استدل لمذهب الإمام مالك في كون قول الجريح: فلان قتلني لوثًا (^٣) بهذه القصة؛ لأن القتيل لما حيي سئل عمن قتله، فقال: فلان قتلني؛ فكان ذلك مقبولًا منه؛ لأنه لا يخبر حينئذٍ إلا بالحق، ولا يتهم والحالة هذه. ورجحوا ذلك؛ لحديث (^٤) أنس أن يهوديًا قتل جاريةً على أوضاح (^٥) لها، فرضخ رأسها بين حجرين؛ فقيل: من فعل بك هذا، أفلان؟ أفلان؟ حتى ذكروا اليهودي؛ فأومأت برأسها؛ فأخذ] (^٦) [اليهودي، فلم يزل به حتى اعترف؛ فأمر رسول الله ﷺ أن يرض رأسه بين حجرين.
وعند مالك إذا كان لوثًا حلف أولياء القتيل قسامةً، وخالف الجمهور في ذلك ولم يجعلوا قول القتيل في ذلك لوثًا] (^٧).
_________________
(١) في (ز) و(ن): "نبه"؛ وفي (ك): "وبينه".
(٢) في "مسنده" (١٠٨٩) ومن طريقه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٢/ ٢٧٤)؛ وأخرجه ابن أبي عاصم في "السنة" (٦٣٩)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ١٩/ رقم ٤٧٠)؛ وأحمد في "المسند" (٤/ ١١، ١٢) من طريق محمد بن جعفر غندر، زاد أحمد: وعبد الرحمن بن مهدي، قالا: ثنا شعبة بإسناده سواء؛ وأخرجه أحمد (٤/ ١١) من طريق حماد بن سلمة أنا يعلى بن عطاء به وزاد البيهقي: "وذلك آيته في خلقه". وهو حديث طويل عند أبي داود وابن ماجه بعضه. وسنده ضعيف، ووكيع بن حدس، بالحاء المهملة، ويقال: عدس، بالعين المهملة، وصوب الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ١١) أنه بالحاء المهملة. وكذلك ترجمة الطبراني في "الكبير" (١٩/ ٢٠٤) قال: ويقال: عدس. ووكيع هذا قال الذهبي: "لا يعرف".
(٣) اللوث: أن يشهد شاهد واحد على إقرار المقتول قبل أن يموت أن فلانًا قتلني أو يشهد شاهدان على عداوة بينهما، أو تهديد منه له، أو نحوه.
(٤) أخرجه البخاري (٥/ ٧١، ٣٧١ و١٢/ ١٩٨، ٢١٣، ٢١٤)؛ ومسلم (١٦٧٢/ ١٧)؛ وأبو داود (٤٥٢٧)؛ والنسائي (٨/ ٢٢)؛ والترمذي (١٣٩٤)؛ وابن ماجه (٢٦٦٥)؛ والدارمي (٢/ ١١٠)؛ والطيالسي (١٩٨٦)؛ وأحمد (٣/ ١٨٣، ١٩٣، ٢٦٢، ٢٦٩)؛ وابن الجارود (٨٣٧، ٨٣٨)؛ وابن أبي عاصم في "الديات" (ص ١٧٥)؛ والطحاوي في "شرح المعاني" (٣/ ١٧٩)؛ والبيهقي (٨/ ٢٨) من طرق عن قتادة، عن أنس. وقال الترمذي: "حسن صحيح" وله طريقان آخران عن أنس.
(٥) الأوضاح: حلي من قطع الفضة.
(٦) ساقط من (ز) و(ض).
(٧) ساقط من (ز) و(ض).
[ ١ / ٤٥٤ ]
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾.
يقول تعالى، توبيخًا لبني إسرائيل، وتقريعًا لهم على ما شاهدوه من آيات الله تعالى وإحيائه الموتى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ كله؛ ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾ التي لا تلين أبدًا.
ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم؛ فقال: ﴿* أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ [الحديد: ١٦].
وقال العوفي في "تفسيره" (^١) عن ابن عباس: لما ضُرب المقتول ببعض البقرة جلس أحيا ما كان قط، فقيل له: من قتلك؟ قال: بنو أخي قتلوني. ثم قُبض؛ فقال بنو أخيه حين (قبض) (^٢): والله ما قتلناه، فكذبوا بالحق بعد (إذ) (^٣) رأوه. فقال الله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ (^٤) [يعني: (بني) (^٥) أخي الشيخ] (٤)، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ فصارت قلوب بني إسرائيل مع طول الأمد قاسيةً بعيدةً عن الموعظة بعد ما شاهدوه من الآيات والمعجزات؛ فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج للينها، أو أشد قسوةً من الحجارة؛ فإن من الحجارة ما يتفجر منها العيون (الجارية بالأنهار) (^٦) ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء وإن لم يكن جاريًا، ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خشية الله.
وفيه إدراك لذلك بحسبه؛ كما قال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
قال ابن أبي نجيح (^٧)، عن مجاهد: إنه كان يقول: كل حجر يتفجر منه الماء، أو (ينشق) (^٨) عن ماء، أو يتردى من رأس جبل لمن خشية الله، نزل بذلك القرآن.
وقال محمد بن (^٩) إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عما تدعون إليه من الحق، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٣١٤)؛ وابن أبي حاتم (٧٦١) وسنده ضعيف.
(٢) كذا في سائر "الأصول"، وهو الموافق لما في "تفسير الطبري"؛ وفي (ن): "قبضه الله".
(٣) في (ن): "إن".
(٤) ساقط من (ل).
(٥) كذا في (ز) و(ض)؛ وفي (ن): "أبناء"؛ وفي (ج) و(ع) و(ك) و(ى): "ابن".
(٦) في (ن): "بالأنهار الجارية".
(٧) أخرجه ابن جرير (١٣١٧)؛ وابن أبي حاتم (٧٦٩) من طريقين عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد فذكره وسنده صحيح.
(٨) في (ز) و(ن) و(ى): "يتشقق".
(٩) وأخرجه ابن أبي حاتم (٧٧٠). [وسنده حسن].
[ ١ / ٤٥٥ ]
[وقال أبو علي (الجبائي) (^١) في "تفسيره": ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ هو سقوط البرد من السحاب. قال القاضي الباقلاني: وهذا تأويل بعيد، وتبعه في استبعاده (فخر الدين) (^٢) الرازي؛ وهو كما قال: فإن هذا خروج عن (ظاهر) (^٣) اللفظ بلا دليل. والله أعلم] (^٤).
وقال ابن أبي حاتم (^٥): حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الحكم بن هشام الثقفي، حدثني يحيى بن أبي طالب - (يعني: يحيى) (^٦) بن يعقوب - في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ قال: كثرة البكاء. ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ قال: قليل البكاء. ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ قال: بكاء القلب من غير دموع العين.
[وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ أي: كالعيون السارحة المشاهدة، تخرج من الأحجار عيانًا، ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ كحجر موسى الذي كان إذا ضربه نبع منه اثنا عشرة عينًا بإذن الله في ذلك، ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي: من رؤوس شواهق الجبال، وهذا كقوله: "أُحد جبل يحبنا ونحبه"] (^٧).
[وقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز، وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة، كما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] قال (فخر الدين) (^٨) (الرازي) (^٩) والقرطبي (^١٠) وغيرهما من الأئمة: ولا حاجة إلى هذا؛ فإن الله تعالى يخلق فيها هذه الصفة كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى] (^١١) [السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ [الأحزاب: ٧٢] وقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ …﴾ الآية [الإسراء: ٤٤] وقال: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ [الرحمن: ٦] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ …﴾ الآية [النحل: ٤٨] ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ …﴾ الآية [الحشر: ٢١]، [﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ (الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾) (^١٢)] (^١٣) [فصلت: ٢١].
[وفي "الصحيح" (^١٤): "هذا جبل يحبنا ونحبه"] (^١٥) وكحنين الجذع (^١٦) المتواتر خبره] (^١٧).
_________________
(١) في (ن): "الحياني"! وأشار في الحاشية أنه وقع في نسخة: "الجبائي".
(٢) ساقط من (ن). وانظر "تفسير الرازي" (٢/ ١٤١).
(٣) ساقط من (ج) و(ك) و(ن).
(٤) ساقط من (ز) و(ض).
(٥) في (تفسيره) (٧٦٥، ٧٧١) وهشام بن عمار تغير حفظه في آخر عمره. فكان إذا لقنوه قبل التلقين.
(٦) في (ن): "يعني ويحيى" وذكر "الواو" خطأ.
(٧) من (ج) و(ل).
(٨) ساقط من (ن).
(٩) من (ن) وانظر "تفسير الرازي" (٢/ ١٤٠، ١٤١).
(١٠) في (تفسيره) (١/ ٤٦٥).
(١١) ساقط من (ز) و(ض).
(١٢) هذه الآية ليست في (ى)، وكتب بدلها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ﴾ الآية [الحج: ١٨].
(١٣) لم يذكرها في (ن) وكتب بدلها: الآية.
(١٤) أخرجه البخاري (٣/ ٣٤٣، ٣٤٤؛ و٤/ ٨٨؛ و٦/ ٢٦٦؛ و٧/ ١١٥؛ و٨/ ١٢٥)؛ ومسلم (١٣٩٢/ ١١، ١٢).
(١٥) ساقط من (ى).
(١٦) ومن هذه الأحاديث ما أخرجه البخاري (١/ ٥٤٣، ٥٤٤؛ و٤/ ٣١٩؛ و٦/ ٦٠١، ٦٠٢).
(١٧) ساقط من (ز) و(ض).
[ ١ / ٤٥٦ ]
[وفي "صحيح (^١) مسلم": "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن".
وفي صفة الحجر (^٢) الأسود أنه يشهد لمن استلمه بحق يوم القيامة] (^٣).
[وغير ذلك مما في معناه.
[وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة "أبي عبد الله (^٤) الفيحي أو الفتحي" قال: سمعت أحمد بن عاصم الأنطاكي يقول: تكلمت بشيء من الحكمة بين يدي هذا العمود الحجر، فقطر العمود دماءً!] (^٥).
قال: وخرجنا (مرة نريد دير مران) (^٦)، ومعنا جماعة، منهم رجل معه في كمه محبرة، فتكلم رجل منا بشيء من الحكمة، فصاحت المحبرة صياحًا عاليًا، وانفلقت!] (^٧).
تنبيه: اختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ بعد الإجماع على استحالة كونها للشك؛ فقال بعضهم: "أو" ها هنا بمعنى الواو، تقديره: فهي كالحجارة وأشد قسوة؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]. [﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ [المرسلات: ٦]] (^٨) وكما قال النابغة (الذبياني) (^٩):
[قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا … إلى حمامتنا أو نصفه فقد
تريد ونصفه؛ قاله ابن جرير.
وقال ابن جرير (^١٠) بن عطية:
نال الخلافة أو كانت له قدرًا … كما أتى ربه موسى على قدر
قال ابن جرير: يعني: نال الخلافة، وكانت له قدرًا] (^١١).
[وحكى القرطبي (^١٢) قولًا بالتخيير؛ أي: شبهوها بهذا أو بهذا، مثل: جالس الحسن] (^١٣)
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٢٧٧/ ٢).
(٢) يشير إلى ما رواه ابن عباس مرفوعًا: "ليبعثن الله الحجر يوم القيامة وله عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق". أخرجه الترمذي (٩٦١)؛ وابن ماجه (٩٤٤)؛ والدارمي (١/ ٣٧٢)؛ وأحمد (٢٦٤٣، ٢٧٩٦، ٢٧٩٧، ٣٥١١)؛ وابن خزيمة (٢٧٣٤، ٢٧٣٥، ٢٧٣٦)؛ وأبو يعلى (٢٧١٩)؛ وابن حبان (٣٧١١، ٣٧١٢) وآخرون من طريق عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن" وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعائشة ﵃.
(٣) ساقط من (ز) و(ض).
(٤) من "تاريخ دمشق" (ج ١٩/ ق ١٣٠) وأبو عبد الله الفيحي مجهول، والحكاية في غاية الغرابة.
(٥) من (ج) و(ل) و(ع) و(ى).
(٦) كذا في (ع) و(ى) وهو الموافق لما في "تاريخ دمشق" ولفظه: "خرجنا أيام البصري نريد دير مران"، و"دير مران": موضع قرب دمشق كما في "معجم البلدان" (٢/ ٥٣٣) ووقع في (ج): "يزيد بن رومان"؛ وفي (ل): "يزيد ابن مروان".
(٧) ساقط من (ز) و(ض).
(٨) ساقط من (ز) و(ض).
(٩) ساقط من (ج).
(١٠) وانظر ديوانه (٢٧٥) وفيه: "نال الخلافة إذا كانت … ".
(١١) ساقط من (ز) و(ض).
(١٢) في "تفسيره" (١/ ٤٦٣).
(١٣) ساقط من (ز) و(ض) ووقعت هذه الفقرة في (ن) قبل: "تنبيه".
[ ١ / ٤٥٧ ]
[(أو) (^١) ابن سيرين، وكذا حكاه (فخر الدين) (^٢) (الرازي) (^٣) في "تفسيره" (^٤)، وزاد قولًا آخر وهو أنها للإبهام بالنسبة إلى المخاطب؛ كقول القائل: أكلت خبزًا أو تمرًا؟ وهو يعلم أيهما أكل. وقولًا آخر: وهو أنها بمعنى قول القائل: (أكلي حلو أو حامض) (^٥)؛ أي: لا يخرج عن واحد من هذين الشيئين، والله أعلم] (^٦).
وقال آخرون: "أو" ها هنا بمعنى "بل"؛ فتقديره: فهي كالحجارة؛ بل أشد قسوة. وكقوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧].
﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ [الصافات: ١٤٧]، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٩]. وقال آخرون: معنى ذلك ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ عندكم؛ حكاه ابن جرير.
وقال آخرون: المراد بذلك الإبهام على المخاطب، كما قال أبو الأسود:
أحب محمدًا حبًا شديدًا … وعباسًا وحمزة والوصايا (^٧)
فإن يك حبهم رشدًا أصبه … (وليس) (^٨) بمخطئ إن كان غيا
وقال ابن جرير: قالوا: ولا شك أن أبا الأسود لم يكن شاكًا في أن حب من سمي رشد، ولكنه أبهم على (من) (^٩) خاطبه؛ قال: وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما قال هذه الأبيات قيل له: شككت؟ فقال: كلا والله، ثم انتزع بقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] فقال: أو كان شاكًا من أخبر بهذا [في الهادي منهم من الضال] (^١٠).
وقال بعضهم: معنى ذلك: (فقلوبهم) (^١١) لا تخرج عن أحد هذين المثلين؛ إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة، وإما أن تكون أشد منها (قسوةً) (^١٢).
قال ابن جرير: ومعنى ذلك على هذا التأويل: فبعضها كالحجارة قسوةً، وبعضها أشد قسوةً من الحجارة.
وقد رجحه ابن جرير (^١٣) مع توجيه غيره.
قلت: وهذا القول الأخير يبقى شبيهًا بقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] مع قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] وكقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] مع قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ …﴾ الآية [النور: ٤٠] أي: إن منهم من هو هكذا؛ ومنهم من هو هكذا. والله أعلم.
_________________
(١) في (ج): "و"!
(٢) ساقط من (ن).
(٣) ساقط من (ع).
(٤) (٢/ ١٣٨).
(٥) في (ن): "كل حلوًا أو حامضًا".
(٦) ساقط من (ز) و(ض) ووقعت هذه الفقرة في (ن) قبل: "تنبيه".
(٧) في "تفسير القرطبي": "أو عليًا".
(٨) هكذا في كل "الأصول"؛ وفي "الطبري" و"القرطبي": "ولست" وهو الأنسب للسياق.
(٩) ساقط من (ج).
(١٠) في (ن): "من الهادي منهم ومن الضال"؛ وفي (ج): "فالهادي منهم … "؛ وفي (ز) و(ك): "من الضلال".
(١١) في (ز) و(ن): "فقلوبكم".
(١٢) في (ن) و(ى): "في القسوة".
(١٣) في "تفسيره" (٢/ ٢٣٧).
[ ١ / ٤٥٨ ]
وقال الحافظ أبو بكر (^١) بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، حدثنا علي بن حفص، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن حاطب، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة القلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي".
رواه الترمذي في "كتاب الزهد" من "جامعه" عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج صاحب الإمام أحمد، به.
ومن وجه آخر عن إبراهيم بن عبد الله بن الحارث بن حاطب، به. وقال: "غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم".
[وروى البزار (^٢) عن أنس - مرفوعًا: "أربع من الشقاء: جمود العين، (وقساء) (^٣) القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا"] (^٤).
﴿* أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾.
يقول تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ أي: ينقاد لكم بالطاعة؟ هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه، ثم قست قلوبهم من بعد
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٤١١)؛ والبيهقي في "الشعب" (ج ٩/ رقم ٤٦٠٠، ٤٦٠١)؛ والواحدي في "الوسيط" (١/ ٢٧/ ٢)؛ وأبو جعفر الطوسي الفقيه الشيعي في "الأمالي" (ص ٢)، كما في "الضعيفة" (٩٢٠)، من طريق إبراهيم بن عبد الله بن حاطب عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا … فذكره. قال الترمذي: "حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن عبد الله بن حاطب". كذلك نقل المنذري (٣/ ٥٣٨) التحسين. ونقل المصنف هنا الغرابة دون التحسين، وكذلك هو في "أطراف المزي" (٥/ ٤٤٥)؛ و"تحفة الأحوذي" (٧/ ٩٣) وهو اللائق. وصحح إسناده الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر في "عمدة التفسير" (١/ ١٦٨) والصواب أنه ضعيف الإسناد.
(٢) في "مسنده" (ج ٢/ ق ٥٢/ ٢) قال: حدثنا محمد بن أبي الحسن المصري، ثنا هانئ بن المتوكل، ثنا عبد الله بن سليمان، عن إسحاق وأبان، عن أنس مرفوعًا فذكره وسقط ذكر "إسحاق" من "كشف الأستار" رقم (٣٢٣٠) وكذلك سقط لفظ "عن" بين "عبد الله بن سليمان" و"أبان". وأخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ١٢٥) من طريق محمد بن سنان القزاز ثنا هانئ بن المتوكل به، ولم يذكر "أبان بن أبي عياش". قال البزار بعد أن روى عدة أحاديث بهذا السند: "وعبد الله بن سليمان قد حدث بأحاديث لم يتابع عليها ولا نعلم روى هذه الأحاديث عن عبد الله إلا هانئ بن المتوكل وإنما ذكرناها لأننا لا نحفظها من حديث غيره". (*) قلت: وسنده ضعيف جدًّا.
(٣) كذا في (ج) و(ل) وهو الموافق لما في (البزار)؛ وفي (ع) و(ى): "قسوة؛ وفي (ن) ": "قساوة"؛ وفي (ك): "قساية"!
(٤) ساقط من (ز) و(ض).
[ ١ / ٤٥٩ ]
ذلك، ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي: يتأولونه على غير تأويله، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي: فهموه على الجلية، ومع هذا يخالفونه على بصيرة، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله.
وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣].
قال محمد بن إسحاق (^١): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس - أنه قال: ثم قال الله تعالى لنبيه ﷺ ولمن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ وليس قوله: (سمعوا التوراة) (^٢)، كلهم قد سمعها، (ولكنهم) (^٣) الذين سألوا موسى رؤية ربهم، فأخذتهم الصاعقة فيها.
وقال محمد (^٤) بن إسحاق فيما حدثني بعض أهل العلم أنهم قالوا لموسى: يا موسى: قد حيل بيننا وبين رؤية (الله) (^٥) تعالى، فأسمعنا كلامه حين يكلمك، فطلب ذلك موسى إلى ربه تعالى؛ فقال: نعم، مرهم فليتطهروا، وليطهروا ثيابهم، ويصوموا. ففعلوا؛ ثم خرج بهم حتى أتوا الطور؛ فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى (أن يسجدوا) (^٦)، (فوقعوا سجودًا) (^٧)، وكلمه ربه (فلما سمعوا) (^٨) كلامه يأمرهم وينهاهم، حتى عقلوا (عنه) (^٩) ما سمعوا، ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل.
فلما جاءهم (حرَّف) (^١٠) فريق منهم ما أمروا به، [وقالوا - حين قال موسى لبني إسرائيل: إن الله قد أمركم بكذا وكذا؛ قال ذلك الفريق الذين ذكرهم الله -: إنما قال كذا وكذا، خلافًا لما قال الله ﵇ لهم] (^١١)؛ فهم الذين عنى الله لرسوله ﷺ.
وقال السدي (^١٢): ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قال: هي التوراة حرفوها.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٧٣). [وسنده حسن].
(٢) هكذا في كل "الأصول" وهو الموافق لما في "تفسير ابن أبي حاتم" (٧٧٥)؛ وفي (ز): "ليس قوله يسمعون كلام الله سمعوا التوراة" وهو الموافق لما في "تفسير الطبري" (١٣٣٣) عن ابن إسحاق قوله. ومعنى الكلام: وليس قوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٥] أنهم يسمعون التوراة، فكلهم قد سمعها، ولكن المراد بهذه الآية الذين سألوا موسى ﵇ رؤية ربهم.
(٣) في (ن): "ولكن هم".
(٤) أخرجه ابن جرير (١٣٣٤)؛ وابن أبي حاتم (٧٧٧) من طريق سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق. [وسنده ضعيف لجهالة شيخ ابن إسحاق].
(٥) في (ن): "ربنا".
(٦) ليس في "تفسير الطبري" ولا في "ابن أبي حاتم".
(٧) من (ن) وهو الموافق لما في "تفسير الطبري" (١٣٣٤)، و"ابن أبي حاتم" وسقط من باقي "الأصول".
(٨) في (ن): "فسموا".
(٩) في (ن): "منه".
(١٠) في (ك): "صرف"!
(١١) من (ن) وهو الموافق لما في "الطبري".
(١٢) أخرجه ابن جرير (١٣٣٠)؛ وابن أبي حاتم (٧٧٩). [وسنده حسن].
[ ١ / ٤٦٠ ]
وهذا الذي ذكره السدي أعم مما ذكره ابن عباس وابن إسحاق؛ وإن كان قد اختاره ابن جرير لظاهر السياق؛ فإنه ليس يلزم من سماع كلام الله (أن) (^١) يكون منه كما سمعه الكليم موسى بن عمران ﵊؛ وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] أي: مبلغًا إليه.
ولهذا قال قتادة (^٢) في قوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال: هم اليهود كانوا يسمعون كلام الله، ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه (ووعوه) (^٣).
وقال مجاهد (^٤): الذين يحرفونه والذين يكتمونه (هم) (^٥) العلماء منهم.
وقال أبو العالية (^٦): عمدوا إلى ما أنزل الله في (نص) (^٧) كتابهم من نعت محمد ﷺ فحرفوه عن مواضعه.
وقال السدي (^٨): ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أنهم أذنبوا.
وقال ابن وهب (^٩): قال ابن زيد في قوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قال: التوراة التي أنزلها الله عليهم يحرفونها؛ يجعلون الحلال فيها حرامًا، والحرامَ فيها حلالًا، والحق فيها باطلًا، والباطل فيها حقًّا، إذا جاءهم المحق برشوةٍ أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل برشوةٍ أخرجوا له ذلك الكتاب؛ فهو فيه محق. (وإن جاء) (^١٠) أحد يسألهم (شيئًا) (^١١) ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق؛ فقال الله لهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ] (^١٢) …﴾ الآية.
قال محمد بن (^١٣) إسحاق: حدثنا محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ أي: (بصاحبكم) (^١٤) رسول الله ولكنه إليكم خاصةً؛ وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: لا تحدثوا العرب بهذا؛ فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم؛ فكان منهم؛ فأنزل الله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أي: تقرون بأنه نبي؛ وقد علمتم أنه قد
_________________
(١) في (ج) و(ل): "لمن".
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٨١) وسنده جيد.
(٣) ساقط من (ج) و(ض) و(ل).
(٤) أخرجه ابن جرير (١٣٢٨، ١٣٢٩)؛ وابن أبي حاتم (٧٧٨) من طرق عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وسنده صحيح.
(٥) ساقط من (ج).
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٨٠). [وسنده صحيح].
(٧) ساقط من (ز) و(ض) و(ك) و(ن) و(ى).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٨٢). [وسنده حسن].
(٩) أخرجه ابن جرير (١٣٣١) وسنده صحيح.
(١٠) في (ز) و(ل): "وإن جاءهم"؛ وفي (ن): "وإذا جاءهم".
(١١) من (ز) و(ن) وهو الموافق لما في "تفسير الطبري".
(١٢) من (ن).
(١٣) أخرجه ابن جرير (١٣٣٧، ١٣٤٠). [وسنده حسن].
(١٤) في (ن): "إن صاحبكم".
[ ١ / ٤٦١ ]
أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي (كنا ننتظر) (^١)، ونجد في كتابنا، اجحدوه ولا تقروا به؛ يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾.
وقال الضحاك (^٢)، عن ابن عباس: يعني: المنافقين من اليهود؛ كانوا إذا لقوا أصحاب محمد ﷺ قالوا: آمنا.
وقال السدي (^٣): هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا؛ وكذا قال الربيع (^٤) بن أنس، وقتادة (^٥)، وغير واحد من السلف والخلف، حتى قال عبد الرحمن (^٦) بن زيد بن أسلم فيما رواه ابن وهب عنه: كان رسول الله ﷺ قد قال: "لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن "؛ فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا: آمنا، واكفروا إذا رجعتم إلينا؛ فكانوا يأتون المدينة بالبُكر، ويرجعون إليهم بعد العصر. وقرأ قول الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢)﴾ [آل عمران: ٧٢] وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون، ليعلموا خبر رسول الله ﷺ وأمره؛ فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر؛ فلما أخبر الله نبيه ﷺ قطع ذلك عنهم، فلم يكونوا يدخلون؛ وكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون، فيقولون: أليس قد قال الله لكم كذا وكذا؟ فيقولون: بلى؛ فإذا رجعوا إلى قومهم (يعني: الرؤساء) (^٧)؛ فقالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ …﴾ الآية.
وقال أبو العالية (^٨): ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: بما أنزل عليكم في كتابكم من نعت محمد ﷺ.
وقال عبد الرزاق (^٩)، عن معمر، عن قتادة: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ قال: كانوا يقولون: سيكون نبي. فخلا بعضهم ببعض، فقالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾.
قول آخر في المراد بالفتح: قال ابن جريج (^١٠): حدثني القاسم بن أبي (بزة) (^١١)، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ قال: قام النبي ﷺ قريظة تحت حصونهم؛
_________________
(١) في (ج) و(ل): "كان ينتظر".
(٢) أخرجه ابن جرير (١٣٣٦) بسند ضعيف.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٣٣٨)؛ وابن أبي حاتم (٧٨٤) بسند حسن.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٨٣). [وسنده جيد].
(٥) أخرجه عبد بن حميد، كما في "الدر المنثور" (١/ ٨١).
(٦) أخرجه ابن جرير (١٣٤٩) وسنده ضعيف جدًّا، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم تالف، ثم هو معضل.
(٧) ساقط من (ز) و(ض).
(٨) أخرجه ابن جرير (١٣٤١)؛ وابن أبي حاتم (٧٨٦). [وسنده جيد].
(٩) في "تفسيره" (١/ ٥٠) ومن طريقه ابن جرير (١٣٤٣) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة؛ وأخرجه ابن جرير (١٣٤٢) من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وكلاهما صحيح.
(١٠) أخرجه ابن جرير (١٣٤٧) وهو مرسل صحيح الإسناد. وأخرجه مجاهد في "تفسيره" (ص ٢٠٧) ومن طريقه ابن جرير (١٣٤٥، ١٣٤٦)؛ وابن أبي حاتم (٧٨٧) من طرق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله.
(١١) في (ن): "برزة"! وهو خطأ.
[ ١ / ٤٦٢ ]
فقال: يا إخوان القردة والخنازير، ويا عبدة الطاغوت فقالوا: من أخبر بهذا الأمر محمدًا؟ ما خرج هذا (الأمر) (^١) إلا منكم؛ ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بما حكم الله للفتح؛ ليكون لهم حجةً عليكم.
