اشتملت هذه السورة الكريمة، وهي سبع آيات، على حمد الله وتمجيده، والثناء عليه بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته (العلى) (^١) وعلى ذكر المعاد، وهو يوم الدين؛ وعلى إرشاده (عبيده) (^٢) إلى سؤاله والتضرع إليه، والتبرئ من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له، وتوحيده بالألوهية ﵎، وتنزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم، وتثبيتهم عليه، حتى (يفضي بهم ذلك) (^٣) إلى جواز الصراط الحسي يوم القيامة المفضي بهم إلى جنات النعيم في جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة، ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل؛ لئلا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم، والضالون.
وما أحسن ما جاء إسناد الإنعام إليه في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وحذف الفاعل في الغضب في قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وإن كان هو الفاعل لذلك في الحقيقة؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. . .﴾ الآية [المجادلة: ١٤] وكذلك إسناد الضلال إلى من قام به وإن كان هو الذي أضلهم بقدره؛ كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] وقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾ [الأعراف] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه سبحانه هو المنفرد بالهداية والإضلال، لا كما تقول الفرقة القدرية ومن حذا حذوهم من أن العباد هم الذين يختارون ذلك ويفعلونه؛ ويحتجون على بدعتهم بمتشابه من القرآن؛ ويتركون ما يكون فيه صريحًا في الرد عليهم وهذا حال أهل الضلال والغي.
وقد ورد في الحديث الصحيح (^٤): "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم" - يعني في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] فليس، بحمد الله، لمبتدع في القرآن حجة صحيحة؛ لأن القرآن جاء ليفصل الحق من الباطل، مفرقًا بين الهدى والضلال؛ وليس فيه تناقض ولا اختلاف؛ لأنه من عند الله ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
فَصْلٌ
يستحب لمن يقرأ الفاتحة أن يقول بعدها: "آمين"، (مثل يس) (^٥). ويقال: أمين - بالقصر أيضًا. ومعناه: اللهم استجب.
_________________
(١) في (ز) و(ن): "العليا".
(٢) في (ك) و(ل): "عبده".
(٣) في (ن): "يقضي لهم بذلك".
(٤) أخرجه البخاري (٨/ ٢٠٩)؛ ومسلم (٢٦٦٥/ ١).
(٥) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى).
[ ١ / ٢٢٠ ]
والدليل (على استحباب التأمين) (^١) ما رواه الإمام (^٢) أحمد، وأبو داود، والترمذي، عن وائل بن حجر؛ قال: سمعت النبي ﷺ قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمين - مد بها صوته، "ولأبي داود": "رفع بها صوته". وقال الترمذي: "هذا حديث حسن". وروي عن علي (^٣) وابن مَسعود، وغيرهم.
وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا تلا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمين"
_________________
(١) في (ز) و(ع) و(هـ) و(ى): "والدليل على ذلك".
