وهل يسأل الساحر حلًا لسحره؟ فأجازه سعيد بن المسيب فيما نقله عنه البخاري (^٢).
وقال عامر الشعبي: لا بأس بالنشرة (^٣). وكره (^٤) ذلك الحسن البصري. وفي "الصحيح" (^٥) عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله، هلا تنشرت؟ فقال: "أما الله فقد شفاني، وخشيت أن أفتح على الناس شرًا".
وحكى القرطبي (^٦) عن وهب: أنه قال: يؤخذ سبع ورقات من سدر فتدق بين حجرين، ثم تضرب بالماء، ويقرأ عليها آية الكرسي، ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات، ثم يغتسل بباقيه، فإنه يذهب ما به. وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته.
قلت: أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله في إذهاب ذلك؛ وهما المعوذتان، وفي الحديث (^٧): "لم يتعوذ] (^٨)
_________________
(١) ساقط من (ن).
(٢) في "كتاب الطب" (١٠/ ٢٢٢) وقال: "قال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طب، أو يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع، فلم ينه عنه". قال الحافظ في "الفتح": وصله أبو بكر الأثرم في "كتاب السنن" من طريق أبان العطار، عن قتادة، ومثله من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة بلفظ: "يلتمس من يداويه".
(٣) قال ابن الجوزي: النشرة: حل السحر عن المسحور.
(٤) ذكره قتادة عن الحسن وقال: لا يعلم ذلك إلا ساحر. ذكره الحافظ في "الفتح" وأخرج ابن أبي شيبة (٧/ ٣٨٧) قال: حدثنا ابن عيينة وأبو أسامة عن شعبة عن أبي رجاء قال: سألت الحسن عن النشرة؟ فذكر لي عن النبي ﷺ قال: "هي من عمل الشيطان"؛ وأخرجه أبو داود في "المراسيل" (٤٥٣) قال: حدثنا علي بن الجعد ثنا شعبة فذكره. قال الحافظ في "الفتح" (١٠/ ٢٢٣): "وصله أحمد (٣/ ٢٩٤)؛ وأبو داود (٣٨٦٨) عن جابر بسند حسن". اهـ. وهو عند البيهقي (٩/ ٣٥١) وأخرج ابن أبي شيبة أيضًا قال: حدثنا ابن مهدي، عن الحكم بن عطية، قال: سمعت الحسن وسئل عن النشرة، فقال: سحر. وسنده لا بأس به.
(٥) هو في "الصحيحين" كما تقدم تخريجه عند الآية (١٠١).
(٦) في "تفسيره" (٢/ ٤٩).
(٧) أخرجه النسائي (٨/ ٢٥١، ٢٥٢، ٢٥٣)؛ وأبو داود (١٤٦٣)؛ وأحمد (٤/ ١٤٩)؛ والحميدي (٨٥١)؛ والبخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ١/ ٣٥٣)؛ والبزار (٣/ ٨٥، ٨٦)؛ والطحاوي في "المشكل" (١/ ٣٥)؛ والدولابي في "الكنى" (١/ ١٧٨، ١٧٩)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ١٧/ رقم ٩٤٩، ٩٥٠، ٩٥١، ٩٥٢، ٩٥٧)؛ وابن أبي شريح في "جزء بيبي بنت عبد الصمد" (٤٢) من طرق عن عقبة بن عامر. وهو في "صحيح مسلم". بسياق آخر وسيأتي تفصيل ألفاظه وطرقه عن تفسير "المعوذتين" إن شاء الله.
(٨) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى).
[ ١ / ٥٤٧ ]
[(المتعوذون) (^١) بمثلهما" وكذلك قراءة آية الكرسي (^٢) فإنها مطردة للشيطان] (^٣).
[وقال أبو عبد الله (^٤) القرطبي: وعندنا أن السحر حق، وله حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء، خلافًا للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفراينى من الشافعية حيث قالوا: إنه تمويه وتخييل؛ قال: ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة. والشعوذي: البريد لخفة سيره. قال ابن فارس: وليست هذه الكلمة من كلام أهل البادية] (^٥).
[قال القرطبي: ومنه ما يكون كلامًا يحفظ، ورقى من أسماء الله تعالى، وقد يكون من عهود الشياطين ويكون أدويةً وأدخنةً وغير ذلك.
وقال: وقوله ﵇: "إن من البيان لسحرًا" يحتمل أن يكون مدحًا كما تقوله طائفة، ويحتمل أن يكون ذمًا للبلاغة، قال: وهذا أصح؛ قال: لأنها تصوب الباطل حتى توهم السامع أنه حق، كما قال عليه الصلاة (^٦) والسلام: "فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضى له … " الحديث] (^٧).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾.
نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم؛ وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من (التنقص) (^٨)، عليهم لعائن الله؛ فإذا أرادوا أن يقولوا اسمع لنا يقولون راعنا، (ويورون) (^٩) بالرعونة؛ كما قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾ [النساء: ٤٦].
وكذلك جاءت الأحاديث (^١٠) بالإخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون: السام عليكم؛
_________________
(١) في (ن): "المتعوذ".
(٢) وسيأتي تخريج حديثها في موضعها من "التفسير" إن شاء الله تعالى.
(٣) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى).
(٤) في "تفسيره" (٢/ ٤٤) ونقله المصنف بتصرف.
(٥) من (ج) و(ل) و(ن). وقد وردت هذه الفقرة في (ن) قبل الفصل الماضي.
(٦) أخرجه مالك (٢/ ٧١٩/ ١)؛ والبخاري (١٢/ ٣٣٩؛ و١٣/ ١٥٧)؛ ومسلم (١٧١٣).
(٧) من (ج) و(ل) و(ن). وقد وردت هذه الفقرة في (ن) قبل الفصل الماضي.
(٨) في (ن): "التنقيص".
(٩) في (ك): "ويرون"!
(١٠) منها حديث ابن عمر مرفوعًا: "إن اليهود إذا سلم عليكم أحدهم، فإنما يقول: السام عليكم، فقل: عليك". هكذا رواه عن مالك بلفظ "عليك" بالإفراد وبلا واو: يحيى بن يحيى الليثي في "الموطأ" (٢/ ٩٦٠/ ٣ - عبد الباقي)؛ وأبو مصعب الزبيري في "الموطأ" رقم (٢٠٢١) ومن طريقه البغوي في "شرح =
[ ١ / ٥٤٨ ]
و(السام) (^١): هو الموت؛ (ولهذا) (^٢) أمرنا أن نرد عليهم بـ"وعليكم". (وأنه) (^٣) يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا.
والغرض أن اللّه تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولًا وفعلًا؛ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾.
وقال الإمام (^٤) أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، حدثنا حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، (وجعل) (^٥) الذلة والصغار على من خالف أمري. ومن تشبه بقوم فهو منهم".
[وروى أبو داود (^٦) عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، به: "من تشبه بقوم فهو منهم"] (^٧)؛ ففيه دلالة على النهي الشديد، والتهديد، والوعيد على التشبه بالكفار
_________________
(١) = السنة" (١٢/ ٢٦٩، ٢٧٠). ويحيى بن سعيد القطان عند البخاري (١٢/ ٢٨٠)؛ وأحمد (٤٦٩٩)؛ وخالد بن مخلد القطواني عند الدارمي (٢/ ١٨٨، ١٨٩)؛ وابن وهب عند البيهقي (٩/ ٢٠٣). ورواه آخرون عن مالك فقالوا: "وعليك" بزيادة الواو وبالإفراد، منهم عبد الله بن يوسف التنيسي عند البخاري (١١/ ٤٢).
(٢) ساقط من (ج).
(٣) في (ل): "ولقد".
(٤) في (ن): "وإنما".
(٥) في "مسنده" (٥١١٥، ٥٦٦٧). وأخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ٣٩٣)؛ والبيهقي في "الشعب" (١١٩٩)؛ والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٧٦٦)؛ والذهبي في "السير" (١٥/ ٥٠٩) من طريق أبي النضر هاشم بن القاسم بسنده سواء. وأخرجه أبو داود (٤٠٣١) قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أبو النضر به مقتصرًا على الفقرة الأخيرة منه. قال الذهبي: "إسناده صالح". وأخرجه البخاري (٦/ ٩٨) معلقًا ببعضه ووصله أحمد (٥١١٤) قال: حدثنا محمد بن يزيد الواسطى. وصحح إسناده الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (١/ ٢٦٩)، وجوده شيخ الإسلام ابن تيمية في "الاقتضاء" (ص ٨٢) وقال الزركشي في "التذكرة" (ص ١٠٢)؛ والسخاوي في "المفاصد" (ص ٤٠٧): "في سنده ضعف" ولم يحكم عليه الحافظ، فقال في "الفتح" (٦/ ٩٨): "في الإسناد: عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان مختلف في توثيقه". وسلك نفس طريقته قبله الهيثمي في "المجمع" (٥/ ٢٦٧) وقال المنذري في "مختصر السنن" (٦/ ٢٥)؛ والزيلعي في "نصب الراية" (٤/ ٣٤٧): "ابن ثوبان ضعيف"، ولم يتفرد به ابن ثوبان، فتابعه الأوزاعي، فرواه عن حسان بن عطية بسنده سواء. أخرجه الطحاوي في "المشكل" (١/ ٨٨) قال: حدثنا أبو أمية، ثنا محمد بن وهب بن عطية، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي به والوليد بن مسلم كان يدلس التسوية، فالمتابع لابن ثوبان في الحقيقة هو الذي أسقطه الوليد بن مسلم، فربما كان كذابًا أو متروكًا ومع وجود هذه العلة المؤثرة، فقد خولف الوليد بن مسلم في إسناده، خالفه عبد الله بن المبارك. فرواه في "كتاب الجهاد" (١٠٥)، ومن طريقه القضاعي في "الشهاب" (٣٩٠) عن الأوزاعي قال: حدثنا سعيد بن جبلة، قال: حدثنا طاوس اليماني أن رسول الله ﷺ قال: فذكره مرسلًا. وتابعه عيسى بن يونس عن الأوزاعي بسنده سواء مرسلًا. أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٥/ ٣٢٢)؛ وعيسى وابن المبارك أثبت من الوليد بن مسلم، فالصواب في رواية الأوزاعي الإرسال، وحسن الحافظ في "الفتح" (٦/ ٩٨) إسناد هذا المرسل.
(٦) كذا في (ج) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى). ووقع في (ز) و(ن): "جعلت".
(٧) رقم (٤٠٣١).
(٨) ساقط من (ج).
[ ١ / ٥٤٩ ]
في أقوالهم وأفعالهم، ولباسهم وأعيادهم، وعباداتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا، ولم نقرر عليها.
وقال ابن (^١) أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مسعر، عن معن وعون، أو أحدهما: أن رجلًا أتى عبد اللّه بن مسعود، فقال: اعهد إلي. فقال: إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه. وقال الأعمش (^٢)، عن خيثمة؛ قال: ما تقرءون في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه في التوراة: يا أيها المساكين.
وقال محمد بن إسحاق (^٣): حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿رَاعِنَا﴾ أي: (أرعنا) (^٤) سمعك.
وقال الضحاك (^٥): عن ابن عباس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ قال: كانوا يقولون للنبي ﷺ: أرعنا سمعك، وإنما: "راعنا" كقولك: "عاطنا".
وقال ابن أبي (^٦) حاتم: وروى عن أبي العالية، وأبي مالك، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة نحو ذلك.
وقال مجاهد (^٧): ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ لا تقولوا خلافًا. وفي رواية: لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك.
وقال عطاء (^٨): لا تقولوا: ﴿رَاعِنَا﴾ كانت لغةً تقولها الأنصار، فنهى الله عنها.
_________________
(١) في "تفسيره" (١٠٤٤)؛ وأخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٣٦) بسنده سواء. وأخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص ٣١) قال: حدثنا الأشجعي، عن مسعر بن كدام مثله. وأخرجه أحمد في "الزهد" (ص ١٥٨) ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (١/ ١٣٠) قال: حدثنا وكيع، عن مسعر، عن معن قال: قال عبد الله بن مسعود فذكره. والإسناد منقطع؛ لأن عون بن عبد الله بن عتبة ومعن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ما أدركا ابن مسعود. والله أعلم.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٤٣) قال: حدثنا أبو سعيد الأشج. وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ١١٦) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة قالا: ثنا عبدة بن سليمان، عن الأعمش به وسنده صحيح.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٧٢٥). [وسنده حسن].
(٤) في (ك): "راعنا".
(٥) أخرجه ابن جرير (١٧٣١)؛ وابن أبي حاتم (١٠٤٥) من طريق منجاب بن الحارث، ثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك به. وقد تقدم تضعيف هذا الإسناد.
(٦) في "تفسيره" (١/ ٣١٧) وقد أسندها ابن جرير.
