قال أبو عبيد (^١): حدثنا عبد الله بن صالح، عن قباث بن رزين، عن علي بن رباح اللخمي، عن عقبة بن عامر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا ونحن في المسجد نتدارس القرآن قال: "تعلموا كتاب الله واقتنوه - قال: وحسبت أنه قال: وتغنوا به - فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من المخاض من العقل".
وحدثنا عبد الله (^٢) بن صالح، عن موسى بن علي، عن أبيه، عن عقبة، عن رسول الله ﷺ مثل ذلك إلا أنه قال: "واقتنوه وتغنوا به" ولم يشك.
_________________
(١) في "فضائل القرآن" (ص ٢٩). وأخرجه النسائي في "فضائل القرآن" (٦٠، ٧٤)؛ وأحمد (٤/ ١٥٠، ١٥٣)؛ وأبو يعلى (ج ٣/ رقم ١٧٤٠)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ١٨/ رقم ٨٠٠، ٨٠٢) من طرق عن قباث بن رزين، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر فذكره، ورواه عن قباث: "عبد الله بن صالح، وعبد الله بن يزيد المقرئ، وعبد الله بن المبارك، والليث بن سعد" وسنده جيد، وقباث وثقه بن معين وابن حبان. وقال أحمد وأبو حاتم: "لا بأس به" وتوبع كما يأتي.
(٢) أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص ٢٩). وأخرجه النسائي في "فضائل القرآن" (٥٩)؛ والدارمي (٢/ ٣١٦)؛ وأحمد (٤/ ١٤٦)؛ وابن أبي شيبة (٢/ ٥٠٠، ١٠/ ٤٧٧)؛ وابن حبان (١٧٨٨)؛ وابن نصر في "قيام الليل" (ص ٩٧)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ١٨/ رقم ٨٠١)؛ والبيهقي في "الشعب" (ج ٤/ رقم ١٨١٥) من طرق عن موسى بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر مثله. وسنده جيد أيضًا. وموسى بن علي فيه كلام يسير، وهو متابع كما مر آنفًا.
[ ١ / ٨٤ ]
وهكذا رواه (أحمد) (^١) والنسائي في (كتاب) (^٢) "فضائل القرآن" من حديث موسى بن علي، عن أبيه به، ومن حديث عبد الله بن المبارك عن قباث بن رزين، عن علي بن رباح، عن عقبة.
وفي بعض ألفاظه: خرج علينا ونحن نقرأ القرآن فسلم علينا وذكر الحديث.
ففيه دلالة على السلام على القارئ.
(ثم قال) (^٣) أبو عبيد (^٤): حدثنا أبو اليمان عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن (المهاصر) (^٥) بن حبيب قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أهل القرآن لا توسدوا القرآن واتلوه حق تلاوته آناء الليل والنهار، وتغنوه وتقنوه واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون".
وهذا مرسل.
ثم قال أبو عبيد: قوله: "تغنوه"؛ أي: اجعلوه غناءكم من الفقر ولا تعدوا الإقلال معه فقرًا.
وقوله: "وتقنوه" يقول: اقتنوه كما تقتنوا الأموال، اجعلوه مالكم.
وقال أبو عبيد (^٦): حدثني هشام بن عمار، عن علي بن حمزة، عن الأوزاعي قال: حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن فضالة بن عبيد، عن النبي ﷺ قال: "الله أشد أذنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته".
قال أبو عبيد: هذا الحديث بعضهم يزيد في إسناده. يقول: "عن إسماعيل بن عبيد الله، عن مولى فضالة، عن فضالة".
وهكذا رواه ابن ماجه، عن راشد بن سعيد بن أبي راشد، عن الوليد، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن ميسرة مولى فضالة، عن فضالة، عن النبي ﷺ "لله أشد أذنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته".
_________________
(١) ساقط من (أ) و(ط) ولم أر واو العطف بينهما، فيكون الإمام أحمد رواه هو والنسائي، ويحتمل أنه يقصد: "رواه أحمد النسائي"، والنسائي اسمه "أحمد بن شعيب" واستبعد أن يعني ابن كثير هذا، فلم يجر على هذا التعبير، إلا أن يكون سقط من السياق: "ابن شعيب" وعلى كل حال فقد رواه الإمام أحمد والنسائي كما مر بك. والحمد لله.