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣١٦، ٣١٧)؛ ومسلم في "التمييز" (ص ١٨٠)؛ وأبو داود (٩٣٢)؛ والترمذي (٢٤٨)؛ والدارمي (١/ ٢٢٨)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٥٢٥)؛ وابن المنذر في "الأوسط" (٣/ ١٣١)؛ وابن أبي شيبة (٢/ ٤٢٥)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٢٢/ رقم ١١١)؛ وابن عبد البر في "التمهيد" (٧/ ١٤)؛ والدارقطني (١/ ٣٣٤)؛ والبيهقي في "الكبرى" (٢/ ٥٧)؛ وفي "المعرفة" (٢/ ٣٩٠)؛ والثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٣/ ٢)؛ والبغوي في "شرح السنة" (٣/ ٥٨) من طرقٍ عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر فذكره ورواه الثوري باللفظين معًا: "يمد بها صوته" و"يرفع بها صوته" ورواه أصحابه عنه هكذا: فرواه يحيى القطان وابن مهدي ووكيع والمحاربي والأشجعي عنه بلفظ: "يمد بها" ورواه قبيصة بن عقبة ومحمد بن كثير والفريابي وخلاد بن يحيى وأبو داود الحفري عنه بلفظ: "يرفع" فهذا يدل على أن المقصود بـ "المد" هنا: رفع الصوت. قال الترمذي: "حديث حسن" وصحح إسناده الدارقطني. وقد رواه العلاء بن صالح ومحمد بن سلمة بن كهيل كلاهما عن سلمة بن كهيل بسنده سواء نحوه. أخرجه أبو داود (٩٣٣)؛ والترمذي (٢٤٩)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٢٢/ رقم ١١٣، ١١٤)، وخالفهم في هذا الحرف: شعبة بن الحجاج فرواه عن سلمة بن كهيل، عن حجر أبي العنبس، قال: حدثني علقمة بن وائل، عن وائل بن حجر فذكره لكن قال: "وقال آمين وأخفى بها صوته". أخرجه مسلم في "التمييز" (ص ١٨٠)؛ أحمد (٤/ ٣١٦)؛ والطيالسي (١٠٢٤)، وابن حبان (١٨٠٥)؛ والدارقطني (١/ ٣٣٤)، والحاكم (٢/ ٢٣٢)، وصححه على شرط الشيخين، والطبراني (ج ٢٢/ رقم ١٠٩، ١١٠، ١١٢)؛ وأبو حفص الدوري في "جزء فيه قراءات النبي ﷺ" (١١)؛ والبيهقي (٢/ ٥٧) من طرق عن شعبة. وقد تكلم العلماء في رواية شعبة وغلطوه فيها منهم البخاري ومسلم والدارقطني والبيهقي وغيرهم ولكن قال البيهقي في "المعرفة" (٢/ ٣٩٢): "وقد رويناه بإسناد صحيح عن أبي الوليد الطيالسي عن شعبة كما رواه الثوري". اهـ. ثم أخرجه في "سننه" (٢/ ٥٨) ثم إن شعبة خالف الثوري في موضعين من الإسناد، وقد فصلته في "التسلية" ولله الحمد.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٨٥٤)؛ وابن أبي حاتم في "العلل" (ج ١/ رقم ٢٥١) من طريق ابن أبي ليلى، عن سلمة بن كهيل، عن حجية بن عدي، عن علي قال: سمعت رسول الله ﷺ إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قال: "آمين" قال البوصيري في "الزوائد" (٢٩٧/ ١): "هذا إسناد ضعيف فيه مقال، وابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعفه الجمهور، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وباقي رجاله ثقات؛ وله شاهد من حديث وائل بن حجر. . .". اهـ. قلت: حديث وائل لا يشهد له؛ لأن ابن أبي ليلى خالف شعبة والثوري والعلاء بن صالح ومحمد بن سلمة بن كهيل فأربعتهم، على خلاف بينهم وبين شعبة في الإسناد، رووه عن سلمة بن كهيل فجعلوه من مسند "وائل بن حجر" وخالفهم ابن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ فرواه عن سلمة بن كهيل فجعله من "مسند علي" فروايته منكرة والله أعلم. وقال أبو حاتم: "هذا عندي خطأ، إنما هو سلمة، عن حجر أبي العنبس عن وائل بن حجر، عن النبي ﷺ ثم قال أبو حاتم: كان ابن أبي ليلى سيئ الحفظ".
[ ١ / ٢٢١ ]
حتى يسمع من يليه من الصف الأول. رواه أبو داود (^١)، وابن ماجه -وزاد فيه: " (فيرتج) (^٢) بها المسجد"- والدارقطني، وقال: "هذا إسناد حسن".