(٧) أخرجه ابن جرير (١٧٢١، ١٧٢٢)؛ وابن أبي حاتم (١٠٤٧). من طرق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وسنده صحيح. وأخرجه ابن جرير (١٧٢٣) من طريق أبي أحمد الزبيري، حدثنا سفيان الثوري عن رجل عن مجاهد مثله. ثم أخرجه (٧٢٤) عن أبي نعيم ثنا الثوري عن مجاهد. وهذا منقطع.
(٨) أخرجه ابن جرير (١٧٣٣، ١٧٣٤، ١٧٣٥)؛ وابن أبي حاتم (١٠٤٦)؛ وأبو جعفر النحاس فس "الناسخ والمنسوخ" (٧٠) من طرق عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح. ووقع عند ابن جرير في الموضع الأول: "هشيم، أخبرنا عبد الرزاق، عن عطاء". وقوله: "عبد الرزاق" مصحف عن "عبد الملك" فيما يظهر لي. والله أعلم، إلا أن يكون من رواية الأقران، ولكن عبد الرزاق يروى عن عطاء بواسطة ابن جريج، فهذا مما يرجح وقوع التصحيف. والله أعلم.
[ ١ / ٥٥٠ ]
وقال الحسن (^١): ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ قال: الراعن من القول: السخري منه؛ نهاهم الله أن يسخروا من قول محمد ﷺ، وما يدعوهم إليه من الإسلام.
وكذا روي عن ابن جريج أنه قال مثله.
وقال أبو صخر (^٢): ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين، فيقول: أرعنا سمعك، فأعظم الله رسوله ﷺ أن يقال ذلك له.
وقال السدي (^٣): كان رجل من اليهود من بني قينقاع يدعى رفاعة بن (زيد) (^٤) يأتي النبي ﷺ، فإذا لقيه فكلمه قال: أرعني سمعك، واسمع غير مسمع. وكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا، فكان ناس منهم يقولون: اسم غير مسمع غير صاغر، (وهي) (^٥) كالتي في "سورة النساء". فتقدم الله إلى المؤمنين أن لا يقولوا: راعنا.
وكذا قال عبد الرحمن (^٦) بن زيد بن أسلم بنحو من هذا.
قال ابن جرير (^٧): والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه ﷺ: راعنا؛ لأنها كلمة كرهها الله تعالى أن يقولوها لنبيه ﷺ نظير الذي ذكر عن النبي ﷺ أنه قال (^٨): "لا تقولوا للعنب: الكرم، ولكن قولوا: (الحبلة) " (^٩)، و"لا تقولوا: عبدي، ولكن قولوا: فتاي" (^١٠)؛ وما أشبه ذلك.
وقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (يبين تعالى بذلك) (^١١) شدة (عداوة) (^١٢) الكافرين من أهل الكتاب والمشركين الذين حذر الله تعالى من مشابهتهم للمؤمنين، ليقطع المودة بينهم وبينهم، (وينبه) (^١٣) تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشبرع التام الكامل الذي شرعه لنبيهم محمد ﷺ يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٤٨) وسنده ضعيف.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٤٩، ١٠٥٢) وسنده ضعيف لإعضاله، وأبو صخر هو حميد بن زياد الخراط، ثم هو متكلم فيه، فضعفه ابن معين في رواية والنسائي وقواه آخرون.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٧٣٨). [وسنده حسن إلى السدي لكنه مرسل].
(٤) في (ل): "يزيد".
(٥) ساقط من (ج).
(٦) أخرجه ابن جرير (١٧٣٢) وسنده صحيح.
(٧) في "تفسيره" (٢/ ٤٦٣ - شاكر).
(٨) أخرجه مسلم (٢٢٤٨/ ١١، ١٢)؛ والبخاري في "الأدب المفرد" (٧٩٥)؛ والدارمي (٢/ ٤٣)؛ وابن حبان (٥٨٣١)؛ والطحاوي في "المشكل" (١٤٨٣)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٢٢/ رقم ١٤)؛ والبيهقي في "الشعب" (٥٢١٦ - بيروت) من طرق عن شعبة، ثنا سماك بن حرب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه مرفوعًا. وفي الباب عن أبي هريرة ﵁.
(٩) في (ن): "الحلية"!!
(١٠) أخرجه البخاري (٥/ ١٧٧)؛ ومسلم (٢٢٤٩/ ١٥).
(١١) في (ن): "يبين بذلك تعالى".
(١٢) في (ك): "عداوته".
(١٣) في (ن): "ونبه".
[ ١ / ٥٥١ ]
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾.
قال ابن أبي (^١) طلحة، عن ابن عباس ﵄: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: ما نبذل من آية.
وقال ابن جريج (^٢)، عن مجاهد: "ما ننسخ من آية"؛ [أي: ما نمحو من آية. وقال ابن أبي (^٣) نجيح، عن مجاهد: "ما ننسخ من آية"] (^٤)؛ قال: نثبت خطها، ونبدل حكمها. حدث به عن أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁.
وقال ابن أبي (^٥) حاتم: وروي عن أبي العالية، ومحمد بن كعب القوظي نحو ذلك.
وقال الضحاك (^٦): ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: ما ننسك.
وقال عطاء (^٧): أما ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ فما (نترك) (^٨) من القرآن.
وقال ابن أبي حاتم (^٩): يعني ترك، ﴿مَا﴾ (^١٠) ينزل على محمد ﷺ.
وقال السدي (^١١): ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ سخها: قبضها.
_________________
(١) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (٤)؛ وابن جرير (١٧٤٧) قال: حدثني المثنى، وهو ابن إبراهيم؛ وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٧٠٢) قال: حدثنا أبي؛ والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١/ ٣٦٢) من طريق عثمان بن سعيد أربعتهم قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة به. [وسنده ثابت].
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٦٩) من طريق عبد الوهاب بن عطاء؛ وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (٥) قال: حدثنا حجاج الأعور كلاهما عن ابن جريج، عن مجاهد به؛ وابن جريج لم يسمع من مجاهد إلا حرفًا. وقد أخرجه ابن جرير (١٧٤٩) من طريق شبل بن عباد المكي، وأبو جعفر النحاس في "الناسخ والمنسوخ" (١١)؛ وابن أبي حاتم (١٠٦٢) من طريق ورقاء كلاهما عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد مثله وسنده قوي.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٧٥٠) من طريق بكر بن شوذب، وابن أبي حاتم (١٠٦٢) من طريق ورقاء كلاهما عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أصحاب عبد الله بن مسعود فذكره. وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٢٥٥)؛ لآدم بن أبي إياس في "تفسيره"؛ وأبي داود في "الناسخ والمنسوخ"؛ وأخرجه البيهقي في "الأسماء" (١/ ٣٦٣) من طريق آدم بن أبي إياس في "تفسيره" قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح به: وسنده قوي أيضًا، وأصحاب ابن مسعود لم أقف على أعيانهم في هذا الخبر، ولكن ينجبر الأمر باجتماعهم في مثل هذا الأثر الموقوف، والله أعلم.
(٤) ساقط من (ج).
(٥) في "تفسيره" (١/ ٣٢٢).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٦١) قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا أبو عبد الرحمن الحارثي، عن قرة بن خالد، عن الضحاك. والحارثي لم أهتد إليه؛ وأخرجه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (١٣) معلقًا قال: "يحدثون بذلك عن قرة بن خالد، عن الضحاك، عن ابن مسعود. وهذا مع تعليقه فهو منقطع وهذا الأثر عزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٢٥٥) لعبد بن حميد وابن المنذر في "تفسيرهما" عن الضحاك بن مزاحم".
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٦٣) من طريق حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، عن عطاء؛ وأخرجه ابن جرير (١٧٦٣) من طريق هشيم بن بشير، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء قال: نؤخرها. [وسنده حسن].
(٨) في (ك) و(ل): "ترك".
(٩) في "تفسيره" (١/ ٣٢٢).
(١٠) في (ن): "فلم".
(١١) أخرجه ابن جرير (١٧٤٦) قال: حدثني موسى بن هارون؛ وابن أبي حاتم (١٠٦٤) قال: حدثنا أبو زرعة =
[ ١ / ٥٥٢ ]
وقال ابن أبي حاتم (^١): يعني: قبضها رفعها؛ مثل قوله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" (^٢). وقوله: "لو كان لابن آدم واديان من (مال) (^٣) لابتغى لهما ثالثًا" (^٤).
وقال ابن جرير (^٥): ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: ما ننقل من حكم آية إلى غيره، فنبدله ونغيره؛ وذلك أن نحول الحلال حرامًا والحرام حلالًا، والمباح محظورًا، والمحظور مباحًا، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحظر والإطلاق، والمنع والإباحة. فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ.
وأصل النسخ: من "نسخ الكتاب"، وهو: نقله (من) (^٦) نسخة (إلى) (^٧) أخرى غيرها فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله ونقل (عبادة إلى غيرها) (^٨)، وسواء نسخ حكمها أو خطها؛ إذ هي في (كلتا) (^٩) حالتيها منسوخة.
وأما علماء الأصول فاختلفت عباراتهم في حد النسخ. والأمر في ذلك قريب؛ لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء. (ولخص) (^١٠) بعضهم: أنه رفع الحكم بدليل شرعي متأخر؛ فاندرج في ذلك نسخ الأخف بالأثقل، وعكسه، والنسخ لا إلى (بدل) (^١١).
وأما تفاصيل أحكام النسخ، وذكر أنواعه وشروطه (فمبسوط) (^١٢) في (فن) (^١٣) أصول الفقه.
وقال الطبراني (^١٤): حدثنا أبو شبيل عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد، حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الفضل، عن سلميان بن أرقم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه؛ قال: قرأ رجلان
_________________
(١) = قالا: ثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط، عن السدي به. وسنده حسن.
(٢) في "تفسيره" (١/ ٣٢٣).
(٣) صحيح. وأخرجه البخاري (١٢/ ١٣٧)؛ ومسلم (١٥/ ١٦٩١).
(٤) في (ن): "ذهب".
(٥) صحيح. أخرجه مسلم (١٠٥٠/ ١١٩).
(٦) في "تفسيره" (٢/ ٤٧١، ٤٧٢ - شاكر).
(٧) وقع في (ج): "من".
(٨) من (ن).
(٩) في "تفسير الطبري": "ونقل عبارته عنه إلى غيرها" ونقل الشيخ أبو فهر محمود شاكر ﵀ عن "ابن كثير": "ونقل عبارة إلى غيرها"، وهذا تصحيف، والصواب: "عبادة" بالدال المهملة، وثبت ذلك في كل "الأصول"، والسياق يدل عليها. والله أعلم.
(١٠) في (ج) و(ك) و(ل): "كلتى".
(١١) كذا في (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ي)؛ وفي (ج) و(ل): "ويخص"؛ وفي (ن): "لحظ".
(١٢) في (ن): "بدله".
(١٣) في (ن): "مبسوطة".
(١٤) ساقط من (ن) و(ي).
(١٥) في "المعجم الكبير" (ج ١٢/ رقم ١٣١٤١)؛ وفي "الأوسط" (٤٦٣٧) وقال: "لم يرو هذا الحديث عن الزهري، إلا سليمان بن أرقم، تفرد به العباس". قلت: فأما العباس بن الفضل فهو أبو الفضل البصري نزيل الموصل، تركه العجلي والنسائي، وقال: "ليس بثقة" وكذلك قال ابن معين، وقال البخاري: "منكر الحديث" وهذا جرح شديد عنده، وكذلك قال مسلم وأبو حاتم وزاد: "ضعيف الحديث". وقال أبو زرعة: "لا يصدق"؛ وسليمان بن أرقم متروك الحديث وبه أعل الحديث الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ٣١٥) فالإسناد ضعيف جدًّا وقد خالفه معمر بن راشد فرواه عن الزهري أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ … فذكره نحوه. أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" (ج ٩ رقم ٥٩٨٢) هكذا معضلًا فهذا يدل على بطلان ما رواه سليمان بن أرقم عن الزهري. والله أعلم.
[ ١ / ٥٥٣ ]
سورةً أقرأهما رسول الله ﷺ، فكانا يقرآن بها، (فقاما) (^١) ذات ليلة يصليان، فلم يقدرا منها على حرف، فأصبحا (غاديين) (^٢) على رسول الله ﷺ، فذكرا ذلك له؛ فقال رسول الله ﷺ: "إنها مما نُسخ وأُنسى، فالهوا عنها" فكان الزهري يقرؤها: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ بضم النون (خفيفة) (^٣). سليمان بن أرقم ضعيف (^٤).
[قد روى (أبو بكر) (^٥) بن الأنباري (^٦)، عن أبيه، عن نصر بن داود] (^٧)، (^٨) [عن (أبي عبيد) (^٩)، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن (يونس) (^١٠)، وعقيل، عن ابن شهاب، عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف مثله مرفوعًا: ذكره القرطبي (^١١)] (٨).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ فقرئ على وجهين: "ننساها" و"ننسها" فأما من قرأها بفتح النون والهمزة بعد السين فمعناه: نؤخِّرها. قال علي بن أبي طلحة (^١٢)، عن ابن عباس: "ما ننسخ من آية أو ننسأها": يقول: ما نبدِّل من آية أو نتركها لا نبدلها. وقال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود: أو ننسأها نثبت خطها ونبدل حكمها. (وقال) (^١٣) عبيد بن عمير (^١٤)، ومجاهد (^١٥)،
_________________
(١) في (ج): "فباتا".