قال ابن جريج، عن مجاهد: هذا حين أرسل إليهم عليًا، فآذوا محمدًا ﷺ (^٢).
وقال السدي (^٣): ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ من العذاب ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ هؤلاء ناس من اليهود آمنوا، ثم نافقوا؛ فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به؛ فقال بعضهم لبعض: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ من العذاب، ليقولوا: نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم.
وقال عطاء الخراساني (^٤): ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: بما قضى لكم وعليكم.
وقال الحسن البصري (^٥): هؤلاء اليهود كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قال بعضهم: لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله عليكم، مما في كتابكم ليحاجوكم به عند ربكم فيخصموكم.
وقوله (تعالى) (^٦): ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾ قال أبو العالية (^٧): يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد ﷺ، وتكذيبهم به، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم؛ وكذا قال قتادة (^٨).
وقال الحسن (^٩): ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ قال: كان ما أسروا أنهم كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد ﷺ، وخلا بعضهم إلى بعض، (تناهوا) (^١٠) أن (يخبر أحد) (^١١) منهم أصحاب محمد ﷺ بما فتح الله عليهم مما في كتابهم خشية أن يحاجهم أصحاب محمد ﷺ بما في كتابهم عند ربهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ يعني: حين قالوا لأصحاب محمد ﷺ: آمنا.
وكذا قال أبو العالية (^١٢)، والربيع (^١٣)، وقتادة (^١٤).
_________________
(١) في (ز) و(ن): "القول" ولا توجد هذه الكلمة في "تفسير الطبري".
(٢) [أخرجه الطبري وسنده ضعيف لأن ابن جريج لم يسمع من مجاهد].
(٣) أخرجه ابن جرير (١٣٤٨)؛ وابن أبي حاتم (٧٨٨) وسنده حسن.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٨٩) وسنده ضعيف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٩٠) وسنده ضعيف.
(٦) من (ن).
(٧) أخرجه ابن جرير (١٣٥١)؛ وابن أبي حاتم (٧٩١). [وسنده جيد].
(٨) أخرجه ابن جرير (١٣٥٠). [وسنده جيد].
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٧٩٢). [وسنده مرسل ويتقوى بما يليه].
(١٠) ساقط من (ج).
(١١) كذا في (ز) و(ع) و(ن) و(ى) وهو الموافق لما في "تفسير ابن أبي حاتم"؛ وفي (ج) و(ض): "يخبر واحد"؛ وفي (ك) و(ل): "تخبروا أحدًا".
(١٢) أخرجه ابن جرير (١٣٥١)؛ وابن أبي حاتم (٧٩٣). [وسنده جيد].
(١٣) [وهو مرسل ويتقوى بسابقه ولاحقه]. وكتب في هامش (ع) عند هذا الموضع: "بلغ مقابلة بقراءة المصنف معارضًا بأصله، فسح الله في مدته".
(١٤) [أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة لكنه مرسل ويشهد له ما سبق].
[ ١ / ٤٦٣ ]
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾.
يقول تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ (أُمِّيُّونَ)﴾ (^١) أي: ومن أهل الكتاب؛ قاله مجاهد (^٢).
والأميون: جمع أمي، وهو الرجل الذي لا يحسن الكتابة؛ قاله أبو العالية، والربيع، وقتادة، وإبراهيم (^٣) النخعي، وغير واحد؛ وهو ظاهر في قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ (إِلَّا أَمَانِيَّ)﴾ أي: لا يدرون ما فيه.
ولهذا في صفات النبي ﷺ: أنه الأمي؛ لأنه لم يكن يحسن الكتابة؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت: ٤٨] وقال ﵊:، إنَّا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب: الشهر هكذا وهكذا وهكذا … " الحديث (^٤)؛ أي: لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتها إلى كتاب ولا حساب.
وقال ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] وقال ابن جرير (^٥): نسبت العرب من لا يكتب ولا يخط من الرجال إلى أمه في جهله بالكتاب دون أبيه.
قال: وقد روي عن ابن عباس (^٦) ﵄ قول خلاف هذا، وهو ما حدثنا به أبو كريب: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس - في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ قال: الأميون قوم لم يصدقوا رسولًا أرسله الله، ولا كتابًا أنزله الله، فكتبوا كتابًا بأيديهم؛ ثم قالوا لقوم سفلة جهال: هذا من عند الله.
وقال (^٧): قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم، ثم سماهم أميين لجحودهم كتب الله ورسله.
ثم قال ابن جرير (^٧): وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم، وذلك أن الأميَّ عند العرب الذي لا يكتب.
قلت: ثم في صحة هذا عن ابن عباس بهذا الإسناد نظر، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ قال ابن أبي طلحة (^٨)، عن ابن عباس: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ إلا أحاديث.
_________________
(١) ساقط من (ج).
(٢) أخرجه ابن جرير (١٣٥٤) من طريق ابن جريج عن مجاهد قال: "أناس من اليهود". وسنده ضعيف لتدليس ابن جريج، وإنما يروى ابن جريج التفسير عن مجاهد بواسطة.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٣٥٦)؛ وابن أبي حاتم (٧٩٦) وسنده صحيح.
(٤) أخرجه البخاري (٤/ ١٢٦)؛ ومسلم (١٠٨٠/ ١٥)؛ وأبو عوانة (ص ١٠١ - القسم المتمم)؛ وأبو داود (٢٣١٩)؛ والنسائي (٤/ ١٤٠)؛ وأحمد (٢/ ٤٣)؛ وابن أبي شيبة (٣/ ٨٥)؛ والبيهقي (٤/ ٢٥٠؛ و٧/ ٤٢) من طرق عن شعبة، ثنا الأسود بن قيس، قال: سمعت سعيد بن عمرو يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول: فذكره مرفوعًا.
(٥) في "تفسيره" (٢/ ٢٥٩).
(٦) أخرجه ابن جرير (١٣٥٨) وسنده ضعيف.
(٧) في "تفسيره" (٢/ ٢٥٩).
(٨) أخرجه ابن جرير (١٣٧٠)؛ وابن أبي حاتم (٧٩٧).
[ ١ / ٤٦٤ ]
وقال الضحاك (^١)، عن ابن عباس - في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ يقول: إلا قولًا يقولون بأفواههم كذبًا.
وقال مجاهد (^٢): إلا كذبًا.
وقال سنيد (^٣)، عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ قال: أنا من (يهود) (^٤) لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئًا، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون: هو من الكتاب، أماني يتمنونها.
وعن الحسن البصري (^٥) نحوه.
وقال أبو العالية (^٦)، والربيع، وقتادة (^٧): ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ يتمنون على الله ما ليس لهم.
وقال عبد الرحمن (^٨) بن زيد بن أسلم: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ قال: تمنوا، فقالوا: نحن من أهل الكتاب وليسوا منهم.
قال ابن جرير (^٩): والأشبه بالصواب قول الضحاك عن ابن عباس؛ (وقول) (^١٠) مجاهد: إن الأميين الذين وصفهم الله (تعالى) (^١١) (أنهم) (^١٢) لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله الله تعالى على موسى شيئًا، ولكنهم يتخرصون الكذب، ويتخرصون الأباطيل كذبًا وزورًا؛ والتمني في هذا الموضع: هو تخلق الكذب وتخرصه؛ ومنه الخبر المروي عن عثمان (^١٣) بن عفان ﵁: "ما تغنيت ولا تمنيت" يعني: ما تخرصت الباطل ولا اختلقت الكذب.
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٣٦٥) وسنده ضعيف.
(٢) أخرجه ابن جرير (١٣٦٦، ١٣٦٧)؛ وابن أبي حاتم (٧٩٩) وهو صحيح.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٣٧١) وسنده ضعيف.
(٤) في (ن): "اليهود".
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٠٢) بسند ضعيف عن الحسن قال: "هؤلاء ناس من اليهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئًا كما قال الله فكانوا يتكلمون بالظنون بغير ما في كتاب الله ويقولون: هو من الكتاب، أماني يتمنونها".
(٦) أخرجه ابن جرير (١٣٧٢)؛ وابن أبي حاتم (٧٩٨) وسنده حسن.
(٧) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٥٠) ومن طريقه ابن جرير (١٣٦٩) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة … فذكره؛ وأخرجه ابن جرير (١٣٦٨) من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وكلاهما صحيح.
(٨) أخرجه ابن جرير (١٣٧٣) وسنده صحيح.
(٩) في "تفسيره": (١/ ٢٦٢).
(١٠) في (ن): "وقال".
(١١) من (ن).
(١٢) في (ج): "في أنهم".
(١٣) أخرجه ابن أبي عمر العدني في "مسنده"، كما في "زوائد البوصيري على ابن ماجه" (١٣٣/ ١)، ومن طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (١٣/ ٢٢٥)؛ وابن ماجه (٣١١) قال: حدثنا علي بن محمد قالا: ثنا وكيع، ثنا الصلت بن دينار، عن عقبة بن صهبان سمعت عثمان ﵁ يقول … فذكره وبقية الخبر: "ولا مسست ذكرى بيميني منذ بايعت رسول الله ﷺ ". وتوبع وكيع. تابعه المعتمر بن سليمان، قال: سمعت الصلت بن دينار يحدث عن عقبة بن صهبان قال: أتيت عثمان فلم أر عنده شرطيًا ولا جلوازًا، فسمعته يقول … وذكره. أخرجه ابن المنذر في "الأوسط" (١/ ٣٣٩، ٣٤٠) قال: حدثنا حاتم بن يونس الجرجاني، ثنا عبد الأعلى بن حماد، ثنا المعتمر بن سليمان به. وهذا سند ضعيف جدًّا، والصلت بن دينار متروك الحديث.
[ ١ / ٤٦٥ ]
[وقيل: المراد بقوله: إلا أماني بالتشديد والتخفيف أيضًا؛ أي: إلا تلاوةً؛ فعلى هذا يكون استثناءً منقطعًا؛ واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ [الحج: ٥٢] أي: تلا ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ …﴾ الآية [الحج: ٥٢] وقال كعب بن (^١) مالك الشاعر:
تمنى كتاب الله أول ليله … وآخره لاقى حمام المقادر] (^٢)
[وقال آخر:
تمنى كتاب الله آخر ليله … تمني داود (الكتاب) (^٣) على رسل] (^٤)
وقال محمد بن إسحاق (^٥): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ أي: [ولا يدرون ما فيه، (وهم يجدون نبوتك) (^٦) بالظن.
وقال مجاهد (^٧): ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾] (^٨) يكذبون.
وقال قتادة (^٩)، وأبو العالية (^١٠)، والربيع (^١١): يظنون بالله الظنون بغير الحق.
وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآية: هؤلاء صنف آخر من اليهود، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله، وأكل أموال الناس بالباطل.
والويل: الهلاك والدمار؛ وهي كلمة مشهورة في اللغة.
وقال سفيان الثوري (^١٢)، عن زياد بن فياض: سمعت أبا عياض يقول: ويل: صديد في أصل جهنم.
_________________
(١) كذا نسبه لكعب، والمشهور أن قائله حسان بن ثابت ﵁، وكذا نسبه إليه جماعة. وانظر "تفسير الفخر الرازي" (١٢/ ٥٢)؛ و"البحر المحيط" (٦/ ٣٨٢) لأبي حيان، و"اللسان" وغيرها.
(٢) ساقط من (ز) و(ض).
(٣) كذا في "الأصول"، ووقع في "البحر المحيط" (٦/ ٣٨٢)؛ وفي "تفسير القرطبي" (٢/ ٦)؛ وفي "تفسير ابن عطية" (١٠/ ٣٠٤)؛ وفي "تفسير القاسمي" (ص ٤٣٦٦)؛ وفي "روح المعاني" (١٧/ ١٧٣)؛ وفي "أضواء البيان" (٥/ ٧٢٧): "الزبور" بدل "الكتاب" وهذا البيت نسبه الألوسي في "روح المعاني" لحسان بن ثابت!
(٤) ساقط من (ز) و(ض).
(٥) أخرجه ابن جرير (١٣٧٧). [وسند ابن إسحاق حسن].
(٦) كذا في سائر النسخ؛ وفي "الطبري": "يجحدون نبوتك". ووقع في (ل): "يحدثون فنونك"!!
(٧) في "تفسيره" (ص ٢٠٧، ٢٠٨) ومن طريقه ابن جرير (١٣٧٤، ١٣٧٥، ١٣٧٦)؛ وابن أبي حاتم (٧٩٩، ٨٠١). [وسنده صحيح].
(٨) ساقط من (ض).
(٩) أخرجه ابن جرير (١٣٧٨). [وسنده صحيح].
(١٠) أخرجه ابن جرير (١٣٧٩)؛ وابن أبي حاتم (٨٠٠). [وسنده جيد].
(١١) أخرجه ابن جرير (١٣٨٠). [بسندين أحدهما جيد].
(١٢) أخرجه ابن جرير (١٣٨٢) عن ابن مهدي، و(١٣٨٣) عن وكيع، و(١٣٨٤) عن زيد بن أبي الزرقاء؛ وابن أبي حاتم (٨٠٤) عن ابن مهدي، وابن المبارك في "الزهد" (٣٣٣ - رواية نعيم) قالوا: ثنا سفيان الثوري بسنده سواء. وما ذكره المصنف هو لفظ رواية ابن مهدي، عن الثوري. وهذا سند صحيح، وقد خولف =
[ ١ / ٤٦٦ ]
وقال عطاء بن يسار (^١): الويل واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت.
وقال ابن أبي حاتم (^٢): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ؛ قال: "ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره". ورواه الترمذي (^٣) عن عبد بن حميد، عن الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن دراج، به. وقال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة".
قلت: لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى، ولكن الآفة ممن بعده؛ وهذا الحديث بهذا الإسناد - مرفوعًا - منكر، والله أعلم.
وقال ابن جرير (^٤): حدثنا المثنى، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام (بن) (^٥) صالح (القشيري) (^٦)، حدثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي، عن عثمان بن عفان (رضي الله تعالى عنه) (^٧)، عن رسول الله ﷺ: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ قال: "الويل جبل في النار"؛ وهو الذي أنزل في اليهود؛ لأنهم حرفوا التوراة زادوا فيها ما أحبوا ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد ﷺ من التوراة؛ ولذلك غضب الله عليهم، فرفع بعض التوراة، فقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ وهذا غريب أيضًا جدًّا.
_________________
(١) = الثوري خالفه الأعمش فرواه عن زياد بن فياض، عن أبي عياض، عن ابن عباس قال: "ويل واد في جهنم لا يعلمه إلا الله". فجعله من قول ابن عباس. أخرجه أسد بن موسى في "الزهد" (١٦ - بتحقيقي) قال: ثنا قيس بن الربيع، عن الأعمش. وقيس ضعيف الحفظ.
(٢) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٣٣٢ - رواية نعيم)؛ وابن جرير (١٣٩٦)؛ وابن أبي حاتم (٨٠٥)؛ وأبو محمد الفاكهي في "حديث يحيى بن أبي مسرة عن شيوخه" (رقم ٨ - بتحقيقي)، ومن طريقه البيهقي في "البعث" (٤٦٨) من طريق سعيد بن أبي أيوب، حدثني محمد بن عجلان عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار فذكره. وسنده جيد.
(٣) في "تفسيره" (٨٠٣). وأخرجه ابن المبارك في "المسند" (١٣٤)؛ وفي "الزهد" (٣٣٤ - رواية نعيم)؛ وابن أبي الدنيا في "صفة النار" (ق ١٤٢/ ٢)؛ وابن جرير (١/ ٣٧٨؛ و٢٩/ ٩٧)؛ وابن حبان (٧٤٦٧)؛ والحاكم (٢/ ٥٠٧؛ و٤/ ٥٩٦)؛ والبيهقي في "البعث" (٤٦٥، ٤٦٦) من طريق عمرو بن الحارث، بسنده سواء.
(٤) في "سننه" (٢١٦٤) قال: حدثنا عبد بن حميد. وهذا في "المنتخب من المسند" (٩٢٤) عن الحسن بن موسى به؛ وأخرجه أحمد (٣/ ٧٥)؛ وأسد بن موسى في "الزهد" (١٥)؛ وأبو يعلى في "المسند" (١٣٨٣) من طريق حسن بن موسى الأشيب عن ابن لهيعة به وتابعه كامل بن طلحة الجحدري، ثنا ابن لهيعة، ثنا دراج بسنده سواء؛ أخرجه البيهقي في "البعث" (٤٨٧). وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي! وليس كما قالا، لأن رواية دراج عن أبي الهيثم ضعيفة، كما نص على ذلك غير واحد من الحفاظ.
(٥) في "تفسيره" (١٣٨٦، ١٣٩٥). وهذا خبر منكر.
(٦) في (ن): "ثنا" وهو خطأ فاحش.
(٧) في "تفسير الطبري": "التستري".
(٨) في (ل). ولم يذكر في (ن) قوله: "تعالى".
[ ١ / ٤٦٧ ]
[وعن ابن عباس: الويل: (المشقة) (^١) من العذاب. وقال الخليل بن أحمد: الويل شدة الشر. وقال سيبويه: "ويل": لمن وقع في الهلكة، "وويح": لمن أشرف عليها؛ وقال الأصمعي: الويل: تفجع. (والويح) (^٢): ترحم. وقال غيره: الويل الحزن.
وقال الخليل: وفي معنى "ويل" و"ويح" و"ويس" و"ويه" و"ويك" و"ويت". ومنهم من فرق بينها.
وقال بعض النحاة: إنما جاز الابتداء بها وهي نكرة؛ لأن فيها معنى الدعاء. ومنهم من جوز نصبها لمعنى ألزمهم ويلًا.
قلت: لكن لم يقرأ بذلك أحد] (^٣).
وعن عكرمة (^٤)، عن ابن عباس ﵄ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قال: هم أحبار اليهود. وكذا قال سعيد (^٥)، عن قتادة: هم اليهود.
وقال (وكيع في "تفسيره": حدّثنا) (^٦) سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن علقمة: سألت ابن عباس ﵁ عن قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ قال: نزلت في المشركين وأهل الكتاب.
وقال السدي (^٧): كان ناس من اليهود كتبوا كتابًا من عندهم يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله (فيأخذوا) (^٨) به ثمنًا قليلًا.
وقال الزهري (^٩): أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أنه قال: يا معشر المسلمين؛ كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتاب الله الذي أنزله على نبيه أحدثُ أخبار الله تقرؤونه (غضًا) (^١٠) لم يشب، وقد حدثكم الله (تعالى) (^١١) أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب؛ وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؛ ولا والله ما رأينا منهم أحدًا قط سألكم عن الذي أنزل عليكم. رواه البخاري من طرق عن الزهري.
وقال الحسن بن أبي الحسن البصري (^١٢): الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها.
_________________
(١) في (ج) و(ل): "السعير".
(٢) في (ج) و(ل): "الويل" وهو سبق قلم.
(٣) ساقط من (ز) و(ض).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٠٦) وسنده قوي.
(٥) أخرجه ابن جرير (١٣٩٢) وسقط ذكر سعيد بن أبي عروبة من الإسناد عنده، فليستدرك من هنا.
(٦) من (ع) وعزاه السيوطي في "الدر" (١/ ٨٢) إلى وكيع في "تفسيره". وأخرجه البخاري في "خلق أفعال العباد" (٤١٢)؛ والنسائي في "التفسير" (١١) من طريقين عن وكيع بسنده سواء وليس عندهما ذكر للمشركين. وعزاه السيوطي في "الدر" إلى ابن المنذر.
(٧) أخرجه ابن جرير (١٣٨٨)؛ وابن أبي حاتم (٨٠٧).
(٨) في (ز): "ليأخذوا".
(٩) أخرجه البخاري (٥/ ٢٩١؛ و١٣/ ٣٣٣، ٣٣٤، ٤٩٦).
(١٠) أشار في (ع) أن في نسخة: "محضًا" وهي رواية البخاري وسائر المخرجين ما عدا ابن أبي حاتم فاختار المصنف روايته وكتبها ابن المحب في (ج) بخط دقيق فوق "غضا".
(١١) من (ز) و(ن).
(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٤٥٦، ٨١٥)؛ وابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" (٤٩٧) وفي سنده هارون بن يزيد، =
[ ١ / ٤٦٨ ]
وقوله (تعالى) (^١): ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ أي: فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان والافتراء، وويل لهم مما أكلوا به من السحت، كما قال الضحاك (^٢)، عن ابن عباس (﵄) (^٣) ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾ يقول: فالعذاب عليهم من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ يقول: مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم.
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾.
يقول تعالى، إخبارًا عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم؛ من أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودةً، ثم ينجون منها؛ فرد الله عليهم ذلك بقوله (تعالى) (^٤): ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ أي: بذلك؛ فإن كان قد وقع (عهد) (^٥) فهو لا يخلف (وعده) (^٦) ولكن هذا ما جرى ولا كان؛ ولهذا أتى بـ"أم" التي بمعنى: "بل"؛ أي: بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه.
قال محمد بن إسحاق (^٧)، عن سيف بن سليمان، عن مجاهد، عن ابن عباس: إن اليهود كانوا يقولون (إن) (^٨) هذه الدنيا سبعة آلاف سنةً، وإنما نعذب بكل (ألف) (^٩) سنة يومًا في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً …﴾ إلى قوله: ﴿خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٢].
ثم رواه (^١٠) عن محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس بنحوه.
وقال العوفي (^١١)، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ اليهود قالوا: لن تمسنا النار إلا أربعين ليلةً.
[زاد غيره: وهي مدة عبادتهم العجل. وحكاه القرطبي (^١٢) عن ابن عباس، وقتادة] (^١٣).
_________________
(١) = وعند ابن أبي الدنيا "زيد". وهارون بن يزيد هو عندي البصري الذي ترجمه البخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ٢/ ٢٢٠) وقال: "عمن حدثه عن أبى هريرة" وذكره ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٥٧٩) وقال: "يروى عن رجل عن أبي هريرة". وظاهر من ترجمته أنه مجهول، والله أعلم.
(٢) من (ز) و(ن).
(٣) أخرجه ابن جرير (١٣٩٨) وسنده ضعيف.
(٤) من (ن).
(٥) من (ن).
(٦) من (ز) و(ن).
(٧) كذا في (ج) و(ع) و(ل) و(ى)؛ وفي (ز) و(ض) و(ن): "عهده".
(٨) أخرجه الطبراني في "الكبير" (ج ١١/ رقم ١١١٦٠) من طريق محمد بن حميد الرازي، ثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق بسنده سواء. وسنده ضعيف جدًّا وسكت عليه الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٣١٤).
(٩) من (ن).
(١٠) ساقط من (ج) و(ل).
(١١) يعني: محمد بن إسحاق وقد رواه عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس. أخرجه ابن جرير (١٤١٠، ١٤١١)؛ وابن أبي حاتم (٨١٨). [وسنده حسن].
(١٢) أخرجه ابن جرير (١٤٠٥) وسنده ضعيف.
(١٣) في "تفسيره" (٢/ ١٠).
(١٤) ساقط من (ز) و(ض).
[ ١ / ٤٦٩ ]
وقال الضحاك (^١): قال ابن عباس: زعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبًا أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنةً إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم التي هي نابتة في أصل الجحيم، وقال أعداء الله: إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك؛ فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.
وقال عبد الرزاق (^٢)، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ يعني: الأيام التي عبدنا فيها العجل.
وقال عكرمة (^٣): خاصمت اليهود رسول الله ﷺ، فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلةً، وسيخلفنا (إليها) (^٤) قوم آخرون - يعنون محمدًا ﷺ وأصحابه ﵃؛ فقال رسول الله ﷺ بيده على (رؤوسهم) (^٥) بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم (إليها) (٤) أحد؛ فأنزل الله ﷿: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً …﴾ الآية.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٦) ﵀: حدثنا (عبد الله) (^٧) بن جعفر، حدثنا محمد بن محمد بن صخر، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا ليث بن سعد، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة (﵁) (^٨)؛ قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سم؛ فقال رسول الله ﷺ: "اجمعوا لي من كان من اليهود ها هنا". فقال لهم رسول الله ﷺ: "من أبوكم! " قالوا: فلان. قال: "كذبتم، بل أبوكم فلان". فقالوا: صدقت وبررت. ثم قال لهم: "هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ " قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله ﷺ: "من أهل النار؟ " فقالوا: نكون فيها يسيرًا، ثم (تخلفونا) (^٩) فيها. فقال لهم رسول الله ﷺ: "اخسئوا، والله لا نخلفكم فيها أبدًا".
ثم قال لهم رسول الله ﷺ: "هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟ " قالوا: نعم يا أبا القاسم. قال: هل جعلتم في هذه الشاة سمًا؟ فقالوا: نعم. قال: "فما حملكم على ذلك؟ " فقالوا: أردنا إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًا لم يضرك.
ورواه الإمام أحمد والبخاري، والنسائي، من حديث الليث بن سعدٍ بنحوه.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٢٢) وسنده ضعيف. ثم أخرجه (٨١٩) من طريق آخر عن الضحاك عن ابن عباس نحوه. وسنده منقطع.
(٢) في "تفسيره" (١/ ٥١) ومن طريقه ابن جرير (١٤٠٠)؛ وابن أبي حاتم (٨٢١)؛ وأخرجه ابن جرير (٦٧٨٦) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة وكلاهما صحيح.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٤٠٦)؛ وابن أبي حاتم (٨٢٠) من طريق حفص بن عمر العدني، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة. والعدني متروك، ولكن تابعه ابن جريج قال: أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة فذكره؛ أخرجه ابن جرير أيضًا (١٤٠٧) من طريق حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج. والحكم بن أبان متماسك، وفيه مقال.
(٤) في (ن): "فيها".
(٥) في (ك): "رؤوسه".
(٦) أخرجه البخاري في "الطب" (١٠/ ٢٤٤، ٢٤٥).
(٧) في (ن): "عبد الرحمن" وهو خطأ.
(٨) من (ج) و(ض) و(ع)؛ وفي (ل): "رضي الله تعالى عنه".
(٩) في (ل): "تخلفون".
[ ١ / ٤٧٠ ]
﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾.
يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون؛ بل الأمر أنه من عمل سيئةً وأحاطت به خطيئته، وهو من وافى يوم القيامة وليست له حسنة؛ بل جميع أعماله سيئات؛ فهذا من أهل النار. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ (^١) بالله ورسوله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، من العمل الموافق للشريعة، فهم من أهل الجنة.
وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ [النساء: ١٢٣، ١٢٤].
قال محمد بن إسحاق (^٢): حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ أي: عمل (بمثل) (^٣) أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط به كفره، فما له من حسنةٍ.
وفي رواية (^٤) عن ابن عباس: قال: الشرك.
قال ابن أبي حاتم (^٥): وروى عن أبي وائل (^٦)، وأبي العالية، ومجاهد (^٧)، وعكرمة، والحسن، وقتادة (^٨)، والربيع بن أنس (^٩)، نحوه.
وقال الحسن (^١٠) أيضًا، والسدي (^١١): السيئة الكبيرة من الكبائر.
وقال ابن جريج (^١٢)، عن مجاهد: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قال: بقلبه.
_________________
(١) في (ن): "والذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ أي: آمنوا بالله ورسوله … إلخ".
(٢) أخرجه ابن إسحاق، كما في "الدر المنثور" (١/ ٨٥)، ومن طريقه ابن جرير (١٤٢٠)؛ وابن أبي حاتم (٨٢٧) من طريق سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق. [وسنده حسن].
(٣) هكذا في سائر "الأصول" وهو الموافق لما في "تفسير ابن أبي حاتم"؛ وفي (ز) و(ن): "مثل" وهو الموافق لما في "تفسير الطبري".
(٤) أخرجها ابن أبي حاتم (٨٢٧/ ٢) وسندها ضعيف جدًّا، والنضر بن عبد الرحمن الخزاز قال ابن معين: "لا يحل لأحد أن يروى عنه" وتركه النسائي وابن نمير وقال أبو نعيم الفضل ابن دكين: "لا يسوى هذا" ورفع شيئًا من الأرض، كان يجيء فيجلس عند الحماني، وكل شيء يسئل عنه يقول: عكرمة، عن ابن عباس. وضعفه سائر النقاد.