وعن بلال أنه قال: يا رسول الله، لا تسبقني بآمين. رواه أبو داود (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٩٣٤)؛ وعنه ابن عبد البر في "التمهيد" (٧/ ١٣)؛ وابن ماجه (٨٥٣)؛ وأبو يعلى (ج ١١/ رقم ٦٢٢٠)؛ والمزي في "التهذيب" (٣٤/ ٢٨) من طريق صفوان بن عيسى عن بشر بن رافع، عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة فذكره. وما ذكره المصنف هو لفظ أبي داود. وعند ابن ماجه، قال: ترك الناس التأمين ثم ساق مثله. قال البوصيري في "الزوائد" (٢٩٦/ ١): هذا إسناد ضعيف، أبو عبد الله لا يعرف حاله، وبشر ضعفه أحمد، وقال ابن حبان: "يروي الموضوعات". اهـ. فأما نقل المصنف تحسين الدارقطني للإسناد ففيه تسامح؛ لأن طريق الدارقطني مختلف عن طريق أبي داود وابن ماجه. فقد أخرجه في "سننه" (١/ ٣٣٥) وكذلك ابن حبان (٤٦٣ - موارد)؛ والحاكم (١/ ٢٢٣)؛ وابن عبد البر في "التمهيد" (٧/ ١٤)؛ والبيهقي (٢/ ٥٨) من طريق إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي، قال: حدثنا عمرو بن الحارث، قال: حدثنا عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته وقال: "آمين" وهذا الطريق قال فيه الدارقطني: "هذا إسناد حسن" وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي! وليس كما قالوا: فأما قول الحاكم فخطأ؛ لأن هذه الترجمة: "إسحاق بن إبراهيم عن عمرو بن الحارث الحمصي، عن عبد الله بن سالم عن الزبيدي" ما خرجها الشيخان ولا أحدهما، بل ولا احتجا برواتها عدا الزبيدي فمن رجالهما وعبد الله بن سالم الأشعري من رجال البخاري وحده، ثم إسحاق بن إبراهيم الملقب بـ (زبريق) ضعيف وعمرو بن الحارث هو الحمصي وليس المدني فإن هذا أعلى منه في الطبقة، وهذا الحمصي وثقه ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٤٨٠) وقال: "مستقيم الحديث" فرده الذهبي في "الميزان" فقال: "تفرد بالرواية عنه إسحاق بن إبراهيم زبريق ومولاة له اسمها علوة فهو غير معروف العدالة وابن زبريق ضعيف". اهـ. وبهذا يظهر ما في قول الدارقطني أيضًا. والله أعلم. وقوله: "فيرتج المسجد" لا يصح في المرفوع، إنما أخرج البخاري (٢/ ٢٦٢) معلقًا ووصله عبد الرزاق (ج ٢/ رقم ٢٦٤٠)؛ وابن أبي شيبة (٢/ ٤٢٧) في "مصنفيهما"؛ وابن المنذر في "الأوسط" (٣/ ١٣٢)؛ والفاكهي في "أخبار مكة" (٣/ ٩٦)؛ والبيهقي (٢/ ٥٩) من طريق ابن جريج عن عطاء أن ابن الزبير كان يؤمن ويؤمن من خلفه حتى إن للمسجد للجة. وفي رواية: "لرجة" قلتُ وسنده صحيح لولا عنعنة ابن جريج فإنه قبيح التدليس، وكان شيخنا أبو عبد الرحمن الألباني، ﵀، يمشيها عن عطاء وحده. وأخرج البيهقي (٢/ ٥٩) من طريق أبي حمزة السكري محمد بن ميمون، عن مطرف بن طريف عن خالد بن أبي أيوب، عن عطاء قال: أدركت مائتين من أصحاب النبي ﷺ في هذا المسجد إذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] سمعت لهم رجةً بـ"آمين" وهذا سند رجاله ثقات خلا خالد بن أبي أيوب، ما عرفته ثم ظهر لي أنه تصحيف وصوابه خالد بن أبي نوف. ووقع في ترجمة عطاء بن أبي رباح من "التهذيب" (٢٠/ ٧٣) " .. ابن أبي عوف" وكل هذا خطأ، وخالد بن أبي نوف هذا ما وثقه إلا ابن حبان فهو مجهول الحال، وأشار المزي في "تحفة الأشراف" (٣/ ٣٨٧) إلى الحديث الوحيد الذي رواه له النسائي (١/ ١٧٤) وقال: "وإسناده مجهول" وكل رجال الإسناد معروفون، فيتجه الكلام إلى ابن أبي نوف، والظاهر عندي أن قوله: "إسناده مجهول" من كلام النسائي كما يعرف من عادة المزي في كتابه، فلو صح هذا الأثر لكان له حكم الرفع كما لا يخفى والله أعلم.
(٢) في (ز): "يرتج".
