قال الإمام (^٢) [(العلم) (^٣) الحبر العابد] (٢) أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم ﵀ في "تفسيره" (^٤): حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا زيد بن المبارك الصنعاني، حدثنا سلام بن وهب الجندي، حدثنا أبي، عن طاوس، عن ابن عباس: أن عثمان بن عفان سأل رسول الله ﷺ عن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فقال: "هو اسم من أسماء الله، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العينين وبياضهما من القرب".
وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه، عن سليمان بن أحمد، عن علي بن المبارك، عن زيد بن المبارك، به.
وقد روى الحافظ بن (^٥) مردويه من طريقين: عن إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى،
_________________
(١) هذا يوهم أن أصحاب السنن الأربعة رووه، ولم يروه منهم أبو داود؛ فأخرجه النسائي (٢/ ١٣٥)؛ والترمذي (٢٤٤)؛ وابن ماجه (٨١٥)؛ وأحمد (٤/ ٨٥)؛ (٥/ ٥٤، ٥٥)؛ والطحاوي في "الشرح" (١/ ٢٠٢)؛ والبيهقي (٢/ ٥٠)؛ والقاضي عبد الجبار في "تاريخ داريا" (ص ٥٧) من طريق الجريري وعثمان بن غياث عن أبي نعامة الحنفي قيس بن عباية، عن ابن عبد الله بن مغفل قال: سمعني أبي وأنا في الصلاة، أقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال لي: أي بني! محدث، إياك والحدث، قال: ولم أر أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ كان أبغض إليه الحدث في الإسلام؛ يعني: منه، قال: قد صليت مع النبي ﷺ ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقولها، فلا تقلها، إذا أنت صليت فقل: "الحمد لله رب العالمين". قال الترمذي: "حديث حسن"؛ واختلف في إسناده. ونقل الزيلعي في "نصب الراية" (١/ ٣٣٢) عن النووي في "الخلاصة" أنه قال: "وقد ضعف الحفاظ هذا الحديث وأنكروا على الترمذي تحسينه كابن خزيمة وابن عبد البر والخطيب وقالوا: إن مداره على ابن عبد الله بن مغفل وهو مجهول". اهـ. وله متابعات متكلم فيها، والمقام في تحقيقه طويل.
(٢) ساقط من (ل).
(٣) كذا في (ج) و(ع) و(ى) ووقع في (ز) و(ك) و(ن) و(هـ): "العالم".
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" رقم (٥). وأخرجه الحاكم (١/ ٥٥٢) وعنه البيهقي في "الشعب" (ج ٥/ رقم ٢١٢٣) من طريق جعفر بن مسافر بسنده سواء وصححه الحاكم ووافقه الذهبي! وليس كما قالا، وقد قال الذهبي في ترجمته "سلام بن وهب": "خبر منكر بل كذب"، وسأل ابن أبي حاتم أباه عنه كما في "العلل" (ج ٢/ رقم ٢٠٢٩)، فقال: "هذا حديث منكر"؛ وقال الذهبي في "المغنى" (١/ ٢٧٢): "سلام بن وهب عن ابن طاوس بخبر موضوع، لا يعرف". واختلف في سنده فأخرجه العقيلي في "الضعفاء" (٢/ ١٦٢)؛ والخطيب في "تاريخه" (٧/ ٣١٣) وعنه الذهبي في "الميزان" (٢/ ١٨٢) من طريق سلام بن وهب عن ابن طاوس عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعًا فذكره، ووجه الاختلاف أن سلام بن وهب رواه أولًا عن أبيه عن طاوس ثم رواه عن ابن طاوس عن أبيه. قال العقيلي: "سلام بن وهب الجندعي عن ابن طاوس لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به". وجملة القول الثابت أن هذا الحديث باطل. والله أعلم.
(٥) أخرجه ابن جرير (١/ ٤١، ٤٢)؛ وابن عدي في "الكامل" (١/ ٢٩٩)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٢٥١،=
[ ١ / ١٧٦ ]
عن مسعر، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن عيسى ابن مريم ﵇ أسلمته أمه (إلى) (^١) الكُتَّاب ليعلمه، فقال له المعلم: اكتب (قال) (^٢): ما أكتب؟ قال: بسم الله. قال له عيسى: وما بسم الله؟ قال المعلم: ما أدري".
قال له عيسى: "الباء بهاء الله والسين سناؤه، والميم مملكته، والله إله الآلهة، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة".
وقد رواه (^٣) ابن جرير (^٤) [من حديث إبراهيم بن العلاء الملقب (زبريق) (^٥)، عن إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي مليكة، عمن حدثه، عن ابن مسعود، ومسعر، عن عطية] (٤)، عن أبي سعيد، (عن النبي) (^٦) ﷺ. . . فذكره.
وهذا غريب جدًّا، وقد يكون (^٧) صحيحًا إلى من دون رسول الله ﷺ. وقد يكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات. والله أعلم.
_________________
(١) = ٢٥٢) وفي "حديث الكديمي" (ق ٣٦٠/ ١)؛ وابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ٢٠٣، ٢٠٤)؛ والثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٨/ ٢) من طريق إسماعيل بن عياش عن إسماعيل بن يحيى، عن مسعر، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا. قال ابن عدي: "باطل بهذا الإسناد، لا يرويه غير إسماعيل". وقال ابن الجوزي: "هذا حديث موضوع محال، ما يضع هذا الحديث إلا ملحد يريد شين الإسلام، أو جاهل في غاية الجهل وقلة المبالاة بالدين ولا يجوز أن يفرق حروف الكلمة المجتمعة فيقال: الألف من كذا: واللام من كذا، وإنما هذا يكون في الحروف المقطعة. . . ثم قال: فقد جمع واضع هذا الحديث جهلًا وافرًا وإقدامًا عظيمًا، وأتى بشيء لا تخفى برودته والكذب فيه" وأقرّ السيوطي بوضعه في "اللآلئ" (١/ ١٧٢)؛ وقال في "تدريب الراوي" (١/ ٥٦): "غريب جدًّا" وقال في "الدر المنثور" (١/ ٨): "سنده ضعيف جدًّا" وعلته إسماعيل بن يحيى هذا فقد كذبه الدارقطني وأبو علي النيسابوري والحاكم، وقال الأزدي: "ركن من أركان الكذب" واتهمه صالح جزرة بوضع الحديث وكذلك ابن حبان.
(٢) ساقط من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ى).
(٣) في (ل) و(ن): "فقال".
(٤) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (١٤٠ - شاكر) قال: حدثنا إسماعيل بن الفضل، قال: حدثنا إبراهيم بن العلاء بن الضحاك، وهو يلقب بزبريق، بسنده سواء. وأخرجه أبو نعيم في "حديث محمد بن يونس الكديمي" (ق ٣٦٠/ ١) من طريقه، ثنا الحسين بن علي بن مصعب النخعي، ثنا عبد الوهاب بن الضحاك، أنا إسماعيل بن عياش بسنده سواء وسنده تالف، والكديمي واهٍ والحسين بن علي أحد مشايخ الإسماعيلي ذكره في "معجمه" (ق ٨٣/ ٣) وقال: "قد غلب عليه البلغم شيخ كبير" وقال الذهبي: "عمر وتغير لا يعتمد عليه"، وعبد الوهاب بن الضحاك ساقط ألبتة، وزبريق قال الحافظ: مستقيم الحديث إلا في حديث واحد يقال: إن ابنه محمدًا أدخله عليه، ومداره على إسماعيل بن يحيى وقد مرَّ حاله.
(٥) ساقط من (هـ).
(٦) في (ن): "ابن زبريق"!
(٧) في (ن): "قال: قال رسول الله".
(٨) ونقل الشيخ أبو الأشبال في تعليقه على "تفسير الطبري" (١/ ١٢٢) قول ابن كثير هذا وقال: "وما أدري كيف فات الحافظ ابن كثير أن في إسناده هذا الكذاب فتسقط روايته بمرة، ولا يحتاج إلى هذا التردد". ا هـ. قلت: فلعل الحافظ ابن كثير يشير إلى سند آخر، فقد رأيت السيوطي قال في "الدر المنثور" (٢/ ٢٥): "وأخرج ابن المنذر بسند صحيح إلى سعيد بن جبير قال: لما ترعرع عيسى جاءت به أمه إلى الكُتّاب، فدفعته إليه. . ." ثم ساقه بنحوه، فهذا يرجح كونه من الإسرائيليات، ويصدق ظن المصنف ﵀.
[ ١ / ١٧٧ ]
وقد روى جويبر (^١)، عن الضحاك نحوه من قبله.
وقد روى ابن مردويه (^٢) من حديث يزيد بن خالد، عن سليمان بن بريدة، وفي رواية عن عبد الكريم أبي أمية، عن (ابن) (^٣) بريدة، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "أنزلت عليّ آية لم تنزل على نبي غير سليمان (بن داود) (^٤) وغيري، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم".
وروى بإسناده عن (عبد الكبير) (^٥) بن المعافي بن عمران، عن أبيه، عن عمر بن ذر، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله؛ قال: لما نزل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ هرب الغيم إلى المشرق، وسكنت الرياح، وهاج البحر، وأصغت البهائم بآذانها، ورجمت الشياطين من السماء، وحلف الله تعالى بعزته وجلاله ألا يسمى اسمه على شيء إلا بارك فيه.
[وقال وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ فيجعل الله له من كل حرف منها جنةً من كل واحد] (^٦).
[ذكره ابن عطية (^٧) والقرطبي (^٨) ووجهه ابن عطية (ونظره) (^٩) بحديث: "لقد رأيت بضعة] (^٦)
_________________
(١) أخرجه إسحاق بن بشر وابن عساكر عن جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس وساق كلامًا طويلًا، راجع "الدر المنثور" (٢/ ٢٦) وسنده تالف جدًّا، وجويبر هالك والضحاك لم يسمع من ابن عباس، وإسحاق بن بشر صاحب "كتاب المبتدأ" ساقط أيضًا. وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢) عن جويبر عن الضحاك قوله.
(٢) أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٦٢٩)؛ وابن الأعرابي في "معجمه" (٦/ ١١٨/ ٢)؛ وأبو أحمد الحاكم في "شعار أصحاب الحديث" (ص ٦٨)؛ والدارقطني (١/ ٣١٠)؛ والبيهقي (١٠/ ٦٢) من طريق علي بن الجعد وإبراهيم بن مجشر، نا سلمة بن صالح الأحمر، عن يزيد بن أبي خالد، عن عبد الكريم بن أبي أمية عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال لي رسول الله ﷺ: "لا أخرج من المسجد حتى أعلمك آية من سورة لم تنزل على نبي بعد سليمان غيري" قال: فمشى وتبعته حتى انتهى إلى باب المسجد، فأخرج رجله من أسكفة المسجد وبقيت الأخرى؛ فقلت بيني وبين نفسي أنسي؟ قال: فأقبل علي بوجهه وقال: بأي شيء تفتح القراءة إذا افتتحت الصلاة؟ قال: قلت: ببسم الله الرحمن الرحيم، قال: "هي هي" ثم خرج. وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٧) لابن أبي حاتم. قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن ابن بريدة إلا عبد الكريم، ولا عنه إلا يزيد، تفرد به سلمة". قلت: وسنده ضعيف جدًّا، وسلمة بن صالح، قال الذهبي: تركوه. وابن أبي المخارق ضعيف. وقال البيهقي والسيوطي: "إسناده ضعيف".
(٣) في (ن): "أبي"!!
(٤) ساقط من (ج).
(٥) وقع في (ن): "عبد الكريم الكبير"!! وفي (ز): "عبد الكريم"! وهذا السند الذي أورده المصنف جيد، لكني أخشى من دون عبد الكبير وأسانيد ابن مردويه يغلب عليها ما يغلب على أسانيد الطبراني. وأخرجه الثعلبي في "تفسيره" (ج ١/ ق ٦/ ٢) من وجه آخر عن عمر بن ذر بسنده سواء.
(٦) ساقط من (ز).
(٧) في "تفسيره" (١/ ٨٢) وأشار إلى القول دون أن ينسبه إلى ابن مسعود ثم قال: "وهذا من ملح التفسير، وليست من متين العلم". ولعله لم يقف على قائله وأنه ابن مسعود ﵁، والسند صحيح إليه، وأخرجه الثعلبي في "تفسيره" (١/ ٦/ ٢) من طريق عبد الله بن هاشم، ثنا وكيع بإسناده سواء وهذا الأثر له حكم الرفع كما لا يخفى، وقد أشار ابن عطية إلى هذا الأثر بقوله: "فقال بعض الناس" فهذا يدل على ما ذكرته والله أعلم.
(٨) في "تفسيره" (١/ ٩٢).
(٩) في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ى): "نظَّره" بالظاء المعجمة المشددة قبلها نون، ووقع في (ن):=
[ ١ / ١٧٨ ]
[وثلاثين ملكًا يبتدرونها" (^١) لقول الرجل: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، من أجل أنها بضعة وثلاثون حرفًا وغير ذلك] (^٢).
وقال الإمام أحمد (بن حنبل) (^٣) في "مسنده" (^٤): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عاصم؛ قال: سمعت أبا تميمة يحدث عن رديف النبي ﷺ؛ قال: عثر بالنبي ﷺ (حماره) (^٥)؛ فقلت: تعس الشيطان. فقال النبي ﷺ: "لا تقل: تعس الشيطان؛ فإنك إذا قلت: تعس الشيطان تعاظم، وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت: باسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب".
هكذا وقع في رواية الإمام أحمد.
وقد روى النسائي في "اليوم والليلة"، وابن مردويه في "تفسيره"، من حديث خالد الحذاء،
_________________
(١) = "ونصره" بالصاد المهملة وكذا وقع في المطبوعات التي وقعت عليها من "التفسير" وهو خطأ فاحش؛ لأن ابن عطية ما نصر هذا القول، كيف وهو يقول: "هذا من مُلح التفسير وليست من متين العلم" ولكن معنى "نظَّره" أي جعل لهذا القول نظائر. والله أعلم.
(٢) ساقط من (ز).
(٣) أخرجه البخاري (٢/ ٢٨٤ - فتح).
(٤) ساقط من (هـ).
(٥) أخرجه أحمد (٥/ ٥٩) قال: حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة، عن عاصم قال: سمعت أبا تميمة يحدث عن ردف النبي ﷺ. قال شعبة: قال عاصم: عن أبي تميمة، عن رجل عن رديف النبي ﷺ. . . وذكر الحديث. وأخرجه أحمد أيضًا (٥/ ٧١) قال: حدثنا عفان، حدثنا شعبة مثله على الشك ووافق شعبة على الرواية الأولى من غير شك: سفيان الثوري ومعمر بن راشد فروياه عن عاصم الأحول، عن أبي تميمة الهجيمي، عمن كان ردف النبي ﷺ. . . فذكره. أخرجه عبد الرزاق (ج ١١/ رقم ٢٠٨٩٩)؛ وأحمد (٥/ ٥٩، ٣٦٥)؛ والطحاوي في "المشكل" (١/ ١٥٩)؛ البغوي في "شرح السنة" (١٢/ ٣٥٣، ٣٥٤). قال المنذري في "الترغيب" (٤/ ٨١): "إسناده جيد"! ويأتي ما فيه. وقد تابع عاصم الأحول: خالد الحذاء، فرواه عن أبي تميمة، عن رديف النبي ﷺ مثله. أخرجه الحاكم (٤/ ٢٩٢) من طريق يزيد بن زريع، عن خالد الحذاء وقال: "صحيح الإسناد" ورده الذهبي بالمخالفة. وقد خولف يزيد بن زريع في إسناده. فخالفه وهب بن بقية وابن المبارك فروياه عن خالد الحذاء، عن أبي تميمة، عن أبي المليح، عن رجل كان ردف النبي ﷺ وساق الحديث. أخرجه أبو داود (٤٩٨٢)؛ والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٥٥٤) وخالفهما محمد بن حمران القيسي، فرواه عن خالد الحذاء، عن أبي تميمة، عن أبي المليح، عن أبيه قال: كنت ردف النبي ﷺ فذكره. أخرجه النسائي في "اليوم والليلة" (٥٥٥)، وعنه ابن السني (٥٠٩)؛ وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١٠٦٨) وعنه ابن الأثير في "أسد الغابة" (١/ ٨٢)؛ الطحاوي في "المشكل" (١/ ١٥٩)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ١/ رقم ٥١٦)؛ الحاكم (٤/ ٢٩٢)؛ وأبو عبد الله الصوري في "جزء من حديثه" (ق ٣٠٦/ ١). قال النسائي: هذا عندي خطأ، والصواب عندنا حديث عبد الله بن المبارك. اهـ. وهذا نقد صحيح، ومحمد بن حمران، قال ابن حبان: "يخطئ" فقول الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ١٣٢): "محمد بن حمران ثقة" فيه تسامح وخالف جميع من تقدم عبد الوهاب بن عطاء فرواه عن خالد الحذاء عن أبي تميمة عن أبي المليح قال: كان رجل رديف النبي ﷺ. . . وساقه نحوه. أخرجه النسائي (٥٥٦)؛ والخطيب في "المتفق والمفترق" (١١/ ١٦١/ ٢) والصواب في كل هذا رواية ابن المبارك ووهب بن بقية، وجهالة الصحابي لا تضر والحمد لله. وبهذا يظهر ما في تجويد المنذري لرواية أحمد من النظر، والله أعلم.
(٦) ساقط من جميع "الأصول" واستدركته من "المسند".
[ ١ / ١٧٩ ]
عن أبي تميمة، وهو الهجيمي، عن أبي المليح بن أسامة بن عمير، عن أبيه؛ قال: كنت رديف النبي ﷺ. . . فذكره؛ وقال: "لا تقل هكذا، فإنه يتعاظم حتى يكون كالبيت؛ ولكن قل: باسم الله، فإنه يصغر حتى يكون كالذبابة".
فهذا من تأثير بركة "باسم الله"؛ ولهذا تستحب في أول كل عمل وقول؛ فتستحب في أول الخطبة لما جاء: "كل (أمر) (^١) لا يبدأ فيه ببسم الله (الرحمن الرحيم) (^٢). فهو أجذم" (^٣).
[وتستحب البسملة عند دخول الخلاء، لما ورد من الحديث (^٤) في ذلك] (^٥).
وتستحب في أول الوضوء لما جاء في "مسند الإمام أحمد" (^٦)، و"السنن"، من رواية أبي
_________________
(١) كذا في "ز" و(ل) و(ن)، ووقع في (ج) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى): "خطبة" وأشار في (ج) و(ع) و(ى) إلى أنه وقع في نسخة ما أثبته في المتن.
(٢) من (ز).
(٣) أخرجه عبد القادر الرهاوي في "الأربعين" ومن طريقه ابن السبكي في "طبقات الشافعية" (١/ ٦) وسنده ضعيف جدًّا، وعزاه المناوي في "فيض القدير" (٥/ ١٤) للخطيب البغدادي في "تاريخه"، وأخرجه أبو داود (٤٨٤٠)؛ والنسائي في "اليوم والليلة" (٤٩٤)؛ وابن ماجه (١٨٩٤)؛ وأحمد (٢/ ٣٥٩)؛ وابن حبان (١، ٢)؛ وأبو عوانة في "مستخرجه"؛ والدارقطني (١/ ٢٢٩)؛ والغافقي في "مسند الموطأ" (ق ٢/ ١)؛ والبيهقي في "الكبرى" (٣/ ٢٠٨، ٢٠٩) والشريف الرضى في "المجازات النبوية" (ص ١٦٦، ١٦٧)؛ والخطيب في "الجامع" (٢/ ٦٩، ٧٠) من طرق عن الأوزاعي، عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع". واختلف في متنه كثيرًا قال أبو داود: رواه يونس وعقيل وشعيب، وسعيد بن عبد العزيز عن الزهري مرسلًا، وصوب الدارقطني المرسل، وأخرج المرسل النسائي في "اليوم والليلة" (٤٩٥، ٤٩٦) وهو الصواب، وقرة بن عبد الرحمن ضعفه أحمد وابن معين وأبو زرعة وآخرون، وقد خالفه الإثبات من أصحاب الزهري فأرسلوه، وبهذا تعلم خطأ من حسنه كابن الصلاح والنووي وابن السبكي في "الطبقات" (١/ ٥ - ٢٠) وأطال في غير طائل، وللنووي حجة واهية في تحسينه فقال: "وهو حديث حسن، وقد روى موصولًا ومرسلًا ورواية الموصول جيدة الإسناد، وإذا روى الحديث موصولًا ومرسلًا فالحكم للاتصال عند الجمهور". اهـ. كذا قال! وهذا الباب، يعني الاتصال والإرسال إنما يحكم فيه المحدثون دون غيرهم، هم لا يحكمون للموصول إذا خالف المرسل، بل يرجحون بالعدد والحفظ والملازمة ونحو ذلك، فإذا روى الحديث رجل ضعفه النقاد وخالفه الثقات الأثبات فلا يحكم لروايته عليهم أبدًا، وقد أيد النووي الدارقطني في تضعيفه لزيادة "وإذا قرأ فأنصتوا" التي رواها مسلم في "صحيحه" مع أن راويها هو سليمان التيمي وهو ثقة ثبت؛ لأنه خالف أصحاب قتادة، فكيف يحكم لرواية قرة بن عبد الرحمن ومرَّ حاله على رواية أصحاب الزهري المتقنين؟! هذا ما تأباه الأصول وطرائق المحدثين. والله أعلم، وجملة القول أن الحديث ضعيف، والصواب فيه الإرسال. والحمد لله على التوفيق، وانظر: "الإرواء" (١/ ٢٩ - ٣٢) لشيخنا الألباني ﵀.
