اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، ورحمن أشد مبالغة من رحيم، وفي كلام ابن جرير ما يفهم منه حكاية الاتفاق على هذا، وفي تفسير بعض السلف ما يدل على ذلك كما تقدم في الأثر عن عيسى ﵇ أنه قال: والرحمن:
رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم: رحيم الآخرة، وزعم بعضهم أنه غير مشتق إذ لو كان
_________________
(١) المراد ما جاء في آخر الآية الأولى وأول الآية الثانية من سورة إبراهيم: لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ
[ ١ / ٣٨ ]
كذلك (^١) لا تصل بذكر المرحوم وقد قال ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] وحكى ابن الأنباري في الزاهر عن المبرد أن الرحمن: اسم عبراني ليس بعربي. وقال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن: وقال أحمد بن يحيى: الرحيم عربي والرحمن عبراني، فلهذا جمع بينهما. قال أبو إسحاق: وهذا القول مرغوب عنه. وقال القرطبي: والدليل على أنه مشتق (^٢) ما خرّجه الترمذي وصححه عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:
«قال الله تعالى: أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته» قال: وهذا نص في الاشتقاق فلا معنى للمخالفة والشقاق، قال: وإنكار العرب لاسم الرحمن لجهلهم بالله وبما وجب له، قال القرطبي: ثم قيل هما بمعنى واحد كندمان ونديم قاله أبو عبيدة، وقيل: ليس بناء فعلان كفعيل، فإن فعلان لا يقع إلا على مبالغة الفعل نحو قولك: رجل غضبان للرجل الممتلئ غضبا، وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول (^٣)، قال أبو علي الفارسي: الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى، والرحيم إنما هو من جهة المؤمنين [كما] قال الله تعالى: ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ وقال ابن عباس: هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر أي أكثر رحمة، ثم حكي (^٤) عن الخطابي وغيره أنهم استشكلوا هذه الصفة وقالوا لعله أرفق (^٥) كما في الحديث «إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف» وقال ابن المبارك: الرحمن إذا سئل أعطى والرحيم إذا لم يسأل غضب. وهذا كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي صالح الفارسي الخوزي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «من لم يسأل الله يغضب عليه» وقال بعض الشعراء: [الكامل] الله يغضب ان تركت سؤاله … وبنيّ آدم حين يسأل يغضب (^٦)
وقال ابن جرير (^٧): حدثنا السري بن يحيى التميمي حدثنا عثمان بن زفر قال: سمعت
_________________
(١) أي: «لو كان مشتقا من الرحمة» كما هي عبارة القرطبي.
(٢) هو قول ابن الحصار يشير إلى ما خرّجه الترمذي، نقله القرطبي (١/ ١٠٤)
(٣) وأورد القرطبي شاهدا على هذا قول عملّس بن عقيل: فأما إذا عضّت بك الحرب عضّة فإنك معطوف عليك رحيم وأضاف: فالرحمن خاصّ الاسم عام الفعل، الرحيم عام الاسم خاصّ الفعل هذا قول الجمهور.
(٤) أي القرطبي (١/ ١٠٦)
(٥) أي: لعل قول ابن عباس هو: «هما اسمان رفيقان (بالفاء الموحدة) أحدهما أرفق من الآخر» على نحو ما جاء في القرطبي نقلا عن الحسين بن الفضل البجلي. قال: لأن الرقّة ليست من صفات الله تعالى في شيء، والرفق من صفاته ﷿. وبهذا المعنى نقل عن الخطابي.
(٦) البيت بلا نسبة أيضا في القرطبي ١/ ١٠٦.
(٧) تفسير الطبري ١/ ٨٤.
[ ١ / ٣٩ ]
العزرمي يقول: الرحمن الرحيم قال: الرحمن بجميع الخلق، الرحيم قال: بالمؤمنين: قالوا ولهذا قال ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ﴾ [الفرقان: ٥٩] وقال ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته وقال ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ فخصهم باسمه الرحيم. قالوا: فدل على أن الرحمن أشد مبالغة في الرحمة لعمومها في الدارين لجميع خلقه والرحيم خاصة بالمؤمنين، لكن جاء في الدعاء المأثور:
رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما. واسمه تعالى الرحمن خاص به لم يسم به غيره كما قال تعالى ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠] وقال تعالى: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف:
٤٥] ولما تجهرم مسيلمة الكذاب وتسمى برحمن اليمامة كساه الله جلباب الكذب وشهر به فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب فصار يضرب به المثل في الكذب بين أهل الحضر من أهل المدر وأهل الوبر من أهل البادية والأعراب.
