتم (١٤٨) وسنده ضعيف [ويشهد له ما يليه].
(١٤) أخرجه ابن جرير (٣٦٧). [وسنده ضعيف ويشهد له ما يليه].
(١٥) أخرج أقوالهم: ابن جرير (٣٦٨، ٣٦٩، ٣٧٠)؛ وابن أبي حاتم (١٤٧)، [وكلها أسانيد ما بين صحاح وجياد].
[ ١ / ٢٨٤ ]
قال ابن جرير (^١): والعمه: الضلال، يقال: عَمِه فلان يعمه عمهًا وعموها، إذا ضل. قال: وقوله: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ في ضلالتهم، وكفرهم الذي غمرهم دنسه، وعلاهم رجسه، يترددون حيارى ضُلالًا، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلًا؛ لأن الله (تعالى) (^٢) قد طبع على قلوبهم، وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى، وأغشاها؛ فلا يبصرون رشدًا، ولا يهتدون سبيلًا.
[وقال بعضهم: العمى في العين، والعمه في القلب؛ وقد يستعمل العمى في القلب أيضًا؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].
وتقول: عمه الرجل يعمه عموهًا فهو عمه وعامه، وجمعه عُمَّهٌ. وذهبت إبله (العمهى) (^٣)؛ إذا لم يدر أين ذهبت] (^٤).
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾.
قال السُّدِيُّ في "تفسيره" (^٥)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ قال: أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى.
وقال (محمد) (^٦) بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس (^٧): ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ أي: الكفر بالإيمان.
وقال مجاهد (^٨): آمنوا ثم كفروا.
وقال قتادة (^٩): استحبوا الضلالة على الهدى.
وهذا الذي قاله قتادة يشبهه في المعنى قوله تعالى في ثمود: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].
وحاصل قول المفسرين فيما تقدم أن المنافقين عدلوا عن الهدى إلى الضلال، واعتاضوا عن الهدى بالضلالة؛ وهو معنى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ أي: بذلوا الهدى ثمنًا للضلالة. وسواء في ذلك من كان منهم قد حصل له الإيمان ثم رجع عنه إلى الكفر؛ كما قال (تعالى) (^١٠) فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المنافقون: ٣] وأنهم استحبوا
_________________
(١) في "تفسيره" (١/ ٣٠٩).
(٢) ليس في (ن).
(٣) في (ن): "العمهاء".
(٤) ساقط من (ز) و(هـ).
(٥) ومن طريقه ابن جرير (٣٨١)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١٥٥) عن السدي قوله. [وسنده ضعيف].
(٦) من (ل).
(٧) أخرجه ابن جرير (٣٨٠)؛ وابن أبي حاتم (١٥٣) [وسنده حسن].
(٨) أخرجه ابن جرير (٣٨٣، ٣٨٤)؛ وابن أبي حاتم (١٥٤) من طرق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وسنده صحيح.
(٩) أخرجه ابن جرير (٣٨٢)؛ وابن أبي حاتم (١٥٢) من طريقين عن قتادة، وسنده جيد.
(١٠) من (ز) و(ن).
[ ١ / ٢٨٥ ]
الضلالة على الهدى، كما (قد) (^١) يكون حال فريق آخر منهم؛ فإنهم أنواع وأقسام؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أي: ما ربحت (صفقتهم) (^٢) في هذه البيعة.
﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ أي: راشدين في صنيعهم ذلك.
وقال ابن (^٣) جرير: حدثنا (بشر) (^٤)، حَدَّثَنَا يزيد، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة.
وهكذا رواه ابن أبي حاتم (^٥) من حديث يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة بمثله سواء.
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾.
[يقال: مثلي ومثل ومثيل أيضًا. والجمع أمثال؛ قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾] (^٦) [العنكبوت: ٤٣].
(وتقرير) (^٧) هذا المثل أن الله سبحانه شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى، بمن استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله، وانتفع بها، وأبصر بها ما عن يمينه وشماله، وتأنس بها؛ فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدى؛ وهو مع (ذلك) (^٨) أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصره؛ فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى، واستحبابهم الغي على الرشد.
وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا، ثم كفروا، كما أخبر (تعالى عنهم) (^٩) في غير هذا الموضع. واللّه أعلم.