(٣) أخرجه أبو داود (٩٣٧) قال: حدثنا إسحاق بن راهويه، حدثنا وكيع، عن الثوري: عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن بلال فذكره. وتوبع وكيع. تابعه عبد الرحمن بن مهدي، عن الثوري بسنده=
[ ١ / ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = مثله. أخرجه ابن خزيمة (ج ١/ رقم ٥٧٣) قال: حدثنا محمد بن حسان الأزرق بخبر غريب غريب، إن كان حفظ اتصال الإسناد، حدثنا ابن مهدي. ثم أبان بن خزيمة عن وجه الغرابة فقال عقب تخريجه للحديث: "هكذا أملى علينا محمد بن حسان هذا الحديث من أصله عن ابن مهدي، عن الثوري، عن عاصم فقال: "عن بلال" والرواة إنما يقولون في هذا الإسناد: "عن أبي عثمان أن بلالًا قال للنبي ﷺ ". * قلت: محمد بن حسان الأزرق ثقة مأمون، وثقه الدارقطني، وابن حبان وابن أبي حاتم وزاد: "صدوق" والعجلي وقال عبد الله بن أحمد: "كان صدوقًا لا بأس به"، وفي رواية إسحاق بن راهويه عن وكيع ما يشد روايته. وخالفهما، أعني: وكيعًا وابن مهدي: عبد الرزاق فرواه عن الثوري عن عاصم، عن أبي عثمان أن بلالًا قال للنبي ﷺ فأرسله أخرجه الطبراني في "الكبير" (ج ١/ رقم ١١٢٤)؛ والبيهقي (٢/ ٥٦) من طريق عبد الرزاق وهو في "مصنفه" (ج ٢/ رقم ٢٦٣٦) ثم قال البيهقي: "ورواية عبد الرزاق أصح" ووكيع أثبت في الثوري من عبد الرزاق لولا أنه اختلف عليه. فرواه موسى بن معاوية، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان أن بلالًا قال للنبي ﷺ. . . فذكره. أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" (٧/ ١٥) وموسى هذا ما عرفته ويغلب على ظني أنه مصحَّفٌ، ومهما كان من أمر فإن إسحاق بن راهويه راويه عن وكيع إمام حافظ يقظ فالراجح روايته عن وكيع، ثم رواية وكيع عندي أرجح من رواية عبد الرزاق لا سيما وقد رواه شعبة عن عاصم، عن أبي عثمان عن بلال. أخرجه الحاكم (١/ ٢١٩) وعنه البيهقي (٢/ ٥٦) من طريق روح بن عبادة وآدم بن أبي إياس كلاهما عن شعبة. وخالفهما غندر فرواه عن شعبة، عن عاصم عن أبي عثمان: قال بلال للنبي ﷺ فذكره أخرجه أحمد (٦/ ١٥). وتابع شعبة على هذه الرواية عبد الواحد بن زياد، عن عاصم به أن بلالًا فذكره. أخرجه البيهقي (٢/ ٢٣) وتابع شعبة على الرواية الأولى وهي: "عن بلال" القاسم بن معن وعباد بن عباد كلاهما عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان عن بلال به. أخرجه الطبراني في "الكبير" (ج ١/ رقم ١١٢٥)؛ وفي "الأوسط" (ج ٢/ ق ١٧/ ١)؛ والبيهقي (٢/ ٢٢، ٢٣). وأخرجه أحمد (٦/ ١٢) من طريق محمد بن فضيل، عن عاصم، عن أبي عثمان قال: قال بلال يا رسول الله لا تسبقني بآمين. وكذا وقع في "أطراف المسند" (١/ ٦٤٥) للحافظ وأشار المحقق أنه وقع في أحد النسخ: "أن رسول الله ﷺ قال لبلال: "لا تسبقني بآمين" فصار قائل هذا القول هو النبي ﷺ ليس بلالًا، وهذا هو الصواب في رواية محمد بن فضيل عن عاصم يدل عليه أن البيهقي قال (٢/ ٢٣): ورواه محمد بن فضيل عن عاصم بلفظ آخر .. ثم رواه من طريق "مسند أحمد" فجعل المقالة من لفظ النبي ﷺ، وكذلك رواه (٢/ ٥٦) بهذا السياق. ثم قال: "فكأن بلالًا كان يؤمن قبل تأمين النبي ﷺ فقال: لا تسبقني بآمين، كما قال إذا أمن الإمام فأمنوا". اهـ. وأشار الحافظ في "الفتح" (٢/ ٢٦٣) إلى هذا الحديث وقال: "ورجاله ثقات لكن قيل: إن أبا عثمان لم يلق بلالًا، وقد روى عنه بلفظ: أن بلالًا قال: وهو ظاهر الإرسال، ورجحه الدارقطني وغيره على الموصول" والصواب أن الوجهين متكافئان، بل جهة الوصل أقوى، فيبقى قول من قال: "أبو عثمان لم يلق