(٥) في "تفسيره" (ص ٢٥١ - البقرة).
(٦) أخرجه ابن جرير (١٤٢١) ووكيع في "كتاب الزهد" (٥٩) وسنده حسن.
(٧) أخرجه ابن جرير (١٤٢٢، ١٤٢٣، ١٤٢٧) وهو صحيح.
(٨) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٥١)، ومن طريقه ابن جرير (١٤٢٥) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة؛ وأخرجه ابن جرير (١٤٢٤) عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.
(٩) أخرجه ابن جرير (١٤٢٨).
(١٠) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٢٨) وسنده ضعيف.
(١١) أخرجه ابن جرير (١٤٢٦) ولفظه: "أما السيئة، فهي الذنوب التي وعد عليها النار".
(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٢٩) وسنده ضعيف، لتدليس ابن جريج، وما أظنه سمعه مجاهدًا، ولم أجد له رواية عنه وإنما سمع منه حرفًا واحدًا، والله أعلم.
[ ١ / ٤٧١ ]
وقال أبو هريرة (^١) وأبو وائل، وعطاء، والحسن: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قالوا: أحاط به شركه.
وقال الأعمش (^٢)، عن أبي رزين، عن الربيع بن خثيم: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قال: الذي يموت على خطاياه من قبل أن يتوب.
وعن السدي (^٣)، وأبي رزين (^٤) نحوه.
وقال أبو العالية (^٥)، ومجاهد (^٦)، والحسن - في رواية عنهما -، وقتادة (^٧)، والربيع بن أنس (^٨): ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ (الكبيرة الموجبة) (^٩).
وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم.
ونذكر ها هنا الحديث الذي رواه الإمام (^١٠) أحمد حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٣١) من طريق يحيى بن أبي بكير، عن أبي بكر بن عياش، عن يحيى بن أيوب، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة فذكره. قال المحقق "تفسير ابن أبي حاتم": "في إسناده مجاهيل" كذا قال وكلهم معروفون، بل من رجال "التهذيب" إلا شيخ ابن أبي حاتم، وهو عبد الله بن إسماعيل البغدادي، فلا أجزم فيه بشيء وأظنه المدائني البزاز المترجم في "الجرح والتعديل" (٢/ ٢/ ٤)؛ و"تاريخ بغداد" (٩/ ٤١٠) والله أعلم. وأما أثر عطاء فأخرجه ابن جرير (١٤٤٢).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٣٢)؛ وابن جرير (١٤٣٠، ١٤٣٨) من طرق عن الأعمش وقد صرح الأعمش بالتحديث عند ابن جرير فالسند صحيح.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٤٤١) وسنده حسن.
(٤) أخرجه وكيع في "الزهد" (٥٨)؛ وابن جرير (١٤٣٧) من طريق الثوري، عن الأعمش، عن أبي رزين؛ وأخرجه وكيع (٥٨)؛ وابن جرير (١٤٣٩) عن الأعمش قوله.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٣٣). [وسنده جيد].
(٦) أخرجه ابن جرير (١٤٣٦) وسنده صحيح.
(٧) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٥١)، ومن طريقه ابن جرير (١٤٣٤) قال: أخبرنا معمر بن راشد، عن قتادة؛ وأخرجه ابن جرير (١٤٣٣) من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. وكلاهما صحيح.
(٨) أخرجه ابن جرير (١٤٤٠). [وسنده ضعيف ويتقوى بما سبق].
(٩) في (ن): "الموجبة الكبيرة".
(١٠) في "مسنده" (٣٨١٨)؛ وفي "الزهد" (ص ١٤، ١٥) قال: حدثنا سليمان بن داود الطيالسي، وهذا في "مسنده" (٤٠٠) وعنه أبو الشيخ في "الأمثال" (٣١٩)؛ والبيهقي في "الشعب" (ج ٢/ رقم ٢٨١)؛ وفي "السنن الكبير" (١٠/ ١٨٧، ١٨٨) قال: حدثنا عمران بن داور القطان بسنده سواء. وتابعه عمرو بن مرزوق قال: ثنا عمران القطان مثله. أخرجه الطبراني في "الكبير" (ج ١٠/ رقم ١٠٥٠٠)؛ وفي "الأوسط" (٢٥٢٩) وقال: "لم يرو هذا الحديث عن قتادة، إلا عمران". اهـ. (*) قلت: وعمران القطان مختلف فيه، فضعفه ابن معين والنسائي وأبو داود والعقيلي وقال الدارقطني: "كان كثير المخالفة والوهم" وقال البخاري: "صدوق يهم" ووثقه العجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أحمد: "أرجو أن يكون صالح الحديث" وقال العراقي في "تخريج الإحياء" (٤/ ٥٢٢): "إسناده جيد"! وقال المناوي في "فيض القدير" (٣/ ١٢٨): "قال العلائي: حديث على شرط الشيخين، وقال ابن حجر: سنده حسن". اهـ. وقال المنذري في "الترغيب" (٣/ ١٨٥): "إسناده حسن".
[ ١ / ٤٧٢ ]
(عمران، عن قتادة) (^١)، عن عبد ربه، عن (أبي عياض) (^٢)، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه. وإن رسول الله ﷺ ضرب لهم مثلًا كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيءُ بالعود حتى جمعوا سوادًا، وأججوا نارًا، فأنضجوا ما قذفوا فيها".
وقال محمد بن إسحاق (^٣): حدثني محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾ أي: من آمن بما كفرتم، وعمل بما تركتم من دينه فلهم الجنة خالدين فيها؛ يخبرهم أن الثواب بالخير، والشر مقيم على أهله (أبدًا لا انقطاع له) (^٤).
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾.
يذكر ﵎ بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر وأخذه ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصدًا وعمدًا، وهم يعرفونه ويذكرونه؛ فأمرهم (تعالى) (^٥) أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا؛ وبهذا أمر جميع خلقه؛ ولذلك خلقهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله (تبارك و) (^٥) تعالى أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين؛ وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين؛ ولهذا يقرن (الله) (^٦) (تبارك و) (^٥) تعالى بين حقه وحق الوالدين، كما قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] وقال (تبارك (^٥) و) تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا …﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى أن قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦].
وفي "الصحيحين" (^٧) عن ابن مسعود: قلت: "يا رسول الله؛ أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله".
ولهذا جاء في الحديث الصحيح (^٨) أن رجلًا قال: يا رسول الله، من أبر؟ قال: "أمك.
_________________
(١) وقع في (ج) و(ع) و(ل) و(ى): "عمر بن قتادة"؛ وفي (ز) و(ن): "عمرو بن قتادة"؛ وفي (ك): "عمر بن صادق" وكل هذا خطأ.
(٢) في (ن): "أبي عياظ"!
(٣) أخرجه ابن جرير (١٤٤٥)؛ وابن أبي حاتم (٨٣٦). [وسنده حسن].
(٤) في (ز): "لا انقطاع له أبدًا".
(٥) من (ن).
(٦) لفظ الجلالة من (ز) و(ض).
(٧) أخرجه البخاري (٢/ ٩؛ و١٠/ ٤٠٠؛ و١٣/ ٥١٠)؛ وفي "الأدب المفرد" (١)؛ ومسلم (٨٥/ ١٣٩).
(٨) أخرجه مسلم (٢٥٤٨/ ٢)؛ وأبو يعلى في "مسنده" (ج ١٠/ رقم ٦٠٩٤) قالا: حدثنا أبو كريب، ثنا محمد بن =
[ ١ / ٤٧٣ ]
قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أباك؛ ثم أدناك، أدناك".
[وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ قال الزمخشري (^١): خبر بمعنى الطلب، وهو آكد. وقيل: كان أصله ﴿لَا تَعْبُدُونَ (إِلَّا اللَّهَ) (^٢)﴾ كما قرأها من قرأها من السلف، فحذفت "أن" (فارتفع) (^٣).
وحُكي عن أُبيٍّ، وابن مسعود أنهما قرآها "لا تعبدوا إلا الله" (^٤).
[وقيل: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ مرفوع على أنه قسم؛ أي: والله لا تعبدون إلا الله] (^٥)، ونقل هذا التوجيه القرطبي في "تفسيره" (^٦) عن سيبويه. قال: واختاره (المبرد) (^٧)، والكسائي، والفراء] (^٨).
قال: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ وهم الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء (^٩).
[وقال أهل اللغة: اليتيم في بني آدم من الآباء، وفي البهائم من الأم، وحكى الماوردي أن اليتيم مطلق في بني آدم من الأم أيضًا] (^١٠) والمساكين الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم، وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية "النساء" التي أمرنا الله تعالى بها صريحًا في قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا …﴾ الآية [النساء: ٣٦].
وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أي: كلموهم طيبًا، ولينوا لهم جانبًا؛ ويدخل في ذلك
_________________
(١) = فضيل، عن أبيه، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رجل: من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: "أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك". وذكر لفظ "الأم" عند أبي يعلى مرةً واحدةً، وكان أبا يعلى اختصره. وقد توبع فضيل بن غزوان. تابعه جرير بن عبد الحميد، عن عمارة بن القعقاع بسنده سواء ولم يذكر "ثم أدناك"؛ أخرجه البخاري (١٠/ ٤٠١)؛ ومسلم (٢٥٤٨/ ١)؛ وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (١٧٢)؛ وابن حبان (٤٣٤)؛ وأبو يعلى (ج ١٠/ رقم ٦٠٨٢) من طرق عن جرير.
(٢) في "الكشاف" (١/ ٧٨، ٧٩).
(٣) من (ن).
(٤) ساقط من (ج).
(٥) [وهي قراءة شاذة].
(٦) ساقط من (ن).
(٧) انظر: "تفسير القرطبي" (٢/ ١٣).
(٨) ساقط من (ن).
(٩) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).
(١٠) نقل ابن المحب ناسخ (ج) على حاشية الورقة (١١٢/ ١) كلامًا لابن كثير يتعلق بهذه الآية، لكنه كتبها عند الآية رقم (٥٧): "وظللنا عليكم الغمام … " ولأنه لا مناسبة بين الحاشية وهذه الآية، فنقلتها هنا لتعلقها بها. قال ابن المحب: "الحمد لله. ذكر المؤلف الشيخ عماد الدين بن كثير ختم الله له بالحسنى على حاشية الجزء السادس من "تفسيره" قال: تنبيه: ذكر القرطبي في "تفسيره" (٢/ ١٥) عنده قوله: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣] وذكر في إكرام اليتيم: "أنا وكافل اليتيم هكذا" وأشار بأصبعه السبابة والتي تليها ثم قال: كانت العرب تسميها السبابة لأنهم كانوا يسبون بها. قال: وسميت في الإسلام: المشيرة، لأنهم كانوا يشيرون بها إلى الله في التوحيد، وتسمى أيضًا: السباحة، كما جاء في حديث وائل بن حجر قلت: القائل ابن كثير: والمشهور تسميتها بـ "المسبحة"، وأما السباحة فغريب. ثم قال القرطبي: وروى عن أصابع رسول الله ﷺ أن المشيرة منها كانت أطول من الوسطى، واعتمد على حديث ميمونة بنت كردم أنها شهدت حجة الوداع مع أبيها قالت: فلقد رأيتني أتعجب من طول أصبعه التي تلي الإبهام على سائر أصابعه … الحديث. قلت: القائل: ابن كثير: وإنما أرادت "الإبهام" من قدمه ﵇، كما رواه أحمد في "المسند" (٦/ ٣٦٦) لا كما فهم القرطبي، فإن هذا الذي قاله القرطبي لم أر أحدًا ممن صنف في الشمائل النبوية ذكر ولا أشار إليه.
(١١) من (ج) و(ع) و(ل) و(ى).
[ ١ / ٤٧٤ ]
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف؛ كما قال الحسن البصري (^١) في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ فالحسن من القول: تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتحلم وتعفو وتصفح، وتقول للناس حسنًا؛ كما قال الله؛ وهو كل خلق حسن (رضيَه (^٢) الله.
[وقرأ بعضهم "حَسَنًا" (^٣) أي: قولًا حسنًا، وقرأ آخرون: "حُسْنىَ" (^٤) مثل: "فعلى"، وأنكرها على الأخفش جماعة، وقالوا: لا يستعمل ذلك إلا بالألف واللام، مثل: الكبرى، والحسنى، والعظمى. وعزوه إلى سيبويه. نقله القرطبي (^٥)] (^٦).
وقال الإمام أحمد (^٧): حدثنا روح، حدثنا أبو عامر الخزاز، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر (﵁) (^٨)، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تحقرن من المعروف شيئًا، وإن لم تجد فالْق أخاك بوجه (طلق) (^٩) ".
وأخرجه مسلم في "صحيحه" والترمذي وصححه من حديث أبي عامر الخزاز، واسمه صالح بن رستم، به.
وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنًا بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل؛ (فجمع) (^١٠) بين طرفي الإحسان (الفعلي) (^١١) والقولي.
ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس (بالمتعين) (^١٢) من ذلك، وهو الصلاة والزكاة؛ فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] وأخبر أنهم تولوا عن ذلك كله؛ أي: تركوه وراء ظهورهم، وأعرضوا عنه على عمد بعد العلم به إلا القليل منهم.
وقد أمر (الله تعالى) (^١٣) هذه الأمة بنظير ذلك في "سورة النساء" بقوله: ﴿* وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء: ٣٦] فقامت هذه الأمة من ذلك بما لم تقم به أمة من الأمم قبلها. ولله الحمد والمنة.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٥٠) وسنده ضعيف.
(٢) في (ل): "وصية"!!.
(٣) [وهي قراءة متواترة].
(٤) [وهي قراءة شاذة].
(٥) في "تفسيره" (٢/ ١٦).
(٦) من (ج) و(ع) و(ل) و(ى)، وجاءت هذه الفقرة متقدمة في (ى) على قوله: "أي كلموهم طيبًا … إلخ".
(٧) في "المسند" (٥/ ١٧٣). وأخرجه مسلم (٢٦٢٦/ ١٤٤)؛ وابن حبان (٥٢٣) عن عثمان بن عمر. والترمذي (١٨٣٣) عن إسرائيل بن يونس كلاهما عن أبي عامر الخزاز صالح بن رستم بسنده سواء. زاد الترمذي: "وإن اشتريت لحمًا أو طبخت قدرًا فأكثر مرقته وأغرف لجارك منه". ولابن حبان نحوه. وأخرج هذه الزيادة مسلم (٢٦٢٥/ ١٤١ - ١٤٣)؛ والبخاري في "الأدب المفرد" (١١٤)؛ وابن ماجه (٣٣٦٢)؛ وأحمد (٥/ ١٤٩، ١٥٦)؛ والحميدي (١٣٩)؛ وابن حبان (٥١٣، ٥١٤) وغيرهم من طريق أبي عمران الجوني به. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
(٨) من (ز) و(ل) و(ن).
(٩) كذا في (ج) وهو الموافق لما في (المسند) و"صحيح مسلم" وغيرهما. ووقع في سائر "الأصول": "منطلق".
(١٠) في (ج): "جمع"؛ وفي (ل): "بعد أن جمع".
(١١) في (ل): "العقلي"!!
(١٢) في (ز): "بالمعين".
(١٣) كذا في (ل). ووقع في (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى): "تعالى"؛ وفي (ن): "الله".
[ ١ / ٤٧٥ ]
ومن النقول الغريبة ها هنا ما ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" (^١): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبد الله بن يوسف - يعني: (التنيسي) (^٢)، حدثنا خالد بن (صبيح) (^٣)، عن حميد بن عقبة، عن أسد بن وداعة - أنه كان يخرج من منزله فلا يلى يهوديًا ولا نصرانيًا إلا (سلَّم) (^٤) عليه؛ فقيل له: ما شأنك؟ تسلم على اليهودي والنصراني فقال: إن الله (تعالى) (^٥) يقول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وهو السلام.
قال (^٦): وروى عن عطاء الخراساني (^٧) نحوه.
قلت: وقد (ثبت في) (^٨) السنة أنهم لا يبدؤون بالسلام (^٩)، والله أعلم (^١٠).
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾.
يقول (الله) (^١١) (تبارك و) (^١٢) تعالى، منكرًا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله ﷺ بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج؛ وذلك أن الأوس والخزرج، وهم
_________________
(١) رقم (٨٥٢) ورجاله ثقات إلا حميد بن عقبة، فترجمه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (١/ ٢/ ٢٢٦) وذكره ابن حبان في "الثقات" (٤/ ١٥٠).
(٢) في (ل): "السبسبي"!
(٣) في (ل): "صبح" وهو خطأ. واسمه: خالد بن يزيد بن صالح بن صبيح. من رجال "تهذيب الكمال" (٨/ ١٩٣ - ١٩٦) وثقه دحيم، والعجلي، وأبو حاتم وزاد: "صدوق"؛ وابن حبان. وقال النسائي: "ليس به بأس"، وقال الدارقطني: يعتبر به.
(٤) في (ل): "يسلم".
(٥) من (ن).
(٦) القائل هو: ابن أبي حاتم.
(٧) لم أقف عليه. وأخرج ابن جرير (١٤٥٦)؛ وابن أبي حاتم (٨٤٨)؛ وابن أبي الدنيا في "الصمت" (٣٠٤) من طرق عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح وأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين في قوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] قال: للناس كلهم. وأخرجه ابن أبي الدنيا (٣٠٨) من طريق خالد بن عبد الله، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء وحده فذكر مثله وزاد: "المشرك غيره" وسنده قوي.
(٨) في (ك): "ثبتت".
(٩) يشير المصنف إلى ما رواه أبو هريرة مرفوعًا: "لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه". أخرجه مسلم (٢١٦٧/ ١٣).
(١٠) في (ع) بعد قوله: الله أعلم: "بلغ قراءةً على المصنف، فسح الله في مدته، معارضًا بأصله".
(١١) لفظ الجلالة من (ض).
(١٢) من (ز) و(ن).
[ ١ / ٤٧٦ ]
الأنصار، كانوا في الجاهلية عباد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم في دينهم ونص (كتابه) (^١)، ويخرجونهم من بيوتهم، وينتهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكّوا الأسارى من الفريق المغلوب عملًا بحكم التوراة، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥] ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يخرجه من منزله، ولا يظاهر عليه؛ كما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] وذلك أن أهل (الملة) (^٢) الواحدة بمنزلة النفس الواحدة، كما قال (^٣) ﵊: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى (والسَّهر) (^٤) ".
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أي: ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته، وأنتم تشهدون به.
[﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ تقديره: ثم أنتم يا هؤلاء، ومنع (كثير) (^٥) من النحاة حذف حرف النداء مع اسم الإشارة، وسوغه بعضهم؛ وهو ظاهر السياق.
وقيل: هؤلاء بمعنى: "الذين"، ومعناه: ثم أنتم الذين تقتلون أنفسكم … إلى آخره. وقيل معناه: ثم أنتم اليوم هؤلاء؛ [مبتدأ وخبر؛ أي: ثم صرتم بعد العهود والمواثيق] (^٦) على ما أنتم عليه من] (^٧) [الصفة المفسَّرة بما بعده.
قال الزمخشري (^٨): نزل تغير الصفة منزلة تغير الذات؛ كما يقال: دخل بغير الوجه الذي خرج به] (^٩).
﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ …﴾ الآية.
قال محمد بن (^١٠) إسحاق بن (يسار) (^١١): حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة؛ عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾
_________________
(١) في (ن): "كتابهم".
(٢) في (ز): "البلد".
(٣) أخرجه البخاريُّ (١٠/ ٤٣٨)، ومسلم (٢٥٨٦/ ٦٦).
(٤) في (ل): "الشهير"!!
(٥) في (ل): "كثيرون".
(٦) ساقط من (ج).
(٧) من (ج) و(ع) و(ل) و(ى).
(٨) في "الكشاف" (١/ ٧٩) وعبارته: "والمعنى: ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء الشاهدون، يعني: أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرين تنزيلًا لتغير الصفة منزلة تغير الذات كما تقول: رجعت بغير الوجه الذي خرجت به".
(٩) من (ج) و(ع) و(ل) و(ى).
(١٠) أخرجه ابن جرير (١٤٧١) بطوله. وهو عند ابن أبي حاتم (٨٦١) مختصرًا. [وسنده حسن].
(١١) في (ل): "بشار" وهو تصحيف.
[ ١ / ٤٧٧ ]
الآية؛ قال: (أنبأهم) (^١) الله بذلك من فعلهم، وقد حرَّم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداءَ أسراهم؛ فكانوا فريقين: طائفة منهم بنو قينقاع (وأنهم) (^٢) حلفاء الخزرج والنضير؛ وقريظة (وأنهم) (^٢) حلفاء الأوس؛ فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس؛ يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم. والأوس والخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، ولا يعرفون جنة ولا نارًا، ولا بعثًا ولا قيامةً، ولا كتابًا، ولا حلالًا، ولا حرامًا؛ فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم، تصديقًا لما في التوراة، وأخذًا به؛ بعضهم من بعض، يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، (ويطلون) (^٣) ما أصابوا من دمائهم، (وقتلوا) (^٤) من قتلوا منهم، فيما بينهم مظاهرةً لأهل الشرك عليهم، يقول الله تعالى ذكره (حين) (^٥) (أنبأهم) (^٦) بذلك: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أي: تفادونهم بحكم التوراة. وتقتلونهم، وفي حكم التوراة أن لا (يفعل) (^٧) (ويخرجه من داره، ويظاهر) (^٨) عليه من يشرك بالله، ويعبد الأوثان من دونه ابتغاء عرض الدنيا؟
ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج فيما بلغني نزلت هذه القصة. وقال أسياط، من السدي: كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب (سمير) (^٩)، فتقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضير وحلفاءهم، وكانت النضير تقاتل قريظة وحلفاءها (ويغلبونهم) (^١٠)، فيخربون ديارهم ويخرجونهم منها؛ فإذا أسر رجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتى يفدوه، فتعيرهم العرب بذلك، ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتالهم قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحيي أن (تستذل حلفاؤنا) (^١١)؛ فذلك حين عيرهم الله ﵎؛ فقال (تعالى) (^١٢): ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ …﴾ الآية.
_________________
(١) كذا في جميع "الأصول"؛ وفي "ن": "ابتلاهم" وأشار في الحاشية إلى اللفظ الأول، وفي "تفسير الطبري": "أنبهم الله".
(٢) في (ن): "وهم".
(٣) كذا في (ز) و(ض) و(ع) و(ى) وهو الموافق لما في "تفسير الطبري" (١٤٧١) ووقع في (ج) و(ك) و(ل) و(ن): "ويطلبون". ومعنى: "يطلون" يعني: يهدرون. يقال: طل دمه وأطله: إذا أهدره وأبطله.
(٤) في (ز): "قتلى".
(٥) في (ن): "حيث".
(٦) في (ز): "أنبهم".
(٧) في (ن): "يقتل".
(٨) كذا في سائر "الأصول"؛ وفي (ز) و(ن): "ولا يخرج من داره، ولا يظاهر عليه من يشرك بالله".
(٩) في (ن): "بينهم". قال الشيخ محمود شاكر حفظه الله: "حرب سمير كانت في الجاهلية بين الأوس والخزرج، و"سمير"" رجل من بني عمرو بن عوف. وانظر خبر هذه الحرب في "الأغاني" (٣/ ١٨ - ٢٦). اهـ.
(١٠) في (ز): "يلعنونهم".
(١١) كذا في (ز) وهو الموافق لما في "تفسير الطبري" (١٤٧٢)؛ وفي (ض) و(ع) و(ك) و(ى): "يستذل بحلفائنا"؛ وفي (ج): "نذل لحلفائنا" وفي (ك): "تذل حلفائنا"؛ وفي (ن): "تستذل حلفاءنا".
(١٢) من (ن) و(ل).
[ ١ / ٤٧٨ ]
وقال (شعبة) (^١)، عن السدي: نزلت هذه الآية في قيس بن الخطيم: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ …﴾ الآية.
وقال أسباط (^٢)، عن السدي، عن عبد خير؛ قال: غزونا مع سلمان بن ربيعة الباهلي (بلنجر) (^٣)، فحاصرنا أهلها ففتحنا المدينة وأصبنا سبايا، واشترى عبد الله بن سلام يهوديةً بسبعمائة؛ فلما مر برأس الجالوت نزل به؛ فقال له عبد الله: يا رأس الجالوت، هل لك في عجوز ها هنا من أهل دينك تشتريها مني؟ قال: نعم، قال: أخذتها بسبعمائة درهم. قال: فإني أربحك سبعمائةً أخرى. قال: فإني قد حلفت أن لا أنقصها من أربعة آلاف. قال: لا حاجة لي فيها. قال: والله لتشترينها مني أو لتكفرن بدينك الذي أنت عليه. قال: ادن مني، فدنا منه، فقرأ في أذنه (التي) (^٤) في التوراة: إنك لا تجد مملوكًا من بني إسرائيل إلا اشتريته فأعتقته؛ ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ قال: أنت عبد الله بن سلام؟ قال: نعم. قال: فجاء بأربعة آلاف، فأخذ عبد الله ألفين ورد عليه ألفين.
وقال آدم بن أبي إياس (^٥) في "تفسيره": حدثنا أبو جعفر؛ يعني: الرازي، حدثنا الربيع بن أنس، أخبرنا أبو العالية: أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة وهو يفادى من النساء من لم يقع (عليها) (^٦) مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهن كلهن.
والذي أرشدت إليه الآية الكريمة، وهذا السياق، ذم اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي يعتقدون صحتها، ومخالفة شرعها، مع معرفتهم بذلك، وشهادتهم له بالصحة، فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها، ولا على نقلها، ولا يصدقون فيما كتموه من صفة رسول الله ﷺ ونعته، ومبعثه، ومخرجه، ومهاجره، وغير ذلك من شؤونه التي أخبرت بها الأنبياء قبله (عليهم الصلاة والسلام).
واليهود عليهم لعائن الله يتكاتمونه بينهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (أي) (^٧): بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره؛ ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ جزاءً على (ما كتموه من) (^٨) كتاب الله الذي بأيديهم، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا (تَعْمَلُونَ) (^٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي: استحبوها على الآخرة واختاروها، ﴿فَلَا
_________________
(١) في (ن): "وقال أسباط عن السدي، عن الشعبي"!! وأخرجه ابن أبي حاتم (٨٦٦) من طريق حمدان بن الوليد البصري، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة عن السدي. وحمدان لم أجد له ترجمة.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٧٠) بسند حسن.
(٣) في (ل): "بكنجر"! و"بلنجر" قال ياقوت في "معجم البلدان" (١/ ٤٨٩): "بفتحتين وسكون النون فجيم مفتوحة وراء: مدينة ببلاد الخزر خلف باب الأبواب".
(٤) في (ن): "مما".
(٥) ومن طريقه ابن جرير (١٤٨٠) قال: حدثني المثنى، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس. والمثنى لم أجد له ترجمة، ولكنه لم يتفرد برواية تفسير آدم. [وسنده جيد].
(٦) في (ن): "عليه".
(٧) من (ز) و(ض) و(ك) و(ى).
(٨) في (ن): "مخالفتهم".
(٩) في (ز): "يعملون" وهي قراءة نافع، وابن كثير، وشعبة، ويعقوب الحضرمي.
[ ١ / ٤٧٩ ]
يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ أي: لا يفتر عنهم ساعةً واحدةً؛ ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي، ولا يجيرهم منه (^١).
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾.
ينعت ﵎ بني إسرائيل بالعتو والعناد، والمخالفة والاستكبار على الأنبياء، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم؛ فذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب، وهو التوراة، فحرفوها وبدلوها، وخالفوا أوامرها وأولوها، وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ …﴾ الآية [المائدة: ٤٤].
