﷽
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه؛ أما بعد:
فقد سطع علم التفسير منذ نزول القرآن الكريم إذ بيّن النبي ﷺ للصحابة ﵃ ما يحتاجون من بيان، ولما كان الصحابة ﵃ من أعرق القبائل العربية وحظوا بذلك البيان، فقد غدو من أعلم الناس بالتفسير ثم تلاهم تلاميذهم من التابعين الذين أخذوا هذا العلم عن الصحابة، وكتبوه عنهم فحازوا قصب السبق بكتابة التفسير فقد كان بعضهم يكتب التفسير مع عرض القرآن، إذ صحَّ عن مجاهد بن جبر المخزومي أنه عرض القرآن على ابن عباس ﵄ ثلاث عرضات، ويسأله عن كل آية فيجيبه ابن عباس ﵄ ويقول له: اكتب فيكتب (^١)، فكانت هذه البداية المبكرة لكتابة التفسير عن ابن عباس ثم تلاه التابعي الجليل سعيد بن جبير الأسدي فقد أمره الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان أن يكتب التفسير، وكتب التفسير وأودعه في ديوان الخليفة (^٢)، واعتنى التابعون بإملاء التفسير على تلاميذهم فقد أملى مجاهد التفسير على بعض تلاميذه (^٣) وكذلك الحسن البصري أملى التفسير على تلاميذه (^٤).
وقد انتشر علم التفسير مع انتشار الإسلام في الأرض، وكان التابعون عند فتوحهم البلدان لدخول الناس في دين الله تعالى يرفعون نداء الحق لإقامة الصلاة وقراءة القرآن الكريم والبيان لفهمه والعمل به.
إن هذا العلم والعمل أفرز جيلًا من العلماء المفسرين من أتباع التابعين إذ تسلموا قيادة التعليم والإرشاد في أرجاء الخلافة الإسلامية فكان في مكة المكرمة ابن أبي نجيح عبد الله بن يسار راوي التفسير عن مجاهد، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج صاحب "التفسير"، وسفيان بن عيينة صاحب "التفسير".
وكان في المدينة ثلة من المفسرين منهم: الإمام مالك بن أنس أول من صنف التفسير رواية بالإسناد.
وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم صاحب "التفسير"، ونافع بن أبي نعيم القارئ صاحب "التفسير"، ومصنف كتاب "الوقف والابتداء"، وكتاب "عدد المدني".
وكان في القدس عطاء بن أبي مسلم الخراساني صاحب "التفسير".
_________________
(١) أخرجه الطبري بسند صحيح "التفسير" رقم (١٠٧).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم "الجرح والتعديل" (٦/ ٣٣٢).
(٣) انظر: "المعرفة والتاريخ" للفسوي (٢/ ١٥٤).
(٤) انظر: "جامع العلم وفضله" لابن عبد البر (١/ ٨٩).
[ المقدمة / ٥ ]
وفي حمص علي بن أبي طلحة صاحب الصحيفة الشهيرة في التفسير المروية عن ابن عباس ﵄، وكتاب "الوجوه والنظائر"، وكتاب "الناسخ والمنسوخ".
وفي دمشق عطاء بن دينار الهذلي صاحب "التفسير والمغازي" وأغلب تفسيره رواية عن سعيد بن جبير وجادة، وهارون بن موسى الأعور مصنف "الوجوه والنظائر في القرآن" (^١).
وكان في اليمن معمر بن راشد صاحب التفسير والمغازي وأغلب تفسيره رواية عن قتادة بن دعامة السدوسي، ومن اليمن أيضًا وهب بن منبه وله تفسير القرآن (^٢).
وكان في البصرة سعيد بن أبي عروبة راوي التفسير عن قتادة، وعمرو بن عبيد بن باب مصنف التفسير، ومبارك بن فضالة راوي التفسير عن الحسن البصري، وواصل بن عطاء المعتزلي مصنف "معاني القرآن"، ومحمد بن سيف الأزدي صاحب "التفسير"، ومعمر بن المثنى مصنف "مجاز القرآن" (^٣).
وفي الكوفة سفيان الثوري صاحب "التفسير" (^٤)، وعاصم بن أبي النجود المقري صاحب "التفسير"، وجويبر بن سعيد الأزدي صاحب "التفسير" وغالب تفسيره عن الضحاك، ومحمد بن السائب الكلبي مصنف "أحكام القرآن"، و"تفسير الذي نزل في أقوام بعينهم" و"ناسخ القرآن ومنسوخه".
وفي بغداد محمد بن إسحاق (ت ١٥٠ هـ) صاحب "التفسير" و"المغازي" (^٥)، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي وأغلب تفسيره عن قتادة.
وفي واسط هشيم بن بشير السلمي صاحب "التفسير".
وفي مصر عبد الله بن لهيعة صاحب "التفسير" وغالب تفسيره عن عطاء بن دينار الهذلي عن سعيد بن جبير.
وفي القيروان يحيى بن سلام صاحب "التفسير" (^٦) وكتاب "التصاريف في القرآن" (^٧).
وفي مرو عبد الله بن المبارك صاحب "التفسير".
وفي خراسان الضحاك بن مزاحم صاحب "التفسير" وكتاب "نزول القرآن"، والربيع بن أنس البكري صاحب التفسير وغالب تفسيره يرويه عن أبي العالية.
وفي بلخ مقاتل بن سليمان البلخي صاحب "التفسير"، وتفسير "خمسمائة آية في الحلال والحرام" و"الأشباه والنظائر" (^٨) وهذه التفاسير خالية مما نسب إليه من التجسيم والتشبيه، وفي بلخ أيضًا: مقاتل بن حيان صاحب "التفسير".
_________________
(١) منه نسخة خطية في مكتبة تشستربتي "الفهرس الشامل" (١/ ٢٠).
(٢) منه نسخة خطية في الهند في مكتبة سالارجنك "الفهرس الشامل" (١/ ١٧)، وقد نسب "تفسير غريب القرآن" لزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ولم تصح نسبته إليه.