(٢) في (ج): "غادين".
(٣) في (ن): "الخفيفة".
(٤) بل هو متروك، ومثل هذا التسامح له مضاره، لا سيما عند من يكثرون من الاحتجاج أو الاستشهاد بالأحاديث الضعيفة. والله الموفق.
(٥) ساقط من (ل).
(٦) في كتاب "المصاحف" كما في "الدر المنثور" (١/ ٢٥٦) ورواه من طريق أبي عبيد القاسم بن سلام، وهذا في "كتاب الناسخ والمنسوخ" (١٧)؛ وعبد الله بن صالح في حفظه مقال معروف ولكن أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" (٧/ ١٥٧) من طريق محمد بن علي بن عيسى؛ وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" (ص ١٣٦) من طريق الإمام أحمد قالا: ثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري قال: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أن رهطًا من أصحاب النبي ﷺ أخبروه أنه قام رجل منهم من جوف الليل، يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها، فلم يقدر منها على شيء إلا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ [الفاتحة] فأتى باب رسول الله ﷺ حين أصبح، ليسأل رسول الله ﷺ عن ذلك، ثم جاء آخر وآخر، حتى اجتمعوا فسأل بعضهم بعضًا: ما جمعهم؟! فأخبر بعضهم بعضًا بشأن تلك السورة، ثم أذن لهم رسول الله ﷺ فأخبروه خبرهم، وسألوه عن السورة، فسكت ساعة لا يرجع إليهم شيئًا، ثم قال: "نسخت البارحة"، فنسخت من صدورهم، ومن كل شيء كانت فيه. وهذا إسناد صحيح.
(٧) من (ج) و(ل) و(ن).
(٨) من (ج) و(ل) و(ن).
(٩) في (ن): "أبي عبيد الله"!
(١٠) في (ل): "يونس وعبيد وعقيل"! وقوله: "عبيد" مقحم لا معنى له.
(١١) في "تفسيره" (٢/ ٦٨).
(١٢) مر تخريجه هو وأثر مجاهد الذي بعده آنفًا.
(١٣) في (ج): "وكما قال".
(١٤) أخرجه ابن جرير (١٧٦٨) من طريق القاسم بن سلام، وهذا في "الناسخ والمنسوخ" (١٠) قال: حدثنا حجاج، وهو ابن محمد الأعور، عن ابن جريج، عن عبد الله بن كثير، عن علي الأزدي، عن عبيد بن عمير. وهذا سند جيد وصرح ابن جريج بالتحديث عند ابن جرير (١٧٦٧). ووقع في الإسناد خطأ نبه عليه ابن جرير.
(١٥) أخرجه أبو عبيد في "الناسخ" (٨) قال: حدثنا يزيد، عن جرير بن حازم عن حميد الأعرج، عن مجاهد. وسنده جيد. ويزيد هو ابن هارون وذكر محقق "كتاب الناسخ" أن يزيد هو ابن أبي حبيب!! وهو غلط ظاهر.
[ ١ / ٥٥٤ ]
وعطاء (^١)، أو ننسأها: نؤخرها ونرجئها.
وقال عطية العوفي (^٢): أو ننسأها: نؤخرها فلا ننسخها.
وقال السدي (^٣) مثله أيضًا، وكذا (قال) (^٤) الربيع بن أنس (^٥). وقال الضحاك (^٦): "ما ننسخ من آية أو ننسأها"؛ يعني: الناسخ من المنسوخ.
وقال أبو العالية (^٧): "ما ننسخ من آية أو ننسأها": نؤخرها عندنا.
وقال ابن أبي حاتم (^٨): حدثنا عبيد اللّه بن إسماعيل البغدادي، حدثنا خلف، حدثنا الخفاف، عن إسماعيل - يعني: (ابن مسلم) (^٩) -، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: خطبنا عمر ﵁، فقال: يقول الله ﷿: "ما ننسخ من آية أو ننسأها"؛ أي: نؤخرها.
وأما على قراءة (أو ننسها): فقال عبد الرزاق (^١٠)، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال: كان الله ﷿ ينسي نبيه ﷺ ما يشاء، وينسخ ما يشاء.
وقال ابن جرير (^١١): حدثنا سوار بن عبد الله، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا عوف، عن الحسن أنه قال - في قوله: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ -؛ قال: إن نبيكم ﷺ قرآنًا ثم نسيه.
وقال ابن أبي حاتم (^١٢): حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا محمد بن الزبير الحراني، عن
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٧٦٣) قال: حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم، قالا: ثنا هشيم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء؛ وأخرجه سعيد بن منصور في "تفسيره" (٢٠٩) قال: نا مروان بن معاوية الفزاري عن عبد الملك؛ وأخرجه أبو عبيد في "الناسخ" (٧) قال: حدثنا هشيم ومعاوية الفزاري كلاهما عن عبد الملك. وسنده قوي.
(٢) أخرجه ابن جرير (١٧٦٦) قال: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي. وسنده جيد. والأهوازي قال النسائي فيه: "صالح".
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٧٣) وسنده حسن.
(٤) من (ك).
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٧٥). [وسنده جيد].
(٦) أخرجه ابن جرير (١٧٦١) قال: حدثنا أبو كريب؛ وابن أبي حاتم (١٠٦٨) من طريق ابن نفيل قالا: ثنا هشيم قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاك. وسنده ساقط. وجويبر تالف.
(٧) أشار إليه ابن أبي حاتم.
(٨) في "تفسيره" (١٠٧٠). وأخرجه أبو طاهر المخلص في "الفوائد" (ج ٤/ ق ١٧٠/ ١) من طريق عمر بن شبة، ثنا بشر بن عمر الزهراني، ثنا هارون المعلم، ثنا إسماعيل المكي بسنده سواء. وسنده ضعيف جدًّا، وإسماعيل بن مسلم المكي تركه النسائي وغيره مثل يحيى القطان وابن مهدي وقال ابن معين: "ليس بشيء" وقال أحمد وغيره: "منكر الحديث" وضعفه الجوزجاني جدًّا.
(٩) في (ن): "بن أسلم".
(١٠) في "تفسيره" (١/ ٥٥) ومن طريقه ابن جرير (١٧٥٢). وأخرجه ابن جرير (١٧٥١) من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وكلاهما صحيح.
(١١) في "تفسيره" (١٧٥٤) وسنده صحيح.
(١٢) في "تفسيره" (١٠٦٥). =
[ ١ / ٥٥٥ ]
الحجاج - يعني: الجزري -، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: كان مما ينزل على النبي ﷺ الوحي بالليل، وينساه بالنهار؛ فأنزل الله ﷿: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.
قال ابن أبي حاتم: قال (لي) (^١) أبو جعفر بن نفيل: ليس هو الحجاج بن أرطاة، هو شيخ لنا جَزَري.
وقال عبيد بن عمير (^٢): (أو ننسها): نرفعها من عندكم.
وقال ابن جرير (^٣): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن القاسم بن ربيعة؛ قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقرأ: "ما ننسخ من آية أو ننسها"؛ قال: قلت له فإن سعيد بن المسيب يقرأ "أو تنساها"؛ قال: فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب، ولا على آل المسيب؛ قال: قال الله جل ثناؤه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ [الأعلى]، ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤].
وكذا رواه عبد الرزاق، عن هشيم.
وأخرجه الحاكم في "مستدركه" (^٤) من حديث أبي حاتم الرازي، عن آدم، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، به، وقال: "على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
قال ابن أبي حاتم: وروى عن محمد بن كعب، وقتادة، وعكرمة نحو قول سعيد.
_________________
(١) = وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٢٤٣) من طريق محمد بن يحيى، وأبو علي الحراني في "تاريخ الرقة" (ص ١٢٨)؛ وأبو أحمد الحاكم في "كتاب الكنى" (ق ٣٦/ ١) من طريق هلال بن العلاء قالا: ثنا ابن نفيل بسنده سواء. قال أبو أحمد الحاكم: "لا أعلم لمحمد بن الزبير الرهاوي متابعًا في هذا الحديث عن حجاج، وهو حديث شاذ بهذا الإسناد". قلت: وهذا الحديث منكر بهذا الإسناد، ومحمد بن الزبير منكر الحديث كما قال ابن عدي وقال أبو حاتم وأبو أحمد الحاكم: "ليس بالمتين" وقال أبو زرعة: "في حديثه شيء" وذكره ابن حبان في "الثقات".
(٢) ساقط من (ج).
(٣) أخرجه آدم بن أبي إياس في "تفسيره". كما في "تفسير مجاهد" (ص ٨٥)، ومن طريقه ابن أبي حاتم (١٠٧١). [وسنده صحيح].
(٤) في "تفسيره" (١٧٥٥). ووقع عنده: "هشيم أخبرنا يعلى". وأخرجه أبو عبيد في "الناسخ" (١٥)؛ وعبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٥٥) ومن طريقه ابن جرير (١٧٥٦)؛ وسعيد بن منصور في "تفسيره" (٢٠٨)؛ وابن أبي داود في "المصاحف" (ص ١٠٧)؛ والحاكم (٢/ ٥٢١) من طريق هشيم بن بشير بهذا الإسناد، وقد وقع اختلاف في هذا الحرف بين هذه الروايات. وتوبع هشيم، تابعه شعبة، عن يعلى بن عطاء بسنده سواء. أخرجه أبو داود في "الناسخ والمنسوخ"، كما في "أطراف المزي" (٣/ ٣٠٩)؛ والنسائي في "التفسير" (١٦)؛ وابن جرير (١٧٥٧)؛ وابن أبي حاتم (١٠٦٦)؛ وابن أبي داود (ص ١٠٧، ١٠٨)؛ والحاكم (٢/ ٢٤٢) من طرق عن شعبة به. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" كذا قال! والقاسم بن ربيعة بن قانف مجهول ما روى عنه سوى يعلى بن عطاء كما قال الذهبي.
(٥) (٢/ ٢٤٢) وقد سقط ذكر "آدم بن أبي إياس" من إسناد "المستدرك" فليستدرك.
[ ١ / ٥٥٦ ]
وقال الإمام (^١) أحمْدِ (حدثنا يحيى) (^٢)، حدثنا سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: قال عمر: عليٌّ أقضانا، وأُبي أقرؤنا، وإنا لندع [بعض ما يقول [أُبي، وأُبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فلن أدعه لشيء، والله يقول] (^٣) ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾] (^٤) قال البخاري (^٥): (حدثنا عمرو بن علي) (^٦)، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال عمر: اقرؤنا أُبيَّ، وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أُبي؛ (وذلك أن) (^٧) أُبيا يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ، وقد قال الله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾.
وقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ أي: في الحكم بالنسبة إلى مصلحة المكلفين، كما قال علي بن أبي طلحة (^٨)، عن ابن عباس: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ يقول: خير لكم في المنفعة وأرفق بكم.
وقال أبو العالية (^٩): ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ فلا نعمل بها، "أو ننسأها"؛ أي: نرجئها عندنا. نأت بها، أو نظيرها.
وقال السدي (^١٠): ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يقول: نأت بخير من الذي نسخناه، أو مثل الذي تركناه.
وقال قتادة (^١١): ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يقول: آية فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي.
وقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾:
_________________
(١) في "مسنده" (٥/ ١١٣) وقد مر تخريجه (١/ ٢٤٤، ٢٤٥).
(٢) ساقط من (ض) و(ل).
(٣) ساقط من (ج).
(٤) وقعت هذه الفقرة في (ن) هكذا: "وإنا لندع من بعض قول أني ما يقول أبي وذاك أن أبيا يقول: ما أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ، والله يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ …﴾ [البقرة: ١٠٦]، وكأن الناسخ دخلت له رواية أحمد في رواية البخاري التي بعدها، ولفظ رواية أحمد يختلف قليلًا عما ذكره ابن كثير هنا.
(٥) في "التفسير" (٨/ ١٦٧).
(٦) سقط من كل "الأصول" ولا بد منه، لأن البخاري لم يرو شيئًا عن يحيى القطان، وهو من شيوخ شيوخه، وقد روى البخاري هذا الحديث في "فضائل القرآن" (٩/ ٤٧) عن شيخه صدقة بن الفضل، عن يحيى القطان، ثم رواه في "التفسير" (٨/ ١٦٧) عن شيخه عمرو بن علي عن يحيى القطان، واللفظ الذي أورده المصنف هنا هو لفظ عمرو، لذلك أثبته. والله أعلم.
(٧) ساقط من (ل)؛ وفي (ج): "ذاك".
