قال الإمام أحمد: حدّثنا أبو نعيم حدّثنا بشر بن مهاجر حدّثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال:
كنت جالسا عند النبي ﷺ فسمعته يقول «تعلموا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة» (^٢) قال: ثم سكت (^٣) ساعة ثم قال «تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان (^٤) يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان (^٥) أو فرقان من طير صوّاف (^٦) وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب فيقول له:
هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته وإنك اليوم من وراء كل تجارة، فيعطى الملك بيمينه
_________________
(١) وزاد الترمذي هنا أن الليث «لم يذكر فيه عن أبي هريرة».
(٢) لا يستطيعها البطلة: لا يقدر على تحصيلها المبطلون أو أهل الباطل. وفي صحيح مسلم: قال معاوية ابن سلام: بلغني أن البطلة السحرة.
(٣) مسند أحمد «مكث» وهو الصواب.
(٤) سميتا الزهراوين لنورهما وهدايتها وعظيم أجرهما.
(٥) الغمامة والغياية بمعنى. وهما كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه من سحابة وغبره وغيرهما.
(٦) الفرقان: الجماعتان أو القطيعان، واحدهما فرق. وقوله: من طير صوّاف، جمع صافة وهي من الطيور ما يبسط أجنحته في الهواء.
[ ١ / ٦٣ ]
والخلد بشماله ويوضع على رأسه تاج الوقار ويكسى والداه حلّتين لا يقوم لهما أهل الدنيا فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال له: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها فهو في صعود ما دام يقرأ هذّا كان (^١) أو ترتيلا» (^٢) وروى ابن ماجة من حديث بشر بن المهاجر بعضه (^٣)، وهذا إسناد حسن على شرط مسلم فإن بشرا هذا خرج له مسلم ووثقه ابن معين وقال النسائي: ما به بأس، إلا أن الإمام أحمد قال فيه: هو منكر الحديث قد اعتبرت أحاديثه فإذا هي تأتي بالعجب. وقال البخاري: يخالف في بعض حديثه. وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن عدي: روى ما لا يتابع عليه. وقال الدارقطني:
ليس بالقوي. (قلت) ولكن لبعضه شواهد فمن ذلك حديث أبي أمامة الباهلي. قال الإمام أحمد: حدّثنا عبد الملك بن عمرو حدّثنا هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلام عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «اقرءوا القرآن فإنه شافع لأهله يوم القيامة اقرءوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن أهلهما» يوم القيامة ثم قال «اقرءوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة» (^٤) وقد رواه مسلم في الصلاة من حديث معاوية بن سلام عن أخيه زيد بن سلام عن جده أبي سلام ممطور الحبشي عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي به الزهراوان: المنيرتان، والغياية: ما أظلك من فوقك، والفرق: القطعة من الشيء، والصواف المصطفة المتضامة، والبطلة السحرة، ومعنى لا تستطيعها أي لا يمكنهم حفظها وقيل لا تستطيع النفوذ في قارئها والله أعلم. ومن ذلك حديث النواس بن سمعان قال الإمام أحمد (^٥):
حدّثنا يزيد بن عبد ربه حدّثنا الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي عن جبير بن نفير قال: سمعت النواس بن سمعان الكلابي يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمهم سورة البقرة وآل عمران» وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال «كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق (^٦) كأنهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما» ورواه مسلم (^٧) عن
_________________
(١) هذّ القرآن: أسرع في قراءته، وهو غير محمود.
(٢) الحديث رواه أحمد في المسند (ج ٩ ص ٩)
(٣) وروى مسلم بعضه من حديث أبي أمامة الباهلي مرفوعا (صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين حديث ٢٥٢)
(٤) مسند أحمد (ج ٨ ص ٢٧٠)
(٥) المسند (ج ٦ ص ٢٠٠)
(٦) شرق، بفتح الراء وإسكانها: ضياء ونور.
(٧) صحيح مسلم (صلاة المسافرين حديث ٢٥٣)
[ ١ / ٦٤ ]
إسحاق بن منصور عن يزيد بن عبد ربه به، والترمذي (^١) من حديث الوليد بن عبد الرحمن الجرشي به وقال: حسن غريب، وقال أبو عبيد: حدّثنا حجاج عن حماد بن سلمة عن عبد الملك بن عمير قال: قال حماد أحسبه عن أبي منيب عن عمه أن رجلا قرأ البقرة وآل عمران فلما قضى صلاته قال له كعب: أقرأت البقرة وآل عمران؟ قال: نعم قال: فوالذي نفسي بيده إن فيهما اسم الله الذي إذا دعي به استجاب. قال: فأخبرني به قال: لا والله لا أخبرك به ولو أخبرتك به لأوشكت أن تدعوه بدعوة أهلك فيها أنا وأنت، وحدّثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن سليم بن عامر أنه سمع أبا أمامة يقول: إن أخا لكم أري في المنام أن الناس يسلكون في صدع جبل وعر طويل وعلى رأس الجبل شجرتان خضراوان يهتفان هل فيكم قارئ يقرأ سورة البقرة؟ وهل فيكم قارئ يقرأ سورة آل عمران؟ قال: فإذا قال الرجل نعم دنتا منه بأعذاقهما (^٢) حتى يتعلق بهما فيخطران به الجبل، وحدّثنا عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن أبي عمران أنه سمع أم الدرداء تقول: إن رجلا ممن قرأ القرآن أغار على جار له فقتله وإنه أقيد به فقتل فما زال القرآن ينسل منه سورة سورة حتى بقيت البقرة وآل عمران جمعة ثم إن آل عمران انسلت منه وأقامت البقرة جمعة فقيل لها ﴿ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩] قال فخرجت كأنها السحابة العظيمة. قال أبو عبيد: أراه يعنى أنهما كانتا معه في قبره يدفعان عنه ويؤنسانه فكانتا من آخر ما بقي معه من القرآن. وقال أيضا: حدثنا أبو مسهر الغسّاني عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي أن يزيد بن الأسود الجرشي كان يحدث أنه من قرأ البقرة وآل عمران في يوم برئ من النفاق حتى يمسي ومن قرأهما في ليلة برئ من النفاق حتى يصبح قال:
فكان يقرأهما كل يوم وليلة سوى جزئه. وحدّثنا يزيد عن ورقاء بن إياس عن سعيد بن جبير قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: من قرأ البقرة وآل عمران في ليلة كان-أو كتب-من القانتين. فيه انقطاع ولكن ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قرأ بهما في ركعة واحدة.