(٤) يشير إلى ما رواه المعمري في "اليوم والليلة" من طريق عبد الله بن المختار، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس مرفوعًا: "إذا دخلتم الخلاء فقولوا: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث" قال الحافظ في "الفتح" (١/ ٢٤٤): "إسناده على شرط مسلم وفيه زيادة التسمية، ولم أرها في غير هذه الرواية" وقال في "نتائج الأفكار" (١/ ١٩٦): "رواته موثقون". وقد روى هذا الحديث شعبة وابن علية وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وآخرون فلم يذكروا التسمية، وقد حققت هذا البحث في "بذل الإحسان" (١/ ١٩٧ - ١٩٩) فراجعه.
(٥) ساقط من (ز).
(٦) أما حديث أبي هريرة: فأخرجه أحمد (٢/ ٤١٨)؛ وأبو داود (١٠١)؛ وابن ماجه (٣٩٩)؛ والترمذي في "العلل الكبير" (١/ ١١١)؛ وأبو يعلى (ج ١١/ رقم ٦٤٠٩) وغيرهم من طريق يعقوب بن سلمة، عن أبيه،=
[ ١ / ١٨٠ ]
هريرة، وسعيد بن زيد، وأبي سعيد - مرفوعًا: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه". وهو حديث حسن.
ومن العلماء من أوجبها عند الذكر ههنا، ومنهم من قال بوجوبها مطلقًا، وكذا تستحب عند الذبيحة في مذهب الشافعي وجماعة، وأوجبها آخرون عند الذكر ومطلقًا في قول بعضهم كما سيأتي بيانه في موضعه (إن شاء الله) (^١).
[وقد ذكر الرازي في "تفسيره" (^٢) في فضل البسملة أحاديث منها: عن أبي هريرة أن
رسول الله ﷺ قال: "إذا أتيت أهلك فسم الله، فإنه إن وجد لك ولد كتب لك بعدد أنفاسه وأنفاس ذريته حسنات". وهذا لا أصل له، ولا رأيته في شيء من الكتب المعتمد عليها ولا غيرها] (^٣).
وهكذا تستحب عند الأكل لما في "صحيح مسلم" (^٤): أن رسول الله ﷺ قال لربيبه عمر بن أبي سلمة: "قل: بسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك".
ومن العلماء من أوجبها والحالة هذه، وكذلك تستحب عند الجماع لما في "الصحيحين" (^٥) عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "لو أن (أحدهم) (^٦) إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله،
_________________
(١) = عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى". وصححه الحاكم (١/ ١٤٦) وتعقبه ابن الصلاح والنووي في "المجموع" (١/ ٣٤٤)؛ وابن حجر في "التلخيص" (١/ ٧٢) وفي "النتائج" (١/ ٢٦٦) وله علتان. وأما حديث سعيد بن زيد: فأخرجه أحمد (٤/ ٧٠، ٦/ ٣٨٢)؛ والترمذي (٢٥)؛ وابن ماجه (٣٩٨) وآخرون يطول الأمر بذكرهم وهو أمثل أحاديث الباب. وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه أحمد (٣/ ٤١)؛ والترمذي في "العلل" (١/ ١١٢، ١١٣)؛ وابن ماجه (٣٩٧)؛ وابن أبي شيبة (١/ ٢، ٣)؛ وأبو عبيد في "الطهور" (ق ٧/ ٢)؛ وأبو يعلى (٢/ ٣٢٤، ٤٢٤) وآخرون. وقد استوفيت الكلام على طرقه وشواهده في "بذل الإحسان" (٢/ ٣٤٠ - ٣٧١) ولي فيه جزء مفرد باسم "كشف المخبوء بثبوت حديث التسمية عند الوضوء" وهو مطبوع وانفصلت فيه على أنه حديث حسن ثابت. والله أعلم.
(٢) من (ك) و(ن).
(٣) انظر تفسير "الرازي" (١/ ١١٧) والحديث المذكور أخرجه أبو الحسين بن المهتدي في "فوائده" وعنه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ١٨٥، ١٨٦) وساق حديثًا طويلًا، ثم قال ابن الجوزي: "هذا حديث ليس له أصل، وفي إسناده جماعة مجاهيل لا يعرفون أصلًا ولا نشك أنه من وضع بعض القصاص أو الجهال وقد خلط الذي وضعه في الإسناد، ومن المعروفين في إسناده: حماد بن عمرو، قال يحيى: كان يكذب ويضع الحديث، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث وضعًا على الثقات، لا يحل كتب حديثه إلا على وجه التعجب" وانظر: "اللآلئ" (٢/ ٣٧٧، ٣٧٨)، "وتنزيه الشريعة" (٢/ ٣٤٠).
(٤) ساقط من (ز) و(ع) و(ل).
(٥) لم يخرجه مسلم في "صحيحه" بهذا اللفظ، إنما أخرجه (٢٠٢٢/ ١٠٨) بلفظ: "يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك". أخرجه البخاري (٩/ ٥٢٣)؛ ومسلم (٢٠٢٢/ ١٠٩).
(٦) أخرجه البخاري (٩/ ٢٢٨)؛ ومسلم (١٠/ ٥ - شرح النووي).
(٧) كذا في (ج) و(ع) و(ل) و(هـ) و(ي) وهو الموافق لما في "الصحيحين"، ووقع في (ز) و(ك) و(ن): "أحدكم".
[ ١ / ١٨١ ]
اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا".
ومن ههنا ينكشف لك أن القولين عند النحاة في (تقدير) (^١) المتعلق بالباء في (قولك) (^٢): باسم الله -هل هو اسم أو فعل- متقاربان، وكل قد ورد به القرآن؛ أما من قدره باسم تقديره باسم الله ابتدائي؛ فلقوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود] ومن قدره بالفعل (أمرًا أو خبرًا؛ نحو: أبدأ باسم الله، أو ابتدأت بسم الله) (^٣) فلقوله (تعالى) (^٤): ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق] وكلاهما صحيح؛ فإن الفعل لا بدّ له من مصدر؛ فلك أن تقدر الفعل ومصدره، وذلك بحسب الفعل الذي سميت قبله إن كان قيامًا أو قعودًا أو أكلًا أو شربًا، أو قراءةً أو وضوءًا أو صلاةً؛ فالمشروع ذكر (اسم) (^٥) الله في الشروع في ذلك كله؛ تبركًا وتيمنًا واستعانةً على الإتمام والتقبل. والله أعلم.
ولهذا روى ابن جرير (^٦)، وابن أبي حاتم، من حديث بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس؛ قال: إن أول ما نزل به جبريل على محمد ﷺ قال: يا محمد؛ قل: أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. ثم قال: قل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ قال: قال له جبريل: (قل) (^٧): باسم الله يا محمد.
يقول: اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله تعالى. لفظ ابن جرير.
وأما مسألة الاسم؛ هل هو المسمى أو غيره، ففيها للناس ثلاثة أقوال: [أحدها: أن الاسم؛ هل هو المسمى، وهو قول أبي عبيدة، وسيبويه؛ واختاره الباقلاني، وابن فورك. وقال (فخر الدين) (^٨) الرازي] (^٩)؛ [وهو محمد بن عمر المعروف بابن خطيب (الري) (^١٠) في "مقدمات تفسيره" (^١١): قالت الحشوية، والكرامية، والأشعرية: الاسم نفس المسمى، (وغير التسمية) (^١٢)، وقالت المعتزلة: الاسم غير المسمى ونفس التسمية.
والمختار عندنا أن الاسم غير المسمى وغير التسمية، ثم نقول: إن كان المراد بالاسم هذا اللفظ الذي هو أصوات متقطعة وحروف مؤلفة فالعلم الضروري حاصل أنه غير المسمّى، وإن] (^١٣)
_________________
(١) في (ج): "تقديم" وهو تصحيف.
(٢) في (ن): "قوله" وذكر في الهامش أن في نسخة "قولك".
(٣) ساقط من (ز).
(٤) من (ل) و(ن).
(٥) ساقط من (ز).
(٦) أخرجه ابن جرير (١٣٨)؛ وابن أبي حاتم (٤) من طريق أبي كريب محمد بن العلاء، ثنا عثمان بن سعيد، ثنا بشر بن عمارة بسنده سواء. وإسناده ضعيف جدًّا وبشر بن عمارة تركه الدارقطني وضعفه البخاري والنسائي وغيرهما والضحاك بن مزاحم لم يسمع من ابن عباس، وسبق أن نبه المصنف على هذا.
(٧) سقط من سائر "الأصول" واستدركته من "الطبري" و"ابن أبي حاتم".
(٨) ساقط من (ن).
(٩) من أول هنا إلى "الله علم على الرب ﵎" ساقط من (ز).
(١٠) في (ك): "الذي"! وفي (ل): "ابن الخطيب الرازي".
(١١) انظر: "تفسيره" (١/ ١١٤ - ١١٦).
(١٢) وقع في (ن): "غير نفس التسمية".
(١٣) ساقط من (ز).
[ ١ / ١٨٢ ]
[كان المراد بالاسم ذات المسمّى فهذا يكون من باب إيضاح الواضحات، وهو عبث، فثبت أن (الخوض) (^١) في هذا (البحث) (^٢) على جميع التقديرات يجري مجرى العبث.
ثم شرع يستدل على مغايرة الاسم للمسمى بأنه قد يكون الاسم موجودًا والمسمى مفقودًا؛ كلفظة المعدوم، وبأنه قد يكون للشيء أسماء متعددة؛ كالمترادفة، وقد يكون الاسم واحدًا والمسميات متعددةً كالمشترك، وذلك دال على تغاير الاسم والمسمّى.
وأيضًا فالاسم لفظ وهو عرض. والمسمّى قد يكون ذاتًا ممكنةً أو واجبةً بذاتها.
وأيضًا فلفظ النار والثلج لو كان هو المسمّى لوجد اللافظ بذلك حر النار أو برد الثلج ونحو ذلك؛ ولا يقوله عاقل] (^٣).
[وأيضًا فقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وقال النبي ﷺ: "إن لله تسعةً وتسعين اسمًا" (^٤)؛ فهذه أسماء كثيرة والمسمّى واحد، وهو الله تعالى.
وأيضًا فقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ (الْحُسْنَى)﴾ (^٥) أضافها إليه، كما قال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ [الواقعة] ونحو ذلك؛ فالإضافة تقتضي المغايرة. وقوله (تعالى) (^٦): ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ أي: فادعوا الله بأسمائه؛ وذلك دليل على أنها غيره.
واحتج من قال: الاسم هو المسمى بقوله (تعالى): ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾ [الرحمن] والمتبارك هو الله (تعالى) (^٦).
والجواب أن الاسم (يعظم) (^٧) لتعظيم الذات المقدسة.
وأيضًا فإذا قال الرجل: زينب طالق -يعني: امرأته- طلقت، ولو كان غير المسمى لما وقع الطلاق.
والجواب أن المراد أن الذات المسماة بهذا الاسم طالق.
قال الرازي: وأما التسمية فإنها جعل الاسم معينًا لهذه الذات، فهي غير الاسم أيضًا. والله أعلم)] (^٨).
(الله): علم على الرب ﵎، يقال: إنه الاسم الأعظم. لأنه يوصف بجميع الصفات، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر] فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات له، كما قال
_________________
(١) في (ع) و(هـ) و(ى): "المختص"!! وأشار في (ى) إلى أن الصواب ما أثبته.
(٢) ساقط من (ز).
(٣) في (ج) و(ل): "المبحث".
(٤) يأتي تخريجه إن شاء الله بعد قليل.
(٥) من (ج) و(ل) و(هـ).
(٦) من (ن).
(٧) كذا في (ج) و(ك) و(ل) و(ى)، ووقع في (ن) و(هـ): "معظم".
(٨) إلى هنا انتهى السقط الواقع في (ز).
[ ١ / ١٨٣ ]
تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠].
وفي "الصحيحين" (^١) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائةً إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة". وجاء تعدادها في رواية الترمذي (^٢) [وابن ماجه، وبين الروايتين اختلاف زيادة ونقصان.
وقد ذكر (فخر الدين) (^٣) (الرازي) (^٤) في "تفسيره" عن بعضهم] (^٥) أن لله خمسة آلاف اسم، [ألف في الكتاب والسنة الصحيحة، وألف في التوراة، وألف في الإنجيل، وألف في الزبور، وألف في اللوح المحفوظ] (^٦).
وهو اسم لم يسم به غيره ﵎، ولهذا لا يعرف في كلام العرب له اشتقاق من فعل يفعل؛ فذهب من ذهب من النحاة إلى أنه اسم جامد لا اشتقاق له.
[وقد نقله القرطبي (^٧) عن جماعة من العلماء، منهم الشافعي، والخطابي، وإمام الحرمين، والغزالي وغيرهم.
وروى عن الخليل وسيبويه أن الألف واللام فيه لازمة، قال الخطابي: ألا ترى أنك تقول: يا الله، ولا تقول: يا الرحمن، فلولا أنه من أصل الكلمة لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام] (^٨).
وقيل: إنه مشتق، واستدلوا عليه بقول رؤبة بن العجاج:
لله در الغانيات المدة (^٩) … سبحن واسترجعن من تألهي
فقد صرح الشاعر بلفظ المصدر، وهو التأله، من أله يأله إلاهةً وتألهًا، كما روي عن ابن عباس (^١٠) أنه قرأ: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] قال: عبادتك؛ أي: أنه كان يعبد ولا يعبد. وكذا قال مجاهد وغيره.
[وقد استدل بعضهم على كونه مشتقًّا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾] (^١١)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٥/ ٣٥٤، ١١/ ٢١٤، ١٣/ ٣٧٧)؛ ومسلم (٢٦٧٧/ ٥).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٥٠٧) وضعفه وابن ماجه (٣٨٦١)؛ وابن حبان (٨٠٨)؛ والحاكم (١/ ١٦)؛ والبيهقي في "الأسماء" (ص ٥)، وكذلك ضعفه سائر أهل العلم، وصححه الحاكم وحسنه النووي، وردوه عليهما، وسيأتي مزيد تفصيل لهذا الأمر في "سورة الأعراف" إن شاء الله تعالى.
(٣) ساقط من (ن).
(٤) ساقط من (ج) و(ك) و(هـ) و(ى) ووقع في (ل): "فخر الدين الرازي".
(٥) ساقط من (ز).
(٦) ساقط من (ز).
(٧) في "تفسيره" (١/ ١٠٣).
(٨) ساقط من (ز).
(٩) المدة: أي المادحات، ومده؛ يعني: مدح، وانظر: "اللسان" (٥/ ٤١٦١). ومعنى البيت: أنهن مدحن حسنه وجماله، واسترجعن حسرة عليه، أنه تنسك وطلب العبادة وهجر الدنيا ولم يستفد بحسنه شيئًا.
(١٠) ولم تثبت هذه القراءة، ويأتي بيانه في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى.
(١١) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى).
[ ١ / ١٨٤ ]
[الأنعام: ٣] [(أي: المعبود في السماوات والأرض) (^١) كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤].
ونقل سيبويه عن الخليل أن أصله إلاه مثل فعال، فأدخلت الألف واللام بدلًا من الهمزة].
[قال سيبويه: مثل الناس، أصله أناس. وقيل: أصل الكلمة: "لاه"، فدخلت الألف واللام للتعظيم، وهذا اختيار سيبويه؛ قال الشاعر:
لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب … عنى ولا أنت دياني فتخزوني
قال القرطبي (^٢): بالخاء المعجمة؛ أي: فتسوسني.
وقال الكسائي والفراء: أصله الإله، حذفوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية، كما قال: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨] أي: لكن أنا. وقد قرأها كذلك الحسن.
قال القرطبي (^٢): ثم قيل: هو مشتق من وله إذا تحير. والوله: ذهاب العقل يقال: رجل واله، وامرأة ولهى، (وماء موله) (^٣) إذا أرسل في] (^٤) [الصحراء. فالله تعالى (تتحير الألباب والفكر) (^٥) في حقائق صفاته؛ فعلى هذا يكون (أصله) (^٦): "ولاه"، فأبدلت الواو همزةً، كما قالوا في وشاح: إشاح، ووسادة: إسادة.
وقال (فخر الدين) (^٧) الرازي (^٨): وقيل: إنه مشتق من: "ألهت إلى فلان"؛ أي: سكنت إليه؛ فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره، والأرواح لا تفرح إلا بمعرفته؛ لأنه الكامل على الإطلاق دون غيره. قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الرعد: ٢٨، ٢٩].
قال: وقيل: من "لاه، يلوه"، إذا احتجب. وقيل: اشتقاقه من أله الفصيل: أولع بأمه.
والمعنى أن العباد (مولهون) (^٩) مولعون بالتضرع إليه في كل الأحوال.
قال: وقيل: مشتق من أله الرجل يأله، إذا فزع من أمر نزل به، فألهه؛ أي: أجاره، فالمجير لجميع الخلائق من كل المضار هو الله سبحانه؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨].
وهو المنعم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]] (^١٠).
(^١١) [وهو المطعم؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤].
وهو الموجد؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨].
_________________
(١) ساقط من (ن).
(٢) "تفسير القرطبي" (١/ ١٠٢).
(٣) في (ن): "مالوها"!!
(٤) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).
(٥) كذا في (ج) و(ل) وفي (ك): "يتحير أولو الألباب والفكر" وفي (ن): "يتحير الفكر".
(٦) ساقط من (ن).
(٧) ساقط من (ك) و(ن).
(٨) "تفسير الرازي" (١/ ١٦٥).
(٩) في (ن): "مألوهون".
(١٠) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى).
(١١) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).
[ ١ / ١٨٥ ]
وقد اختار (فخر الدين) (^١) (الرازي) (^٢) أنه اسم غير مشتق (البتة) (^٣)؛ قال: وهو قول الخليل، وسيبويه، وأكثر الأصوليين والفقهاء؛ ثم أخذ يستدل على ذلك بوجوه، منها أنه لو كان مشتقًّا لاشترك في معناه كثيرون. ومنها أن بقية الأسماء تذكر صفات له، فتقول: الله الرحمن الرحيم الملك القدوس؛ فدل أنه ليس بمشتق؛ قال: فأما قوله تعالى: ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ١، ٢] على قراءة الجر، فجعل ذلك من باب عطف البيان. ومنها: قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].
وفي الاستدلال بهذه على كون هذا الاسم جامدًا غير مشتق نظر. والله أعلم.
[وحُكي (فخر الدين) (^١) (¬الرازي) (٢) عن بعضهم (أنه ذهب إلى) (^٤) أن اسم الله تعالى عبراني لا عربي، ثم ضعفه، وهو حقيق بالتضعيف، كما قال. وقد] (^٥) حكى (فخر الدين) (^١) (الرازي) (^٢) هذا القول، ثم قال: واعلم أن (الخلق) (^٦) قسمان: واصلون إلى ساحل بحر المعرفة، ومحرومون قد بقوا في ظلمات الحيرة، وتيه الجهالة] (^٧).
