المقدمة
قَالَ (^١) الشَّيخُ، الإِمَامُ، العالِمُ، العلَّامَةُ، الأوْحَدُ، البارعُ، الحافظُ، المُتْقِنُ، المجتهدُ، القُدْوةُ، علَّامةُ العُلمَاءِ، وَارِثُ الأَنْبِيَاءِ، بَرَكَةُ الإسلامِ، وَحُجَّةُ الأعْلَام، محيي السُّنَّةِ، ومَنْ عَظُمَتْ بِهِ لله علينا المِنَّةُ، عِمَادُ الدِّينِ (أَبُو الفِدَاءِ) (^٢) إسمَاعيلُ بْنُ الخَطِيب أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ البَصْرَاوِيُّ الشَّافِعِيُّ، نَفَعَ اللهُ بِهِ، وحَفِظَهُ بِعَيْنِهِ، وأَمَدَّهُ بِقُوَّتِهِ، وَأَدْخَلَهُ الجَنَّة بِمَنّهِ وَكَرَمِهِ:
الحمد لله الذي افتتح كتابه بالحمد، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة] وقال (تعالى) (^٣): ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ [الكهف].
وافتتح خَلْقه بالحمد، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ [الأنعام].
واختتمه بالحمد، فقال -بعد ما ذكر مآلَ أهلِ الجنة وأهل النار-: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر]. ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ [القصص].
كما قال (تعالى) (^٤): ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾ [سبأ].
فله الْحَمْدُ في الأولى والآخرة؛ أي: في جميع ما خلق وما هو خالقٌ، وهو المحمودُ في ذلك كلِّه، كما يقولُ المُصَلِّي: "اللَّهمَّ ربَّنا لك الحمدُ، ملءَ السَّمواتِ وملءَ الأرضِ وملءَ ما شئتَ من شيءٍ بَعْدُ" (^٥).
ولهذا يُلْهَمُ أهلُ الجنَّة تسبيحَهُ وتحمِيْدَهُ، كما يُلهَمُونَ النَّفَسَ؛ أي: يسبِّحونه ويحمدونه عددَ
_________________
(١) هذه الألقاب لم تنتظم كلها في نسخة واحدة، وقد لفقتها من (ج) و(ك) و(ل) و(ى).
(٢) وقع في (ج) و(ل): "أبو الفضل" وفي (ى): "أبو الوفاء"!
(٣) من (ك) و(ن) و(ى).
(٤) من (ن).
(٥) هذا جزء من حديث طويل: أخرجه مسلم (٧٧١/ ٢٠١، ٢٠٢)، من حديث علي بن أبي طالب ﵁ وقد ورد عن ثمانية من الصحابة، استوفيت أحاديثهم تخريجًا في "تسلية الكظيم" فللَّه الحمد.
[ ١ / ٣ ]
أنفاسهم؛ لما يرون من عظيم نعمِهِ عليهم، وكمالِ قدرته، (ودوام) (^١) سلطانه، وتوَالى مِنَنه، (وإحسانِهِ) (^٢)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾ [يونس].
والحمد لله الذي أرسل رسُلَه ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وختمهم بالنَّبي الأمي العربي، المكيِّ الهادي لأوضح السُّبُلِ، أرسَلهُ إلى جميع خَلْقه من الإنْسِ والجنِّ من لَّدُنْ بعثته إلى قيام السَّاعةِ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف] وقال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] فمن بلَغَهُ هذا القرآنُ من عربٍ وعَجمٍ، وأسودَ وأحمرَ، وإنْسٍ وجانٍّ، فهو نذيرٌ له؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] فمن كفر بالقرآن مِمَّنْ ذكرنا فالنَّارُ موعِدُه بنصِّ اللهِ تعالى؛ وكما قال (تعالى) (^٣): ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ (^٤) [القلم: ٤٤، ٤٥].
وقال رسولُ الله ﷺ: "بُعِثْتُ إِلى الأَحْمَرِ والأسْوَدِ" (^٥) قال مجاهدٌ (١/ ٢/ ١): يعني الإنسَ والجنَّ؛ فهُو، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِ، رسولُ اللهِ إلى جميع الثَّقَلين: الإنسِ والجنِّ، مُبَلِّغًا لهم عن اللهِ تعالى ما أوحاهُ إليه من هذا الكتابِ العزيزِ الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت].