(٨) أخرجه ابن جرير (١٧٧١) قال: حدثني المثنى؛ وابن أبي حاتم (١٠٧٢) قال: حدثنا أبي قالا: ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة. [وسنده ثابت].
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٧٥). [وسنده جيد].
(١٠) أخرجه ابن جرير (١٧٧٣)؛ وابن أبي حاتم (١٠٧٦). [وسنده حسن].
(١١) أخرجه ابن جرير (١٧٧٢) قال: حدثني الحسن بن يحيى؛ وابن أبي حاتم (١٠٧٧) قال: حدثنا الحسن بن أبي الربيع قالا: ثنا عبد الرزاق وهذا في "تفسيره" (١/ ٥٥)، أنبأنا معمر، عن قتادة. وسنده صحيح.
[ ١ / ٥٥٧ ]
(يرشد تعالى) (^١) بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر، وهو المتصرف؛ فكما (يخلقهم) (^٢) كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقى من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء - كذلك يحكم في عباده بما يشاء؛ فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء؛ وهو الذي يحكم ما يريد؛ لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون؛ ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ؛ فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى؛ فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره، واتباع رسله في تصديق ما أخبروا، وامتثال ما أمروا، وترك ما عنه زجروا.
وفي هذا المقام رد عظيم، وبيان بليغ لكفر اليهود، وتزييف شبهتهم، لعنهم الله، في دعوى استحالة النسخ؛ إما عقلًا كما زعمه بعضهم جهلًا وكفرًا؛ وإما نقلًا كما تخرصه آخرون منهم افتراءً وإفكًا.
قال الإمام أبو جعفر (^٣) بن جرير ﵀: فتأويل الآية: ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السموات والأرض وسلطانهما دون غيري، أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء، (وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء) (^٤)، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي بما أشاء، وأقر فيهما ما أشاء.
ثم قال (^٥): وهذا الخبر وإن كان خطابًا من الله تعالى لنبيه ﷺ على وجه الخبر عن عظمته فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام (لمجيئهما) (^٦) بما جاءا به من عند اللّه بتغيير ما غيَّر الله من حكم التوراة؛ فأخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض وسلطانهما، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته، وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما يشاء، ونهيهم عما يشاء، ونسخ ما يشاء، وإقرار ما يشاء، وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه.
قلت: الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ إنما هو الكفر والعناد؛ فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى؛ لأنه يحكم ما يشاء؛ كما أنه يفعل ما يريد، مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرم ذلك، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات، ثم نسخ حل بعضها، وكان نكاح الأختين مباحًا لإسرائيل وبنيه، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها. [وأمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده، ثم نسخه قبل الفعل، وأمر جمهور بني إسرائيل بقتل] (^٧) [من عبد العجل منهم، ثم رفع عنهم القتل كيلا يستأصلهم القتل] (^٨)، وأشياء كثيرة يطول ذكرها، وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه.
وما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية فلا تصرف الدلالة في المعنى؛ إذ هو المقصود،
_________________
(١) في (ن): "يرشد عباده تعالى".
(٢) في (ن): "خلقهم".
(٣) في "تفسيره" (٢/ ٤٨٨).
(٤) ساقط من (ج).
(٥) يعني: ابن جرير.
(٦) في (ج) و(ل): "بمجيئهما".
(٧) من (ج) و(ل).
(٨) من (ج) و(ل).
[ ١ / ٥٥٨ ]
وكما في كتبهم مشهورًا من البشارة بمحمد (ﷺ) (^١) والأمر باتباعه، فإنه يفيد وجوب متابعته عليه (الصلاة و) (^٢) السلام، وأنه لا يقبل عمل إلا على شريعته، وسواء قيل إن الشرائع المتقدمة مغياة إلى بعثته ﵇، فلا يسمى ذلك نسخًا؛ كقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وقيل: إنها مطلقة، وإن شريعة محمد ﷺ نسختها، فعلى كل تقدير فوجوب (اتباعه) (^٣) (متعين) (^٤)؛ لأنه جاء بكتاب هو آخر الكتب عهدًا بالله ﵎ (^٥).
[ففي هذا المقام (بيَّن) (^٦) تعالى جواز النسخ ردًا على اليهود عليهم لعائن الله، حيث قال تعالى: [﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾] (^٧) (^٨). [﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧) …﴾ الآية، فكما أن له الملك بلا منازع فكذلك له الحكم بما يشاء: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقرئ في "سورة آل عمران" التي نزل صدرها خطابًا مع أهل الكتاب وقوع النسخ (عند اليهود) (^٩) في قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣]، الآية كما سيأتي تفسيره.
والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى، لما له في ذلك من الحكمة البالغة؛ وكلهم قال بوقوعه.
وقال أبو مسلم الأصبهاني المفسر: لم يقع شيء من ذلك في القرآن. وقوله (هذا) (^١٠) ضعيف مردود مرذول. وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ، فمن ذلك قضية العدة بأربعة أشهر وعشر بعد الحول لم يجب عن ذلك بكلام مقبول، وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة عن بيت المقدس لم يجب بشيء، ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين، ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول ﷺ وغير ذلك. والله أعمل] (^١١).
﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾.
نهى الله (تبارك) (^١٢) وتعالى (المؤمنين) (^١٣) في هذه الآية الكريمة عن كثرة سؤال النبي ﷺ عن الأشياء قبل كونها؛ كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، أي: وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين
_________________
(١) ساقط من (ج) و(ل).
(٢) من (ض).
(٣) في (ن): "متابعته".
(٤) كذا في (ج) و(ع) و(ل) و(ن) و(ي). ووقع في (ز) و(ض) و(ك): "معين".
(٥) في هامش (ع): "بلغ مقابلة بقراءة المصنف معارضًا بأصله، فسح الله في مدته وحرسه".
(٦) في (ن): "يبين".
(٧) من (ن).
(٨) من (ج) و(ل) و(ن).
(٩) ساقط من (ن).
(١٠) ساقط من (ن).
(١١) من (ج) و(ل) و(ن).
(١٢) من (ي).
(١٣) من (ن).
[ ١ / ٥٥٩ ]
لكم؛ ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة؛ ولهذا جاء في "الصحيح" (^١): " (إن) (^٢) أعظم المسلمين (في المسلمين) (^٣) جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم (من أجل) (^٤) مسألته". ولهذا جاء في الصحيحين "إن أعظم المسلمين حِرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسالته".
ولما سئل (^٥) رسول الله ﷺ عن الرجل يجد مع امرأته رجلًا فإن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك؛ فكرة رسول الله ﷺ المسائل وعابها، ثم أنزل الله حكم الملاعنة.
ولهذا ثبت في "الصحيحين" (^٦) من حديث المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال.
وفي "صحيح مسلم" (^٧): "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه". وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم أن الله كتب عليهم الحج؛ فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله ﷺ ثلاثًا. ثم قال ﵇: "لا، ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم"؛ ثم قال: "ذروني ما تركتكم … " الحديث.
(ولهذا) (^٨) قال أنس بن مالك (^٩) (﵁) (^١٠): نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في "مسنده" (^١١): أخبرنا أبو كريب، أخبرنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب؛ قال: إن كان ليأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله ﷺ عن الشيء فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب.
وقال البزار (^١٢): حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن
_________________
(١) أخرجه البخاري (١٣/ ٢٦٤)، ومسلم (٢٣٥٨/ ١٣٢ - ١٣٣).
(٢) من (ن).
(٣) من (ج) و(ع).
(٤) في (ج): "لأجل".
(٥) هذا جزء من حديث يرويه الزهري: (صحيح البخاري ٩/ ٤٤٦).
(٦) أخرجه البخاري (٣/ ٣٤١؛ و٥/ ٦٨؛ و١٠/ ٤٠٥)؛ ومسلم (٣/ ١٣١٤).
(٧) بل هو في "صحيح البخاري" (١٣/ ٢٥١) من طريق الأعرج، عن أبي هريرة دون سبب الورود وقد أخرجه مسلم (١٣٣٧/ ١٣١).
(٨) كذا في (ن). وفي باقي "الأصول": "وهكذا".
(٩) أخرجه البخاري (١/ ١٤٩) معلقًا، ووصله مسلم (١٢/ ١٠، ١١).
(١٠) من (ع).
(١١) يعني: في "المسند الكبير" ولم أجده في "المطبوع". وسنده جيد.
(١٢) أخرجه الدارمي (١/ ٤٨) قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، وهو أبو بكر، والطبراني في "الكبير" (ج ١١/ رقم ١٢٢٨٨)؛ والوزير ابن الجراح في "الثاني من الأمالي" (١١٩ - بتحقيقي) من طريق أبي جعفر أحمد بن بديل؛ وأبو يعلى في "مسنده"، كما في "إتحاف الخيرة" (ق ٦٠/ ٢) للبوصيري، قال: حدثنا زهير بن حرب. وابن بطة في "الإبانة" (١/ ٣٩٨) من طريق علي بن حرب قالوا: ثنا ابن فضيل بسنده سواء. وتابع جرير بن عبد الحميد، عن عطاء بن السائب بسنده سواء. ذكره ابن عبد البر في "جامع العلم" (٢/ ١٧٣) وهذا سند ضعيف ومحمد بن فضيل وجرير سمعا من =
[ ١ / ٥٦٠ ]
جبير، عن ابن عباس (﵄) (^١) قال: ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب محمد ﷺ؛ ما سألوه إلا عن ثنتي عشرة مسألة كلها في القرآن. ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] و﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقره:٢١٧]، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة:٢٢٠] يعني: هذا وأشباهه.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: بل تريدون. أو هي على بابها في الاستفهام؛ وهو إنكاري، وهو يعم المؤمنين والكافرين؛ فإنه ﵇ رسول الله إلى الجميع؛ كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣].
قال محمد بن إسحاق (^٢): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد، عن ابن عباس؛ قال: قال رافع بن حريملة ووهب بن زيد: يا محمد، ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه. وفجر لنا أنهارًا نتبعك ونصدقك. فأنزل الله من قولهم ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾.
وقال أبو جعفر الرازي (^٣)، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية - في قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ قال: قال رجل: يا رسول الله، لو كانت كفاراتنا ككفارات بني إسرائيل؟ فقال النبي ﷺ: اللهم لا نبغيها - ثلاثًا - ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل؛ كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبةً على بابه وكفارتها؛ فإن كفر كانت له خزيًا في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزيًا في الآخرة، فما أعطاكم اللّه خير مما أعطى بني إسرائيل. قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء].
وقال (^٤): "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن".
وقال (^٥): "من همَّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت سيئة واحدة، ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ولا يهلك على الله إلا هالك"؛ فأنزل الله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾.
وقال مجاهد (^٦): ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أن يريهم الله جهرةً.
_________________
(١) = عطاء بن السائب بعد الاختلاط. والحديث عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٥٨٦) لابن المنذر.
(٢) من (ل).
(٣) أخرجه ابن جرير (١٧٧٧)؛ وابن أبي حاتم (١٠٨١) من طريق سلمة بن الفضل، زاد ابن جرير: ويونس بن بكير، قالا: ثنا ابن إسحاق بسنده سواء. [وسنده حسن].
(٤) أخرجه ابن جرير (١٧٨٣)؛ وابن أبي حاتم (١٠٨٣) من طريق عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه بهذا الإسناد. وهذا سند ضعيف لإرساله.
(٥) هذا استشهاد من أبي العالية، ولكن الحديث صحيح. أخرجه مسلم (٢٣٣/ ١٤).
(٦) أخرجه البخاري في "كتاب الرقاق" (١١/ ٣٢٣)؛ وأخرجه مسلم (١٣١/ ٢٠٨).
(٧) أخرجه ابن جرير (١٧٨٠) من طريق عيسى؛ وابن أبي حاتم (١٠٨٢) من طريق ورقاء كلاهما عن ابن نجيح، عن مجاهد فذكره وهذا سند ضعيف لإرساله فمجاهد لم يدرك النبي ﷺ وأخرجه ابن جرير=
[ ١ / ٥٦١ ]
قال: سألت قريش محمدًا ﷺ أن يجعل لهم "الصفا" ذهبًا، قال: "نعم وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل"؛ فأبوا ورجعوا.
وعن السدي (^١) وقتادة (^٢) نحو هذا. والله أعلم.
والمراد أن الله ذم من سأل الرسول ﷺ عن شيء على وجه التعنت، والاقتراح، كما سألت بنو إسرائيل موسى ﵇ تعنتًا وتكذيبًا وعنادًا.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ أي: ومن (يشتر) (^٣) الكفر بالإيمان ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال.
وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء واتباعهم والانقياد لهم إلى مخالفتهم وتكذيبهم والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها على وجه التعنت والكفر؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾ [إبراهيم].
وقال أبو العالية (^٤): يتبدل الشدة بالرخاء.
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾.