[فكأنهم قد فقدوا عقولهم وأرواحهم. وأما الواجدون فقد وصلوا إلى عرصة النور، وفسحة الكبرياء والجلال، فتاهوا في ميادين الصمدية، وبادوا في عرصة الفردانية؛ فثبت أن الخلائق كلهم والهون في معرفته.
وروي عن الخليل بن أحمد أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه -بنصب اللام (وجرها) (^٨) - لغتان.
وقيل: إنه مشتق من الارتفاع؛ فكانت العرب تقول لكل شيءٍ مرتفع: لاهًا، وكانوا يقولون إذا طلعت الشمس: لاهت.
وقيل: إنه مشتق من أله الرجل، إذا تعبد، وتأله إذا تنسك. وقرأ ابن عباس ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]] (^٩).
وأصل ذلك الإله، فحذفت الهمزة التي هي فاء الكلمة، فالتقت اللام التي هي عينها مع اللام الزائدة في أولها للتعريف، فأدغمت إحداهما في الأخرى، فصارتا في اللفظ لامًا واحدةً مشددةً وفخمت تعظيمًا، فقيل: "الله".
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة. ورحمن أشد مبالغة من رحيم. وفي كلام ابن جرير ما يفهم (منه) (^١٠) حكاية الاتفاق على هذا. وفي تفسير بعض السلف ما يدل على ذلك، كما تقدم في الأثر (^١١) عن عيسى ﵇ أنه قال: والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة.
_________________
(١) من (ج) و(ك) و(ل).
(٢) من (ن).
(٣) البتة: بهمزة وصل، وانظر ضبطها في "فتح الباري" (٩/ ٣٩٢) للحافظ.
(٤) ساقط من (ن).
(٥) ساقط من (ك).
(٦) في (ن): "الخلائق".
(٧) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى).
(٨) كذا في (ج) و(ل) وفي (ك) و(ن): "كسرها".
(٩) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ى).
(١٠) من (ن).
(١١) لكنه لا يصح كما تقدم شرحه، والله أعلم.
[ ١ / ١٨٦ ]
[وزعم بعضهم أنه غير مشتق؛ إذ لو كان كذلك لاتصل بذكر المرحوم؛ وقد قال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]] (^١).
[وحكى ابن الأنباري في "الزاهر"، عن المبرد - أن الرحمن اسم عبراني ليس بعربي. وقال أبو إسحاق الزجاج في "معاني القرآن": وقال أحمد بن يحيى: الرحيم عربي، والرحمن عبراني، فلهذا جمع بينهما.
قال أبو إسحاق: وهذا القول مرغوب عنه.
وقال القرطبي (^٢): والدليل على أنه مشتق ما خرجه الترمذي (^٣)، وصححه عن عبد الرحمن بن عوف ﵁؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: أنا الرحمن خلقت الرحم، وشققت لها اسمًا من اسمى، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته".
قال: وهذا نص في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق.
قال: وإنكار العرب لاسم الرحمن لجهلهم بالله، وبما وجب له] (^٤).
[قال القرطبي (^٥): (ثم قيل) (^٦): هما بمعنًى واحد؛ كندمان ونديم؛ قاله أبو عبيد.
وقيل: ليس بناء فعلان كفعيل؛ فإن "فعلان" لا تقع إلا على مبالغة الفعل، نحو قولك: رجل غضبان، "للرجل الممتلئ غضبًا" (^٧). (وفعيل) قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول.
قال أبو علي الفارسي: الرحمن اسم (عام) (^٨) في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى. والرحيم إنما هو من جهة المؤمنين؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] وقال ابن عباس: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر؛ أي: أكثر رحمة.
ثم حكى (^٩) عن الخطابي وغيره أنهم استشكلوا هذه الصفة، وقالوا: لعله أرفق، كما في] (^١٠)
_________________
(١) ساقط من (ز).
(٢) "تفسير القرطبي" (١/ ١٠٤).
(٣) في "سننه" (١٩٠٧)؛ وأبو داود (١٦٩٤)؛ وأحمد (١/ ١٩٤)؛ وابن أبي شيبة (٨/ ٣٤٧، ٣٤٨)؛ والبزار (ج ١/ ق ١١/ ١)؛ والحميدي (٦٥)؛ والبرتي في "مسند عبد الرحمن بن عوف" (ق ١٧٩/ ٢)؛ وأبو يعلى (ج ٢/ رقم ٨٤٠)؛ والخرائطي في "مكارم الأخلاق" (٢٦١) وفي "المساوئ" (٢٦٥)؛ والبيهقي في "الآداب" (١١)؛ والبغوي في "شرح السنة" (١٣/ ٢٢) من طريق ابن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة، قال: اشتكى أبو الرداد، فجاءه عبد الرحمن بن عوف عائدًا، فقال: خيرهم وأوصلهم ما علمت أبا محمد فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله ﷺ يقول:. . . فذكره ولكن عند الترمذي وغالب المخرجين "بتته" بدل "قطعته" وصححه الترمذي وتعقبه المنذري في "مختصر سنن أبي داود" (٢/ ٢٦٢) بأن أبا سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئًا كما قال ابن معين". وقد اختلف في إسناده، وللحديث شواهد كثيرة يصح بها.
(٤) ساقط من (ز).
(٥) في "تفسيره" (١/ ١٠٥).
(٦) ساقط من (ل) وسقطت لفظة: "ثم" من (ج).
(٧) ساقط من (ج) و(ل)، وسقطت لفظة "للرجل" من (ك) و(هـ) و(ى).
(٨) كذا في (ك) و(ن) و(هـ) و(ى) ووقع في (ج) و(ل): "غاية".
(٩) يعني: القرطبي في "تفسيره" (١/ ١٠٦).
(١٠) ساقط من (ز).
[ ١ / ١٨٧ ]
[الحديث (^١): "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، وإنه يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف".
وقال ابن المبارك: الرحمن إذا سئل أعطى، والرحيم إذا لم يسأل يغضب. وهذا كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي، وابن ماجه] (^٢)، (^٣) [من حديث أبي صالح الفارسي الخوزي، عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "من لم يسأل الله يغضب عليه" (^٤). وقال بعض الشعراء:
_________________
(١) أخرج ابن ماجه (٣٦٨٨)؛ وابن حبان (١٩١٤ - موارد)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣٠٦)؛ والدولابي في "الكنى" (٢/ ٤١) من طريقين عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا فذكره. وهو حديث صحيح وله شواهد عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن المغفل وأنس، وأبي بكرة ﵃.
(٢) ساقط من (ز).
(٣) ساقط من (ز).
(٤) أخرجه الترمذيُّ (٣٣٧٣)، والبخاريُّ في "الأدب المفرد" (١/ ١١٤) عن حاتم بن إسماعيل، وابن ماجه (٣٨٢٧)، وأحمد (٢/ ٤٤٣، ٤٧٧)، وابنُ أبي شيبة (١٠/ ٢٠٠)، والبزار في "البحر الزخار" (ج ٢/ ق ٢٣٢/ ٢)، وابنُ عدي في "الكامل" (٧/ ٢٧٥٠)، والبغويُّ في "شرح السنة" (٥/ ١٨٨)، وفي "تفسيره" (٤/ ١٠٣) عن وكيع، والبخاريُّ في "الأدب المفرد" (٦٥٨)، والحاكمُ (١/ ٤٩١)، وأحمد (٢/ ٤٤٢)، ومن طريقه: ابن بشران في "الأمالي" (ج ٢٢/ ق ٢٤٤/ ٢)، عن مروان بن معاوية، والبزار (٢/ ٢٣٢/ ٢)، والحاكم (١/ ٤٩١)، وعنه البيهقيُّ في "الدعوات" (٢٢)، والطبراني في "الأوسط" (٢٤٣١)، ومن طريقه: المزي في "التهذيب" (٣٣/ ٤١٨)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (ص ٢٩٠) عن أبي عاصم النبيل، والرامهرمزي أيضًا عن صفوان بن عيسى، خمستهم عن أبي المليح، عن أبي صالح الخوزي، عن أبي هريرة مرفوعًا فذكره، قال الترمذيُّ: "لا نعرفُه إلَّا من هذا الوجه". وقال الطبرانيُّ: "لم يرو هذا الحديث عن أبي صالح، إلَّا أبو المليح"، وقال ابنُ عدي: "وهذا يُعرف بأبي صالحٍ هذا"، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، فإن أبا صالح الخوزي، وأبا المليح الفارسي لم يذكرا بالجرح، إنما هما في عداد المجهولين لقلة الحديث"، قُلْتُ فإذا كانا في عدادِ المجاهيل فكيف يصحح إسنادُ حديثهما؟ وأخشى أن يكون مذهب الحاكم كمذهب ابن حبان، أنَّ العدل من لم يُعرف منه جرح؛ ولم سلمنا ذلك، فإن أبا صالح الخوزي عُرف بالجرح، فقد ضعَّفه ابنُ معين، ومشاه أبو زرعة، فقال: "لا بأس به"، وقال الحافظ في "الفتح" (١١/ ٩٥): "مختلف فيه"، وقد تفرَّد به كما قال هؤلاء الحفاظ، ومثله لا يحتمل تفرُّده. فإسناد حديثه ضعيفٌ، واللهُ أعلمُ. فائدة: قال الحافظ في "الفتح": "ووقع في رواية البزار والحاكم: عن أبي صالح الخوزي: سمعتُ أبا هريرة". ا هـ. قُلْتُ: ولم يقع هذا التصريح بالسماع لا عند البزار، ولا الحاكم، أما "المستدرك" فلا أجزم أن اللَّفظة لم تقع فيه، لكثرة التصحيف الواقع فيه. وأما "مسند البزار" فإنه رواه من طريق وكيع، وأبي عاصم بالإسناد إلى أبي صالح، عن أبي هريرة هكذا بالعنعنة، واللهُ أعلمُ. فائدة ثانية: قال البزار: "وأبو صالح الخوزي إنما قيل: الخوزي، لأنه كان ينزل بمكة في شعب الخوز". فائدة ثالثة: قال الحافظ في "الفتح": "ظنَّ الحافظ ابنُ كثير أنه -يعني: أبا صالح الخوزي- أبو صالح السمان، فجزم بأن أحمد تفرد بتخريجه، وليس كما قال، فقد جزم شيخُه المزي في "الأطراف" بما قلتُهُ" اهـ. قُلْتُ: كذا قال الحافظ، وقد قال ابن كثير في "تفسيره" (٧/ ١٤٣): "تفرد به أحمد، وهذا إسناد لا بأس به =
[ ١ / ١٨٨ ]
الله يغضب إن تركت سؤاله … وبني آدم حين يسأل يغضب] (^١)
وقال ابن جرير (^٢): حدثنا السري بن يحيى التميمي، حدثنا عثمان بن زفر، سمعت العرزمي يقول: الرحمن الرحيم؛ قال: الرحمن لجميع الخلق، الرحيم قال: بالمؤمنين. قالوا: ولهذا قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩] وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه]، فذكر الاستواء باسمه الرحمن، ليعم جميع خلقه برحمته. وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] فخصهم باسمه الرحيم؛ قالوا: فدل على أن الرحمن أشد مبالغةً في الرحمة؛ لعمومها في الدارين لجميع خلقه. والرحيم خاصة بالمؤمنين؛ لكن جاء في الدعاء المأثور (^٣): "رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما".
_________________
(١) = وقال الحافظ ابن كثير بعد ذلك بسطرين: "وأما أبو صالح هذا فهو الخوزي، سكن شعب الخوز. قال البزار في "مسنده"، فأنت ترى أن ابن كثير لم يشتبه عليه الخوزي بالسمان، ففد صرح بأن أبا صالح هو الخوزي. إلّا أن يكون ابن كثير قد جزم بأن أبا صالح هو السمان في كتاب آخر؛ نعم أخطأ في قوله: "تفرد به أحمد" فقد أخرجه الترمذي. وكذلك أيضًا في قوله: "هذا إسناد لا بأس به" فقد عرفناك ما فيه من البأس. والله أعلم.
(٢) في "تفسيره" (١٤٦) وسنده جيد والسري بن يحيى هو ابن أخي هناد بن السري قال ابن أبي حاتم - كما في "الجرح والتعديل" (٢/ ١/ ٢٨٥): "كان صدوقًا" وعثمان بن زفر وثقه مطين وابن حبان. وقال أبو حاتم: "صالح الحديث صدوق"؛ والعرزمي هو محمد بن عبد الله وهو تالف، لكنه لم يرو شيئًا ههنا فلا يضعف الإسناد به والله أعلم.
(٣) ورد ذكره في الهامش رقم (٣) في الصفحة السابقة.
(٤) لكنه لا يثبت، فأخرجه البزار (ج ٤/ رقم ٣١٧٧)؛ والحاكم (١/ ٥١٥)؛ والبيهقي في "الدلائل" (٦/ ١٧١، ١٧٢)؛ وابن أبي الدنيا في "الدعاء" - كما في "إتحاف السادة" (٥/ ١٠٠)؛ والأصبهاني في "الترغيب" (١٢٥٤)؛ والطبراني في "الدعاء" (١٠٤١)؛ والمروزي في "مسند أبي بكر" (٤٠) من طريق الحكم بن عبد الله الأيلي، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أن أبا بكر الصديق ﵄ دخل عليها فقال: هل سمعت من رسول الله ﷺ دعاءً كان يعلمناه وذكر أن عيسى ﵇ كان يعلمه أصحابه ويقول: لو كان على أحدكم جبل ذهب دينا لقضاه الله ﷿ عنه: اللهم فارج الهم كاشف الغم مجيب دعوة المضطرين رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، أنت رحماني، فارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك" قال أبو بكر ﵁: فكان علي بقية من دين وكنت للدين كارهًا فكنت أدعو بذلك حتى قضاه الله ﷿ عني. قال البزار: "لا نعلم أحدًا رواه مرفوعًا إلا أبو بكر، ولا نعلم له عنه إلا هذا الطريق، والحكم ضعيف جدًّا وإنما ذكرناه إذ لم نحفظه عن غيره وقد حدث به أهل العلم على ما فيه". أما الحاكم فزعم أنه حديث صحيح، فرده عليه الذهبي ومن قبله المنذري، أما الذهبي فقال في "تلخيص المستدرك": "الحكم ليس بثقة" وأما المنذري فقال في "الترغيب" (٢/ ٦١٦) بعد ذكر تصحيح الحاكم: "كيف والحكم متروك متهم والقاسم مع ما قيل فيه لم يسمع من عائشة"!! كان قال المنذري: وهو ذهول غريب؛ لأن القاسم هو ابن محمد بن أبي بكر، وعائشة هي عمته وهو مكثر من الرواية عنها حتى قال ابن معين، كما في "معجم ابن المقرئ" (ج ٦/ ق ١٢٣/ ١): "القاسم عن عائشة؛ مشبك بالذهب" وهو يشير إلى متانة هذه الترجمة، والله أعلم. واقتصر السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٩) على تضعيف الإسناد! والصواب أنه ضعيف جدًّا، وكذلك أعله الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ١٨٦) فقال: "فيه الحكم بن عبد الله الأيلي وهو متروك". وله شاهد عن عبد الرحمن بن سابط مرفوعًا. أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٠/ ٤٤١) وهو مرسل حسن الإسناد. والله أعلم.
[ ١ / ١٨٩ ]
[واسمه تعالى الرحمن خاص به لم يسم به غيره؛ كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ [الزخرف] ولما تجهرم مسيلمة الكذاب، وتسمى برحمن اليمامة، كساه الله جلباب الكذب، وشهره به، فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب، فسار يضرب به المثل في الكذب بين أهل الحضر (وأهل المدر) (^١) وأهل (الوبر) (^٢) من أهل البادية والأعراب] (^٣).
وقد زعم بعضهم أن الرحيم أشد مبالغةً من الرحمن؛ لأنه أُكِّدَ به. (والمؤكد) (^٤) لا يكون إلا أقوى من المؤكد.
والجواب: أن هذا ليس من باب (التأكيد) (^٥)، وإنما هو من باب النعت (بعد النعت) (^٦)؛ ولا يلزم فيه ما ذكروه.
وعلى هذا فيكون (تقديم) (^٧) اسم الله الذي لم يسم به أحد غيره، ووصفه أولًا بالرحمن الذي منع من التسمية به لغيره، كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] وإنما تجهرم مسيلمة اليمامة في التسمي به، ولم يتابعه على ذلك إلا من كان معه في الضلالة.
وأما الرحيم فإنه تعالى وصف به غيره حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة] كما وصف غيره (بغير ذلك) (^٨) من أسمائه، (في قوله) (^٩): ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ [الإنسان].
والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره، ومنها ما لا يسمى به غيره؛ (كاسمه) (^١٠) الله، والرحمن، والخالق، و(الرزاق) (^١١) ونحو ذلك؛ فلهذا بدأ باسم الله ووصفه بالرحمن؛ لأنه أخص وأعرف من الرحيم؛ لأن التسمية أولًا إنما تكون بأشرف الأسماء؛ فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص.
فإن قيل: فإذا كان الرحمن أشد مبالغةً فهلا اكتفى به عن الرحيم؟ فقد روى عن عطاء الخراساني ما معناه أنه لما تسمى غيره -تعالى- بالرحمن جيء بلفظ الرحيم؛ ليقطع (التوهم) (^١٢)
_________________
(١) في (هـ) و(ى): ". . . الحضر من أهل المدر".
(٢) في (ك): "المدر".
(٣) ساقط من (ز).
(٤) في (ز) و(هـ) و(ى): "والتأكيد".
(٥) في (ز): "التوكيد".
(٦) ساقط من (ز) و(ن).
(٧) في (ن): "تقدير"!! وفي (ك): "تقدم"!
(٨) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى)، ووقع في (ز) و(ن): "كما وصف غيره بذلك". وفي (ل): "غيره بعد ذلك من أسمائه".
(٩) في (ن): "كما قال تعالى".
(١٠) ساقط من (ن) وفي (ز): "كاسم".
(١١) كذا في (ز) و(ع) و(ك)، ووقع في (ج) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ى): "الرازق" بتقديم الألف على الزاي، ولعله سبق قلم.
(١٢) في (ن): "الوهم" وأشار في الهامش إلى ما أثبته.
[ ١ / ١٩٠ ]
بذلك؛ فإنه لا يوصف بالرحمن الرحيم إلا الله تعالى، كذا رواه ابن جرير (^١)، عن عطاء؛ ووجهه بذلك، والله أعلم.
وقد زعم بعضهم أن العرب لا تعرف الرحمن حتى رد الله عليهم ذلك بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠].
ولهذا قال كفار قريش يوم الحديبية لما قال رسول الله ﷺ لعلي: "اكتب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم. رواه البخاري (^٢). وفي بعض الروايات: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾ [الفرقان].
والظاهر أن إنكارهم هذا إنما هو جحود وعناد وتعنت في كفرهم، فإنه قد وجد في أشعارهم في الجاهلية تسمية الله تعالى بالرحمن.
قال ابن جرير (^٣): وقد أنشد بعض الجاهلية (الجهلاء) (^٤).
ألا ضربت تلك الفتاة هجينها … ألا قضب الرحمن ربي يمينها
وقال سلامة بن جندب (الطهوي) (^٥):
عجلتم علينا (عجلتينا) (^٦) عليكم … وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق
وقال ابن جرير (^٧): حدثنا أبو كريب، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، حدثنا أبو روق عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس؛ قال: الرحمن الفعلان من الرحمة، وهو من كلام العرب، وقال: (﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) الرقيق الرفيق لمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه، وكذلك أسماؤه كلها.
وقال ابن جرير (^٨) أيضًا: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا حماد بن مسعدة، عن عوف، عن الحسن، قال: الرحمن اسم ممنوع.
_________________
(١) في "تفسيره" (١٤٩) ورجاله ثقات إلا نصر بن عمرو اللخمي الفلسطيني فلم أجد فيه إلا ما ذكره الدولابي في "الكنى" (١/ ١١٠) من أنه روى عنه يحيى بن صالح الوحاظي.