وقد أعلمهم فيه عن الله تعالى أنه ندبهم (إلى) (^٦) تَفَهُّمِهِ؛ فقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء]. وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص] وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد].
فالواجبُ على العلماءِ الكشفُ عن معاني كلامِ اللهِ، وتفسيرُ ذلكَ، وطلبُه من مَظَانّهِ، وتعلُّمُ ذلك وتعليمُه؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ [آل عمران].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾ [آل عمران] فذمَّ الله تعالى أهلَ الكتابِ قَبْلَنَا بإعراضِهِم عن كتابِ الله (المنزل) (^٧) (عليهم) (^٨)، وإقبالِهم
_________________
(١) في (ك) و(ن) و(ى): "عظيم"، وأشار في حاشية (ى) أنه وقع في نسخة: "دوام".
(٢) في (ن): "ودوام إحسانه إليهم".
(٣) من (ن).
(٤) من (ز).
(٥) أخرجه مسلم (٥٢١/ ٣)، والبخاري (١/ ٤٣٥، ٤٣٦، ٥٣٣) من حديث جابر ﵁.
(٦) في (ز): "فيه"!
(٧) ساقط من (ز) و(ك).
(٨) في (ز) و(ك): "إليهم".
[ ١ / ٤ ]
على الدنيا وجَمْعِها، واشتغالِهم بغيرِ ما أُمروا به من اتِّباع كتاب الله.
فعلينا أيُّها المسلمُون أنْ ننتهيَ عمَّا ذمَّهُمُ الله تعالى بِهِ، وأَنْ نَأْتِمرَ بما (أَمَرَنَا اللهُ به) (^١) من تعلُّم كتابِ الله المنَزَّلِ إلينا وتعليمِهِ، وتفهُّمِه وتفهيمه؛ قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧﴾ [الحديد] ففي ذِكْره -تعالى- لهذه الآية بعدَ الَّتي قبلَهَا تنبيهٌ على أنَّه -تعالى- كما يُحْيي الأرضَ بعدَ مَوتها كذلك يُليِّنُ القلوبَ بالإِيمانِ والهُدَى بعد قَسْوتها من الذنوب والمعاصي؛ والله المؤَمَّلُ المسؤولُ أنْ يفعل بِنَا (ذلك) (^٢)، إنه جوادٌ كريمٌ.
فإنْ قَالَ قائلٌ: فَمَا أَحْسَنُ طرقِ التَّفسيرِ؟
فالجوابُ: أَنَّ أصحَّ (الطُّرُقِ) (^٣) في ذَلِكَ أن يفسَّرَ القرآنُ بالقرآنِ، فما أُجْمِلَ في مكانٍ فَإِنَّه قد (فُسِّرَ) (^٤) في مَوْضعٍ آخرَ. (وما اختصر في مكان فإنه قد بسط في موضع آخر) (^٥) فإنْ أعياكَ ذلك فَعَليْكَ بالسُّنَّةِ، فإنَّها شارحةٌ للقرآنِ وموضِّحَةٌ له؛ بل قد قال الإمامُ أبو عبدِ الله محمد بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعيُّ رحمهُ اللهُ تعالى: كُلُّ ما حكمَ به رَسُولُ الله ﷺ فهو مما فَهِمه مِنَ القرآنِ؛ قَالَ اللهُ تَعالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ [النحل]. وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
ولهذا قال رسولُ الله ﷺ: "أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ القُرْآنَ ومِثْلَه مَعَهُ" (^٦)؛ يعني: السنَّة.
_________________
(١) في (ز) و(ن) و(ى): "أمرنا به" لما لم يسم فاعله.
(٢) في (ن): "هذا".
(٣) في (ن): "الطريق".
(٤) في (ن) و(ى): "بِسط".
(٥) ساقط من (ك) و(ن) و(ز).