(٢) ساقط من (ج) و(ط).
(٣) في (أ): "وقال".
(٤) في "فضائل القرآن" (ص ٢٩). كذا رواه أبو اليمان الحكم بن نافع مرسلًا. وخالفه بقية بن الوليد والوليد بن مسلم فروياه عن أبي بكر بن أبي مريم، عن المهاصر بن حبيب، عن عبيدة الأملوكي مرفوعًا فذكره. أخرجه البيهقي في "الشعب" (ج ٤/ رقم ١٨٥٢)؛ وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (١/ ٢٦٠)؛ وأبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب" (٢٢٧٠)؛ وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (ج ٤/ ق ٥٩٦)؛ وعزاه الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٢٥٢)؛ للطبراني في "الكبير" وضعفه بـ "أبي بكر بن أبي مريم". وخالفهما عيسى بن يونس وموسى بن أعين فروياه عن أبي بكر بن أبي مريم، عن المهاصر بن حبيب، عن عبيدة الأملوكي صاحب النبي ﷺ فذكره موقوفًا. أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (٣/ ٢/ ٨٤)؛ والبيهقي في "الشعب" (١٨٥٣، ١٨٥٤)؛ وأخرجه البخاري أيضًا من طريقين آخرين عن عبيدة قوله. والموقوف أشبه.
(٥) في (أ): "المهاجر".
(٦) مرّ تخريجه آنفًا.
[ ١ / ٨٥ ]
قال أبو عبيد: يعني الاستماع.
وقوله في الحديث الآخر: "ما أذن الله لشيء"؛ أي: ما استمع.
وقال أبو القاسم البغوي (^١): حدثنا محمد بن حميد، حدّثنا سلمة بن الفضل، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مليكة، حدثنا القاسم بن محمد، حدثني السائب قال: قال لي سعد: يا بن أخي هل قرأت القرآن؟ قلت: نعم، قال: غن به فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "غنوا بالقرآن، ليس منا من لم يغن بالقرآن، وابكوا فإن لم تقدروا على البكاء فتباكوا".
وقد روى أبو داود من حديث الليث (وعمرو بن دينار كلاهما) (^٢) عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبي نهيك، عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" (^٣).
(^٤) [ورواه ابن ماجه (^٥) من حديث ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمن بن السائب، عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ] (^٦): "إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه، فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنوا به، فمن لم يتغن به فليس منا".
(^٧) (وقال أحمد (^٨): حدثنا وكيع، حدّثنا سعيد بن حسان المخزومي، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبي نهيك، عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن".
قال وكيع: يعني يستغنى به.
ورواه أحمد (^٩) أيضًا عن حجاج وأبي النضر، كلاهما عن الليث بن سعد.
وعن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار كلاهما عن عبد الله بن أبي مليكة به) (^١٠) وفي هذا الحديث كلام طويل يتعلق بسنده، ليس هذا موضعه. والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه المخلص في "الفوائد" (ق ٥٢/ ١) من طريق محمد بن حميد بسنده سواء. وسنده واهٍ، وابن حميد متروك، وكذبه جماعة من أهل الري.
(٢) ساقط من (أ).
(٣) في "سننه" (١٤٦٩، ١٤٧٠) وسنده صحيح وقد اختلف على ابن أبي مليكة في سنده اختلافًا كثيرًا ذكرته في "التسلية" وأقوى الوجوه في هذا الاختلاف ما رواه أبو داود هنا ولله الحمد.
(٤) ساقط من (أ).
(٥) في "سننه" (١٣٣٧) من طريق الوليد بن مسلم، ثنا أبو رافع، عن ابن أبي مليكة به. وأخرجه أبو يعلى (٩٨٦)؛ والآجري في "أخلاق حملة القرآن" (٨٥)؛ وأبو العباس الأصم في "الثاني من حديثه" (ق ١٧١/ ١)؛ والبيهقي (١٠/ ٢٣٠) من طرق عن الوليد بن مسلم وعزاه البوصيري في "الزوائد" (٤٣٤/ ١) للحاكم في "المستدرك" وقال: "هذا إسناد فيه أبو رافع واسمه إسماعيل بن رافع ضعيف متروك". اهـ.