(٣) طبع بتحقيق أ. د. محمد فؤاد سزكين.
(٤) طبع بتحقيق أ. امتياز عرشي.
(٥) وكتاب "المغازي" له علائق بالتفسير وأسباب النزول، ومن أتباع التابعين الذين صنفوا في السير والمغازي أبو معشر نجيح السندي (ت ١٧٠ هـ، ويحيى بن سعيد الأموي ت ١٩٤ هـ).
(٦) منه نسخة فريدة في مراكش.
(٧) طبع بتحقيق أ. د. هند شلبي.
(٨) هذه الكتب الثلاثة مطبوعة.
[ المقدمة / ٦ ]
وهذا الإنتاج كان من أوائل المؤلفات في هذه العلوم في القرن الثاني الهجري، وقد ساعد على فهم القرآن وتيسير التفسير، إذ كانت التفاسير في هذه الفترة تتكون من قطع وأجزاء وصحف ونسخ تتفاوت أحجامها ما بين الصغير والوسط، إذ لم تبلغ الموسوعات والجوامع التي ظهرت في القرن الثالث الهجري.
ومن خلال الاطلاع على الموجود من هذه التفاسير نجدها تنقسم إلى قسمين:
• قسم يعتمد على النقل للأثر وأغلب التفاسير من هذا النوع.
• والقسم الآخر يقتصر على اللغة العربية فقط وهو قليل كصنيع معمر بن المثنى في (مجاز القرآن) الذي اقتصر على البيان اللغوي معتمدًا على دواوين الشعراء المتقدمين.
وقد تعرض مسلك أبي عبيدة لكثير من النقد فأثار الفراء إذ قال: لو حُملَ إلى أبو عبيدة لضربته عشرين في كتاب "المجاز" (^١)، ولكن الثروة الشعرية وضروب البلاغة التي تضمنها هذا الكتاب، تعطيه قيمة علمية لغوية وبلاغية وخصوصًا أن أبا عبيدة هو أول من فتح أبواب البلاغة في التفسير على الإطلاق، فله قصب السبق، فقد ذكر أنواعًا من علم المعاني كالاستفهام، والتقرير، والتنبيه، والنهي، والتحذير، والإنكار، والتسوية، والتحقيق، والتوعد، والأمر، والتهديد، والتمني، والإشارة إلى القريب بلفظ البعيد، والتقديم والتأخير، والقلب والتغليب، والالتفات، والحذف، والزيادة، والتوكيد.
كما ذكر أنواعًا من علم البيان كالتشبيه، والتمثيل، والاستعارة التصريحية، والاستعارة في الحرف، والاستعارة المكنية، وإجراء لفظ من يعقل على الجماد وما لا يعقل، والمجاز، والمرسل، والكناية، كما ذكر من علم البديع: المشاكلة (^٢).
وكذلك كتاب "معاني القرآن" (^٣) للأخفش (ت ٢١٥ هـ) صنّفه في فترة حياة الإمام الكسائي (ت ١٨٩ هـ) وقد تناول جملةً من ضروب البلاغة، فمن علم المعاني ذكر الاستفهام والمعاني المجازية التي يخرج إليها ومن تلك المعاني: التقرير، والسؤال بمعنى الطلب، والخبر، والإنكار والتوبيخ، والتعظيم والتهويل، ومن علم المعاني أيضًا: التقديم والتأخير، والقلب، والالتفات، والإظهار في مقام الإضمار، والفصل والوصل، وإيجاز الحذف، والإطناب.
وتناول ضروبًا من علم البيان كالتشبيه والمثل والاستعارة التصريحية والمجاز المرسل والكناية.
كما تناول ضربًا في علم البديع وهو المشاكلة (^٤).
_________________
(١) "معجم الأدباء" (٧/ ١١٧).
(٢) وقد استخرج جميع هذه الأنواع فضيلة الدكتور أحمد عبد الواحد في كتابه القيم "الدراسات البيانية في المصنفات الأُول فى معانى القرآن" (ص ٣٢ - ١٢٦).
(٣) مطبوع.
(٤) ينظر: "الدراسات البيانية في المصنفات الأولى في معاني القرآن" (ص ١٣٥ - ٣٠٥).
[ المقدمة / ٧ ]
وهذا الإنتاج التفسيري انتشر في البلدان وازدانت به المراكز العلمية ففتح آفاقًا عظيمة في القرنين: الثاني والثالث الهجري فظهرت تفاسير نفيسة أفادت ممن تقدم ذكرهم كتفسير ابن أبي شيبة وسُنيد ومحمد بن يوسف الفريابي والإمام أحمد بن حنبل وأبي جعفر الرازي وآدم بن أبي إياس العسقلاني وعبد الرزاق بن همام الصنعاني. ثم ظهرت كتب في أحكام القرآن منها ما هو مسند للإمام الجهضمي وعنوانه "أحكام القرآن" (^١)، وفي علوم القرآن كتاب "فهم القرآن" (^٢) للمحاسبي وهو أول كتاب "صنف في علوم القرآن"، تلا ذلك تفسير عبد بن حميد (^٣) ثم تفسير الطبري.
وظهرت كتب مسندة مساعدة لعلم التفسير مثل كتاب "أسباب النزول" لعلي بن المديني، و"الناسخ والمنسوخ" للقاسم بن سلام (^٤)، وأحمد بن حنبل وأبي داود (^٥).
وفي بداية هذا القرن الثالث الهجري كان الفراء يملي كتاب "معاني القرآن" من حفظه كما صرح الراوي لهذا الكتاب واسمه أبو عبد الله محمد بن الجهم بن هارون السَّمري إذ قال: هذا الكتاب فيه معاني القرآن، أملاه علينا أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء يرحمه الله عن حفظه من غير نسخة، في مجالسه أول النهار من أيام الثلاثاوات وبالجُمع من شهر رمضان، وما بعده من سنة اثنتين، وفي شهور سنة ثلاث، وشهور من سنة أربع ومائتين (^٦).