(٦) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (٤٦٠٤) واللفظ له، وأحمد (٤/ ١٣١)؛ وابن حبان (١٢)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ٢٠/ رقم ٦٦٩، ٦٧٠)، وفي "مسند الشاميين" (١٠٦١)؛ والطحاوي في "شرح المعاني" (٤/ ٢٠٩)؛ والآجري في "الشريعة" (٥١)؛ والبيهقي في "السنن الكبرى" (٩/ ٣٣٢)؛ وفي "الدلائل" (٦/ ٥٤٩)؛ وابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ١٥٠) من طريقين عن عبد الرحمن بن أبي عوف الحمصي، عن المقدام بن معدي كرب مرفوعًا: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، ألا لا يحل لكم لحم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد، إلا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه". وهو عند بعضهم مختصر. وأخرج ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٨٥٨) الفقرة الأخيرة منه. وسنده جيد. وله طريق آخر. أخرجه الترمذي (٢٦٦٤)؛ وابن ماجه (١٢)؛ والدارمي (١/ ١٤٤)؛ وأحمد (٤/ ١٣٢)؛ والطحاوي (٤/ ٢٠٩)؛ والحاكم (١/ ١٩٠)؛ والطبراني (ج ٢٠/ رقم ٦٤٩)؛ وابن عبد البر في "الجامع" (١/ ١٠٩)؛ والبيهقي (٧/ ٧٦)، و(٩/ ٣٣١) من طرق عن معاوية بن صالح، عن الحسن بن جابر، عن المقدام بنَ معدي كرب مرفوعًا نحوه.
[ ١ / ٥ ]
والسُّنةُ -أيضًا- تنزلُ عليه بالوحي، كما ينزِلُ القرآنُ، إِلَّا أنَّها لا تُتْلى كما يُتْلَى القرآنُ (١/ ٢/ ٢). وقد استدلَّ الإمامُ الشافعيُّ ﵀ وغيرُهُ من الأئمَّةِ على ذلكَ بأدلةٍ كثيرةٍ ليس هذا موضعَ (ذكرِ) (^١) ذلك.
والغرضُ أنَّكَ تطلبُ تفسيرَ القرآنِ منه، فإنْ لم تجدْهُ فمن السُّنَّةِ كما قال رسولُ الله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "فَبِم تحكُمُ؟ " قال: بكتابِ اللهِ. قَالَ: "فإنْ لم تجِدْ؟ " قال: بِسُنَّةِ رسولِ اللهِ، قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهدُ رَأْيي. قال: فَضَربَ رسولُ الله ﷺ في صَدْرِهِ، وقال: "الحمدُ لله الَّذي وَفَّقَ رسولَ رسولِ الله لما يُرضي رسولَ اللهِ" (^٢).
وهذا الحديث في (المسانِدِ) (^٣) و"السنن" بإسنادٍ جَيِّدٍ كما هُوَ مقَرَّرٌ في مَوْضِعِه.
وحينئذٍ: إذا لم نجد التفسيرَ في القرآن ولا في السنَّة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة؛ فإنهم أَدْرَى بذلك؛ لما شاهدوا من القرائنِ والأحوالِ التي اختصُّوا بها، ولما لهم من الفَهْم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لاسيما علماؤهم وكبراؤهم؛ كالأئمَّة الأربعةِ الخلفاءِ الرَّاشدينَ، والأئمةِ المَهْدِيِّين، وعبدِ الله بنِ مسعودٍ ﵃.
قال الإمامُ أبو جعفرٍ (محمَّدُ) (^٤) بنُ جريرٍ الطبري: حدثنا أبو كُرَيب، ثَنَا جابرُ بنُ نوحٍ، ثَنَا الأعمشُ، عن أبي الضُّحى، عن مسروقٍ؛ قال: قال عبدُ الله -يعني ابنَ مسعودٍ-: والَّذي لا إلهَ غيرُهُ، ما (نزلت) (^٥) آيةٌ من كتاب الله إلا وَأَنَا أعلمُ (فيمن) (^٦) نَزَلتْ، (وأين نَزَلَت) (^٧)، ولو أَعلمُ (مكان) (^٨) أحدٍ أعلمَ بكتابِ الله منِّي تنالُهُ المطايا لَأَتيْتُهُ (^٩).
_________________
(١) = قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه". وقال الحاكم: "إسناده صحيح". كذا! وفيه تسامح ذكرته في "الأصل". وفي الباب عن جماعة من الصحابة ﵃، منهم: أبو هريرة، وأبو رافع، وجابر، والعرباض بن سارية.