وقد زعم بعضهم أن الرحيم أشد مبالغة من الرحمن لأنه أكّد به والتأكيد لا يكون إلا أقوى من المؤكد، والجواب أن هذا ليس من باب التأكيد وإنما هو من باب النعت ولا يلزم فيه ما ذكروه، وعلى هذا فيكون تقديم اسم الله الذي لم يسم به أحد غيره ووصفه أولا بالرحمن الذي منع من التسمية به لغيره كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠] وإنما تجهرم (^١) مسيلمة اليمامة في التسمي به ولم يتابعه على ذلك إلا من كان معه في الضلالة؛ وأما الرحيم فإنه تعالى وصف به غيره حيث قال: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] كما وصف غيره بذلك من أسمائه كما قال تعالى ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره ومنها ما لا يسمى به غيره كاسم الله والرحمن والخالق والرازق ونحو ذلك فلهذا بدأ باسم الله ووصفه بالرحمن لأنه أخص وأعرف من الرحيم، لأن التسمية أولا إنما تكون بأشرف الأسماء فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص. فإن قيل: فإذا كان الرحمن أشد مبالغة فهلا اكتفى به عن الرحيم؟ فقد روي عن عطاء الخراساني ما معناه أنه لما تسمى غيره تعالى بالرحمن جيء بلفظ الرحيم ليقطع الوهم بذلك فإنه لا يوصف بالرحمن الرحيم إلا الله تعالى، كذا رواه ابن جرير (^٢) عن عطاء. ووجهه
_________________
(١) كذا ولعله «تجاسر» كما ورد في القرطبي.
(٢) حديث عطاء: «كان الرحمن، فلما اختزل الرحمن من اسمه كان الرحمن الرحيم». قال القرطبي: والذي قال عطاء من ذلك غير فاسد المعنى، بل جائز أن يكون جل ثناؤه خصّ نفسه بالتسمية بهما معا مجتمعين، إبانة لهما من خلقه، ليعرف عباده بذكرهما مجموعين أنه المقصود بذكرهما من دون سواه من خلقه، مع ما في تأويل كل واحد منهما من المعنى الذي ليس في الآخر منهما.
[ ١ / ٤٠ ]
بذلك والله أعلم. وقد زعم بعضهم أن العرب لا تعرف الرحمن حتى رد الله عليهم ذلك بقوله ﴿قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾. ولهذا قال كفار قريش يوم الحديبية لما قال رسول الله ﷺ لعلي اكتب ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم. رواه البخاري وفي بعض الروايات: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة. وقال تعالى ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان:٦٠] والظاهر أن إنكارهم هذا إنما هو جحود وعناد وتعنت في كفرهم فإنه قد وجد في أشعارهم في الجاهلية تسمية الله بالرحمن. قال ابن جرير: وقد أنشد لبعض الجاهلية الجهال: [الطويل] ألا ضربت تلك الفتاة هجينها … ألا قضب الرحمن ربي يمينها (^١)
وقال سلامة بن جندل الطهوي (^٢): [الطويل] عجلتم علينا إذ عجلنا عليكم … وما يشإ الرحمن يعقد ويطلق (^٣)
وقال ابن جرير (^٤): حدثنا أبو كريب عثمان بن سعيد حدثنا بشر بن عمارة حدثنا أبو روق عن الضحاك عن عبد الله بن عباس قال الرحمن الفعلان من الرحمة هو من كلام العرب وقال ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ الرفيق الرقيق لمن (^٥) أحب أن يرحمه والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه، وكذلك أسماؤه كلها. وقال ابن جرير (^٦) أيضا: حدثنا محمد بن بشار حدثنا حماد بن مسعدة عن عوف عن الحسن قال: الرحمن اسم ممنوع. وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان حدثنا زيد بن الحباب حدثني أبو الأشهب عن الحسن قال الرحمن اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه تسمى به ﵎. وقد جاء في حديث أم سلمة أن رسول الله ﷺ كان يقطّع قراءته حرفا حرفا ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ فقرأ بعضهم كذلك وهم طائفة ومنهم من وصلها بقوله ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾. وكسرت الميم لالتقاء الساكنين وهم الجمهور، وحكى الكسائي من الكوفيين عن بعض العرب أنها تقرأ بفتح الميم وصلة الهمزة فيقولون ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ فنقلوا حركة الهمزة إلى الميم بعد تسكينها كما قرئ قول الله تعالى: ﴿الم اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ قال ابن عطية: ولم ترد هذه قراءة عن أحد فيما علمت.
_________________
(١) البيت بلا نسبة في الطبري ١/ ٨٦؛ والمخصص لابن سيده ١٧/ ١٥٢.
(٢) كذا أيضا في أصول تفسير الطبري، كما أشار محقق طبعة دار المعارف بمصر ١/ ١٣١، حاشية (٣). قال: وهو خطأ، إذ ليس سلامة طهويا. وصححها بالسعدي. قلت: ولعل الحافظ ابن كثير تابع الطبري في هذا الخطأ، إذ ينقل عنه في هذا المقام.
(٣) البيت لسلامة بن جندل في ديوانه ص ١٩؛ وتفسير الطبري ١/ ٨٦.
(٤) تفسير الطبري ١/ ٨٥.
(٥) في الطبري: «الرقيق الرفيق بمن أحب».
(٦) الطبري ١/ ٨٨.
[ ١ / ٤١ ]