(٢) في "صحيحه" (٥/ ٣٢٩ - ٣٣٣). وأخرجه مسلم (١٧٨٤/ ٩٣)؛ وأحمد (٣/ ٢٦٨) من طريق عفان بن مسلم، ثنا حماد بن سلمة بسنده سواء وفيه: "ما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم".
(٣) في "تفسيره" (١/ ١٣١ - شاكر).
(٤) كذا في (ج) و(ل) وهو الموافق لما في "تفسير الطبري"، ووقع في (ز) و(ع) و(ك) و(ن) و(هـ) و(ى): "الجهال".
(٥) هذه النسبة ثابتة في كل "الأصول" وأنكرها الشيخ محمود شاكر في تعليقه على "تفسير الطبري" (١/ ١٣١).
(٦) في (ك) و(ل) و(ن): "عجلنا".
(٧) في "تفسيره" (١٤٨) وسنده ضعيف جدًّا وتقدم القول فيه.
(٨) في "تفسيره" (١٥٠) وإسناده صحيح، وعوف هو ابن أبي جميلة الأعرابي.
[ ١ / ١٩١ ]
وقال ابن أبي (^١) حاتم: حدثنا أبو سعيد (بن) (^٢) يحيى بن سعيد القطان، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو الأشهب، عن الحسن؛ قال: (الرحيم) (^٣) اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه، تسمى به ﵎.
[وقد جاء في حديث (^٤) أم سلمة أن رسول الله ﷺ كان يقطع قراءته حرفًا حرفًا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ فقرأ بعضهم كذلك، وهم طائفة. ومنهم من وصلها بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ وكسرت] (^٥) (^٦) [الميم لالتقاء الساكنين وهم الجمهور، وحكى الكسائي من الكوفيين عن بعض العرب أنها تقرأ بفتح الميم وصلة الهمزة، فيقولون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ فنقلوا حركة الهمزة إلى الميم بعد تسكينها، كما قرئ قوله تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١، ٢].
قال ابن عطية (^٧): ولم ترد هذه قراءةً عن أحد فيما علمت.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾.
(القراء) (^٨) السبعة على ضم الدال في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، وهو مبتدأ وخبر.
وروى عن سفيان بن عيينة بن العجاج أنهما قالا: (الحمد لله) - بالنصب، وهو على إضمار فعل. وقرأ ابن أبي عبلة "الحمد لله" بضم الدال واللام إتباعًا للثاني الأول، وله شواهد لكنه شاذ. وعن الحسن وزيد بن علي (الحمد لله) بكسر الدال إتباعًا للأول الثاني] (^٧).
قال أبو جعفر بن جرير (﵀) (^٩): معنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الشكر لله خالصًا دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد، في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربنا الحمد على ذلك كله أولًا وآخرًا.
_________________
(١) في "تفسيره" رقم (٧) وإسناده صحيح، وأبو سعيد بن يحيى، هو أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، قال ابن أبي حاتم: "كان صدوقًا" وقال ابن حبان: "كان متقنًا. وأبو الأشهب، هو جعفر بن حيان السعدي".
(٢) ساقط من (ز).
(٣) وقع في (ز) و(ن) و(هـ): "الرحمن"، وما أثبته وقع في سائر الأصول، وهو الموافق لما في "تفسير ابن أبي حاتم" ولما في "الدر المنثور" (١/ ٩)، وإن كان كلام الحسن أليق أن يجعل لاسم: "الرحمن" والله أعلم.
(٤) ساقط من (ز).
(٥) مرّ تخريجه في أول الفاتحة.
(٦) ساقط من (ز).
(٧) في "تفسيره" (١/ ٩٣).
(٨) في (ك): "القرأة".
(٩) ساقط من (ز) و(هـ).
[ ١ / ١٩٢ ]
[وقال ابن جرير (﵀) (^١): الحمد لله حدّثناء أثنى به على نفسه. وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه، فكأنه قال: قولوا: الحمد لله] (^٢).
قال: وقد قيل: إن قول القائل: الحمد لله ثناء عليه (بأسمائه الحسنى وصفاته العلى) (^٣).
وقوله: الشكر لله ثناء عليه بنعمه وأياديه.
ثم شرع في رد ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلًّا من الحمد والشكر مكان الآخر. [وقد نقل السلمي هذا المذهب: أنهما سواء، عن جعفر الصادق، وابن عطاء من الصوفية.
وقال ابن عباس: الحمد لله كلمة كل شاكر. وقد استدل القرطبي (^٤) لابن جرير بصحة قول القائل: الحمد لله شكرًا] (^١).
وهذا الذي ادعاه ابن جرير فيه نظر؛ لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنان واللسان والأركان؛ كما قال الشاعر:
أفادتكم النعماء منى ثلاثةً … يدى ولساني والضمير المحجبا
ولكنهم اختلفوا أيهما أعم: الحمد أو الشكر؟ على قولين: والتحقيق أن بينهما عمومًا وخصوصًا، فالحمد أعم من الشكر من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية، تقول: حمدته لفروسيته، وحمدته لكرمه، وهو أخص؛ لأنه لا يكون إلا بالقول، والشكر أعم من حيث ما يقعان عليه؛ لأن يكون بالقول والفعل والنية كما تقدم. وهو أخص؛ لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية، لا يقال: شكرته لفروسيته؛ وتقول: شكرته على كرمه وإحسانه إليَّ.
هذا حاصل ما حرره بعض المتأخرين (^٥). والله أعلم.
_________________
(١) من (ن).
(٢) ساقط من (ز).
(٣) كذا في "الأصول" كلها، ووقع في (ز): "بأسمائه وصفاته الحسنى"، وهذا هو الموافق لما في "تفسير الطبري" (١/ ١٣٧).
(٤) في "تفسيره" (١/ ١٣٣).
(٥) لكن هذا التحرير فيه إبهام وأوضح منه ما قاله الإمام المحقق ابن القيم ﵀، فقال في "مدارج السالكين" (٢/ ٢٥٦، ٢٥٧): "وتكلم الناس في الفرق بين الحمد والشكر أيهما أعلى وأفضل؟ وفي الحديث: "الحمد رأس الشكر فمن لم يحمد الله لم يشكره" والفرق بينهما أن الشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه وأخص من جهة متعلقاته والحمد أعم من جهة المتعلقات وأخص من جهة الأسباب، ومعنى هذا أن الشكر يكون بالقلب خضوعًا واستكانة، وباللسان ثناءً واعترافًا، وبالجوارح طاعة وانقيادًا، ومتعلقه: النعم، دون الأوصاف الذاتية، فلا يقال: شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه، وهو المحمود عليها كما هو محمود على إحسانه وعدله، والشكر يكون على الإحسان والنعم، فكل ما يتعلق به الشكر من غير عكس، فإن الشكر يقع بالجوارح، والحمد يقع بالقلب واللسان. اهـ.
[ ١ / ١٩٣ ]
وقال أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري: الحمد: نقيض الذم، تقول: حمدت الرجل أحمده حمدًا (ومحمدة) (^١)، فهو حميد، ومحمود. والتحميد: أبلغ من الحمد، والحمد أعم من الشكر.
وقال في الشكر: هو الثناء على المحسن بما (أولاكه) (^٢) من المعروف، يقال: شكرته وشكرت له، وباللام أفصح. [وأما المدح فهو أعم من الحمد؛ لأنه يكون للحي وللميت وللجماد أيضًا، كما يمدح الطعام والمكان ونحو ذلك ويكون قبل الإحسان وبعده، وعلى الصفات المتعدية واللازمة أيضًا؛ فهو أعمُّ] (^٣).
ذكر (أقوال) (^٤) السلف في الحمد:
قال ابن أبي (^٥) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر القطيعي، حدثنا حفص، عن حجاج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﵄؛ قال: قال عمر ﵁: قد علمنا سبحان الله، ولا إله إلا الله، فما الحمد لله؟ فقال علي: كلمة رضيها الله لنفسه.
[(ورواه (غير) (^٦) أبي معمر)] (^٧) عن حفص؛ فقال: قال عمر (^٨) لعلي -وأصحابه عنده- لا إله إلا الله، وسبحان الله، والله أكبر - قد عرفناها، فما الحمد لله؟ قال علي: كلمة أحبها الله تعالى لنفسه، ورضيها لنفسه، وأحب أن تقال.
وقال علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران؛ قال ابن عباس: الحمد لله كلمة الشكر، وإذا قال العبد: "الحمد لله" قال: شكرني عبدي. رواه ابن أبي (^٩) حاتم.
وروى أيضًا هو (^١٠)، وابن جرير، من حديث بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك،
_________________
(١) ساقط من (ج) ووقع في (ل): "مجدته"!!
(٢) في (ن) و(هـ): "أولاه".
(٣) ساقط من (ز).
(٤) في (ج) و(ل): "قول".
(٥) في "تفسيره" (١٢).
(٦) في (ج) و(ل): (عن)! وهو خطأ واضح.
(٧) كذا في (ز) و(ك) و(ن) و(ى)، ووقع في (هـ): "ورواه غيره عن أبي معمر" وهو خطأ.
(٨) كذا نقله المصنف عن "تفسير ابن أبي حاتم"، وسبق قلمه في نقل النص فقد أخرجه ابن أبي حاتم (١٣) قال: وحدثنا به الأشج فقال: ثنا حفص، وخالفه فيه، فقال فيه: قال عمر لعلي ﵄ وأصحابه عنده: لا إله إلا الله والحمد لله والله أكبر قد عرفناها؟ فما: "سبحان الله؟ " فقال علي، كلمة أحبها لنفسه ورضيها لنفسه، وأحب أن تقال. وكذا رواه ابن أبي حاتم (٣٤٧) بذات السند في تفسير قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ [البقرة: ٣٢] فأنت ترى أن عمر سأل عن معنى "سبحان الله" بينما ابن كثير نقل أن عمر سأل عن معنى "الحمد لله" وفي سنده هذا الأثر أو ذاك ضعف؛ لأجل الحجاج وهو ابن أرطاة.
(٩) في "تفسيره" (٨) قال: حدثنا أبي، ثنا أبو معمر المنقري، ثنا عبد الوارث، ثنا علي بن زيد بن جدعان بسنده سواء وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ١١) لابن جرير وابن المنذر وسنده ضعيف لأجل علي بن زيد.
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٩)؛ وابن جرير (١٥١) من طريق أبي كريب محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، ثنا بشر بن عمارة بسنده سواء وسنده ضعيف جدًّا لوهاء بشر بن عمارة والانقطاع بين الضحاك وابن عباس. وقد تقدم هذا الإسناد.
[ ١ / ١٩٤ ]
عن ابن عباس - أنه قال: الحمد لله هو الشكر لله، والاستخذاء له، والإقرار له بنعمته وهدايته وابتدائه وغير ذلك.
وقال كعب (^١) الأحبار: الحمد لله ثناء الله. وقال الضحاك (^٢): الحمد لله رداء الرحمن وقد ورد الحديث بنحو ذلك.
قال ابن (^٣) جرير: حدثنا سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير، وكانت له صحبة، قال: قال (النبي) (^٤) ﷺ: "إذا قلت: الحمد لله رب العالمين فقد شكرت الله فزادك".
وقد روى الإمام أحمد (^٥) بن حنبل: حدثنا روح، حدثنا عوف، عن الحسن، عن الأسود بن
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٥٣)؛ وابن أبي حاتم (١٠) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن السلولي، عن كعب. وسنده صحيح، وتكلم الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر ﵀ في رواية كعب الأحبار وقوله، وأسقطه كله، فلو أنه تحفظ قليلًا؟!!
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١١) من طريق بزيع أبي حازم، عن يحيى بن عبد الرحمن أبي بسطام، عن الضحاك بن مزاحم. وسنده ضعيف، وبزيع ضعفه ابن معين والنسائي وكان أبو نعيم الفضل يتكلم فيه، ويحيى بن عبد الرحمن قال أبو حاتم: "ليس بالقوى".
(٣) أخرجه ابن جرير (١٥٢) وسنده ضعيف جدًّا وله علل: الأولى: عنعنه. بقية بن الوليد، فينبغي أن يصرح في كل طبقات السند؛ لأنه كان يدلس تدليس التسوية. والثانية: عيسى بن إبراهيم: هو ابن طهمان تركه النسائي وأبو حاتم. وقال البخاري: "منكر الحديث". الثالثة: ضعف موسى بن أبي حبيب، ضعفه أبو حاتم. الرابعة: قال الذهبي في "الميزان" (٤/ ٢٠٢): "وله، يعني لموسى هذا، عن الحكم بن عمير رجل قيل: له صحبة، والذي أرى أنه لم يلقه، وموسى مع ضعفه متأخر عن لقي صحابي كبير، وإنما أعرف له رواية عن علي بن الحسين. . ." وبالجملة فالحديث ضعيف جدًّا.
(٤) في (ن): "رسول الله".
(٥) في "المسند" (٣/ ٤٣٥). وأخرجه النسائي في "النعوت" (٤/ ٤١٦ - السنن الكبرى)؛ والبخاري في "الأدب المفرد" (٨٥٩)؛ وابن سعد (٧/ ٤٢)؛ وابن منده في "التوحيد" (٧٥٤، ٧٥٥)؛ وأبو أحمد الحاكم في "الكنى" (ج ١٧/ ق ٢٩٧/ ١)؛ وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١١٥٩)؛ وابن جرير في "تفسيره" (١٥٤)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ١/ رقم ٨٢٠ - ٨٢٥، ٨٣٦)؛ والسهمي في "تاريخ جرجان" (ص ٤١٣)؛ وأبو نعيم في "المعرفة" (٨٩٧)؛ والطحاوي في "شرح المعاني" (٤/ ٢٩٨)؛ وابن قانع في "معجم الصحابة" (ج ١/ ٤/ ١)؛ والبيهقي في "الشعب" (ج ٨/ رقم ٤٠٥٧)؛ وابن عدي في "الكامل" (٥/ ١٧٦٣)؛ وأبو محمد الجوهري في "حديث أبي الفضل الزهري" (ج ٦/ ق ١٠١/ ١)؛ والحاكم (٣/ ٦١٤)؛ والمحاملي في "الآمالي" (ق ٧٨/ ٢)؛ والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٠٨٢)؛ وعبد الغني المقدسي في "أحاديث الشعر" (٣٠) من طرق كثيرة عن الحسن، عن الأسود بن سريع فذكره. قال الحاكم: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي! وليس كما قالا فقد قال علي ابن المديني وأبو داود والبزار وعباس الدوري وابن منده: "لا يصح سماع الحسن من الأسود" قال ابن المديني: "الأسود بن سريع قتل أيام الجمل، وإنما قدم الحسن البصرة بعد ذلك". قال الحافظ في "التهذيب" (١/ ٣٣٩) بعد ذكر أشياء: "وكل هذا يدل على أن الحسن وأقرانه لم يلحقوه". قلت: ولكن قال البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ١/ ٤٤٥): "وقال لنا مسلم: حدثنا السري بن يحيى، حدثنا الحسن، حدثنا الأسود بن سريع أنه غزا مع النبي ﷺ أربع غزوات".=
[ ١ / ١٩٥ ]
سريع؛ قال: قلت: يا رسول الله؛ ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي ﵎؟ فقال: "أما إن ربك يحب الحمد".
ورواه النسائي عن علي بن حجر، عن ابن علية، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، به. (أبو عيسى الحافظ) (^١) الترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث موسى بن إبراهيم بن كثير، عن طلحة بن خراش، عن جابر بن (^٢) عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله".
وقال الترمذي: "حسن غريب".
[وروى ابن ماجه (^٣)، عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: قال] (^٤) [رسول الله ﷺ: "ما أنعم الله على عبد نعمةً، فقال الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضل ما أخذ".
وقال القرطبي في "تفسيره" (^٥): وفي "نوادر الأصول"، عن أنس (^٦)] (^٧) [عن النبي ﷺ] (^٨)،
_________________
(١) = وهذا سند صحيح يثبت سماع الحسن من الأسود في الجملة ولكن الحسن مدلس فنحتاج إلى تصريحه بالسماع، ولم يتفرد به الحسن، فتابعه عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن الأسود بن سريع قال: قدمت على نبي الله ﷺ فذكره وفيه: "فجعلت أنشده فدخل رجل طوال أقنى، فقال لي: "أمسك" فلما خرج قال: "هات" فجعلت أنشده، فلم ألبث أن عاد! فقال لي: "أمسك" فلما خرج قال: "هات" فقلت: من هذا يا نبي الله الذي دخل قلت: "أمسك" وإذا خرج قلت: "هات"؟ قال: "هذا عمر بن الخطاب، وليس من الباطل في شيء".
(٢) من (ن).
(٣) أخرجه الترمذي (٣٣٨٣)؛ والنسائي في "اليوم والليلة" (٨٣١)؛ وابن ماجه (٣٨٠٠)؛ وابن حبان (٢٣٢٦ - موارد)؛ والخرائطي في "فضيلة الشكر" (٧)؛ وابن أبي الدنيا في "الشكر" (١٠٢)؛ والحاكم (١/ ٤٩٨، ٥٠٣)؛ والطبراني في "الدعاء" (١٤٨٣)؛ وابن عبد البر في "التمهيد" (٦/ ٤٢، ٤٣)؛ والبيهقي في "الشعب" (ج ٨/ رقم ٤٠٦١)؛ وفي "الأسماء والصفات" (١/ ١٧٩)؛ وفي "الدعوات الكبير" (١١٧)؛ والأصبهاني في "الترغيب" (٢٤٨١)؛ والبغوي في "شرح السنة" (٥/ ٤٩) وفي "تفسيره" (٤/ ١٥٥)؛ والشجري في "الأمالي" (١/ ١٣) من طرق عن موسى بن إبراهيم الأنصاري بسنده سواء. وحسنه الترمذي كما رأيت وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وقد تفرد به موسى بن إبراهيم هذا، ولم يوثقه إلا ابن حبان (٧/ ٤٤٩) ورغم ذلك قال: "كان ممن يخطئ" وتسامح الحافظ فقال في "التقريب": "صدوق يخطئ" فمثل هذا الراوي المقل في روايته إذا غمزه ابن حبان مع تسامحه، فلا ينبغي تحسين حديثه إلا بالشواهد المجدية. فالصواب أن سنده ضعيف، ولعل الترمذي حسنه لوجود شواهد. والله أعلم.
(٤) أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٥)؛ والخرائطي في "فضيلة الشكر" (١)؛ وابن السني في "اليوم والليلة" (٣٥٦)؛ والطبراني في "الأوسط" (١٣٧٩)؛ والبيهقي في "الشعب" (ج ٨/ رقم ٤٠٩١)؛ والضياء في "المختارة" (٢١٩٤، ٢١٩٥، ٢١٩٦) من طرق عن الضحاك بن مخلد أبي عاصم، عن شبيب بن بشر، عن أنس بن مالك مرفوعًا فذكره. قال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن شبيب إلا أبو عاصم". وقال البوصيري في "زوائد ابن ماجه" (١٩٢/ ٣): "هذا إسناد حسن، شبيب بن بشر مختلف فيه". وقال الضياء: "رواه أبو مسلم الكشي عن أبي عاصم فلم يرفعه".
(٥) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى).
(٦) "تفسير القرطبي" (١/ ١٣١).
(٧) وأخرجه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٥/ ٢٧٦/ ٢) بسند مظلم. وانظر: "الضعيفة" (٨٧٥) لشيخنا أبي عبد الرحمن الألباني ﵀.
(٨) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي).
(٩) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي).
[ ١ / ١٩٦ ]
[قال: "لو أن الدنيا بحذافيرها في يد رجل من أمتي، ثم قال: الحمد لله، لكان الحمد لله أفضل من ذلك". قال القرطبي (^١) وغيره: أي لكان إلهامه الحمد لله أكبر نعمةً عليه من نعم الدنيا؛ لأن ثواب الحمد لا يفنى، ونعيم الدنيا لا يبقى؛ قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف].
وفي "سنن ابن ماجه" (^٢)، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ حدثهم أن "عبدًا من عباد الله قال: يا رب؛ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، فعضلت بالملكين، فلم يدريا كيف يكتبانها، فصعدا إلى الله، فقالا: يا ربنا، إن عبدًا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها. قال الله - وهو أعلم بما قال عبده: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا رب، إنه قال: لك الحمد يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فقال الله لهما: "اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها"".