(٢) من (ج) و(ل).
(٣) منكر. أخرجه أبو داود (٣٥٩٢، ٣٥٩٣)؛ والترمذي (١٣٢٧)؛ وأحمد (٥/ ٢٣٠، ٢٤٢)؛ والدارمي (١/ ٥٥)؛ والطيالسي (٥٥٩)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ١٧٧)؛ وابن سعد في "الطبقات" (٢/ ٣٤٧، ٥٨٤)؛ والعقيلي في "الضعفاء" (١/ ٢١٥)؛ وابن عبد البر في "الجامع" (٢/ ٥٥، ٥٦)؛ والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١٥٤، ١٥٥)؛ والبيهقي في "الكبرى" (١٠/ ١١٤)؛ والجوزقاني في "الأباطيل" (١٠١)؛ وابن الجوزي في "العلل المتناهية" (١٢٦٤) من طرق عن شعبة، عن أبي عون الثقفى، عن الحارث بن عمرو، عن ناس من أصحاب معاذ، عن معاذ .. فذكره. وعزاه المصنف في "تفسير سورة الحجرات" لابن ماجه فوهم. وهذا حديث منكر، ضعفه صيارفة هذا الفن: البخاري، والترمذي، والعقيلي، وابن عدي، والدارقطني في آخرين ذكرهم شيخنا أبو عبد الرحمن الألباني في بحث ممتع له حول هذا الحديث في "الضعيفة" (٨٨١) فانظره لزامًا.
(٤) وقع في (ك) و(ل) و(ن): "المسانيد"، وأشار في هامش (ن) أن في بعض النسخ "المسند".
(٥) زيادة من (ز) و(ع) و(ك) و(ى).
(٦) في (ج): "نزل".
(٧) في (ك): "فيم".
(٨) ساقط من (ج).
(٩) ساقط من (ن).
(١٠) أخرجه ابن جرير (٨٣). وأخرجه البخاري (٩/ ٤٧)؛ ومسلم (٢٤٦٣/ ١١٥)، من طريق الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق به.
[ ١ / ٦ ]
وقال الأعمش (^١) أيضًا، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: كان الرَّجُلُ منَّا إذا تعلَّمَ عشرَ آياتٍ لم يُجاوزْهُنَّ حتَّى يعرفَ معانِيهِنَّ والعَمَلَ بِهِنَّ.
وقال أبو عبدِ (^٢) الرَّحمن السُّلَمي: حدَّثنا الذين كانوا يُقرِئُونَنَا أَنَّهم كانُوا يستقرئون من النَّبي ﷺ، فكانوا إذا تعلَّموا عَشْرَ آياتٍ لم يخلِّفُوها حتى يعملوا بما فيها من العمَل، فتعلَّمنَا القرآنَ والعَمَلَ جَمِيعًا.
ومنهم: الحبرُ البَحْرُ (^٣) عبدُ الله بنُ عبَّاسٍ ابنُ عمِّ رسولِ الله ﷺ وترجمانُ القرآنِ ببركةِ دعُاءِ رسولِ اللهِ ﷺ له حيثُ قال: "اللَّهُمَّ فَقِّههُ في الدِّينِ وعَلِّمهُ التَّأوِيلَ" (^٤).
وقال ابنُ (^٥) جريرٍ: حدثنا محمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، ثَنَا وَكيعٌ، ثَنَا سفيانٌ، عن الأعمش، عن مسلم
_________________
(١) أخرجه ابن جرير (٨١) من طريق الحسين بن واقد، عن الأعمش به وسنده صحيح.