ولهذا قال (تعالى) (^٢): ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ قال السدي، عن أبي مالك: أتبعنا. وقال غيره: أردفنا. والكل قريب؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: ٤٤] حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، فجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام؛ ولهذا أعطاه الله من البينات. وهي المعجزات؛ قال ابن عباس (^٣): من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فتكون طيرًا بإذن الله، (وإبرائه) (^٤) الأسقام، وإخباره بالغيوب، (والتأييد) (^٥) بروح القدس - وهو جبريل ﵇ ما يدلهم على صدقه فيما جاءهم به، فاشتد تكذيب بني إسرائيل له، وحسدهم وعنادهم، لمخالفة التوراة في البعض؛ كما قال تعالى، إخبارًا عن عيسى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ …﴾ الآية [آل عمران: ٥٠] فكانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء ﵇ (^٦)؛ (ففريقًا يكذبون وفريقًا يكذبونه ويقتلونه) (^٧)، وما ذاك إلا لأنهم (كانوا) (^٨) يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم، (وبإلزامهم) (^٩) بأحكام التوراة التي (قد) (^١٠) تصرفوا في مخالفتها؛ فلهذا كان ذلك يشق عليهم (فيكذبونهم) (^١١)؛ وربما قتلوا بعضهم، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾!
والدليل على أن روح القدس هو جبريل كما نص عليه ابن مسعود (^١٢) في تفسير هذه الآية،
_________________
(١) في (ع): "بلغ قراءةً على المصنف، فسح الله في مدته، معارضًا بأصله".
(٢) من (ن).
(٣) أخرجه ابن جرير (١٤٨٣)؛ وابن أبي حاتم (٨٨٧) من طريق سلمة، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس. [وسنده حسن].
(٤) كذا في سائر الأصول؛ وفي (ن): "إبراء".
(٥) في (ن): "وتأييده".
(٦) من (ز) و(ض) و(ك) و(ى).
(٧) هكذا العبارة في (ج) و(ض) و(ع) و(ل) و(ى)؛ وفي (ز) و(ن): "ففريقًا يكذبونه، وفريقًا يقتلونه".
(٨) ساقط من (ن).
(٩) في (ن): "وبالإلزام".
(١٠) ساقط من (ج).
(١١) في (ن): "فيكذبوهم".
(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٩٠) من طريق ابن مهدي، ثنا الثوري، عن سلمة بن كهيل، ثنا أبو الزعراء، قال: قال عبد الله: روح القدس: جبريل. [وسنده حسن].
[ ١ / ٤٨٠ ]
وتابعه على ذلك (ابن عباس و) (^١) محمد بن كعب، وإسماعيل (^٢) بن أبي خالد والسدي (^٣)، والربيع (^٤) بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة (^٥)، مع قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء] كما قال البخاري (^٦): وقال ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن (عروة) (^٧)، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ وضع لحسان بن ثابت منبرًا في المسجد، فكان ينافح عن رسول الله ﷺ: فقال رسول الله ﷺ: "اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن (نبيه) (^٨) ". (وهذا) (^٩) من البخاري تعليقًا.
وقد رواه أبو داود في "سننه" عن (لوين) (^١٠)، والترمذي عن علي بن حجر، وإسماعيل بن موسى الفزاري؛ ثلاثتهم عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، وهشام بن عروة، كلاهما عن عروة؛ عن عائشة به. وقال الترمذي: "حسن صحيح، وهو حديث أبي الزناد".
وفي "الصحيحين" (^١١)، من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن عمر (بن الخطاب) (^١٢) مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه؛ فقال: قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله، أسمعت رسول الله ﷺ يقول: "أجب عني، اللهم أيده بروح القدس": فقال: اللهم نعم.
وفي بعض الروايات (^١٣) أن رسول الله ﷺ قال لحسان: "اهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك".
[وفي شعر حسان قوله:
وجبريل رسول الله فينا … وروح القدس ليس به خفاء] (^١٤)
_________________
(١) ساقط من (ز) و(ض).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٨٩) بسند صحيح عن إسماعيل: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] قال: أعانه جبريل.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٤٨٦) وسنده حسن.
(٤) أخرجه ابن جرير (١٤٨٨) وسنده حسن.
(٥) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٥١) ومن طريقه ابن جرير (١٤٨٥) قال: أخبرنا معمر، عن قتادة. [وسنده صحيح].
(٦) وعزاه إلى البخاري معلقًا المزي في "تحفة الأشراف" (١٢/ ١٠) وعلق الحافظ في "النكت الظراف" قائلًا: "لم أر هذا الموضع في صحيح البخاري" وقد اجتهدت في البحث فما ظفرت به. فالله أعلم كيف كان ذلك. وأخرجه أبو داود (٥٠١٥)؛ والترمذي في "سننه" (٢٨٤٦)؛ وفي "الشمائل" (٢٤٩)؛ وأحمد (٦/ ٧٢)؛ وأبو يعلى (ج ٨/ رقم ٤٥٩١، ٤٧٤٦)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٤/ رقم ٣٥٨٠)؛ والحاكم (٤/ ٤٨٧)؛ والبغوي في "شرح السنة" (٢/ ٣٧٧)؛ وفي "تفسيره" (٣/ ٤٠٤) من طرق عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة وسقط ذكر "أبي الزناد" في الموضع الأول عند أبي يعلى؛ وأخرجه الترمذي أيضًا والحاكم (٤/ ٤٨٧) من طريق ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة مثله. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي، وحسبه أن يكون حسنًا.
(٧) في (ن): "أبي هريرة"!!
(٨) في (ز) و(ن): "نبيك".
(٩) في (ن): "فهذا".
(١٠) في (ن): "ابن سيرين"!!
(١١) أخرجه البخاري في "بدء الخلق" (٦/ ٣٠٤)؛ ومسلم في "فضائل الصحابة" (٢٤٨٥/ ١٥١).
(١٢) من (ن).
(١٣) من حديث البراء بن عازب ﵁؛ أخرجه البخاري (٦/ ٣٠٤؛ و٧/ ٤١٦؛ و١٠/ ٥٤٦)؛ ومسلم (٢٤٨٦/ ١٥٣).
(١٤) ساقط من (ز) و(ض)، ولكن في "صحيح مسلم" و"الديوان": "ليس له كفاء".
[ ١ / ٤٨١ ]
وقال محمد بن (^١) إسحاق: حدثني (عبد الله بن) (^٢) عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، عن شهر بن حوشب الأشعري أن نفرًا من اليهود سألوا رسول الله ﷺ قالوا: أخبرنا عن الروح؛ فقال: "أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبرائيل وهو الذي يأتيني؟ " قالوا: نعم.
[وفي "صحيح ابن حبان" (^٣)] (^٤) [(وأظنه) (^٥) عن ابن مسعود - أن رسول الله ﷺ قال: "إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب"] (^٦).
(أقوال أخر) (^٧):
قال ابن أبي حاتم (^٨): حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قال: هو الاسم الأعظم الذي كان عيسى يحيي به الموتى.
وقال ابن جرير (^٩): حُدِّثت عن المنجاب فذكره.
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك.
[ونقله القرطبي (^١٠)، عن عبيد بن عمير أيضًا؛ قال: وهو الاسم الأعظم] (^١١).
وقال ابن أبي نجيح (^١٢): الروح هو حفظة على الملائكة.
وقال أبو جعفر الرازي (^١٣)، عن الربيع بن أنس: القدس: هو الرب ﵎. وهو قول كعب (^١٤).
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٤٨٩) من طريق محمد بن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق فذكره، والحديث مع إرساله فابن حميد واه، وسلمة وشهر بن حوشب متكلم فيهما. فالسند ضعيف.
(٢) ساقط من (ن).
(٣) كذا قال المصنف ﵀، ولم يروه ابن حبان عن ابن مسعود كما ظن، بل هو عند ابن حبان من حديث جابر بمعناه؛ فأخرجه في "صحيحه" (١٠٨٤، ١٠٨٥)؛ والحاكم (٢/ ٤)؛ والبيهقي (٥/ ٢٦٤) من طريق عبد الله بن وهب، ثنا عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعًا: "لا تستبطئوا الرزق، فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغ آخر رزق هو له، فأجملوا في الطلب: أخذ الحلال وترك الحرام". قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي وكنت وافقتهما في "غوث المكدود" (٢/ ١٤٨) ثم تبين لي أنه على شرط مسلم وحده، فإن البخاري لم يخرج شيئًا لسعيد بن أبي هلال عن ابن المنكدر. والله أعلم. وله طريق آخر عن جابر عند ابن ماجه (٢١٤٤). [وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه (ح ١٧٤٣)].
(٤) ساقط من (ز) و(ض) و(ك).
(٥) ساقط من (ن).
(٦) ساقط من (ز) و(ض) و(ك).
(٧) ساقط من (ك).
(٨) في (تفسيره) (٨٩٢) وسنده ضعيف.
(٩) في (تفسيره) (١٤٩١) وهو موصول عند ابن أبي حاتم كما رأيت.
(١٠) في "تفسيره" (٢/ ٢٤).
(١١) ساقط من (ز) و(ض).
(١٢) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٩١). [وسنده حسن].
(١٣) أخرجه ابن جرير (١٤٩٣) معلقًا ووصله ابن أبي حاتم (٨٩٣). [وسنده جيد].
(١٤) أخرجه ابن جرير (١٤٩٥).
[ ١ / ٤٨٢ ]
[وحكى القرطبي عن مجاهدٍ والحسن البصري أنهما قالا: القدس: هو الله تعالى، وروحه جبريل.
فعلى هذا يكون القول الأول] (^١).
وقال السدي (^٢): القدس: البركة.
وقال العوفي (^٣)، عن ابن عباس: القدس (الطهر) (^٤).
وقال ابن جرير (^٥): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد - في قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قال: أيد الله عيسى بالإنجيل روحًا كما جعل القرآن روحًا، كلاهما روح الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] ثم قال ابن جرير (^٦): وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: الروح في هذا الموضع جبرائيل؛ فإن الله تعالى أخبر أنه أيد عيسى به، كما أخبر في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ …﴾ الآية [المائدة: ١١٠] فذكر أنه أيده به؛ فلو كان الروح الذي أيده به هو الإنجيل لكان قوله: إذ أيدتك بروح القدس. وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل - تكرير قول لا معنى له، والله ﷾ (^٧) أعزُّ (وأجل) (^٨) أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم (به) (^٨).
قلت: ومن الدليل على أنه جبرائيل ما تقدم من أول السياق. ولله الحمد (والمنة) (^٩).
[وقال الزمخشري (^١٠): (بروح القدس): بالروح المقدسة، كما تقول: حاتم الجود، ورجل صدق، ووصفها بالقدس؛ كما قال: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] فوصفه بالاختصاص والتقريب (للكرامة) (^١١) وقيل: لأنه لم (تضمه) (^١٢) الأصلاب والأرحام الطوامث. وقيل: بجبريل. وقيل: بالإنجيل، كما قال في القرآن: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره.
فتضمن كلامه قولًا آخر؛ وهو أن المراد روح عيسى نفسه المقدسة المطهرة] (^١٣).
[وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ إنما لم يقل وفريقًا قتلتم؛ لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضًا؛ لأنهم حاولوا قتل النبي (محمد ﷺ) (^١٤)] (^١٥)
_________________
(١) ساقط من (ز) و(ض).
(٢) أخرجه ابن جرير (١٤٩٢)؛ وابن أبي حاتم (٨٩٤). [وسنده حسن].
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٨٩٥) وسنده ضعيف وقد تقدم ذكر علته.
(٤) في "تفسير ابن أبي حاتم": "المطهر"، وما ذكرته وقع في سائر "الأصول".
(٥) أخرجه ابن جرير (١٤٩٠) وسنده صحيح.
(٦) (٢/ ٣٢١/ طبع شاكر).
(٧) من (ن).
(٨) من (ز) و(ن).
(٩) من (ج) و(ل).
(١٠) في "الكشاف" (١/ ٨٠).
(١١) في (ن): "تكرمة".
(١٢) كذا في (ن) و(ى) وهو الموافق لما في "الكشاف" ووقع في (ج) و(ع) و(ل): "تضمنه".
(١٣) ساقط من (ز) و(ض).
(١٤) من (ج) و(ع) و(ل)؛ وفي (ج): "صلوات الله وسلامه عليه" بدل " ﷺ ".
(١٥) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).
[ ١ / ٤٨٣ ]
[بالسم والسحر. وقد قال ﵇ في مرض موته: "ما زالت أُكلة خيبر (تعادني) (^١)، فهذا أوان (انقطاع) (^٢) أبهري (^٣) " (^٤).
قلت: وهذا الحديث في "صحيح البخاري" (^٥) وغيره] (^٦).
تم بحمد الله الجزء الثاني من تفسير الحافظ ابن كثير ﵀، ويعقبه الجزء الثالث وأوله تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] والله المستعان على إتمامه على الوجه الذي يرضيه عني.
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾.
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨] أي: في أكنة.
وقال علي بن أبي طلحة (^٧)، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: لا تفقه.
وقال العوفي (^٨)، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ هي القلوب المطبوع عليها.
وقال مجاهد (^٩): ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ عليها غشاوة.
وقال عكرمة (^١٠): عليها طابع. وقال أبو العالية (^١١): أي: لا تفقه.
وقال السدي (^١٢): يقولون عليها غلاف وهو الغطاء.
وقال عبد الرزاق (^١٣)، عن معمر، عن قتادة (^١٤): ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ هو كقوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] أي: فلا يخلص إلينا شيء مما تقول.
_________________
(١) في "الكشاف": "تعاودني".
(٢) في "الكشاف": "قطعت".
(٣) قال أهل اللغة: الأبهر عرق مستبطن بالظهر، متصل بالقلب؛ إذا انقطع مات صاحبه. وقال الخطابي: يقال: إن القلب متصل به. كذا في "الفتح" (٨/ ١٣١).
(٤) ساقط من (ز) و(ض) و(ى).
(٥) كذا قال المصنف وإنما رواه البخاري في "كتاب المغازي" (٨/ ١٣١) معلقًا فكان ينبغي تقييده.
(٦) ساقط في (ز) و(ض) و(ى).
(٧) أخرجه ابن جرير (١٤٩٨). [وسنده حسن].
(٨) أخرجه ابن جرير (١٤٩٩)؛ وابن أبي حاتم (٩٠١) من طريق أبي صالح كاتب الليث، ثنا معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة لكن اللفظ مختلف. فوقع عندهما: "أي في غطاء" بدل "أي: لا تفقه" فلعله سبق قلم من المصنف ﵀. [وسنده ثابت].
(٩) أخرجه ابن جرير (١٥٠٠). [وسنده ضعيف].
(١٠) أخرجه ابن جرير (١٥٠١، ١٥٠٢). بسند صحيح.
(١١) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٠٥). وسنده صحيح.
(١٢) أخرجه ابن جرير (١٥٠٧)؛ وابن أبي حاتم (٩٠٣) من طريق آدم بن أبي إياس، حدثنا أبو جعفر عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية. وسنده حسن.
(١٣) أخرجه ابن جرير (١٥٠٨). [وسنده حسن].
(١٤) في "تفسيره" (١/ ٥١) ومن طريقه ابن جرير (١٥٠٥، ١٥٠٦). [وسنده صحيح]. وأدخل ناسخ (ن) قول قتادة في قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
[ ١ / ٤٨٤ ]
وقال عبد الرحمن بن زيد (^١) بن أسلم في قوله: ﴿غُلْفٌ﴾ قال: تقول قلبي في غلاف، فلا يخلص إليه (ما تقول) (^٢). وقرأ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥].
وهذا (هو) (^٣) الذي رجحه ابن جرير (^٤)؛ واستشهد بما روى من حديث عمرو بن مرة الجملي، عن أبي البختري، عن حذيفة (^٥)؛ قال: "القلوب أربعة"؛ فذكر منها: "وقلب أغلف (معصوب) (^٦) عليه، وذاك قلب الكافر".
وقال ابن أبي حاتم (^٧): حدثنا محمد بن عبد الرحمن العرزمي، أنبأنا أبي، عن جدي، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال: لم تختن. وهذا القول يرجع معناه إلى ما تقدم من عدم طهارة قلوبهم، وأنها بعيدة من الخير.
قول آخر: قال الضحاك (^٨)، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال: (يقولون) (^٩): قلوبنا (غلف) (^١٠) مملوءة (علمًا) (^١١) لا تحتاج إلى علم محمد ولا غيره.
وقال (عطية العوفي) (^١٢): ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: أوعية للعلم. وعلى هذا المعنى جاءت قراءة بعض (الأمصار) (^١٣) فيها، حكاه ابن جرير (^١٤) "وقالوا قلُوبنا غُلُف" (^١٥) بضم اللام، (نقلها الزمخشري) (^١٦) (عن أبي عمرو وحكاها القرطبي عن ابن عباس والأعرج وابن محيصن) (^١٧)؛ أي: جمع غلاف؛ أي: أوعية؛ بمعنى أنهم ادعوا أن قلوبهم مملوءة بعلم لا يحتاجون معه إلى علم آخر كما كانوا (يمنُّون) (^١٨) بعلم التوراة.
[وقال القرطبي (^١٩): معناه: وقالوا قلوبنا أوعية للعلم، فما بالها لا تفهم قول محمد؟ والأول أولى؛ لأنه منصوص عن ابن عباس، أنهم يقولون: نحن في غنية بما عندنا من العلم] (^٢٠)
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٥٠٩) وسنده صحيح.
(٢) في (ن): "مما تقول شيء".
(٣) ساقط من (ن).
(٤) في "تفسيره" (٢/ ٣٢٤).
(٥) تقدم تخريجه عند الآية رقم (٢٠) من السورة.
(٦) هكذا بالعين والصاد المهملتين. ووقع في (ن): "المغضوب" بالغين والضاد المعجمتين وهو تصحيف.
(٧) في "تفسيره" (٩٠٢) وسنده ضعيف جدًّا. ومحمد بن عبد الرحمن العرزمي قال الذهبي في "الميزان" (٣/ ٦٢٧): "قال الدارقطني: متروك الحديث هو وأبوه وجده".
(٨) أخرجه ابن جرير (١٥١٣)؛ وابن أبي حاتم (٨٩٩) وسنده ضعيف.
(٩) في (ز) و(ض): "قالوا".
(١٠) ساقط من (ز).
(١١) ساقط من (ن).
(١٢) في (ن): "ابن عباس" وهو سبق قلم من الناسخ.
(١٣) في (ز) و(ن): "الأنصار"!
(١٤) أخرجه ابن جرير (١٥١٠، ١٥١١، ١٥١٢)؛ وابن أبي حاتم (٩٠٠) من طرق عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي. وسنده صحيح.
(١٥) [وهي قراءة شاذة].
(١٦) ساقط من (ز) و(ض).
(١٧) ساقط من (ز) و(ض) و(ن).
(١٨) في (ن): "يفتون"!
(١٩) في "تفسيره" (٢/ ٢٥) وعبارته: "أي: قلوبنا أوعية للعلم فما بالها لا تفهم عنك وقد وعينا علمًا كثيرًا؟ وقيل: المعنى: فكيف يعزب عنها علم محمد ﷺ ". اهـ.
(٢٠) ساقط من (ز) و(ض) و(ن).
[ ١ / ٤٨٥ ]
[عما جاء به محمد ﷺ؛ [وهذا شبيه بقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣)﴾] (^١) [غافر] (^٢) (^٣) ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: ليس الأمر كما ادعوا؛ بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها؛ كما قال في سورة النساء: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥].
وقد اختلفوا في معنى قوله: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ وقوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فقال بعضهم: (قليل) (^٤) من يؤمن منهم [اختاره فخر الدين الرازي، وحكاه عن قتادة، والأصم، وأبي مسلم الأصفهاني] (^٣) وقيل: فقليل إيمانهم، بمعنى: أنهم يؤمنون بما (جاءهم) (^٥) (به) (^٦) موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه (إيمان) (^٧) لا ينفعهم؛ لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد ﷺ.
[وقال بعضهم: إنما كانوا غير مؤمنين بشيء؛ وإنما قال فقليلًا ما يؤمنون، وهم بالجميع كافرون؛ كما تقول العرب: قلما رأيت مثل هذا قط؛ تريد: ما رأيت مثل هذا قط.
وقال الكسائي: تقول العرب (مررنا) (^٨) بأرض قلما تنبت؛ أي: لا تنبت شيئًا] (^٩).
حكاه ابن جرير ﵀. والله أعلم.
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾.
يقول تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ يعني: اليهود ﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ، ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ يعني: من التوراة.
وقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: وقد كانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم؛ يقولون: إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم، كما قال محمد بن إسحاق (^١٠)، عن عاصم بن (عمر) (^١١) بن قتادة الأنصاري، عن أشياخ منهم؛ قال: (قالوا) (^١٢): فينا والله وفيهم؛ يعني: في الأنصار، وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم نزلت هذه القصة؛ يعني: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ قالوا: كنا قد علوناهم دهرًا في الجاهلية، ونحن أهل شرك، وهم أهل كتابًا (فكانوا) (^١٣)
_________________
(١) ساقط من (ك).
(٢) ساقط من (ز) و(ض) و(ن).
(٣) ساقط من (ز) و(ض) و(ن).
(٤) في (ز) و(ض) و(ن): "فقليل".
(٥) في (ل): "جاء".
(٦) ساقط من (ج).
(٧) في (ج): "إنما".
(٨) في (ن): "من زنا"!!
(٩) ساقط من (ز) و(ض).
(١٠) ومن طريقه ابن جرير (١٥١٩) قال: حدثني ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق به: وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٨٧) لابن المنذر وأبي نعيم والبيهقي في "الدلائل". [وسنده ضعيف].
(١١) في (ن): "عمرو"!!
(١٢) من (ز) و(ض).
(١٣) في (ن): "وهم".
[ ١ / ٤٨٦ ]
يقولون: إن نبيًا سيبعث الآن نتبعه قد أظل زمانه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله رسوله من قريش واتبعناه كفروا به، يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
وقال الضحاك (^١)، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال: (يستظهرون) (^٢)؛ يقولون: نحن نعين محمدًا عليهم، وليسوا كذلك؛ بل يكذبون.
وقال محمد بن إسحاق (^٣): أخبرني محمد بن أبي محمد، أخبرني عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس - أن يهودا كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور، وداود بن سلمة: يا معشر يهود، اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ﷺ، ونحن أهل شرك، (وتخبرونا) (^٤) بأنه مبعوث، وتصفونه بصفته، فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم؛ فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
[وقال العوفي (^٥)، عن ابن عباس: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾] (^٦) يقول: يستنصرون بخروج محمد ﷺ على مشركي العرب؛ يعني: بذلك أهل الكتاب، فلما بعث محمد ﷺ، ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه.
وقال أبو العالية (^٧): كانت اليهود تستنصر بمحمد ﷺ على مشركي العرب؛ يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم؛ فلما بعث الله محمدًا ﷺ، ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسدًا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ؛ فقال الله (تعالى) (^٨): ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
وقال قتادة (^٩): ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال: وكانوا يقولون: إنه سيأتي نبي؛ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٠٩) وسنده ضعيف.
(٢) في (ن): "يستنظرون" وصوبها في الهامش: يستنصرون.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٥٢٠) قال: حدثنا ابن حميد، ثنا سلمة، حدثني ابن إسحاق به وابن حميد واهٍ، وسلمة ضعيف، ولم يتفردا به. فأخرجه ابن أبي حاتم (٩١١) قال: حدثنا علي بن الحسين، ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا يونس بن بكير الحازمي، ثنا ابن إسحاق به وخالفهما إبراهيم بن سعد فرواه عن محمد بن إسحاق قال: بلغني عن عكرمة مولى ابن عباس وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. أخرجه أبو نعيم في "الدلائل" (٤٣) والوجه الأول هو المشهور وقد تقدم ضعفه.
(٤) في (ز) و(ن): "تخبروننا".
(٥) أخرجه ابن جرير (١٥٢٢) وسنده ضعيف.
(٦) ساقط من (ج).
(٧) أخرجه ابن جرير (١٥٢٦)؛ وابن أبي حاتم (٩١٢) من طريقين عن آدم بن أبي إياس، ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية. [وسنده جيد].
(٨) من (ن).
(٩) أخرجه عبد الرزاق (١/ ٥٢) ومن طريقه ابن أبي حاتم (٩١٠) قال: أنبا معمر، عن قتادة؛ وأخرجه =
[ ١ / ٤٨٧ ]
وقال مجاهد (^١): ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ قال: هم اليهود.
[وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا يعقوب، حدّثنا أبي، عن] (^٣) [ابن إسحاق، حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل، عن سلمة بن سلامة بن وقش وكان من أهل بدر قال: كان لنا جار يهودي في بني عبد الأشهل، قال: فخرج علينا يومًا من بيته قبل مبعث رسول الله ﷺ بيسير، حتى وقف على مجلس بني عبد الأشهل، قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سنًا على بردة مضطجعًا فيها بفناء أهلي، فذكر البعث والقيامة والحساب، والميزان، والجنة، والنار، فقال: ذلك لأهل شرك أصحاب أوثان، لا يرون أن بعثًا كائنًا بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان! ترى هذا كائنًا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، يجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم والذي يحلف به، يود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا، يحمونه ثم يدخلونه إياه، فيطبقونه عليه، وأن ينجو من تلك النار غدًا. قالوا له: ويحك، وما آية ذلك؟ قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد، وأشار بيده نحو مكة واليمن. قالوا: ومتى نراه؟ قال: فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنًا: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه. قال سلمة: فوالله! ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله ﷺ وهو بين أظهرنا، فآمنا به، وكفر به بغيًا وحسدًا، فقلنا: ويلك يا فلان! ألست بالذي قلت لنا؟ قال: بلى وليس به!
تفرد به أحمد] (^٤).
[وحكى القرطبي (^٥) وغيره عن ابن عباس أن يهود خيبر اقتتلوا في زمان الجاهلية مع غطفان، فهزمتهم غطفان، فدعا اليهود عند ذلك، فقالوا: اللهم إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي] (^٦)
_________________
(١) = ابن جرير (١٥٢٥) من طريق يزيد بن زريع، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة بأطول من رواية معمر. وكلاهما صحيح.
(٢) هو في "تفسير مجاهد" (ص ٢٠٩) من طريق آدم بن أبي إياس قال: نا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. [وسنده صحيح].
(٣) في "مسنده" (٣/ ٤٦٧).
(٤) من (ج) و(ل). وأخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ٦٨/٢) عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى؛ وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١٩٥٥)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٧/ رقم ٦٣٢٧) عن جرير بن حازم؛ والطبراني أيضًا (٦٣٢٧)؛ والحاكم (٣/ ٤١٧، ٤١٨)؛ وأبو نعيم في "الدلائل" (٣٤) عن زياد بن عبد الله. والبيهقي في "الدلائل" (٢/ ٧٨، ٧٩) عن يونس بن بكير. وأبو نعيم أيضًا في "الدلائل" (٣٤) عن سلمة بن الفضل خمستهم عن محمد بن إسحاق بسنده سواء زاد أبو نعيم أن اسم هذا اليهودي: يوشع. قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم" ووافقه الذهبي! وليس كما قالا؛ لأن ابن إسحاق ليس من رجال مسلم؛ إلا في المتابعات وقد صرح الذهبي بذلك! وابن إسحاق صدوق متماسك، وقد صرح بالتحديث فالسند حسن، واستقر نظر الحفاظ المتأخرين على تحسين حديثه إذا صرح بالتحديث. وقال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٣٠): "رجال أحمد رجال الصحيح، غير ابن إسحاق، وقد صرح بالسماع".
(٥) من (ج) و(ل).
(٦) في "تفسيره" (٢/ ٢٧). ولكن هذا لا يصح عن ابن عباس فأخرجه الحاكم (٢/ ٢٦٣) من طريق عبد الملك بن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن جده، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. قال الحاكم: "أدت الضرورة إلى إخراجه في التفسير، وهو غريب". فتعقبه الذهبي بقوله: "لا ضرورة في ذلك، فعبد الملك متروك هالك". اهـ. تنبيه: جاء في حاشية النسخة (ج) بجنب أثر ابن عباس: "أسنده الحاكم في "مستدركه". وكتبه عبد الرحمن بن السيوطي". اهـ. وكاتب هذه الحاشية هو الحافظ جلال الدين السيوطي.