ودخل التفسير في هذا القرن في طور جديد من حيث الموسوعية فإن الإمام الطبري لم يدع كلمة إلا وبينها، وقد نافت عدد رواياته على الستين ألف، وأما تفسير الإمام أحمد فبلغت رواياته مائة وعشرين ألف (^٧)، وتفسير بقي بن مخلد (ت ٢٧٦ هـ) الذي يقع في سبعين جزء (^٨)، وبلغت عدد مرويات عبد بن حميد في تفسيره أكثر من ثلاثة آلاف في "الدر المنثور" فقط، وقد جعلت تفسير الطبري في هذا القرن مع أن وفاته كانت سنة (٣١٠ هـ) لأنه أملى تفسيره في سنة (٢٨٣ هـ) إلى سنة (٢٩٠ هـ)؛ أي: مكث سبع سنوات في إملاء التفسير، وكان ذلك في بغداد كما نقل المؤرخون، ومنهم ياقوت الحموي الذي حبر ترجمة حافلة شاملة وافية للإمام الطبري.
إضافة إلى هذه التفاسير النفيسة فقد ظهرت كتب الحديث الشريف التي تبوب كتاب "التفسير" مثل: الصحيحين وسنن الترمذي والسنن الكبرى للنسائي وسنن سعيد بن منصور ومصنف ابن أبي شيبة (^٩).
كما ظهر في هذا القرن أول مصنف يعتني ببيان مشكل القرآن إذ صنف ابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ)،
_________________
(١) عندي منه قطعة مخطوطة مصورة من مكتبة جامع الزيتونة وقد أعطيتها لفضيلة أ. د. عامر حسن صبري لتحقيقها وقام بذلك على أحسن وجه، جزاه الله خيرًا.
(٢) مطبوع.
(٣) توجد قطعة منه في حاشية تفسير ابن أبي حاتم وقد حققت وطبعت.
(٤) مطبوع.
(٥) وكلا الكتابين مفقود.
(٦) "معاني القرآن الكريم" (ص ١).
(٧) ينظر تفصيل ذلك في "مقدمة مرويات الإمام أحمد بن حنبل في التفسير".
(٨) "جذوة المقتبس" (ص ٣٥١).
(٩) كلها مطبوعة.
[ المقدمة / ٨ ]
كتاب "تأويل مشكل القرآن". وقد صنف أيضًا كتاب "تفسير غريب القرآن" (^١) ونقد فيه بعض التفاسير ومنها معاني القرآن للفراء والأخفش، ومجاز القرن لمعمر بن المثنى (^٢).
وبهذا نستنتج أن ظاهرة النقد للتفاسير برزت جلية في القرن الثالث الهجري.
لقد بلغ تطور التفسير في القرآن الثالث مرحلة راقية من الشمول والجمع بين مدرستي الأثر والرأي، وأرى أن كتب المحدثين من الصحاح والجوامع التي جمعت حديث النبي ﷺ وأقوال الصحابة ﵃، ساعدت على إثراء التفسير بروايات غزيرة دونت في كتب "التفسير"، ونقلت التفسير المأثور إلى طور الشمول والكمال؛ لأن في هذا القرن تضمنت كتب "التفسير: الأحاديث النبوية المفسرة وأقوال الصحابة التفسيرية" وكذا أقوال التابعين.
والعجيب أن بعض مؤلفات القرن الثالث في التفسير لم نجد لها نسخة بل لم نجد نقلًا أو اقتباسًا عنها! فهل هذه الكتب منسوبة؟ أم هي مندثرة؟ ولا شك أن البحث العلمي هو الذي يأتي بالجواب، فقد عثرنا على بعض النقولات من تفسير ابن ماجه، ومن تفسير الإمام أحمد بن حنبل، والتفسير الكبير للطبراني وتفسير الفريابي، وتفسير عبد بن حميد وغيرها من التفاسير التي ذكرتها وبينت طرق جمع نصوصها في كتابي الموسوم "القواعد المنهجية في التنقيب عن المفقود من الأجزاء والكتب التراثية".
وفي القرن الرابع تطور التصنيف في التفسير فظهرت بعض التفاسير الفقهية مثل: كتب "أحكام القرآن" التي تتسم بالميل للمذهب الفقهي كالإمام الجصاص في كتابه "أحكام القرآن" (^٣)، فقد مال للمذهب الحنفي بل نال من الإمام الشافعي، بينما نجد الإمام الطحاوي الحنفي صنف في "أحكام القرآن" (^٤) على طريقة المحدثين يرويه بأسانيده إلى الصحابة والتابعين دون النيل من أي أحد من العلماء.
وفي القرن نفسه ظهرت بعض التفاسير اتسمت بتحري الحق وعدم التأثر بأحد المذاهب الفقهية، بل سلكت مسلكًا صحيحًا في تتبع الدليل والراوية الصحيحة كتفسير ابن أبي حاتم الرازي (^٥). واعتمد في تفسيره على الرواية فقط، وكذا تفسير ابن المنذر (^٦) وتفسير القاضي البستي (ت ٣٠٧ هـ) (^٧).
وقد تضخمت كتب "الناسخ والمنسوخ" المروية بالإسناد مما أثرت علم التفسير مثل كتاب "الناسخ والمنسوخ" للنحاس فإنه أضعاف كتاب أبي عبيد (^٨).
_________________
(١) كلاهما مطبوع.
(٢) وللمزيد ينظر مقدمة: "تفسير غريب القرآن" (ص ٤ - ٥)، و"تأويل مختلف الحديث" (٢٣٠، ٢٣٦، ٢٤٥، ٤٣٩، ٤٤٠، ٤٤١).
(٣) مطبوع.
(٤) مطبوع.
(٥) يوجد نصفه مخطوطًا وقد حقق وتقوم بنشره دار ابن الجوزي.
(٦) توجد قطعة منه وقد قام بتحقيقها فضيلة د. سعد السعد.
(٧) يوجد نصفه وقد حققه فضيلة د. عوض العمري وفضيلة د. عثمان وقد نالا درجة الدكتوراه من كلية القرآن الكريم في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
(٨) كلاهما مطبوع.