(٢) صحيح. أخرجه ابن جرير (٨٢) قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن السلمي فذكره. قال الشيخ أبو الأشبال ﵀: "هذا إسناد صحيح متصل"! كذا قال! ومحمد بن حميد شيخ الطبري واه، وقد كذبه جماعة من أهل الري، وطوح الشيخ بقول الجارحين له إذ قال في "شرح الترمذي" (٢/ ٥٠٣، ٥٠٤): "ونستخير الله في أنه ثقة"! وقد ناقشته في "بذل الإحسان" (١/ ٢٠٣ - ٢٠٥) فراجعه. ولكن له طريق آخر. فأخرجه ابن سعد في "الطبقات" (٦/ ١٧٢) قال: أخبرنا حفص بن عمر الحوضي، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا عطاء بن السائب أن أبا عبد الرحمن السلمي قال: فذكره بنحوه وزاد: "وإنه سيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء، لا يجاوز تراقيهم، بل لا يجاوز هاهنا". ووضع يده على الحلق. وهذا إسناد صحيح، وحماد بن زيد كان ممن سمع من عطاء قبل اختلاطه كما قال النسائي والعقيلي. وأخرجه أحمد (٥/ ٤١٠)؛ وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٦٠)؛ وعبد الرزاق (٣/ ٣٨٠)؛ والحاكم (١/ ٥٥٧). وعنه البيهقي في "الشعب" (٤/ ٥١٠) من طرق عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن به.
(٣) كذا سماه مجاهد بن جبر: أخرجه أحمد في "فضائل الصحابة" (١٩٢٠)؛ وابن سعد (٢/ ٣٦٦)؛ ويعقوب بن سفيان في "المعرفة" (١/ ٤٩٦)؛ والطبري في "تهذيب الآثار" (٢٧٦ - مسند ابن عباس)؛ والبلاذري في "أنساب الأشراف" (٣٣)؛ والحاكم (٣/ ٥٣٥)؛ وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣١٦)؛ والخطيب في "تاريخه" (١/ ١٧٤) بسند صحيح عن مجاهد قال: "كان ابن عباس ﵁ يسمى "البحر" من كثرة علمه". وأخرج نحوه أحمد في "الفضائل" (١٨٧٥)؛ وابن سعد (٢/ ٣٦٦) عن عطاء.
(٤) صحيح. أخرجه أحمد (١/ ٢٦٦، ٣١٤، ٣٢٨، ٣٣٥)؛ وفي "الفضائل" (١٨٥٦، ١٨٥٨، ١٨٨٢)؛ وابن أبي شيبة (١٢/ ١١١، ١١٢)؛ وابن سعد في "الطبقات" (٢/ ٣٦٥)؛ ويعقوب بن سفيان في "تاريخه" (١/ ٤٩٣، ٤٩٤). وكذا ابن حبان (٧٠٥٥)؛ والحاكم (٣/ ٥٣٤)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ١٠/ رقم ١٠٥٨٧) من طريق حماد بن سلمة وزهير بن معاوية، كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كنت في بيت ميمونة بنت الحارث، فوضعت لرسول الله ﷺ طهورًا، فقال: "من وضع هذا؟ " قالت ميمونة: عبد الله. فقال: "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل". وهذا سند جيد وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٥) صحيح. أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٠٤). وأخرجه أحمد في "الفضائل" (١٨٦٠، ١٨٦١)؛ وأبو خيثمة في "كتاب العلم" (٤٨)، وابن سعد =
[ ١ / ٧ ]
- قال:- قال عبد الله؛ يعني: ابْنَ مسْعُودٍ: نِعْمَ ترجمان القرآنِ ابنُ عَبَّاسٍ. ثم رواه (^١) عن يحيى بن داود، عن إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن الأعمش، عَنْ مسلمِ بنِ صُبَيحٍ، أَبي الضُّحى، عن مسروقٍ، عن ابنِ مسعودٍ- أنه قَالَ: نِعْمَ التُّرجُمانِ للقرآنِ ابنُ عبَّاسٍ. ثم رواهُ (^٢) عن بُنْدارٍ، عن جعفر بن عون، عن الأعمش به، كذلك.
فهذا إسنادٌ صحيح إلى ابن مسعود أنَّهُ قال عن ابنِ عبَّاسٍ هذه العبارة. وقد مات ابنُ مسعودٍ ﵁ في سنة اثنتينِ وثلاثينَ على الصَّحيح، وعُمِّر بعدَهُ عبدُ الله بنُ عبَّاسٍ ستًّا وثلاثينَ سنةً؛ فما ظَنُّك بما كسبَهُ من العلوم بعد ابنِ مسعودٍ (﵄) (^٣)؟!