(٧) من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى).
[ ١ / ٤٨٨ ]
[وعدتنا بإخراجه في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم، قال: وكذلك كانوا يصنعون؛ يدعون الله به فينصرون على أعدائهم ومن ناوأهم. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ أي: من الحق وصفة محمد ﷺ ﴿كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾] (^١).
﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾.
قال مجاهد (^٢): ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يهود شروا الحق بالباطل وكتمان ما جاء به محمد ﷺ بأن يبينوه.
وقال السدي (^٣): ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يقول: باعوا به أنفسهم؛ (يعني) (^٤) بئسما اعتاضوا لأنفسهم، (ورضوا) (^٥) به. [وعدلوا إليه من الكفر بما أنزل الله على محمد ﷺ عن تصديقه ومؤازرته ونصرته] (^٦)؛ وإنما حملهم على ذلك البغي والحسد والكراهية لـ ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ولا حسد أعظم من هذا.
قال ابن إسحاق (^٧)، عن محمد، عن عكرمة أو سعيد، عن ابن عباس: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: إن الله جعله من غيرهم.
_________________
(١) من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى).
(٢) أخرجه ابن جرير (١٥٣٥)؛ وابن أبي حاتم (٩١٥) من طريق حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، عن مجاهد. وسنده ضعيف لانقطاعه. ونقل عباس الدوري في "تاريخه" (٢/ ٣٧٢) عن ابن معين قال: "لم يسمع ابن جريج من مجاهد إلا حرفًا واحد". اهـ. (*) قلت: وهذا الحرف ذكره ابن أبي حاتم في "مقدمة الجرح والتعديل" (ص ٢٤٥) في ترجمة يحيى بن سعيد القطان. قال ابن أبي حاتم: نا محمد بن إبراهيم، نا عمرو بن علي، قال: سمعت يحيى يقول: لم يسمع ابن جريج من مجاهد إلا حديثًا واحدًا: "فطلقوهن في قبل عدتهن".
(٣) أخرجه ابن جرير (١٥٣٤)؛ وابن أبي حاتم (٩١٤). [وسنده حسن].
(٤) في (ن): "يقول".
(٥) في (ن): "فرضوا".
(٦) ساقط من (ز) و(ض).
(٧) في "تفسيره"، كما في "الدر المنثور" (١/ ٢١٨)، ومن طريقه ابن جرير (١٥٤٠) قال: حدثنا ابن حميد؛ وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩١٨) عن أبي غسان قالا: حدثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق به. [وسند ابن إسحاق حسن].
[ ١ / ٤٨٩ ]
﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ قال ابن عباس (^١) - فالغضب على الغضب: فغضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة، وهي معهم، وغضب بكفرهم بهذا النبي الذي بعث الله إليهم.
قلت: ومعنى "باءوا": استوجبوا واستحقوا واستقوا بغضب على غضب.
وقال أبو العالية (^٢): غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى، ثم غضب الله عليهم بكفرهم بمحمد ﷺ وبالقرآن (^٣).
[وعن عكرمة (^٤) وقتادة (^٥) مثله] (^٦).
قال السدي (^٧): أما الغضب الأول فهو حين غضب عليهم في العِجْل، وأما الغضب الثاني فغضب عليهم حين كفروا بمحمد ﷺ. (وعن ابن عباس مثله) (^٨).
وقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ لما كان كفرهم سببه البغي والحسد، ومنشأ ذلك التكبر، قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠] [أي: صاغرين حقيرين ذليلين راغمين] (^٩).
وقد قال الإمام أحمد (^١٠): حدثنا يحيى، حدثنا ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ؛ قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنًا في جهنم يقال له: بولس تعلوهم نار الأنيار (يسقون) (^١١) من طينة الخبال عصارة أهل النار".
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (١٥٤٦)؛ وابن أبي حاتم (٩٢١) بالسند المتقدم.
(٢) أخرجه ابن جرير (١٥٥٣)؛ وابن أبي حاتم (٩٢٠) من طريق آدم بن أبي اباس، ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية. وسنده حسن.
(٣) من (ج).
(٤) أخرجه ابن جرير (١٥٤٨) عن يحيى بن يمان وأيضًا (١٥٤٩) عن عبد الرزاق قالا: ثنا الثوري، عن أبي بكير، عن عكرمة قال: كفرهم بعيسى ومحمد ﷺ وسنده صحيح. وأبو بكير الكوفي اسمه مرزوق، كان مؤذن التيم وثقه ابن معين وابن حبان. وقال الثوري: "لا بأس به".
(٥) أخرجه ابن جرير (١٥٥١) بسند صحيح.
(٦) ساقط من (ز) و(ض).
(٧) أخرجه ابن جرير (١٥٥٤)؛ وابن أبي حاتم (٩٢٣) وسنده حسن.
(٨) ساقط من (ز) و(ض).
(٩) ساقط من (ز) و(ض).
(١٠) في "مسنده" (٢/ ١٧٩). وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٥٥٧)؛ والترمذي (٢٤٩٢)؛ والبغوي في "شرح السنة" (١٣/ ١٦٨) من طريق ابن المبارك، وهذا في "الزهد" (١٩١ - زوائد نعيم) قال: حدثنا محمد بن عجلان بسنده سواء. وتابعه أبو خالد الأحمر ثنا ابن عجلان به. أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (٩/ ٩٠)؛ وأخرجه الحميدي في "مسنده" (٥٩٨) قال: حدثنا سفيان؛ يعني: ابن عيينة، ثنا داود بن شابور ومحمد بن عجلان وأنا لحديث ابن عجلان حفظ، عن عمرو بن شعيب مثله. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وحسنه البغوي. وسنده جيد.
(١١) في (ل): سيقون!!
[ ١ / ٤٩٠ ]
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾.
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (أي): (^١) على محمد ﷺ، وصدقوه واتبعوه، ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ أي: يكفينا الإيمان بما أُنزل علينا من التوراة والإنجيل، ولا نقر إلا بذلك، ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ يعني: بما بعده؛ ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ أي: وهم يعلمون أن ما أنزل على محمد ﷺ الحق. ﴿مُصَدِّقًا﴾ (منصوب) (^٢) على الحال؛ أي: في حال تصديقه لما معهم من التوراة والإنجيل، فالحجة قائمة عليهم بذلك؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦، الأنعام: ٢٠] (ثم) (^٣) قال تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم، فلم قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم، والحكم بها وعدم نسخها، وأنتم تعلمون صدقهم؟ قتلتموهم بغيًا وعنادًا واستكبارًا على رسل الله، فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء والآراء والتشهي؛ كما قال (تعالى) (^٤): ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧].
وقال السدي (^٥) في هذه الآية: يعيرهم الله (تبارك و) (٣) تعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقال أبو جعفر (^٦) بن جرير: قل يا محمد ليهود بني إسرائيل - (الذين) (^٧) إذا قلت لهم: آمنوا بما أنزل الله، قالوا: نؤمن بما أنزل علينا -: لم تقتلون - إن كنتم يا معشر اليهود مؤمنين بما أنزل الله عليكم - أنبياءه وقد حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم، بل أمركم (فيه) (^٨) باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم؛ وذلك من الله تكذيب لهم في قولهم: نؤمن بما أنزل علينا، وتعيير لهم.
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالآيات الواضحات، والدلائل (القاطعة) (^٩) على أنه رسول الله (ﷺ) (^١٠)، وأنه لا إله إلا الله. (والبينات) (^١١) هي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، وفلق البحر، وتظليلهم بالغمام، والمن والسلوى، والحجر، وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها.
_________________
(١) من (ج).
(٢) في (ن): "منصوبًا".
(٣) من (ن).
(٤) من (ز) و(ن).
(٥) أخرجه ابن جرير (١٥٦٠)؛ وابن أبي حاتم (٩٢٩). [وسنده حسن].
(٦) وردت عبارة ابن جرير في (ج) و(ل) هكذا: "لم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم يا معشر اليهود مؤمنين بما أنزل الله على أنبيائه، وقد حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم … إلخ" وما أثبته عن باقي الأصول وهو الموافق لما في "الطبري".
(٧) من (ع).
(٨) ساقط من (ن).
(٩) في (ن) و(ل): "المقاطعات".
(١٠) من (ج) و(ل).
(١١) في (ن): "والآيات البينات".
[ ١ / ٤٩١ ]
﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: معبودًا من دون الله في زمان موسى وأيامه.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد ما ذهب عنكم إلى الطور لمناجاة الله ﷿ (^١)، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨].
﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: وأنتم ظالمون في هذا الصنيع الذي صنعتموه من عبادتكم العجل، وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)﴾ [الأعراف].
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾.
(يعدد) (^٢) (تبارك) (^٣) وتعالى (عليهم) (^٤) خطأهم، ومخالفتهم للميثاق، (وعتوهم) (^٥)، (وإعراضهم) (^٦) عنه، حتى رفع الطور عليهم حتى قبلوه؛ ثم خالفوه؛ ولهذا (قال): (^٧) قالوا: سمعنا وعصينا. وقد تقدم تفسير ذلك.
﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ قال عبد الرزاق (^٨)، عن (معمر، عن) (^٩) قتادة: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ (بِكُفْرِهِمْ) (^١٠)﴾ (قال) (^١١): أشربوا (في قلوبهم) (^١٢) حبه، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم.
وكذا قال (^١٣) أبو العالية، والربيع بن أنس.
وقال الإمام (^١٤) أحمد: حدثنا عصام بن خالد، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم
_________________
(١) من (ن).
(٢) في (ل): "يقدر"!
(٣) في (ن): "سبحانه".
(٤) ساقط من (ل).
(٥) في (ل): "عثورهم".
(٦) ساقط من (ض) و(ع) و(ل) و(ى).
(٧) ساقط من (ن).
(٨) في "تفسيره" (١/ ٥٢) ومن طريقه ابن جرير (١٥٦١)؛ وابن أبي حاتم (٩٣٩). [وسنده صحيح].
(٩) ساقط من (ن).
(١٠) من (ع) و(ل) و(ن) و(ى).
(١١) في (ن): "قالوا".
(١٢) ساقط من (ز) وهو في باقي الأصول، ولم ترد هذه اللفظة عند عبد الرزاق ولا من رواه من طريقه.
(١٣) أخرجهما ابن جرير (١٥٦٢، ١٥٦٣). [وسنده جيد].
(١٤) في "مسنده" (٥/ ١٩٤). وأخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٢/ ١٠٧)؛ والدولابي في "الكنى" (١/ ١٠١) قال: حدثنا القاسم بن يونس الحمصي الأزدي، قالا: ثنا عصام بن خالد بسنده سواء. وأخرجه عبد بن حميد في "المنتخب من المسند" (٢٠٥)؛ ويعقوب بن سفيان في "المعرفة" (٢/ ٣٢٨) ومن طريقه البيهقي في "الشعب" (ج ٢/ رقم ٤٠٧)؛ وفي "الآداب" (٢٢٩) من طريق ابن المبارك، عن أبي بكر بن أبي مريم بسنده سواء. وأخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" (١٤٥٤)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٢١٩) من طريق يحيى بن عبد الله البابلتي، وهو متروك، عن أبي بكر بن أبي مريم بسنده سواء. وتابعه محمد بن مصعب القرقساني،=
[ ١ / ٤٩٢ ]
الغساني، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ: قال: "حبك (الشيء) (^١) يعمي ويصم".
ورواه أبو داود عن (حيوة) (^٢) بن شريح، عن بقية، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، (به) (^٣).
وقال السدي (^٤): أخذ موسى ﵇ العجل (فذبحه بالمبرد) (^٥)، ثم (ذراه) (^٦) في البحر، ثم لم يبق بحر يجري (يومئذ إلا وقع) (^٧) فيه شيء؛ ثم قال لهم موسى: اشربوا منه، فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب؛ فذلك حين يقول (الله) (^٨) تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (^٩): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا (إسرائيل) (^١٠)، عن أبي إسحاق، عن عمارة بن (عبد) (^١١)، وأبي عبد الرحمن السلمي، عن علي (﵁) (^١٢)؛ قال: عمد موسى إلى العجل، فوضع عليه (المبارد) (^١٣) (فبرده بها) (^١٤)، وهو على شاطئ نهر، فما شرب أحد من ذلك (الماء) (^١٥) ممن كان يعبد العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب.
وقال سعيد بن جبير (^١٦): ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (قال: لما أحرق العجل) (^١٧) بُرِد ثم
_________________
(١) = فرواه عن أبي بكر بن أبي مريم بسنده سواء. أخرجه أحمد (٦/ ٤٥٠)؛ وابن عدي في "الكامل" (٢/ ٤٧٢)؛ والطبراني في "مسند الشاميين" (١٤٥٤) ورواه أيضًا بقية بن الوليد فرواه عن أبي بكر مثله. أخرجه أبو داود (٥١٣٠) قال: حدثنا حيوة بن شريح، ثنا بقية. واختلف على بقية في سنده. فرواه إسحاق بن راهويه عنه، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حبيب بن عبيد، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبيه مرفوعًا. فجعل شيخ أبي بكر: "حبيب بن عبيد" بدل "خالد بن محمد"؛ أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" (١٤٦٨). وبالجملة؛ فالحديث لا يصح مرفوعًا من كل وجوهه، والصواب وقفه. والله أعلم. وله شاهد من حديث أبي برزة الأسلمي ﵁ مرفوعا مثله أخرجه الخرائطي في "اعتلال القلوب" (ق ٧١/ ١).
(٢) في (ك): "للشيء".
(٣) في (ك): "حرة"!
(٤) ساقط من (ل).
(٥) أخرجه ابن جرير (١٥٦٤)؛ وابن أبي حاتم (٩٣٨). [وسنده حسن، والخبر من الإسرائيليات].
(٦) في "تفسير الطبري": "فذبحه، ثم حرفه بالمبرد".
(٧) في (ض) و(ع) و(ى): "ذر" وفي (ل): "ذره".
(٨) في (ن): "إلا ذر فيه" وأشار في هامش النسخة إلى ما وقع في بقية النسخ.
(٩) لفظ الجلالة من (ز) و(ل) و(ن).
(١٠) في "تفسيره" (٩٣٦) وسنده جيد.
(١١) في (ك): "إسماعيل".
(١٢) كذا في (ج) وهو الصواب، وكتب ابن المحب ناسخ (ج) في الحاشية: "لعلها: عمير"! كذا قال! وهو عمارة بن عبد الكوفي. ووقع في (ك) و(ل) و(ن): "عمير" وكذلك كتبها ناسخ (ع) في الحاشية. ووقع في (ز) و(ض): "عبد الله" وكلاهما خطأ.
(١٣) ساقط من (ل) و(ن). [وفي سنده عبد الله بن رجاء في حفظه مقال. (التقريب ص ٣٠٢) والخبر من الإسرائيليات].
(١٤) في (ض): "النار"! وفي (ل): "المباردة"!
(١٥) في (ك): "فبردوه"؛ وفي (ض): "فبُرِدَ".
(١٦) ساقط من (ك).
(١٧) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٣٧) وسنده جيد.
(١٨) ساقط من (ض).
[ ١ / ٤٩٣ ]
(نسف) (^١)، فحسوا الماء حتى عادت وجوههم كالزعفران.
[وحكى القرطبي (^٢) عن كتاب القشيري، أنه ما شرب (منه) (^٣) أحد ممن عبد العجل إلا جن.
(ثم قال القرطبي) (^٤): وهذا شيء غير ما ها هنا؛ لأن المقصود من] (^٥) [هذا السياق أنه ظهر (التغير) (^٦) على شفاههم ووجوههم. والمذكور ها هنا أنهم أشربوا في قلوبهم (حب) (^٦) العجل؛ يعني: في حال عبادتهم له؛ ثم أنشد قول النابغة في زوجته: "عثمة":
تغلغل حب (عثمة) (^٧) في فؤادي … (فباديه) (^٨) مع الخافي يسير
تغلغل حيث لم (يبلغ) (^٩) شراب … ولا حزن ولم يبلغ سرور
أكاد إذا ذكرت العهد (منها) (^١٠) … أطير لو أن إنسانًا يطير] (^١١)
[وقوله: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بئسما تعتمدونه في قديم الدهر وحديثه؛ من كفركم بايات الله، ومخالفتكم الأنبياء، ثم اعتمادكم في كفركم بمحمد ﷺ؛ وهذا أكبر ذنوبكم، وأشد الأمور عليكم؛ إذ كفرتم بخاتم الرسل وسيد الأنبياء والمرسلين المبعوث إلى الناس أجمعين؛ فكيف تدعون لأنفسكم الايمان وقد فعلتم هذه الأفاعيل القبيحة؛ من نقضكم المواثيق، وكفركم بآيات الله، وعبادتكم العجل (من دون الله) (^١٢)] (^١٣).
﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾.
قال محمد بن إسحاق (^١٤): (حدثني) (^١٥) محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس (﵄) (^١٦): يقول الله (تعالى) (^١٧) لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)﴾ أي: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك على رسول الله ﷺ.
_________________
(١) في (ض): "نشف".
(٢) في "تفسيره" (٢/ ٣٢).
(٣) ساقط من (ن).
(٤) ساقط من (ل).
(٥) ساقط من (ز) و(ض).
(٦) ساقط من (ن).
(٧) في (ك): "غنمة"!
(٨) في (ك) و(ل) و(ى): "فنادته".
(٩) في (ع) و(ى): "ينفع".
(١٠) في (ك): "منا".
(١١) ساقط من (ز) و(ض).
(١٢) من (ن).
(١٣) ساقط من (ع).
(١٤) أخرجه ابن جرير (١٥٧١)؛ وابن أبي حاتم (٩٤٢). وعزاه في "الدر" (١/ ٢٢٠) لابن إسحاق. [وسنده حسن].
(١٥) في (ن): "عن".
(١٦) من (ل) و(ن).
(١٧) من (ن).
[ ١ / ٤٩٤ ]
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾ أي: (لعلمهم) (^١) بما عندهم من العلم (بك) (^٢) والكفر بذلك، ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات.
وقال الضحاك (^٣)، عن ابن عباس: فتمنوا الموت - (فسلوا) (^٤) الموت.
وقال عبد الرزاق (^٥)، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: قال ابن عباس: لو تمنى (يهود) (^٦) الموت لماتوا.
وقال ابن أبي حاتم (^٧): (حدثنا) (^٨) أبي: حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عثام، سمعت الأعمش؛ قال: لا أظنه إلا عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (﵄) (^٩) قال: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه.
وهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس.
وقال ابن جرير (^١٠) في "تفسيره": وبلغنا أن (رسول الله) (^١١) ﷺ قال: "لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون أهلًا ولا مالًا".
حدثنا (^١٢) بذلك أبو كريب، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا (عبيد الله) (^١٣) بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس (﵄) (^١٤)، عن رسول الله ﷺ.
_________________
(١) كذا في (ج) و(ل) ووقع في (ض) و(ن): "يعلمهم" وكذلك وقع في "تفسير ابن أبي حاتم"؛ وفي (ز) و(ك) و(ى): "بعلمهم" بالباء الموحدة، وهو الموافق لما في "تفسير الطبري".
(٢) في (ن): "بل" باللام.
(٣) أخرجه ابن جرير (١٥٧٧) وسنده ضعيف.
(٤) في (ل) و(ن): "فاسألوا".
(٥) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٥٢)، ومن طريقه ابن جرير (١٥٦٨)؛ وابن أبي حاتم (٩٤٣) وسنده صحيح.
(٦) في (ز) و(ض) و(ك) و(ل) و(ى): "اليهود".
(٧) في "تفسيره" (٩٤١). [وصححه الحافظ ابن كثير].
(٨) في (ك): "أنبأنا".
(٩) من (ل).
(١٠) في "تفسيره" (٢/ ٣٦٢ - شاكر).
(١١) في (ن): "النبي".
(١٢) أخرجه ابن جرير (١٥٦٦)؛ وأخرجه أيضًا (٣٠/ ١٦٥) في تفسير سورة "العلق". وأخرجه البزار (٢١٨٩ - كشف الأستار) قال: حدثنا محمد بن عبد الرحيم، ثنا زكريا بن عدي بسنده سواء ولفظه: "قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا ﷺ لأطأن على عنقه، فيقول: هو ذاك هو، قال: ما أراه. فقال رسول الله ﷺ: "لو فعل لأخذته الملائكة عيانًا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا"؛ وأخرجه ابن مردويه، كما في "الفتح" (٨/ ٧٢٤)، من طريق زكريا بن عدي به وأخرجه النسائي في "التفسير" (٨١) قال: حدثنا عبد الرحمن بن عبيد الله؛ وأحمد في "المسند" (٢٢٢٦) قال: حدثنا أحمد بن عبد الملك؛ وأبو يعلى في "مسنده" (٢٦٠٤) عن عبد الله بن جعفر قالوا: ثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره بتمامه وتابعه معمر ابن راشد، عن عبد الكريم الجزري بسنده سواء ولكنه جعل قوله: "لو تمنى اليهود الموت … إلخ" من قول ابن عباس وليس من جملة الحديث المرفوع. أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٥٢) عن معمر. وأخرجه البخاري (٨/ ٧٢٤).
(١٣) في (ك) و(ن): "عبد الله" مكبر وهو خطأ.
(١٤) من (ل).
[ ١ / ٤٩٥ ]
ورواه الإمام أحمد، عن إسماعيل بن يزيد الرقي (أبي يزيد) (^١): حدثنا فرات، عن عبد الكريم، به.
وقال ابن أبي حاتم (^٢): حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار، حدثنا سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن؛ قال: قول الله ما كانوا ليتمنوه بما قدمت أيديهم. قلت: أرأيتك لو أنهم أحبوا الموت حين قيل لهم تمنوا الموت، أتراهم كانوا ميتين؟ قال: لا، والله ما كانوا ليموتوا، (لو) (^٣) تمنوا الموت، وما كانوا ليتمنوه، وقد قال الله ما سمعت: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾.
وهذا غريب عن الحسن، (ثم) (^٤) هذا الذي فسر به ابن عباس الآية هو المتعين، وهو الدعاء على أي الفريقين أكذب منهم، أو من المسلمين على وجه المباهلة.
ونقله ابن جرير عن "قتادة" (^٥)، وأبي العالية (^٦)، والربيع بن أنس ﵏ (تعالى).
ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [الجمعة] فهم، عليهم لعائن الله لما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، دعوا إلى المباهلة والدعاء على أكذب الطائفتين منهم، أو من المسلمين؛ فلما نكلوا عن ذلك علم كل أحد أنهم ظالمون؛ لأنهم لو كانوا جازمين بما هم فيه لكانوا أقدموا على ذلك؛ فلما تأخروا علم كذبهم؛ وهذا كما دعا رسول الله ﷺ وقد نجران من النصارى بعد قيام الحجة عليهم في المناظرة، (وعتوهم) (^٧) وعنادهم، إلى المباهلة، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [آل عمران] فلما رأوا ذلك قال بعض القوم لبعض: والله لئن باهلتم هذا النبي لا يبقى منكم عين تطرف؛ فعند ذلك جنحوا (للسلم) (^٨)، (وبذلوا) (^٩) الجزية عن يد وهم صاغرون، فضربها عليهم، وبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح (﵁) (^١٠) أمينًا.
ومثل هذا المعنى، (أو) (^١١) قريب منه، (قوله) (^١٢) تعالى لنبيه (ﷺ) (^١٣) أن يقول للمشركين:
_________________
(١) ساقط من (ز) و(ض)، ووقع في (ل): "إسماعيل عن يزيد الرقي" وهو خطأ واضح وشطب ناسخ (ن) على قوله: "أبي يزيد".
(٢) في "تفسيره" (٩٤٦) وسنده ضعيف لضعف سرور بن المغيرة.
(٣) في (ن): "ولو".
(٤) بياض في (ك).
(٥) في (ك): "عبادة"!
(٦) وأثر قتادة عند ابن جرير (١٥٧٢) [بسند صحيح] وكذلك أثر أبي العالية (١٥٧٣)، [وسنده جيد] وأثر الربيع (١٥٧٤). [وسنده جيد].
(٧) ساقط من (ك).
(٨) في (ج) و(ز) و(ض) و(ل): "إلى السلم".
(٩) في (ج) و(ل) و(ك) و(ى): "بذل".
(١٠) ساقط من (ن).
(١١) في (ج): (و).
(١٢) في (ن): "قول الله".
(١٣) ساقط من (ن) و(ى).
[ ١ / ٤٩٦ ]
﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] أي: من كان في الضلالة منا ومنكم فزاده الله مما هو فيه، ومد له واستدرجه، كما سيأتي تقريره في موضعه إن شاء الله (تعالى) (^١)، (وبه الثقة) (^٢).
(وأما) (^٣) من فسر الآية على معنى [﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ] (^٤) إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: (إن كنتم صادقين) (^٥) في دعواكم، فتمنوا (الآن الموت) (^٦)، ولم يتعرض هؤلاء للمباهلة، كما (قرره) (^٧) طائفة من المتكلمين وغيرهم.
ومال إليه ابن جرير بعدما قارب القول الأول؛ فإنه قال: القول في (تأويل) (^٨) قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (^٩) …﴾ الآية: فهذه الآية مما احتج الله (سبحانه) (^١٠) (به) (^١١) لنبيه ﷺ على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجره، (وفضح) (^١٢) بها أحبارهم وعلماءهم؛ وذلك أن الله (تعالى) (^١٣) أمر نبيه ﷺ إلى قضية عادلة (بينه وبينهم من الخلاف) (^١٤)، كما أمره أن يدعو الفريق (الآخر) (^١٥) من النصارى؛ إذ خالفوه في عيسى (ابن مريم) (^١٦) عليه (الصلاة و) (^١٧) السلام، وجادلوه فيه - إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة؟ فقال (لفريق اليهود) (^١٨): إن كنتم محقين فتمنوا الموت؛ فإن ذلك غير (ضائركم) (^١٩) إن كنتم محقين فيما تدعون من الإيمان وقرب المنزلة (من الله) (^٢٠)، (بل أعطيكم) (^٢١) أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم؛ فإنما تصيرون إلى الراحة من (تعب) (^٢٢) الدنيا، ونصبها، وكدر عيشها، والفوز بجوار الله في جناته، إن كان الأمر كما تزعمون من أن الدار الآخرة لكم خاصة دوننا، (وإن) (^٢٣) لم تعطوها علم الناس أنكم المبطلون، ونحن المحقون في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم.
فامتنعت اليهود من الإجابة إلى ذلك، (لعلمهم) (^٢٤) أنها إن تمنت الموت هلكت، فذهبت
_________________
(١) من (ك) و(ن).
(٢) من (ل).
(٣) بياض في (ك).
(٤) ساقط من (ن).
(٥) ساقط من (ن).
(٦) في (ل): "الموت الآن"، وسقط لفظ "الآن" من (ك).
(٧) في (ض): "قدره".
(٨) في (ز) و(ض): "تفسير".
(٩) لم يذكرها ناسخ (ن) وكتب عقبها: "الآية".
(١٠) من (ن).
(١١) ساقط من (ن).
(١٢) في (ك) و(ل): "نصبح"!
(١٣) من (ن).
(١٤) في (ن): "فيما كان بينه وبينهم من الخلاف".
(١٥) في (ض): "آخر".
(١٦) من (ن).
(١٧) من (ل).
(١٨) في (ل): "لفريق من اليهود".
(١٩) كذا في (ج) و(ك) و(ل) و(ى)؛ وفي (ن): "ضاركم"؛ وفي (ز) و(ض): "ضار بكم".
(٢٠) في (ن): "من الله لكم".
(٢١) كذا في (ج) و(ز) و(ض)؛ وفي (ك) و(ى): "لكي أعطيكم"؛ وفي (ن): "لكي يعصيكم"؛ وفي (ل): "بل أعطيتم"؛ وفي "تفسير ابن جرير": "بل إن أعطيتم".
(٢٢) في (ل): "نعت"!
(٢٣) في (ل): "فإن".
(٢٤) في (ز): "لعلمها".
[ ١ / ٤٩٧ ]
دنياها، وصارت إلى خزي الأبد في (آخرتها) (^١)، كما امتنع فريق النصارى.