بلالًا" وهو قول ضعيف، وكأنه لذلك مرَّضه الحافظ، فإن أبا عثمان مخضرم أدرك الجاهلية وهو أكبر سنًّا من عائشة ومن أنس وابن عباس وثبت سماعه من عمر بن الخطاب في "صحيح البخاري" وغيره ورد الحاكم على هذه المقالة فقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأبو عثمان النهدي مخضرم قد أدرك الطائفة الأولى من الصحابة". اهـ. وفي تصحيحه الحديث على شرط الشيخين نظر من جهة أن الشيخين لم يحتجا بـ "أبي عثمان عن بلال" ولكن الإسناد صحيح والحمد لله. ثم قال البيهقي (٢/ ٢٣): "وروى بإسناد ضعيف عن عاصم عن أبي عثمان عن سلمان قال: قال بلال. . . وليس بشيء إنما رواه الجماعة الثقات عن عاصم دون ذكر سلمان". قلت: ما أشار إليه البيهقي: أخرجه الطبراني (ج ٦/ رقم ٦١٣٦) قال: حدثنا محمد بن العباس الأخرم=
[ ١ / ٢٢٣ ]
[ونقل أبو نصر القشيري عن الحسن، وجعفر الصادق، أنهما شددا الميم من "آمين"؛ مثل: ﴿آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]] (^١).
قال أصحابنا وغيرهم: ويستحب ذلك لمن هو خارج الصلاة، ويتأكد في حق المصلِّي، وسواء كان منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا، وفي جميع الأحوال؛ لما جاء في "الصحيحين" (^٢) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أمن الإمام فأمنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه".
"ولمسلم" (^٣) أن رسول الله ﷺ قال: "إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين والملائكة في السماء آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه" [قيل: بمعنى من وافق تأمينه تأمين الملائكة في الزمان] (^٤). [وقيل: في الإجابة. وقيل (^٥): في صفة الإخلاص] (^٦).
وفي"صحيح (^٧) مسلم" عن أبي موسى - مرفوعًا: "إذا قال -يعني الإمام- ولا الضالين فقولوا: آمين يجبكم الله".
وقال جويبر (^٨)، عن الضحاك، عن ابن عباس؛ قال: قلت: يا رسول الله؛ ما معنى آمين؟ قال: "رب افعل".
[وقال الجوهري: معنى آمين: كذلك فليكن. وقال الترمذي (^٩): معناه: لا تخيب رجاءنا. وقال الأكثرون: معناه: اللّهم استجب لنا] (^١٠).
_________________
(١) = ثنا أحمد بن يحيى الصوفي، ثنا سعيد بن عمرو الأشعثي ثنا سفيان بن عيينة، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان أن بلالًا قال للنبي ﷺ: "لا تسبقني بآمين"، وأخرجه أبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (ج ٢/ ق ٣٨/ ١) من طريق ابن أبي عمر ثنا سفيان بن عيينة به ولكن شيخ أبي بكر الشافعي فيه ضعيف. قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ١١٣): "رجاله موثقون". وسنده صحيح كلهم أئمة أثبات، ولا يتجه إعلاله بالشذوذ مع إمكان الجمع، وهذا الإمكان ظاهر بل راجح. والله أعلم.
(٢) ساقط من (ز).
(٣) أخرجه البخاري (٢/ ٢٦٢، ٢٦٦)؛ ومسلم (١/ ٣٠٧ - عبد الباقي).
(٤) في "صحيحه" (٤٠٩/ ٧٥)؛ والثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٣/ ٢).
(٥) ساقط من (ز).
(٦) هذا قول ابن حبان، فقال في "صحيحه" (٥/ ١٠٨): "معنى قوله ﷺ: "فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة" أن الملائكة تقول: آمين من غير علة: من رياء وسمعة، أو إعجاب، بل تأمينها يكون خالصًا لله، فإذا أمن القارئ لله من غير أن يكون فيه علة من إعجاب أو رياء أو سمعة كان موافقًا تأمينه في الإخلاص تأمين الملائكة، غفر له حينئذٍ ما تقدم من ذنبه". اهـ. وتعقبه الحافظ في "الفتح" (٢/ ٢٥٦) ورجح أن الموافقة في القول والزمان. وما ذهب إليه الحافظ هو الحق. والله أعلم.