وقال الأعمش (^٤)، عن أبي وائل: استخلفَ عليٌّ عبدَ الله بْنَ عبَّاسٍ على الموسم، فخطبَ النَّاسَ، فقرأَ في خطبته سورةَ البَقَرةِ؛ وفي روايةٍ سورةَ النُّورِ، ففسَّرها تَفْسيرًا لو سَمِعهُ الرُّومُ والتُّركُ والدَّيلمُ لأَسْلَموا.
ولهذا غالبُ (١/ ٣/ ١) ما يرويه إسماعيلُ بنُ عبدِ الرَّحمن السُّدِّيُّ الكبيرُ في "تَفْسيره" عن هذين الرجلين (عبد الله) (^٥) بن مسعود، وابنِ عبَّاسٍ؛ ولكن في بعض الأحيان ينقلُ عنهم ما يحكونه من أقاويل أهلِ الكتابِ التي أباحَهَا رسولُ الله ﷺ حيثُ قَالَ: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَو آيةً، وحدِّثوا عن بني إِسرَائيلَ ولا حَرَجَ، ومن كذَبَ عَليَّ مُتعمِّدًا فليتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النَّارِ" رواهُ البُخَاري (^٦) عن عبد الله بن عمرو.
ولهذا كان عبدُ الله بنُ عمرٍو ﵄ (^٧) (قد أصابَ يوم اليَرْمُوك) (^٨) زَامِلَتَينِ من كُتُبِ أهلِ
_________________
(١) = (٢/ ٣٦٦)؛ وابن أبي شيبة (١٢/ ١١٠، ١١١)؛ ويعقوب بن سفيان في "تاريخه" (١/ ٤٩٤، ٤٩٥)؛ والطبري في "التهذيب" (٢٦٨ - ٢٧١ مسند ابن عباس)؛ والبلاذري في "أنساب الأشراف"؛ والحاكم (٣/ ٥٣٧)؛ والبيهقي في "الدلائل" (٦/ ١٩٣)؛ والخطيب (١/ ١٧٤) من طرق عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود. وعند بعضهم: "لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عاشره منا أحد، ونعم ترجمان القرآن … إلخ". قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن سعد (٢/ ٣٦٦) من طريق مالك بن مغول، عن سلمة بن كهيل، قال: قال عبد الله: نعم ترجمان القرآن ابن عباس. قال الحافظ في "الإصابة" (٤/ ١٤٦): "سنده حسن".
(٢) رقم ١٠٥.
(٣) رقم ١٠٦.
(٤) ساقط من (ز) و(ن).
(٥) أخرجه الطبري (٨٥، ٨٦، ٨٧). وكذلك يعقوب بن سفيان في "المعرفة" (١/ ٤٩٥، ٤٩٦)؛ وأبو العباس السراج، كما في "الإصابة" (٤/ ١٤٩)، من طرق عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن عباس. وهذا سند صحيح.
(٦) من (ز).
(٧) في "صحيحه" (٦/ ٤٩٦ - فتح). وأخرجه أيضًا الترمذي (٢٦٦٩)؛ والدارمي (١/ ١١١)؛ وأحمد (٢/ ١٥٩، ٢٠٢، ٢١٤)؛ وابن حبان (٦٢٥٦) في آخرين من طريق أبي كبشة السلولي، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا.
(٨) في (ك) و(ن): "عنهما" وسقطت الترضية من (ز).
(٩) في (ز): "يوم اليرموك قد أصاب".
[ ١ / ٨ ]
الكتابِ، فكانَ يحدِّثُ منهُمَا بما فَهِمهُ من هذا الحديثِ من الإذْنِ في ذلكَ.
ولكنَّ هذه الأحاديثَ الإسرائيليَّة تُذْكَرُ للاستشهادِ تُذْكَرُ للاستشهادِ لا للاعتِضَادِ؛ فإنَّها على ثَلاثَةَ أقسامٍ:
أَحدُهَا: ما عَلِمْنَا صحَّتَه مما بأيدينا ممَّا يشهدُ له بالصِّدْقِ، فذاك صحيحٌ.
والثَّانِي: ما علمنا كَذِبَهُ مما عندنا مما يُخالفُهُ.