فهذا الكلام منه أوله حسن، (وأما) (^٢) آخره فيه نظر، وذلك (أنه) (^٣) لا تظهر الحجة عليهم على هذا التأويل؛ إذ يقال: (إنه) (^٤) لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون في دعواهم (أن يتمنوا) (^٥) الموت؛ فإنه لا ملازمة بين وجود الصلاح وتمنى الموت؛ وكم من صالح لا يتمنى الموت؛ بل يود أن يعمر (ليزداد) (^٦) خيرًا، (وترتفع درجته) (^٧) في الجنة؛ كما جاء (في الحديث) (^٨): "خيركم من طال عمره وحسن عمله" (^٩).
[وجاء في "الصحيح" (^١٠) النهي عن تمني الموت؛ وفي بعض ألفاظه (^١١) "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إما محسنًا فلعله (أن) (^١٢) يزداد، وإما مسيئًا، فلعله أن يستعتب". ثم] (^١٣)، ولهم مع ذلك أن يقولوا على هذا، فها أنتم تعتقدون أيها المسلمون أنكم أصحاب الجنة، [وأنتم (لا تتمنون) (^١٤) في حال الصحة الموت] (^١٥)، فكيف (تلزمونا) (^١٦) بما (لا يلزمكم) (^١٧)؟!
[وقد تعرض فخر الدين الرازي في "تفسيره" (^١٨) لهذا السؤال؛ وأجاب عنه بأن الرسول مأمور بإبلاغ الرسالة إلى أمته بالتواتر عنه، وتمنى الموت يحجزه عن ذلك، قال: ولعلهم كان يمنعهم من التمني كثرة ذنوبهم، وكانوا يقولون: إنهم يكونون في النار أيامًا معدودات، ولكن كل يوم (كألف) (^١٩) سنة، أو كان يمنعهم منه شدته وآلامه، وسال غير ذلك من الأسئلة، وأجاب] (^٢٠)
_________________
(١) في (ض): "أخراها".
(٢) ساقط من (ن).
(٣) في (ل): "إنهم".
(٤) من (ن).
(٥) في (ن): "إنهم يتمنون".
(٦) في (ض): "ليزاد".
(٧) في (ك) و(ى): "ويرتفع درجة".
(٨) من (ز) و(ن).
(٩) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (٢٣٢٩)؛ وأحمد (٤/ ١٨٨، ١٩٠)؛ وفي "الزهد" (٣٥)؛ والبيهقي في "سننه" (٣/ ٣٧١)؛ وفي "الأربعين الصغرى" (٤٤)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ١١، ١١٢؛ و٩/ ٥١)؛ والبغوي في "شرح السنة" (٥/ ١٦)؛ والطبراني في "الأوسط" (٢/ ٢٦١، ٢٦٢)؛ والشجري في "الأمالي" (١/ ٢٥٥) من طرق عن عمرو بن قيس، عن عبد الله بن بسر أن أعرابيًا قال: يا رسول الله! من خير الناس؟ قال: "من طال عمره، وحسن عمله". قال الترمذي: "حسن غريب". وعند أحمد وغيره زيادة، ذكرتها في "التسلية"، وفي الباب شواهد.
(١٠) أخرجه البخاري (١١/ ١٥٠)؛ ومسلم (٢٦٨٠).
(١١) عند البخاري (١٠/ ١٢٧؛ و١٣/ ٢٢٠) من طريق الزهري قال: أخبرني أبو عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة مرفوعًا.
(١٢) ساقط من (ى).
(١٣) ساقط من (ز) و(ض) و(ن).
(١٤) في (ض) و(ى): "لا تمنون".
(١٥) وقعت العبارة في (ل): "وأنتم لا تتمنون الموت في حال الصحة".
(١٦) في (ن): "تلزموننا".
(١٧) في (ز) و(ض) و(ك): "نلزمكم".
(١٨) انظر: "تفسير الرازي" (٢/ ٢٠٤، ٢٠٥).
(١٩) في (ى): "ألف".
(٢٠) من (ج) و(ل) و(ى).
[ ١ / ٤٩٨ ]
[عنها بأجوبة، ولم يذكر مع هذا كله (قول) (^١) المباهلة بالكلية، وأما القرطبي، فإنه حكاه، و(لكن) (^٢) إنما عول على الأول. والله أعلم] (^٣).
وهذا كله إنما نشأ من تفسير (هذه) (^٤) الآية على هذا المعنى، فأما على تفسير ابن عباس فلا يلزم (عليه) (^٥) شيء من ذلك؛ بل قيل لهم كلام نصف: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء (الله) (^٦) من دون الناس، وأنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنكم (من) (^٧) أهل الجنة ومن عداكم (من) (^٨) أهل النار، فباهلوا على ذلك، وادعوا على الكاذبين منكم أو (من) (^٩) غيركم، واعلموا أن المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة، فلما تيقنوا ذلك، وعرفوا صدقه، نكلوا عن المباهلة لما يعلمون من كذبهم، وافترائهم، وكتمانهم الحق من صفة الرسول ﷺ ونعته، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ويتحققونه، فعلم كل أحد باطلهم وخزيهم، وضلالهم وعنادهم، عليهم لعائن الله (المتتابعة) (^١٠) إلى يوم القيامة.
[وسميت هذه المباهلة تمنيًا؛ لأن كل محق يود لو أهلك الله المبطل المناظر له، ولا سيما إذا كان في ذلك حجة له (في) (^١١) بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة بالموت؛ لأن الحياة عندهم (عزيزة عظيمة) (^١٢) لما يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت] (^١٣).
ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾: أي: (أحرص الخلق على حياة أي) (^١٤) على طول (عمر) (^١٥)، لما يعلمون من مآلهم السيئ، وعاقبتهم عند الله الخاسرة، لأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، فهم يودون لو تأخروا عن مقام الآخرة بكل ما أمكنهم، (وما يحذرون) (^١٦) منه واقع بهم لا محالة، (حتى) (^١٧) وهم أحرص من المشركين الذين لا كتاب لهم.
وهذا من باب عطف الخاص على العام.
قال ابن أبي حاتم (^١٨): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (﵁) (^١٩): ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ قال: الأعاجم.
_________________
(١) من (ج) و(ل)؛ وفي باقي الأصول: "ذكر".
(٢) ساقط من (ى).
(٣) من (ج) و(ل) و(ى).
(٤) من (ج) و(ل).
(٥) ساقط من (ز) و(ض) و(ك) و(ى).
(٦) في (ن): "لله".
(٧) من (ن).
(٨) من (ك) و(ن).
(٩) ساقط من (ك).
(١٠) في (ك): "البالغة"؛ وفي (ل) و(ى): "التابعة".
(١١) في (ل): "فيها".
(١٢) في (ل): "عظيمة عزيزة".
(١٣) ساقط من (ز) و(ض).
(١٤) ساقط من (ز) و(ض) و(ن).
(١٥) من (ن): "العمر".
(١٦) في (ن): "وما يحاذرون".
(١٧) ساقط من (ل).
(١٨) في "تفسيره" (٩٥١). [وسنده حسن]. وأخرجه الحاكم (٢/ ٢٦٣) من طريق قبيصة بن عقبة، ثنا الثوري بسنده سواء.
(١٩) من (ك).
[ ١ / ٤٩٩ ]
(وكذا) (^١) رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث الثوري؛ وقال: "صحيح على شرطهما ولم يخرجاه".
قال: "وقد اتفقا على (سند تفسير) (^٢) الصحابي".
وقال الحسن البصري (^٣): ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ قال: المنافق أحرص (الناس) (^٤) (على حياة، وهو) (^٥) أحرص (على الحياة من المشرك) (^٦).
﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ أي: (يود) (^٧) أحد اليهود كما يدل عليه نظم السياق.
وقال أبو العالية (^٨): يود أحدهم؛ أي: أحد المجوس، وهو يرجع إلى الأول.
﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال الأعمش (^٩)، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هو كقول الفارسي: " (زه) (^١٠) هزار سأل": يقول (عشرة آلاف) (^١١) سنة.
وكذا روى عن سعيد بن جبير (^١٢) نفسه أيضًا.
وقال ابن جرير (^١٣): حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، سمعت أبي يقول: حدثنا أبو حمزة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس - في قوله (تعالى) (^١٤): ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هو قول الأعاجم (^١٥): هزار سأل نوروز مهرجان.
وقال مجاهد (^١٦): ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: حُببت إليهم الخطيئة طول العمر.
_________________
(١) من (ن).
(٢) في (ك): "تفسير سند".
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٥٠) وسنده ضعيف.
(٤) ساقط من (ل).
(٥) ساقط من (ن).
(٦) في (ن): "من المشرك على الحياة".
(٧) من (ن).
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٥٢). [وسنده جيد].
(٩) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٥٣) من طريق عبد الله بن نمير، عن الأعمش به. [وسنده حسن].
(١٠) في (ج) و(ل) و(ن): "ده".
(١١) في (ك) و(ى): "عشر ألف"!
(١٢) أخرجه ابن جرير (١٥٩٢) وسنده معلق ضعيف.
(١٣) في "تفسيره" (١٥٩١). قال الشيخ أحمد شاكر ﵀ في تعليقه على "تفسير الطبري": "وهذا الإسناد صحيح متصل".
(١٤) ساقط من (ن).
(١٥) قال الشيخ أبو الأشبال ﵀: وفي "تفسير ابن كثير": "هزار سأل نوروز مهرجان" وقد سألت أحد أصحابنا ممن يعرف الفارسية فقال: إن هذا النص لا ينطبق على قواعد الفارسية، وأنه يظن أن صوابها: "زه در مهرجان نوروز هزار سال"، ومعنى "زه": "عش" و"در" ظرف بمعنى: "في"، و"مهرجان" هو عيد لهم، و"نيروز"، عيد آخر في أول السنة، و"هزار" ألف، و"سأل": "سنة"، فكأن "حد" التي في آخر الكلام في نص الطبري هي "در" مصحفة، وباقي النصوص الفارسية صحيح ومعناه: عش ألف سنة؛ وفي "المستدرك" للحاكم: "هزار سأل سرور مهرجان بخور" وقال مصححه: "يعني: تمتع ألف سنة كمثل عيد مهرجان، وهو عيد لهم". وكأن هذا هو الصواب. اهـ.
(١٦) أخرجه ابن جرير (١٥٩٣) قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد ويعقوب بن إبراهيم؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٩٥٤) قال: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح قالوا: ثنا إسماعيل بن علية، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. وسنده صحيح.
[ ١ / ٥٠٠ ]
وقال محمد بن إسحاق (^١)، عن محمد (بن أبي محمد) (^٢)، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس (﵁) (^٣) ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ أي: وما هو بمنجيه من العذاب؛ وذلك أن المشرك لا يرجو بعثًا بعد الموت؛ فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي قد عرف ما له في الآخرة من الخزي (بما ضيع) (^٤) ما عنده من العلم.
وقال العوفي (^٥)، عن ابن عباس: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ قال: هم الذين عادوا جبريل.
وقال أبو العالية (^٦): (وإن عمر) (^٧): (فما ذاك بمغيثه) (^٨) من العذاب ولا منجيه (منه) (^٩).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^١٠) (في هذه الآية) (^١١): يهود أحرص على الحياة من هؤلاء؛ وقد ود هؤلاء (لو) (^١٢) يعمر أحدهم ألف سنة؛ وليس ذلك بمزحزحه من العذاب لو عمر [كما أن عمر إبليس لم ينفعه] (^١٣)، إذ كان كافرًا.
﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: (خبير بصير) (^١٤) بما يعمل عباده من خير وشر، وسيجازي كل عامل بعمله (^١٥).
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾.
قال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري (^١٦) ﵀: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعًا أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل؛ إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل (ولي) (^١٧) لهم؛ ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك؛ فقال بعضهم: إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله ﷺ في أمر نبوته.
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٥٥). [وسنده حسن]. وأخرجه ابن جرير (١٦٠٠).
(٢) من (ن).
(٣) من (ك).
(٤) كذا في (ن) و(ى) وهو الموافق لما في "تفسير ابن أبي حاتم"؛ وفي باقي "الأصول": "بما صنع بما عنده من العلم" واخترت الأولى لأنها أوضح في المعنى.
(٥) أخرجه ابن جرير (١٦٠٣) وسنده ضعيف؛ مسلسل بالضعفاء.
(٦) أخرجه ابن جرير (١٦٠١)؛ وابن أبي حاتم (٩٥٦). [وسنده جيد].
(٧) في (ن): "وابن عمر"!!
(٨) كذا في سائر "الأصول" وهو الموافق لما في "تفسير الطبري". ووقع في (ل): "ولا ذاك بمغنيه" وهو الموافق لما في "تفسير ابن أبي حاتم".
(٩) في (ك): "فيه".
(١٠) أخرجه ابن جرير (١٥٩٥) وسنده صحيح.
(١١) ساقط من (ز) و(ض) و(ك).
(١٢) في (ز) و(ض): "أن".
(١٣) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ك) و(ى). ووقعت العبارة في (ن): "كما عمر إبليس".
(١٤) في (ض): "بصير خبير".
(١٥) في (ع): "بلغ مقابلة على المصنف، فسح الله في مدته".
(١٦) في "تفسيره" (٢/ ٣٧٧).
(١٧) في (ن): "وليًا".
[ ١ / ٥٠١ ]
ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب (^١)، حدثنا يونس بن بكير، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس - أنه قال: حضرت عصابة من اليهود رسول الله ﷺ، فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن خلالٍ نسألك عنهن لا (يعلمهن) (^٢) إلا نبي. فقال رسول الله ﷺ: " (سلوا) (^٣) عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم عن شيء فعرفتموه (لتتابعُني) (^٤) على الإسلام". فقالوا: ذلك لك. فقال رسول الله ﷺ: "سلوني (^٥) عما شئتم". قالوا: أخبرنا عن أربع خلالٍ نسألك عنهن: أخبرنا: أي: الطعام (حرم) (^٦) إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ وأخبرنا: كيف ماء المرأة وماء الرجل؛ وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في (النوم) (^٧) (ووليه) (^٨) من الملائكة؟ (فقال رسول الله) (^٩) ﷺ: "عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم (لتتابعُني؟) (^١٠) "فأعطوه (ما شاء) (^١١) من عهد وميثاق؛ فقال: نشدتكم بالذي أنزل التوراة على موسى؛ هل تعلمون أن إسرائيل - يعقوب -
_________________
(١) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (١٦٠٥). وأخرجه أحمد (٢٥١٤ - شاكر)؛ وابن سعد في "الطبقات" (١/ ١٧٤، ١٧٥) قالا: حدثنا هاشم بن القاسم؛ وأخرجه عبد بن حميد في "تفسيره" قال: حدثنا أحمد بن يونس؛ وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩٥١ - آل عمران)؛ والبيهقي في "الدلائل" (٦/ ٢٦٦، ٢٦٧) من طريق الطيالسي وهذا في "مسنده" (٢٧٣١)؛ وعبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (٢٥١٥) من طريق محمد بن بكار بن الريان؛ والطبراني في "الكبير" (ج ١٢/ رقم ١٣٠١٢) من طريق محمد بن يوسف الفريابي خمستهم عن عبد الحميد بن بهرام بسنده سواء؛ وأخرجه أحمد (٢٤٧١) من طريق الحسين بن محمد المروزي ثنا عبد الحميد ببعضه. (*) قلت: وعبد الحميد بن بهرام وثقه أحمد وابن معين وأبو داود وأثنى عليه شعبة وقال: "نعم الشيخ". وقال ابن معين في رواية والنسائية والعجلي وابن عدي: "لا بأس به". وقال أبو حاتم: "أحاديثه عن شهر صحاح، لا أعلم روى عن شهر بن حوشب أحاديث أحسن منها ولا أكثر منها". وقال ابن عدي: "هو في نفسه لا بأس به، وإنما عابوا عليه كثرة رواياته عن شهر، وشهر ضعيف". وقال الخطيب: "الحمل في الصحيفة التي ذكر أنها منكرة على شهر لا على عبد الحميد". وقد خولف عبد الحميد بن بهرام. خالفه عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين فرواه عن شهر بن حوشب مرسلًا. أخرجه محمد بن إسحاق، كما في "سيرة ابن هشام" (٢/ ١٩١، ١٩٢) ومن طريقه الطبري في "تفسيره" قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين به. وعبد الله هذا ثقة، وثقه أحمد وأبو زرعة والنسائي والعجلي وابن حبان وابن سعد وقال: "قليل الحديث" وقال ابن عبد البر: "ثقة عند الجميع فقيه عالم بالمناسك" وصرح ابن إسحاق بالتحديث كما رأيت. وهذا الوجه المرسل أرجح، نظريًا، من رواية عبد الحميد الموصولة. وهذا الاختلاف في سنده من شهر بن حوشب، فكان سيء الحفظ وللحديث طريق آخر عن ابن عباس، يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى.
(٢) في (ج): "يعلمن".
(٣) في (ل): "اسألوا".
(٤) في (ن): "لتتابعنني".
(٥) في (ن): "سلوا".
(٦) كذا في "ز" و(ض) و(ع) و(ك) و(ن) و(ى) وهو الموافق لما في "تفسير الطبري" (٢/ ٣٧٧) ووقع في (ج) و(ل): "الذي حرم".
(٧) كذا في "تفسير الطبري" وسائر روايات الحديث عند المخرجين له. ووقع في سائر "الأصول": "التوراة"، وما أثبته أولى وأليق بلفظ الحديث، وجواب النبي ﷺ يدل عليه، والله أعلم.
(٨) كذا في سائر "الأصول"؛ وفي (ن): "ومن وليه" وهو الموافق لما في "تفسير الطبري".
(٩) في (ن): "وقال النبي".
(١٠) في (ن): "لتتابعنني".
(١١) في (ن): "ما شاء الله".
[ ١ / ٥٠٢ ]
مرض مرضًا شديدًا، فطال سقمه منه، فنذر لله نذرًا، لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه؛ وكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها"؟ فقالوا: اللهم نعم. فقال رسول الله ﷺ: "اللهم اشهد عليهم" وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى: هل تعلمون أن ماء الرجل (أبيض غليظ) (^١) وأن ماء المرأة (أصفر رقيق) (^٢) فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله ﷿ (^٣)، وإذا علا ماءُ الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرًا بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله ﷿ (^٤) "؟ قالوا: اللهم نعم. "قال: اللهم اشهد [وأنشدكم (بالذي) (^٥) أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه"؟ قالوا: اللهم نعم. قال: "اللهم اشهد"] (^٦).
قالوا: أنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة فعندها نجامعك، أو نفارقك. قال: "فإن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيًا قط إلا وهو وليه". قالوا: فعندها نفارقك، ولو كان وليك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك.
قال: "فما منعكم أن تصدقوه"؟ قالوا: إنه عدونا؛ فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢] فعندها باءوا بغضب على غضب.
وقد رواه الإمام أحمد في "مسنده"، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، وعبد بن حميد في "تفسيره"، عن أحمد بن يونس؛ كلاهما عن عبد الحميد بن بهرام، به.
ورواه (الإمام أحمد) (^٧) أيضًا عن الحسين بن محمد المروزي عن عبد الحميد (به) (^٨) بنحوه.
وقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار، (حدثني) (^٩) عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب؛ فذكره مرسلًا.
وزاد فيه: قالوا: فأخبرنا عن الروح. قال: "فأنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل؛ هل تعلمون أنه جبريل، وهو الذي يأتيني"؟ قالوا: اللهم نعم. ولكنه (لنا عدو) (^١٠)، وهو ملك؛ إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء؛ فلولا ذلك اتبعناك؛ فأنزل الله (تعالى) (^١١) فيهم: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ …﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١].
وقال الإمام أحمد (^١٢): حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي، عن
_________________
(١) في (ن): "غليظ أبيض".
(٢) في (ن): "رقيق أصفر".
(٣) من (ن).
(٤) من (ن).
(٥) كذا في (ج) و(ع) و(ل) و(ى): "بالذي" وهو الموافق لما في "تفسير الطبري" (٢/ ٣٧٨). ووقع في (ز) و(ض) و(ن): "بالله الذي".
(٦) ساقط من (ك).
(٧) ساقط من (ى). وسقطت لفظة: "الإمام" من (ن).
(٨) ساقط من (ز) و(ن).
(٩) في (ن): "حدثنا".
(١٠) في (ن): "عدو لنا".
(١١) من (ن).
(١٢) في "مسنده" (٢٤٨٣) ومن طريقه الضياء في "المختارة" (١٠/ ٦٩، ٧٠). =
[ ١ / ٥٠٣ ]
(بكير) (^١) بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: أقبلت يهود (إلى) (^٢) رسول الله ﷺ، فقالوا: يا أبا القاسم، أخبرنا عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك؛ فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه؛ إذ قال: (والله على ما نقول وكيل). قال: "هاتوا": قالوا: فأخبرنا عن علامة النبي؟ قال: "تنام عيناه ولا ينام قلبه".
قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة، وكيف تذكر؟ قال: "يلتقى الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء المرأة (ماء الرجل) " (^٣) آنثت".
قالوا: أخبرنا (ما) (^٤) حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: "كان يشتكى عرق النسا، فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا" قال أحمد: قال بعضهم: يعني: الإبل، فحرم لحومها. قالوا: صدقت.
قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ملك من ملائكة الله ﷿، موكل بالسحاب بيديه أو في يديه مخراق من نار يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله ﷿ (^٥).
قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: "صوته". قالوا: صدقت.
قالوا: إنما بقيت واحدة؛ وهي التي نتابعك إن أخبرتنا (بها) (^٦): إنه ليس من نبي إلا وله ملك يأتيه بالخبر؛ فأخبرنا من صاحبك؟ قال: جبريل ﵇. قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا؛ لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والقطر والنبات (لكان) (^٧)؛ فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ …﴾ إلى آخر الآية.
ورواه الترمذي، والنسائي، من حديث عبد الله بن الوليد، به. وقال الترمذي: "حسن غريب".
وقال سنيد في "تفسيره" (^٨)، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج: أخبرني القاسم بن أبي بزة - أن يهود سألوا النبي ﷺ (من) (^٩) صاحبه الذي ينزل عليه بالوحي. قال: جبريل. قالوا: فإنه لنا
_________________
(١) = وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩٥٢)؛ وأبو الشيخ في "العظمة" (٧٦٥)؛ وابن منده في "التوحيد" (٤٨) من طريق أبي أحمد الزبيري محمد بن عبد الله مثله. وتابعه أبو نعيم الفضل بن دكين قال: نا عبد الله بن الوليد وكان يجالس الحسن بن حي بسنده سواء. أخرجه النسائي في "العشرة" (١٨٧)؛ والبخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٢/ ١١٤)؛ وابن منده في "التوحيد" (٤٨)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ١٢/ رقم ١٢٤٢٩)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٣٠٤، ٣٠٥)؛ والضياء في "المختارة" (١٠/ ٦٧، ٦٨)؛ وأخرج الترمذي (٣١١٧) منه قصة الرعد. وقال: "حسن غريب". وقال ابن منده: "هذا إسناد متصل، ورواته مشاهير ثقات".
(٢) في (ك): "بكر" مكبرًا، وهو تصحيف.
(٣) في (ن): "على".
(٤) ساقط من (ج) و(ض) و(ع) و(ى). وهو ثابت في "المسند" (٢٤٨٣).
(٥) في (ج) و(ل): "عما".
(٦) في (ن): "تعالى".
(٧) ساقط من (ج) و(ز) و(ض) و(ك) و(ل)، وهو ثابت في "المسند".
(٨) في (ل): "لكنا تابعناك" وهو مخالف لسائر "الأصول" ولـ"المسند".
(٩) ومن طريقه ابن جرير (١٦٠٧) قال: حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، حدثني حجاج. والحسين هو ابن داود، ولقبه: "سنيد"، وهو لقب غلب عليه. [وسنده مرسل ويشهد له سابقه].
(١٠) في (ز) و(ل) و(ن): "عن".
[ ١ / ٥٠٤ ]
عدو، ولا يأتي إلا بالحرب والشدة، والقتال؛ فنزلت: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ …﴾ الآية.
قال ابن جريج (^١): قال مجاهد: قالت يهود: يا محمد؛ ما نزل جبريل إلا بشدة وحرب وقتال، فإنه لنا عدو؛ فنزل: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ …﴾ الآية.
وقال البخاري (^٢): قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال عكرمة: جبر، وميك وإسراف: عبد، وإيل: الله.
حدثنا عبد الله بن (منير) (^٣)، سمع عبد الله بن (بكر) (^٤)، حدثنا حميد؛ عن أنس بن مالك؛ قال: سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله ﷺ وهو في أرض يخترف، فأتى النبي ﷺ؛ فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه، أو إلى أمه؟ قال: أخبرني (بهن جبريل آنفًا) (^٥). قال: جبريل؟ قال: "نعم". قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾.
أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب.
وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت. وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت".
قال: أشهد أن لا إله إلا الله (وأشهد أنك رسول الله) (^٦). يا رسول الله؛ إن اليهود قوم بهت (^٧)، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم (يبهتوني) (^٨)؛ فجاءت اليهود، فقال (لهم رسول الله ﷺ) (^٩): أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. قال: أرأيتم إن أسلم؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك.
فخرج عبد الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، (وأن) (^١٠) محمدًا رسول الله.
فقالوا: هو شرنا وابن شرنا، وانتقصوه؛ فقال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله - انفرد به البخاري من هذا الوجه.
_________________
(١) وسنده مرسل أو معضل، وابن جريج لم يسمع من مجاهد إلا حرفًا واحدًا.
(٢) في "كتاب التفسير" (٨/ ١٦٥ - فتح).
(٣) كذا في (ج) و(ز). ووقع في (ع) و(ك) و(ل) و(ن) و(ى): "نمير" وهو خطأ واضح، فالبخاري لم يلحق ابن نمير، فإن البخاري ولد سنة (١٩٤) بينما توفي ابن نمير سنة (١٩٩)، ويظهر لي أن قلم المصنف سبقه في الكتابة، ويدل على ذلك أن ابن المحب ناسخ (ج) قال في الحاشية: "كانت في الأصل: ابن نمير".
(٤) في (ك) و(ن): "بكير" وهو خطأ.
(٥) كذا في (ز) و(ض) و(ك) و(ل) و(ن) وهو الموافق لما في "صحيح البخاري" (٨/ ١٦٥)، وفي (ج) و(ع) و(ى): "أخبرني جبريل بهن آنفًا".
(٦) كذا في (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى) وهو الموافق لما في "البخاري" (٨/ ١٦٥)، وفي (ن): "وأنك رسول الله"؛ وفي (ج) و(ل): "وأن محمدًا رسول الله".
(٧) بهت؛ جمع بهوت، من بناء المبالغة، والبهت: الكذب والافتراء.
(٨) في (ل): "بهتوني".
(٩) كذا في (ن) وهو الموافق لما في "البخاري". وسقط من (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى).
(١٠) في (ن): "وأشهد أن".
[ ١ / ٥٠٥ ]
وقد أخرجاه (^١) من وجه آخر، عن أنس، بنحوه.
وفي "صحيح مسلم" (^٢)، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قريب من هذا السياق، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
وحكاية البخاري كما تقدم عن عكرمة هو المشهور - أن "إيل" هو الله.
وقد رواه سفيان (الثوري) (^٣)، عن خصيف، عن عكرمة (^٤). [ورواه عبد بن حميد، عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة] (^٥).
ورواه ابن جرير (^٦)، عن الحسين بن يزيد (الطحان) (^٧)، عن إسحاق بن منصور، عن قيس (عن) (^٨) عاصم، عن عكرمة أنه قال: إن جبريل اسمه: "عبد الله"، وميكائيل اسمه: (عبيد الله) (^٩). إيل: الله.
ورواه (^١٠) يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله سواء.
وكذا قال غير واحد من السلف، كما سيأتي قريبًا.
[وقال الإمام أحمد (^١١) في أثناء حديث: "سمرة بن جندب": حدّثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال لي علي بن الحسين: اسم جبريل: "عبد الله"؛ واسم ميكائيل: "عبيد الله"] (^١٢).