وحكى القرطبي (^٣) عن طائفة أنهم قالوا: قول العبد: الحمد لله رب العالمين أفضل من قوله: لا إله إلا الله، لاشتمال: "الحمد لله رب] (^٤) [العالمين" على التوحيد مع الحمد] (^٥).
[وقال آخرون: لا إله إلا الله أفضل؛ لأنها (الفصل) (^٦) بين الإيمان والكفر، وعليها يقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، كما ثبت في الحديث "المتفق عليه" (^٧).
وفي الحديث (^٨) الآخر] (^٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) "تفسير القرطبي" (١/ ١٣١).
(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٨٠١)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ١٢/ رقم ١٣٢٩٧)؛ والبيهقي في "الشعب" (ج ٨/ رقم ٤٠٧٧) من طريق إبراهيم بن المنذر حدثني صدقة بن بشير قال: سمعت قدامة بن إبراهيم الجمحي يحدث عن عبد الله بن عمر فذكره مرفوعًا. قال البوصيري في "الزوائد" (١٩١/ ٣): "هذا إسناد فيه مقال، قدامة بن إبراهيم ذكره ابن حبان في "الثقات"، وصدقه بن بشير لم أر من جرحه ولا من وثقه وباقي رجال الإسناد ثقات، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" من هذا الوجه". اهـ. قلت: فالإسناد ضعيف، ولم أجده عند أحمد، ولم يذكره الحافظ في "أطراف المسند". فالله أعلم.
(٣) في "تفسيره" (١/ ١٣٢).
(٤) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى).
(٥) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ى).
(٦) كذا في (ج) و(ل) وفي (ن): "التفصيل"!
(٧) أخرجه البخاري (٣/ ٢٦٢ و١٢/ ٢٧٥ و١٣/ ٢٥٠)؛ ومسلم (٢٠/ ٣٢، ٢١/ ٣٣، ٣٤، ٣٥).
(٨) أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٥٩٩ - ١٦٠٠)؛ والبيهقي في "الشعب" (ج ٨/ رقم ٣٧٧٨) من طريق عبد الرحمن بن يحيى المدني، عن مالك، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل قولي وقول الأنبياء قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير". قلت: كذا روى عبد الرحمن بن يحيى عن مالك ووهم عليه قال ابن عدي: "حدث عن الثقات بالمناكير". وقال العقيلي: "مجهول لا يقيم الحديث من جهته" وصرح بغلطه ابن عبد البر في "التمهيد" (٦/ ٣٩)؛ والبيهقي في "السنن" (٥/ ١١٧) وفي "الشعب" وقال: "هكذا رواه عبد الرحمن بن يحيى وغلط فيه إنما رواه مالك في "الموطأ" مرسلًا". وقال ابن عدي: "هذا منكر عن مالك .. لا يرويه غير عبد الرحمن هذا، وعبد الرحمن غير معروف". وقال ابن عبد البر: "لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث، ولا أحفظه بهذا الإسناد مسندًا من=
[ ١ / ١٩٧ ]
[في "السنن" (^١): "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له".
وقد تقدم عن جابر مرفوعًا "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله" وحسنه الترمذي] (^٢).
والألف واللام في "الحمد" لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه لله تعالى، كما جاء في الحديث (^٣): "اللهم لك (الحمد كله، ولك الملك كله) (^٤)، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله". الحديث.
والرب: هو المالك المتصرف. ويطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح؛ وكل
_________________
(١) = وجه يحتج بمثله". فقد رواه يحيى بن يحيى وأبو مصعب أحمد بن أبي بكر ويحيى بن بكير وعبد الرزاق ومطرف بن عبد الله جماعتهم عن مالك وهو في "الموطأ" (١/ ٢١٤، ٢١٥/ ٣٢ و١/ ٤٢٢/ ٢٤٦) عن زياد بن أبي زياد مولى ابن عياش، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن النبي ﷺ قال: "أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له". وأخرجه من طريق مالك عبد الرزاق في "المصنف" (ج ٤/ رقم ٨١٢٥): والمحاملي في "الدعاء" (٦٣)؛ والبيهقي في "الكبرى" (٥/ ١١٧) وفي "فضائل الأوقات" (١٩١) وفي "الدعوات الكبير"، كما في "إتحاف السادة" (٤/ ٣٧٣)؛ والبغوي في "شرح السنة" (٧/ ١٥٧) وقال البيهقي: "هذا مرسل حسن" وله شاهد عن علي بن أبي طالب مرفوعًا مثله أخرجه الطبراني في "الدعاء" (٨٧٤) وفي "فضل عشر ذي الحجة" (١٣/ ٢) بسند قال فيه الترمذي (٣٥٢٠): "ليس إسناده بالقوي" وشاهد آخر عن عبد الله بن عمرو أخرجه الترمذي (٣٥٨٥)؛ وأحمد (٦٩٦١)؛ والمحاملي في "الدعاء" (٦٤)؛ والبيهقي في "فضائل الأوقات" (١٩٢) بإسناد ضعيف وشاهد ثالث عن ابن عمر أخرجه العقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٤٦٢)؛ والطبراني في "الدعاء" (٨٧٥) وفي "كتاب المناسك" كما في "الإتحاف" (٤/ ٣٧٣) بسند فيه الفرج بن فضالة وهو منكر الحديث. وله شاهد رابع من مرسل المطلب بن عبد الله بن حنطب. أخرجه الأصبهاني في "الترغيب" (٢٤٨٢) وهو مرسل حسن الإسناد، فالحديث محتمل للتحسين بهذا المرسل، ومرسل طلحة بن عبيد الله بن كريز، بفتح الكاف، والله أعلم.
(٢) ساقط من (ن) وفي قوله: "السنن" تساهل إذ لم يخرجه إلا الترمذي كما مر بك.
(٣) ساقط من (ز) و(ع) و(ك) و(هـ) و(ي).
(٤) أخرجه البيهقي في "الشعب" (ج ٨/ رقم ٤٠٨٨) من طريق خالد بن يزيد، حدثنا ابن أبي ذئب عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أن رجلًا قال للنبي ﷺ: أي الدعاء خير أدعو به في صلاتي؟ قال: نزل جبريل ﵇ فقال: "إن خير الدعاء أن تقول في الصلاة: اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، ولك الخلق كله، وإليك يرجع الأمر كله، أسألك من الخير كله، وأعوذ بك من الشر كله". ونقل البيهقي عن الحاكم أنه قال: "تفرد به خالد بن يزيد العمري، عن ابن أبي ذئب". قلت: وسنده ضعيف جدًّا، وخالد بن يزيد كذبه أبو حاتم وقال البخاري: "ذاهب الحديث" وقال ابن حبان: "منكر الحديث، يروى الموضوعات عن الثقات" وله شاهد من حديث سعد بن أبي وقاص أن أعرابيًّا قال للنبي ﷺ: علمني دعاءً لعل الله أن ينفعني به قال: "قل: اللهم لك الحمد كله، وإليك يرجع الأمر كله". أخرجه البيهقي في "الشعب" (٤٠٨٧) وسنده مقارب. والله أعلم.
(٥) في (ج) و(ل): "الملك كله، والحمد كله".
[ ١ / ١٩٨ ]
ذلك صحيح في حق الله تعالى، [ولا يستعمل الرب لغير الله، بل بالإضافة؛ تقول: رب الدار ورب كذا. وأما الرب فلا يقال إلا لله ﷿، وقد قيل: إنه الاسم الأعظم] (^١).
والعالمين: جمع عالم، [وهو كل موجود سوى الله ﷿] (^١).
والعالم: جمع لا واحد له من لفظه. والعوالم أصناف المخلوقات في السماوات وفي البر والبحر، وكل قرن منها وجيل يسمى عالمًا أيضًا.
وقال بشر بن عمارة (^٢)، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: "الحمد لله رب العالمين": الحمد لله الذي له الخلق كله: السماوات (والأرضون) (^٣) (ومن فيهن) (^٤) وما بينهن مما نعلم ومما لا نعلم.
وفي رواية سعيد بن (^٥) جبير، وعكرمة (^٦)، عن ابن عباس: رب الجن والإنس. وكذلك قال سعيد (^٧) بن جبير، ومجاهد (^٨)، وابن جريج (^٩)، وروي عن علي نحوه. (قال) (^١٠) ابن أبي حاتم،
_________________
(١) ساقط من (ز).
(٢) أخرجه ابن جرير (١٥٦)؛ وابن أبي حاتم (١٤) من طريق أبي كريب محمد بن العلاء، حدثنا عثمان بن سعيد الزيات، ثنا بشر بن عمارة بسنده. وسنده ضعيف جدًّا، ومرّ الكلام عليه.
(٣) في (ن): "الأرض".
(٤) ساقط من (هـ) ووقع في (ن): "وما فيهن".
(٥) رواية سعيد بن جبير: أخرجها ابن جرير (١٥٨)؛ وابن أبي حاتم (١٨)؛ والحاكم (٢/ ٢٥٨) من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره وسنده صحيح وعطاء بن السائب وإن كان اختلط فقط رواه عنه سفيان الثوري عند الحاكم وسمع منه قديمًا، وقد أردف الحاكم هذا الأثر بقوله: "ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديث مسند" وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ١٣) للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وزعم أن ابن أبي حاتم صححه! ونسب الشوكاني في "فتح القدير" (١/ ٢١) التصحيح إلى الحاكم وهو أقرب وإن لم أر تصحيحه في "المستدرك" فلعله سقط منه فإنه كثير السقط والتحريف.
(٦) ورواية عكرمة: أخرجها ابن جرير (١٥٧) من طريق الضحاك بن مخلد، عن شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله ورجاله ثقات إلا شبيب بن بشر فمختلف فيه فوثقه ابن معين وابن شاهين ولينه أبو حاتم وغمزه ابن حبان وضعفه ابن الجوزي.
(٧) أخرجه ابن جرير (١٥٩، ١٦٠) من طريق عطاء بن السائب وعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير، ورواية عمرو بن دينار فيها زيادة والأثر حسن بمجموع الطريقين. والله أعلم.
(٨) أخرجه ابن جرير (١٦١) قال: حدثني محمد بن حميد، قال: حدثنا مهران، عن سفيان، عن مجاهد فذكره. وسنده ضعيف جدًّا. وابن حميد الرازي واهٍ، ومهران هو ابن أبي عمر في روايته عن الثوري اضطراب وقد خالفه أبو أحمد الزبيري فرواه عن الثوري، عن رجل، عن مجاهد أخرجه ابن جرير (١٦٢) قال: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، ثنا أبو أحمد الزبيري وهذه الرواية أولى من الأولى مع ضعف سندها، فإن الثوري لم يسمع من مجاهد شيئًا؛ لأن الثوري ولد سنة (٩٧) ومات مجاهد سنة (١٠٠) أو بعدها بقليل كما قال الشيخ أحمد شاكر وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ١٣) لعبد بن حميد.
(٩) أخرجه ابن جرير (١٦٥) من طريق الحسين بن داود قال: حدثنا حجاج، عن ابن جريج به وسنده جيد، والحسين هو "سنيد" وسماعه من حجاج الأعور صحيح كما بين ذلك الشيخ العلامة ذهبي العصر المعلمي اليماني ﵀ في "التنكيل" (١/ ٢٢٦، ٢٢٧).
(١٠) في (ج) و(ز): "قاله".
[ ١ / ١٩٩ ]
بإسناد لا يُعتمد عليه [واستدل القرطبي لهذا القول بقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وهم الجن والإنس. قال الفراء، وأبو عبيدة: العالم عبارة عما يعقل، وهم الإنس والجن، والملائكة، والشياطين؛ ولا يقال للبهائم عالم] (^١).
[وعن زيد بن أسلم (وأبي عمرو بن العلاء) (^٢)، (وأبى محيصن) (^٣): العالم كل ما له روح ترفرف] (^٤).
وقال قتادة (^٥): رب العالمين: كل صنف عالم [وقال الحافظ (ابن عساكر) (^٦) في "ترجمة مروان بن الحكم" (^٧)، وهو (أحد) (^٨) خلفاء بني أمية، وهو يعرف (بالجعدي) (^٩) ويلقب بالحمار: أنه قال: خلق الله سبعة عشر ألف عالم؛ أهل السماوات وأهل الأرض عالم واحد، وسائرهم لا يعلمهم إلا الله ﷿] (^١٠).
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية -في قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ - قال: الإنس عالم، والجن عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف، أو أربعة عشر ألف عالم -هو يشك- الملائكة على الأرض، وللأرض أربع زوايا، في كل زاوية ثلاثة آلاف عالم وخمسمائة عالم، خلقهم الله لعبادته رواه ابن (^١١) جرير، وابن أبي حاتم.
[وهذا كلام غريب يحتاج مثله إلى دليل صحيح] (^١٢).
وقال ابن أبي (^١٣) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الفرات - يعني ابن الوليد، عن (مغيث) (^١٤) بن سمي عن تبيع -يعني الحميري- في قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: العالمين ألف أمة، فستمائة في البحر وأربعمائة في البر.
[وحكى مثله عن سعيد بن المسيب] (^١٥).
وقد روى نحو هذا مرفوعًا، كما قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى في "مسنده" (^١٦): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد، حدثني محمد بن
_________________
(١) ساقط من (ز) و(ع).
(٢) من (ج) و(ك) و(ل).
(٣) من (ن) و(هـ) و(ى).
(٤) ساقط من (ز).
(٥) أخرجه ابن جرير (١٦٣) بسند صحيح.
(٦) ساقط من (ن).
(٧) في "تاريخ دمشق" (ج ١٦/ ل ٣٣٨ - ٣٦٣).
(٨) كذا في (ن) و(هـ) و(ى) ووقع في (ج) و(ل): "آخر" وهو خطأ.
(٩) في (ن): "الجعد".
(١٠) ساقط من (ز) و(ع) و(ك).
(١١) أخرجه ابن جرير (١٦٤)؛ وابن أبي حاتم (١٥) وسنده جيد.
(١٢) ساقط من (ز) و(ى).
(١٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٦)؛ وأبو الشيخ في "العظمة" (٩٤٥) من طريق أبي حاتم الرازي بسنده سواء ورجاله ثقات إلا فرات بن الوليد فلم أجد له ترجمة، ولعله "فرات الجبيلي" المترجم في "تاريخ دمشق" (ج ١٤/ ل ٢٠٤) لابن عساكر فقد ذكر أن الوليد بن مسلم روى عنه والله أعلم وسقط ذكره في "مختصر تاريخ دمشق" (٢٠/ ٢٦١) لابن منظور.
(١٤) في (ز) و(ك): "معتب"! وهو خطأ ظاهر.
(١٥) ساقط من (ز) و(ى).
(١٦) لم أجده في "مسنده" المطبوع، فلعله في "المسند الكبير" وقد نسبه لأبي يعلى: السيوطي في "الدر المنثور"=
[ ١ / ٢٠٠ ]
عيسى بن كيسان، حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله؛ قال: قل الجراد في سنة من سني عمر التي وُلي فيها، فسأل عنه فلم يخبر بشيء، فاغتم لذلك، فأرسل راكبًا يضرب إلى كدا (^١)، وآخر إلى الشام، وآخر إلى العراق، يسأل: هل رؤى من الجراد شيء أم لا؟ قال: فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من جراد، فألقاها بين يديه؛ فلما رآها كبر، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خلق الله ألف أمة؛ ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر؛ فأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد؛ فإذا هلك تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه". محمد بن عيسى هذا وهو الهلالي، ضعيف (^٢).
[وحكى البغوي (^٣)، عن سعيد بن المسيب -أنه قال: لله ألف عالم: ستمائة في البحر وأربعمائة في البر. وقال وهب (^٤) بن منبه: لله ثمانية عشر ألف عالم؛ الدنيا عالم منها. وقال مقاتل: العوالم ثمانون ألفًا. وقال كعب الأحبار: لا يعلم عدد العوالم إلا الله ﷿- (نقله كله البغوي) (^٥).
وحكى القرطبي (^٦) عن أبي سعيد الخدري أنه قال: إن لله أربعين ألف عالم، الدنيا من شرقها إلى مغربها عالم واحد منها.
وقال الزجاج: العالم: (كل ما خلق الله) (^٧) في الدنيا والآخرة] (^٨).
_________________
(١) = (١/ ١٣)، وفي "اللآلئ المصنوعة" (١/ ٨١)؛ والحافظ في "المطالب العالية" (٢٣٣٩)؛ وأخرجه ابن أبي عاصم في "الأوائل" (ق ١٣/ ١، ٢)؛ وابن عدي في "الكامل" (٥/ ١٩٩٠، ٦/ ٢٢٤٨)؛ ونعيم بن حماد في "الفتن" (٦٧٤)؛ وابن حبان في "المجروحين" (٢/ ٢٥٦، ٢٥٧)؛ والدولابي في "الكنى" (٢/ ٢٥)؛ وأبو الشيخ في "العظمة" (٩٣٨)؛ والحكيم الترمذي في "النوادر"، كما في "تنزيه الشريعة" (١/ ١٩٠)؛ والبيهقي في "الشعب" (ج ٧/ رقم ١٠١٣٢ - ١٠١٣٥)؛ والخطيب في "تاريخه" (١١/ ٢١٧، ٢١٨) من طريق عبيد بن واقد بسنده سواء. ووقع عند الخطيب: "جابر عن ابن عمر" وأرى أن ذكر "ابن عمر" خطأ في الإسناد وهذا حديث باطل، قال ابن حبان: "موضوع لا شك فيه" وكذلك قال ابن الجوزي، ومحمد بن عيسى ذاهب الحديث تالف.
(٢) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ى): وكذلك وقع في "المجروحين" من رواية أبي يعلى. ووقع في (ز) و(ن): "اليمن" وكذا وقع في "المطالب" وعند البيهقىِّ والخطيب وابن عدي فكأن قوله: "اليمن" تفسير لهذا الإبهام، ووقع في "الدر المنثور": "كداء" فإن صح هذا فلعله يفسر ما في (ع) فقد رسمت الكلمة فيها هكذا "كدى" فلعله أراد "كدى" وهي مناخ من خرج من مكة يريد اليمن كما في "مراصد الاطلاع" (٣/ ١١٥١) وبهذا تجتمع الروايتان والله أعلم.
(٣) في هذا التضعيف تسامح، فالرجل ضعيف جدًّا كما يعلم من كلمات العلماء فيه.
(٤) في "تفسيره" (١/ ٤٠).
(٥) أخرجه أبو الشيخ في "العظمة" (٩٤٦)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٧٠) من طريق عبد المنعم بن إدريس وحماد بن سلمة، عن إدريس بن سنان، عن وهب بن منبه. وسنده ضعيف أو واهٍ وإدريس بن سنان ضعفه ابن عدي وتركه الدارقطني، وقال ابن معين: "يكتب من حديثه الرقاق" وهذا تضعيف له.
(٦) من (ج) و(ل) و(ى).
(٧) في "تفسيره" (١/ ١٣٨).
(٨) كذا في (ن). وفي (ى): "ما خلقه" وكذلك في (ج) ولكنه لم يذكر لفظ الجلالة. وفي (ك): "العالم كلما خلقه في الدنيا. . ."! وفي (ل): "العالم كلما خلقه الله"!!
(٩) ساقط من (ز) و(هـ).
[ ١ / ٢٠١ ]
[قال القرطبي (^١): وهذا هو الصحيح أنه شامل لكل العالمين؛ كقوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾ [الشعراء].
والعالم: مشتق من العلامة. قلت: لأنه علم دال على وجود خالقه وصانعه ووحدانيته؛ كما قال ابن المعتز:
فيا عجبًا كيف يعصى الإلـ … ـه أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد] (^٢)
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾.
وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ تقدم الكلام عليه في البسملة بما أغنى عن الإعادة.
[قال القرطبي (^١): إنما وصف نفسه بالرحمن الرحيم بعد قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب؛ كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥] قال: فالرب فيه ترهيب، والرحمن الرحيم ترغيب] (^٣).
[وفي "صحيح مسلم" (^٤)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد"] (^٥).
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾.