يحذر (تبارك و) (^٥) تعالى عباده المؤمنين عن سلوك (طرائق) (^٦) الكفار من أهل الكتاب، ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر، وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم؛ ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو والاحتمال، حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح؛ ويأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ ويحثهم على ذلك ويرغبهم فيه؛ كما قال محمد بن إسحاق (^٧): حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن
_________________
(١) = (١٧٨١) من طريق ابن جريج، عن مجاهد مثله. وقد قدمنا غير مرة أن ابن جريج لم يسمع من مجاهد إلا حرفًا. [ويتقوى بالمراسيل التالية].
(٢) أخرجه ابن جرير (١٧٧٩) قال: حدثنا موسى بن هارون؛ وابن أبي حاتم (١٠٨٤) قال: حدثنا أبو زرعة قالا: ثنا عمرو بن حماد بن طلحة، عن السدي فذكر الآية ثم قال: فسألت العرب رسول الله ﷺ أن يأتيهم بالله فيروه جهرة. [وسنده حسن لكنه مرسل ويتقوى بسابقه ولاحقه].
(٣) أخرجه ابن جرير (١٧٧٨) من طريق يزيد بن زريع ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة مثل قول السدي. وأشار إليه ابن أبي حاتم (١/ ٣٣٠) [وسنده حسن لكنه مرسل ويتقوى بما سبق].
(٤) في (ج) و(ك) و(ل) و(ن) و(ي): "يشتري".
(٥) أخرجه ابن جرير (١٧٨٤)؛ وابن أبي حاتم (١٠٨٥) من طريق عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه عن أبي العالية؛ وأخرجه ابن جرير (١٧٨٥) من طريق حجاج عن ابن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية. [وسنده جيد].
(٦) من (ل).
(٧) في (ن): "طريق".
(٨) أخرجه ابن إسحاق، ومن طريقه ابن جرير (١٧٨٨)؛ وابن أبي حاتم (١٠٨٨). [وسنده حسن].
[ ١ / ٥٦٢ ]
ابن عباس؛ قال: كان حيي بن أخطب، وأبو ياسر بن أخطب، من أشد يهودٍ للعرب حسدًا؛ إذ خصهم الله برسوله ﷺ؛ وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام ما استطاعا؛ فأنزل الله فيهما: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ …﴾ الآية.
[وقال عبد الرزاق (^١)، عن معمر، عن الزهري في قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (^٢) قال: هو كعب بن الأشرف.
وقال ابن أبي حاتم (^٣): حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللّه بن كعب بن مالك، عن أبيه: أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرًا، وكان يهجو النبي ﷺ (وفيه) (^٤) أنزل الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ …﴾ إلى قوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾.
وقال الضحاك (^٥)، عن ابن عباس: إن رسولًا أميًّا يخبرهم بما في أيديهم من (الرسل والكتب) (^٦) والآيات، ثم يصدق بذلك كله مثل تصديقهم، ولكنهم جحدوا ذلك كفرًا وحسدًا وبغيًا. وكذلك قال الله تعالى: ﴿كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ يقول (^٧): من بعد ما أضاء لهم الحق لم يجهلوا منه شيئًا، ولكن الحسد حملهم على الجحود؛ فعيرهم ووبخهم ولامهم أشد الملامة؛ وشرع لنبيه ﷺ وللمؤمنين ما هم عليه من التصديق والإيمان والإقرار (بما أنزل الله (^٨) عليهم)، وما أنزل من قبلهم بكرامته وثوابه الجزيل ومعونته لهم.
وقال الربيع (^٩) بن أنس: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ من قبل أنفسهم.
وقال أبو العالية (^١٠): [﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾] (^١١) من بعد ما تبين (لهم) (^١٢) أن محمدًا رسول الله، يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، فكفروا به حسدًا وبغيًا؛ إذ كان من غيرهم.
وكذا قال قتادة (^١٣)، والربيع بن أنس (^١٤) والسدي.
_________________
(١) في "تفسيره" (١/ ٥٥) ومن طريقه ابن جرير (١٧٨٦)؛ وابن أبي حاتم (١٠٨٩). [وسنده صحيح].
(٢) ساقط من (ج).
(٣) في "تفسيره" (١٩٠٠). [وسنده صحيح]. وقد روى جابر بن عبد الله ﵄ قصة مقتل كعب بن الأشرف. أخرجه البخاري في "كتاب الرهن" (٥/ ١٤٢)؛ وفي "كتاب المغازي" (٧/ ٣٣٦، ٣٣٧).
(٤) في (ج) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى): "فيهم".
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٩١) وسنده ضعيف.
(٦) في (ز) و(ن): "الكتب والرسل".
(٧) يعني: ابن عباس بالإسناد المتقدم آنفًا. وقد أخرج هذه الرواية ابن أبي حاتم أيضًا (١٠٩٣)؛ وابن جرير (١٧٩٥).
(٨) في (ز) و(ض): "بما أنزل عليهم".
(٩) أخرجه ابن جرير (١٧٨٩)؛ وابن أبي حاتم (١٠٩٢) [وسنده جيد].
(١٠) أخرجه ابن جرير (١٧٩١)؛ وابن أبي حاتم (١٠٩٤) [وسند جيد].
(١١) ساقط من (ج).
(١٢) من (ج) و(ع) و(ل).
(١٣) أخرجه ابن جرير (١٧٩٠) بسند صحيح.
(١٤) أخرجه ابن جرير (١٧٩٢) [وسنده جيد].
[ ١ / ٥٦٣ ]
وقوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ مثل قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا …﴾ [آل عمران: ١٨٦].
قال علي بن أبي طلحة (^١)، عن ابن عباس - في قوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ نسخ ذلك قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ …﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فنسخ هذا عفوه عن المشركين.
وكذا قال أبو العالية (^٢)، والربيع بن أنس (^٣)، وقتادة (^٤)، والسدي (^٥): إنها منسوخة بآية السيف؛ ويرشد إلى ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (^٦): حدثنا أبي، حدثنا (أبو اليمان) (^٧)، حدثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد أخبره؛ قال: كان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى؛ قال الله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ [البقرة: ١٠٩].
وكان رسول الله ﷺ من العفو ما أمره الله به حتى أذن الله (فيهم بقتل) (^٨) فقتل الله به من قتل من صناديد قريش. وهذا (إسناد) (^٩) صحيح ولم أره في شيء من الكتب الستة؛ [ولكن له أصل في "الصحيحين" (^١٠)، عن أسامة بن زيد] (^١١) (﵄ - (^١٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (يحثهم) (^١٣) تعالى على الاشتغال بما ينفعهم وتعود عليهم عاقبته يوم القيامة؛ من إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، حتى يمكن لهم الله النصر في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد؛ ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر]، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يعني: أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل، ولا يضيع لديه، سواء كان خيرًا أو شرًا؛ فإنه سيجازي كل عامل بعمله.
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٧٩٦) قال: حدثني المثنى؛ وابن أبي حاتم (١٠٩٦) قال: حدثنا أبي قالا: حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة. [وسنده ثابت].
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٩٧). [وسنده جيد].
(٣) أخرجه ابن جرير (١٧٩٨). [وسنده جيد].
(٤) أخرجه ابن جرير (١٧٩٧) من طريق سعيد بن أبي عروبة. وأيضًا (١٧٩٩) من طريق عبد الرزاق وهذا في "تفسيره" (١/ ٥٥) قال: نا معمر بن راشد كلاهما عن قتادة. [وسنده صحيح].
(٥) أخرجه ابن جرير (١٨٠٠) وأبو جعفر النحاس في "الناسخ والمنسوخ" (١/ ٥١٤) [وسنده حسن].
(٦) في "تفسير" (١٠٩٥). [وصحح سنده الحافظ ابن كثير].
(٧) في (ك): "أبو الوليد" وهو خطأ؛ وفي (ن): "أبو اليماني"!
(٨) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى) وفي (ل): "فيهم بالقتال"؛ وفي (ن): "فيهم بالقتل".
(٩) في (ز) و(ن): "إسناده".
(١٠) يشير المصنف إلى ما أخرجه البخاري في "كتاب التفسير" (٨/ ٢٣٠، ٢٣١)؛ وفي "كتاب الأدب" (١٠/ ٥٩١، ٥٩٢).
(١١) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى).
(١٢) من (ج) و(ل).
(١٣) في (ز) و(ض): "يحث".
[ ١ / ٥٦٤ ]
وقال أبو جعفر بن جرير (^١) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ هذا الخبر من الله للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين أنهم مهما فعلوا من خير أو شر، سرًا وعلانيةً، فهو به بصير لا يخفى عليه منه شيء، فيجزيهم بالإحسان خيرًا وبالإساءة مثلها.
وهذا الكلام وإن كان (خرج) (^٢) مخرج الخبر فإن فيه وعدًا ووعيدًا، وأمرًا وزجرًا؛ وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم ليجدِّوا في طاعته؛ (إذا) (^٣) كان ذلك (مذخورًا) (^٤) لهم عنده حتى يثيبهم عليه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وليحذروا معصيته.
قال: وأما قوله: ﴿بَصِيرٌ﴾ فإنه مبصر، صرف إلى: "بصير"، كما صرف مبدع إلى: "بديع"، ومؤلم إلى: "أليم". والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم (^٥): حدثنا أبو زرعة، حدثنا ابن بكير، حدثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو (يقترئ) (^٦) هذه الآية: سميع بصير - يقول: "بكل شيء بصير".
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾.
يبين تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه، حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على (ملتها) (^٧)، كما أخبر (الله) (^٨) عنهم في سورة المائدة أنهم قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه (يعذبهم) (^٩) بذنوبهم، ولو كانوا كما ادعوا لما كان الأمر كذلك، وكما تقدم (من) (^١٠) دعواهم أنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودةً، ثم ينتقلون إلى الجنة، ورد عليهم تعالى في ذلك.
وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة ولا بينة؛ فقال: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾.
وقال أبو العالية (^١١): أماني تمنوها على الله بغير حق.
_________________
(١) في "تفسيره" (٢/ ٥٠٦ - شاكر).
(٢) كذا في "الأصول"؛ وفي "تفسير الطبري"؛ وفي (ن): "قد خرج".
(٣) في (ج) و(ل): "إذ".
(٤) كذا في (ج).
(٥) في "تفسيره" (١١٠٠) وسنده ضعيف.
(٦) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى)؛ وفي (ز) و(ض): "يفسر"؛ وفي (ن): "يقرأ".
(٧) في (ل): "مثلها".
(٨) لفظ الجلالة من (ز) و(ن).
(٩) كذا في (ج و(ض) و(ع) و(ن) و(ل) و(ى)؛ وفي (ن): "معذبهم" وأشار إليها ناسخ (ى).
(١٠) في (ج) و(ل): "في".
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٠٢). [وسنده جيد].
[ ١ / ٥٦٥ ]
وكذا قال قتادة (^١)، والربيع بن أنس (^٢).
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ قال أبو العالية (^٣)، ومجاهد (^٤)، والسدي، والربيع بن أنس: حجتكم.
وقال قتادة (^٥): بينتكم على ذلك.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (أي: فيما تدعونه) (^٦).
ثم قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ …﴾ الآية [آل عمران: ٢٠].
وقال أبو العالية (^٧)، والربيع (^٨): ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ يقول: من أخلص لله.
وقال سعيد بن جبير (^٩): ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ﴾ أخلص. ﴿وَجْهَهُ﴾ قال: دينه ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: (متبع) (^١٠) فيه الرسول ﷺ فإن (للعمل) (^١١) المتقبل شرطين:
أحدهما: أن يكون خالصًا لله وحده. والآخر: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، فمتى كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يتقبل؛ ولهذا قال (رسول الله) (^١٢) ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" رواه مسلم (^١٣) من حديث عائشة عنه عليه (الصلاة و) (^١٤) السلام، فعمل الرهبان ومن شابههم وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله فإنه لا يتقبل منهم حتى يكون ذلك متابعًا للرسول (محمد) (^١٥) ﷺ المبعوث إليهم وإلى الناس كافةً. وفيهم وأمثالهم قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩].
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٨٠٢). [وسنده صحيح].
(٢) أخرجه ابن جرير (١٨٠٣). [وسنده جيد].
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٠٣). [وسنده جيد].
(٤) أثر مجاهد وما بعده، عند ابن جرير (١٨٠٥، ١٨٠٦، ١٨٠٧). [وسنده صحيح].
(٥) أخرجه ابن جرير (١٨٠٤) من طريق يزيد بن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة. [وسنده صحيح]. وأخرجه ابن أبي حاتم (١١٠٤) من طريق يونس بن محمد المؤدب، ثنا شيبان النحوي، عن قتادة. وكلاهما صحيح.
(٦) في (ز) و(ض): "كما تدعونه".
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٠٦). [وسنده جيد].
(٨) أخرجه ابن جرير (١٨١٠). [وسنده جيد].
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٠٧) قال: ذكر عن يحيى بن آدم، ثنا ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير. وسنده ضعيف.