ومن الناس من يقول: "إيل" عبارة عن "عبد"، والكلمة الأخرى هي اسم الله؛ لأن كلمة "إيل" لا تتغير في الجميع فوزانه: عبد الله، عبد الرحمن، عبد الملك، عبد القدوس، عبد السلام، عبد الكافي، عبد الجليل؛ "فعبد" موجودة في هذا كله؛ واختلفت الأسماء (المضاف) (^١٣) إليها، وكذلك جبرائيل، وميكائيل، وعزرائيل، وإسرافيل، ونحو ذلك.
وفي كلام غير العرب يقدمون المضاف إليه على المضاف. والله أعلم.
_________________
(١) كذا! فليحرر، فإني لم أظفر به في "صحيح مسلم" والله أعلم.
(٢) أخرجه مسلم في "كتاب الحيض" (٣١٥/ ٣٤). وقد مر تخريجه قريبًا.
(٣) ساقط من (ل).
(٤) أخرجه ابن جرير (١٦٢٨) وسنده لا بأس به.
(٥) ساقط من (ج) و(ز) و(ض) و(ك) و(ل)، وهو ثابت في (ع) و(ن) و(ى).
(٦) في "تفسيره" (١٦٢٤) وسنده ضعيف. وقيس هو ابن الربيع في حفظه مقال مشهور. وشيخ ابن جرير لينه أبو حاتم الرازي كما في "الجرح والتعديل" (١/ ٢/ ٦٧) وذكره ابن حبان في "الثقات" (٨/ ١٨٨).
(٧) كذا ورد في كل "الأصول" وهو الصواب كما في "الجرح والتعديل"، و"ثقات ابن حبان"، و"تهذيب الكمال" (٦/ ٥٠١) وفروعه. ووقع في "تفسير الطبري" (٢/ ٣٩٠): "الضحاك" وهو تصحيف.
(٨) في (ن): "بن" وهو خطأ. [وسنده حسن].
(٩) في (ن): "عبد الله" مكبرًا.
(١٠) أخرجه ابن جرير (١٦٢١) ورجاله ثقات إلا شيخ الطبري محمد بن حميد.
(١١) في "مسنده" (٥/ ١٥، ١٦) وعلقه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩٧٢) وقد رواه أيضًا (٩٧١) من طريق ابن إسحاق عن الزهري، عن علي بن الحسين. وسنده حسن.
(١٢) من (ج) و(ل).
(١٣) في (ض) و(ل): "المضافة".
[ ١ / ٥٠٦ ]
ثم قال ابن جرير (^١): وقال آخرون: بل كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت [بين عمر بن الخطاب (﵁) (^٢) وبينهم] (^٣) في أمر النبي ﷺ.
ذكرُ من قال ذلك (^٤): حدثني محمد بن المثنى، حدثني ربعي بن علية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: نزل عمر الروحاء، فرأى رجالًا يبتدرون أحجارًا يصلون إليها؛ فقال: (ما هؤلاء) (^٥)؟ قالوا: يزعمون أن رسول الله ﷺ صلى ها هنا، قال: فكره ذلك، وقال: (إنما) (^٦) رسول الله ﷺ أدركته الصلاة بواد (فصلاها) (^٧)، ثم ارتحل فتركه. ثم أنشأ يحدثهم؛ فقال: كنت أشهد اليهود يوم (مدراسهم) (^٨)، فأعجب من التوراة كيف تصدق (الفرقان) (^٩)، ومن (الفرقان) (^٩) كيف يصدق التوراة، (فبينا) (^١٠) أنا عندهم ذات يوم قالوا: يا ابن الخطاب، ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك.
قلت: ولم ذلك؟ قالوا: (إنك) (^١١) تغشانا وتأتينا.
فقلت: إني آتيكم فأعجب من (الفرقان) (^٩) كيف يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق (الفرقان) (^٩).
قالوا: ومر رسول الله ﷺ؛ فقالوا: يا ابن الخطاب؛ ذاك صاحبكم فالحق به.
قال: فقلت لهم عند ذلك: نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من حقه، وما استودعكم من كتابه؛ هل تعلمون أنه رسول الله؟ قال: فسكتوا. فقال لهم عالمهم وكبيرهم: إنه قد غلظ عليكم فأجيبوه. فقالوا: فأنت عالمنا وكبيرنا، فأجبه أنت. قال: أما إذ نشدتنا بما نشدتنا (به) (^١٢)
_________________
(١) في "تفسيره" (٢/ ٣٨٠، ٣٨١ شاكر).
(٢) من (ل) وهو الموافق لما في "ابن جرير".
(٣) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ك) و(ل) وهو الموافق لما في "ابن جرير". ووقع في (ع) و(ن) و(ى): "بينهم وبين عمر بن الخطاب".
(٤) أخرجه ابن جرير (١٦٠٨) وسنده ضعيف لانقطاعه، فإن الشعبي واسمه عامر بن شراحيل لم يدرك عمر بن الخطاب ﵁ وقد صرح المصنف بذلك بعد. وأخرجه ابن جرير أيضًا (١٦٠٩) قال: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: قال عمر: نحو الحديث الماضي. وابن علية هذا هو إسماعيل، وهو أشهر من أخيه ربعي بن علية. قال السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٩٠): "صحيح الإسناد ولكن الشعبي لم يدرك عمر".
(٥) كذا في سائر "الأصول"؛ وفي "ابن جرير". ووقع في (ن): "ما بال هؤلاء"؛ وفي (ل): "ما هو".
(٦) كذا في سائر "الأصول" واضحة؛ وفي (ن): "أيما" بالياء التحتانية، وكذلك ضبطها الشيخ محمود شاكر ﵀ في "تفسير الطبري"، وما ورد في "الأصول" صحيح، على اعتبار أن قوله: "رسول الله" جملة توضيحية. والله أعلم.
(٧) كذا في سائر "الأصول"؛ وفى (ن): "صلاها"؛ وفى "ابن جرير": "فصلى".
(٨) في (ل): "مدراستهم".
(٩) كذا في سائر "الأصول"، وهو الموافق لما في "تفسير الطبري". ووقع في (ن): "القرآن".
(١٠) في (ك) و(ن): "فبينما".
(١١) في (ن): "لأنك".
(١٢) ساقط من (ع) و(ى).
[ ١ / ٥٠٧ ]
فإنا نعلم أنه رسول الله. قلت: ويحكم، (فأنى) (^١) هلكتم؟! قالوا: (إنا لم نهلك) (^٢). قلت: كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله (ثم لا تتبعونه) (^٣) ولا تصدقونه؟ قا لوا: إن لنا عدوًا من الملائكة وسلمًا من الملائكة؛ وإنه قرن بنبوته عدونا من الملائكة. قلت: ومن عدوكم؛ ومن سلمكم؛ قالوا: عدونا جبريل، وسلمنا ميكائيل (^٤) قالوا: إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا. وإن ميكائيل ملك الرحمة والرأفة التخفيف ونحو هذا.
قال: قلت: وما منزلتهما من ربهما ﷿؟ قالوا: أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره. قال: فقلت: فوالذي لا إله إلا هو إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما وسلم لمن سالمهما. وما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو جبريل.
قال: ثم قمت. فاتبعت النبي ﷺ، فلحقته وهو خارج من خوخة لبني فلان، فقال: يا ابن الخطاب؛ ألا أقرئك آيات نزلن قبل. فقرأ عليّ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ …﴾ حتى قرأ (هذه) (^٥) الآيات.
قال: قلت: (بأبي وأمي) (^٦) يا رسول الله! والذي بعثك بالحق، لقد جئت وأنا (أريد أن) (^٧) أخبرك، وأسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر.
وقال ابن أبي حاتم (^٨): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد؛ أنبأنا عامر؛ قال: انطلق عمر بن الخطاب إلى اليهود، فقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجدون محمدًا في كتبكم؟ قالوا: نعم. قال: فما يمنعكم أن تتبوه؟ قالوا: إن الله لم يبعث رسولًا إلا جعل له من الملائكة كفلًا، وإن جبريل كفل محمدًا، وهو الذي يأتيه، وهو عدونا من الملائكة، وميكائيل سلمنا؛ لو كان ميكائيل الذي يأتيه أسلمنا.
قال: فإني أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما منزلتهما عند الله تعالى؟ قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن شماله.
قال عمر: وإني أشهد: ما ينزلان إلا بإذن الله، وما كان ميكائيل ليسالم عدو جبرائيل، وما كان جبرائيل ليسالم عدو ميكائيل.
_________________
(١) كذا في سائر "الأصول"؛ وفي (ن): "إذن" ولم يستطع تصويبها الشيخ محمود شاكر، فقرأها في "المطبوعة": "أي: هلكتم"، ثم أثبتها: "إذن" عن "تفسير ابن كثير".
(٢) كذا في (ز) و(ع) و(ك) و(ن) و(ى) وهو الموافق لما في "الطبري"، وسقط لفظ "إنا" من (ض). ووقع في (ج) و(ل): "إياكم يهلك".
(٣) كذا في (ج) و(ض) و(ك) وهو الموافق لما في "الطبري". وسقطت لفظة "ثم" من (ز) و(ع) و(ل) و(ى). ووقع في (ن): "ولا تتبعونه".
(٤) وقع في "تفسير الطبري" (١٦٠٨) بعد هذه الجملة: "قال: قلت: وفيم عاديتم جبريل وفيم سالمتم ميكائيل".
(٥) ساقط من (ن).
(٦) كذا في "الأصول"، وعند ابن جرير، بأبي وأمي أنت.
(٧) من (ن) وهو عند ابن جرير.
(٨) في "تفسيره" (٩٦٦) وهو مع انقطاع سنده، فإن مجالد بن سعيد تغير حفظه في آخر عمره كما قال أحمد وغيره.
[ ١ / ٥٠٨ ]
فبينا هو عندهم إذ مر النبي ﷺ؛ فقالوا: هذا صاحبك يا ابن الخطاب.
فقام إليه عمر، فأتاه، وقد أنزل الله ﷿: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾.
وهذان الإسنادان يدلان على أن الشعبي حدث به عن عمر؛ ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر؛ فإنه لم يدرك (زمانه) (^١). والله أعلم.
وقال ابن جرير (^٢): حدثنا (بشر) (^٣)، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة؛ قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود، فلما (أبصروه) (^٤) رحبوا به، فقال لهم عمر: أما والله (ما جئت) (^٥) [لحبكم، ولا لرغبة فيكم، ولكن جئت] (^٦) لأسمع منك. فسألهم وسألوه، فقالوا: من صاحب صاحبكم؟ فقال لهم: جبريل. فقالوا: ذاك عدونا من أهل السماء، يطلع محمدًا على سرنا، وإذا جاء جاء بالحرب والسَّنَةِ، ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل، وكان إذا جاء جاء بالخصب والسلم.
فقال لهم عمر: (تعرفون) (^٧) جبريل وتنكرون محمدًا ﷺ؟!
ففارقهم عمر عند ذلك، وتوجه نحو النبي ﷺ ليحدثه حديثهم، فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ …﴾ (الآيات) (^٨).
ثم (قال) (^٩): حدثني المثنى، حدثنا آمد، حدثنا أبو جعفر، حدثنا قتادة؛ قال: بلغنا أن عمر أقبل إلى اليهود يومًا … فذكر نحوه. وهذا [في تفسير آدم، وهو] (^١٠) أيضًا منقطع، وكذلك رواه أسباط (^١١) عن السدي، عن عمر مثل هذا، أو نحوه، وهو منقطع أيضًا.
وقال ابن أبي حاتم (^١٢): حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن يعني: (الدشتكي) (^١٣)، حدثنا أبو جعفر، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى - أن يهوديًا (لقي) (^١٤) عمر بن الخطاب، فقال: إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا. فقال عمر: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ قال: فنزلت على لسان عمر ﵁.
_________________
(١) في (ز) و(ض): "وفاته" وهو تصحيف.
(٢) في "تفسيره" (١٦١٠) وهو ضعيف لانقطاعه.
(٣) في (ن): "بشير" وهو خطأ، وهو بشر بن معاذ العقدي أحد شيوخ النسائي والترمذي وابن ماجه.
(٤) كذا في "تفسير الطبري". ووقع في جميع "الأصول": "انصرف" ولا معنى لها إلا بتقدير محذوف.
(٥) في (ل) و(ن): "ما جئتكم".
(٦) ساقط من (ك).
(٧) كذا في (ج) و(ض) و(ك) و(ل) و(ى). ووقع في (ز) و(ن): "هل تعرفون" وفي "تفسير الطبري": "أتعرفون".
(٨) من (ن).
(٩) يعني: ابن جرير، وهو فيه (١٦١١).
(١٠) من (ع) و(ن) و(ى).
(١١) أخرجه ابن جرير (١٦١٣).
(١٢) في "تفسيره" (٩٦٧) وسنده ضعيف، وأبو جعفر هو الرازي، تكلم العلماء في حفظه ولكن تابعه هشيم بن بشير عند ابن جرير وتأتي روايته بعد هذه. وعبد الرحمن بن أبي ليلى مختلف في سماعه من عمر.
(١٣) في (ن): "الدستى"!
(١٤) في (ز) و(ض): "أتى".
[ ١ / ٥٠٩ ]
[ورواه عبد بن حميد، عن (أبي النضر) (^١) هاشم بن القاسم، عن أبي جعفر - هو الرازي] (^٢).
وقال ابن جرير (^٣): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال: قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل كان هو الذي ينزل عليكم (لتبعناكم) (^٤)؛ فإنه ينزل بالرحمة والغيث، وإن جبريل ينزل بالعذاب والنقمة. فإنه عدو لنا، قال: فنزلت هذه الآية.
حدثنا (^٥) يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء، بنحوه.
[وقال عبد الرزاق (^٦): أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال: قالت اليهود: إن جبريل (عدونا) (^٧)؛ لأنه ينزل بالشدة والسنة، وإن ميكائيل ينزل بالرخاء والعافية والخصب، فجبريل (عدونا) (^٧)؛ فقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ …﴾ الآية] (^٨).
وأما تفسير الآية فقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: من عادى جبريل فليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم على قلبك من الله، بإذنه له في ذلك؛ فهو رسول من رسل الله مَلَكيٌّ -، (عليه وعلى سائر إخوانه من الملائكة السلام) (^٩) ومن عادى رسولًا فقد عادى جميع الرسل، [كما أن من امن برسول فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل] (^١٠)، وكما أن من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء] فحكم عليهم بالكفر المحقق إذ آمنوا ببعض الرسل، وكفروا ببعضهم؛ وكذلك من عادى جبريل فإنه عدو لله؛ لأن جبريل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه، وإنما ينزل بأمر ربه؛ كما قال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء].
وقد روى البخاري في "صحيحه" (^١١)، عن أبي هريرة (﵁) (^١٢)؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "من عادى لي وليًا فقد بارزني بالحرب".
_________________
(١) في (ن): "أبي النظر"!
(٢) ساقط من (ج) و(ز) و(ض) و(ك) و(ل) وثابتة في (ع) و(ن) وكتبها ناسخ (ى) في الحاشية.
(٣) في "تفسيره" (١٦١٥). [وسنده مرسل يتقوى بالمراسيل التالية].
(٤) في (ن): "اتبعناكم".
(٥) أخرجه ابن جرير (١٦١٦) وسنده جيد عن عطاء.
(٦) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" (١/ ٥٢، ٥٣) ومن طريقه ابن جرير (١٦١٢) وسنده صحيح. [لكنه مرسل ويتقوى بالمراسيل السابقة].
(٧) في (ن): "عدو لنا".
(٨) هذه الفقرة مقدمة في (ك) على التي قبلها.
(٩) من (ل).
(١٠) ساقط من (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى).
(١١) في "كتاب الرقاق" (١١/ ٣٤٠، ٣٤١).
(١٢) من (ل).
[ ١ / ٥١٠ ]
ولهذا غضب الله لجبريل على من عاداه، فقال (تعالى) (^١): ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: من الكتب المتقدمة ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: هدًى لقلوبهم، وبشرى لهم بالجنة؛ وليس ذلك إلا للمؤمنين.
كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].
وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء].
ثم قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسلي. ورسله تشمل رسله من الملائكة والبشر، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥].
(وجبريل وميكال): وهذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة ثم في عموم الرسل، ثم خصصنا بالذكر؛ لأن السياق في الانتصار لجبريل، وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن معه ميكائيل في اللفظ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوهم، وميكائيل وليهم، فأعلمهم (الله تعالى) (^٢) أن من عادى واحدًا منهما فقد عادى الآخر، وعادى الله أيضًا؛ لأنه أيضًا ينزل على (الأنبياء) (^٣) بعض الأحيان كما قرن برسول الله ﷺ في ابتداء الأمر، ولكن جبريل أكثر وهي وظيفته، وميكائيل موكل بالقطر والنبات وهذاك بالهدى وهذا بالرزق، كما أن إسرافيل (موكل بالصور للنفخ) (^٤) للبعث (يوم) (^٥) القيامة.
ولهذا جاء في "الصحيح" (^٦) أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يقول: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم".
وقد تقدم ما حكاه البخاري، ورواه ابن جرير، عن عكرمة (وغيره) (^٧) أنه قال: "جبر"، و"ميك"، و"إسراف": عبد، و"إيل": الله.
وقال ابن أبي حاتم (^٨): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس؛ قال: إنما
_________________
(١) من (ن).
(٢) من (ن) و(ل)؛ وفي (ج) و(ى): "فأعلمهم تعالى"؛ وفي (ز) و(ض) و(ك): "فأعلمهم".
(٣) في (ن): "أنبياء الله".
(٤) في (ن): "موكل للنفخ في الصور".
(٥) كذا في (ز) و(ك) و(ل) و(ن)؛ وفي (ج) و(ض) و(ى): "ليوم".
(٦) يعني: "صحيح مسلم"، وقد أخرجه هو (٧٧٠/ ٢٠٠).
(٧) من (ن).
(٨) في "تفسيره" (٩٧٠)؛ وأخرجه أيضًا (٩٦٩) قال: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش بإسناده مثله. وسنده قوي.
[ ١ / ٥١١ ]
كان قوله جبرائيل كقوله عبد الله، وعبد الرحمن. وقيل: جبر: عبد، وإيل: الله.
وقال محمد بن إسحاق (^١)، عن الزهري، عن علي بن الحسين؛ قال: (تدرون) (^٢) ما اسم جبريل من أسمائكم؟ قلنا: لا؛ قال: اسمه عبد الله. قال: فتدرون ما اسم ميكائيل من أسمائكم؟ قلنا: لا؟ قال: اسمه (عبيد الله) (^٣)؛ وكل اسم مرجعه إلى إيل فهو إلى الله ﷿ (^٤).
قال ابن أبي حاتم: وروى عن عكرمة، ومجاهد، والضحاك، ويحيى بن يعمر نحو ذلك.
ثم قال (^٥): (حدثنا) (^٦) أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثني عبد العزيز بن عمير؛ قال: اسم جبريل في الملائكة خادم الله، قال: فحدثت به أبا سليمان الداراني فانتفض؛ وقال: لهذا الحديث أحب إلي من كل شيء في دفتر كان بين يديه.
وفي جبريل وميكائيل لغات وقراءات تذكر في كتب اللغة والقراآت، (^٧) (ولم نطول كتابنا هذا بسرد ذلك) (^٧) إلا أن يدور فهم المعنى عليه، أو يرجع الحكم في ذلك إليه، وبالله الثقة وهو المستعان.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ فيه إيقاع المظهر مكان المضمر، حيث لم يقل: فإنه عدو؛ بل قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ كما قال الشاعر (^٨):
لا أرى الموت يسبق الموت شيء … سبق الموت ذا الغنى والفقيرا
وقال الآخر (^٩):
ليت الغراب غداة ينعب (دائبًا) (^١٠) … كان الغراب (مقطع) (^١١) الأوداج
وإنما أظهر الله هذا الاسم ها هنا لتقرير هذا المعنى وإظهاره، وإعلامهم أن من عادى (أولياء الله) (^١٢) فقد عادى الله، ومن عادى الله فإن الله عدو له، ومن كان الله عدوه فقد خسر الدنيا والآخرة، كما تقدم في الحديث: "من عادى لي وليًا فقد آذنته بالمحاربة". وفي الحديث الآخر (^١٣): "إني لأثار لأوليائي كما يثأر الليث الحرب"، وفي الحديث الصحيح (^١٤): "من كنت
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩٧١).
(٢) في (ز) و(ن): "أتدرون".
(٣) في (ل): "عبد الله" وهو خطأ.
(٤) من (ن).
(٥) في "تفسيره" (٩٧٤) وعبد العزيز بن عمير هو الخراساني الزاهد. له ترجمة في "تاريخ دمشق" (٣٦/ ٣٣٢ - ٣٣٦) لابن عساكر.
(٦) في (ن): "حدثني".
(٧) كذا في سائر "الأصول". ووقع في (ج): "يطول كتابنا هذا بسرده".
(٨) هو أمية بن أبي الصلت، وينسب إلى سوادة بن عدي.
(٩) هو جرير. والبيت في "ديوانه" (٨٩) ولكن وقع في "الديوان": "ينعب بالنوى".
(١٠) في (ن): "دائمًا".
(١١) في (ن): "منقطع"!
(١٢) في (ن): "وليًا لله".
(١٣) أخرجه ابن أبي الدنيا وأبو نعيم من حديث أنس كما ذكره الزبيدي في "الإتحاف" (٩/ ٤٤٠) ولم أقف عليه عندهما، بهذا اللفظ، والحديث لا يثبت بهذا السياق أما حديث أنس فلا يثبت من جميع وجوهه، وقد خرجته في "تسلية الكظيم".
(١٤) وهذا جزء من حديث يرويه أبو هريرة ﵁ مرفوعًا: "قال ربكم: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة؛ ومن كنت =
[ ١ / ٥١٢ ]
خصمه خصمته" (^١).
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾.
قال الإمام أبو جعفر بن جرير في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ (الآية) (^٢): أي أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالات على نبوتك؛ وتلك الآيات هي ما حواه كتاب الله من خفايا علوم اليهود ومكنونات سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأُ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم، وما حرفه أوائلهم وأواخرهم، وبدلوه من أحكامهم التي كانت في التوراة؛ فأطلع الله في كتابه الذي أنزله (إلى) (^٣) نبيه محمد ﷺ؛ فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف (نفسه) (^٤)، ولم يدعه إلى هلاكها الحسد والبغي؛ إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة تصديق من أتى بمثل ما جاء به محمد ﷺ من الآيات البينات التي وصف من غير تعلم تعلمه من بشر، (ولا أخذ شيء) (^٥) منه عن آدمي.
كما قال الضحاك (^٦)، عن ابن عباس: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ يقول: فأنت تتلوه عليهم، وتخبرهم به غدوةً وعشيةً، وبين ذلك؛ وأنت عندهم أمي لم تقرأ كتابًا؛ وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه؛ يقول الله (تعالى) (^٧): (في ذلك لهم عبرة) (^٨) وبيان، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون.
وقال محمد بن إسحاق (^٩): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير؛ عن
_________________
(١) = خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه ولم يوفه أجره"؛ أخرجه البخاري (٤/ ٤١٧، ٤٤٧).
(٢) في (ع): "بلغ بقراءة الشيخ عماد الدين نفع الله به، وفسح في مدته".
(٣) من (ن).
(٤) في (ض) و(ن): "على".
(٥) في (ن): "من نفسه".
(٦) في (ز) و(ض) و(ن): "ولا أخذ شيئًا" وما أثبته موافق لما عند "الطبري" (٢/ ٣٩٧ - شاكر).
(٧) أخرجه ابن جرير (١٦٣٦) وسنده ضعيف.
(٨) من (ن).
(٩) في (ن): "لهم في ذلك عبرة".
(١٠) أخرجه ابن جرير (١٦٣٧) قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، حدثنا محمد بن إسحاق فذكره ولكن إسناده ضعيف جدًّا. وابن حميد واه، وسلمة فيه مقال. لكن أخرجه ابن جرير (١٦٣٨) قال: حدثنا =
[ ١ / ٥١٣ ]
ابن عباس؛ قال: قال ابن صوريا (الفطيوني) (^١) لرسول الله ﷺ: يا محمد، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك؛ فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩)﴾.
وقال مالك بن الضيف (^٢): حيث بعث رسول الله ﷺ وذكرهم ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد ﷺ: والله ما عهد إلينا في محمد، وما أخذ علينا ميثاقًا؛ فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾.
وقال الحسن البصري (^٣) في قوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: نعم، ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه؛ يعاهدون اليوم وينقضون غدًا.
وقال السدي (^٤): لا يؤمنون بما جاء به محمد ﷺ.
وقال قتادة (^٥): ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ أي: نقضه فريق منهم.
وقال ابن جرير (^٦): أصل النبذ الطرح والإلقاء؛ ومنه سمى اللقيط منبوذًا، ومنه سمي النبيذ، وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء؛ قال أبو الأسود الدؤلي:
نظرت إلى عنوانه فنبذته … كنبذك نعلًا أخلقت من نعالكا
قلت: فالقوم ذمهم الله بنبذهم العهود التي تقدم الله إليهم في التمسك بها والقيام بحقها؛ ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعته وصفته وأخباره؛ وقد أمروا فيها باتباعه ومؤازرته ونصرته؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ …﴾ الآية [الأعراف: ١٥٧]
وقال ها هنا: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ أي: طرح طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم مما فيه البشارة بمحمد ﷺ وراء ظهورهم؛ أي: تركوها، كأنهم لا يعلمون ما فيها، وأقبلوا على تعلم السحر واتباعه؛ ولهذا أرادوا (كيد الرسول) (^٧) ﷺ، وسحروه في مشط (ومشاقة) (^٨) وجف طلعة
_________________
(١) = أبو كريب. وابن أبي حاتم (٩٧٦) من طريق محمد بن عبد الله بن نمير قالا: ثنا يونس بن بكير، ثنا محمد بن إسحاق به. [وسنده حسن].
(٢) كذا في (ج) و(ز) و(ع) و(ل) و(ى) وهو الموافق لما في "ابن جرير"، وقد ضبطها ناسخ (ى)؛ وفي (ض): "النطيوني"؛ وفي (ك): "القطيوني" بالقاف؛ وفي (ن): "القطويني".
(٣) أخرجه ابن جرير (١٦٣٩)؛ وابن أبي حاتم (٩٧٩) من طريق يونس بن بكير ثنا ابن إسحاق بسنده المذكور آنفًا.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٨٠) وسنده ضعيف.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٩٨٢) بسند ضعيف.
(٦) أخرجه ابن جرير (١٦٤١) قال: حدثنا بشر بن معاذ. وابن أبي حاتم (٩٨١) من طريق العباس بن الوليد قالا: ثنا يزيد بن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة. وسنده صحيح.
(٧) في "تفسيره" (٢/ ٤٠١).
(٨) كذا في (ج) و(ض) و(ع) و(ل) و(ى)؛ وفي (ز) و(ن): "كيدًا برسول الله"؛ وفي (ك): "كيد رسول الله".
(٩) أشار ناسخ (ع) أنه وقع في نسخة: "ومشاطة" وهو الأشهر. والمشاقة: هي الشعر الذي يسقط من الرأس واللحية عند التسريح بالمشط.
[ ١ / ٥١٤ ]
ذكر، تحت راعوفة ببئر (ذي أروان) (^١)؛ وكان الذي تولى ذلك منهم رجل يقال له: لبيد بن الأعصم، لعنه الله، (وقبحه) (^٢)؛ فأطلع الله على ذلك رسول الله ﷺ، وشفاه منه، وأنقذه، كما ثبت ذلك مبسوطًا في "الصحيحين" (^٣)، عن عائشة أم المؤمنين ﵂ كما سيأتي بيانه.
قال السدي (^٤): ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ قال: لما جاءهم محمد ﷺ عارضوه بالتوراة، فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة، وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت؛ فلم يوافق القرآن؛ فذلك قوله: ﴿وَكَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقال قتادة (^٥) في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال: إن القوم كانوا يعلمون؛ ولكنهم نبذوا علمهم، وكتموه، وجحدوا به.