(٦) ساقط من (أ).
(٧) ساقط من (أ) و(ط).
(٨) في "مسنده" (١٤٧٦) وإسناده صحيح. وأشار الحاكم في "المستدرك" (١/ ٥٦٩) إلى رواية سعيد بن حسان.
(٩) في "مسنده" (١٥١٢، ١٥٤٩) ولم يروه مجموعًا هكذا، بل هذا من تصرف المصنف ﵀.
(١٠) ساقط من (أ) و(ط).
[ ١ / ٨٦ ]
وقال أبو داود (^١): حدثنا عبد الأعلى بن حماد، حدّثنا عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: قال عبيد الله بن أبي زيد: مر بنا أبو لبابة فاتبعناه حتى دخل بيته، فدخلنا عليه، فإذا رجل رث البيت، رث الهيئة، فانتسبنا له، فقال: تجار كسبة (تجار كسبة) (^٢) فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت، قال: يحسنه ما استطاع.
تفرد به أبو داود، فقد فهم من هذا أن السلف ﵃ إنما فهموا من التغني بالقرآن إنما هو تحسين الصوت به وتحزينه، كما قاله الأئمة ﵏.
ويدل على ذلك أيضًا ما رواه أبو داود (^٣) حيث قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن طلحة، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ: "زينوا القرآن بأصواتكم".
وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث شعبة، عن طلحة وهو ابن مصرف، به.
وأخرجه النسائي من طرق أخرى عن طلحة وهذا إسناد جيد.
وقد وثق النسائي وابن حبان عبد الرحمن بن عوسجة هذا. ونقل الأزدي عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: سألت عنه بالمدينة فلم أرهم يحمدونه.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (^٤): حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث "زينوا القرآن بأصواتكم".
قال أبو عبيد: وإنما كره أيوب فيما نرى أن يتأول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله ﷺ في الألحان المبتدعة، فلهذا نهاه أن يحدث به.
(قلت): ثم إن شعبة ﵀، روى الحديث متوكلًا على الله كما روي له، ولو ترك كل حديث يتأوله مبطل لترك من السنة شيء كثير، بل قد تطرقوا إلى تأويل آيات كثيرة من القرآن وحملوها
_________________
(١) في "سننه" (١٤٧١). وأخرجه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١٩٠٣)؛ والطحاوي في "المشكل" (٢/ ١٢٨)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٥/ رقم ٤٥١٤)؛ والبيهقي في "الكبرى" (٢/ ٥٤، ١٠/ ٢٣٠) وفي "الصغرى" (٩٨٣) من طريق عبد الجبار بن الورد بسنده سواء. قال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ١٧١) "ورجاله ثقات". * قلت: وهو أحد وجوه الاختلاف على ابن أبي مليكة في إسناده.
(٢) من (ج) و(ط) واعلم أن هذه العبارة: "فانتسبنا فقال: تجار كسبة" ليست موجودة في نسخ "أبي داود" المطبوعة، والله أعلم. ثم رأيت الحافظ في "الفتح" (٩/ ٦٩) عزاه لأبي داود وابن الضريس في "فضائل القرآن"؛ وأبي عوانة في "مستخرجه" من طريق ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن أبي نهيك قال: "لقيني سعد بن أبي وقاص وأنا في السوق فقال: تجار كسبة … ثم ساق الحديث" والاختلاف في صحابي الحديث واضح، ولم أجد الحديث في كتاب ابن الضريس المطبوع. والله أعلم.
(٣) في "سننه" (١٤٦٨). وأخرجه البخاري في "خلق الأفعال" (٦٨)؛ والنسائي في "سننه" (٢/ ١٧٩، ١٨٠)، وفي "فضائل القرآن" (٧٥)، وفي "مجلسان من إملائه" (٤٦)؛ وابن ماجه (١٣٤٢)؛ والدارمي (٢/ ٤٧٤)؛ وأحمد (٤/ ٢٨٣، ٢٨٥، ٣٠٤) وآخرون من طرق عن طلحة بن مصرف، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب مرفوعًا … فذكره.