[وقد حكى هذا الذي قلناه (فخر الدين) (^١٠) الرازي في] (^١١» "تفسيره" عن السدي (^١٢)؛ ثم قال: والتشبيه ها هنا في غاية الصحة؛ لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولًا نورًا، ثم بنفاقهم ثانيًا أبطلوا ذلك (النور) (^١٣) فوقعوا في حيرة عظيمة؛ فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين] (^١٤).
_________________
(١) ساقط من (ز) و(ن).
(٢) في (ج): "صفتهم"!!
(٣) في "تفسيره" (٣٨٥).
(٤) في (ن): "بشير" وهو خطأ وفي "تفسير الطبري": "بشر بن معاذ". [وسنده صحيح].
(٥) في "تفسيره" (١٥٧) من طريق العباس بن الوليد ثنا يزيد بن زريع به. [وسنده صحيح].
(٦) ساقط من (ز).
(٧) في (ن): "وتقدير".
(٨) في (ن): "هذا".
(٩) كذا في (ل) و(ن) وفي (ج) و(ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي): "عنهم تعالى".
(١٠) ساقط من (ل) و(ن).
(١١) ساقط من (ز).
(١٢) وأخرجه ابن جرير (٣٨٨) عن السدي.
(١٣) ساقط من (ن).
(١٤) ساقط من (ز).
[ ١ / ٢٨٦ ]
وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل ها هنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات؛ واحتج بقوله (تعالى) (^١): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة].
والصواب أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم؛ وهذا لا ينفى أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك ثم سلبوه، وطبع على قلوبهم. ولم يستحضر ابن جرير (﵀) (^١) هذه الآية ها هنا، وهي قوله تعالى: (﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣] فلهذا وجه هذا المثل بأنهم استضاءوا بما أظهروه من كلمة الإيمان؛ أي: في الدنيا؛ ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة. قال: وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد، كما قال: ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] أي: كدوران الذي يغشى عليه من الموت، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] [وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].
وقال بعضهم: تقدير الكلام: مثل قصتهم (كقصة) (^٢) (الذي استوقد) (^٣) نارًا.
وقال بعضهم: المستوقد واحد لجماعة معه. وقال آخرون: "الذي" ها هنا بمعنى "الذين"، كما قال الشاعر (^٤):
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم … هم القوم كل القوم يا أم خالد] (^٥)
قلت: وقد التفت في أثناء المثل من الواحد إلى الجمع في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ وهذا أفصح في الكلام، وأبلغ في النظام.
وقوله (تعالى) (^٦): ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي: (أذهب) (^٧) عنهم ما ينفعهم، وهو النور، وأبقى لهم ما يضرهم، وهو الإحراق والدخان.
﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ لا يهتدون إلى (سبيل) (^٨) خير، ولا يعرفونها، وهم مع ذلك ﴿صُمٌّ﴾ لا يسمعون خيرًا، ﴿بُكْمٌ﴾ لا يتكلمون بما ينفعهم، (﴿عُمْيٌ﴾) في ضلالة وعماية البصيرة؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ [الحج: ٤٦] فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة.
_________________
(١) من (ز) و(ن).
(٢) في (ك): "كمثل".
(٣) في (ن): "الذين استوقدوا".
(٤) قال الشيخ محمود شاكر حفظه الله في تعليقه على "تفسير الطبري" (١/ ٣٢٠): "هذا الشعر للأشهب بن رميلة وعزا ذلك لـ"الخزانة" (٢/ ٥٠٧، ٥٠٨)؛ و"البيان" (٤/ ٥٥)؛ و"كتاب سِيْبَويَه" (١/ ٩٦)؛ و"المؤتلف والمختلف" (٣٣) للآمدي، وذكر البغدادي أن أبا تمام أنشد البيت في أبيات لحريث بن محفض في كتابه "مختار أشعار القبائل". وروايته "إن اللألى" ولا شاهد فيه، وهم يقولون: إن النون حذفت من "الذين" فصارت "الذي لطول الكلام وللتخفيف، وهي بمعنى الجمع لا المفرد، و"فلج" وادٍ بين البصرة وحمى ضرية، كانت فيه هذه الواقعة التي ذكرها". اهـ.
(٥) ساقط من (ز).
(٦) من (ز) و(ن).
(٧) في (ك) و(ن): "ذهب"؛ وفي (ن): "ذهب عنهم بما".
(٨) في (ز): "سبل".
[ ١ / ٢٨٧ ]