(١٠) في (ن): "اتبع".
(١١) في (ك): "في العمل".
(١٢) من (ن).
(١٣) يرويه عبد الله بن جعفر المخرمي، قال: حدثني سعد بن إبراهيم قال: سألت القاسم بن محمد عن رجل له ثلاثة مساكن، فأوصى بثلث كل مسكن منها، قال: يجمع ذلك كله في مسكن واحد، ثم قال: أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "من عمل عملًا … الحديث" أخرجه البخاري (٥/ ٣٠١) معلقًا ووصله في "خلق الأفعال" (٢١٤)؛ وكذلك مسلم (١٧١٨/ ١٨) والسياق له.
(١٤) من (ن).
(١٥) من (ج) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى).
[ ١ / ٥٦٦ ]
[وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥)﴾] (^١) [الغاشية].
وروي عن أمير المؤمنين عمر (﵁) (^٢) أنه تأولها في الرهبان كما سيأتي.
وأما إن كان العمل موافقًا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله (تعالى) (^٣) فهو أيضًا مردود على فاعله. وهذا حال (المنافقين والمرائين) (^٤)؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢] وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون] ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾.
وقوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور، وأمنهم مما يخافونه من المحذور، فـ ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبلونه، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما مضى مما يتركونه؛ كما قال سعيد بن جبير: فـ ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: في الآخرة؛ ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (يعني: لا يحزنون) (^٥) للموت.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ (يبين) (^٦) به تعالى تناقضهم وتباغضهم، وتعاديهم وتعاندهم؛ كما قال محمد بن إسحاق (^٧): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله ﷺ، أتتهم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله ﷺ: فقال رافع بن حُريملة: ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى والإنجيل، وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شيء، وجحد نبوة موسى، وكفر بالتوراة؛ فأنزل الله في ذلك في قولهما: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ قال: إن كلًا يتلو في كتابه تصديق من كفر به؛ (أن) (^٨) يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة فيها ما أخذ اللّه عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى، وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى، وما جاء من التوراة من عند الله؛ وكل يكفر بما في (يدي) (^٩) صاحبه.
وقال مجاهد (^١٠) في تفسير هذه الآية: قد كانت أوائل اليهود والنصارى على شيء.
_________________
(١) ساقط من (ز) و(ض).
(٢) من (ك) و(ن) و(ى).
(٣) من (ج) و(ض) و(ك) و(ل) و(ى).
(٤) في (ن): "المرائين والمنافقين".
(٥) ساقط من (ز) و(ض).
(٦) في (ن): "بين".
(٧) أخرجه ابن جرير (١٨١١)؛ وابن أبي حاتم (١١١٠) من طريق محمد بن إسحاق به. [وسنده حسن].
(٨) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل). ووقع في (ز) و(ض) و(ن) و(ى): "أي".
(٩) في (ز) و(ن): "يد".
(١٠) أخرجه ابن جرير (١٨١٤) من طريق ابن جريج عن مجاهد. وابن جريج لم يسمع من مجاهد إلا حرفًا.
[ ١ / ٥٦٧ ]
وقال قتادة (^١): ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ قال: (بلى) (^٢). قد كانت أوائل النصارى على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾ قال: بلى؛ قد كانت أوائل اليهود على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا.
وعنه رواية أخرى؛ كقول أبي العالية (^٣)، والربيع بن أنس (^٤)، في تفسير هذه الآية: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ.
وهذا القول يقتضي أن كلًا من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى؛ ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم فيما قالوه مع علمهم بخلاف ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: وهم يعلمون أن شريعة التوراة والإنجيل كل منهما قد كانت مشروعةً في وقت، (ولكن) (^٥) تجاحدوا فيما بينهم (عنادًا وكفرًا) (^٦)، ومقابلةً للفاسد بالفاسد؛ كما تقدم عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة في الرواية الأولى عنه في تفسيرها. والله أعلم.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ بين بهذا جهل اليهود والنصارى فيما تقابلوا به من القول؛ وهذا من باب الإيماء والإشارة.
وقد اختلف فيمن عني بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فقال الربيع بن أنس (^٧)، وقتادة (^١): ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ قالا: وقالت النصارى مثل قول اليهود وقيلهم.
وقال ابن جريج (^٨): قلت لعطاء: من هؤلاء الذين لا يعلمون؟ قال: أمم كانت قبل اليهود والنصارى، وقبل التوراة والإنجيل.
وقال السدي (^٩): ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فهم العرب؛ قالوا: ليس محمد على شيء.
واختار أبو جعفر بن جرير (^١٠) أنها عامة تصلح للجميع، وليس ثم دليل قاطع يعين واحدًا من هذه الأقوال، (فالحمل) (^١١) على الجميع أولى. والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: إنه تعالى (يجمع) (^١٢) بينهم يوم المعاد، ويفصل بينهم بقضائه العدل الذي لا يجور فيه، ولا يظلم مثقال الذرة.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١١١١) من طريق يونس بن محمد، ثنا شيبان النحوي عن قتادة، وأخرجه ابن جرير (١٨١٣) من طريق يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وكلاهما صحيح.
(٢) في (ج) و(ل): "بل".
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (١١١٢). [وسنده جيد]
(٤) أخرجه ابن جرير (١٨١٢). [وأخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد].
(٥) في (ن): "ولكنهم".
(٦) في (ل): "كفرًا وعنادًا".
(٧) أخرج الأثرين معًا: ابن جرير (١٨١٦، ١٨١٧). [وسنده صحيح] وأخرج ابن أبي حاتم (١١١٦) أثر أبي العالية. [وسنده جيد].
(٨) أخرجه ابن جرير (١٨١٨). [وأخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن].
(٩) أخرجه ابن جرير (١٨١٩) قال: حدثني موسى بن هارون؛ وابن أبي حاتم (١١١٤). قال: حدثنا أبو زرعة قالا: ثنا عمرو بن حماد بن طلحة، ثنا أسباط، عن السدي. [وسنده حسن]
(١٠) في "تفسيره" (٢/ ٥١٧، ٥١٨).
(١١) في (ن) "والحمل".
(١٢) في (ل): "يحكم".
[ ١ / ٥٦٨ ]
وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾ [الحج: ١٧] وكما قال تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾ [سبأ: ٢٦].
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾.
اختلف المفسرون في المراد من الذين منعوا (﴿مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾) (^١)، وسعوا في خرابها على قولين:
أحدهما: ما رواه العوفي في "تفسيره" (^٢) عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قال: هم النصارى.
وقال مجاهد (^٣): هم النصارى، كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.
وقال عبد الرزاق (^٤): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: هو بختنصر وأصحابه، خرب بيت المقدس، وأعانه على ذلك النصارى.
وقال سعيد (^٥)، عن قتادة؛ قال: أولئك أعداء الله النصارى، حملهم بُغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس.
وقال السدي (^٦): كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس، حتى خربه، وأمر (به) (^٧) أن تطرح فيه الجيف؛ وإنما أعانه الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا.
وروى نحوه عن الحسن البصري (^٨).
القول الثاني: ما رواه ابن جرير (^٩): حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب؛ قال:
_________________
(١) في (ل) "مساجد الله أن يذكر فيها اسمه".
(٢) ومن طريقه ابن جرير (١٨٢٠)؛ وابن أبي حاتم (١١١٨) وسنده ضعيف. أخرجه ابن جرير (١٨٢١) من طريق عيسى بن ميمون وأيضًا (١٨٢٢) من طريق شبل بن عباد؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١١١٩) من طريق ورقاء بن عمر اليشكري ثلاثتهم عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد. وسنده صحيح.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٨٢١، ١٨٢٢)؛ وابن أبي حاتم (١١١٢) من طرق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. [سنده صحيح]
(٤) في "تفسيره" (١/ ٥٦) ومن طريقه ابن جرير (١٨٢٤)؛ وابن أبي حاتم (١١٢٠). [وسنده صحيح]
(٥) أخرجه ابن جرير (١٨٢٣) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.
(٦) أخرجه ابن جرير (١٨٢٥). [سنده حسن]
(٧) ساقط من (ن).
(٨) نبَّه عليه ابن أبي حاتم (١/ ٣٤٢).
(٩) في "تفسيره" (١٨٢٦) وسنده صحيح إلى ابن زيد، ولا يصح مرفوعًا من هذا الوجه.
[ ١ / ٥٦٩ ]
ابن زيد - في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: هؤلاء المشركون حين حالوا بين رسول الله ﷺ يوم الحديبية وبين أن يدخل مكة حتى نحر هديه بذي طوى، وهادنهم، (وقال) (^١) لهم: ما كان أحد يصد عن هذا البيت، وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده. فقالوا: لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق.
وفي قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: إذ قطعوا من يعمرها بذكره، ويأتيها للحج والعمرة.
وقال ابن أبي حاتم (^٢)، ذكر عن سلمة؛ قال: محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس - أن قريشًا منعوا النبي ﷺ الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ ثم اختار ابن جرير (^٣) القول الأول. واحتج بأن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة، وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس.
قلت: والذي يظهر - والله أعلم - القول الثاني، كما قاله ابن زيد، و(روي عن) (^٤) ابن عباس؛ لأن النصارى إذا منعت اليهود الصلاة في البيت المقدس كان دينهم أقوم من دين اليهود، وكانوا أقرب منهم، ولم يكن ذكر الله من اليهود مقبولًا إذ ذاك؛ لأنهم لعنوا من قبل على لسان داود وعيسى بن مريم؛ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.
وأيضا فإنه تعالى لما وجه الذم في حق اليهود والنصارى شرع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسول ﷺ وأصحابه من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام.
وأما اعتماده على أن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة، فأي خراب أعظم مما فعلوا؟ أخرجوا عنها رسول الله ﷺ وأصحابه، واستحوذوا عليهم بأصنامهم وأندادهم وشركهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ [الأنفال: ٣٤]. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٧]. وقال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾ [الفتح: ٢٥] فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨]، فإذا كان من هو كذلك مطرودًا منها مصدودًا عنها؛ فأي خراب لها أعظم من ذلك؟ وليس المراد من عمارتها زخرفتها، وإقامة صورتها فقط؛ إنما عمارتها بذكر الله فيها، وإقامة شرعه فيها، ورفعها من الدنس والشرك.
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ هذا خبر معناه الطلب؛ أي: لا
_________________
(١) في (ج): "وكان"!
(٢) في "تفسيره" (١١١٧).
(٣) (١/ ٥٢٢ - ٥٢٤) في كلام طويل.
(٤) ساقط من (ج) و(ل).
[ ١ / ٥٧٠ ]
تمكِّنوا هؤلاء، إذا قدرتم عليهم، من دخولها إلا تحت الهدنة والجزية؛ ولهذا لما فتح رسول الله ﷺ مكة أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادى برحاب منى: "ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته" (^١).
وهذا كان تصديقًا وعملًا بقوله (تعالى) (^٢): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
وقال بعضهم: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم، فضلًا عن أن يستولوا عليها، (و) (^٣) يمنعوا المؤمنين منها.
والمعنى: ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وغيرهم.
وقيل: إن هذا بشارة من الله للمسلمين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد منهم إلا خائفًا، يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل إن لم يسلم.
وقد أنجز الله هذا الوعد كما تقدم من منع المشركين من دخول (الحرم) (^٤) وأوصى رسول الله ﷺ (^٥) أن لا يبقى بجزيرة العرب دينان، وأن يجلى اليهود والنصارى منها. ولله الحمد والمنة.
وما ذاك إلا (لتشريف) (^٦) أكناف المسجد الحرام، وتطهير البقعة التي بعث الله فيها رسوله إلى الناس كافةً بشيرًا ونذيرًا، صلوات الله (وسلامه) (^٧) عليه. وهذا هو الخزي لهم في الدنيا؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فكما صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام صدوا عنه، وكما أجلوهم من مكة أُجْلوا عنها.
﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ على ما انتهكوا من حرمة البيت وامتهنوه من نصب الأصنام حوله، (والدعاء إلى) (^٨) غير الله عنده، والطواف به عربًا، وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله.
وأما من فسره (ببيت) (^٩) المقدس؛ فقال كعب الأحبار (^١٠): إن النصارى لما ظهروا على بيت
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٨٧١، ٨٧٢، ٣٠٩٢). قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"؛ وقال الدارقطني في "العلل" (٣/ ١٦٤): "وهو المحفوظ" وقد رواه عن أبي إسحاق السبيعي: "سفيان الثوري، ومعمر بن راشد، وزهير بن معاوية، وزكريا بن أبي زائدة، ويونس بن أبي إسحاق، وغيرهم". ورواه من الصحابة: أبو هريرة وابن عباس ﵃، وحديث أبي هريرة في "الصحيحين" مختصر عما أورده المصنف.
(٢) ساقط من (ج) و(ل).
(٣) في (ز) و(ض): "أو".
(٤) في (ز) و(ن): "المسجد الحرام".
