والاستعاذة هي الالتجاء إلى الله تعالى، والالتصاق (بجنابه) (^٩)، من شر كل ذي شر والعياذ يكون لدفع الشر واللياذ (يكون) (^١٠) لطلب جلب الخير، كما قال المتنبي (^١١):
(١٢) (يا من ألوذ به فيما أؤمله … ومن أعوذ به ممن أحاذره
لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره … ولا يهيضون عظمًا أنت جابره) (^١٢)
_________________
(١) كذا في (ل) و(ن) وسقط في (ج) و(ك).
(٢) ساقط من (ز) و(ع) و(هـ) و(ي).
(٣) ساقط من (ز) و(ع).
(٤) ساقط من (ج) و(ك) و(ل).
(٥) في (ن): "الظاهري".
(٦) ساقط من (ز) و(ع).
(٧) ساقط من (ن).
(٨) هذا الفصل إلى آخر بيتي المتنبي ساقط من (ز) و(ع).
(٩) في (ك) و(ل): "بجانبه".
(١٠) من (ن) و(هـ).
(١١) في "ديوانه" (٢/ ٢٢٥ بشرح البرقوقي).
(١٢) إلى هنا انتهى السقط من (ز) و(ع) والذي ابتدأ من قوله: "مسألة، وجمهور العلماء. . . إلخ" ثم اعلم أن المتنبي قال هذه الأبيات في جعفر بن كيغلغ، فنسأل الله السلامة، ولا ينبغي أن يخاطب بهذا إلا الله تعالى.
[ ١ / ١٦٨ ]
ومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ أي: أستجير بجناب الله من الشيطان (الرجيم) (^١) أن يضرني في ديني أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه، فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله، ولهذا أمر (الله تعالى) (^٢) بمصانعة شيطان الإنس ومداراته بإسداء الجميل إليه، ليرده طبعه عما هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن؛ لأنه لا يقبل رشوةً، ولا يؤثر فيه جميل؛ لأنه شرير بالطبع، ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه.
وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن، لا أعلم لهن رابعةً.
(قوله تعالى في الأعراف) (^٣): ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [١٩٩] فهذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر.
ثم قال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف].
وقال تعالى في سورة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ [المؤمنون] وقال تعالى في سورة حم السجدة: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت].
والشيطان في لغة العرب مشتق من "شطن"، إذا بعد؛ فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير.
وقيل: مشتق من "شاط"؛ لأنه مخلوق من نار؛ ومنهم من يقول: كلاهما صحيح في المعنى، ولكن الأول أصح، وعليه يدل كلام العرب؛ قال أمية بن أبي الصلت في ذكر ما أوتي سليمان عليه (الصلاة والسلام) (^٤).
أيما شاطن عصاه عكاه … ثم يلقى في السجن (والأغلال) (^٥)
فقال: أيما شاطن ولم يقل: أيما شائط.
وقال النابغة الذبياني، وهو زياد بن عمرو بن معاوية بن جابر بن ضباب بن يربوع (بن غيظ) (^٦) بن مرة بن سعد بن ذبيان:
_________________
(١) ساقط من (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(هـ) و(ى).
(٢) كذا في (ز) و(ع) و(ك) و(ى)، ووقع في (هـ): "الله سبحانه" وسقط لفظ "تعالى" من (ج) و(ل) وفي (ن) لم يذكر لفظ الجلالة.
(٣) كذا في (ع) و(ك) و(هـ) و(ى)، ووقع في (ج) و(ل): "قوله تعالى" وفي (ز): "قوله في الأعراف" وفي (ن): "قوله".
(٤) كذا في (ع) و(ك) و(ل) و(ى)، ووقع في (ج): "السلام والصلاة". وسقط لفظ "الصلاة" من (ز) و(ن) و(هـ).
(٥) أشار في (ج) و(ع) و(ى) إلى أنه في نسخة: "والأكبال" بدل "الأغلال".
(٦) بياض في (ج) و(ع) و(ن) و(ى) واستدركته من "طبقات فحول الشعراء" (١/ ٥١)؛ لابن سلام الجمحي، ووقع في (ز) و(ك) و(ل): "يروبع بن مرة".