(٤) في "فضائل القرآن" (ص ٨١).
[ ١ / ٨٧ ]
على غير محاملها الشرعية المرادة، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والمراد من تحسين الصوت بالقرآن: تطريبه وتحزينه والتخشع به، كما رواه الحافظ الكبير بقي بن مخلد ﵀ حيث قال: حدّثنا أحمد بن إبراهيم [حدّثنا يحيى بن سعيد الأموي، حدّثنا طلحة بن يحيى بن طلحة، عن أبي بردة بن أبي موسى] (^١)، عن أبيه، قال: قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم: "يا أبا موسى لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة" قلت: أما والله لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرتها لك تحبيرًا.
ورواه مسلم (^٢) من حديث طلحة به. وزاد "لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود" وسيأتي هذا في بابه حيث يذكره البخاري.
والغرض أن أبا موسى قال: لو أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيرًا، فدل على جواز تعاطي ذلك وتكلفه، وقد كان أبو موسى - كما قال- ﵇: قد أعطي صوتًا حسنًا، كما سأذكره إن شاء الله مع خشية تامة ورقة أهل اليمن (الموصوفة) (^٣) فدل على أن هذا من الأمور الشرعية.
قال أبو عبيد (^٤): وحدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة قال: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكرنا ربنا يا أبا موسى، فيقرأ عنده.
قال أبو عبيد (^٥): (حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال) (^٦): حدّثنا سليمان التيمي أو نبئت عنه، حدّثنا أبو عثمان النهدي قال: كان أبو موسى يصلي بنا، فلو قلت: إني لم أسمع صوت صنج (^٧) قط ولا بربط (^٨) قط ولا شيئًا قط أحسن من صوته.
_________________
(١) ساقط من (أ).
(٢) في "صحيحه" (٧٩٣/ ٢٣٦). وأخرجه أيضًا ابن حبان (٧١٩٨)؛ والبيهقي (١٠/ ٢٣٠، ٢٣١) بهذا التمام ويأتي تخريجه قريبًا.
(٣) ساقط من (أ).
(٤) في "فضائل القرآن" (٣ - ٧٩) وليس عنده لفظة: "ربنا". وأخرجه الدارمي (٢/ ٣٣٩) قال: حدثنا عبد الله بن صالح بسنده سواء. وأخرجه ابن سعد (٤/ ١٠٩)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٥٨)؛ والطحاوي في "المشكل" (٢/ ١٦١) من طريق يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة أن عمر بن الخطاب. . . إلخ. وأخرجه عبد الرزاق (ج ٢/ رقم ٤١٧٩، ١٤٨٠، ٤١٨١)؛ وابن حبان (٢٢٦٤) من طريق معمر بن راشد وابن جريج وعمرو بن الحارث ثلاثتهم عن الزهري بسنده سواء. وهو منقطع بين أبي سلمة وعمر بن الخطاب ﵁، ولم يسمع أيضًا من أبي موسى كما قال أحمد على ما ذكره ابن أبي حاتم في "المراسيل" (ص ٢٥٥) وله طريقان آخران عند ابن سعد (٤/ ١٠٩) أحدهما معضل والآخر منقطع.
(٥) في "فضائل القرآن" (ص ٧٩). وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" (٤/ ١٠٨) قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي - وهو ابن علية بسنده سواء. هكذا شك ابن علية أسمعه من التيمي أم بلغه عنه، لكن أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٥٨) من طريق صفوان بن عيسى والبخاري في "خلق الأفعال" (٢٩١) عن المعتمر بن سليمان قالا: ثنا سليمان قالا، ثنا سليمان التيمي بسنده سواء. وعزاه الحافظ في "الفتح" (٩/ ٩٣)؛ لابن أبي داود وقال: "سنده صحيح".
(٦) ساقط من "الأصول" كلها واستدركته من "الفضائل".
(٧) الصنج بفتح المهملة وسكون النون بعدها جيم هو آلة تتخذ من النحاس كالطبقين يضرب أحدهما بالآخر.