(٧) ساقط من (ز).
(٨) أخرجه مسلم (٤٠٤/ ٦٢).
(٩) يعني: في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" (١/ ١٧) وجويبر هالك، والضحاك لم يسمع من ابن عباس كما مرّ ذكره وله طريق آخر عن ابن عباس. أخرجه الثعلبي (١/ ١٣/ ٢) من طريق محمد بن فضيل، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس مثله. وسنده ساقط. والكلبي تالف.
(١٠) هو محمد بن علي المعروف بـ"الحكيم الترمذي"، وليس صاحب "السنن"، كما عند الثعلبي (١/ ١٣/ ٢) وله ترجمة في "سير النبلاء" (١٣/ ٤٣٩ - ٤٤٢).
(١١) ساقط من (ز).
[ ١ / ٢٢٤ ]
[وحكى القرطبي (^١) عن مجاهد (^٢)، وجعفر الصادق، وهلال (^٣) بن يساف أن آمين اسم من أسماء الله تعالى. وروى عن ابن عباس مرفوعًا، ولا يصح؛ قاله أبو بكر (^٤) بن العربي المالكي] (^٥).
وقال أصحاب مالك: لا يؤمن الإمام ويؤمن المأموم، لما رواه (^٦) "مالك" عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ["وإذا قال - يعني الإمام: ولا الضالين فقولوا: آمين. . ." الحديث] (^٥).
[واستأنسوا أيضًا بحديث أبى موسى (عند مسلم) (^٧): "وإذا قرأ ولا الضالين فقولوا: آمين"] (^٨).
وقد قدمنا في "المتفق عليه": "إذا أمن الإمام فأمنوا"، وأنه عليه (الصلاة) (^٩) والسلام كان يؤمن إذا قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
وقد اختلف أصحابنا في الجهر بالتأمين للمأموم في الجهرية. وحاصل الخلاف أن الإمام إن نسي التأمين جهر المأموم به قولًا واحدًا؛ وإن أمن الإمام جهرًا فالجديد أنه لا يجهر المأموم، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن مالك؛ لأنه ذكر من الأذكار فلا يجهر به كسائر أذكار الصلاة. والقديم أنه يجهر (به) (^١٠)، وهو مذهب (الإمام) (^١١) أحمد بن حنبل، والرواية الأخرى عن مالك لما تقدم: "حتى يرتج المسجد" (^١٢). ولنا قول آخر ثالث أنه إن كان المسجد صغيرًا لم يجهر المأموم؛ لأنهم يسمعون قراءة الإمام، وإن كان كبيرًا جهر، ليبلغ التأمين من في أرجاء المسجد. والله أعلم.
وقد روى الإمام أحمد في "مسنده" (^١٣) عن عائشة ﵂ - أن رسول الله ﷺ ذكرت عنده
_________________
(١) في "تفسيره" (١/ ١٢٨).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٢٦) ووكيع في "تفسيره" من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد. وليث ضعيف.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٢٦) عن وكيع وهذا في "تفسيره"، كما في "الدر المنثور" (١/ ١٧)، قال: ثنا سفيان عن منصور، عن هلال بن يساف به. وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (ج ٢/ رقم ٢٦٥٠)؛ والثعلبي (١/ ١٣/ ٢) من طريق سفيان الثوري وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عن جرير عن منصور بسنده. وسنده صحيح. ولكن هذا الباب لا يقبل فيه إلا الصحيح المرفوع كما هو معلوم. والله الموفق. وأخرجه عبد الرزاق (ج ٢/ رقم ٢٦٥١) موقوفًا على أبي هريرة بسند ضعيف جدًّا.
(٤) في "أحكام القرآن" (١/ ٦) وظاهر من نقل المصنف عن ابن العربي أنه عني بقوله: "لا يصح" حديث ابن عباس المرفوع، وليس هذا في عبارة ابن العربي فقد قال: "المسألة الرابعة:. . . قيل إنها اسم من أسماء الله تعالى، ولا يصح نقله، ولا ثبت قوله". اهـ.
(٥) ساقط من (ز).
(٦) في "الموطأ" (١/ ٨٧/ ٤٥) ومرّ تخريجه آنفًا.
(٧) ساقط من (ز) و(ل).