قرأ بعض القراء: "مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ" وقرأ آخرون ﴿مَالِكِ﴾ وكلاهما صحيح متواتر في السبع [ويقال: "مَلِكِ" (^٦) - بكسر اللام وبإسكانها، ويقال: "مليك" أيضًا، وأشبع نافع كسرة الكاف؛ فقرأ "ملكي يوم الدين". وقد رجح كلًّا من القرائتين مرجحون من حيث المعنى، وكلاهما (صحيحة) (^٧) حسنة. ورجح الزمخشري (^٨): "ملك"؛ لأنها قراءة أهل الحرمين؛ ولقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] وقوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ [الأنعام: ٧٣].
وحُكي عن أبي حنيفة أنه قرأ "مَلَك يوم الدين" عن أنه فعل وفاعل ومفعول وهذا شاذ غريب جدًّا" (^٥).
وقد روى أبو بكر بن أبي داود (^٩) في ذلك شيئًا غريبًا حيث قال: حدثنا أبو عبد الرحمن
_________________
(١) في "تفسيره" (١/ ١٣٩).
(٢) ساقط من (ز) و(هـ).
(٣) ساقط من (ز) و(هـ).
(٤) أخرجه مسلم (٢٧٥٥/ ٢٣) من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا. وأخرجه البخاري (١١/ ٣٠١) من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة وفيه زيادة.
(٥) ساقط من (ز) و(هـ).
(٦) في "الكشاف" (١/ ٧).
(٧) وقع في (ن): "مالك" وهو تحريف.
(٨) في (ك): "صحيح"!
(٩) في "المصاحف" (ص ٩٣).
[ ١ / ٢٠٢ ]
(الأذرمي) (^١)، حدثنا عبد الوهاب (عن) (^٢) عدي بن الفضل، عن أبي المطرف، عن ابن شهاب (^٣) - أنه بلغه أن رسول الله ﷺ وأبا بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية وابنه يزيد بن معاوية، كانوا يقرؤون ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ قال ابن شهاب: وأول من أحدث "ملك" مروان.
قلت: مروان عنده علم بصحة ما قرأه، لم يطلع عليه ابن شهاب. والله أعلم.
وقد روى من طرق (^٤) متعددة أوردها مردويه أن رسول الله ﷺ كان يقرؤها ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ ومالك مأخوذ من المُلْك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾ [مريم]. وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢)﴾ [الناس] و"ملك" مأخوذ من الملك. كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، وقال: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ (^٥) [الفرقان].
وتخصيص المُلْك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه؛ لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين؛ لأنه لا يدعى أحد هنالك شيئًا، ولا يتكلم أحد إلا بإذنه، كما قال (تعالى) (^٦): ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾ [النبأ] وقال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾ [هود].
وقال الضحاك (^٧) عن ابن عباس: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ يقول: لا يملك أحد في ذلك
_________________
(١) وقع في (ل) و(ن): "الأزدي"! وهو تصحيف.
(٢) وقع في جميع "الأصول": "ابن" وهو تصحيف.
(٣) وسنده ضعيف جدًّا، وهو مع إرساله أو إعضاله، فإن عدي بن الفضل ساقط، لكنه توبع تابعه عبد الوارث بن سعيد ووهيب بن خالد، وهارون الأعور ثلاثتهم عن أبي المطرف طلحة بن عبيد الله بن كريز، بفتح الكاف، عن الزهري أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يقرؤون "مالك". ولم يذكر "عثمان" في رواية عبد الوارث. أخرجه أبو عمر الدوري في "جزء فيه قراءات النبي ﷺ" (٤، ٥، ٦) وأخرجه الدوري (٨) قال: حدثنا عفان، ثنا خالد بن يزيد، عن شيخ يكنى أبا مطرف، أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر ومعاوية قرأوا "مالك" وأول من قرأها "ملك" مروان. وأخرجه أبو داود (٤٠٠٠) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال معمر: وربما ذكر ابن المسيب، فساقه مثله.
(٤) ومدارها على الزهري، واختلف عليه فيه اختلافًا كثيرًا، فمرة يروونه عنه عن أنس ومرة عنه عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، ومرة عنه عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ومرة عنه عن سعيد بن المسيب مرسلًا، وتارة يروونه عنه معضلًا أو مرسلًا، والحديث لا يصح من جميع وجوهه وقد فصلتها في "التسلية" والحمد لله.
(٥) من (ن) و(هـ).
(٦) أخرجه ابن جرير (١٦٦)؛ وابن أبي حاتم (٢٤) من طريق أبي كريب، ثنا عثمان بن سعيد الزيات، ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق عن الضحاك، عن ابن عباس فذكره. وسنده ضعيف جدًّا، وبشر بن عمارة واهٍ. والضحاك لم يسمع من ابن عباس ومرّ الكلام عليه.
(٧) أخرجه ابن جرير (١٦٦)؛ وابن أبي حاتم (٢٤) من طريق أبي كريب، ثنا عثمان بن سعيد الزيات، ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق عن الضحاك، عن ابن عباس فذكره. وسنده ضعيف جدًّا، وبشر بن عمارة واهٍ. والضحاك لم يسمع من ابن عباس ومرّ الكلام عليه.
[ ١ / ٢٠٣ ]
اليوم معه (^١) حكمًا، كملكهم في الدنيا؛ قال: ويوم الدين: يوم الحساب للخلائق؛ وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، إلا من عفا عنه. وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف، وهو ظاهر.
وحكى ابن جرير عن بعضهم أنه ذهب إلى أن تفسير ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ أنه القادر على إقامته، ثم شرع يضعفه.
والظاهر أنه لا منافاة بين هذا القول وما تقدم، وأن كلًّا من القائلين (بهذا) (^٢) القول وبما قبله يعترف بصحة القول الآخر، ولا ينكره؛ ولكن السياق أدل على المعنى الأول من هذا كما قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ (وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا) (^٣)﴾ [الفرقان: ٢٦].
والقول الثاني يشبه قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الأنعام: ٧٣] والله أعلم.
[والملِكُ في الحقيقة هو الله ﷿، قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ. . .﴾ [الحشر: ٢٣].
وفي "الصحيحين" (^٤)] (^٥).
[عن أبي هريرة (﵁) (^٦) مرفوعًا: "أخنع اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك، ولا (مالك) (^٧) إلا الله (تعالى) (^٦) ".
"وفيهما" (^٨) عنه عن رسول الله ﷺ قال: "يقبض الله الأرض،] (^٩) [ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ".
وفي القرآن العظيم ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] فأما تسمية غيره في الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧] ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩] ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠]. وفي "الصحيحين" (^١٠): "مثل الملوك على الأسرة".
والدين: الجزاء والحساب كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٥] وقال: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات: ٥٣] أي: مجزيون محاسبون. وفى الحديث (^١١): "الكيس من دان نفسه، وعمل لما] (^١٢). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ساقط من (ك) ووقعت العبارة في (ن): "لا يملك أحد معه في ذلك. . . إلخ ".
(٢) في (ن): "لهذا".
(٣) زيادة من (ن).
(٤) أخرجه البخاري (١٠/ ٥٨٨)؛ ومسلم (٢١٤٣/ ٢٠).
(٥) ساقط من (ز).
(٦) من (ن).
(٧) كذا وقع في "ن" ووقع في سائر "الأصول": "ملك" وإنما أثبت ما في (ن)؛ لأنها الموافقة لما في "مسلم" و"البيهقي" في كتابيه فقد رواه كلاهما عن ابن أبي شيبة بلفظ: "مالك".
(٨) يعني: في "الصحيحين". فأخرجه البخاري (١١/ ٣٧٢، ١٣/ ٣٦٧)؛ ومسلم (٢٧٨٧/ ٢٣).
(٩) ساقط من (ز).
(١٠) أخرجه البخاري (٦/ ١٠ و١٢/ ٣٩١)؛ ومسلم (١٩١٢/ ١٦٠).
(١١) لكنه حديث ضعيف.
(١٢) ساقط من (ز).
[ ١ / ٢٠٤ ]
[بعد الموت"؛ أي: حاسب نفسه؛ كما قال عمر (^١) ﵁:] (^٢) ["حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر (على من لا تخفى عليه أعمالكم) (^٣) ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ [الحاقة].
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾.
قرأ السبعة والجمهور بتشديد الياء من ﴿إِيَّاكَ﴾ وقرأ عمرو بن فايد بتخفيها مع الكسر، وهي قراءة شاذة (مرذولة) (^٤)؛ لأن "إيا" ضوء الشمس. وقرأ بعضهم أياك - بفتح الهمزة وتشديد الياء. وقرأ بعضهم هياك؛ فالهاء بدل الهمزة، كما قال الشاعر:
فهياك والأمر الذي إن تراحبت (^٥) … موارده ضاقت عليك مصادره
و﴿نَسْتَعِينُ﴾ بفتح النون أول الكلمة في قراءة الجميع سوى يحيى بن وثاب، والأعمش، فإنهما كسراها؛ وهي لغة بني أسد وربيعة وبنى تميم (وقيس) (^٦)] (^٧).
والعبادة في اللغة من الذلة، يقال: طريق معبد، وبعير معبد؛ أي: مذلل.
وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف.
_________________
(١) = أخرجه الترمذي (٢٤٥٩) وحسنه؛ وابن ماجه (٤٢٦٠)؛ وأحمد (٤/ ١٢٤)؛ وفي "الزهد" (ص ٣٨)؛ وابن المبارك في "الزهد" (١٧١)؛ والطيالسي (١١٢٢)؛ وابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس" (١)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٧/ رقم ٧١٤٣)؛ وفي "مسند الشاميين" (١٤٨٥)؛ والحارث بن أبي أسامة في "مسنده"؛ والحاكم (١/ ٥٧ - ٤/ ٢٥١)؛ والبيهقي في "الكبرى" (٣/ ٣٦٩)؛ وفي "الشعب" (ج ٧/ رقم ١٠٥٤٦)؛ وفي "الآداب" (١١٣٠)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٦٧، ٢٦٨، ٨/ ١٧٤)؛ والعسكري في "الأمثال"؛ والخطيب في "تاريخه" (١٢/ ٥٠)؛ والبغوي في "شرح السنة" (١٤/ ٣٠٨، ٣٠٩)؛ والقضاعي في "مسند الشهاب" (١٨٥)؛ وأبو يعلى الفراء في "الأمالي" (ج ٦/ ق ٤١/ ١)؛ وابن الجوزي في "ذم الهوى" (ص ٣٦، ٣٧) من طريق أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب، عن شداد بن أوس مرفوعًا وتمامه: "والعاجز من أتبع نفسه هواها، ثم تمني على الله". قال الحاكم: "صحيح على شرط البخاري" فرده الذهبي بقوله: "لا والله! وأبو بكر واهٍ" وقال ابن طاهر: مدار هذا الحديث عليه وهو ضعيف جدًّا، كما في "إتحاف السادة" (٧/ ٤٤)، وقال ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٤٧٣): "ولأبي بكر بن أبي مريم غير ما ذكرت من الحديث والغالب على حديثه الغرائب، وقل ما يوافقه الثقات، وأحاديثه صالحة، وهو ممن لا يحتج بحديثه". ونقل الزبيدي في "إتحاف السادة" (٨/ ٤٢٨) عن أبي نعيم الأصبهاني أن للحديث طريقًا آخر وذكره فعلق الزبيدي قائلًا: وكأنه نظر إلى هذا الحاكم فصححه وتعقبه الذهبي بأن ابن أبي مريم واهٍ وكذا قال ابن طاهر: إن مداره على أبي بكر بن أبي مريم وهو ضعيف جدًّا وكأنهم لم يروا ما توبع عليه فتأمل". اهـ.
(٢) أخرجه الترمذي (٤/ ٦٣٨) معلقًا بصيغة التمريض ووصله ابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس" قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، قال: قال عمر بن الخطاب فذكره وفيه: "قبل أن توزنوا فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم .. " وأخرجه أبو الليث السمرقندي في "تنبيه الغافلين" (ص ٤٤٢، ٤٤٣) من طريق سفيان به. وهذا سند رجاله ثقات لكنه منقطع بين ثابت بن الحجاج وعمر بن الخطاب فلم يدركه.
(٣) ساقط من (ز).
(٤) من (ن) و(هـ) و(ى).
(٥) كذا في (ج) و(ل) و(هـ) و(ى) ووقع في (ك) و(ن): "مردودة".
(٦) في "تفسير القرطبي" (١/ ١٤٦): "توسعت".
(٧) من (ج) و(ل).
(٨) ساقط من (ز).
[ ١ / ٢٠٥ ]
وقدم المفعول، وهو "إياك"، وكرر؛ للاهتمام والحصر؛ أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك؛ وهذا هو كمال الطاعة.
والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين.
وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن وسرها هذه الكلمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله ﷿. وهذا المعنى في غير آية من القرآن، كما قال تعالي: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك: ٢٩] ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ [المزمل] وكذلك هذه الآية الكريمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾
وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو (مناسب) (^١)؛ لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى؛ فلهذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾.
وفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده بأن يثنوا عليه بذلك؛ ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك وهو قادر عليه، كما جاء في "الصحيحين" (^٢)، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
وفي "صحيح مسلم" (^٣) من حديث العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ: "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل؛ إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ قال الله: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة] قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل".
وقال الضحاك (^٤)، عن ابن عباس ﵄: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يعني: إياك نوحد ونخاف (ونرجو) (^٥) يا ربنا لا غيرك، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على طاعتك، وعلى أمورنا كلها.
وقال قتادة (^٦): ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يأمركم أن تخلصوا له العبادة، وأن تستعينوه على أموركم.
_________________
(١) في (ز) و(ع) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ى): "مناسبة".
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ٢٣٦، ٢٣٧)؛ ومسلم (٣٩٤/ ٣٤) وقد مضى تخريجه.
(٣) (٣٩٥/ ٣٩) ومضى تخريجه.
(٤) أخرجه ابن جرير (١٧١، ١٧٢)؛ وابن أبي حاتم (٢٧) من طريق أبي كريب، ثنا عثمان بن سعيد، ثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس. وسنده ضعيف جدًّا وتقدم مرارًا.
(٥) في (ن): "نرجوك".
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٢٨) من طريق مطر الوراق عن قتادة. وسنده لا بأس به ومطر الوراق كان أكبر أصحاب قتادة كما قال أبو حاتم، وقال ابن معين: "صالح" وضعفه غيره وروايته عن عطاء ضعيفة.
[ ١ / ٢٠٦ ]
وإنما قدم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأن العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والاهتمام والحزم تقديم ما هو الأهم فالأهم، والله أعلم.
[فإن قيل: فما معنى النون في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ فإن كانت للجمع فالداعي واحد، وإن كانت للتعظيم فلا يناسب هذا المقام؟] (^١).
[وقد أجيب بأن المراد من ذلك الإخبار عن جنس العباد، والمصلي فرد منهم، ولا سيما إن كان في جماعة أو إمامهم؛ فأخبر عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين بالعبادة التي خلقوا لأجلها، وتوسط لهم بخير.
ومنهم من قال: يجوز أن تكون للتعظيم، كأن العبد قيل له: إذا كنت داخل العبادة فأنت شريف وجاهك عريض؛ فقل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾.
وإن كنت خارج العبادة فلا تقل: نحن، ولا فعلنا، ولو كنت في مائة ألف، أو ألف ألف، (لافتقار الجميع إلى الله ﷿) (^٢).
ومنهم من قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ألطف في التواضع من "إياك (أعبد) (^٣) "؛ لما في الثاني من (تعظيمه) (^٤) نفسه من جعله نفسه وحده أهلًا لعبادة الله تعالى الذي لا يستطيع أحد أن يعبده حق عبادته، ولا يثني عليه كما يليق به؛ والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد، لانتسابه إلى جناب الله تعالى؛ كما قال بعضهم:] (^٥)
[لا تدعني إلا بيا عبدها … فإنه أشرف أسمائي
وقد سمى الله رسوله ﷺ بعبده في أشرف مقاماته؛ (فقال) (^٦): ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١] ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩] ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] فسماه: عبدًا عند إنزاله عليه، وقيامه في الدعوة، وإسرائه به، وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات يضيق صدره من تكذيب المخالفين حيث يقول: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر].
وقد حكى (فخر الدين) (^٧) (الرازي) (^٨) في "تفسيره" (^٩) عن بعضهم أن مقام العبودية أشرف من مقام الرسالة، لكون العبادة تصدر من الخلق إلى الحق، والرسالة من (الحق إلى الخلق) (^١٠)؛ قال: ولأن الله (يتولى) (^١١) مصالح عبده، والرسول (يتولى) (^١١) مصالح (أمته) (^١٢).
وهذا القول خطأ، والتوجيه أيضًا ضعيف لا حاصل له، ولم يتعرض] (^١٣) [له (فخر الدين) (^١٤)] (^١٥)
_________________
(١) ساقط من (ز).
(٢) وقع في (ن): "لاحتياج الجميع إلى الله ﷿ وفقرهم إليه".
(٣) في (ن): "عبدنا".
(٤) في (ن): "تعظيم".
(٥) ساقط من (ز).
(٦) من (ن) و(هـ) و(ى).
(٧) ساقط من (ن).
(٨) ساقط من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ى)
(٩) "تفسير الرازي" (١/ ٢٥٤).
(١٠) ساقط من (هـ).
(١١) في (ج) و(ل): "متولى".
(١٢) في (هـ) و(ى): "العبد" وهو سبق قلم.
(١٣) ساقط من (ز).
(١٤) ساقط من (ن).
(١٥) ساقط من (ز).
[ ١ / ٢٠٧ ]
[(الرازي) (^١) بتضعيف ولا رد.
وقال بعض الصوفية: العبادة إما لتحصيل ثواب (ورد) (^٢) عقاب؛ قالوا: وهذا ليس بطائل؛ (إذ مقصوده تحصيل مقصوده) (^٣) وإما (للتشرف) (^٤) بتكاليف الله تعالى؛ وهذا أيضًا عندهم ضعيف؛ بل العالي أن يعبد الله لذاته المقدسة الموصوفة بالكمال؛ قالوا: ولهذا يقول المصلي: أصلي لله، ولو كان لتحصيل الثواب (ودرء العذاب) (^٥) لبطلت (صلاته) (^٦).
وقد رد ذلك عليهم آخرون، وقالوا: كون العبادة لله ﷿ لا ينافي أن يطلب معها ثوابًا، ولا أن يدفع عذابًا، كما قال ذلك الأعرابي: أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ؛ إنما أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار؛ فقال النبي ﷺ: "حولها ندندن" (^٧)] (^٨).
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾.
[(قراءة الجمهور بالصاد) (^٩)، وقرئ السراط؛ وقرئ بالزاي. قال الفراء: وهي لغة بني عذرة وبني كلب] (^٨). لما تقدم الثناء على المسؤول ﵎ ناسب أن يعقب بالسؤال؛ كما قال: "فنصفها لي؛ ونصفها لعبدي؛ ولعبدي ما سأل". وهذا أكمل أحوال السائل أن يمدح مسؤوله، ثم يسأل حاجته [وحاجة إخوانه المؤمنين (بقوله) (^١٠): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ (^١١)] (^٨)؛ لأنه أنجح للحاجة؛ وأنجع للإجابة؛ ولهذا أرشد الله إليه؛ لأنه الأكمل؛ وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه، كما قال موسى (﵇) (^١٢): ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ
_________________
(١) ساقط من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(هـ) و(ى).
(٢) في (ن) و(ى): "أو درء".
(٣) كذا في (ج) و(ل) و(ن) ووقع في (ك): "إذ يحصل مقصوده"، ووقع في (هـ) و(ى): "إذ تحصيله تحصيل مقصوده".
(٤) في (ن) و(ك): "للتشريف".
(٥) كذا في (ج) و(ل) و(ى) وفي (هـ): "درء عقاب" وفي (ن): "درء العقاب" وفي (ك): "رد العذاب".
(٦) في (ن): "الصلاة".