[ المقدمة / ٩ ]
وظهرت كتب بعنوان "معاني القرآن" معتمدة على الأثر مثل كتاب النحاس، كما صُنفت مؤلفات في إعراب القرآن منها كتاب "إعراب القرآن" (^١) للنحاس، وكان التأليف في الإعراب في هذا القرن مختصرًا على قدر البيان لا يعربون كل كلمة وكل حرف كما في عهدنا الحاضر، وكتب الإعراب تساعد المفسرين في تصنيف تفاسيرهم، وللنحاس أيضًا كتاب "القطع والائتناف" (^٢) وقد أفاد كثيرًا من كتاب "التمام في علم الوقف والابتداء" لنافع بن أبي نعيم القاري المدني، وأفاد أيضًا من كتاب "الوقف" ليعقوب بن إسحاق الحضرمي وكلاهما مفقود.
وفي هذا القرن بدأ منهج الاختصار للتفاسير يظهر بوضوح، ومن الذين سلكوا هذا المنهج محمد بن عبد الله بن عيسى المعروف بابن أبي زمنين (ت ٣٩٩ هـ) في اختصاره لتفسير يحيى بن سلام ت ٢٠٠ هـ، وهود بن محكم المتوفى في أواخر القرن الرابع الذي اختصر تفسير يحيى بن سلام أيضًا (^٣).
وفي هذا القرن كثرت وتوافرت التفاسير المسندة ونافت على المائة والعشرين تفسيرًا فهذا أبو بكر محمد بن القاسم المعروف بابن الأنباري (ت ٣٢٨ هـ) كان يحفظ مائة وعشرين تفسير من تفاسير القرآن بأسانيدها (^٤)، وهذه الكثرة فيها الغث والسمين ولهذا انبرى الإمام الناقد ابن أبي حاتم إلى تصنيف تفسير بأصح الأسانيد وهذه الظاهرة لم يسبق إليها وقد أفصح عن سبب تأليفه "الجرح والتعديل" لبيان معاني كلام الله تعالى وسنن المصطفى ﷺ كما صرح في مقدمة الكتاب.
وفي هذا القرن انبرى بعض المفسرين للرد على المعتزلة والقدرية والجهمية كالإمام محمد بن علي بن محمد أبي أحمد الكَرَجي (^٥) المعروف بالقصاب (ت ٣٦٠ هـ) تقريبًا في كتابه القيم "نكت القرآن الدالة على البيان في أنواع العلوم والأحكام" ويكاد أن لا يترك تفسير آية إلا ويرد فيها على المعتزلة والقدرية والجهمية والمرجئة، وهو من العلماء الذين برعوا في الردِّ بالأدلة النقلية العقلية.
وفي هذا القرن ظهرت بعض التفاسير الضعيفة بسبب ضعف مؤلفيها كتفسير "شفاء الصدور" لأبي بكر النقاش (ت ٣٥١ هـ) (^٦).
وقد قلَّ الاهتمام بإيراد الأسانيد وفي بعض التفاسير ظهر فيها قلة إيراد الأسانيد في بعض التفاسير مثل كتاب "بحر العلوم" للسمرقندي، وكتاب "نكت القرآن" للكَرَجي، "ومعاني القرآن" للنحاس، وكان بعضهم يختصر الإسناد فيقتصر على ذكر الطريق وهذا الاختصار غير مخل إذ يعرف من خلال ذكر الطريق درجته من الصحة أو الضعف.
وظهر في هذا القرن بعض كتب "الاستدراك أو الردود" وقد انبرى علي بن حمزة البصري (ت ٣٧٥ هـ) في كتابه "التنبيهات على أغاليط الرواة" لنقد أبي عبيدة في كتابه "مجاز القرآن" (^٧).
_________________
(١) مطبوع.
(٢) مطبوع.
(٣) وكلا المختصرين مطبوع.
(٤) الرسالة المستطرفة (ص ٧٩).
(٥) بفتح الكاف والراء وقد حقق كتابه في عدة رسائل في كلية القرآن في الجامعة الإسلامية بتحقيق أصحاب الفضيلة: د. علي بن غازي التويجري ود. إبراهيم بن منصور الجنيدل وأ. د. شايع بن عبده الأسمري.
(٦) يحقق في جامعة الإمارات المتحدة.
(٧) مقدمة المجاز (ص ١٧).
[ المقدمة / ١٠ ]
وفي هذا القرن تطور علم غريب القرآن على يد المفسر أبي بكر محمد بن عُزيز السجستاني (ت ٣٣٠ هـ) (^١) فقد قام بتصنيف كتابه "غريب القرآن" على طراز جديد في الترتيب إذ رتبه على حروف المعجم ألفبائيًا ويعتبر ابن عُزيز أول من فعل ذلك في كتاب "غريب القرآن"؛ لأن من سبقه رتَّبه على سور وآيات القرآن.
وفي آخر هذا القرن ضمّن بعض المحدثين في رواياتهم كتاب "التفسير" كصنيع الحاكم في المستدرك فقد تضمن كتاب "التفسير" قرابة ٣٠٠ صفحة من طبعة الهند.
ثم دخل القرن الخامس وفيه ازدادت ظاهرة حذف الإسناد بسبب طول الإسناد واختلط الصحيح بالسقيم في كثير من التفاسير كتفسير "العيون والنكت" للماوردي، وتفسير السمعاني (^٢)، و"تفسير ضياء القلوب" لسليم بن أيوب الرازي (ت ٤٤٧ هـ) (^٣)، وتفسير مكي بن أبي طالب (ت ٤٣٧ هـ) "الهداية إلى بلوغ النهاية" (^٤)، وبعض التفاسير تارة يسوق الراوية بإسناده وغالبًا يحذف الإسناد كتفسير الكفاية للحيري (ت ٣٤٠ هـ) (^٥)، وبعض التفاسير حافظت على إيراد الإسناد كصنيع الثعلبي في كتابه "الكشف والبيان"، ومن أهم مزايا هذا التفسير أنه ذكر مصادره في مقدمة تفسير، وهذه المصادر من الكتب العتيقة القديمة في علم القراءات وعلوم القرآن والتفسير وغريب القرآن والناسخ والمنسوخ وإعراب القرآن والوقف والابتداء وغيرها من الكتب النفيسة التي صنفت في القرن الثاني والثالث والرابع وساقها كلها بأسانيده.