[ ١ / ١٦٩ ]
نأت بسعاد عنك نوًى شطون … فباتت والفؤاد بها رهين
يقول: بعدت بها طريق بعيدة.
(١) (وقال سيبويه: العرب تقول: تشيطن فلان، إذا فعل فعل الشياطين، ولو كان من: "شاط" لقالوا: تشيط) (^١).
فالشيطان مشتق من البعد على الصحيح؛ ولهذا يسمون كل من تمرد من جنيٍّ وإنسيٍّ وحيوان: شيطانًا. قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢].
وفي "مسند (الإمام) (^٢) أحمد"، عن أبي ذر (﵁) (١)، قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أبا ذر تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن" فقلت: أو للإنس شياطين؟ قال: "نعم" (^٣).
وفي "صحيح مسلم" (^٤)، عن أبي ذرٍّ (أيضًا) (^٥) قال: قال رسول الله ﷺ: "يقطع الصلاة: المرأة والحمار والكلب الأسود". فقلت: يا رسول الله، ما بال الكلب الأسود من الأحمر (من) (^٦) الأصفر؟ فقال: "الكلب الأسود شيطان".
وقال ابن وهب (^٧): أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه - أن عمر بن الخطاب ﵁ ركب برذونًا، فجعل يتبختر به، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترًا، فنزل عنه، وقال: ما حملتوني إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي. إسناده صحيح.
والرجيم: فعيل بمعنى مفعول؛ أي: إنه مرجوم مطرود عن الخير كله، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥].
_________________
(١) ساقط من (ز).
(٢) من (ز) و(ن).
(٣) أخرجه أحمد (١٧٨، ١٧٩)؛ والنسائي (٨/ ٢٧٥)؛ والطيالسي (٤٧٨)؛ والبزار في "مسنده" (١٦٠ - كشف)؛ وابن مردويه في "تفسيره"؛ والبيهقي في "الشعب" (ج ٣/ رقم ٣٥٧٦) من طرق عن المسعودي، عن أبي عمر، ويقال: أبو عمرو، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر مطوّلًا ومختصرًا. وسنده واهٍ، وأبو عمر هذا تركه الدارقطني وعبيد بن الخشخاش، بمعجمتين، ويقال: الحسحاس بمهملتين، تركه الدارقطني أيضًا كما في "سؤالات البرقاني" (٣٢٧) وأما ابن حبان فوثقه!! وقال البخاري: عبيد بن الخشخاش لم يذكر سماعًا من أبي ذر، أما الهيثمي في "المجمع" (١/ ١٥٩، ١٦٠) فقال: "فيه المسعودي وهو ثقة ولكنه اختلط" كذا قال!! وكان ينبغي له أن يعل الحديث بواحدة مما ذكرت على الأقل؛ لأن المسعودي واسمه عبد الرحمن بن عبد الله إنما اختلط ببغداد وسماع أهل الكوفة منه جيد كما قال أحمد وغيره وقد رواه عنه: جعفر بن عون، ويعلى بن عبيد، وعبيد الله بن موسى وكلهم كوفيون وقد ذكر المصنف ﵀ (في تفسير الآية ١١٢ من سورة الأنعام) بعدما ذكر الحديث وطرقه: "فهذه طرق لهذا الحديث ومجموعها يفيد قوته وصحته. والله أعلم". اهـ. كذا! وفيه نظر ذكرته في "التسلية"، نعم كثير من فقراته. ثابت بشواهد أخرى. والله أعلم.
(٤) أخرجه مسلم (٥١٠/ ٢٦٥).
(٥) ساقط من (ج) و(ك) و(ل).
(٦) كذا في (ج) و(ع) و(ك) و(ل) و(ى). ووقع في (ز) و(ن) و(هـ): "والأصفر".
(٧) أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (١٣٦) قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأنا ابن وهب بسنده سواء، وسنده جيد وهشام بن سعد فيه مقال لكنه أثبت الناس في زيد بن أسلم كما قال أبو داود. وروايته هنا عنه، والله أعلم.
[ ١ / ١٧٠ ]