(٨) ساقط من (ل).
(٩) من (ز) و(ن) وفي (ك): "ﷺ".
(١٠) ساقط من (ج).
(١١) من (ن).
(١٢) وقد قدمنا أن هذا الحديث لا يصح. والله أعلم.
(١٣) أخرجه أحمد (٦/ ١٣٤، ١٣٥)؛ والبيهقي (٢/ ٥٦) مطولًا، والبخاري في "التاريخ" (١/ ١/ ٢٢) مختصرًا من طريق حصين بن عبد الرحمن، عن عمر بن قيس، عن محمد بن الأشعث، عن عائشة وفيه قصة=
[ ١ / ٢٢٥ ]
اليهود، فقال: "إنهم لن يحسدونا على شيء كما يحسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله (^١) (ولها) وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين".
ورواه ابن ماجه، ولفظه: "ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين".
"وله" (^٢) عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على قول آمين، فأكثروا من قول آمين". وفي إسناده طلحة بن عمرو، وهو ضعيف.
وروى ابن مردويه (^٣)، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "آمين خاتم رب العالمين على عباده المؤمنين".
وعن أنس (^٤) قال: قال رسول الله ﷺ: "أعطيت آمين في الصلاة، وعند الدعاء، لم يعط أحد
_________________
(١) = وأخرجه البخاري والبيهقي من طريق مجاهد عن محمد بن الأشعث عن عائشة مختصرًا ومحمد بن الأشعث لم يوثقه إلا ابن حبان، وترجمه البخاري وابن أبي حاتم (٣/ ٢/ ٢٠٦) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. ولكن للحديث طريق آخر. أخرجه ابن ماجه (٨٥٦)؛ والبخاري في "الأدب المفرد" (٩٨٨)؛ وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (١١٢٢)؛ وابن خزيمة (١٥٨٥) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا فذكره. وسياق ابن خزيمة مطول قال البوصيري في "الزوائد" (٢٩٧/ ١): "هذا إسناد صحيح احتج مسلم بجميع رواته".
(٢) ساقط من (ج) و(ز).
(٣) يعني: ابن ماجه، وقد أخرجه في "سننه" (٨٥٧) من طريق خالد بن يزيد بن صبيح المري، أنبأنا طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعًا به. قال البوصيري (٢٩٨/ ١): "هذا إسناد ضعيف؛ لاتفاقهم على ضعف طلحة بن عمرو" قلت: فالصواب أن الإسناد ضعيف جدًّا، وطلحة هذا متروك، تركه أحمد والنسائي وغيرهما وضعفه ابن معين وأبو داود وابن سعد وزاد: "جدًّا" والكلام فيه طويل الذيل.
(٤) أخرجه الطبراني في "الدعاء" (٢١٩)؛ وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٤٣٢)؛ والثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٣/ ٢) من طريق المؤمل بن عبد الرحمن، عن أبي أمية بن يعلى الثقفي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا. قال ابن عدي: "هذا الحديث بهذا الإسناد لا يرويه عن أبي أمية بن يعلى، وإن كان ضعيفًا، غير مؤمل هذا". قلت: وسنده ضعيف جدًّا. ومؤمل بن عبد الرحمن ضعفه أبو حاتم الرازي. وقال ابن عدي: "عامة حديثه غير محفوظ" وشيخه أبو أمية اسمه "إسماعيل" تركه ابن معين في رواية والنسائي والدارقطني، وقال البخاري: "سكتوا عنه" وأورد له ابن عدي في "الكامل" (١/ ٣٠٩ - ٣١١) أحاديث تدل على أنه واهٍ، وهذا الحديث منكر جدًّا، والله أعلم.