وأغلبها من قبيل المفقود مما يضفي قيمة علمية، أما ما ورد في هذا الكتاب من الحكايات العجيبة والروايات الغريبة والأحاديث الموضوعة والضعيفة فإنه قد اشتهر عنه ذلك لكن لم يشتهر عنه ذكر المصادر العتيقة القديمة والأسانيد القويمة، من أجل ذلك اقترحت تحقيق فحقق والحمد لله (^٦).
وفي هذا القرن برزت ظاهرة جديدة وهي: تعدد التفاسير للمصنف الواحد كما صنع الواحدي في "الوجيز" و"الأوسط" و"المبسوط" (^٧) فصنف ثلاثة تفاسير أحدها مختصر والآخر متوسط والثالث كبير إضافة إلى تصنيف كتاب "أسباب النزول" (^٨) وهذا التصنيف فيه تخيير حسب همة ورغبة طالب العلم وفيه تسهيل للمبتدئين وتذكير للمتبصرين.
كما ظهرت بعض التفاسير اللغوية الجامعة مثل كتاب "المفردات" (^٩) للأصفهاني فإنه من التفاسير اللغوية المعتبرة، ولا يخلو من بعض التأويل بسبب نقله عن بعض الفلاسفة، ولكن تبقى
_________________
(١) مطبوع.
(٢) كلاهما مطبوع.
(٣) مخطوط حقق في كلية القرآن الكريم في الجامعة الإسلامية ونال به فضيلة أ. د. ملفي بن ناعم الصاعدي درجة الماجستير.
(٤) مطبوع.
(٥) مخطوط حقق في كلية القرآن الكريم، وقد حقق منه جزءًا فضيلة الدكتور علي بن غازي التويجري.
(٦) مطبوع وحقق في جامعة أُم القرى وهو في طريقه إلى الطبع.
(٧) هذه الكتب الثلاثة مطبوعة.
(٨) مطبوع.
(٩) مطبوع.
[ المقدمة / ١١ ]
فوائده تُميزه على الكتب السابقة، فهو من أحسنها وأفضلها وقد رتبه كترتيب ابن عُزيز على حروف المعجم ألفبائيًا.
وفي القرن الخامس ازدادت تفاسير المعتزلة وكثر انتشارها ومن أهمها: "التهذيب فى التفسير" للحاكم الجشمي (ت ٤٩٤ هـ) أحد أساطين الاعتزال، والكتاب مخطوط وقد قدم له دراسة د. عدنان زرزور، وله أيضًا "متشابه القرآن" انتصر فيه لمذهبه. وهو شيخ الزمخشري، وحجم تفسير الحاكم أكبر من ضعف تفسير الزمخشري (^١)، وقد حشد في تفسيره تفاسير رؤساء المعتزلة كالقاضي أبي علي الجبائي، والقاضي عبد الجبار، وأبي مسلم الأصفهاني، وأبي القاسم البلخي، وغيرهم.
وفي مطلع هذا القرن ظهر اختصار لتفسير الإمام الطبري للتُجيبي (ت ٤١٩ هـ) وقد اختصره اختصارًا شديدًا، وقد طبع في مجلد لطيف، في حاشية المصحف.
وفي هذا القرن ظهرت بعض التفاسير الضعيفة مثل كتاب "حقائق التفسير" وهو من التفاسير المنحرفة لأبي عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي (ت ٤١٢ هـ) قال الذهبي: إنه تحريف وقرمطة (^٢).
كما ظهرت كتب الاستدراك في علم الوجوه والنظائر مثل كتاب "وجوه القرآن" للدامغاني لأبي عبد الله الحسين بن محمد الحنفي (ت ٤٧٨ هـ)، فقد استدرك ما فات مقاتل بن سليمان في كتابه "الوجوه والنظائر" (^٣).
كما ظهرت في هذا القرن بعض تفاسير المتكلمين كتفسير ابن فورك محمد بن الحسن الأصبهاني (ت ٤٠٦ هـ) (^٤).
وظهر أيضًا التفسير الإشاري أوسع مما في القرن الثالث وذلك في كتاب "لطائف الإشارات" لأبي القاسم القشيري (ت ٤٦٥ هـ) (^٥)، وله التيسير في علم التفسير ومنه عدة نسخ خطية عديدة.
وفي هذا القرن ظهرت بعض التفاسير ترد على التعصب المذهبي بتعصب مذهبي أيضًا كما في أحكام القرآن للكياالهراسي فقد ردَّ على الجصاص في "أحكام القرآن" (^٦) في انتقاده للشافعي ومدرسته، وتعصب في الوقت نفسه للمدرسة الشافعية، والعجيب أن الكياالهراسي نقل جلَّ الكتاب عن الجصاص بنصه وفصه، ولم يتعقبه في كثير من المسائل المهمة التي لا تتعلق في الخلاف بين الحنفية والشافعية، ومن تلك المسائل المهمة: إنكار السحر، والنيل من معاوية بن أبي سفيان ﵁.
وفي هذا القرن برزت ظاهرة جمع النصوص التفسيرية كما قام الإمام البيهقي بجمع نصوص
_________________
(١) الحاكم الجشمي (ص ٤٨٠).
(٢) ينظر: "مقدمة شيخ الإسلام" (ص ٩٢، ٩٣) تحقيق د. عدنان زرزور، والكتاب مطبوع.
(٣) كلاهما مطبوع.
(٤) حقق في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
(٥) طبع بتحقيق د. إبراهيم بسيوني في ستة مجلدات.
(٦) كلاهما مطبوع.