وقال العوفي في "تفسيره" (^٦)، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ وكان حين ذهب ملك سليمان، ارتد فئام من الجن والإنس واتبعوا الشهوات؛ فلما (رَجَعَ) (^٧) الله إلى سليمان ملكه، وقام الناس على الدين كما كان، (وأن) (^٨) سليمان ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه، وتوفي سليمان ﵇ حدثان ذلك؛ فظهر الإنس والجن على الكتب بعد وفاة سليمان؛ وقالوا: هذا كتاب من الله نزل على سليمان؛ (أخفاه منا) (^٩)؛ فأخذوا به، فجعلوه دينًا؛ فأنزل الله (تعالى) (^١٠) ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ واتبعوا الشهوات التي كانت (تتلوا الشياطين) (^١١) وهي المعازف واللعب، وكل شيء يصد عن ذكر الله.
وقال ابن أبي حاتم (^١٢): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: كان آصف كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان، ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحروًا وكفرًا؛ وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها.
_________________
(١) في (ن): "ذروان".
(٢) من (ن).
(٣) أخرجه البخاري (٦/ ٢٧٦، ٣٣٤؛ و١٠/ ٢٢١، ٢٣٢، ٢٣٥، ٢٣٦، ٤٧٩؛ و١١/ ١٩٢، ١٩٣)؛ ومسلم (٢١٨٩/ ٤٣، ٤٤).
(٤) أخرجه ابن جرير (١٦٤٤)؛ وابن أبي حاتم (٩٨٢، ٩٨٥) من طريق عمرو بن حماد، ثنا أسباط عن السدي. وليس عند الطبري: "فلم يوافق القرآن". وسنده حسن.
(٥) أخرجه ابن جرير (١٦٤٥) وسنده صحيح.
(٦) ومن طريقه ابن أبي حاتم (٩٩٠) وهو سند مسلسل بالضعفاء.
(٧) في (ل) و(ن): "أرجع".
(٨) كذا سائر "الأصول"؛ وفي (ز): "أو أن".
(٩) في (ز) و(ن): "أخفاه عنا".
(١٠) من (ن).
(١١) ساقط من (ز) و(ض).
(١٢) في "تفسيره" (٩٨٨). وأخرجه النسائي في "تفسيره" (١٤) قال: أخبرنا محمد بن العلاء، عن أبى أُسامة مثله. وسنده جيد. [والخبر من الإسرائيليات].
[ ١ / ٥١٥ ]
قال: فأكفره جهال الناس، وسبوه، ووقف (علماؤهم) (^١)، فلم يزل (جهالهم) (^٢) يسبونه حتى أنزل الله على محمد ﷺ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
وقال ابن جرير (^٣): حدثني أبو السائب سلم بن جنادة السوائي، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان سليمان ﵇ إذا أراد أن يدخل الخلاء، أو يأتي شيئًا من نسائه، أعطى الجرادة - وهي امرأة - خاتمه، فلما أراد الله أن يبتلي سليمان ﵇ بالذي ابتلاه به أعطى الجرادة ذات يوم خاتمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال: هاتي خاتمي، فأخذه ولبسه؛ فلما لبسه دانت له الشياطين والجن والإنس.
قال: فجاءها سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي؛ فقالت: كذبت، لست سليمان؛ قال: فعرف سليمان أنه بلاء ابتلي به. قال: فانطلقت الشياطين، فكتبت في تلك الأيام كتبًا فيها سحر وكفر، (ثم دفنوها) (^٤) تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها (فقرءوها) (^٥) على الناس، وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب، قال: فبرئ الناس من سليمان ﵇ (^٦) (وأكفروه) (^٧) حتى بعث الله محمدًا ﷺ؛ فأنزل عليه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
ثم قال ابن جرير (^٨): حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمران - وهو ابن الحارث - قال: بينما نحن عند ابن عباس رضي الله (عنهما) إذ جاء رجل، فقال له: من أين جئت؟ قال: من العراق. قال: من أيه؟ قال: من الكوفة. قال: فما الخبر؟ قال: تركتهم يتحدثون أن عليًا خارج إليهم، ففزع؟ ثم قال: ما تقول؟ لا أبا لك! لو شعرنا ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، أما إني (سأحدثكم) (^٩) عن ذلك، إنه كانت الشياطين يسترقون السمع من السماء، فيجئ أحدهم بكلمة حق قد سمعها، فإذا (جرب منه صدق) (^١٠) كذب معها سبعين كذبةً؛ قال: فتشربها قلوب الناس، قال: فأطلع الله عليها سليمان ﵇، فدفنها تحت كرسيه.
فلما توفي سليمان ﵇ قام شيطان الطريق؛ فقال: (ألا) (^١١) أدلكم على كنزه الممنع الذي لا كنز له مثله؟ تحت الكرسي.
_________________
(١) في (ن): "علماء الناس".
(٢) في (ن): "جهال الناس".
(٣) في "تفسيره" (١٦٥٤، ١٦٦٠)؛ وابن أبي حاتم (١٠٠٢) مختصرًا وسنده جيد. [والخبر من الإسرائيليات].
(٤) في (ن): "فدفنوها".
(٥) في (ن): "وقرؤها".
(٦) ساقط من (ن).
(٧) في (ن): "كفروه".
(٨) في "تفسيره" (١٦٦٢) وقد توبع محمد بن حميد شيخ الطبري. فتابعه إسحاق بن راهويه فقال: أنبأنا جرير بسنده سواء؛ أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٢٦٥) وسنده صحيح وأخرجه ابن أبي حاتم (٩٩٦) قال: حدثنا علي بن حرب الموصلي، ثنا القاسم بن يزيد، عن سفيان عن حصين بسنده سواء ببعضه.
(٩) كذا في (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ن) و(ى) وكذلك هو في "الطبري"، وفي (ج) و(ل): "سأحدثك".
(١٠) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ل) و(ى)، وضبطها ناسخ (ع). ووقع في (ك) و(ن): "فإذا جرت منه وصدق"؛ وفي "تفسير الطبري": "فإذا حدث منه صدق" ولعل كليهما تصحيف، ولهما في التأويل وجه.
(١١) في (ز) و(ض): "أفلا"؛ وفي (ن): "هل".
[ ١ / ٥١٦ ]
فأخرجوه، فقال: هذا سحر، فتناسخها الأمم حتى (بقاياها) (^١) ما يتحدث به أهل العراق؛ فأنزل الله ﷿: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا …﴾.
(ورواه) (^٢) الحاكم في "مستدركه"، عن أبي زكريا العنبري، عن محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، به.
وقال السدي (^٣): في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي: على عهد سليمان؛ قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة ما يكون في الأرض؛ من موت، أو غيب، أو أمر؛ فيأتون الكهنة فيخبرونهم، فتحدث الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا؛ فلما أمنتهم الكهنة كذبوا لهم، وأدخلوا فيه غيره؛ فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمةً، فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب، وفشا ذلك في بني إسرائيل - أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمان في الناس، فجمع تلك الكتب، فجعلها في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه؛ ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق، وقال: لا أسمع أحدًا يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربت عنقه.
فلما مات سليمان، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف من بعد ذلك خلف تمثل (شيطان) (^٤) في صورة إنسان، ثم أتى نفرًا من بني إسرائيل؛ فقال لهم: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدًا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي، وذهب معهم (فأراهم) (^٥) المكان، وقام ناحيته؛ فقالوا له: فادن؛ فقال: لا، ولكني ها هنا في أيديكم، فإن لم تجدوا فاقتلوني.
فحفروا، فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس والشياطين والطير بهذا السحر، ثم طار وذهب، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحرًا، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب. فلما جاء محمد ﷺ خاصموه بها، فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
وقال الربيع بن أنس (^٦): إن اليهود سألوا محمدًا ﷺ زمانًا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله ﷾ ما سألوه عنه، فيخصمهم، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل الله إلينا منا، وإنهم سألوه عن السحر، وخاصموه به؛ فأنزل الله ﷿: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ وإن الشياطين عمدوا إلى كتاب؛ فكتبوا فيه السحر والكهانة، وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت (مجلس) (^٧) سليمان، وكان ﵇ لا يعلم الغيب، فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك
_________________
(١) كذا في سائر "الأصول"؛ وفي "ابن جرير": "بقاياهم".
(٢) في (ن): "وروى".
(٣) أخرجه ابن جرير (١٦٤٦) بطوله؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (٩٩٣) إلى قوله: "إلا احترق". [وسنده حسن].
(٤) في (ن): "الشيطان".
(٥) في (ز) و(ض) و(ن): "وأراهم".
(٦) أخرجه ابن جرير (١٦٤٧)؛ وابن أبي حاتم (٩٩١). [وسنده جيد لكنه مرسل].
(٧) في (ن): "كرسي".
[ ١ / ٥١٧ ]
السحر، وخدعوا الناس؛ وقالوا: هذا علم كان سليمان يكتمه، (ويحسد) (^١) الناس عليه؛ فأخبرهم النبي ﷺ بهذا الحديث؛ فرجعوا من عنده، وقد (خزيوا) (^٢) (وأدحض) (^٣) الله حجتهم.
وقال مجاهد (^٤) في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ قال: كانت الشياطين تستمع الوحي، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مائتين مثلها، فأرسل سليمان ﵇ إلى ما كتبوا من ذلك، فلما توفي سليمان وجدته الشياطين، وعلمته الناس وهو السحر.
وقال سعيد بن جبير (^٥): كان سليمان يتتبع ما في أيدي الشياطين من السحر، فيأخذه منهم فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته، فلم تقدر الشياطين أن يصلوا إليه، (فَدَنَتْ) (^٦) إلى الإنس؛ فقالوا لهم: (أتدرون العلم) (^٧) الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا: نعم. قالوا: فإنه في بيت خزانته، وتحت كرسيه؛ (فاستثارته) (^٨) الإنس، (واستخرجوه) (^٩) (وعملوا) (^١٠) بها، فقال أهل (الحجا) (^١١): كان سليمان يعمل بهذا، وهذا سحر؛ فأنزل الله تعالى على (لسان) (^١٢) نبيه محمد ﷺ براءة سليمان ﵇، فقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
وقال محمد بن (^١٣) إسحاق بن (يسار) (^١٤): عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود (عليه) (^١٥) السلام، فكتبوا أصناف السحر: من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا فليفعل كذا وكذا، حتى إذا صنفوا أصناف السحر جعلوه في كتاب، ثم ختموه بخاتم على نقش (خاتم) (^١٦) سليمان، وكتبوا في عنوانه: هذا ما كتب اصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود ﵇ (^١٧) من ذخائر كنوز العلم. ثم دفنوه تحت كرسيه، واستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل (حتى) (^١٨)
_________________
(١) كذا في (ز) و(ض) و(ع) و(ن) و(ى). ووقع في (ج): "يفسد"؛ وفي (ل): "يحشر".
(٢) كذا في (ج) و(ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى). ووقع في (ل): "حزنوا" بزاي ونون؛ وفي (ن): "وقد خرجوا".
(٣) في (ج): "فأدحض"؛ وفي (ن): "وقد أدحض".
(٤) أخرجه ابن جرير (١٦٦٥) وسنده ضعيف.
(٥) أخرجه ابن جرير (١٦٥٩) قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير به. وسنده ضعيف جدًّا. ومحمد بن حميد تقدم ذكرنا له بالوهاء غير مرة. ويعقوب بن عبد الله القمي مختلف فيه وهو متماسك. وجعفر بن أبي المغيرة وثقه ابن حبان وابن شاهين وقال الذهبي: "كان صدوقًا" ولكن قال ابن منده: "ليس بالقوي في سعيد بن جبير". وروايته هنا عنه.
(٦) في (ز) و(ض): "فدبت" بالباء الموحدة والتاء المثناة من فوق.
(٧) في (ل): "أتدرون أن العلم".
(٨) في (ز) و(ض): "فاستثار به".
(٩) في (ض) و(ن): "وأخرجوه".
(١٠) في (ل): "فعلموا".
(١١) في (ك) و(ن): "الحجاز" وكذلك هي في "تفسير الطبري" ولا معنى لها عندي، وكتب ناسخ (ى) تحتها: "العقل"، فهو يفسرها.
(١٢) ساقط من (ز) و(ن).
(١٣) أخرجه ابن جرير (١٦٥٠، ١٦٦٧).
(١٤) في (ك): "بشار"، وهو غلط يده.
(١٥) في (ك): "عليهما".
(١٦) ساقط من (ل).
(١٧) من (ز) و(ض) و(ع) و(ى)؛ وفي (ج): "﵇" وسقط من (ك) و(ل).
(١٨) في (ج): "حين".
[ ١ / ٥١٨ ]
أحدثوا ما أحدثوا، فما عثروا عليه قالوا: والله ما كان (سليمان) (^١) إلا بهذا، فأفشوا السحر في الناس، (فتعلموه وعلموه) (^٢)، فليس هو في أحد أكثر منه في اليهود لعنهم الله، فلما ذكر رسول الله ﷺ - فيما نزل عليه من الله - سليمان بن داود، وعده فيمن عد من المرسلين، قال من كان بالمدينة من (يهود) (^٣): ألا تعجبون من محمد؟! يزعم أن ابن داود كان نبيًا، والله ما كان إلا ساحرًا؛ وأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ الآية.
وقال ابن جرير (^٤): حدثنا القاسم، حدثنا حسين، حدثنا حجاج، عن أبي بكر، عن شهر بن حوشب؛ قال: لما سلب سليمان ملكه كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان؛ فكتبت: من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس، وليقل كذا وكذا. ومن أراد أن يفعل كذا وكذا فليستدبر الشمس، وليقل كذا وكذا. فكتبته وجعلت عنوانه: هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود ﵇ من ذخائر كنوز العلم؛ ثم دفنته تحت كرسيه. فلما مات سليمان ﵇ قام إبليس - لعنه الله - خطيبًا، فقال: يا أيها الناس؛ إن سليمان لم يكن نبيًا، إنما كان ساحرًا، فالتمسوا سحره في متاعه وبيوته؛ ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه؛ فقالوا: والله لقد كان سليمان ساحرًا، هذا سحره، بهذا تعبدنا، وبهذا قهرنا. فقال المؤمنون: بل كان نبيًا مؤمنًا.
فلما بعث الله النبي (محمدًا) (^٥) ﷺ (جعل يذكر الأنبياء) (^٦) (حتى) (^٧) ذكر داود وسليمان؛ فقالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء؛ إنما كان ساحرًا يركب الريح؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ …﴾ الآية.
وقال ابن جرير (^٨): حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، حدثنا المعتمر بن سليمان؛ قال: سمعت عمران بن (حدير) (^٩)، عن أبي مجلز؛ قال: أخذ سليمان ﵇ من كل دابة عهدًا، فإذا (أصيب رجل) (^١٠) فسأل بذلك العهد خلي عنه، (فزاد) (^١١) الناس السجع والسحر؛ فقالوا: هذا يعمل به سليمان (بن داود ﵇ (^١٢)؛ فقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
_________________
(١) في حاشية (ن): "ملك سليمان".
(٢) ساقط من (ز).
(٣) في (ن): "اليهود".
(٤) أخرجه ابن جرير (١٦٦٦) من طريق حجاج بن محمد الأعور، عن أبي بكر، عن شهر بن حوشب به. وسنده ضعيف جدًّا. وأبو بكر هو الهذلي كذبه ابن معين في رواية، وقال النسائي: "ليس بثقة" وتركه الدارقطني وغيره. وقال ابن حبان: "يروى عن الأثبات الأشياء الموضوعات".
(٥) من (ن) و"تفسير الطبري".
(٦) من (ك) و"تفسير الطبري".
(٧) وقع في (ج) و(ل) و(ن) و(ى): "حين".
(٨) في "تفسيره" (١٦٦١) وسنده صحيح.
(٩) في (ن) و(ك): "جرير" وهو تصحيف.
(١٠) في (ج) و(ض) و(ع) و(ل) و(ى): "تصيب رجلًا".
(١١) كذا في سائر "الأصول"؛ وفي "تفسير الطبري": "فرأى" وصوبها الشيخ محمود شاكر.
(١٢) من (ن).
[ ١ / ٥١٩ ]
وقال ابن أبي حاتم (^١): حدثنا عصام بن رواد، حدثنا آدم، حدثنا المسعودي، عن زياد مولى (مصعب) (^٢)، عن الحسن: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ قال: ثلث الشعر، وثلث السحر، وثلث الكهانة.
وقال (^٣): حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي، حدثني سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (وأتبعته) (^٤) اليهود على ملكه؛ وكان السحر قبل ذلك في الأرض لم يزل بها، ولكنه إنما اتبع على ملك سليمان.
فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام. ولا يخفى ملخص القصة والجمع بين أطرافها، وأنه لا تعارض بين السياقات على اللبيب (الفهم) (^٥). والله الهادي.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي: واتبعت اليهود الذين أوتوا الكتاب من بعد إعراضهم عن كتاب الله الذي بأيديهم، ومخالفتهم (الرسول محمدًا ﷺ) (^٦) ما تتلوه الشياطين؛ أي: ما ترويه وتخبر به، وتحدثه الشياطين، على ملك سليمان. وعداه بـ"على"؛ لأنه ضمن "تتلو" تكذب.
وقال ابن جرير (^٧): "على" ها هنا بمعنى "في"؛ أي: تتلو في ملك سليمان. ونقله عن ابن جريج وابن إسحاق.
قلت: والتضمين أحسن وأولى. والله أعلم.
وقول الحسن البصري ﵀: وقد كان السحر قبل (زمن) (^٨) سليمان بن داود - صحيح لا شك فيه؛ لأنه السحرة كانوا في زمان موسى ﵇ وسليمان بن داود بعده؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ …﴾ [البقرة: ٢٤٦] ثم (ذكر) (^٩) القصة بعدها؛ وفيها ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وقال قوم صالح، وهم قبل إبراهيم الخليل ﵇ لنبيهم صالح: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣] أي: المسحورين على المشهور (^١٠).
_________________
(١) في "تفسيره" (٩٨٩) ورجاله ثقات، والمسعودي كان اختلط.
(٢) كذا في (ج) وهو الموافق لما في "تفسير ابن أبي حاتم". ووقع في سائر "الأصول": "ابن مصعب"، والصواب ما أثبت وهو زياد المصفر أبو عثمان مولى مصعب بن الزبير يروى عن الحسن البصري وثابت البناني. ترجمه البخاري في "التاريخ الكبير" (٢/ ١/ ٣٦٩)؛ وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (١/ ٢/ ٥٥٣) ونقل عن أبيه قال: "كوفي لا بأس بحديثه". وذكره ابن حبان في "الثقات" (٦/ ٣٢٨).
(٣) يعني: ابن أبي حاتم. وهو في "تفسيره" (٩٩٢) وسنده ضعيف.
(٤) في (ن): "تبعته".
(٥) في (ك): "الفهيم".
(٦) في (ع) و(ى): "الرسول ﷺ"؛ وفي (ن): "لرسول الله محمد".
(٧) في "تفسيره" (٢/ ٤١١ - شاكر).
(٨) في (ز) و(ن): "زمان".
(٩) من (ز) و(ن).
(١٠) في هامش (ع): "بلغ مقابلة على المصنف، فسح الله في مدته، معارضًا بأصله، ولله الحمد".
[ ١ / ٥٢٠ ]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ اختلف الناس في هذا المقام؛ فذهب بعضهم إلى أن "ما" نافية، أعني التي في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾.
[قال القرطبي (^١): "ما" نافية، (ومعطوفة) (^٢) على قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾] (^٣).
[ثم قال: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ (أي: السحر) (^٤) وذلك أن اليهود كانوا يزعمون أنه نزل به جبريل وميكائيل، فأكذبهم الله. وجعل قوله: ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ بدلًا من "الشياطين"؛ قال: وصح ذلك إما لأن الجمع يطلق على الاثنين، كما في قوله (تعالى) (^٥): ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] أو لكونهما لهما أتباع، أو ذكرا من بينهم لتمردهما؛ فتقدير الكلام عنده: يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت.
ثم قال: وهذا أولى ما حملت عليه الآية، وأصح. ولا يلتفت إلى ما سواه] (^٦).
وروى ابن جرير (^٧) بإسناده، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ …﴾ الآية؛ يقول: لم ينزل الله السحر.
وبإسناده (^٨) عن الربيع بن أنس، في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ قال: ما أنزل الله عليهما السحر.
قال ابن جرير (^٩): فتأويل الآية على هذا: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ من السحر، وما كفر سليمان، ولا أنزل الله السحر على الملكين، ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت؛ فيكون قوله ببابل هاروت وماروت من المؤخر الذي معناه (المقدم) (^١٠).
قال: فإن قال لنا قائل: كيف وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ من السحر، ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ وما أنزل (الله السحر) (^١١) على الملكين، ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ببابل هاروت وماروت؛ فيكون معنيًا بالملكين جبريل وميكائيل ﵇؛ لأن سحرة اليهود فيما ذكر كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك، وأخبر نبيه محمدًا ﷺ أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرأ سليمان ﵇ مما نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان: اسم أحدهما
_________________
(١) في "تفسيره" (٢/ ٥٠).
(٢) في (ن): "معطوف".
(٣) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى).
(٤) من (ج) و(ل). وسقطت من (ن).
(٥) من (ن).
(٦) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى).
(٧) رقم (١٦٧٠)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١٠٠٤) وسنده ضعيف.
(٨) رقم (١٦٧١)؛ وأخرجه ابن أبي حاتم (١٠٠٥). [وسنده جيد].
(٩) في "تفسيره" (٢/ ٤١٩، ٤٢٠).
(١٠) في "تفسير الطبري": "التقديم".
(١١) في (ن) وهو في "تفسير الطبري"، ولكن المحقق وضعها بين معكوفين، فكأنها ليس في "الأصل" وزادها من "تفسير ابن كثير" والله أعلم.
[ ١ / ٥٢١ ]
هاروت، واسم الآخر ماروت؛ فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمةً عن الناس، وردًا عليهم.
هذا لفظه بحروفه.
وقد قال ابن أبي حاتم (^١): (حدثت) (^٢) عن عبيد الله بن موسى، أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ قال: ما أنزل (الله) (^٣) على جبريل وميكائيل السحر.
(قال ابن أبي حاتم) (^٤): وحدثنا الفضل بن شاذان، أخبرنا محمد بن عيسى، أخبرنا يعلى - يعني: ابن أسد، أخبرنا (بكر) (^٥) -؛ يعني: ابن مصعب، أخبرنا الحسن بن أبي جعفر: أن عبد الرحمن بن أبزى كان يقرؤها: "وما أنزل على الملكين داود وسليمان".
وقال أبو العالية: لم ينزل عليهما السحر؛ يقول علما الإيمان والكفر؛ فالسحر من الكفر؛ فهما ينهيان عنه أشد النهي.
رواه ابن أبي حاتم (^٦).
ثم شرع ابن جرير (^٧) في رد هذا القول، وأن "ما" بمعنى الذي، وأطال القول في ذلك، وادعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض، وأذن لهما في تعليم السحر، اختبارًا لعباده وامتحانًا، بعد (أن) (^٨) بيَّن لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل. وادعى أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك؛ لأنهما امتثلا ما أُمرا به.
وهذا الذي سلكه غريب (^٩) جدًّا، وأغرب منه قول من زعم أن هاروت وماروت قبيلان من الجن، (كما زعمه ابن حزم) (^١٠).
وروى ابن أبي حاتم (^١١) بإسناده عن الضحاك بن مزاحم أنه كان يقرؤها: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ ويقول: هما علجان من أهل بابل. ووجه أصحاب هذا القول الإنزال بمعنى الخلق، لا بمعنى الإيحاء في قوله (تعالى) (^١٢): ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ
_________________
(١) في "تفسيره" (١٠٠٦) وسنده ضعيف كما هو ظاهر.
(٢) في (ض): "حديث"!
(٣) لفظ الجلالة من "ز".
(٤) من (ن) و(ع) و(ى) وهو في "تفسيره" (١٠٠٧) وسنده ضعيف جدًّا. وبكر بن مصعب لم أقف له على ترجمة. والحسن بن أبي جعفر رديء الحفظ. تركه النسائي. وقال البخاري: "منكر الحديث" وهو جرح شديد عنده.
(٥) في "ج" و(ك) و(ل): "بكير".
(٦) في "تفسيره" (١٠٠٥). [وسنده جيد].
(٧) في "تفسيره" (٢/ ٤٢١، ٤٢٢).
(٨) في (ج) و(ض) و(ع) و(ل): "أنه".
(٩) وهذا الذي استغربه ابن كثير ﵀ تعقبه فيه الشيخ محمود شاكر ﵀ في تعليقه على "تفسير الطبري" (٢/ ٤٢٢) فقال: "ولست أستنكر ما قاله أبو جعفر كما استنكره ابن كثير، ولو أنت أنصفت وتتبعت كلام أبي جعفر لرأيت فيه حجةً ساطعةً على صواب مذهبه الذي ذهب إليه، ولرأيت دقةً ولطفًا في تناول المعاني وتدبير الألفاظ، لا تكاد تجدها في غير هذا التفسير الجليل القدر". اهـ.
(١٠) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى)، وكلام ابن حزم في "الفصل" (٣/ ٣٠٥).
(١١) في "تفسيره" (١٠٠٩) وسنده ضعيف.
(١٢) من (ن).
[ ١ / ٥٢٢ ]
الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]. ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد: ٢٥]. ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣].
وفي الحديث (^١): "ما أنزل الله داءً إلا أنزل له دواءً"؛ وكما يقال: "أنزل الله الخير والشر".
[وحكى القرطبي (^٢) عن ابن عباس، وابن أبزى (والضحاك) (^٣)، والحسن البصري أنهم قرءوا: ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ بكسر اللام؛ قال ابن أبزى: وهما داود، وسليمان. قال القرطبي: فعلى هذا تكون ما نافية أيضًا] (^٤). وذهب آخرون إلى الوقف على قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (و"ما" نافية) (^٥).
[قال ابن جرير (^٦): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، وسأله رجل عن قول الله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾] (^٧) فقال (الرجل) (^٨): يعلمان الناس ما أنزل عليهما أو يعلمان الناس ما لم ينزل عليهما؛ فقال القاسم: ما أبالي أيتهما كانت.
ثم روى (^٩) عن يونس، عن أنس بن عياض، عن بعض أصحابه: أن القاسم قال في هذه القصة: لا أبالي أي ذلك كان. إني آمنت به.
وذهب (كثيرون) (^١٠) من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض، فكان من أمرهما ما كان.
وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه الإمام أحمد في "مسنده" ﵀، كما سنورده إن شاء الله تعالى.
[وحكاه القرطبي (^١١) عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر وكعب الأحبار، والسدي، والكلبي] (^١٢).
[وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا وبين ما ورد من الدلائل على عصمة الملائكة أن هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصًا لهما، فلا تعارض حينئذٍ كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق، وفي قول: إنه كان من الملائكة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ [البقرة: ٣٤] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك، مع أن شأن هاروت وماروت على ما ذكر أخف مما وقع من إبليس لعنه الله (تعالى) (^١٣)] (^١٤).
_________________
(١) وهو حديث صحيح. أخرجه البخاري (١٠/ ١٣٤).
(٢) في "تفسيره" (٢/ ٥٢).
(٣) ساقط من (ن).
(٤) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ى).
(٥) ساقط من (ز) و(ض).
(٦) في "تفسيره" (١٦٧٨) وسنده صحيح.
(٧) ساقط من (ك).
(٨) في (ن): "الرجلان"!
(٩) رقم (١٦٧٩) وسنده ضعيف لجهالة من حدث أنس بن عياض.
(١٠) في (ن): "كثير".
(١١) في "تفسيره" (٢/ ٥١).
(١٢) ساقط من (ز) و(ض) و(ع) و(ك) و(ى)، وتأخرت هذه الفقرة في (ن) عن الفقرة التي تليها.
(١٣) من (ن).
(١٤) ساقط من (ج) و(ل).
[ ١ / ٥٢٣ ]