(٨) البربط: بالموحدتين بينهما راء ساكنة ثم طاء مهملة بوزن: "جعفر" وهو آلة تشبه العود. فارسي معرب. =
[ ١ / ٨٨ ]
وقال ابن ماجه (^١): حدثنا العباس بن عثمان الدمشقي، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع عبد الرحمن بن سابط الجمحي يحدث عن عائشة قالت: أبطأت على رسول الله ﷺ ليلةً بعد العشاء، ثم جئت فقال: "أين كنت؟ " قلت: كنت أسمع قراءة رجل من أصحابك لم أسمع مثل قراءته وصوته من أحد، قالت: فقام فقمت معه حتى استمع له، ثم التفت إلي فقال: "هذا سالم مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا".
إسناد جيد.
وفي "الصحيحين" (^٢) عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا أو قراءةً منه.
وفي بعض ألفاظه: فلما سمعته قرأ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ [الطور] خلت أن فؤادي قد انصدع.
وكان جبير لما سمع هذا بعد مشركًا على دين قومه وإنما كان قدم في فداء الأسارى بعد بدر، وناهيك بمن تؤثر قراءته في المشرك المصر على الكفر، فكان هذا سبب هدايته، ولهذا كان أحسن القراءات ما كان عن خشوع من القلب كما:
قال أبو عبيد (^٣): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ليث، عن طاوس قال: أحسن الناس صوتًا بالقرآن أخشاهم لله.
_________________
(١) = وانظر: "النهاية" (١/ ١١٢).
(٢) في "سننه" (١٣٣٨). وقال البوصيري في "الزوائد" (٤٣٥/ ١): "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات" وأخرجه الحاكم (٣/ ٢٢٥، ٢٢٦)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣٧١) من طرق عن الوليد بن مسلم، ثنا حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع عبد الرحمن بن سابط يحدث عن عائشة به قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي وليس كما قالا؛ لأن عبد الرحمن بن سابط لم يخرج له البخاري شيئًا، ولم يحتج الشيخان ولا أحدهما برواية الوليد، عن حنظلة ولا حنظلة عن عبد الرحمن، ولا عبد الرحمن عن عائشة. فالصواب أن السند صحيح مطلقًا وصرح الوليد في جميع الإسناد، ثم هو لم يتفرد به، فقال أبو نعيم عقبه: "ورواه ابن المبارك، عن حنظلة" قلت: وهو عنده في "الجهاد" (١٢٠) ووقع في سنده اختلاف وأخرجه أحمد (٦/ ١٦٥) قال: حدثنا ابن نمير، ثنا حنظلة بسنده سواء. وهو صحيح أيضًا وأخرجه البزار (ج ٣/ رقم ٢٦٩٤) من وجه آخر عن عائشة بأخصر من حديث ابن سابط قال الهيثمي (٩/ ٣٠٠): "رجاله رجال الصحيح". وقال الحافظ في "الإصابة" (٣/ ١٦): "رجاله ثقات" وليس في هذا تصحيح للإسناد، لأجل عنعنة ابن جريج. والله أعلم.
(٣) أخرجه البخاري (٢/ ٢٤٧، ٦/ ١٨٦، ٧/ ٣٢٣، ٨/ ٦٠٣)؛ ومسلم (٤٦٣) من طريق الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه. وأخرجه أبو داود (٨١١)؛ والنسائي في "سننه" (٢/ ١٦٩)، وفي "تفسيره" (٥٤٩)؛ وابن ماجه (٨٣٢)؛ وأحمد (٤/ ٨٠، ٨٤) من هذا الوجه.
(٤) في "فضائل القرآن" (ص ٨٠) وفي "غريب الحديث" (٢/ ١٤١)، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٦٤). قال: حدثنا حفص، عن ليث، عن طاوس، قال: كان يقال: أحسن الناس صوتًا بالقرآن أخشاهم لله. وسنده ضعيف؛ لأجل ليث بن أبي سليم وقد خولف فيه كما يأتي.
[ ١ / ٨٩ ]
(١) [وحدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: أحسن الناس صوتًا بالقرآن أخشاهم لله] (^١).