(٥) أخرجه مسلم (١٧٦٧/ ١٦٣).
(٦) في (ز) و(ك): "تشريف".
(٧) ساقط من (ج) و(ز) و(ض).
(٨) في (ن): "ودعاء".
(٩) في (ز): "بيت".
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (١١٢٢) قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا موسى بن إبراهيم المعلم أبو علي=
[ ١ / ٥٧١ ]
المقدس (خربوه) (^١)، فلما بعث الله محمدًا ﷺ أنزل عليه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ …﴾ الآية؛ فليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفًا.
وقال السدي (^٢): فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن تضرب عنقه، أو قد أُخيف بأداء الجزية فهو يؤديها.
وقال قتادة (^٣): لا يدخلون المساجد إلا مسارقةً.
قلت: وهذا لا ينفى أن يكون داخلًا في معنى عموم الآية؛ فإن النصارى لما ظلموا بيت المقدس بامتهان الصخرة التي كانت تصلي إليها اليهود عوقبوا شرعًا وقدرًا بالذلة فيه، إلا في أحيان من الدهر (امتحن) (^٤) بهم بيت المقدس. وكذلك اليهود لما عصوا الله فيه أيضًا أعظم من عصيان النصارى كانت عقوبتهم أعظم. والله أعلم.
وفسر هؤلاء الخزي في الدنيا بخروج المهدي عند السدي (^٥)، وعكرمة، ووائل بن داود.
وفسره قتادة بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون.
والصحيح أن الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله.
وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة؛ كما قال الإمام أحمد (^٦): حدثنا
_________________
(١) = الجذامي، حدثني خازن بيت المقدس، عن ذي الكلاع، عن كعب الأحبار فذكره. وسنده ضعيف. وخازن بيت المقدس مجهول.
(٢) في (ك): "حرقوه".
(٣) أخرجه ابن جرير (١٨٢٩) قال: حدثنا موسى، وابن أبي حاتم (١١٢٣) قال: حدثنا أبو زرعة قالا: ثنا عمرو بن حماد، ثنا أسباط، عن السدي فذكره وعند ابن أبي حاتم: فإن الروم ظاهروا "بختنصر" على خراب بيت المقدس، فليس في الأرض رومي … إلخ وسنده حسن.
(٤) أخرجه ابن جرير (١٨٢٨) قال: حدثنا الحسن بن يحيى؛ وابن أبي حاتم (١١٢٤) قال حدثنا الحسن بن أبي الربيع قالا: ثنا عبد الرزاق وهذا في "تفسيره" (١/ ٥٦) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة. [وسنده صحيح].
(٥) كذا في (ج) و(ع) و(ل) و(ن) و(ي)؛ وفى (ز) و(ض): "أسخن"؛ وفى (ك): "سخر"!!
(٦) أخرجه ابن جرير (١٨٣٢)؛ وابن أبي حاتم (١١٢٥). [وسنده حسن]
(٧) في "سنده" (٤/ ١٨١). وأخرجه عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (٤/ ١٨١) وعنه الطبراني في "الدعاء" (١٤٣٦) قال: حدثني الهيثم بن خارجة بسنده سواء؛ وأخرجه ابن حبان (٩٤٩)؛ وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٤٣٨) قالا: حدثنا أحمد بن الحسن الصوفي؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٢/ رقم ١١٩٦) قال: حدثنا موسى بن هارون؛ وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (١/ ٤١٤) ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٣/ ٣٤٥) من طريق أحمد بن يحيى الحلواني؛ والخطيب في "تاريخه" (١٤/ ٢٣٧) من طريق أحمد بن الحسن بن عبد الجبار - هو الصوفي - قالوا جميعًا: ثنا الهيثم بن خارجة بسنده سواء. وتوبع الهيثم. تابعه عبد الأعلى بن مسهر، ثنا محمد بن أيوب بسنده سواء. أخرجه أبو زرعة الدمشقي في "تاريخه" (١/ ٣٧٥، ٣٧٦)؛ وابن عدي (٢/ ٤٣٨)؛ وأبو نعيم في "المعرفة" (١/ ٤١٤)؛ وابن عساكر (١٠/ ١٣٣؛ و١٣/ ٣٤٥). وتابعه أيضًا هشام بن عمار، ثنا محمد بن أيوب بن ميسرة بهذا الإسناد.=
[ ١ / ٥٧٢ ]
الهيثم بن خارجة، حدثنا محمد بن أيوب بن ميسرة بن (حلبس) (^١)، سمعت أبي يحدث عن (بسر) (^٢) بن أرطاة؛ قال: كان رسول الله ﷺ يدعو: "اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة".
وهذا حديث حسن؛ وليس (هو) (^٣) في شيء من الكتب الستة، وليس لصحابيه وهو بسر بن أرطاة - ويقال: ابن أبي أرطاة - حديث سواه، وسوى حديث (^٤): "لا تقطع الأيدي في الغزو " (^٥).
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾.
وهذا - والله أعلم - فيه تسلية للرسول ﷺ وأصحابه الذين أخرجوا من مكة، وفارقوا مسجدهم ومصلاهم؛ وقد كان رسول (^٦) الله ﷺ يصلي بمكة إلى بيت المقدس والكعبة [بين يديه؛ فلما قدم المدينة وجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، ثم صرفه الله إلى الكعبة] (^٧) بعد؛ ولهذا يقول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب "الناسخ والمنسوخ" (^٨): حدثنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن
_________________
(١) = أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ١/ ٣٠ و١/ ٢/ ١٢٣)؛ وفي "التاريخ الصغير" (١/ ٢٨١)؛ وابن حبان (٩٤٩) وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٨٥٩)؛ وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٠/ ١٣٢). ووقع عند ابن حبان: "أحسن عافيتنا" بالفاء لا بالقاف وقد حسن المصنف الحديث، ونقل الزبيدي في "شرح الإحياء" (٦/ ١٨٧؛ و٩/ ١٤٧) عن الحافظ العراقي أنه قال: "إسناده جيد".
(٢) في (ل): "حابس".
(٣) في (ن): "بشر" بالشين المعجمة وهو خطأ.
(٤) ساقط من (ن).
(٥) وهو حديث حسن. أخرجه الترمذي في "سننه" (١٤٥٠)؛ وفي "العلل الكبير" (ص ٦١٢، ٦١٣) قال: حدثنا قتيبة بن سعيد والدارمي (١/ ١٥٠) قال: حدثنا بشر بن عمر الزهراني؛ وأحمد (٤/ ١٨١) قال: حدثنا حسن بن موسى؛ وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٤٣٩)؛ وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (١/ ٤١٣) من طريق قتيبة بن سعيد، وابن قانع في "معجم الصحابة" (١/ ٨٤) من طريق الوليد بن مسلم؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٢/ رقم ١١٩٥) من طريق أسد بن موسى قالوا جميعًا: ثنا ابن لهيعة، عن عياش بن عباس، عن شييم بن بيتان، عن جنادة بن أبي أمية، عن بُسر بن أرطاة مرفوعًا … فذكره. قال الترمذي: "هذا حديث غريب". وقال ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٤٣٩): "لا أرى بالإسناد بأسًا" ونقله عنه ابن عساكر في "تاريخه" (١٠/ ١٤٨). (*) قلت: وهذا سند جيد، ولم يتفرد به ابن لهيعة.
(٦) في هامش (ع): "بلغ مقابلة بقراءة المصنف معارضًا بأصله، فسح الله في مدته".
(٧) سيأتي تخريجه إن شاء اللّه عند تفسير الآية (١٤٢) من سورة البقرة.
(٨) ساقط من (ج).
(٩) رقم (٢١)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١١٣٠) قال: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، ثنا حجاج بن محمد بسنده سواء. وأخرجه الحاكم (٢/ ٢٦٧) وعنه البيهقي (٢/ ١٢) من طريق محمد بن الفرج الأزرق، ثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي ووافقهما الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على "تفسير الطبري" (٢/ ٥٢٨).
[ ١ / ٥٧٣ ]
جريج، وعثمان بن عطاء؛ عن عطاء؛ عن ابن عباس؛ قال: أوَّل ما نسخ لنا من القرآن فيما ذكر لنا، والله أعلم، شأن القبلة؛ قال (الله) (^١) تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ﴾ فاستقبل رسول الله ﷺ فصلى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق ثم صرفه الله إلى (البيت) (^٢) العتيق ونسخها، [وصرفه إلى البيت العتيق] (^٣) فقال:
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠].
وقال علي بن أبي طلحة (^٤): عن ابن عباس؛ قال: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة؛ وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكان أهلها اليهود، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم، وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)] (^٥)﴾ [البقرة: ١٤٢]، وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
وقال عكرمة (^٦)، عن ابن عباس: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ قال: قبلة الله أينما توجهت شرقًا أو غربًا.
وقال مجاهد (^٧): ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (حيثما) (^٨) كنتم فلكم قبلة تستقبلونها (للكعبة) (^٩).
وقال ابن أبي حاتم (^١٠)
_________________
(١) لفظ الجلالة من (ن) و(ل) و(ع).
(٢) في (ز) و(ن): "بيته"؛ وفي (ج) و(ل): "بيت".
(٣) من (ج) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى).
(٤) وأخرجه ابن جرير (١٨٣٣) قال: حدثني المثنى، هو ابن إبراهيم؛ وأخرجه البيهقي (٢/ ١٢) من طريق عثمان بن سعيد الدارمي وأبو جعفر النحاس في "الناسخ والمنسوخ" (٢٢) قال: حدثنا بكر بن سهل قالوا: ثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وقال أبو جعفر النحاس في "الناسخ" (١/ ٤٦١): "وهو صحيح عن ابن عباس، والذي يطعن في إسناده يقول: ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، وإنما أخذ التفسير عن مجاهد وعكرمة، وهذا القول لا يوجب طعنًا؛ لأنه أخذه عن رجلين ثقتين، وهو في نفسه ثقة صدوق". انتهى.
(٥) من (ج) و(ل).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (١٣١١) قال: حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا عبدة بن سليمان الكلابي، عن نضر بن العربي، عن عكرمة، عن ابن عباس. وهذا سند جيد، والنضر بن عربي حسن الحديث.
(٧) أخرجه ابن جرير (١٨٤٦)؛ وابن أبي حاتم (١١٢٩) من طريق حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج قال: أخبرني إبراهيم بن بكر، عن مجاهد فذكره. وإبراهيم بن أبي بكر الأخنسي ترجمه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (١/ ١/ ٩٠) ولم يحك فيه شيئًا. وذكره ابن حبان في "الثقات" (٦/ ١٤) وقال الذهبي: "محله الصدق" ولم يتفرد به فتابعه النضر بن عربي، فرواه عن مجاهد نحوه. [وسنده حسن].
(٨) في (ل): "قبلة الله حيثما"، وليست في سائر "الأصول" ولا في "الطبري" (٢/ ٥٣٤).
(٩) في (ز) و(ل) و(ن): "الكعبة".
(١٠) في "تفسيره" (١/ ٣٤٦). وقد أخرج أكثر هذه الآثار. =
[ ١ / ٥٧٤ ]
- بعد رواية الأثر المتقدم -، عن ابن عباس (في) (^١) نسخ القبلة، عن عطاء، عنه: وروي عن أبي العالية، والحسن، وعطاء الخراساني، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وزيد بن أسلم نحو ذلك.
وقال ابن جرير (^٢): وقال آخرون: بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة؛ وإنما (أنزلها تعالى) (^٣) ليعلم نبيه ﷺ وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب؛ لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهًا من ذلك وناحيةً إلا كان جل ثناؤه في ذلك (الوجه) (^٤) وتلك الناحية؛ لأن له تعالى المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكان؛ كما قال تعالى: ﴿[وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ] (^٥) وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم التوجه إلى المسجد الحرام؛ هكذا قال.
وفي قوله (^٦): وإنه تعالى لا يخلو منه مكان إن أراد علمه تعالى فصحيح؛ فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورةً في شيء من خلقه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
قال ابن جرير (^٧): وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ إذنًا من الله أن يصلي التطوع حيث توجه من شرق أو غرب في مسيره في سفره، وفي حال المسايفة (^٨)، وشدة الخوف، حدثنا أبو كريب (^٩)، حدثنا ابن إدريس، حدثنا عبد الملك - هو ابن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر - أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته؛ ويذكر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. ويتأول هذه الآية: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
ورواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، من طرق عن عبد الملك بن
_________________
(١) = فأما أثر قتادة فأخرجه الترمذي (٥/ ٢٠٦) قال: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب؛ وابن جرير (١٨٣٥) قال: حدثنا بشر بن معاذ قالا: ثن يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة؛ وأخرجه ابن جرير (١٨٣٦، ١٨٣٧) من وجهين آخرين عن قتادة. [وسنده صحيح]. وأما أثر السدي فهو عند ابن جرير (١٨٣٤). [بسند حسن]. وكذلك أثر عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (١٨٣٨). [وسنده صحيح]. ووقع في مطبوعة "ابن جرير": " … ابن وهب قال سمعته، يعني زيد، وصوابه: "ابن زيد" وهو عبد الرحمن ".