(٧) أخرجه ابن ماجه (٩١٠، ٣٨٤٧)؛ وابن خزيمة (٧٢٥)؛ وابن حبان (٥١٤) من طريق جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لرجل: "ما تقول في الصلاة؟ " قال: أتشهد ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار. . . الحديث. وإسناده صحيح، وصححه النووي والبوصيري في "الزوائد" ولكن خولف جرير بن عبد الحميد، خالفه زائدة بن قدامه، فرواه عن الأعمش، عن أبي صالح عن بعض أصحاب النبي ﷺ. . . فذكره، أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٤)؛ وأبو داود (٧٩٢)، ويمكن حمل إحدى الروايتين على الأخرى مع أن رواية زائدة أشبه، والحديث صحيح على كل حال، فقد أخرجه أبو داود (٧٩٣)؛ وابن خزيمة (١٦٣٣، ١٦٣٤)؛ والبغوي في "شرح السنة" (٣/ ٧٤)؛ والبيهقي (٣/ ١١٦، ١١٧) بسند جيد. من حديث جابر وأصلحه في "الصحيحين" من وجه آخر. وأخرجه أحمد (٥/ ٧٤) عن رجل من بني سلمة يقال له: سليم فذكر نحوه. ورجاله ثقات.
(٨) ساقط من (ز).
(٩) من (ن) و(هـ).
(١٠) في (ج): "فقوله"!
(١١) من (ن).
(١٢) من (ز) و(ن).
[ ١ / ٢٠٨ ]
﴿فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] وقد يتقدمه مع ذلك وصف مسؤول؛ كقول ذي النون: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وقد يكون بمجرد الثناء على المسؤول؛ كقول (^١) الشاعر:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني … حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يومًا … كفاه من تعرضه الثناء
والهداية ههنا: الإرشاد والتوفيق، وقد تتعدى الهداية بنفسها، كما هنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ فتضمن معنى ألهمنا أو وفقنا، أو أرزقنا أو أعطنا: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)﴾ [البلد] أي: بيِّنا له الخير والشر. وقد تُعدى بإلى؛ كقوله (تعالى) (^٢): ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة؛ وكذلك قوله (تعالى) (^٣): ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وقد تعدى باللام؛ كقول أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣] أي: وفقنا لهذا، وجعلنا له (أهلا) (^٤).
وأما الصراط المستقيم فقال الإمام أبو جعفر (^٥) بن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه؛ (وكذلك) (^٦) في لغة جميع العرب؛ فمن ذلك قول جرير بن عطية الخطفي:
أمير المؤمنين على صراط … إذا اعوج الموارد مستقيم
قال: والشواهد على ذلك أكثر من أن (تحصر) (^٧) قال: ثم تستعير العرب الصراط فتستعمله في كل قول وعمل ووصف باستقامة أو اعوجاج، فتصف المستقيم باستقامته، والمعوج باعوجاجه.
ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة لله وللرسول؛ فروي أنه كتاب الله؛ قال ابن أبي (^٨) حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني يحيى بن يمان، عن حمزة الزيات، عن سعد - وهو أبو المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "الصراط المستقيم كتاب الله".
وكذلك رواه ابن جرير من حديث حمزة بن حبيب الزيات، وقد [تقدم في فضائل القرآن فيما] (^٩) رواه أحمد والترمذي، من رواية الحارث الأعور عن علي مرفوعًا؛ "وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم".
_________________
(١) هو أُمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان. وهي في "ديوانه" (١٧) وهذان البيتان من أعذب الشعر وأجمله. ووقع في بعض الكتب: "الحباء" بالموحدة بدل التحتانية وهو تصحيف.
(٢) من (ز) و(ن).
(٣) من (ج) و(ز) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ى).
(٤) ساقط من (ع) و(هـ) و(ى). وفي (ج): "وجعلنا أهلًا له".
(٥) في "تفسيره" (١/ ١٧٠ - شاكر).
(٦) في (ن): "وذلك".
(٧) كذا في سائر "الأصول"، ووقع في (ك): "تحصى" وهو الموافق لما في "تفسير ابن جرير".
(٨) في "تفسيره" (٣٢) وهو حديث ضعيف جدًّا وقد تقدم تخريجه في أوائل "فضائل القرآن".
(٩) ساقط من (ز).
[ ١ / ٢٠٩ ]
وقد روي موقوفًا (على) (^١) علي ﵁؛ وهو أشبه (^٢). والله أعلم.
وقال الثوري (^٣)، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله، قال: الصراط المستقيم كتاب الله. وقيل: هو الإسلام.
وقال الضحاك (^٤)، عن ابن عباس؛ قال: قال جبريل لمحمد ﵈: "قل يا محمد: اهدنا الصراط المستقيم"، يقول: (ألهمنا) (^٥) الطريق الهادي، وهو دين الله الذي لا (عوج) (^٦) فيه.
وقال ميمون بن (^٧) مهران، عن ابن عباس -في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ - قال: ذاك الإسلام.
وقال إسماعيل (^٨) بن عبد الرحمن السدي الكبير، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن
_________________
(١) في (ز) و(ك): "عن".
(٢) كذا قال المصنف ﵀! ولا يصح الموقوف أيضًا؛ لأن مداره على الحارث الأعور، وهو واهٍ.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٧٧)؛ والحاكم (٢/ ٢٥٨)؛ البيهقي في "الشعب" (ج ٤/ رقم ١٧٩٠) من طريق سفيان الثوري بسنده سواء. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي. قلت: إن كان بالنظر إلى الإسناد من عند سفيان الثوري فصاعدًا فنعم، وإلا فقد رواه الحاكم من طريق الحسن بن علي بن عفان العامري عن أبي داود الحفري عمر بن سعد عن الثوري. والعامري من رجال ابن ماجه وحده، والحفري من أفراد مسلم دون البخاري فليس الإسناد على شرط واحد منهما وإن كان صحيحًا. وأخرجه ابن نصر في "السنة" (٢٤)؛ وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ١٠٣)؛ والثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٢/ ٢) من طريق مسعر بن كدام عن منصور مثله. وأخرجه ابن نصر في "السنة" (٢١) عن إسحاق بن راهويه. والآجري في "الشريعة" (ص ١٢)؛ وعنه ابن بطة في "الإبانة" (١٣٥) عن عثمان بن أبي شيبة كلاهما عن جرير، عن منصور عن أبي وائل، عن عبد الله قال: إن هذا الصراط محتضر يحتضره الشياطين، ينادون: يا عبد الله! هلم هذا الصراط ليصدوا عن سبيل الله، فاعتصموا بحبل الله، فإن حبل الله هو كتاب الله. وهذا لفظ ابن أبي شيبة. وأخرجه ابن نصر (٢٢) من طريق الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود مثله وهذه أسانيد صحيحة وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ١٥) لوكيع وابن المنذر وعبد بن حميد وابن الأنباري في "كتاب المصاحف".
(٤) أخرجه ابن جرير (١٧٩)؛ وابن أبي حاتم (٣١، ٣٦) من طريق أبي كريب محمد بن العلاء، ثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك به وسنده ضعيف جدًّا وقد تقدم مرارًا.
(٥) كذا في سائر "الأصول" وقع في (ز): "اهدنا".
(٦) في (ن): "اعوجاج".
(٧) أخرجه ابن جرير (١٨٠) من طريق الفرات بن السائب، عن ميمون بن مهران به. وسنده ضعيف جدًّا لأجل الفرات هذا فقد قال البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ١/ ١٣٠) "تركوه، منكر الحديث" وقال أحمد: "قريب من محمد بن زياد الطحان في ميمون يتهم بما يتهم به ذاك". والطحان هذا قال فيه أحمد: "كذاب أعور يضع الحديث" وتركه الدارقطني وغيره. وقال ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ٢٠٧): "كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، ويأتي بالمعضلات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه ولا كتب حديثه إلا على سبيل الاختبار".
(٨) أخرجه ابن جرير (١٦٨، ١٨٢)؛ والحاكم (٢/ ٢٥٨)، من طريق عمرو بن حماد بن طلحة القناد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي فذكره. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم" ووافقه الذهبي. والصواب أنه حسن الإسناد، وأوجز الكلام على هذا الإسناد لكثرة دورانه في كتب التفسير، وقد اختلف=
[ ١ / ٢١٠ ]
عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ قالوا: هو الإسلام.
وقال عبد (^١) الله بن محمد بن عقيل، عن جابر: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ (^٢) [قال: (الإسلام هو أوسع) (^٣) مما بين السماء والأرض.
وقال ابن (^٤) الحنفية في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾] (٢)، قال: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره.
_________________
(١) = فيه العلماء، وفهمت عبارات بعضهم خطأ. فاعلم أيها المسترشد أن ابن جرير يروي تفسير السدي من طريق شيخه موسى بن هارون الهمداني، قال: حدثني عمرو بن حماد القناد، قال: "حدثنا أسباط بن نصر الهمداني، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، عن أبي مالك وأبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي-ﷺ". . . فالإسناد إلى السدي واحد، ثم يتفرع من عنده. ولتنظر فيه. فاعلم أن السدي يروي تفسيره بعدة أسانيد وبيانها هكذا:
(٢) السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس.
(٣) السدي عن أبي صالح، عن ابن عباس.
(٤) السدي عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود.
(٥) السدي عن ناس من أصحاب النبي-ﷺ. فأما الإسناد الأول: فأبو مالك هو الغفاري، واسمه غزوان وثقه ابن معين وابن حبان، وقال ابن سعد (٦/ ٢٩٥): "كان قليل الحديث". وأما الإسناد الثاني: ففيه أبو صالح وهو مولى أم هانئ، واسمه باذام ويقال: باذان وفيه كلام كثير والصواب في حاله أنه ضعيف، وهو يروي في التفسير ما لم يتابعه أهل التفسير عليه كما قال ابن عدي، لكنه متابع بأبي مالك الغفاري. وأما الإسناد الثالث: فمرة الهمداني هو ابن شراحيل، وهو من كبار التابعين الثقات. وأما الإسناد الرابع: فمنقطع، فإن السدي لم يدرك كبير أحدٍ من أصحاب النبي ﷺ وجملة الكلام أن السدي يروي تفسير القرآن عن اثنين من التابعين عن ابن عباس، وعن تابعي واحد عن ابن مسعود، ومن رواية نفسه عن ناس من الصحابة. فالإسنادان الأول والثالث جيدان، والثاني والرابع ضعيفان. وقد أثنى العلماء على تفسير السدي، فقال أبو يعلى الخليلي في "الإرشاد" (١/ ٣٩٧، ٣٩٨): "وتفسير إسماعيل بن عبد الرحمن السدي فإنما يسنده بأسانيد إلى عبد الله بن مسعود وابن عباس وروى عن السدي الأئمة مثل: الثوري وشعبة، لكن التفسير الذي جمعه رواه عنه أسباط بن نصر وأسباط لم يتفقوا عليه، غير أن أمثل التفاسير تفسير السدي". اهـ. وجملة القول: أن إسناد تفسير السدي جيد حسن. والله أعلم.
(٦) أخرجه ابن نصر في "السنة" (٢٥)؛ وابن جرير (١٧٨)؛ والحاكم (٢/ ٢٥٨، ٢٥٩)؛ والثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٢/ ٢) من طريق الحسن بن صالح، زاد ابن جرير: وعلي بن صالح، كلاهما عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي، والصواب: أن إسناده حسن؛ لأجل الكلام الذي قيل في ابن عقيل. والله أعلم. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ١٤، ١٥) لـ "وكيع، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والمحاملي في "الأمالي"".
(٧) ساقط من (ل).
(٨) في (ن): "هو الإسلام أوسع" وفي (هـ): "هو الإسلام هو أوسع".
(٩) أخرجه ابن جرير (١٨١) من طريق إسماعيل الأزرق، عن أبى عمر البزار، عن ابن الحنفية. وإسناده واهٍ، وإسماعيل الأزرق هو ابن سلمان تركه ابن نمير والنسائي. وقال ابن معين: "ليس حديثه بشيء" وقال=
[ ١ / ٢١١ ]
وقال عبد الرحمن (^١) بن زيد بن أسلم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ قال: هو الإسلام.
وفي معنى هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد في "مسنده" (^٢) حيث قال: حدثنا الحسن بن سوار أبو العلاء، حدثنا ليث -يعني: ابن سعد، عن معاوية بن صالح- أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه عن أبيه، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله ﷺ، قال: "ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا، ولا تعوجوا، وداع يدعو من (جوف) (^٣) الصراط؛ فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك، لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه؛ فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله؛ وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم".
وهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير، من حديث [الليث بن سعد، به ورواه الترمذي، والنسائي، جميعًا، عن علي بن حجر، عن بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن] (^٤) [النواس بن سمعان، به وهو إسناد حسن صحيح والله أعلم.
وقال مجاهد (^٥): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ قال: الحق، وهذا أشمل، ولا منافاة بينه وبين ما تقدم] (^٦).
_________________
(١) = ابن حبان: "ينفرد بمناكير يرويها عن المشاهير".
(٢) أخرجه ابن جرير (١٨٥) بإسناد صحيح.
(٣) أخرجه أحمد في "مسنده" (٤/ ١٨٢، ١٨٣). وأخرجه البيهقي في "الشعب" (ج ٥/ رقم ٧٢١٦)؛ وابن مردويه وعنه الأصبهاني في "الترغيب" (٤٧٣) من طريق إسحاق بن الحسن ثنا الحسن بن سوار بسنده سواء ثم أخرجه البيهقي والطحاوي في "المشكل" (٢١٤٢)؛ وابن جرير (١٨٧)؛ والآجري في "الشريعة" (ص ١١، ١٢)؛ ومحمد بن نصر في "السنة" (١٧) من طريق آدم بن أبي إياس، عن الليث بن سعد بسنده سواء. وتوبع الليث بن سعد. تابعه عبد الله بن صالح أبو صالح كاتب الليث، فرواه عن معاوية بن صالح به أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣٣)؛ وابن جرير (١٨٦)؛ والطحاوي (٢٠٤٣، ٢١٤١)؛ وابن أبي عاصم في "السنة" (١٩)؛ وابن نصر في "السنة" (١٦)؛ والآجري في "الشريعة" (ص ١٢، ١٣)؛ والرامهرمزي في "الأمثال" (٣)؛ والحاكم (١/ ٧٣)؛ وابن مردويه وعنه الأصبهاني في "الترغيب" (٤٧٣)؛ والثعلبي (١/ ١٢/ ٢)؛ وابن بطة في "الإبانة" (١٣١) من طرق عن عبد الله بن صالح. وأخرجه النسائي في "التفسير" (٢٥٣)؛ والترمذي (٢٨٥٩)؛ وأحمد (٤/ ١٨٣)؛ والطحاوي (٢١٤٣)؛ وابن أبي عاصم في "السنة" (١٨)؛ وأبو الشيخ في "الأمثال" (٢٨٠)؛ والطبراني في "مسند الشاميين" (١١٤٧)؛ وابن نصر في "السنة" (١٨) من طرق عن بقية بن الوليد، قال: حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن النواس بن سمعان فذكره مرفوعًا. قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب" كذا في "أطراف المزي" (٩/ ٦١) ووقع في "المطبوعة": "حديث غريب" وهي كثيرة السقط والتحريف.
(٤) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ن) و(ى) ووقع في (ز) و(ل) و(هـ): "فوق" وأشار في (ن) إلى أنه ورد في نسخة "فوق".
(٥) ساقط من (ج).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣٥) من طريق خالد بن عبد الرحمن المخزومي، ثنا عمر بن ذر، عن مجاهد فذكره. وسنده ضعيف جدًّا والمخزومي تالف. قال أبو حاتم: "تركوا حديثه" وقال البخاري: "ذاهب الحديث". وأما عمر بن ذر فثقة، لكن قال البرديجي: "روى عن مجاهد أحاديث مناكير" ويبدو أنه قصد الأحاديث المرفوعة كما هو ظاهر.
(٧) ساقط من (ج).
[ ١ / ٢١٢ ]
[وروى ابن أبي (^١) حاتم، وابن جرير، من حديث] (^٢) أبي النضر هاشم بن القاسم، حدثنا حمزة بن المغيرة، عن عاصم الأحول، عن أبي العالية ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ قال: هو النبي ﷺ وصاحباه من بعده. قال عاصم: فذكرنا ذلك للحسن، فقال: صدق أبو العالية ونصح.
وكل هذه الأقوال صحيحة، وهي متلازمة، فإن من اتبع النبي ﷺ، واقتدى باللذين من بعده: أبي بكر، وعمر - فقد اتبع الحق؛ [ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن] (^٢)؛ وهو كتاب الله، وحبله المتين، وصراطه المستقيم؛ فكلها صحيحة يصدق بعضها بعضًا، ولله الحمد.
وقال الطبراني (^٣): حدثنا محمد بن الفضل السقطي، حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله؛ قال: الصراط المستقيم الذي تركنا عليه رسول الله ﷺ.
ولهذا قال الإمام أبو جعفر (^٤) بن جرير ﵀: والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي أعني: ﴿(اهْدِنَا) (^٥) الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أن يكون معنيًّا به: وفقنا للثبات على ما ارتضيته، ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل؛ وذلك هو الصراط المستقيم؛ لأن من وفق لما وفق له من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فقد وفق للإسلام، وتصديق الرسل، والتمسك بالكتاب، والعمل بما أمره الله به، والانزجار عما زجره عنه، واتباع منهاج النبي ﷺ ومنهاج الخلفاء الأربعة، وكل عبد صالح؛ وكل ذلك من الصراط المستقيم.
فإن قيل: (فكيف) (^٦) يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها، وهو متصف بذلك؟ فهل هذا من تحصيل الحاصل أم لا؟ فالجواب: أن لا، ولولا احتياجه ليلًا ونهارًا إلى سؤال الهداية لما أرشده الله تعالى إلى ذلك، فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في (تثبيته) (^٧) على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره وازدياده منها، واستمراره عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله؛ فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في "الثقات" (٦/ ٢٢٩) معلقًا؛ ووصله ابن جرير (١٨٤)؛ وابن أبي حاتم (٣٤)؛ وابن نصر في "السنة" (٢٧) من طرق عن هشام بن القاسم بسنده سواء؛ وأخرجه الحاكم (٢/ ٢٥٩) من طريق الحارث بن أبي أسامة عن هاشم بن القاسم بسنده سواء لكنه جعله عن "أبي العالية عن ابن عباس"، وكأن ذكر "ابن عباس" مقحم في السند؟! وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي وإسناده جيد، وحمزة بن المغيرة بن نشيط وثقه ابن حبان، وقال ابن معين: "ليس به بأس".
(٢) ساقط من (ج).
(٣) في "معجمه الكبير" (ج ١٠/ رقم ١٠٤٥٤) وسنده صحيح. ومحمد بن الفضل هو ابن جابر السقطي شيخ الطبراني، قال الدارقطني: "صدوق" ووثقه الخطيب في "تاريخه" (٣/ ١٥٣) ومن فوقه ثقات.
(٤) في "تفسيره" (١/ ١٧١).
(٥) ساقط من (ج).
(٦) في (ز): "كيف".
(٧) في (ج): "تثبته".
[ ١ / ٢١٣ ]
بالمعونة والثبات والتوفيق، فالسعيد من وفقه (الله تعالى) (^١) لسؤاله؛ فإنه تعالى قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه، ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار.
وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [النساء: ١٣٦] فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان، وليس من باب تحصيل الحاصل؛ لأن المراد الثبات والاستمرار والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك. والله أعلم.
[(وقد) (^٢) قال تعالى آمرًا لعباده المؤمنين أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران] وقد كان الصديق (^٣) (رضي الله] (^٤) [عنه) (^٥) يقرأ بهذه الآية في الركعة الثالثة من صلاة المغرب بعد الفاتحة سرًّا؛ فمعنى قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ استمر بنا عليه، ولا تعدل بنا إلى غيره، (ولا تضلنا عنه) (^٦)] (^٧).
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.
قد تقدم الحديث فيما إذا قال العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦). . .﴾ إلى آخرها أن الله (تعالى) (^٨) يقول: "هذا لعبدي ولعبدي ما سأل".
وقوله (تعالى) (^٨): ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ مفسر للصراط المستقيم، هو بدل منه عند النحاة. ويجوز أن يكون عطف بيان، والله أعلم.
والذين أنعم الله عليهم هم المذكورون في "سورة النساء" حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾.
_________________
(١) كذا في (ز) و(ك) و(ن) ووقع في (ج) و(ع) و(ل) و(هـ) و(ى): "من وفقه لسؤاله".