(٥) أخرجه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (ق ١٩/ ١، ٢ زوائده) قال: حدثنا عبد العزيز بن أبان، ثنا زربي مولى خالد، ثنا أنس مرفوعًا: "أعطيت ثلاث خصال: صلاة في الصفوف، وأعطيت السلام، وأعطيت آمين، ولم يعطها أحد ممن كان قبلكم، إلا أن يكون الله أعطاها هارون، فإن موسى كان يدعو، ويؤمن هارون". وهذا سنده واهٍ جدًّا، وعبد العزيز بن أبان متروك، لكنه لم يتفرد به، فتابعه حرمي بن عمارة وعبد الصمد بن عبد الوارث كلاهما عن زربي بن عبد الله عن أنس قال: كنا عند النبي ﷺ جلوسًا فقال: "إن الله أعطاني خصالًا ثلاثة، فقال رجل من جلسائه: وما هذه الخصال يا رسول الله؟! قال: "أعطاني صلاةً في الصفوف، وأعطاني التحية، إنها لتحية أهل الجنة وأعطاني التأمين، ولم يعطه أحدًا من النبيين قبل، إلا أن يكون الله أعطى هارون؛ يدعو موسى ويؤمن هارون" أخرجه ابن خزيمة (١٥٨٦) والسياق له وقال: "إن=
[ ١ / ٢٢٦ ]
قبلي إلا أن يكون موسى؛ كان موسى يدعو وهارون يؤمن، فاختموا الدعاء بآمين؛ فإن الله يستجيبه لكم".
قلت: ومن هنا نزع بعضهم (^١) في الدلالة بهذه الآية الكريمة؛ وهي قوله تعالي: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ [يونس] فذكر الدعاء عن موسى وحده، ومن سياق الكلام ما يدل على أن هارون أمن، فنزل منزلة من دعا؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ فدل ذلك على أن من أمن على دعاء فكأنما قاله؛ فلهذا قال من قال: إن المأموم لا يقرأ؛ لأن تأمينه على قراءة الفاتحة بمنزلة قراءتها؛ ولهذا جاء في الحديث: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة [رواه أحمد في "مسنده"] (^٢). وكان بلال يقول: "لا تسبقني بآمين (يا رسول الله) (^٣) ".
فدل هذا المنزع على أن المأموم لا قراءة عليه في الجهرية. والله أعلم.
ولهذا قال ابن مردويه (^٤): حدثنا أحمد بن الحسن، حدثنا عبد الله بن محمد بن سلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن (ليث بن أبي سليم) (^٥)، عن كعب، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين، آمين، فوافق "آمين" أهل الأرض "آمين" أهل السماء غفر الله للعبد ما تقدم من ذنبه ومثل من لا يقول: آمين كمثل رجل غزا مع قوم، فاقترعوا، فخرجت سهامهم ولم يخرج سهمه، فقال: لم لم يخرج سهمي؟ فقيل: إنك لم تقل: آمين (^٦) ".
* * *
_________________
(١) = ثبت الخبر" وابن مردويه، والحكيم الترمذي في "النوادر" كما في "الدر" (١/ ١٧)؛ وابن عدي (٣/ ١٠٩٤) فانحصرت العلة في زربي بن عبد الله فهو واهٍ، قال ابن حبان: "منكر الحديث على قلته، ويروي عن أنس ما لا أصل له فلا يحتج به". وقال البخاري: "فيه نظر" وقال ابن عدي: "ولزربي من الحديث قليل، وأحاديثه وبعض متون أحاديث منكرة". وأخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (ج ٢/ رقم ٢٦٥١) عن بشر بن رافع، عن أبي عبد الله، عن أبي هريرة: قال: كان موسى بن عمران إذا دخل أمَّن هارون على دعائه، قال: وسمعت أبا هريرة: آمين اسم من أسماء الله ﷿. وسنده واهٍ. وبشر بن رافع ضعفه أحمد وقال ابن حبان: "يروي الموضوعات" وأبو عبد الله هو ابن عم أبي هريرة اختلف في اسمه وقال ابن القطان والذهبي: "لا يعرف".
(٢) انظر: "التمهيد" (٧/ ١٢، ٢٢/ ١٦)؛ لابن عبد البر ﵀.
(٣) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى).
(٤) من (ن).
(٥) وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" (ج ١١/ رقم ٦٤١١) قال: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير بسنده سواء قال السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ١٧): "إسناده جيد"! وليس كما قال فإن ليث بن أبي سليم ضعيف، وقد صح أوله كما مرّ قريبًا. والله أعلم.
(٦) في (ن): "ليث عن ابن أبي سليم" وهو خطأ ظاهر.
(٧) في حاشية (ج): "آخر الجزء الثالث من أجزاء المؤلف" وفي حاشية (ع): "بلغ مقابلة بقراءة المصنف معارضًا بأصله".
[ ١ / ٢٢٧ ]
(رب يسر وأعن يا كريم) (^١)