(٢) في (ج): "ثم"!
(٣) في "تفسيره" (٢/ ٥٢٨) وتصرف المصنف في لفظ الطبري قليلًا.
(٤) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ك)؛ وفي (ن): "أنزلها"؛ وفي (ل): "أنزلها الله تعالى".
(٥) في (ك): "التوجيه"!
(٦) من (ن) وهو في "تفسير الطبري".
(٧) تعقب الشيخ شاكر ﵀ ابن كثير في هذا التنبيه فقال في تعليقه على "تفسير الطبري" (٢/ ٥٢٨): "الذي قاله ابن كثير هو عقيدة أبي جعفر ﵀ وقد بين ذلك في تفسير سورة المجادلة من "تفسيره" (٢٨/ ١٠)، فلا معنى لتشكك ابن كثير في كلام إمام ضابط من أئمة أهل الحق، وعبارته صحيحة اللفظ، ولكن أهل الأهواء جعلوا الناس يفهمون من عربية الفصحاء معنًى غير المعنى الذي تدل عليه". انتهى.
(٨) في "تفسيره" (٢/ ٥٣٠).
(٩) المسايفة: يعني: المجالدة بالسيف في حال الحرب.
(١٠) أخرجه ابن جرير (١٨٣٩) قال: حدثنا أبو كريب، هو محمد بن العلاء؛ وأخرجه أحمد (٥٠٠١) قالا: ثنا عبد الله بن إدريس بهذا الإسناد سواء؛ وأخرجه مسلم (٧٠٠/ ٣٣).
[ ١ / ٥٧٥ ]
أبي سليمان، به. وأصله في "الصحيحين" من حديث (^١) ابن عمر، وعامر بن ربيعة من غير ذكر الآية.
وفي "صحيح (^٢) البخاري" من حديث نافع، عن ابن عمر - أنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها؛ ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.
قال نافع: ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ﷺ.
[مسألة: ولم يفرق الشافعي (^٣) في المشهور عنه بين سفر المسافة وسفر العدوى (^٤)؛ فالجميع (عنده) (^٥) يجوز التطوع فيه على الراحلة، وهو قول أبي حنيفة، خلافًا لمالك وجماعته. واختار أبو يوسف وأبو سعيد الإصطخري التطوع على الدابة في المصر. وحكاه أبو يوسف، عن أنس بن مالك ﵁، واختاره أبو جعفر الطبري حتى للماشي أيضًا] (^٦).
قال ابن جرير (^٧): وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في قوم عميت عليهم القبلة فلم يعرفوا شطرها، فصلوا على أنحاء مختلفة، فقال الله (تعالى) (^٨): لي المشارق والمغارب فأين وليتم وجوهكم (فهنالك) (^٩) وجهي، وهو قبلتكم (فيعلمكم) (^١٠) بذلك أن صلاتكم ماضية.
حدثنا (أحمد) (^١١) بن إسحاق الأهوازي، أخبرنا أبو أحمد الزبيري، أخبرنا أبو الربيع السمان،
_________________
(١) أما حديث ابن عمر فيرويه سالم قال: كان عبد الله، يعني: ابن عمر، يصلي على دابته من الليل وهو مسافر، ما يبالي حيث ما كان وجهه. قال ابن عمر: وكان رسول الله ﷺ يسبح على الراحلة قبل أي وجه توجه، ويوتر عليها غير أنه لا يصلى المكثوبة؛ أخرجه البخاري (٢/ ٥٧٥، ٥٧٨) والسياق له؛ ومسلم (٥/ ٢١٠ نووي).
(٢) في "كتاب التفسير" (٨/ ١٩٩).
(٣) ونقل القرطبي في "تفسيره" (٢/ ٨١) عن الشافعي قال: "يجوز التطوع على الراحلة خارج المصر في كل سفر، وسواء كان مما تقصر فيه الصلاة أو لا؛ لأن الآثار ليس فيها تخصيص سفر من سفر".
(٤) العدوة: هو المكان البعيد. يعني: أنه لا يفرق بين السفر القريب والبعيد.
(٥) في (ن): "عنه".
(٦) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى).
(٧) في "تفسير" (٢/ ٥٣١ - شاكر).
(٨) من (ن)؛ وفي (ك): "فقال الله تعالى لهم".
(٩) في (ك): "فهناك".
(١٠) في (ج) و(ل): "يعلمكم".
(١١) في (ن): "محمد" وهو خطأ. وشيخ الطبري هو أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي وهو من شيوخ أبي داود ومترجم في "التهذيب". قال النسائي: "صالح". وأخرجه ابن جرير (١٨٤١)؛ وأبو أحمد الزبيري هو محمد بن عبد الله بن الزبير؛ وأخرجه الترمذي (٣٤٥)؛ وأبو علي الطوسي في "المستخرج على الترمذي" (١٩٠)؛ وابن ماجه (١٠٢٠)؛ وعبد بن حميد في "المنتخب" (٣١٦)؛ وابن جرير (١٨٤٣)؛ وابن أبي حاتم (١١٢٧) كلاهما في "التفسير"؛ والطبراني في "الأوسط" (٤٦٠)؛ والعقيلي في "الضعفاء" (١/ ٣١)؛ والدارقطني (١/ ٢٧٢) وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ١٧٩) والواحدي في "أسباب النزول" (ص ٣٥) من طرق عن أبي الربيع السمان: أشعث بن سعيد، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه. قال الترمذي: "هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث بن سعيد أبو الربيع السمان يضعف في الحديث". وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عاصم بن عبيد الله، إلا أبو الربيع السمان". وقال العقيلي في ترجمة أبي الربيع: "لا يتابع عليه، وليس يروى من وجه يثبت متنه".
[ ١ / ٥٧٦ ]
عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه؛ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلًا، فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجدًا يصلي فيه، فلما (أن) (^١) أصبحنا إذا نحن قد صلينا (على) (^٢) غير القبلة، فقلنا: يا رسول الله، لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة!؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ الآية.
ثم رواه (^٣) عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن أبي الربيع السمان، بنحوه.
ورواه الترمذي عن محمود بن غيلان، عن وكيع؛ وابن ماجه، عن يحيى بن حكيم، عن أبي داود، عن أبي الربيع السمان.
ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن سعيد بن سليمان، عن أبي الربيع السمان - واسمه أشعث بن سعيد البصري. وهو ضعيف الحديث.
وقال الترمذي: "هذا حديث حسن، وليس إسناده بذاك، ولا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث يضعف (^٤) في الحديث".
قلت: وشيخه (عاصم) (^٥) أيضًا ضعيف (الحديث) (^٦).
قال البخاري: "منكر الحديث". وقال ابن معين: "ضعيف لا يحتج به" وقال ابن حبان: " متروك". والله أعلم.
وقد روى من طريق آخر عن جابر (^٧)؛ فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذا الآية: حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن علي بن شبيب، حدثني أحمد بن عبيد الله بن الحسن؛ قال: وجدت في كتاب أبي: حدثنا عبد الملك العرزمي، عن عطاء، عن جابر؛ قال: بعث رسول الله ﷺ سريةً كنت فيها، فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة هي ها هنا قبل الشمال، فصلوا وخطوا خطوطًا، فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما قفلنا من سفرنا سألنا النبي ﷺ، فسكت؛ وأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
ثم رواه من حديث محمد بن (^٨) عبيد الله العرزمي، عن عطاء، عن جابر، به.
_________________
(١) ساقط من (ز) و(ض) و(ك).
(٢) في (ن): "إلى".
(٣) يعني: ابن جرير (١٨٤٣).
(٤) وقد تابعه عمرو بن قيس كما مر ذكره آنفًا. والله أعلم.
(٥) ساقط من (ج) و(ز) و(ض) و(ك) و(ل).
(٦) من (ك).
(٧) أخرجه الدارقطني (١/ ٢٧١) ومن طريقه الواحدي في "أسباب النزول" (ص ٣٤) قال: حدثنا إسماعيل بن علي أبو محمد، ثنا الحسن بن علي بن شبيب بسنده سواء؛ وأخرجه البيهقي (٢/ ١١) من طريق محمد بن الحارث العسكري، ثنا أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري قال: وجدت في كتاب أبي وساق الحديث. قال البيهقي: "لم نعلم لهذا الحديث إسنادًا صحيحًا قويًا، وذلك لأن عاصم بن عبيد الله بن عمر العمري ومحمد بن عبيد الله العرزمي، ومحمد بن سالم الكوفي كلهم ضعفاء، والطريق إلى عبد الملك العرزمي غير واضح لما فيه من الوجادة وغيرها".
(٨) أخرجه البيهقي (٢/ ١١) من طريق ابن وهب، أخبرنا الحارث بن نبهان، عن محمد بن عبيد الله عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر فذكره. =
[ ١ / ٥٧٧ ]
وقال الدارقطني (^١): قرئ على عبد الله بن عبد العزيز وأنا أسمع: حدثكم داود بن عمرو: حدثنا محمد بن (يزيد) (^٢) الواسطي، عن محمد بن سالم، عن عطاء، عن جابر؛ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مسير، فأصابنا غيم فتحيرنا؛ فاختلفنا في القبلة، فصلى كل (رجل) (^٣) منا على حدة، وجعل أحدنا يخط بين يديه؛ لنعلم أمكنتنا؛ فذكرنا ذلك للنبي ﷺ، فلم يأمرنا بالإعادة؛ وقال: "قد (أُجزأت) (^٤) صلاتكم".
ثم قال الدارقطني: كذا قال: "عن محمد بن سالم، وقال غيره، عن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن عطاء - وهما ضعيفان - ".
ورواه ابن مردويه (^٥) أيضًا من حديث الكلبي، عن أبي صالح؛ عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ بعث سريةً؛ فأخذتهم ضبابة فلم يهتدوا إلى القبلة فصلوا لغير القبلة؛ ثم استبان لهم بعد ما طلعت الشمس أنهم صلوا لغير القبلة؛ فلما جاءوا إلى رسول الله ﷺ حدثوه؛ فأنزل الله (﷿) (^٦) هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله (^٧) يشد بعضها بعضًا؛ وأما إعادة الصلاة لمن تبين (له) (^٨) خطؤه ففيها قولان للعلماء، وهذه (دلائل) (^٩) على عدم القضاء. والله أعلم.
قال ابن جرير (^١٠): وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في سبب النجاشي، كما حدثنا (^١١) محمد بن بشار، حدثنا (معاذ بن هشام) (^١٢)، حدثني أبي، عن قتادة - أن النبي ﷺ قال: إن أخًا لكم قد مات، فصلوا عليه. قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم؟ قال: فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ
_________________
(١) = وسنده ضعيف جدًّا. والحارث بن نبهان منكر الحديث كما قال أحمد والبخاري والفسوي وغيرهم وتركه أبو حاتم والنسائي. وقال ابن معين: "لا يكتب حديثه". والعرزمي مثله أو أضعف منه فقد تركه ابن المبارك ويحيى القطان والفلاس وعلي بن الجنيد والأزدي. وكذلك تركه ابن مهدي وابن معين وضعفه أبو حاتم الرازي جدًّا وقال النسائي: "لا يكتب حديثه ليس بثقة".
(٢) في "سننه" (١/ ٢٧١) ومن طريقه البيهقي (٢/ ١٠). وأخرجه الحاكم (١/ ٢٠٦) من طريق أحمد بن علي الخراز؛ والبيهقي (٢/ ١٠) من طريق أحمد بن بشر والحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (ق ١٦/ ٢ - زوائده) قالوا: ثنا داود بن عمرو بسنده سواء. قال الحاكم: "هذا حديث محتج برواته كلهم غير محمد بن سالم فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح". فتعقبه الذهبي قائلًا: "هو أبو سهل، واه".
(٣) في (ل): "زيد"!
(٤) ساقط من (ز).
(٥) في (ن): "أجازت".
(٦) وسنده ساقط. والكلبي تالف البته.
(٧) في (ن): "تعالى".
(٨) هذا بعيد، وإنما تتقوى الأسانيد الضعيفة إذا كان الضعف يسيرًا، أما هذه الأسانيد فهى ساقطة عن حد الاحتجاج بها والله أعلم.
(٩) من (ن).
(١٠) في (ج) و(ل): "الدلائل".
(١١) في "تفسيره" (٢/ ٥٣٢).
(١٢) أخرجه ابن جرير (١٨٤٤) وسنده ضعيف لإرساله أو لإعضاله. وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ١٠٩) لابن المنذر.
(١٣) في (ز): "هشام بن معاذ"!! وهو خطأ محقق. وهو معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي أحد الثقات، وجل روايته عن أبيه.
[ ١ / ٥٧٨ ]
الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] قال قتادة: فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
وهذا غريب. والله أعلم.