استدل بهذه الآية في حصر صفات هذه البقرة حتى تعينت، أو تم تقييدها بعد الإطلاق، على صحة السلم في الحيوان، كما هو] (^١) (^٢) [مذهب مالك، والأوزاعي، والليث، والشافعي، وأحمد (بن حنبل) (^٣)، وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا؛ بدليل ما ثبت في "الصحيحين" (^٤) عن النبي ﷺ: "لا تنعت المرأةُ المرأةَ لزوجها كأنه ينظر إليها".
وكما وصف النبي ﷺ إبل الدية في (قتل) (^٥) الخطأ وشبه] (٢) العمد (^٦) [بالصفات المذكورة بالحديث (^٧).
وقال أبو حنيفة، والثوري، والكوفيون: لا يصح السلم الحيوان؛ لأنه لا تنضبط أحواله. وحكى مثله عن ابن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وعبد الرحمن بن سمرة، وغيرهم] (٦).
_________________
(١) ساقط من (ز) و(ض).
(٢) ساقط من (ز) و(ض).
(٣) ساقط من (ن).
(٤) كذا قال المصنف ﵀، والحديث لم يروه مسلم، ووهم القرطبي فعزاه في "تفسيره" (١/ ٤٥٣) لمسلم!! ثم هذا اللفظ الذي عزاه المصنف للبخاري وهو "لا تنعت المرأة … " لا وجود له فيه، وعزاه الحافظ في "التلخيص" (٣/ ٦) إلى البخاري بهذا اللفظ، وكل هذا خطأ، إنما هو عند البخاري (٩/ ٣٣٨) من طريق الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود مرفوعًا بلفظ: "لا تباشر المرأة المرأة، فتنعتها لزوجها، كأنه ينظر إليها".
(٥) في (ج): "مثل"!
(٦) ساقط من (ز) و(ض).
(٧) يشير المصنف إلى الحديث الذي أخرجه أبو داود (٤٥٤١)؛ والنسائي (٨/ ٤٢، ٤٣)؛ وابن ماجه (٢٦٣٠)؛ وأحمد (٢/ ١٨٣، ١٨٦، ٢٢٤)؛ والدارقطني (٣/ ١٧٦)، من طرق عن محمد بن راشد، ثنا سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "من قتل خطأ فديته مائة من الإبل ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقةً وعشرة بني لبون ذكور قال: وكان رسول الله ﷺ يقومها على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق ويقومها على أهل الإبل إذا غلت رفع في قيمتها وإذا هانت نقص من قيمتها على نحو الزمان ما كان فبلغ قيمتها على عهد رسول الله ﷺ ما بين الأربعمائة دينار إلى ثمانمائة دينار أو عدلها من الورق قال وقضى رسول الله ﷺ أن من كان عقله في البقر على أهل البقر مائتي بقرة ومن كان عقله في الشاة ألفي شاة وقضى رسول الله ﷺ أن العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم فما فضل فللعصبة وقضى رسول الله ﷺ أن يعقل على المرأة عصبتها من كانوا ولا يرثون منه شيئًا إلا ما فضل عن ورثتها وإن قتلت فعقلها بين ورثثها وهم يقتلون قاتلها". اهـ. وهذا لفظ النسائي. ولفظ ابن ماجه قريب منه إلى قوله: "ألفي شاة" وهو عند الباقين مختصر. [وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ٢١٢٨)].
[ ١ / ٤٥١ ]
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾.
قال البخاري: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ اختلفتم. وهكذا قال مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم (^١) عن أبيه، عن حذيفة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ اختلفتم.
وقال عطاء (^٢) الخراساني، والضحاك: اختصمتم فيها.
وقال ابن جريج (^٣): ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ قال: قال بعضهم: أنتم قتلتموه، وقال آخرون: بل أنتم قتلتموه. وكذا قال عبد الرحمن (^٤) بن زيد بن أسلم.
﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قال مجاهد (^٥): ما تغيبون. وقال ابن (^٦) أبي حاتم: حدثنا (عمرو بن (^٧) سلم) البصري، حدثنا محمد بن الطفيل العبدي، حدثنا صدقة بن رستم، سمعت المسيب بن رافع يقول: ما عمل رجل حسنةً في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وما عمل رجل سيئةً في سبعة أبيات إلا أظهرها الله. وتصديق ذلك في كلام الله: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ هذا البعض أي شيء كان من أعضاء هذه البقرة فالمعجزة حاصلة به، وخرق العادة به كائن؛ وقد كان معينًا في نفس الأمر؛ فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود لنا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله تعالى لنا، ولكنه أبهمه، ولم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه؛ فنحن نبهمه كما أبهمه الله.
ولهذا قال ابن أبي حاتم (^٨): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا (عفان) (^٩) بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: إن أصحاب بقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنةً حتى وجدوها عند رجل في بقر له، وكانت بقرة تعجبه؛ قال: فجعلوا يعطونه بها فيأبى حتى أعطوه ملء مسكها دنانير، فذبحوها فضربوه - يعني: القتيل - بعضو منها، فقام تشخب أوداجه دمًا، فقالوا له: من قتلك؟ قال: قتلني فلان.