[ المقدمة / ١٢ ]
تفسيرية في أحكام القرآن عن الإمام الشافعي (^١)، وهذه النصوص كلها آثار يرويها بسنده إلى الشافعي، ويرويها الشافعي عن السلف.
كما ظهر في هذا القرن مؤلفات تفسيرية أُفردت لتفسير جزء أو سورة كصنيع أبي القاسم هبة الله بن عبد الوارث الشيرازي (ت ٤٨٦ هـ) إذ فسر سورة التكوير، وتوجد منه نسخ في جامعة إسلامبول، وبعضهم يفرد تفسيرًا لجزء كصنيع أبي يوسف عبد السلام بن محمد بن يوسف بن بندار (ت ٤٨٣ هـ) فقد صنف "حدائق التفسير لجزء عمّ"، وهذه التفاسير ورد ذكر نسخها الخطية في الفهرس الشامل للتراث.
ثم دخل القرن السادس وظهر فيه منهج مبتكر في التفسير كصنيع الزمخشري فقد سلك منهجًا جديدًا في عرض التفسير جذب فيه ألباب العلماء والمتعلمين والمثقفين قديمًا وحديثًا إذ استخدم ضروب البلاغة من البديع والبيان والمعاني، واستفاد من مدرستي الرأي والأثر، وصاغ ما أفاده بأسلوب جزل وقول فصل، وباختصار دون تطويل في إيراد خلاف المفسرين، وهذا الذي ذكرته فيما لا يصطدم مع الاعتزال الذي رفع رايته، أما إذا تعارض التفسير مع مذهبه الاعتزالي فإنه يلوي التفسير ويثور على مخالفيه ويشكك بالأثر بل ينكر بعض الأحاديث الصحيحة الثابتة التي تنسف تأويلات المعتزلة من جذورها، وبهذا فقد رسخ الزمخشري آراء المعتزلة في هذا القرن.
وفي هذا القرن ظهر ابتكار في نظم المتشابه اللفظي فصنف علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي (٥٥٨ - ٦٤٣ هـ) كتابًا منظومًا بعنوان "هداية المرتاب وغاية الحفاظ والطلاب" وقد طبع مع شرحه بعنوان: "التسهيل في ما يشتبه على القارئ من أي تنزيل".
وفي هذا القرن برزت بعض التفاسير التي تعتمد على تصفية واختصار وتنقية تفسير سابق كصنيع الإمام البغوي فقد اختصره من كتاب "الكشاف والبيان" للثعلبي، وحاول أن ينقّيه من الحكايات العجيبة والأحاديث الموضوعة، وحذف الكثير من الروايات الإسرائيلية ولكن بقي فيه مئات الإسرائيليات مما يدل على غزارة الإسرائيليات في تفسير الثعلبي.
وفي آخر هذا القرن بدأ الفخر الرازي بتصنيف تفسيره المبتكر، فقد صرح في آخر تفسير سورة البقرة أنه تمَّ يوم الخميس في المعسكر المتاخم للقرية المسماة بأرصف سنة أربع وتسعين وخمسمائة، وفي آخر تفسير سورة آل عمران ورد أنه تمَّ يوم الخميس أول ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة، ثم فسر بعض السور في مطلع القرن السابع في يوم الثلاثاء السابع عشر من صفر سنة اثنتين وستمائة في بلد غزنين -أي: بلد غزنة كما صرح ياقوت الحموي (^٢) -. ولم يتمه واختلف في الذي أتمه وذهب يحيى المعلمي بأن تلميذه قاضي القضاة أحمد بن خليل الخوبي (ت ٦٣٧ هـ) هو الذي أتمه، وقد سبقه في ذلك ابن أبي أُصيبعة في عيون الأنباء (^٣) وقد عاصر الشيخ والتلميذ وقيل: إن الذي أتمه أحمد بن محمد القمولي كما في طبقات السبكي (^٤) وسواء أتمه الخوبي أو القمولي فإن ظاهرة إكمال التفسير بدأت في هذا القرن السابع (^٥).
_________________
(١) مطبوع.
(٢) "معجم البلدان" (٤/ ٢٠١).
(٣) (٢/ ٢٩).
(٤) "الطبقات الكبرى" (٥/ ٣٥).
(٥) مجموع فيه عدة كتب ليحيى المعلمي ومنها بحث حول تفسير الرازي (ص ١٠٥ - ١١٠).
[ المقدمة / ١٣ ]
ولقد اتسم تفسير الرازي بمنهج جديد في التفسير وهو الاعتناء بإيراد تناسب الآيات والسور والتركيز على الآيات الكونية بالاستفادة من علم الفلك والطب والهندسة والفلسفة، والاعتماد على علم أصول الفقه، ويعتبر من رواد علم التناسب بين السور وبين الآيات، وأن اهتمامه بتفسير الآيات الكونية يشكل عرضًا مبتكرًا لتوحيد الربوبية.
وفي هذا القرن ظهرت بعض التفاسير المقتصرة على تفسير آية كالبسملة وآية الكرسي وغيرها، أو تفسير سورة كسورة الفاتحة وغيرها، أو تفسير جزء من القرآن كتفسير جزء عمّ أو جزء تبارك، وهي تفاسير أغلبها خطيّة مذكورة في الفهرس الشامل.
وفي القرن السابع ظهر نقد يؤكد على أهمية التفسير الأثري وتقديمه على التفسير اللغوي إذ حُذر من التسارع إلى اللغة العربية قبل النظر إلى الأثر، ومن هؤلاء الإمام القرطبي في مقدمة تفسيره، وابن الأثير في جامع الأصول في الجزء الثاني في مطلع قسم التفسير، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^١)، وفي كتابه مقدمة في أصول التفسير نقد بعض التفاسير كالزمخشري والثعلبي.
وتكررت ظاهرة الاختصار فقد اختصر العز بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ) تفسير النكت والعيون للماوردي.