والثَّالثُ: ما هو مسكوتٌ عنه، لا من هَذا القبيلِ (ولا مِنْ هَذا القَبِيلِ) (^١)، فلا نُؤْمِنُ به ولا نُكَذِّبُهُ؛ ويجوزُ حكايَتُهُ لما تَقَدَّم؛ وغالبُ ذلك ممَّا لا فَائِدَةَ فيه تعُودُ إلى أمْرٍ دِينيِّ.
ولهذا يختلف علماءُ أهلِ الكتاب في هَذا كَثِيرًا؛ ويأتي عن المفَسِّرينَ خِلافٌ بسببِ ذلكَ، كما يذكُرُون في مِثْل هذا أسماءَ أصحَاب الكَهْفِ، ولَوْنَ كلبِهِم، وعِدَّتَهْم، وَعَصَا موسى من أيِّ (شَجَرٍ) (^٢) كانت، وأسماءَ الطُّيورِ التيَ أحياها الله لإِبْرَاهِيمَ، وتعيينَ البَعْضِ الذي ضُرِبَ به القتيلُ من البَقَرةِ، ونوعَ الشَّجرةِ التي كلَّمَ اللهُ منها مُوْسَى إِلى غيرِ ذلك مما أبهَمَهُ الله تعالى في القرآنِ، مما لا فائدةَ في تعيينِهِ تعودُ على المكلَّفين في دينِهم ولا دُنْيَاهم؛ ولكنَّ نَقْلَ الخلاف عنهم في ذلك جائزٌ، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾ [الكهف] فقد اشتملت هذه الآيةُ الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليمِ ما ينبغي في مِثْلِ هذا؛ فإنه تعالى (حكى) (^٣) عنهم ثلاثةَ أقوال، ضعَّف القولين الأولين، وسكت عن الثالث؛ فدلَّ على صحته؛ إذ لو كان باطلًا لردَّه كما ردَّها.
ثم أرشد (إلى) (^٤) أَنَّ الاطِّلاعَ على عِدَّتهم لا طائلَ تحته (^٥) [(فيقال) (^٦) في مثل هذا: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فإنه ما يعلم ذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه؛ فلهذا قال: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ أي: لا تجهد نفسك فيما لا طائلَ تحته] (٥) ولا تسألهم عن ذلك؛ فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رَجْم الغيب.
فهذا أحسنُ ما يكون في حكاية الخلاف: أن تَسْتَوْعِب الأقوالَ في ذلك المقام، وأن تُنَبِّه على الصحيح منها، وتبطل الباطل، وتذكر فائدةَ الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النزاعُ والخلافُ فيما لا فائدةَ تحته؛ فتشتغل به عن "الأهم" (^٧).
فأما مَنْ حكى خلافًا في مسألة، ولم يستوعب أقوالَ الناس فيها، فهو ناقص؛ (^٨) [إذ (قد) (^٩) يكون الصوابُ في الذي تركه؛ أو يحكى الخلاف ويطلقه، ولا ينبِّه على الصحيح من الأقوالِ، فهو ناقص] (٨) أيضًا، فإنْ صحَّحَ غَيْرَ الصحيح عامدًا فقد (١/ ٣/ ٢) تعمَّد الكذبَ، أو جاهلًا فقد
_________________
(١) ساقط من (ج).
(٢) في (ز) و(ن): "الشجر".
(٣) كذا في (ج) و(ل). ووقع في "ع" و(ك) و(ى) و(ز): "أخبر" وأشار في هامش (ع) و(ى) إلى اللفظ الآخر.
(٤) في (ز) و(ن): "على".
(٥) ساقط من (ك).
(٦) في (ز): "فقال".
(٧) في (ز) و(ن): "الأهم فالأهم" وهي زيادة قلقة.
(٨) ساقط من (ك).
(٩) ساقط من (ج).
[ ١ / ٩ ]
أخطَأَ، وكذلك مَنْ نصب الخلافَ فيما لا فائدةَ تحته، أو حكى أقوالًا متعددة لفظًا ويرجع حاصلها إلى قولٍ أو قولين معنًى فقد ضيَّعَ الزمان، وتكثَّرَ بما ليس بصحيح، فهو كلابس ثَوْبى زُور (^١). والله الموفق للصواب.