وكذا قال الحسن (^١٠)، وعبد الرحمن (^١١) بن زيد بن أسلم: إنه ضُرب ببعضها.
_________________
(١) في "تفسيره" (٧٥١) وسنده جيد.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٥٢) وسنده حسن.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٢٩٤) وسنده صحيح.
(٤) أخرجه ابن جرير (١٢٩٥) وسنده صحيح أيضًا.
(٥) أخرجه ابن جرير (١٣٠٣)؛ وابن أبي حاتم (٧٥٣) من طريقين عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وسنده صحيح.
(٦) في "تفسيره" (٧٥٤).
(٧) وقع في (ز) و(ض) و(ك) و(ل): "عمرو بن مسلم"؛ وفي (ن): "عمرة بن أسلم" وكلاهما خطأ. وعمرو بن سلم أبو عثمان البصري ترجمه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٣/ ٢٣٧/١) وقال: "سمعت منه بالري، وهو صدوق".
(٨) في "تفسيره" (٧٥٥) وسنده جيد.
(٩) في (ز) و(ض): "عثمان"! وهو خطأ.
(١٠) [أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق عباد بن منصور عن الحسن].
(١١) أخرجه ابن جرير (١٣١٣) وسنده صحيح.
[ ١ / ٤٥٢ ]
وفي رواية عن ابن عباس (^١): أنه ضُرب بالعظم الذي يلي الغضروف.
وقال عبد (^٢) الرزاق: (أنبأنا) (^٣) معمر؛ قال: قال أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة: ضربوا القتيل ببعض لحمها.
قال معمر: قال قتادة: ضربوه بلحم فخذها، فعاش، فقال: قتلني فلان.
وقال [وكيع بن الجراح في "تفسيره":] (^٤) حدثنا النضر بن عربي، عن عكرمة: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ فضرب بفخذها فقام، فقال: قتلني فلان.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد (^٥)، وقتادة (^٦) وعكرمة، نحو ذلك.
وقال السدي (^٧): فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين، فعاش؛ فسألوه فقال: قتلني ابن أخي.
وقال أبو العالية (^٨): أمرهم موسى ﵇ أن يأخذوا عظمًا من عظامها فيضربوا (به) (^٩) القتيل، ففعلوا؛ فرجع إليه روحه؛ فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتًا كما كان.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: فضربوه ببعض آرابها (^١٠). [وقيل بلسانها. وقيل بعجب ذنبها] (^١١).
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ أي: فضربوه فحَيِيَ؛ ونبَّه تعالى على قدرته وإحيائه الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل؛ جعل ﵎ ذلك الصنيع حجةً لهم على المعاد، وفاصلًا ما كان بينهم من الخصومة (والعناد) (^١٢).
والله تعالى (قد) (^١٣) ذكر في هذه السورة (ما) (^١٤) خلقه من إحياء الموتى في خمسة مواضع: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] وهذه القصة، وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت. وقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها - وقصة إبراهيم ﵇ (^١٥) والطيور الأربعة.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٥٦) وفي سنده قيس بن الربيع فيه مقال. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٧٩) إلى "وكيع، وابن المنذر وعبد بن حميد والفريابي".
(٢) في "تفسيره" (١/ ٤٩) ومن طريقه ابن جرير (١٣٠٩) وسنده صحيح.
(٣) في (ج): "أخبرنا".
(٤) كذا في (ز) و(ض) و(ع) و(ن) و(ى)؛ وفي (ج) و(ك) و(ل): "أبو أسامة". وقد عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٧٩) إلى وكيع في "تفسيره" والنضر بن عربي من شيوخه [وسنده حسن]؛ وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧٥٧) من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة عن النضر بن عربي. وأخرجه ابن جرير (١٣٠٧) من طريق جابر بن نوح عن النضر بن عربي.
(٥) أخرجه ابن جرير (١٣٠٥، ١٣٠٦) من طريقين عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. [وسنده صحيح].
(٦) أخرجه ابن جرير (١٣١٠) بسند صحيح.
(٧) أخرجه ابن جرير (١٣١١). [وسنده حسن].
(٨) أخرجه ابن جرير (١٣١٢). [وسنده جيد].
(٩) من (ز) و(ن).
(١٠) [أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد].
(١١) ساقط من (ز) و(ض).
(١٢) في (ز) و(ض): "الفساد".
(١٣) ساقط من (ج).
(١٤) في (ن): "مما".
(١٥) من (ن).
[ ١ / ٤٥٣ ]
(وينبه) (^١) تعالى بإحياء الأرض بعد موتها على إعادة الأجسام بعد صيرورتها رميمًا؛ كما قال أبو داود الطيالسي (^٢): حدثنا شعبة، أخبرني يعلى بن عطاء؛ قال: سمعت وكيع بن عبدس يحدث عن أبي رزين العقيلي ﵁؛ قال: قلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ قال: "أما مررت بواد ممحل، ثم مررت به خضرًا"؟ قال: بلى. قال: "كذلك النشور". أو قال: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾.
وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾ [يس: ٣٣ - ٣٥].