كما ظهرت كثرة المختصرات فقد اختصر الملك الصالح أبو الفتح محمد بن محمد بن قراسلان الأرتقي (ت ٦١٩ هـ) كتاب "أسباب النزول" للواحدي في كتابه "أسباب نزول الآي" منه نسخة فريدة في إمبروز يانا تقع في ١٥٤ ورقة كتبت ٧٨٢ هـ (^٢).
وكذلك قام أحمد بن محمود النعماني الذي كان حيًا في سنة (٦٢٦ هـ) باختصار كتاب "الموجز في التفسير" لأسعد بن محمود أبي الفضائل العجلي الأصبهاني (ت ٦ هـ) فقد اختصره في كتاب "الموجز من موجز التفسير" (^٣).
وفي هذا القرن ظهر تفسير الكواشي الموصلي الموسوم بتبصرة المتذكرة وتذكرة المتبصر، وقد اهتم اهتمامًا بالغًا في علم الوقف والابتداء في كتابه هذا (^٤)، وصنع كالواحدي في تفاسيره الثلاثة، فألف ثلاثة تفاسير المختصر والمتوسط والمطول كالوجيز والوسيط والمبسوط.
وفي هذا القرن برزت ظاهرة الجمع من تفسيرين أو أكثر كما صنع ابن الأثير في كتابه "الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف" جمع فيه بين تفسير الثعلبي والزمخشري (^٥).
وكذا صنع البيضاوي في تفسيره "أنوار التنزيل وأسرار التأويل" فقد جمع أغلب تفسيره من
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (١/ ٣٥٥، ٣٥٦).
(٢) ينظر: "الفهرس الشامل" (ص ٢١٤ - ٢٤٢ - ٢٤٣).
(٣) وتوجد منه نسخة فريدة في تشتستربتي في ١٧٧ ورقة بخط يده، أما الأصل فمنه نسخة يتيمة في مكتبة الوزيري بطهران في (٢٢٠) ورقة. ينظر: "الفهرس الشامل" (ص ٢١٤ - ٢٤٢ - ٢٤٣).
(٤) وقد حققه فضيلة الدكتور عبد الله بن نافع العمري ونال به درجة الماجستير من كلية القرآن الكريم بالجامعة الإسلامية.
(٥) "معجم المفسرين" (ص ٤٦٢).
[ المقدمة / ١٤ ]
الكشاف ثم من كتاب مفاتح الغيب للفخر الرازي ومن تفسير الراغب الأصفهاني. وأضاف عليها بعض الآثار واللطائف والنكات والاستنباطات، وأغلبها من الكتب المذكورة بعد الكشاف.
وكذا صنع النسفي (ت ٧٠١ هـ) في تفسيره "مدارك التنزيل وحقائق التأويل" حيث جمع بين الكشاف وتفسير البيضاوي وحذف الاعتزاليات والتفاسير الموضوعة.
كما ظهرت تفسير آية أو سورة أو تفسير جزء كما سبق في القرن السادس.
وفي هذا القرن اعتنى بعض المفسرين ببيان المشكل كالعز بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ) فصنف كتاب "فوائد في مشكل القرآن" أجاب فيه على إشكالات قد ترد على بعض الآيات. وجلُّ هذه الإشكالات لغوية أو نحوية أو بلاغية (^١).
وفي هذا القرن صنف أبو شامة شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيل الدمشقي (ت ٦٦٥ هـ) كتاب "تتمة البيان لما أشكل من متشابه القرآن" (^٢)، وله أيضًا تفسير آية الإسراء وهو مطبوع.
وقد ظهر في هذا القرن بعض التفاسير المنحرفة كتفسير محيي الدين بن عربي (ت ٦٣٨ هـ) إذ شحن تفسيره بالمجازفات والخرافات.
وفي مطلع القرن الثامن ولد الحافظ ابن كثير وحظي بنشأة علمية راقية، أهلته أن يكون أحد مشاهير علماء ذلك القرن، كما سيأتي في قسم الدراسة.
وقبل الدخول في قسم الدراسة أذكر الخطة ومنهج التحقيق، أما الخطة فقد جعلتها في مقدمة وقسمين وفهارس، أما المقدمة فقد توجتها بنبذة عن بداية نشأة تصنيف التفسير، وعن تطوره إلى زمن الحافظ ابن كثير، وذكرت فيها الخطة، ومنهج التحقيق، وأسباب تحقيق الكتاب، أما القسم الأول فيتضمن دراسة عن الحافظ ابن كثير ومنهجه والقيمة العلمية للكتاب، وأما القسم الثاني فيشمل تحقيق النص.
• وأما منهج التحقيق فهو كما يلي:
١ - الاعتماد على نسخة آيا صوفيا وسيأتي أسباب ذلك في وصف النسخ الخطية.
٢ - ضبط النص بالمقابلة بين الأصل والنسخ المساعدة وهي نسخة شستربتي ونسخة الحرم المكي والحميدية والمحمودية، وقد اعتمد على غير هذه النسخ عند الحاجة، ولا أُكثر من ذكر الفروق إلا ما له أهمية ولعدم إثقال الحواشي، فلم أذكر الاختلاف بين النسخ في عبارات الثناء
على الله تعالى كلفظ ﷿، ﷾، والصلاة على الرسول، والترضي على الصحابة ﵃. وقد رمزت لهذه النسخ الرموز الآتية:
أ - نسخة آيا صوفيا الكاملة: الأصل.
ب - نسخة تشسشربتي العتيقة: عش.
ت - نسخة الحرم المكي العتيقة: عم.
_________________
(١) وفي دار الكتب في القاهرة نسخة بعنوان "كشف الإشكالات عن بعض الآيات"، "الفهرس الشامل" (١/ ٢٥٦).
(٢) ومنه نسخة في الظاهرية كتبت في عهد المؤلف، "الفهرس الشامل" (١/ ٢٥٧).
[ المقدمة / ١٥ ]
ث - نسخة آيا صوفيا العتيقة الناقصة: عف.
ج - نسخة الحرم المكي: ح.
ح - نسخة المحمودية: مح.
خ - نسخة الحميدية: حم (^١).