وحدثنا قبيصة (^٢)، عن سفيان، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه، وعن الحسن بن مسلم، عن طاوس قال: سئل رسول الله ﷺ أي الناس أحسن صوتًا بالقرآن؟ فقال: "الذي إذا سمعته رأيته يخشى الله".
وقد روي هذا متصلًا من وجه آخر.
فقال ابن ماجه (^٣): حدثنا بشر بن معاذ الضرير، حدّثنا عبد الله بن جعفر المديني، حدّثنا إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "إن من أحسن الناس صوتًا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله".
ولكن عبد الله بن جعفر هذا - وهو والد علي ابن المديني - وشيخه ضعيفان والله أعلم.
والغرض أن المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة.
فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقائي فالقرآن ينزه عن هذا ويجل ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب.
وقد جاءت السنة بالزجر عن ذلك كما قال الإمام العلم أبو عبيد (^٤) القاسم بن سلام ﵀:
حدثنا نعيم بن حماد، عن بقية بن الوليد، عن حصين بن مالك الفزاري قال: سمعت شيخًا يكنى أبا محمد يحدث عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: "اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين، وسيجئ قوم من بعدي يرجعون
_________________
(١) ساقط من (ج) و(ط) وهو عندي خطأ من الناسخ فقد انتقل بصره إلى السند التالي له، وألحق به متن الأثر السابق، ولم أجد في "كتاب أبي عبيد إلا الرواية التي يرويها ابن جريج، عن ابن طاوس وعن الحسن بن مسلم، كلاهما عن طاوس". فالله أعلم.
(٢) أخرجه أبو عبيد (ص ٨٠) أيضًا. وهذه الرواية أرجح من رواية ليث بن أبي سليم مع إرسالها.
(٣) في "سننه" (١٣٣٩). وأخرجه الآجري في "أخلاق حملة القرآن" (٨٣)، وفي "فوائده"؛ وابن أبي داود في "كتاب الشريعة"، كما في "إتحاف السادة" (٤/ ٥٢١) وضعف إسناده البوصيري في "الزوائد" (٤٣٦/ ١) وسبقه شيخه العراقي في "تخريج الأحياء" (١/ ٢٨٦) والصواب أنه ضعيف جدًا. والله أعلم.
(٤) في "فضائل القرآن" (ص ٨٠). وأخرجه ابن نصر في "قيام الليل" (ص ٣٥)؛ ويعقوب بن سفيان في "المعرفة" (٢/ ٤٨٠)؛ والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (ج ٣/ ق ١٠٤/ ٢)؛ والطبراني في "الأوسط" (ج ٢/ ق ١٥٤/ ١)؛ وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٥١٠، ٥١١)؛ البيهقي في "الشعب" (ج ٥/ رقم ٢٤٠٦)؛ والجوزقاني في "الأباطيل" (٧٢٣)؛ وابن الجوزي في "الواهيات" (١/ ١١٨) من طريق بقية بن الوليد عن الحصين بن مالك الفزاري، عن أبي محمد، عن حذيفة مرفوعًا به. قال الطبراني: "لا يروى هذا الحديث عن حذيفة إلا بهذا الإسناد، تفرد به بقية". قلت: وهو صدوق لكنه يدلس تدليس التسوية كما صرح به أبو حاتم في "العلل" (١٩٥٧) وشيخ بقية وشيخه مجهول، والخبر منكر كما قال الذهبي. والله أعلم.
[ ١ / ٩٠ ]
بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم".
وحدثنا (^١) يزيد، عن شريك، عن أبي اليقظان عثمان بن عمير، عن زاذان أبي عمر، عن عليم قال: كنا على سطح ومعنا رجل من أصحاب النبي ﷺ قال يزيد: لا أعلمه إلا قال: عابس الغفاري - فرأى الناس يخرجون في الطاعون قال: ما هؤلاء؟ قال: يفرون من الطاعون فقال: يا طاعون خذني، فقالوا: أتتمنى الموت وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يتمنين أحدكم الموت"؟ فقال: إني أبادر خصالًا، سمعت رسول الله ﷺ يتخوفهن على أمته: بيع الحكم، والاستخفاف بالدم وقطيعة الرحم وقوم يتخذون القرآن مزامير، يقدمون أحدهم ليس بأفقههم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم به غناءً، وذكر خلتين آخرتين.
