وقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١].
حدثنا يحيى (^٤) بن بكير، حدّثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: قال رسول الله ﷺ: "لم يأذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن". وقال صاحب له: يريد يجهر به، فرد من هذا الوجه.
_________________
(١) البخاري في "فضائل القرآن" (٩/ ٦٧). وأخرجه أيضًا في "الوصايا" (٥/ ٣٥٦) وفي "المغازي" (٨/ ١٤٨)؛ ومسلم (١٦٣٤/ ١٦، ١٧).
(٢) في (أ): "وأما"!
(٣) أخرجه البخاري (١٠/ ١٢٣، ١٣/ ٢٠٥)؛ ومسلم (٢٣٧٨/ ١١).
(٤) البخاري في "فضائل القرآن" (٩/ ٦٨). وأخرجه أيضًا في "التوحيد" (١٣/ ٤٥٣) وفي "خلق الأفعال" (٢٤٢)؛ ومسلم (٧٩٢/ ٢٣٢).
[ ١ / ٨٢ ]
ثم رواه عن علي بن عبد الله المديني، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به. قال سفيان: تفسيره يستغني به.
وقد أخرجه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به.
ومعناه: أن الله تعالى ما استمع لشيء كاستماعه لقراءة نبي يجهر بقراءته ويحسنها، وذلك أنه يجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخشية، وذلك هو الغاية في ذلك، وهو ﷾ يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم.
كما قالت عائشة ﵂: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات. ولكن استماعه لقراءة عباده المؤمنين أعظم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآية [يونس: ٦١]، ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ كما دل عليه هذا الحديث العظيم.
ومنهم من فسر الأذن ههنا بالأمر.
والأول أولى لقوله: "ما أذن الله لشيء، ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن" أيْ: يجهر به، والأذن: الاستماع؛ لدلالة السياق عليه، وكما قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥)﴾ [الانشقاق] أي: استمعت لربها. وحقت أي وحق لها أن تستمع أمره وتطيعه، فالأذن ههنا هو الاستماع.
ولهذا جاء في حديث رواه ابن ماجه (^١) بسند جيد عن فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله ﷺ: "لله أشد أذنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته".
وقول سفيان بن عيينة: إن المراد بالتغني يستغنى به، فإن أراد أنه يستغنى به عن الدنيا وهو الظاهر من كلامه الذي تابعه عليه أبو عبيد القاسم بن سلام وغيره، فخلاف الظاهر من مراد
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه (١٣٤٠)؛ وأحمد (٦/ ٢٠)؛ والبخاري في "التاريخ الكبير" (٤/ ١/ ١٢٤)؛ وابن حبان (٦٥٩)؛ وابن نصر في "قيام الليل" (ص ٥٨)؛ والطبراني في "الكبير" (ج ١٨/ رقم ٧٧٢)؛ والبيهقي (١٠/ ٢٣٠)؛ والسمعاني في "أدب الإملاء" (ص ٩٣، ٩٤) من طرق عن الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن ميسرة مولى فضالة عن فضالة بن عبيد مرفوعًا … فذكره. قال البوصيري في "الزوائد" (٤٣٦/ ١): "هذا إسناد حسن" وجوده المصنف كما رأيت وفي قولهما تسامح؛ لأن ميسرة هذا قال الذهبي في "الميزان": "ما حدث عنه سوى إسماعيل بن عبيد الله" فهو مجهول العين وإن وثقه ابن حبان كما هو معروف. كيف وقد اختلف على الوليد بن مسلم في إسناده فقد رواه دحيم وإسحاق بن إبراهيم الطالقاني عن الوليد، ثنا الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله عن فضالة بن عبيد مرفوعًا. فسقط ذكر "ميسرة". أخرجه أحمد (٦/ ١٩)؛ والحاكم (١/ ٥٧٠، ٥٧١) وقال: "صحيح على شرط الشيخين" فرده الذهبي بقوله: "منقطع" وهذا الوجه أرجح من الأول؛ لأن يحيى بن حمزة والوليد بن مزيد وبشر بن بكر ومحمد بن شعيب بن شابور رووه عن الأوزاعي عن إسماعيل بن عبيد عن فضالة بن عبيد مثله. أخرجه أبو عبيد في "الفضائل" (ص ٧٧، ٧٨)؛ والحاكم (١/ ٥٧٠، ٥٧١)؛ والآجري في "أخلاق حملة القرآن" (٨٠)؛ والبيهقي في الشعب (ج ٥/ رقم ١٩٥٧). وتابعه ثور بن يزيد، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن فضالة. أخرجه البخاري في "الكبير" (٤/ ١/ ١٢٤). فهذا الوجه أقوى بلا ريب فالصواب في الإسناد أنه ضعيف من الوجهين. والله أعلم.
[ ١ / ٨٣ ]
الحديث؛ لأنه قد فسره بعض رواته بالجهر وهو تحسين القراءة والتحزين بها.
قال حرملة: سمعت ابن عيينة يقول: معناه: يستغني به، فقال لي الشافعي: ليس هو هكذا ولو كان هكذا لكان يتغانى، إنما هو يتحزن ويترنم به.
قال حرملة: وسمعت ابن وهب يقول: يترنم به، وهكذا نقل المزني والربيع، عن الشافعي ﵀.
وعلى هذا فتصدير البخاري الباب بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت] فيه نظر؛ لأن هذه الآية الكريمة ذكرت ردًا على الذين سألوا آيات تدل على صدقه حيث قال: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ الآية [العنكبوت: ٥٠، ٥١] ومعنى ذلك: أولم يكفهم آية دالة على صدقك إنزالنا القرآن عليك وأنت رجل أمي؟ ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت] أي: وقد جئت فيه بخبر الأولين والآخرين فأين هذا من التغني بالقرآن وهو تحسين الصوت به أو الاستغناء به عما عداه من أمور الدنيا؟ فعلى كل تقدير تصدير الباب بهذه الآية فيه نظر.