(٢) من (هـ).
(٣) ساقط من (ز).
(٤) أخرجه مالك في "الموطأ" (١/ ٧٩/ ٢٥) ومن طريقه عبد الرزاق في "المصنف" (ج ٢/ رقم ٢٦٩٨)؛ وابن المنذر في "الأوسط" (٣/ ١١٢) بسند صحيح عن أبي عبد الله الصنابحي قال: قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصديق، فصليت وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل، ثم قام في الثالثة فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه، فسمعته قرأ بأم القرآن وبهذه الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران] زاد عبد الرزاق: قال أبو عبيد: يعني شيخ مالك، وأخبرني عبادة؛ يعني: ابن نسي، أنه كان عند عمر بن عبد العزيز في خلافته، فقال عمر لقيس؛ يعني: ابن الحارث، كيف أخبرتني عن أبي عبد الله؛ يعني: الصنابحي، فحدثه، فقال عمر: ما تركناها منذ سمعناها، وإن كنت قبل ذلك لعلى غير ذلك، فقال رجل: وعلى أي شيء كان أمير المؤمنين قبل ذلك؟ قال: كنت أقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص]، وأخرجه عبد الرزاق (٢٦٩٩)؛ وابن أبي شيبة (١/ ٣٧١) من طريق عن ابن عون، عن رجاء بن حيوة، عن محمود بن الربيع، أن الصنابحي قال: صليت مع أبي بكر المغرب، فدنوت منه. . . وساقه مثله وسنده صحيح أيضًا، زاد عبد الرزاق: عن محمد بن راشد قال: سمعت رجلًا يحدث به مكحولًا عن سهل بن سعد الساعدي أنه سمع أبا بكر قرأها في الركعة الثالثة، فقال له مكحول: إنه لم يكن من أبي بكر قراءة، إنما كان دعاءً منه.
(٥) ساقط من (ج) و(ل).
(٦) ساقط من (ن).
(٧) ساقط من (ز).
(٨) من (ج) و(ع) و(ل) و(ى).
[ ١ / ٢١٤ ]
وقال الضحاك (^١)، عن ابن عباس: صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك وعبادتك من ملائكتك وأنبيائك والصديقين والشهداء والصالحين؛ وذلك نظير ما قال ربنا تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. . .﴾ الآية.
وقال أبو جعفر (^٢) الرازي، عن الربيع بن أنس: (﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾) قال: هم النبيُّون.
وقال ابن (^٣) جريج، عن ابن عباس: هم المؤمنون، وكذا قال مجاهد (^٤). وقال وكيع (^٥): هم المسلمون. وقال عبد الرحمن (^٦) بن زيد بن أسلم: هم النبي ﷺ ومن معه.
والتفسير المتقدم عن ابن عباس ﵁ أعم وأشمل. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (^٧) [قرأ الجمهور "غير" بالجر على النعت. قال الزمخشري (^٨): وقرئ بالنصب على الحال، وهي قراءة رسول الله ﷺ، وعمر بن الخطاب، ورويت (^٩) عن ابن كثير؛ وذو الحال الضمير في عليهم، والعامل أنعمت] (٧).
(والمعنى) (^١٠) اهدنا الصراط المستقيم صراط الذي أنعمت عليهم، ممن تقدم وصفهم ونعتهم؛ وهم أهل الهداية والاستقامة، والطاعة لله ورسله، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره، غير صراط المغضوب عليهم؛ وهم الذين فسدت (إراداتهم) (^١١)، فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين؛ وهم الذين فقدوا العلم؛ فهم هائمون في الضلالة، لا يهتدون إلى الحق.
وأكد الكلام بـ "لا" ليدل على أن ثم مسلكين فاسدين؛ وهما طريقة اليهود والنصارى.
وقد زعم بعض النحاة أن "غير" هاهنا استثنائية، فيكون على هذا منقطعًا لاستثنائهم من المنعم عليهم، وليسوا منهم؛ وما أوردناه أولى؛ لقول الشاعر (^١٢):
_________________
(١) من (ن).
(٢) أخرجه ابن جرير (١٨٨)؛ وابن أبي حاتم (٣٨) وسنده ضعيف جدًّا كما تقدم.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٨٩)؛ وأبو جعفر الرازي وثقه جمع وتكلم فيه آخرون بسوء الحفظ، ولكن روايته هنا جيدة، فقد كان عالمًا بتفسير القرآن معتنيًا به، وتفسير أبي العالية نسخة يرويها عنه أبو جعفر، وهذا أحرى أن يكون جودها واعتنى بها بخلاف الحديث السرد. والله أعلم.
(٤) أخرجه ابن جرير (١٩٠) وإسناده ضعيف لانقطاعه بين ابن جريج وابن عباس.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٣٩) بسند ضعيف.
(٦) أخرجه ابن جرير (١٩١، ١٩٢) وإسناداه صحيحان.
(٧) ساقط من (ز).
(٨) في "الكشاف" (١/ ٩).
(٩) واختلف عن ابن كثير في هذا الحرف، فروى عنه الوجهان معًا: النصب والجر. وانظر: "الحجة للقراء السبعة" (١/ ١٤٢ - ١٦٢)؛ لأبي علي الفارسي. وابن كثير هو عبد الله بن كثير بن عمرو المكي، أحد القراء السبعة المشاهير، قرأ على مجاهد وقرأ عليه أبو عمرو بن العلاء. توفي سنة (١٢٢ هـ) ﵀.
(١٠) في (ز): "يعني".
(١١) كذا في (ج) و(ع) و(ى) ووقع في (ز) و(ك) و(ل) و(ن) و(هـ): "إرادتهم" وأشار في (ى) أنه وقع في "نسخة": "آراؤهم".
(١٢) هو النابغة الذبياني، وهو في "ديوانه" (١٩٨) وهو يصف عيينة بن حصن بالجبن والجور كأنه جمل من=
[ ١ / ٢١٥ ]
كأنك من جمال بني أقيش … يقعقع عند رجليه بشن
أي: كأنك جمل من جمال بني أقيش، فحذف الموصوف، واكتفى بالصفة. وهكذا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ أي: غير صراط المغضوب عليهم، اكتفى بالمضاف إليه عن ذكر المضاف. وقد دل عليه سياق الكلام؛ وهو قوله (تعالى) (^١): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ثم قال (تعالى) (^١) ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾.
ومنهم من زعم أن "لا" في قوله (تعالى) (^١): ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ زائدة وأن تقدير الكلام عنده: "غير المغضوب عليهم والضالين"؛ واستشهد ببيت العجاج:
في بئر لا حور … سعى وما شعر
أي: في بئر حور. والصحيح ما قدمناه، ولهذا روى أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب "فضائل القرآن" (^٢) عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر بن الخطاب ﵁ - أنه كان يقرأ: "غير المغضوب عليهم وغير الضالين". وهذا إسناد صحيح.
وكذلك حُكي عن أُبي بن كعب أنه قرأ كذلك، وهو محمول على أنه صدر منهما على وجه التفسير. فيدل على ما قلناه من أنه إنما جيء بـ "لا" لتأكيد النفي [لئلا يتوهم أنه معطوف على: "الذين أنعمت عليهم"] (^٣)، وللفرق بين الطريقتين؛ ليجتنب كل (واحد) (^٤) منهما؛ فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق، والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم، ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى؛ لأن من علم وترك استحق الغضب بخلاف من لم يعلم؛ والنصارى لما كانوا قاصدين شيئًا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه؛ لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه، وهو اتباع (الرسول) (^٥) الحق، ضلوا. وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب، [كما قال (تعالى) (^٦) عنهم: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠]] (^٧)، وأخص أوصاف النصارى الضلال، [كما قال (تعالى) (^٨) عنهم: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]] (^٧).
وبهذا جاءت الأحاديث والآثار؛ [وذلك واضح بيِّن فيما] (^٧) قال الإمام أحمد (^٨): حدثنا
_________________
(١) = جمال بني أقيش، وهم حي من اليمن في إبلهم نفار شديد، وكانت إبلهم إذا سمعت صوت الشن، وهو القربة البالية، نفرت نفورًا شديدًا.
(٢) من (ز) و(ن).
(٣) أخرجه أبو عبيد في "الفضائل" (ص ١٦٢)؛ وسعيد بن منصور في "تفسيره" (١٧٧)؛ وابن أبي داود في "المصاحف" (ص ٥١) من طرق عن الأعمش، بسنده سواء وسنده صحيح، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ١٥) لوكيع وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في "المصاحف".
(٤) ساقط من (ز).
(٥) من (ن).
(٦) ساقط من (ن).
(٧) من (ز) و(ن).
(٨) ساقط من (ز).
(٩) أخرجه أحمد في "المسند" (٤/ ٣٧٨، ٣٧٩)؛ وعنه الطبراني في "الكبير" (ج ١٧/ رقم ٢٣٧)؛ والبيهقي في "الدلائل" (٥/ ٣٣٩، ٣٤٠) مطولًا. وأخرجه الترمذي (٨/ ٢٨٩، ٢٩٠ تحفة الأحوذي)؛ وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤٠)؛ وابن جرير (١٩٤،=
[ ١ / ٢١٦ ]
محمد بن جعفر، حدثنا شعبة؛ قال: سمعت سماك بن حرب يقول: سمعت عباد بن حبيش يحدث عن عدي بن حاتم؛ قال: جاءت خيل رسول الله ﷺ فأخذوا عمتي وناسًا، فلما أتوا بهم إلى رسول الله ﷺ صفوا له، فقالت: يا رسول الله؛ ناء الوافد، وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة، فمُنَّ علي، مَنَّ الله عليك. قال: "من وافدك؟ " قالت: عدي بن حاتم. قال: "الذي فرّ من الله ورسوله"! قالت: فمُنَّ عليّ. فلما رجع ورجل إلى جنبه ترى أنه علي، قال سليه حملانًا، فسألته فأمر لها؛ قال: فأتتني فقالت: لقد فعلت فعلةً ما كان أبوك يفعلها فإنه قد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه، فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان. . . وذكر قربهم من النبي ﷺ؛ قال: فعرفت أنه ليس بملك كسرى ولا قيصر؛ فقال: يا عدي، ما أفرك؟ أن يقال: لا إله إلا الله؛ فهل من إله إلا الله؟ ما أفرك؟ أن يقال: الله أكبر، فهل شيء أكبر من الله ﷿؟ قال: فأسلمت فرأيت وجهه استبشر. وقال: إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى. وذكر الحديث.
ورواه الترمذي من حديث سماك بن حرب. وقال: "حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه".
قلت: وقد رواه حماد (^١) بن سلمة، عن سماك، عن مرى بن قطري، عن عدي بن أبي حاتم؛ قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قال: هم اليهود. ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾؟ قال: النصارى هم الضالون.
وهكذا رواه سفيان (^٢) بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، به.
_________________
(١) = ٢٠٨)؛ وابن حبان (١٧١٥)؛ والثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٣/ ١) من طريق شعبة، عن سماك بن حرب بسنده سواء مختصرًا ولم يذكروا القصة. ثم أخرجه الترمذي (٨/ ٢٨٦، ٢٨٩) من طريق عمرو بن أبي قيس عن سماك بن حرب بسنده سواء مطولًا. وأخرجه ابن أبي حاتم (٤١) من هذا الوجه مختصرًا. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". وأخرجه الطبراني في "الكبير" (ج ١٧/ رقم ٢٣٦) من طريق قيس بن الربغ عن سماك به مطولًا. قلت: وهذا سند ضعيف، ومداره على عباد بن حبيش فهو وإن وثقه ابن حبان وتبعه الهيثمي في "المجمع" (٥/ ٣٣٥) فقد جهله ابن القطان وقال الذهبي: "لا يعرف" وقع في سنده اختلاف يأتي ذكره إن شاء الله.
(٢) أخرجه ابن جرير (١٩٥، ٢٠٩) من طريق محمد بن مصعب، عن حماد بن سلمة بسنده سواء قلت: وخولف حماد بن سلمة في إسناده، فخالفه شعبة وعمرو بن أبي قيس، وقيس بن الربيع ثلاثتهم رووه عن سماك، عن عباد بن حبيش، عن عدي بن حاتم كما تقدم تخريجه وحماد بن سلمة ثقة تغير في آخر حياته ﵀، ولكن ليس عليه عهدة هذا الاختلاف إذ الراوي عنه هو محمد بن مصعب القرقساني ضعفه النقاد أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم لغفلته عن ضبط الحديث، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر فلم يصب! وخالفهم جميعًا عمرو بن ثابت فرواه عن سماك عمن سمع عدي بن حاتم فذكره. أخرجه الطيالسي في "سنده" (١٠٤٠) وعمرو بن ثابت الكوفي متروك، ورواية شعبة ومن معه هي الراجحة وقد مرّ ذكر ما فيها.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٩٣، ٢٠٧) قال: حدثني أحمد بن الوليد الرملي، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الرقيّ، قال: حدثنا سفيان بن عيينة بسنده سواء وأخرجه تمام الرازي في "الفوائد" (١٤٨) عن أحمد بن الوليد به وصحح إسناده الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر ﵀ لكنه معل بالمخالفة فقد خولف عبد الله بن جعفر، خالفه سعيد بن منصور فرواه في "تفسيره" (١٧٩) قال: نا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد أن رسول الله ﷺ فذكره هكذا معضلًا، ورواية سعيد أرجح للتفاوت بينه وبين عبد الله بن جعفر في الحفظ،=
[ ١ / ٢١٧ ]
وقد روى حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها.
وقال عبد (^١) الرزاق: أخبرنا معمر، عن بديل العقيلي، أخبرني عبد الله بن شقيق - أنه أخبره من سمع رسول الله ﷺ وهو بوادي القرى على فرسه، وسأله رجل من بني القين؛ فقال: يا رسول الله؛ من هؤلاء؟ قال: " ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ". وأشار إلى اليهود، "والضالون هم النصارى".
وقد رواه الجريري، وعروة، وخالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، فأرسلوه ولم يذكروا من سمع النبي ﷺ.
ووقع في رواية عروة تسمية عبد الله (بن عمر) (^٢). فالله أعلم.
وقد روى ابن مردويه (^٣) من حديث إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي ذر؛ قال: سألت رسول الله ﷺ عن المغضوب عليهم. قال: "اليهود". قلت: الضالين؟ قال: "النصارى".
وقال السدي (^٤)، عن أبي مالك؛ عن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود؛ وعن أنس من أصحاب النبي ﷺ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ هم اليهود، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ هم النصارى.
_________________
(١) = لا سيما أن هذا مع ثقته كان اختلط وبقي في اختلاطه إلى أن مات ﵀، كما قال ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٣٥١، ٣٥٢).
(٢) في "تفسيره" (١/ ٣٧) ومن طريقه أحمد في "مسنده" (٥/ ٣٢، ٣٣)؛ وابن جرير (١٩٨، ٢١٢)؛ والثعلبي في "تفسيره" (١/ ١٣/ ١). قال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٣١١): "رجاله رجال الصحيح". قلت: خولف فيه بديل العقيلي. خالفه سعيد بن إياس الجريري وخالد الحذاء فروياه عن عبد الله بن شقيق أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ وهو محاصر وادي القرى وساقه. أخرجه أبو عبيد في "الأموال" (٧٦٥)؛ وابن جرير (١٩٦، ١٩٩، ٢١٠). وأخرجه أيضًا (١٩٧، ٢١١) من طريق ابن علية عن الجريري عن عروة بن عبد الله بن قشير، عن عبد الله بن شقيق أن رجلًا أتى النبي ﷺ فذكره. والوجهان ثابتان عن الجريري وأنه يرويه مرة عن عبد الله بن شقيق ومرة عن عروة بن عبد الله عن عبد الله بن شقيق؛ لأن ابن علية روى عنه الوجهين، وابن علية سمع من الجريري قبل الاختلاط. فالذين أرسلوا الحديث أكثر عددًا مع الثقة والضبط، لولا أنه اختلف على خالد الحذاء فيه فرواه حماد بن زيد عنه وعن بديل بن ميسرة والزبير بن الخريت عن عبد الله بن شقيق عن رجل من بلقين أنه أتى النبي ﷺ بوادي القرى. . . فذكره. أخرجه حميد بن زنجويه في "الأموال" (١١٣٦)؛ والبيهقي في "الكبرى" (٦/ ٣٣٦) ورواه خالد الواسطي، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل من بلقين، عن ابن عم له فساقه. أخرجه البيهقي في "الشعب" (ج ٨/ رقم ٤٠٢٠). والذي عندي أن رواية الوصل أشبه. والله أعلم.
(٣) في (ن): "ابن عمرو".
(٤) وعزاه إلى ابن مردويه: الحافظ في "الفتح" (٨/ ١٥٩) وقال: "بإسناد حسن". قلت: وهذا أحد وجوه الاختلاف في هذا الحديث. وقد خولف إبراهيم بن طهمان كما مرّ بك مخالفة معمر بن راشد له وروايته أشبه، ولعلَّ الراوي عن إبراهيم بن طهمان فيه كلام والله أعلم.
(٥) أخرجه ابن جرير (٢١٧) وسنده لا بأس به. والاعتماد في رواية ابن عباس على رواية أبي مالك عنه، وليس علي رواية أبي صالح باذام.
[ ١ / ٢١٨ ]
وقال الضحاك (^١)، وابن جريج (^٢)، عن ابن عباس: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ اليهود ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ النصارى.
وكذلك قال الربيع (^٣) بن أنس، وعبد الرحمن بن (^٤) زيد بن أسلم، وغير واحد.
وقال ابن أبي حاتم: ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافًا. وشاهد ما قاله هؤلاء الأئمة من أن اليهود مغضوب عليهم، النصارى ضالون الحديث المتقدم.
وقوله تعالى في خطابه مع بني إسرائيل في "سورة البقرة": ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ وقال في "المائدة": ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة].
وفي ["السيرة"] (^٥) عن زيد بن عمرو بن نفيل أنه لما خرج هو وجماعة من أصحابه إلى الشام يطلبون الدين الحنيف قالت له اليهود: إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. فقال: أنا من غضب الله أفر. وقالت له النصارى: إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من سخط الله. فقال: لا أستطيعه. فاستمر على فطرته، وجانب عبادة الأوثان، ودين المشركين، ولم يدخل مع أحد من اليهود ولا النصارى. وأما أصحابه فتنصروا ودخلوا في دين النصرانية؛ لأنهم وجدوه أقرب من دين اليهود إذ ذاك، وكان منهم ورقة بن نوفل حتى هداه الله بنبيه لما بعثه آمن بما وجد من الوحي ﵁.
[(مسألة) والصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء، لقرب مخرجيهما؛ وذلك أن الضاد مخرجها من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس، ومخرج الظاء من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا؛ ولأن كلًّا من الحرفين من الحروف المجهورة، ومن الحروف الرخوة، ومن الحروف المطبقة؛ فلهذا كله اغتفر استعمال أحدهما مكان الآخر لمن لا يميز ذلك والله أعلم.
وأما حديث: "أنا أفصح من نطق بالضاد" (^٦) فلا أصل له، والله أعلم] (^٧).
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٢١٥)؛ وابن أبي حاتم (٤٢) بسند ضعيف جدًّا.
(٢) أخرجه ابن جرير (٢١٦) وهو منقطع بين ابن جريج وابن عباس.
(٣) أخرجهما ابن جرير (٢١٨، ٢١٩).
(٤) وقع في (ج) و(ل) و(ى):"أأنبئكم" وهو سبق قلم.
(٥) وقع في (ج) و(ل): "السنن" وهو خطأ. وأخرجه البخاري (٧/ ١٤٢، ١٤٣) مطولًا.
(٦) ولم أقف له على إسناد، ونقل العجلوني في "كشف الخفا" (١/ ٢٠٠، ٢٠١) عن السيوطي أنه قال في "اللآلئ": "معناه صحيح ولكن لا أصل له كما قال ابن كثير وغيره من الحفاظ وأورده أصحاب الغريب ولا يعرف له إسناد" وقال مثله الشوكانى فى "الفوائد المجموعة" (ص ٣٢٧).
(٧) ساقط من (ز).
[ ١ / ٢١٩ ]