وحدثنا يعقوب بن (^٢) إبراهيم، عن ليث بن أبي سليم، عن عثمان بن عمير، عن زاذان، عن عابس الغفاري، عن النبي ﷺ مثل ذلك أو نحوه.
وحدثنا (^٣) يعقوب، عن إبراهيم، عن الأعمش، عن رجل، عن أنس أنه سمع رجلًا يقرأ القرآن بهذه الألحان التي أحدث الناس فأنكر ذلك ونهى عنه.
وهذه طرق حسنة (^٤) في باب الترهيب.
وهذا يدل على أنه محذور كبير وهو قراءة القرآن بالألحان التي يسلك بها مذاهب الغناء، وقد نص الأئمة ﵏ على النهي عنه، فأما إن خرج به إلى التمطيط الفاحش الذي يزيد بسببه حرفًا أو ينقص حرفًا فقد اتفق العلماء على تحريمه، والله أعلم.
_________________
(١) أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص ٨١) وفي "الغريب" (٢/ ١٤١). وأخرجه أحمد (٣/ ٤٩٤)؛ والبخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ٢/ ٨٠)؛ وعنه البيهقي في "الشعب" (٥/ ٥٨٣)؛ والطحاوي في "المشكل" (٢/ ١٦٠)؛ وأبو غرزة الحافظ في "مسند عابس"؛ وابن أبي الدنيا في "العقوبات" (٧٨/ ١)؛ كما في "الصحيحة" (٩٧٩)؛ والجوزقاني في "الأباطيل" (٧٢٤) من طريق شريك النخعي بسنده سواء. وسنده ضعيف، وقال الجوزقاني: "باطل" وليس كما قال والصواب أنه حديث حسن أو صحيح كما حققته في "التسلية".
(٢) أبو عبيد في "الفضائل" (ص ٨١). وأخرجه البخاري في "الكبير" (٤/ ١/ ٨٠)؛ وعنه البيهقي في "الشعب" (ج ٥/ رقم ٢٤٠٩)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ١٨/ رقم ٥٨، ٥٩) من طرق عن ليث بن أبي سليم وقد خالف شريكًا بإسقاط "عليم" من السند، وروايته أرجح من رواية شريك. فقد تابعه سليمان التيمي عند الطبراني (٦٠) وله طريق قوي يرويه موسى بن عبد الله الجهني عن زاذان عابس الغفاري. أخرجه الخراطي في "مساوئ الأخلاق" (٢٧٧)؛ والطبراني في "الكبير" (١٨/ رقم ٦٢، ٦٣)، وفي "الأوسط" (٦٨٩)؛ وقال الهيثمي (٥/ ٢٤٥): "رجاله رجال الصحيح" وله شواهد عن جماعة من الصحابة.
(٣) أبو عبيد (ص ٨١). وخولف يعقوب بن إبراهيم. خالفه عبد الله بن إدريس فرواه عن الأعمش قال: قرأ رجل عند أنس بلحن من هذه الألحان فكره أنس ذلك. أخرجه الدارمي (٢/ ٣٤٠) والمخالفة أن ابن إدريس جعله عن الأعمش عن أنس. ولم يسمع منه. والصواب أنه يروى عنه بالواسطة وأخرجه أيضًا ابن نصر في "قيام الليل" (ص ٢٣٧).
(٤) يعني: بتعاضدها، والله أعلم.
[ ١ / ٩١ ]
وقال الحافظ أبو بكر البزار (^١): حدّثنا محمد بن معمر، حدّثنا روح، حدّثنا عبيد الله بن الأخنس، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن".
ثم قال: " (وإنما) (^٢) ذكرناه؛ لأنهم اختلفوا على ابن أبي مليكة فيه فرواه عبد الجبار بن الورد عنه، عن ابن أبي مليكة، عن أبي لبابة ورواه عمرو بن دينار، والليث عنه، عن ابن أبي نهيك، عن سعد، ورواه عسل بن سفيان عنه عن عائشة، ورواه نافع مولى ابن عمر عنه عن ابن الزبير".