٣ - لم أذكر أرقام اللوحات لأن الأصل وقع فيه خطأ في الترقيم.
٤ - كتابة الآيات القرآنية بالرسم العثماني مع عزوها إلى سورها وبيان رقم الآية.
٥ - تخريج الأحاديث: بما أن الهدف من التخريج في تحقيق تفسير ابن كثير هو الوصول إلى درجة الحديث فقد كان الضابط للتخريج هو معرفة صحة الحديث أو ضعفه (^٢).
وراعيت في التخريج ذكر السند والمتن غالبًا، فإذا وقفت على السند والمتن فإني أنصُّ على ذلك بقولي على سبيل المثال: أخرجه البخاري بسنده ومتنه، وفي هذا التخريج زيادة توثيق وتحقيق.
وبالنسبة للتخريج من مسند الإمام أحمد فقد كان من عدة طبعات فإذا ذكرت الجزء الأول والصفحة فقط فهو من الطبعة القديمة الميمنية، وإذا ذكرت رقم الحديث فقط فهو من طبعة الأستاذ أحمد شاكر، وإذا ذكرت الجزء والصفحة والرقم فهو من طبعة الرسالة بإشراف معالي الأستاذ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي حفظه الله.
وقد ذكرت الحكم على الحديث بالاعتماد على أقوال النقاد المعتبرين من المتقدمين، والمتأخرين، والمعاصرين.
٦ - تخريج الآثار تخريجًا يوصل إلى درجة الحكم، وقد اعتنيت بذلك عناية خاصة لأهمية الحكم على الآثار، وقد استفدت من مقدمتي للتفسير الصحيح وأضفت الأحكام في الأسانيد التي لم ترد في التفسير الصحيح، وأعتبر هذا التخريج من المميزات التي تفردت بها هذه الطبعة عن جميع الطبعات السابقة.
_________________
(١) وأما رموز النسخ التي اعتمدها فضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني الأثري في الجزء الأول فهي كما يلي: النسخة الأولى: ورمزت لها بحرف "أ"، النسخة الثّانية: ورمزت لها بحرف "ب"، النسخة الثّالثة: ورمزت لها بحرف "جـ"، النسخة الرَّابعة: ورمزتُ لها بحرف "د"، النسخة الخامسة: ورمزت لها بحرف "ز"، النسخة السادسة: رمزت لها برمز "ر"، النسخة السابعة: ورمزت لها بالرمز "س"، النسخة الثامنة: ورمزت لها بالرمز "ش". النسخة التاسعة: ورمزت لها بالرمز "ص"، النسخة العاشرة: ورمزت لها بالرمز "ط"، النسخة الحادية عشرة: ورمزت لها بالرمز "ع"، النسخة الثانية عَشْرَةَ: ورمزت لها بالرمز "ف"، النسخة الثالثة عَشْرة: ورمزت لها بالرمز "ق"، النسخة الرَّابعة عشرة: ورمزت لها بالرمز "ك"، النسخة الخامسة عشرة: ورمزت لها بالرمز "ل"، النسخة السادسة عشرة: ورمزت لها بالرمز "م"، النسخة السابعة عشرة، ورمزت لها بالرمز "ن"، النسخة الثامنة عشرة: ورمزتُ لها بالرمز "هـ"، النسخة التّاسعة عشرة: ورمزت لها بالرمز "و"، والنسخة العشرون: ورمزت لها بالرمز "ى".
(٢) وعلى هذا المنهج اختصرت الجزء الأول من تفسير القرآن الكريم الذي قام بتحقيقه فضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني الأثري. فقد اختصرت التخريج وجعلت الهدف هو الحكم على الحديث، وقد حكمتُ على الأسانيد التي لم يذكر لها حكمًا وجعلتها بين معقوفين للتمييز.
[ المقدمة / ١٦ ]
٧ - الاستفادة من مصادر المؤلف لتحرير النص.
٨ - الاختصار في العزو إلى المصادر: إذا كان المصدر من كتب التفسير التي تكرر كثيرًا ومرتبة على سور المصحف فإني لا أذكر الصفحة والجزء كما في تفسير عبد الرزاق والطبري وابن أبي حاتم وغيره، وكذلك في النقل من تقريب التقريب لأنه مرتب على حروف المعجم، وأحيانأ أذكر الجزء والصفحة والطبعة لبيان الفوائد في التحقيق ولأُبرهن أن الحافظ ابن كثير ينقل من تفسير الطبري بالمعنى، فيكون ما كتبه من حفظه أو قد يكون اعتمد على نسخة غير النسخ الخطية التي اعتمدها معالي أ. د. التركي والأستاذ أحمد شاكر، وهذا الأمر بعيد الاحتمال.
٩ - عزو الشعر إلى الدواوين.
١٠ - بيان القراءات المتواترة والشاذة.
١١ - التعليق على بعض الروايات، وإذا كانت الرواية من الإسرائيليات نبَّهت على ذلك غالبًا.
١٢ - بيان الغريب، وإذا لم أذكر المصدر في بيان الغريب فهو غالبًا من كتاب "النهاية" لابن الأثير أو "حاشية السندي على مسند الإمام أحمد" نقلًا من المسند المطبوع بإشراف معالي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي.
١٣ - ضبط ما يحتاج إلى ضبطه من الأسماء والكنى والألقاب والبلدان ونحو ذلك، مع ضبط ما يشكل من كلمات في الروايات وغيرها.
١٤ - عزو أقوال المفسرين إلى مصادرها.
١٥ - عمل الفهارس الفنية التي تساعد القارئ في البحث، وهي كما يلي:
فهرس الآيات المستشهد بها.
فهرس الأحاديث.
فهرس الآثار.
فهرس الأعلام.
فهرس مصادر الحافظ ابن كثير.
فهرس الشعر.
فهرس الأمثال.
فهرس البلدان.
فهرس المصادر والمراجع.
فهرس الموضوعات.
وهذه الفهارس ستكون في الطبعة الثانية إن شاء الله تعالى.
[ المقدمة / ١٧ ]